زينب سعيدلم تتطرق اتفاقية الجماعة الاقتصادية الاوربية، التي تم توقيعها في روما 25 مارس 1957 ودخلت حيز التنفيذ في 14 يناير 1958، الى مسألة الهجرة. بل تركتها لتقدير الدول الاعضاء . ومن بين المبادئ الاساسية لاتفاقية روما: بناء "سوق مشترك" يضمن فيه ازالة العقبات لحرية تنقل السلع والاشخاص والخدمات وراس المال . غير أن حرية تنقل الاشخاص غير المنتمين للاتحاد الاوربي واستقرارهم وعملهم كانت الاكثر صعوبة لتحقيقها لانها تدخل ضمن الحقوق السيادية للدول الاعضاء ، والمقصود بحرية تنقل الاشخاص المدرجة في الاتفاقية مواطني الدول الاعضاء وليس المهاجرين.

اتفاقية شينغن

تم الوقيع على اتفاقية شينغن في 14 سونيو 1985، وقعتها كل من بلجيكا، فرنسا، لكسمبورغ، المانيا وهولندا، وادمجت في معاهدة 19 يونيو 1990. انضمت اليها ايطاليا سنة 1990 واسبانيا والبرتغال سنة 1991 واليونان سنة 1992 والنسما سنة 1995 والدانمارك وفنلندا والسويد سنة 1996، في حين ان بريطانيا وايرلندا لم توقعاها. لكنه بناء على البروتوكول رقم 19، المتعلق بمكتسبات شينكن المدمج في فضاء الاتحاد الاوربي يسمح بتعاون جميع الدول الاعضاء باستثناء بريطانيا وايرلندا. اللتان يحق لهما الاقرار جزئيا او كليا باحكامه. هما ليستا ملزمتين بامتياواته لكنهما تقرران قبول الاحكام المعتدة لتطوير هذا النظام. وفيها تم تحقيق حرية تنقل الاشخاص وتتطرق الى مسالة الهجرة واللجوء برفع الحدود لداخلية بين الدول الموقعة على الاتفاقية ووضع سياسة مشتركة في مراقبة الحدود الخارحية، وهو ما تم تطويره في القانون الموحد.

القانون الموحد

ينص القانون الموحد الموقع سنة 1986، على انشاء سوق موحد: "فضاء بدون حدود داخلية، يتم ضمان فيه حرية تنقل السلع، الاشخاص، والخدمات وراس المال". وقد أدرج القانون الموحد اساس وهدف حرية تنقل الاشخاص من كل الدول الاعضاء وحتى رعايا دول العالم الثالث ايضا. وهو ما لم تقبله كل الدول بل هناك من عارض عليه. وقد تم الاعتراف للمواطنين غير المنتمين للاتحاد الاوربي بحق الدخول فقط في حين ان حق الاقامة والحصول على العمل فقد كان من حق المواطنين المنتمين للاتحاد بشكل حصري.

اتفاقية ماستريخت

بين بداية الثمانينات ونهاية التسعينات حدثت تغييرات درامية جيوسياسية على المستوى الاوربي والعالمي مما دعى الضرورة لسياسة هجرة على مستوى الجماعة الاوربية. انهيار الاتحاد السوفياتي، الحرب في يوغزلافيا وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في عدة بلدان جنوب اوربية فتحت بابا لوفود حركات هجرة جديدة ومكثفة اتجاه اوربا . مع أول اكبر اصلاح لمعاهدة الجماعة الاوربية، بدأ النظر الى الهجرة الوافدة من وجهة نظر الجماعة. اتفاقية ماستريخت، الموقعة 1992، أقرت الطايع الجماعي" على سياسة الهجرة واللجوء اللتان على اساسهما تم ارساء التعاون. الاتفاقية، ولاول مرة، تتضمن قضية تتعلق بظروف اقامة ولم الشمل العائلي، والحصول على خدمات والعمل لرعايا بلدان العالم الثالث . اطار الجماعة، الذي في اطاره ادرجت سياسة الهجرة، قدم تقدما شكليا، لكنه فارغ المحتوى من مضمون التدخل يحبذ نهج الحكومي الدولي، مانحين للدول في المجلس تدخلا استشاريا بخصوص المسالة .

ينظم الباب الرابع لاتفاقية الاتحاد الاوربي أشكال التعاون الحكومية بين الدول الاعضاء المتعلقة بمجالات المصلحة المشتركة بينها ومن بينها أ} سياسة الهجرة النازحة والسياسة التي يجب اتباعها في حق مواطني رعايا بلدان العالم الثالث، ب} شروط دخول وتنقل رعايا بلدان العالم الثالث في اراضي بلدان الاتحاد الاوربي، ت} شروط اقامة رعايا بلدان العالم الثالث في اراضي بلدان الاتحاد الاوربي، متضمنة لم الشمل العائلي والحصول على عمل، ث} مكافحة الهجرة والاقامة والعمل، {البند K -1, 3}. تم الالمام بشكل مشترك بالعنصرين الاساسيين اللذين يكونان ظاهرة الهجرة وهما: الهجرة النازحة واللجوء.

اتفاقية ماستريخت اذن، تؤسس الجماعة على ثلاثة ركائز وهي:، الركيزة الاولى هي السوق الشتركة، والثانية هي السياسة الأمنية الخارجية المشتركة والثالثة مخصصة للتعاون في مجالات العدالة والشؤون الداخلية. الهدف من "الركيزة الثالثة" كما جاء في الاتفاقية هو " تسهيل حرية تنقل الاشخاص، وضمان في الوقت نفسه أمن ..الشعوب" .

وفيما يخص محافحة الهجرة السرية، فقد اقترحت المفوضية من جهة تسهيل الهجرة النازحة الشرعية، ومن جهة اخرى تبسيط اجراءات العودة القسرية عند الحدود او سرعة الطرد لمنتهكي قوانين اللجوء والهجرة النازحة. مع تطوير الحوار مع البلدان الاصلية وبلدان عبور المهاجرين النازحين .

اول محاولة لتنظيم وضعية الاجانب المقيمين لفترة طويل في احدى بلدان الدول الاعضاء يكمن في صياغة مشروع بطاقة حقوق وواجبات رعايا بلدان العالم الثالث من طرف البرلمان الاوربي سنة 1994 . كان هدف المشروع هو تقريب الظروف المعيشية لعمال رعايا العالم الثالث ونظرائهم الاوربيين. وتضم البطاقة 15 بندا ، تنظم مختلف الحقوق والحريات وواجبات الاجانب في اراضي الجماعة الاوربية. الحقوق المتضمنة كانت ذات طبيعة اقتصادية، اجتماعية، ثقافية وسياسية، وتشمل: الحق في ممارسة نشاط مهني مستقل أو تابع، الحق في الاجور العادلة، الحق في السكن، و الحق في الامن الاجتماعي وفي المساواة وفي التعامل وفي الفرص المتساوية بين اللرجل والمراة، وايلاء اهتمام خاص للمعوقين، الحق في التكوين المهني، والحق في حرية التنقل داخل اراضي الجماعة الاوربية، ثم الحق في لم الشمل االعائلي، وتسهيل الحصول على الجنسية للمقيمين لفترة طويلة في اراضي الجماعة الاوربية، وحق الاجنبي في ممارسة انشطة سياسية والحق في التصويت .

اتفاقية امستردام

مع اتفاقية امستردام الموقعة في امستردام 2 اكتوبر 1997 ودخلت حيز التنفيذ فاتح ماي 1999اكتمل تحول قانوني اتجاه "الطابع المجتمعي" لنظام الهجرة،. ومن اهم هذه المتغيرات هي الاتفاق على تعزيز التعاون بين الدول الاعضاء المهتمة بتقوية التعاون في مجالات بعينها.

فقد حققت اتفاقية امستردام اعادة توزيع مادية بين الركائز الثلاثة للاتحاد، محولة لركيزة الجماعة نظام بعض المجالات الداخلة يجب التعاون قيها: مجال العدالة والشؤون الداخلية المنصوص عليها في الباب السادس من اتفاقية الاتحاد الاوربي، المحصورة الان في تعاون الشرطة والتعاون القضائي في المسائل الجنائية .

وتوسعت صلاحيات الجماعة لتشمل سياسة التاشيرة واللجوء والهجرة النازحة وتضم سياسات اخرى متعلقة بحرية تنقل الاشخاص من بينها التعاون القضائي في الشؤون المدنية {الباب الرابع من اتفاقية الجماعة الاوربية} .

مع اتفاقية امستردام تم اللجوء الى الشراكة مع دول النزوح ودول العبور من أجل تشجيع المهاجرين النازحين في المساهمة في تنمية بلدانهم. وضمان للمهاجرين النازحين القاطنين بشكل شرعي"المعاملة العادلة والتحسين التدريجي في وضعيتهم القانونية، وبالاعتراف لمن يقطنون لفترة طويلة بحقوق وواجبات "مماثلة" لمواطني الاتحاد الاوربي. واتخاذ تدابير مشتركة لمكافحة العنصرية والخوف من الاجانب واي شكل من اشكال العنصرية اقتصادية كانت، أو اجتماعية او ثقافية.

وكان من الضروري من جهة ثانية، محافحة الهجرة غير الشرعية من خلال التعاون مع دول العالم الثالث مصدر المهاجرين النازحين. وهو ما يؤكده المجلس الاوربي لاشبيلية المنعقد 21-22 يونيو 2002، حيث اكد على اهمية تاكيد تعاون دول العالم الثالث مصدر الهجرة النازحة او مقر عبورها في شأن الادارة المشتركة لمراقبة الحدود, وقد اقترح اربعة مبادئ توجيهية: مكافحة الهجرة غير الشرعية، الادارة المشترك للحدود الخارجية، العلاقة مع بلدان العالم الثالث مصدر الهجرة ومحطة عبورها، سرعة انتاج قوانين بشان الهجرة النازحة واللجوء .

احد اهداف الاتحاد الاوبي هو "منح للمواطنين مستوى عال من الامن في فضاء الحرية والامن والعدالة، مطورا بين الدول الاعضاء حركة مشتركة في مجال تعاون الشرطة والتعاون القضائي في المسائل الجنائية مع منع العنصرية والخوف من الاجانب. وتحقيق هذه الاهداف قد يتاتى عن طريق تعاون وثيق بين سلطات الشرطة المختصة للدول الاعضاء، تعاون مباشر او عن طريق المكتب الاوربي للشرطة{اوروبول Europol }. وايضا التعاون بين السلطة القضائية للدول الاعضاء وعن طريق الوحدة الاوربية للتعاون القضائي اوروجاست Eurojust}. وامكانية تقارب قوانين الدول الاعضاء في المسالة الجنائية. مثبتين الاحكام الدنيا المتعلقة بعناصر المكونة للجرائم والعقوبات .

معاهدة لشبونة

في حين أن معاهدة لشبونة توضح وتعزز القيم والاهداف التي أسس عليها الاتحاد الاوربي، تحتفظ بالحقوق القائمة وتقدم أخرى جديدة. خاصة وانها تضمن الحرية والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الحقوق الاساسية جاعلة اياها ملزمة قانونيا. وتعزز الاتفاقية التي تضم الحقوق المدينية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الحريات الاساسية، وهي الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الاوربيين . مع اتفاقية لشبونة تم تعزيز قدرة حركة الاتحاد بخصوص الحرية والامن والعدالة لمكافحة الجريمة والارهاب بشكل اكثر حدة. وعلاوة على ذلك فان الاحكام الجديدة في مجال الحماية المدنية، والمساعدات الانسانية والصحة العامة تساهم في تعزيز قدرة الاتحاد على مواجهة التهديدات التي يتعرض لها امن المواطنين .

وتؤطر اتفاقية لشبونة فضاء "حرية، امن، وعدالة" كهدف يجب متابعته {البند رقم 3 الفقرة 2 من اتفاقية الاتحاد الاوربي}.

وتنص المعاهدة على ان المجلس الاوربي هو المحدد للتوجهات الاستراتيجية العامة للتخطيط التشريعي والعملي في مجال فضاء "حرية امن وعدالة"، عن طريق برنامج مدته خمس سنوات .

السياسة الحالية

 اعادت نتائج الحركات الاجتماعية التي انتفضت في العالم العربي، والحرب على سوريا وليبيا، سؤال الهجرة الى الاجندة السياسية الاوربية التي عملت على نهج سياسات لضبط حركات اللاجئين والمهاجرين النازحين الذين يتركون بلدانهم غير المؤمنة بسبب الحروب والازمة والظلم والقهر ليعتنقوا اوربا.

فقد نشرت المفوضية الاوربية 13 ماس 2015 الاجندة الاوربية حول الهجرة. تقترح الاجندة تدابير فورية لمواجهة الوضعية المتأزمة في البحر المتوسط وتحدد الخطوط العريضة للمبادرات التي سيتم اطلاقها في السنوات المقبلة لتحسين ادارة الهجرة من كل جوانبها. وتقترح المفوضية، على المدى البعيد والمتوسط، مبدائ توجيهية في اربعة مجالات للتدخل:

- تخفيض حوافز الهجرة غير النظامية: مواجهة اسبابها الجذرية والقسيرية في بلدان العالم الثالث، مكافحة الاتجار بالبشر وتهريبهم، والترحيل.

- ادارة الحدود: انقاذ الارواح الانسانية وتامين الحدود الخارجية

- تطوير سياسة اوربية مشتركة بخصوص للجوء: تنفيذ النظام الاوربي المشترك، نظام دوبلين، تقسيم المسؤوليات بين الدول الاعضاء. ووضع سياسة جديدة بخصوص الهجرة النظامية من خلال تحديث نظام "البطاقة الزرقاء"، باقرار اولويات جديدة لسياسة الاندماج وتحسين مكاسب سياسة الهجرة بخصوص الاشخاص والبلدان الاصلية المعنية .

على اساس الاجندة نشرت المفوضية لاوربية 6 ابريل 2016 مبادئها التوجيهية بخصوص الهجرة النظامية واللجوء. واضعة اربعة مجالات رئيسية فيما يخص الهجرة: مراجعة تعليمات البطاقة الزرقاء، جذب رجال الاعمال المبتكرين الى الاتحاد، توفير نموذج فعال لادارة الهجرة النظامية على المستوى الاوربي، عن طريق تقييم الاطار القائم، وتعزيز التعاون مع البلدان الرئيسية الاصلية، لضمان طرق قانونية للدخول للاتحاد الاوربي، مع ترحيل من لا يمتلك الشرعية في البقا ء.

وفي مارس 2018 نشرت المفوضية الاوربية تقريرا عن حالة تنفيذ الاجندة الاوربية الخاصة بالهجرة لتطوير استراتيجية الادارة الاوربية المشتركة للحدود، مع الاخذ بعين الاعتبار ان حدود الاتحاد الاوربي الخارجية هي حدود مشتركة تتطلب اتخاذ تدابير جماعية مشتركة من طرف السلطات الوطينة والاتحاد الاوربي .

 

زينب سعيد

 

حسام الدجنينعم، يستطيع الرئيس محمود عباس أن يؤلم قطاع غزة، ويتخذ قرارات قوية قد تصل إلى مستوى القطيعة الكاملة مع القطاع، والتي سيترتب عليها تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية، في هذا المقال سأجتهد في استشراف مستقبل قطاع غزة وخياراته في حال قرر عباس وقف تمويل قطاع غزة بالكامل.

تقدّم السلطة لقطاع غزة جزء من موازنتها، وتجبي أموالًا من ضرائبها، ويدور جدل بين الفرق بين ما تجبيه وتصرفه، وهنا لا أريد الدخول بهذا الجدل وأتركه لخبراء المال والاقتصاد، فالمسألة التي نناقشها متعلقة بوقف كامل للصرف، مع بقاء تحصيل الضرائب والمقاصة من غزة، بما يعني فقدانًا واضحًا وملموسًا للسيولة النقدية من قطاع غزة، المنهك أصلًا من العقوبات والحصار الصهيوني.

في حال اتخذ عباس هكذا قرارات، ما هو مستقبل وخيارات قطاع غزة...؟

سيناريو القطيعة مع غزة هو مرادف لسيناريو فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وهو حلم صهيوني بدأ يتحقق بشكل واضح بعد اكتمال المشروع الصهيوني بالقدس، واعتراف الولايات المتحدة بأن القدس عاصمة موحدة لدولة (إسرائيل)، ولكن المشروع الصهيوني لم يكتمل إلا بضم الضفة الغربية أو على أقل تقدير أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وعليه فإن (إسرائيل) وحلفائها سيعملون على تعزيز خيار فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وإنشاء كيان سياسي ممجوج في قطاع غزة، أو العمل على التخلص من قطاع غزة عبر إلقائه تدريجيًّا في حضن مصر.

بقصد أو دون قصد فإن حالة التيه والفشل السياسي تدفعنا دفعًا باتجاه تمرير صفقة القرن، وأن الرئيس عباس الذي يرفض صفقة القرن عبر وسائل الإعلام يساعد في تمريرها على الأرض عبر العقوبات التي تزايدت تدريجيًّا وستصل إلى أعلى درجاتها قريبًا حسب مصادر للشرق الأوسط.

إن خيارات قطاع غزة في حال أوقفت السلطة مساهمتها المالية له ما يلي:

1. خيار الانفجار في وجه الاحتلال: ويأخذ الشكلين، الأول: السلمي عبر مسيرات العودة مع تغيير أدواتها واستخلاص الدروس والعبر من الأسابيع السابقة، بما يقلل من تكلفتها البشرية ويعزز من مكاسبها السياسية والاعلامية.

الثاني: الانفجار المسلح عبر مواجهة محدودة أو شاملة، وبذلك خلط الأوراق للجميع، وما تخشاه (إسرائيل) ضمن هذا الخيار أن يؤدي مشهد الدمار والخراب إلى زحف هادر للمدنيين من قطاع غزة إلى الداخل المحتل بما يحاكي مشهد المهاجرين السوريين إلى تركيا وأوروبا.

2. خيار التهدئة: قد تذهب حماس لتوظيف كل الأوراق التي تمتلكها ومنها ورقة الجنود المأسورين لديها في سبيل تطبيق اتفاق تثبيت وقف إطلاق النار 2014م، والشروع في العمل على تشييد الممر المائي بما يضمن حصول حكومة غزة على قيمة المقاصة الضريبية، فتحدث بذلك جزء من الاستقرار المالي ولو نسبيًا.

3. خيار انفصال قطاع غزة عن الوطن: سنبدأ نسمع جدل صاخب حول هوية المسئول عن فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وكل طرف سيلقي المسئولية على الآخر، و(إسرائيل) وحلفائها ستعزز بصمت على نجاح هذا الخيار كما تحدثنا في مقدمة المقال.

4. خيار بقاء الوضع الراهن: هذا الخيار رغم أهميته، إلا أنه لم يعد مقبولًا فصائليًا ولا شعبيًا، فخيار الموت البطيء وفقدان الأمل أخطر من خيار الحرب، وهو يضرب عصب الحياة في قطاع غزة ويترتب عليه تداعيات خطيرة على مستوى المجتمع الفلسطيني، حيث بدأت تظهر أعراض أمراض اجتماعية لم تكن موجودة في أي حقبة زمنية سابقة. وفي حال اتخذ عباس مزيد من العقوبات فإن قطاع غزة على موعد مع انهيارات سريعة لكافة مكونات المجتمع الفلسطيني.

5. خيار تسليم قطاع غزة للرئيس عباس:

جوهر هذا الخيار أن تعود حماس لما قبل عام 2006م من جهة وجودها بالحكم، وتسلم السلطة كاملة فوق الأرض وتحت الأرض، كما هو الحال في الضفة الغربية الآن، أو في قطاع غزة خلال الفترة الزمنية 1996-2000م، وبتوضيح أكثر دون سلاح، لأن عباس أعلنها بوضوح ودوّنها في الورقة الفتحاوية الأخيرة للمصالحة في قوله: سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد.

وهذا الخيار يطرح ثلاثة تساؤلات:

على افتراض أن حماس ستوافق على هذا الخيار، قد يسأل البعض: لماذا لا تناور حماس وتسلم سلاحها للمجتمع الدولي وللاحتلال وحينها ستمنح شرعية سياسية وترفع من قوائم الإرهاب وسيغدق العالم عليها المال، وسيفرش السجاد الأحمر لها؟

هل حققت السلطة إنجازات عظيمة في الضفة الغربية الخالية من السلاح على صعيد وقف الاستيطان وتهويد القدس، ورفع الحواجز بين المدن، ووقف توغلات الجيش وما يقوم به بشكل مستمر من اغتيالات أو اعتقالات؟

هل التجربة في الضفة الغربية ناجحة بالمقارنة مع الأثمان السياسية والأمنية والاقتصادية، لدرجة تمني تطبيقها في قطاع غزة، هل تحررت الضفة اقتصاديًا وسياسيًا وأصبح لدينا عملة وطنية ومطار ومعابر فلسطينية تربطنا بالعالم الخارجي، أم اننا أمام حكومة تجاوزت مديونتها 2 مليار دولار، ورئيسها يعبر عبر الحلابة الإسرائيلية عبر حواجز الاحتلال؟

قد يذهب البعض ليقول: لتسلم حماس الحكم وتبقي على سلاحها، ولمن يتبنى هذه الرؤية أقول له: ما مستقبل العلاقة بين سلاح السلطة وسلاح المقاومة لو حدث أي حدث أمني في قطاع غزة، وهل يقبل المانح الغربي بتلك المعادلة..؟

6. خيار الفراغ الأمني والسياسي.

قبل عام ونيف صدرت بعض التسريبات التي تفيد بأن كتائب القسام تقدّمت بمبادرة من أربعة بنود لقيادتهم السياسية في حركة حماس، يتمثّل أبرزها بإحداث حالة من الفراغ السياسي والأمني في غزة، إذ تتخلى حماس عن أي دور في إدارة القطاع. وتابع المصدر: “تكلّف الشرطة المدنية بدورها في تقديم الخدمات المنوطة بها، وتقوم بعض المؤسسات المحلية بتسيير الشؤون الخدماتية للمواطنين”. وشدّد على أن “كتائب القسّام” والأجنحة العسكرية التابعة للفصائل الفلسطينية، ستكلّف بملف السيطرة الميدانية الأمنية.

وأكّد المصدر على أن الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية التي تديرها حركة “حماس”، ستكلّف بمتابعة الأمور الميدانية المدنية فقط.

من الممكن أن تذهب غزة نحو هذا الخيار، وبذلك تدير أزمة من خلال صناعة أزمة، ولكن لهذا الخيار محاذير كبرى، متعلقة بتدحرج الأمور في غزة نحو انهيارات أمنية أو أن تدفع تلك الخطوة بعض الفصائل الصغيرة التي لا تتفق مع حماس لجرها للمواجهة العسكرية مع الاحتلال، عبر إطلاق قذائف باتجاه منطقة غلاف غزة.

الخلاصة: إن خيارات غزة تعكس تعقيدات المشهد وصعوبته، وأن تعثر المصالحة سيأتي بمزيد من النكبات على شعبنا الفلسطيني وعليه ينبغي العمل على إنجاز المصالحة ووحدة الصف الوطني الفلسطيني ومراجعة أدواتنا في إنجاز مشروعنا الوطني التحرري بما يضمن الوصول بالقضية الفلسطينية إلى بر الأمان، وهذا يتطلب تعزيز لغة الشراكة وإشراك مكونات شعبنا الفلسطيني في تذليل العقبات بين الأشقاء فتح وحماس.

وفي حال لم تنجز المصالحة، فخيارات الحل لا تكمن بمزيد من العقوبات، بل بالعودة لشعبنا عبر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني على قاعدة الشراكة وبناء مؤسسات سياسية بطرق ديمقراطية سليمة، تنهي حالة التفرد للشخص أو الحزب، وتعزز من العمل المشترك الذي يؤسس لاستراتيجية وطنية تستفيد من كل الأدوات الممكنة السياسية والدبلوماسية والقانونية والمقاطعة الاقتصادية والمقاومة بكل أشكالها الشعبية والسلمية والمسلحة وفقًا لفقه المصلحة الوطنية.

 

بقلم: د. حسام الدجني

 

 

حسام الدجنينجح الرئيس محمود عباس في إفشال جهود القاهرة والأمم المتحدة للتهدئة، بعد تعثر مسار المصالحة، وهو ما يطرح تساؤل ما هي خيارات غزة في ظل تعثر المصالحة والتهدئة...؟

1. خيار التصعيد عبر مسيرات العودة وكسر الحصار.

2. خيار التصعيد العسكري (المحدود أو الشامل).

3. خيار بقاء الوضع الراهن.

4. خيار تسليم السلطة للرئيس عباس من الباب للمحراب.

5. خيار إعلان غزة إقليم محرر أو دولة غزة.

6. خيار الفراغ الأمني والسياسي.

7. خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية مع تركيا أو مصر.

8. خيار توقيع وثيقة الاستسلام.

أولاً: خيار التصعيد عبر مسيرات العودة وكسر الحصار.

في الوقت الراهن قد تعمل غزة على التصعيد عبر المقاومة الشعبية والسلمية من خلال مسيرات العودة مع تغيير طفيف في أدواتها بما يشكل حالة ضغط مستمرة على الاحتلال والمجتمع الدولي لدفعهم للقبول بإبرام تهدئة بمشاركة الرئيس عباس أو دونه.

ثانياً: خيار التصعيد العسكري (المحدود أو الشامل).

تزداد فرص هذا الخيار مع الوقت وزيادة وتيرة الحصار، ورغم أن المقاومة والاحتلال يرفضان الذهاب لهذا الخيار إلا أن لكل منهما أسبابه.

أ‌. المقاومة الفلسطينية: تريد أن تحافظ على قوتها العسكرية وتوظيفها سياسياً كقوة ردع في ظل غياب الظهير العربي الذي قد يوفر خطوط إمداد لها، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً وإعلامياً. وأيضاً تدرك المقاومة واقع الحاضنة الشعبية التي أنهكها الحصار والعدوان وبذلك تعمل بكل قوة من أجل إبعاد شبح الحرب، إلا أن تلك الاسباب قد تذهب بعيداً في حال تدهورت الأمور أكثر في قطاع غزة، وتكون غزة على موعد مع سيناريو الحرب.

ب‌. إسرائيل: لا تريد إسرائيل الحرب في هذا التوقيت للأسباب التالية: ضمان نجاح مشروع التطبيع وتشكيل حلف عربي ضد إيران، بالإضافة لرغبة الاحتلال في التفرغ للجبهة الشمالية وطرد حزب الله والحرس الثوري الإيراني من الجنوب السوري، وكذلك استكمال بناء الجدار البري والبحري مع غزة.

ورغم قوة الأسباب لكلا الطرفين بأن شبح الحرب ما زال بعيداً، إلا أن ما سبق قد يقرب من شبح الحرب انطلاقاً من رؤية كل طرف لعوامل ضعف الخصم وعدم رغبته بالحرب.

ثالثاً: خيار بقاء الوضع الراهن.

هذا الخيار رغم أهميته، إلا أنه لم يعد مقبولاً فصائلياً ولا شعبياً، فخيار الموت البطيء وفقدان الأمل أخطر من خيار الحرب، وهو يضرب عصب الحياة في قطاع غزة ويترتب عليه تداعيات خطيرة على مستوى المجتمع الفلسطيني، حيث بدأت تظهر أعراض أمراض اجتماعية لم تكن موجودة في أي حقبة زمنية سابقة.

رابعاً: خيار تسليم السلطة للرئيس عباس من الباب للمحراب.

جوهر هذا الخيار أن تعود حماس لما قبل عام 2006م من جهة وجودها بالحكم، وتسلم السلطة كاملة فوق الأرض وتحت الأرض، كما هو الحال في الضفة الغربية الآن، أو في قطاع غزة خلال الفترة الزمنية 1996-2000م، وبتوضيح أكثر دون سلاح، لأن الرئيس عباس أعلنها بوضوح ودوّنها في الورقة الفتحاوية الأخيرة للمصالحة في قوله: سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد.

وهذا الخيار يطرح ثلاثة تساؤلات:

1. على افتراض أن حماس ستوافق على هذا الخيار، قد يسأل البعض: لماذا لا تناور حماس وتسلم سلاحها للمجتمع الدولي وللاحتلال وحينها ستمنح شرعية سياسية وترفع من قوائم الإرهاب وسيغدق العالم عليها المال، وسيفرش السجاد الأحمر لها...؟

2. هل حققت السلطة انجازات عظيمة في الضفة الغربية الخالية من السلاح على صعيد وقف الاستيطان وتهويد القدس، ورفع الحواجز بين المدن، ووقف توغلات الجيش وما يقوم به بشكل مستمر من اغتيالات أو اعتقالات..؟

3. هل التجربة في الضفة الغربية ناجحة بالمقارنة مع الأثمان السياسية والأمنية والاقتصادية، لدرجة تمني تطبيقها في قطاع غزة، هل تحررت الضفة اقتصادياً وسياسياً وأصبح لدينا عملة وطنية ومطار ومعابر فلسطينية تربطنا بالعالم الخارجي، أم اننا أمام حكومة تجاوزت مديونتها 2 مليار دولار، ورئيسها يعبر عبر الحلابة الإسرائيلية عبر حواجز الاحتلال..؟

قد يذهب البعض ليقول: لتسلم حماس الحكم وتبقي على سلاحها، ولمن يتبنى هذه الرؤية أقول له: ما مستقبل العلاقة بين سلاح السلطة وسلاح المقاومة لو حدث أي حدث أمني في قطاع غزة...؟

خامساً: خيار إعلان غزة إقليماً محرراً أو دولة غزة.

دعا الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان شلح لتبني هذا الخيار أثناء عدوان العصف المأكول 2014م لتجاوز اتفاق أوسلو ومتطلباته وإعلان غزة إقليماً محرراً، وتشكيل حكومة لإدارة القطاع، ورغم أهمية هذا المقترح إلا أنه لا يمكن تطبيقه دون مصالحة وطنية فلسطينية، وموافقة إقليمية لا سيما من مصر، وحتى لو أنجزت المصالحة وعلى فرضية موافقة الرئيس عباس وفتح لهذا الخيار فلا أعتقد أن المجتمع الدولي سيدعمه، وبذلك قد يستهدف بالحصار كما استهدفت حكومة حماس بعد انتخابات يناير 2006م. ولكن هذا الخيار له وعليه.

فهو يشكل نقطة انطلاق في بناء مؤسسات الدولة والتحرر من القيود والابتزاز الاسرائيلي للسلطة في الضفة الغربية، وفي المقابل قد تستغل إسرائيل انتقال الثقل السياسي من الضفة لغزة وتقوم بضم الضفة الغربية لها، ومع مرور الزمن تصبح غزة هي الدولة الفلسطينية.

سادساً: خيار الفراغ الأمني والسياسي.

قبل عام ونيف صدرت بعض التسريبات التي تفيد بأن كتائب القسام تقدّمت بمبادرة من أربعة بنود لقيادتهم السياسية في حركة حماس، يتمثّل أبرزها بإحداث حالة من الفراغ السياسي والأمني في غزة، إذ تتخلى حركة "حماس" عن أي دور في إدارة القطاع. وتابع المصدر: "تكلّف الشرطة المدنية بدورها في تقديم الخدمات المنوطة بها، وتقوم بعض المؤسسات المحلية بتسيير الشؤون الخدماتية للمواطنين". وشدّد على أن "كتائب القسّام" والأجنحة العسكرية التابعة للفصائل الفلسطينية، ستكلّف بملف السيطرة الميدانية الأمنية.

وأكّد المصدر على أن الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية التي تديرها حركة "حماس"، ستكلّف بمتابعة الأمور الميدانية المدنية فقط.

من الممكن أن تذهب غزة نحو هذا الخيار، وبذلك تدير أزمة من خلال صناعة أزمة، ولكن لهذا الخيار محاذير كبرى، متعلقة بتدحرج الأمور في غزة نحو انهيارات أمنية أو أن تدفع تلك الخطوة بعض الفصائل الصغيرة التي لا تتفق مع حماس لجرها للمواجهة العسكرية مع الاحتلال، عبر اطلاق قذائف باتجاه منطقة غلاف غزة.

سابعاً: خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية مع تركيا أو مصر.

يطرح البعض خيار الكونفدرالية، وهو شكل يتطلب تنسيق عالي بين دولتين أو أكثر يتمتعان بالسيادة الكاملة، وحتى يكون ذلك ممكناً بحاجة إلى إعلان غزة دولة مستقلة وهو ما يرفضه شعبنا الفلسطيني، عوضاً عن احتمالية رفض مصر وتركيا له، أما خيار الفيدرالية بأن تتحد غزة مع تركيا أو مصر، فهذا يعني تصفية المشروع الوطني الفلسطيني ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبوله من أي طرف من الأطراف.

ثامناً: خيار توقيع وثيقة الاستسلام.

شهد التاريخ نماذج عديدة لتوقيع وثائق الاستسلام، وقد حصل ذلك في ألمانيا واليابان عام 1945م بعد هزيمتهما بالحرب العالمية الثانية، ومن ثم نهضتا وأصبحتا قوةً اقتصادية وعسكرية لها وزنها بالنظام الدولي، وجوهر وثيقة الاستسلام التي تعلنها غزة هي:

نعترف بدولة إسرائيل، وجاهزون لتسليم سلاحنا ومقدراتنا العسكرية لها، ونتنازل طوعياً عن كل حقوقنا المشروعة بالقانون الدولي، ونقبل للعيش سوياً بأمن وسلام ضمن حدودها.

وعلى المجتمع الدولي أن ينفذ ما جاء في هذه الوثيقة تنفيذاً أميناً، فالدولة الديمقراطية الواحدة هي الخيار الأمثل للسلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

هذا الخيار مؤلماً، وبحاجة أيضاً إلى اجماع وطني فلسطيني وهو صعب التحقق، فليس من عادة الفلسطيني الاستسلام، ولكني أطرح هذا الخيار من باب التفكير خارج الصندوق رغم عدم إيماني به.

قد يكون هذا الخيار لو أحسنا إدارته الأكثر كلفة للاحتلال، فالمعركة الديموغرافية ستكون بديلاً عن المعركة المسلحة، والدولة الواحدة الديمقراطية أفضل بكثير من حل الدولتين في ظل تعثرنا كفلسطينيين في إدارة سلطة، وفي ظل انقلاب الاحتلال والإدارة الأمريكية على حل الدولتين، وسيكون هذا النموذج هو المحرك للعالم لإنقاذ غزة والقضية الفلسطينية لإدراك العالم مخاطر المعركة الديموغرافية في ظل السيكولوجية اليهودية المعروفة التي لا تقبل التعايش، وبذلك سنرى زيادة في معدلات الهجرة العكسية من إسرائيل للعالم الخارجي، مقابل زيادة في معدلات عودة فلسطينيو الشتات إلى وطنهم.

الخلاصة: نعيش اليوم ذكرى اتفاق أوسلو، وبعد مرور 25 عاماً عليه بات من الواضح أن هذا الاتفاق الذي أقام سلطة تحت الاحتلال وجعل من احتلال إسرائيل الأقل كلفة في التاريخ، هو سر نكبتنا، ويجب أن ينصب تفكيرنا الاستراتيجي بالتخلص من تداعيات هذا الاتفاق بما يخدم مصالحنا الوطنية.

إن خيارات غزة تعكس تعقيدات المشهد وصعوبته، وأن تعثر المصالحة سيأتي بمزيد من النكبات على شعبنا الفلسطيني وعليه ينبغي العمل على إنجاز المصالحة ووحدة الصف الوطني الفلسطيني ومراجعة أدواتنا في إنجاز مشروعنا الوطني التحرري بما يضمن الوصول بالقضية الفلسطينية إلى بر الامان، وهذا يتطلب تعزيز لغة الشراكة وإشراك مكونات شعبنا الفلسطيني في تذليل العقبات بين الأشقاء فتح وحماس.

 

د. حسام الدجني

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

ابراهيم أبراشلم يكن دخول القيادة الفلسطينية مربع التسوية السياسية خطأ استراتيجيا كبيرا من حيث منطق السياسة وضرورات التعامل مع متغيرات قاهرة تحتاج لمرونة سياسية وتعدد في أساليب المواجهة، في المقابل فإن مقاومة الاحتلال لم تكن خطأ أو خروجا عن منطق وسياق التحرر الوطني، ولكن الخطأ كان في غياب استراتيجية وطنية توافقية للتعامل مع نهج التسوية ومع اتفاق أوسلو والسلطة وليدة اتفاق أوسلو،أيضا كان الخطأ في نهج المقاومة الفصائلية بدون استراتيجية وطنية وتبعية بعض فصائل المقاومة لأجندة ومشاريع خارجية محل خلافات عربية وإسلامية، ثم في الانقسام الفلسطيني، حيث كان وما زال مبرر حركة حماس من وراء تمترسها بمواقفها هو رفضها لنهج منظمة التحرير في التفاوض مع الاحتلال ووقف المقاومة المسلحة .

وهكذا ومع كل يوم يمر إلا ونستشعر المأزق والشرك الكبير الذي وقعت به حركة التحرر الوطني الفلسطيني بداية بتوقيعها على اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية دون وجود استراتيجية وطنية شمولية للتعامل مع عملية التسوية ودون امتلاك الخطط الوطنية البديلة في حالة فشلها، ثم انحراف عملية التسوية والخلل في أداء السلطة، أيضا الخلل في أداء معارضي اتفاق أوسلو وخصوصا حركة حماس .

لم يكن اتفاق أوسلو مجرد اتفاق كبقية الاتفاقات التي تعقدها الدول مع بعضها البعض أو الاتفاقيات التي تعقدها حركات التحرر الوطني وهي في أوج انتصاراتها مع دولة الاحتلال لترتيب كيفية جلاء جيش الاحتلال، وفي نفس الوقت لم تكن اتفاقية استسلام فلسطيني لدولة إسرائيل، كما لم تكن تعبر عن نوايا صادقة من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بل كانت اتفاقية ملتبسة في أهدافها ونصوصها فرضتها ظروف قاهرة أهمها ضغوط أمريكية لتحقيق أهداف أمريكية لها علاقة بتطورات حرب الخليج الثانية وتوجه واشنطن لإعادة قواعد التحكم في النظام الدولي الجديد بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بالإضافة إلى محاولة الالتفاف على وإجهاض قرارات المجلس الوطني في الجزائر 1988 التي تطالب بقيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 .

بعد مرور ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو وبالرغم من التصريحات العلنية من الجميع بفشل اتفاق أوسلو إلا أن مفاعيل اتفاق أوسلو ما زالت تحكم العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين وذلك من خلال وجود السلطة من وزارات ومؤسسات وأجهزة امنية وجوازات سفر وتنسيق أمني وبروتوكول باريس الاقتصادي الخ، حتى حركة حماس عندما قررت الدخول في الانتخابات التشريعية يناير 2006 وعندما شكلت منفردة حكومة ثم شاركت بحكومة وحدة وطنية لسلطة الحكم الذاتي أي سلطة أوسلو وعندما تطلب اليوم من حكومة الحمد الله وهي حكومة سلطة الحكم الذاتي (سلطة أوسلو) رواتب لموظفيها الخ فإن هذا يشكل اعترافا ولو ضمنيا باتفاقية أوسلو .

اليوم وبعد ربع قرن على توقيع الاتفاق تتباين المواقف وتغتم رؤية الحكم على الاتفاق ويمكن التطرق لثلاثة مواقف :

1- موقف الرفض المطلق لاتفاق اوسلو ومخرجاته

وأصحاب هذا الموقف يُخونون الاتفاق ومن وقعوه ويًحملونه المسؤولية عن كل ما جرى ويجري من دمار للمشروع الوطني وأنه قدم تنازلات كبيرة لإسرائيل دون أن يستفيد منه الفلسطينيون، وأنه شجع كثيرا من الدول على أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل . وهذا الفريق يضم فصائل من خارج منظمة التحرير كحركتي حماس والجهاد وفصائل من منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وشخصيات مستقلة ومن داخل حركة فتح نفسها .

2- موقف الدفاع عن الاتفاق

مع أن هؤلاء يتآكلون مع مرور الوقت إلا أن هناك من يدافع عنه ويعتبره اتفاق فرضته الضرورة ويمكن البناء عليه وخصوصا فيما يتعلق بوجود سلطة فلسطينية وبناء مؤسسات وبنية تحتية فلسطينية تشكل قاعدة للدولة الفلسطينية القادمة بالإضافة إلى أن الاتفاق سمح بعودة مئات الآلاف من فلسطيني الشتات، وهذا الفريق يضم قيادة منظمة التحرير وقيادة حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية الصغيرة .

3- مواقف وسطية

وهؤلاء يرون أن المشكلة لم تكن في الاتفاق بحد ذاته بل بكيفية إدارة ملف التسوية وبالأخطاء التي صاحبته ويطالبون بخروج متدرج من الاتفاق وملحقاته، وهؤلاء يتزايدون كل يوم حتى داخل منظمة التحرير وحركة فتح وقد برزت هذه المواقف من خلال قرارات متعددة للمجلس المركزي لمنظمة التحرير تطالب بإعادة النظر ببعض مشتملات الاتفاق وملحقاته كالتنسيق الأمني وبروتوكول باريس الاقتصادي والاعتراف بإسرائيل بل وترتفع مطالبات بحل السلطة .

أما إذا تحدثنا عن الأخطاء التي ارتكبتها قيادة منظمة التحرير في التعامل مع نهج التسوية والتوقيع على اتفاق أوسلو والمخاطر التي نتجت عن ذلك فهي كما يلي :

1- القبول بدخول عملية التسوية في مدريد وأوسلو على أساس قراري مجلس الأمن 224 و 338 فقط وتجاهل بقية قرارات الشرعية الدولية كقرار التقسيم 181 وقرار حق العودة 194 وعديد القرارات التي تتحدث عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه بمقاومة الاحتلال الخ . وهذا يتعارض مع إعلان قيام الدولة في الجزائر 1988 الذي قَبِل الدخول بعملية التسوية على أساس كل قرارات الشرعية الدولية . وعلى هذا الأساس فإن اتفاقية أوسلو ليست تطبيقا لإعلان الاستقلال في الجزائر ولا تتفق مع المشروع الوطني بل هي مجرد مشروع تسوية تنكرت له إسرائيل وكانت سببا في فشله، وبالتالي لا تُلزم الاتفاقية وتوابعها الشعب الفلسطيني ولا تُمثل مرجعية وطنية ملزمة له .

2- تأجيل قضايا الوضع النهائي وهي قضايا استراتيجية، مما جعل المفاوضات تشكل غطاء للاستيطان والتهويد في الضفة والقدس .

3- التباس صيغة الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، حيث اعترفت منظمة التحرير بحق إسرائيل بالوجود دون ذكر لحدود إسرائيل،وكان يفترض أن يكون الاعتراف بإسرائيل في حدود ما قبل حرب حزيران 1967 مقابل اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية على حدود 1967، وكان من الأفضل أن يكون الاعتراف المتبادل كأحد مخرجات المفاوضات وبعد قيام دولة فلسطين، وكان نتيجة هذا الخطأ أن القيادة الفلسطينية اليوم في مأزق حيث استمرار اعترافها بإسرائيل يعني قبولها بقانون القومية اليهودي .

4- تهميش منظمة التحرير لصالح السلطة .

بدلا من أن تكون السلطة الوطنية أداة بيد منظمة التحرير للتعامل مع عملية التسوية فيما يخص فلسطينيي الداخل وتبقى المنظمة ممثلة لكل الشعب الفلسطيني ومرجعية جامعة يمكن الرجوع لها إذا ما فشلت عملية التسوية،بدلا من ذلك جرت عملية تهميش مقصودة لمنظمة التحرير وتم اختزال الشعب الفلسطيني بفلسطينيي الداخل وأصبحت منظمة التحرير مجرد ملحق بالسلطة الوطنية بدون سلطة اتخاذ قرار،ومن السلطة تتلقى المنظمة الموازنة ورواتب العاملين فيها بالإضافة إلى وجود أحزاب خارج المنظمة بل وتنافسها على تمثيل الشعب .

5- تجاهل فلسطينيي الشتات .

وهؤلاء أحد جناحي الثورة الفلسطينية ومخزون بشري ونضالي كان من الممكن توظيفهم بشكل أفضل لمقارعة إسرائيل في المحافل الدولية وفي التأثير على الدول المضيفة .

6- الصراع على السلطة بدلا من الوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال .

لأن أتفاق أوسلو أسس سلطة فهذا أدى للصراع بين الأحزاب على السلطة بدلا من التوحد في مواجهة الاحتلال، وهذا ما أدى للمواجهات بين السلطة الوطنية وحركة حماس ثم سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وتشكيلها سلطة وحكومة خاصتان بها .

7- كسر حالة العداء أو تمييعها بين الشعب ومغتصبي أرضه .

وهذا أمر خطير لأن استمرار حالة العداء للخصم وتعبئة الشعب ضده يعتبر أحد أدوات المواجهة وحصانة للشعب من الاختراق الفكري والثقافي ومنع التطبيع مع الاحتلال . وهكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي التزمت به السلطة بعملية التسوية بما في ذلك التنسيق الأمني ووقف التحريض،استمرت إسرائيل على نهجها المعادي للسلام وللاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني واستمرت من خلال ساستها ومستوطنيها تمارس الإرهاب وتحرض على الشعب الفلسطيني وقياداته وتتهمهم بالإرهاب .

8- تزاوج السلطة والثروة سواء في الضفة أو غزة .

بسبب التحولات التي طرأت على النخب السياسية وبسبب تعثر عملية التسوية وتراجع خيار المقاومة،فقد سادت قناعات عند كثيرين من النخب السياسية بأن السلطة هي نهاية المطاف لذا تعاملوا مع السلطة ليس كأداة نضالية بل كمصدر للرزق ومراكمة الثروة،وتشكلت نخب سياسية اقتصادية في الضفة وغزة راكمت الثروات وأصبحت مستعدة للقتال من أجل السلطة حفاظا على مصالحها الشخصية .

9- تحويل الفدائيين والثوار إلى موظفين وكَتَبة يتقاضون رواتب من سلطة تموَّلَ من الخارج،وتحت إشراف ورقابة الاحتلال !.. بدأ الأمر مع مناضلي حركة فتح وفصائل منظمة التحرير ثم انتقل لمجاهدي حركة حماس .

10- قطع طريق العودة لنهج المقاومة .

لأن السلطة حلت محل حالة التحرر الوطني ولأن حركة فتح تحولت لحزب سلطة في الضفة الغربية وحركة حماس تحولت لسلطة في قطاع غزة،فإن المقاومة حتى السلمية منها باتت تتعارض وتهدد مصالح السلطتين الحاكمتين لأن المقاومة تستدعي تدخل جيش الاحتلال مما قد يؤدي لإنهاء السلطتين،وبالتالي أصبحت السلطة والحفاظ عليها عائقا أمام مهمة المقاومة والتحرير .

وأخيرا فإن الحديث عن فشل اتفاق أوسلو يحتاج لمراجعة لأن ما فشل هو المراهنة الفلسطينية بأن تؤدي تسوية أوسلو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة كما تضمن إعلان الاستقلال في الجزائر 1988، وما فشل هو حل الدولتين المرتبط بخطة خارطة الطريق المحددة بفترة تمتد لعام 2005 وبالرباعية الدولية، ولكن لم يفشل اتفاق أوسلو حسب الرؤية الأمريكية والإسرائيلية وما كانوا يخططون له من وراء تحريك عملية التسوية مع مدريد ثم أوسلو، واليوم تجري عملية تحويل مخرجات أوسلو لتسوية جديدة تسمى صفقة القرن .

 

د. إبراهيم أبراش

 

الانقسام الحاصل في الساحة السياسية العراقية بين تكتلين كبيرين يتنافسان مع بعضهما حول أسبقية تشكيل الحكومة القادمة أرى فيه اصطفافا وفرزا طبيعيا للقوى المتنافسة أو المتصارعة (موضوعها السلطة لا شك) وهو فرز يحمل في طياته بوادر إيجابية تؤشر على بداية خروج النظام السياسي من صيغة "الكل يشارك"، والذي يشكل الحجرالأساس لمعادلة المحاصصة الحزبية، باتجاه صيغة "مجموعة تحكم وأخرى تعارض" هذا إذا ما تطابقت الأقوال مع الأفعال إذ صدرت تصريحات من الطرفين يتحدث كل منهما فيه عن إمكانية تحوله إلى طرف معارض إذا لم يحصل على التكليف بتشكيل الحكومة.

والأمر الذي يعزز من إيجابية هذا الفرز هو أن كلا الكتلتين تضمان كيانات سياسية وشخصيات من كل الطيف الاجتماعي والسياسي العراقي فهما يضمان السنة والشيعة والكرد والتركمان وغيرهم. وهو في نهاية الأمر يعيد طرح صيغة حكومة الأغلبية والتي طرحت لأول مرة في انتخابات 2014 واجهضت وقد اصبحت هذه الصيغة تلقى رواجا شعبيا بعد أن ثبت أن حكومة الشراكة التي تضم الجميع هي صيغة تعطيل للقرار الحكومي والبرلماني والتي كانت سببا اساسيا في جعل العراق يرواح في مكانه.

ومهما اختلفنا في وصف الاصطفاف الحاصل فأنه اتخذ عنوانا عريضا هو جبهة أمريكا من جهة وجبهة إيران من الجهة الأخرى وهذه النظرة تعبر عن جزء من الحقيقية وهو ليس الجزء الأهم لأنها ببساطة تنتقص بل وتنفي وجود استقلالية للقرار السياسي العراقي إذا ما تجنبنا الحديث عن "وطنية عراقية" والذي أصبح مفهوما رجراجا اليوم. ومن الناحية الموضوعية فلا شك أن إيران، رغم حرصها على وحدة الطرف الشيعي كأولوية، فهي لا تفضل وجود حكومة تخضع لمشيئة الولايات المتحدة لأن ذلك يمثل خطرا قاتلا عليها فقد سبق وأن دفعت ثمنا باهضا في حرب الثماني سنوات مع نظام لم يكن للولايات المتحدة نفوذ داخله أو تأثير عليه بل تم التاثير عليه ودفعه لتلك الحرب بالوساطة من خلال بعض الأنظمة الخليجية والأردن. فكيف إذا وجدت حكومة تخضع للتاثير الأمريكي؟ وليس وقوع حرب مع العراق هو ما تخشاه إيران فهذا أمر بعيد الاحتمال بل تخشى ان ينخرط في العقوبات الأمريكية ويغض النظر عن النشاط الأمريكي ضدها انطلاقا من الأراضي العراقية. وفي ظل حكومة لا تتسم بالحزم أزاء التدخل الأمريكي فقد تصبح أجواءه ممرا لعبور المقاتلات الإسرائيلية إذا ما قرر قادة إسرائيل في واحدة من حماقاتهم أن يهاجموا إيران.

وبالنسبة للولايات المتحدة فأن ما يروج حول تفضيلها طرف على آخر وممارستها الضغوط من خلال الوعيد والتهديد ليس نابعا من يقينها أن الطرف الذي تؤيده سوف ينصاع لكل ما تطلبه بخصوص إيران سواء كان العبادي نفسه أو حلفائه من "سائرون" (الصدريين بشكل خاص) بل لإدراكها أنه يمثل أفضل ما تستطيع الحصول عليه في الظروف الحالية مما يعطيها مزيدا من الوقت لإنضاج خططها البعيدة الأمد الخاصة بالعراق للوصول إلى أفضل حكومة تحلم بها حتى لو تطلب الأمر عقودا من العمل الصبور. فالسيد الصدر الطرف الأقوى في التكتل الذي تؤيده ليس بصديق لها يمكن الاعتماد عليه بل أن سجل علاقته مع الولايات المتحدة خلال ال 15 سنة الماضية ملئ بالقروح وهو لن يشعر بالارتياح بأن يوسم تكتله بأنه مفضل لدى أمريكا ويمكن في اي وقت ان يبدر منه ما يبعد هذه "الشبهة" عنه.

وبشكل عام يمكن القول أن الولايات المتحدة تجد في هذا التكتل نقيضا للتكتل الآخر الذي يضم في صفوفها قادة اقوياء للحشد الشعبي تلك القوة التي لعبت دورا كبيرا مساندا للجيش في حسم المعركة ضد داعش الأمر الذي حرم الولايات المتحدة من فرصة جعل نفسها القائد الحقيقي للجيش العراقي في حربه ضد داعش وهو ما كانت تطمح إليه من أجل مد نفوذها داخل هذا الجيش وجعله يشعر بالعجز دون مساعدتها. وللولايات المتحدة تاريخ طويل في ربط علاقات عمل ومصلحة مع قادة جيوش دول العالم الثالث لاستخدامهم في التدخل ضد الأنظمة السياسية أو الحكومات التي لا تروق لها و ليس هناك ما يمنعها من أن تكرر تجربتها مع الجيش العراقي وهو هدف لن تتوقف عن متابعته.

ولدي اعتقاد قوى بأن الولايات المتحدة سوف تشكل، أو قد شكلت فعلا، غرفة خاصة بالسيد الصدر تضم اختصاصيين نفسانيين لدراسة شخصيته ومن ثم الوصول إلى أفضل الوسائل للتاثير عليه لينسى الجروح القديمة ويفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة. وهذا بالطبع لن يتم دون معونة يقدمها لهم مقربون من السيد الصدر باتجاهيين: الأول (لنسميه "اتجاه ذاهب") يقوم على تقديم معلومات حول دقائق تصرفاته وردود فعله وما إلى ذلك مما يفهمه ذوي الاختصاص من أجل دراستها والوصول إلى استنتاجات محددة بشأن طريقة التعامل معه والاتجاه الثاني (لنسمه "اتجاه قادم") يقوم على تلقين هؤلاء المقربين ما عليهم قوله وفعله لإحداث التاثير المطلوب على قراراته. ويوجد في صفوفو كتلة "سائرون" من هم مستعدون أن يقدموا مثل هذه الخدمة عن طيب خاطر وبالطبع لن تكون خدمة مجانية فلها مردود سياسي ومالي كما يتوقع القائمون بها.

وبالعودة إلى ما قلته حول عدم كمال وجهة النظر القائلة بوجود معسكر إيراني وآخر أمريكي فإنه يمكن الحديث عن وجود ثلاث توجهات رئيسية داخل الكتلتين المتنافستين:

الأول: توجه براغماتي يمثله السيد حيدر العبادي والذي يقوم على أن الولايات المتحدة بما لديها من قدرات يمكنها أن تلحق ضررا كبيرا بالعراق إذا ما شكلت حكومة لا تنظر إليها بعين الرضا خاصة لناحية العلاقة مع إيران وسوريا. ويكفي النظر إلى تركيا كمثال على ذلك حيث أدى مجرد "زعل" بين الحليفين القديمين إلى أن يتراجع صرف الليرة التركية أمام الدولار بنسبة تفوق 70 بالمائة وهي عقوبة لا تزيد أن تكون "جرة إذن" لتحذير أردوغان أن لا يذهب بعيدا في علاقته مع إيران وروسيا ويجاريهما في سوريا. هنا نحن نتحدث عن بلد صناعي زراعي يملك اقتصادا قويا وناتجه القومي يقارب 800 مليار دولار فما بالك بعراق شريان الحياة الوحيد الذي يملكه هو انبوب النفط؟ وها نحن نرى السيد اردوغان يجرجر بقدمية في موضوع القضاء على ما تبقى من الإرهابيين في أدلب ويتناغم مع الطرح الأمريكي ويعود لنغمة تحميل الأسد المسؤولية بعد ان كان قد تخلى عن هذه النغمة لفترة من الزمن (مقالته الأخيرة في النيويرك تايمز). لم يكن ذلك هو الانقلاب الوحيد في المواقف من طرف السيد أردوغان ولكن يبدو ان الأمر يتعلق هذه المرة بالدرس الذي أعطته الولايات المتحدة له و الخاص بكيفية المحافظة على العملة الوطنية التركية وبالتالي الاقتصاد التركي كله.

وبالنسبة للعراق فقد حافظت عملته الدينار العراقي على استقرار سعر صرفه ولم يحدث له ما حدث لعملات الكثير من بلدان العالم الثالث بفضل ربطه بالدولار وإذا ما قررت الولايات المتحدة معاقبة العراق اقتصاديا فيمكن أن نرى سعر صرف الدينار العراقي ينحدر لمستويات تشبة مستويات أيام الحصار في التسعينات ويعرف كل عراقي معنى ذلك.

ويمكن ايضا إيراد المثال الروسي تعزيزا لهذه الرؤية حيث تتعرض العملة الروسية الروبل لضغوط شديدة جراء العقوبات الاقتصادية الأمريكية فأين العراق من روسيا؟

ويرسل السيد العبادي إشارات مجاملة للولايات المتحدة لينبأها أنه في حالة ما شكل الوزارة الجديدة فلن يصدر منه ما يزعجها ويضع ذلك تحت عنوان المصلحة الوطنية العراقية. "أنا لا أستطيع ان أجوع شعبي" هذا ما قاله موجها كلامه لكل الأطراف الشعبية والسياسية في إشارة تحذير وبالطبع اشارة للولايات المتحدة ليخبرها أنه يعرف ما يمكنها أن تفعله.

و لا يعني ذلك من وجهة نظري أن العبادي سينصاع بشكل كامل للولايات المتحدة فيما يتعلق بمحاصرة إيران اقتصاديا أو تحويل أراضي العراق منطلقا للنشاط المفتوح ضدها (وهذا يحرمه الدستور العراقي) بل أن لسان حاله هو ان حكومته سوف تتعايش مع الرغبات الأمريكية بحدود قدراتها وبالحدود التي تتطلبها المصلحة العراقية. أي بكلمة أخرى" لا خضوع كاملا و لا عداء".

وأميل للاعتقاد ان تفكيره هذا والذي سوف يصبح نهجه إذا ما كلف بتشكيل الحكومة يحظى بقبول وتأييد جزء لا يستهان به من "سائرون" وخاصة ما يسمى بالتيار المدني وكذلك اليسار وقد يسايره بذلك السيد الصدر وأنصاره ولو إلى حين وحتى يثبت أن سياسته بمجملها مرضي عنها شعبيا. و لا شك أن الولايات المتحدة سوف تساعده عن طريق التدخل لتسهيل مهمته والضغط وإبلاغ الأطراف الداخلية والإقليمية التي تملك عليها تاثيرا بأنهم يجب أن يتعاونوا معه كما وستساعده في الحد من التهديد الإرهابي الكامن. ويمكن ملاحظة أن الاعتراضات التي كان يثيرها السيد الصدر على ترشيح العبادي مثل وجوب تركه حزب الدعوة قد خفت أو ضاع صداها وسط التنافس الحاد بين الكتلتين الكبيرتين بحيث بات ينظر للعبادي على أنه المرشح الوحيد لما يسمى كتلة الإصلاح ذلك أن ظهور اي بادرة للخلاف حول مرشح الكتلة في الظروف الحالية سوف يعني ضياع فرصة تكليفها بتشكيل الحكومة.

التوجه الثاني هو ذلك الذي يمثله السيد الصدر وانصاره في "سائرون" والذي يجمع بين البعد عن الولايات المتحدة وعن إيران في نفس الوقت اي وضعهم على قدم المساواة في النظرة وهذا ما ما كان يشير إليه السيد دوما عندما يكرر القول انه يرفض التدخلات الخارجية من أي جهة كانت في إشارة إلى أن إيران تتدخل في العراق كما تتدخل الولايات المتحدة. وبالطبع هناك من يعتبر التدخل الأمريكي مقبولا والإيراني مرفوضا في الجهة المقابلة هناك من يرفض المساواة ويعتبر التدخل الإيراني من باب المساعدة وليس الفرض أو الإملاء كما تفعل الولايات المتحدة.

وكما قلت أنفا ربما شعر السيد الصدر بنوع من الحرج في أن ينظر إلى العبادي، الذي بات مرشح الأمر الواقع بالنسبة ل "سائرون"، على أنه مرشح الولايات المتحدة لذلك و لتجنب إعطاء انطباع أن الصدر يجامل الولايات المتحدة ربما لجأ إلى التشدد في شروطه التي يجب على رئيس الوزراء المكلف ان ينفذها ليقبل به وستحوي خطاباته خلال المرحلة القادمة لهجة متشددة ليذكر رئيس الوزراء أن عليه أن يسير على الطريق الذي يرسمه هو وليقول للناس أن الولايات المتحدة ليست هي من يملي السياسات على الحكومة بل هو صاحب المركز الأول في الانتخابات.

وإذا أردنا استخدام لغة مجازية يمكن أن نقول أن "سائرون" أصبح أسيرا لكتلة "النصر" ووجوده بالسلطة رهن قبوله بالعبادي مرشحا وحيدا لأنه خلاف ذلك ستكون رئاسة الوزراء من حصة كتلة "بناء" وهذا ما لا أعتقد أن السيد الصدر وأنصاره يتمنوه. (هذا كان قبل أحداث البصرة وسأتحدث عن ذلك في الجزء الأخير من المقالة)

أما التوجه الثالث فيمثله كتلة البناء التي تتسم (خلاف تكتل الإصلاح) بدرجة عالية من الانسجام من حيث المنطلقات وبالتالي المواقف. وعدا قوة تأثير قادة الحشد الشعبي في هذا التكتل يمكن القول أن هذا التوجه يمثل القوى العقائدية التي تؤمن باستقلالية القرار العراقي في مواجهة الولايات المتحدة ومستعدة من أجل ذلك لأن تتحمل النتائج. وهي واضحة في موقفها من إيران وسوريا فهي ترى في انتصار النظام في سوريا على الإرهاب وعلى المعارضة المسلحة يصب في مصلحة العراق واستقراره وترى في إيران سندا للعراق في مواجهة الضغط والتدخل السعودي والخليجي في الشأن العراقي. وهي ترى في تسخير الساحة العراقية لممارسة نشاط معاد لجارين كبيرين كما تريد الولايات المتحدة لن يجلب للعراق سوى المشاكل وعدم الاستقرار وتعتبرأن ثمن الانصياع للولايات المتحدة سيكون على المدى البعيد أعلى بكثير من ثمن رفض إملاءاتها.

وهذا لا يعني أن هذه الكتلة سوف تتبع سياسية مناهضة للولايات المتحدة فهي تدرك ان لا مصلحة للعراق بذلك فحتى إيران او سوريا ورغم كل ما تكبدتاه من ضرر من هذه القوة العظمى ستكون مستعدة للحوار مع الولايات المتحدة دون شروط تفرضها الأخيرة.

و لا أعتقد أن الولايات المتحدة سوف تترك هذه الكتلة تحكم دون أن تسبب لها أنواعا شتى من المشاكل من أجل الإطاحة بها واستبدالها بمن ترضى عنهم وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على تحريك الناس ضد حكومة تشكلها هذه الكتلة بعد أن تكون الولايات المتحدة قد اختلقت مشاكل وتحديات اقتصادية وأمنية عديدة تعجز عن حلها حكومة هذه الكتلة (لنتذكر تصريحات قائد عسكري أمريكي كبير بأن داعش لا يزال قويا في سوريا والعراق). وإذا ما أطيح بحكومة "البناء" فالأرحج إننا لن نرى انتقالا للسلطة يحمل طابعا سلميا (تسليم واستلام حضاري) بل قد تسيل من أجل ذلك دماء وتعم الفوضى، والفوضى هو البديل الثاني المفضل (الخطة رقم 2) لدى الولايات المتحدة بعد حكم رجالاها المفضلين. عندها سيكون لسان حال السيد العبادي: "ها شكلتلكم"؟ (كلامي هذا محاولة لقراءة المستقبل في ضوء السلوك الأمريكي الذي نشهده حاليا في كل مكان ولا يزيد عن ذلك).

في خضم هذا التنتافس الحاد تأتي أحداث البصرة والتي لم تكن تحمل أي مضامين سياسية سوى الاحتجاج على الحكومات المحلية والوطنية المتعاقبة التي فشلت في حل المشاكل الحياتية لهذه المدينة المهمة. ولم تحمل الاحتجاجات الجماهيرية اي معاني تفضيل كتلة على أخرى قبل أن يصار إلى مهاجمة القنصلية الإيرانية ومقرات الحشد الشعبي. ويرى الكثيرون أن ما حدث قد اخل بمعادلة التوازن القائمة عندما اتفق الطرفان المتنافسان على تحميل حكومة العبادي المسؤولية في تردي الأوضاع الخدمية في البصرة ودعاها إلى الاستقالة. وللوهلة الأولى يبدو أن "سائرون" قد خطا خطوة كبيرة نحو كتلة "البناء" وابتعد بمثلها عن "النصر" التي يتزعمها العبادي. لكن قد يكون هذا الحكم متسرعا فالأنباء تتحدث عن استئناف اللقاءات بين "سائرون" و"الفتح" بزعامة هادي العامري فقط. و يحاول المالكي تمهيد الطريق امام "سائرون" للاقتراب من "البناء" باعلانه أنه لن يترشح لرئاسة الوزراء تلك العقبة الكأداء أمام تقارب مثل هذا. غير أن انفلات "سائرون" من قبضة العبادي لا يعني سقوطا حرا في كماشة "البناء" بل محاولة لوصل ما انقطع من الحوار بين "سائرون" و"الفتح" لاستكشاف إمكانية تشكيل نواة جديدة لا مكان فيها لا للمالكي ولا للعبادي وأظن أن هذه الصيغة هي المفضلة لدى السيد الصدر وأنصاره إذا ما وافق العامري عليها وجلبت عددا من القوى الأخرى يكفي لتشكيل الأغلبية. إن نجاح هذه الصيغة يعني انفراط عقد ما سبق ويفتح الطريق أمام مزاد آخر لا تعرف نهايته.

والسؤال الملح الآن: هل أن "سائرون" قد تعجلت في دعوتها للحكومة للاستقالة والذي يعني أنها تراجعت عن قبولها العبادي كمرشح "الإصلاح" لتشكيل الوزراة القادمة أم أنها خطت خطوة محسوبة تريد بها التملص من التزامها بذلك الترشيح بعد ما شاع حول تأييد الولايات المتحدة لها وبالتالي إعادة رسم صورة التحالفات؟ إن إصرارا "النصر" على بقاء العبادي مرشحها الوحيد – وهو أمر لا نتوقع خلافه- يضع كتلة "الإصلاح" على المحك إذ يصعب على "سائرون" أن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل أحداث البصرة فتقبل بالعبادي مرشحا وحيدا فتكون بنظر الناس متذبذبة المواقف كما يصعب عليها أن تبدأ ماراثونا جديدا من الحوار داخل "الإصلاح" حول ترشيح شخص آخر غير العبادي كشرط لبقاء التحالف. أنا أعتقد ان "سائرون" تود لو يبقى "الإصلاح" على ما هو عليه دون أن يكون العبادي مرشحه الوحيد وتفضله على الانضمام إلى "البناء" لأن ذلك سوف يضعها في موضع أقلية داخله. لذلك نراها لجأت إلى خيار آخر كان قد جرب ولم ينته نهاية ترضاها أي التفاهم مع "الفتح" كنواة كبرى يلتحق بها من يريد الالتحاق. وسواء توصلت "سائرون" إلى تسوية مع "البناء" أو نجحت في تكوين نواة جديدة مع "الفتح" فلا شك أن حلفائها من التيار المدني ومن اليسار سيصابون بخيبة أمل وربما لجأوا إلى الانسلاخ من الكتلة عندها فإن مكانهم الوحيد سيجدونه عند "النصر" ويرتضون لأنفسهم المعارضة.

وبالطبع لا معارضة إيجابية عندنا وقد يصح وصفها "منازعة".

 

ثامر حميد

 

ابراهيم أبراشقرار واشنطن يوم العاشر من سبتمبر الجاري بإغلاق مقر منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وبالرغم من دلالته السياسية الخطيرة وانه يأتي في سياق جهود امريكية لتصفية القضية الفلسطينية إلا أنه لا يخرج عن سياق سيرورة متواصلة منذ سنوات لإزاحة منظمة التحرير الفلسطينية كعنوان لمرحلة التحرر الوطني عن المشهد السياسي ليس فقط على يد القوى المعادية للشعب الفلسطيني بل من طرف الفلسطينيين أنفسهم وهذا ما رصدناه من خلال إفشال محاولات استنهاض المنظمة لتستوعب الكل الفلسطيني ومن خلال اعترافات الدول بحق الفلسطينيين بدولة فهذا الاعتراف على حساب اعترافها بمنظمة التحرير وعلى حساب مكانتها، حتى المفاوضات والحوارات سواء حول المصالحة الوطنية أو التسوية السياسية مع الاحتلال، وقد تداخل الموضوعان في الحوارات الأخيرة في القاهرة، تجري بين الفصائل الفلسطينية منفردة وخصوصا حركتي فتح وحماس أو بين بعضها والأطراف الخارجية مع غياب منظمة التحرير الفلسطينية، حيث كان من المفترض أن الذي يفاوض حركة حماس فريق يمثل منظمة التحرير وليس فريق مفاوض فتحاوي .

بلا شك يجب إدانة قرار واشنطن الأخير بخصوص منظمة التحرير وكل قراراتها وسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني كما نؤكد على تحميل إسرائيل المسؤولية عن الاحتلال وعن الانقسام وفشل جهود المصالحة الخ ولكن لا يمكن تحميلهما المسؤولية عن فشل جهود إعادة بناء واستنهاض منظمة التحرير لتستوعب الكل الفلسطيني، الأمر الذي يطرح تساؤلات هل توجد إرادة فلسطينية وخصوصا من حركتي فتح وحماس أو تواطؤ غير معلن منهما على تغييب منظمة التحرير عن المشهد السياسي كل طرف لحساباته الخاصة ؟ .

لا ينتابنا وهم بأن إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان إحياء منظمة التحرير كعنوان لحالة التحرر الوطني الفلسطيني بل ما زالتا تتعاملان معها كحركة إرهابية ولكن الضربة الأشد إيلاما لمنظمة التحرير هي التي تأتي من داخل المنظومة السياسية الفلسطينية بحيث يمكن القول بأنها أصيبت بنيران صديقة وهو الوصف المُبدع للكاتب أكرم عطا الله عندما تحدث عما أصاب المشروع الوطني .

ما آل إليه حال المنظمة يستدعي الرجوع قليلا إلى الوراء مستحضرين تأسيس المنظمة ومنطلقاتها الأولى .

قبل أربعة وخمسين عاما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية لتجسد آمال الشعب الفلسطيني بالتحرير والعودة حيث جاء في المادة 26 من الميثاق الوطني : "منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره والعودة إليه وممارسة حق تقرير مصيره، في جميع مجالات الميادين العسكرية والسياسية والمالية، وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين على الصعيدين العربي والدولي ".

وفي عام 1974 كان الاعتراف بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني في مؤتمر القمة في الرباط مما قطع الطريق على أية جهة عربية تسعى لتمثيل الشعب الفلسطيني، ومنذ ذلك التاريخ والعالم يتعامل مع المنظمة كعنوان للشعب الفلسطيني، والفلسطينيون يتعاملون معها كممثل وحيد لهم . كانت شرعية المنظمة وتمثيلها للشعب تستند على /وتستمد من المرتكزات التالية :

1- استيعابها لكل القوى السياسية القائمة آنذاك بالرغم من اختلافاتها السياسية والأيديولوجية .

2- ممارستها للنضال بكل أشكاله ضد إسرائيل .

3- تجسيدها للهوية الوطنية الجامعة .

4- شخصية الرئيس أبو عمار الكارزمية والتوافقية والشعبية .

5- وجود حركة فتح كأكبر فصيل عسكري وسياسي بدون منازع على رأسها آنذاك .

6- الاعتراف العربي والدولي بها .

هذه الشرعية والمكانة للمنظمة أصابها عوار بنيوي ووظيفي بسبب ما واجهت من تحديات خارجية وبسبب أخطاء داخلية ويمكن تلخيصها كما يلي :

1- الموقف الإسرائيلي الرافض للمنظمة وهو رفض تجسد بممارسات إرهابية ضدها عبر العالم ومحاربتها في المنظمات الدولية .

2- الموقف الأمريكي المعادي للمنظمة منذ إنشائها ووضع المنظمة على قوائم الإرهاب وأخيرا إغلاق مكتبها في واشنطن .

3- تحفظ بعض الدول العربية في التعامل مع المنظمة بل ودخول بعضها – الأردن ولبنان - في مواجهات مسلحة معها، ومحاصرتها في بعض المراحل كما جرى بعد اتهامها بتأييد العراق عند غزوه للكويت 1990 ثم أثناء محاصرة أبو عمار في رام الله 2002 .

4- توقيع اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية وما رافق ذلك من اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل وما ترتب على قيام السلطة من التزامات أمنية بينها وبين إسرائيل .

5- الالتباس حول ميثاق المنظمة بعد دورة المجلس الوطني في قطاع غزة 1996 وما جرى من شطب وتعديل لبعض مواد الميثاق .

6- خلال مرحلة اوسلو صعدت إلى مراكز القرار نخبة سياسية واقتصادية من الليبراليين الجدد والكومبرادور وذوي الارتباطات الخارجية تسلقت لمواقع قيادية وعملت على تهميش المنظمة وبدا الأمر وكأن السلطة وهذه الطبقة السياسية الدخيلة على العمل الوطني تمارسان انقلابا هادئا على المنظمة وما تمثله من ثوابت وطنية وتعبر عنه من إجماع وطني .

7- تقدم عملية المفاوضات والحراك الدولي لتجسيد خيار حل الدولتين ساعدا على تهميش منظمة التحرير وإبقائها في حالة انتظار حيث الانشغالات بالسلطة والدولة غطيا على الانشغال بالمنظمة بل إن هذه الأخيرة فقدت استقلاليتها المالية وأصبحت تعتاش على ما تجود به السلطة عليها من أموال .

8- ظهور أحزاب سياسية من خارج منظمة التحرير تنازعها على الشرعية، وخصوصا حركة حماس التي ظهرت بداية كبديل عن المنظمة ثم فسرت نجاحها في الانتخابات التي جرت في 25 يناير 2006 لانتخاب أعضاء للمجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي وكأنه تفويض شعبي لها لتمثيل الشعب الفلسطيني .

9- عدم جدية حركتي فتح وحماس في استنهاض منظمة التحرير كحركة تحرر وطني لكل الشعب الفلسطيني . حركة فتح حسمت أمرها بخيار الدولة من خلال العمل السياسي والمفاوضات، وحركة حماس ما زالت تعتبر نفسها مشروع إسلامي كما يبدو أنها حسمت أمرها بدويلة أو كيان منفصل في قطاع غزة عن طريق المفاوضات والوساطات وخصوصا بعد وصول المقاومة أو الجهاد الحربي لطريق مسدود .

وصول التسوية لطريق مسدود وسياسة ترامب الواضحة في عدائها وتنكرها لكل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني واتخاذه خطوات عملية بهذا الشأن تمس مدينة القدس وحق العودة وحل الدولتين وأخيرا إغلاق مقر المنظمة، وما وصل إليه الحال الفلسطيني من انقسام وحصار وفقر في قطاع غزة يقابله تكثيف الاستيطان والتهويد في الضفة الخ، كل ذلك كان وما زال يتطلب تجديد شرعية المنظمة ولا شك ولكن ليس من خلال الرفض اللفظي فهذا الأمر لن يغير من الواقع شيئا وقد تتفوق فيه الفصائل الأخرى على منظمة التحرير، وليس من خلال تغيير بعض أعضاء المجلس الوطني ومؤسستي المركزي والتنفيذية، بل من خلال إعادة بناء وتفعيل المنظمة باستيعاب القوى غير المنضوية فيها وإن تعثر ذلك الآن يجب اتخاذ قرارات واضحة ومُلزمة التنفيذ بالتحرر من قيود اتفاقية أوسلو واستنهاض الحالة الوطنية ومواجهة حقيقية مع الاحتلال على الأرض، وكان الرهان أن تكون الدورة الثالثة والعشرون للمجلس الوطني نقطة انطلاق هذا التحول الاستراتيجي إلا أن الأمور سارت باتجاه معاكس .

في ظل سلطة مأزومة ومجلس تشريعي فئوي ومقاومة في غزة خرجت عن سياق التحرر الوطني فإن الأمر يتطلب سرعة عقد دورة توحيدية للمجلس الوطني وإجراء انتخابات شاملة وخصوصا أن صفقة القرن تستهدف الكل الفلسطيني، وإن لم يتم الاتفاق على دورة توحيدية فإن الخشية من أن يتم تصفية منظمة التحرير كعنوان للكل الفلسطيني وأن تنزلق الأمور لأن يتحول المجلس المركزي لكيان سياسي يحل محل المجلس الوطني ومنظمة التحرير كمرجعية للسلطة الفلسطينية في الضفة فقط يقابله مجلس تشريعي كمرجعية لسلطة حماس في غزة، وهذا ما سنتطرق له في مقال قادم .

 

د. إبراهيم ابراش

 

علي المؤمنعلاوة على معاناة أهل جنوب العراق؛ سيما البصرة الفيحاء.. عاصمة العراق الاقتصادية، وأهلها الطيبين من إهمال حكومي وتقصير من المسؤولين أدى الى شحة الخدمات بكل انواعها؛ ما بات يهدد حياة المواطن؛ عدا عن معدلات الفساد والفشل الحكومي الذي بلغ مديات لاتطاق. أقول: علاوة على ذلك فإن خسارة البصرة كانت مضاعفة ومركبة جراء مافعله من ركب موجة التظاهرات السلمية المحقة، وقام بأعمال التخريب والحرق والاعتداءات.

كانت الخسارة الأهم هي تشوية الصورة المطلبية المحقة للتظاهرات المشروعة، والتشويش على مطاليب اهلنا في البصرة، وهي خسارة معنوية جسيمة جدا.

أما الخسارة المعنوية المادية المركبة المهمة جدا؛ فتتمثل في حصول الفتنة المجتمعية من خلال الاقتتال الذي حصل بين أبناء المجتمع الواحد؛ فالمتظاهرون هم بصريون وطنيون شيعة، و ابناء القوات الامنية هم بصريون وطنيون شيعة. وقد بلغت من الطرفين (٩٢) جريحا و شهيدا.

أما الخسائر المادية فقد بلغت (٣١٨) مليار دينار؛ بسبب ماقام به بعض راكبي الموجة والمندسين ومنفذي الاجندات البعثية والسعودية والامريكية من حرق وتخريب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.

وكل هذه الخسائر تضاف الى معاناة اهلنا الكرام في البصرة.

خلاصة الموقف:

1- أنا مع المظاهرات المطلبية السلمية، وأؤيدها مائة بالمائة؛ لأنها تعبير مشروع عن معاناة العراقيين من نقص الخدمات والإهمال والفشل والفساد، والتي لاتحل إلًا بالضغط على الحكومة والمسؤولين.

2- أدين وبشدة فشل الحكومات المركزية والمحلية، وأطالب بمحاسبتها عاجلاً، كما أدين وبشدة المسؤولين الذين يثبت تقصيرهم وفسادهم، وأطالب بتطبيق العقوبات القانونية بحقهم فوراً. و لم أتردد يوماً في مهاجمة المسؤولين الذين يثبت فسادهم بالأدلة القانونية؛ بمن فيهم أخوة الدرب ورفاق الطريق.

3- أعتقد أن بعض مظاهر الفشل والفساد يشترك فيها المواطن مع الدولة؛ بما في ذلك مايتعلق بالأسعار والنظافة والمظاهر المدنية العامة وتعامل المواطن الموظف مع أخيه المواطن المراجع، وعدم إخلاص العامل في المعمل. ورغم هذا التقصير المتعمد من بعض الموظفين والعاملين؛ فإننا نجد هؤلاء أول المشاركين في التظاهرات، وليتهم يبدأون بالتظاهر ضد انفسهم.

4- أحذر بشدة من المسؤولين الفاسدين الذين يتحدثون عن الفساد بحرقة، ويوزعون الاتهامات يميناً وشمالاً، ومنهم مسؤولون كبار وصغار من خارج الأحزاب الإسلامية هم الأكثر فساداً، ولكنهم الأكثر صراخاً ضد فساد الإسلاميين.

5- لعلي أكثر من انتقد حزب الدعوة الإسلامية بأسلوب منهجي، وسجّل عليه الإشكالات الفكرية والسياسية؛ بعيداً عن التهريج ولغة الخصومة والشخصنة. وأبسط الأمثلة على ذلك كتابي الأخير "جدليات الدعوة" الصادر في 2016، وكذلك مقابلتي قبل شهر واحد في قناة الإتجاه، وغيرهما. ويعرف الجميع أني خارج الحزب منذ عام 2000 (قبل 18 عاماً). ولم أستفد من حزب الدعوة بعد 2003 بأي شيء.. لا تعيين ولا راتب تقاعدي ولا بيت ولا سيارة ولا قطعة أرض، ولا أزال أسكن بيتاً مستأجراً، وأعيش بقلمي وجهدي العلمي. ولذلك فأنا لست مسؤولاً عن تصرفات الدعاة ومواقف حزب الدعوة وفشله أو نجاحه، ولا حزب الدعوة مسؤول عن كلامي ومواقفي؛ لأني لست شريكاً له ولاعلاقة لي بمواقفه، وكل ما يصدر عني هو شأن شخصي صرف.

6- أرفض أسلوب توجيه الإتهام بالفشل والفساد الى جميع المسؤولين؛ فهذا التعميم لايجوز شرعاً وقانوناً وعرفاً؛ لأن هناك مسؤولون مخلصون أكفاء نزيهون كثيرون جداً؛ قدموا للعراق بعد 2003 مالم يقدمه البعثيون القتلة السراق طيلة 35 عاماً من حكمهم المجرم. و جزء من مؤامرات الطائفيين والبعثيين والسعوديين والأمريكان هو أن يقولوا بأن الشيعة لايصلحون للحكم. وهذه كذبة كبيرة صدّقها بعض المغفلين والموتورين؛ لأن فشل الشيعة ليس مطلقاً أو ذاتياً خالصاً؛ بل أن الطائفيين والبعثيين والسعوديين والأمريكان ساهموا بقوة في إفشال التجربة الشيعية؛ عبر موجات الإرهاب الفظيعة، والتخريب السياسي من داخل الدولة، و فرض سياقات سياسية ودستورية وإدارية تعيق عمل الدولة والحكومة.

7- أحذر بشدة من استغلال البعثيين والدواعش ومرتزقة السعودية والسفارة الامريكية التظاهرات المطلبية المحقة، ومايقومون به من تخريب وحرق واعتداءات وحواسم. كما أحذر من الانتهازيين الذين يركبون موجة التظاهرات، ويتصدرون وسائل الإعلام؛ لتحقيق مآرب شخصية ومصالح فئوية. وهؤلاء أخطر من كل الفاسدين في الدولة.

8- إن العنف والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة؛ يؤدي الى ضياع حقوق المتظاهرين، ويجعل الأبرياء منهم في مواجهة القوات الأمنية. كما أنه يفتح الباب للقتال بين العراقيين، أو ما يطلقون عليه القتال الشيعي ـ الشيعي، وهو ماتهدف اليه المؤامرات البعثية الداعشية السعودية الأمريكية ضد أهلنا في الوسط والجنوب.

 

د. علي المؤمن

 

جورج كتنفي حديث رياض الترك بعد خروجه من سوريا

اهم ما في الحديث الشامل الذي اجراه معه محمد علي الاتاسي ونشر في صحيفة "القدس العربي"*، دعوة الترك لمراجعة تجربة الثورة السورية وتقبل النقد والاعتراف بالاخطاء التي ادت للفشل، وبالتالي التمكن من تحديد الاهداف في المرحلة القادمة. سيختلف المتابعون بالتأكيد مع جوانب من وجهة نظره حول ما حدث وما يجب العمل عليه في المستقبل، ولكن ان لم نختلف وتبنينا كل ما ذكره فذلك يعني اننا لن نجد طريقنا وسط الازمة المعقدة التي تمر بها سوريا، فمراجعة التجربة والجدال بين مختلفين هو ما يوضح الطريق. اما المسارعة للاتهام او التخوين او الاستهزاء او الرفض الكلي فيعني اننا لم نتعلم من كل ما حدث واستمرينا، كما عديد من النخب، تفكر بالطريقة القديمة لتشخيص موقفه، وتحويل الجدل معه لصراع شخصي لا يغني ولا يسمن من جوع، مع اهمال القضايا الرئيسية التي يجب ان يجري الحوار حولها.

في مصارحة مع النفس يعترف الترك بان دوره في الحزب والداخل ضعف بسبب مرضه وتقدمه في العمر ويشك في ان دوره سيكون مقبولا من الناس، ويرى انه انتهى وجاء دور الشباب. وان الثورة خسرت جولة ولكن مبادئها ستحفز لجولات اخرى. ويعترف بفشل المجلس الوطني والائتلاف، ودور الاخوان المسلمين في هذا الفشل من خلال سعيهم للهيمنة شبه المنفردة على مؤسسات الثورة. كما يخطئ المسارعة لحمل السلاح وعسكرة الثورة التي لم يشارك بها حزبه، وينتقد الارتباط بجهات اجنبية واسلمة الثورة لصالح دول اقليمية مما ادى لوصاية اقليمية ودولية على الثورة. برأيه ان مواقف وسياسات تيار الاسلام السياسي احد الاسباب الرئيسية التي ادت للفشل. لكنه مع ذلك لا يطالب باقصائه كما يفعل البعض، بل يجب نقده والاشتباك معه سياسيا وايديولوجيا، وهذا موقف صحيح لانه لا يمكن تجاهل وزن التيار في المجتمع.

ويرى ان من اولويات العمل حاليا العمل من اجل عودة الناس الكريمة والآمنة للبلد، وان الحلقة الرئيسية للنضال بكافة الاشكال لاخراج القوى الاجنبية من البلد وليس اسقاط النظام، "لانه دمية وعصابات وليس نظام". وهنا نختلف معه اذ انه يقلل كثيرا من اهمية النظام وقوته رغم انه بات تابعا لايران وروسيا، فاقتلاع الاحتلال يعني ضعف النظام ولكنه لا يعني كما يقول ابن العم ان "النظام لن تقوم له قائمة بعد ذلك"!. النضال برأينا يجب ان يكون ضد النظام وضد الاحتلال الاجنبي سويا. وربما تكون الاولوية في هذه الثنائية ضد النظام، اذ ان الاحتلالين سيفقدان شرعيتهما بالبقاء في سوريا ان تغير النظام وسيضطران للانسحاب دون تأخير في جو معاد لهما، فقوتهما لن تكسبهما شرعية للبقاء.

الترك لا يتخلى عن الديمقراطية التي يعتبرها "العمود الفقري للقضية السورية" لكنه يركز على التحرر من الاحتلال والوقوف في وجه محاولات تعويم النظام، وهو ما يعني مرة اخرى الاعتراف بالديمقراطية ولكن تأجيلها حتى تحقيق اهداف اخرى. كما في السابق عندما كانت الاولوية لتحرير فلسطين، او للوحدة العربية او الاشتراكية، وذلك برأيي تكرار للخطأ، اذ ان تجربتنا الطويلة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، علمتنا انه لا يمكن تحقيق اي هدف دون انسان حر، والمسائل حاليا مترابطة اذ ان المسألة الرئيسية هي استمرار النضال من اجل الديمقراطية وتحرير سوريا من الاحتلال الاجنبي في نفس الوقت، فلا يمكن قصلهما على مراحل متتالية في ظل الظروف الراهنة.

كما انه لا يميز بين ما يسميه "الاحتلالات الاربعة" رغم ان الاساسي فيها هو الروسي والايراني، رغم الاختلاف والخلاف بينهما، فيما الامريكي حاليا توجهه الرئيسي فيما عدا مواجهة داعش السعي لاخراج ايران من سوريا، وليس الغرق في صراع بين معارضة ونظام. اما الوجود التركي في شمال سوريا فهو محدود وعمليا يصب بشكل ما لصالح المعارضة وليس النظام، رغم التوافقات الروسية التركية التي هي بديل لتركيا عن اميركا التي ادت سياساتها في سوريا لتقوية القوى الاوجلانية المعادية لتركيا. علما بان الترك يشير للمسألة الكردية وحلها في اطار وحدة الاراضي السورية دون التطرق للامر الواقع الذي فرضه الحزب الاوجلاني بالاستعانة باميركا.

كما يرى الترك ان المظلة التي يلتقي حولها جميع السوريين مهما اختلفوا في انتمائهم الديني او الطائفي او القومي او الحزبي السياسي والايديولوجي هو "الوطنية السورية"، وقد يفسر ذلك بانه تأجيل للديمقراطية او التخلي عن اولويتها، وهو قول غير دقيق اذ ان ما يجمع السوريين هو بلد ديمقراطي علماني يتعايش فيه الجميع، ولا يمكن ان يتحقق بدون الديمقراطية وقبول التعددية والآخر المختلف، اي ان الوطنية لا يمكن ان تتحقق دون الديمقراطية التي افتقادها يحول الوطن من انتماء وطني الى سجن تحاول الاغلبية الفرار منه. والترك رغم اعترافه بفشل الثورة فانه يناقض نفسه عندما يقول ان " الثورة منتصرة ولو هزمت" !! والتعبير الافضل الذي يورده انها خسرت جولة في صراع طويل وجولات قادمة.

كما يخطئ عندما يقول – ما هو شائع للاسف- ان "هناك استنفار استعماري لمنع الشعوب العربية من اخذ زمام امورها بنفسها". وهو قول غير دقيق لا يأخذ بالحسبان التنوع في المواقف بين الدول من الانتفاضات العربية، والتنوع في مدى دعمها للانتفاضات او مدى مواجهتها للانتفاضات سياسيا او عسكريا، او في مراحل مواقف كل دولة من تطورات الاوضاع الخاصة بكل بلد منتفض. موقفه "التعميمي" يصب فيما تروجه نخب وغير نخب من ان "العالم كله تحالف ضد الثورات العربية"!. ويخصص الترك اميركا وادارة اوباما بتقييم تعميمي آخر بانها "لا تقبل بصناديق الاقتراع، وتفضل التعامل مع انظمة يقودها رجل واحد"، الذي ان كان صحيحا في حالات فانه غير صحيح في اخرى.

ما ذكرناه نقاط اولية حول ما نختلف به مع الترك، رغم اتفاقنا معه في كثير من الامور. ما اورده في الحديث ذو اهمية كبيرة في مراجعة تجربة الانتفاضة السورية، وهي مراجعة تأخذ اهميتها من الكارثة السورية المستمرة التي تبدو بلا نهاية. المهمة الملحة لكافة المهتمين بالمسألة اجراء مراجعاتهم ايضا والجدال حول تقييم ما حدث واستخلاص المهمات المقبلة للنضال لانتقال سوريا من الحكم الاستبدادي والاحتلالات الخارجية، الى سوريا المتحررة والديمقراطية العلمانية. ما نقترحه ان يعمل الترك وكل من يشاركه الرأي على تشكيل منتدى يضم كل القوى الديمقراطية العلمانية لمراجعة التجربة وتحديد مهمات المرحلة المقبلة، في اطار يعيد الاعتبار لهذه القوى في مواجهة التيار الاسلامي الذي لعب الدور الاكبر في افشال الثورة من خلال هيمنته على مقدراتها. لا يقصي هذا التيار ولكن يرسم الحدود التي تفصله عن الديمقراطيين العلمانيين في المرحلة القادمة التي نتوقع ان تشهد عودة التيار الديمقراطي للعب دوره الهام في مستقبل سوريا.

 

جورج كتن

...........................

* القدس العربي 3 ايلول 2018 :

"في أول حديث له بعد خروجه متسللا من سوريا، رياض الترك: الخلل الرئيسي لم يعد بقاء الأسد، الحلقة المفصلية هي إنهاء الاحتلال الأجنبي، الرهان على الغرب كان معاكسا لمصالح الثورة".

الرابط :

http://www.alquds.co.uk/?p=1007786

 

 

عبد الجبار نوريالمقدمة: اليمين المتطرف وصف يطلق على تيارات سياسية تتركز أساساً في أوربا وتتبنى نزعة متطرفة معادية للأجانب، ولديهم تمسك متطرف بالقيم الوطنية المرتبطة بالهوية السياسية الثقافية واللغوية، وتتسم بالميل الشديد للمحافظة على السمات الدينية في المسيحية، ومن أشهر أحزاب اليمين المتطرفة في أوربا : الجبهة الوطنية في فرنسا وحزب الوسط الديمقراطي في سويسرا وحركة (بيفيدا) الألمانية التي أسستْ عام 2014، وحزب ديمقراطيو السويد في المملكة السويدية وعلى الأرجح يؤكد المحللون السياسيون أنها تمثل تلك الآيديولوجيات الوطنية المهزومة في الحرب العالمية الثانية مثل النازية والفاشستية، والتي تعرف اليوم بالتيارات الوطنية الأشتراكية المعروفة بنزعتها العنصرية وأعتمادها على العرق كآيديولوجية سياسية في التعامل مع الغير، ومن ناحية المشاركة السياسية يمكن أن تتجه هذه التيارات إلى أحزاب أحتجاجية هدفها الأساسي تسجيل مواقف بشكل تعبئة مستمرة في صفوف أنصارها من أجل تسويق خطاب تحريضي بهدف التشويش الأعلامي ويطلق عليهم ب(اليمين الشعبوي المتطرف (ويصح لي أن أوضح أكثر بأنّها تتقارب مع آيديولوجية (البارتهايد) في الفصل العنصري .

ويجب أن نعترف أن ظاهرة اليمين المتطرف في الغرب الأوربي وأمريكا وبروزها على الساحة السياسية الأوربية هي أحدى أكبر الظواهر السياسية أهمية خلال العقدين الأخيرين من القرن المنصرم .

الموضوع/ أنّ الفكر اليميني المتطرف يسير بخطْ موازي مع أفكار المنظمات الأرهابية المتشددة كالقاعدة حيث يتلاقى الفكران في تصورات أدارة الصراع وترتيب أولويات السلام والحرب كما ونحن ندفع فاتورات هذا الفكر الظلامي اليوم، والعالم يعيش اليوم في ظل هيمنة الفكر اليميني المتطرف السائد في دول الغرب وأمبراطورية اللوبي الأمريكي وحليفتها أسرائيل، فأن العالم سيكون بعيداً عن مناخات التسامح والتعاون الذي يرقى بالحقوق والقيم الأنسانية إلى المستويات التي تهيء لمجتمع أنساني تحكمهُ قيم العدل والسلام وحقوق الحياة الكريمة الآمنة .

أسباب ظهور اليمين المتطرف في دول الغرب الأوربي والأمريكي

1- صراع الحضارتين الغربية والأسلامية بعد أنهيار منظومة الأتحاد السوفيتي وأنتشار ظاهرة (الأسلاموفوبيا) والأستعداد النفسي والمادي لمواجهة خطره .

2- العامل الأقتصادي ودوره الرئيسي في تشكيل ظاهرة العداء للمهاجرين الجدد المتهمين بمنافسة العمالة المحلية الوطنية على وظائفهم .

3- حالة المخاض الذي يعيشهُ النظام السياسي الدولي من خلال أنتهاء الحرب الباردة وأستقواء القطب الواحد المتمثل بالنفوذ الأمبراطوري الأمريكي، والأزمات الأقتصادية الدورية للنظم الرأسمالية الغربية والأمريكية، والتمدد الروسي والأيراني الباحث عن مكان في النظام المتعدد الأقطاب الجديد .

4- الفشل الأمني للنخب السياسية الليبرالية في أوربا وتصدع قوى اليسار العالمي .

5- ظاهرة العولمة التي أدت إلى تفجر صدام الهويات والتي تعبر عنها أنتشار ظاهرة اليمين المتطرف .

6- ظاهرة الهجرة السخية وبموجات كبيرة لتعلن اللجوء الغير شرعي في دول الغرب وخلال هذا (الكم) الهائل سوف يفتقد (النوع) المطلوب، وبما أن معظم المهاجرين من العرب المسلمين فجرت صراع الهويات في أوربا والذي ظهر لهُ أن هويتهُ الثقافية مهددة لذا مارست اليمين المتطرف .

7- والمسألة ليست مقتصرة على الجانب الثقافي والأقتصادي بل أن التفجيرات الأخيرة شملت جغرافية واسعة في بروكسل وباريس وفلوريدا وكليفورنيا ونيس وستوكهولم ولندن وشيكاغو، قد فاقمت صراع الهويات وزادت المادة الأعلامية لتلك التنظيمات العنصرية وكسبت تأييداً شعبياً واسعاً .

8- النظم الدكتاتورية العربية لمصادر القرار السياسي . وفتاوى الظلالة في آيديولوجيات بعض دولها أدى إلى تسارع شديد في الهجرة إلى الغرب والتي ستضاعف عوامل الضغط لوصول الفكر اليميني لمصادر القرار السياسي.

9- أنتكاسة الربيع العربي وتحوله إلى خريف سلفي متشدد يكفر الجميع بما فيهم دول الغرب .

تداعيات فكر اليمين المتطرف على شعوب العالم

- التطبيقات السلبية لمثل هذا الفكر لمسناهُ في موقف أدارة " بوش " وجرائم شارون عندما أسقطوا البعد الأخلاقي والأنساني في أشعالهم حرائق ما سمي بالربيع العربي والحرب الدائرة في فلسطين ودعم داعش والمنظمات الأسلامية المتطرفة والمتشددة وتأييد التنظيمات ذات التوجه الأنفصالي وأصحاب أجندة الأقلمة وهو ما يشكل تداعيات خطيرة على السلم العالمي، وبالرغم من صدمة الكثيرين بفوز المرشح الجمهوري (دونالد ترامب) لكونه جاء عكس توجهات وتوقعات وأستطلاعات الرأي العام الأمريكي والعالمي يتضح إلى أن هناك نقطة (نظام) تربط بين صعود ترامب وبقية تيارات اليمين المتطرف في أوربا في الآونة الأخيرة لا سيما بعد زيادة العمليات الأرهابية في مناطق أوربية وأمريكا ومناطق الشرق الأوسط فكانت بمثابتة طوق نجاة لأحزاب اليمين المتطرف في جغرافية واسعة من العالم أستثمرتها تلك أحزاب في تقديم نفسها مدافعة عن المجتمع الأوربي مما زاد أسهمها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها .

- وأن هذه الأجواء الغير طبيعية في واشنطن معناهُ أن الأدارة واقعة تحت تأثير ممثلي الفكر اليميني المتطرف من مؤسسات وأفراد، وأن الخطاب الأمريكي بعد الألفية الثانية من هذا القرن قد مال ناحية اليمين فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط وخاصة بعد أنهيار مفاوضات كامب ديفيد للسلام عام 2000 برعاية الرئيس (بيل كلنتون) .

- وبرزت في هذا العام مؤشرات لصعود اليمين المتطرف بشكلٍ ملفت للنظروخاصة في نهاية العام المنصرم في تحقيق " ترامب " فوزاً لم يتوقعهُ أي سياسي في العالم، كذلك في هذا العام نافست مارين لوبين رئيسة الجبهة القومية الفرنسية على رئاسة فرنسا وحصلت على نسبة 39%من أصوات الناخبين، وهو شيءٌ خطيرفي رهانات المستقبل المنظور.

- وبما أن معظّمْ المهاجرين من العرب المسلمين أدى إلى تفجير صراع هوياتي في أوربا الغربية، ويمكن القول أن من المرجح لهذا المد المتطرف أن يزداد فالقادم ربما سيكون أسوأ، بسبب النظم الدكتاتورية العربية وفتاوى الظلالة في بعض من دول المنطقة العربية الأسلامية والذي ادى إلى تسارع موجات الهجرة إلى دول الغرب والتي ستضاعف عوامل الضغط ليسهل وصول اليمين المتطرف إلى مصادر القرار، لأن ما يجمع الغربيين وفق خطاب الهوية أن بشرتهم بيضاء وأنّهمْ مسيحيون - فأنجمع العرق والدين، في نفوسهم، أما أصحاب البشرة الداكنة ومن غير المسيحيين هم ليسو جزءاً من اللحمة الغربية لذا ليس من الضروري قبول ثقافتهم، أو الأعتراف بحق أصحابها بممارستها في الغرب .

- والمسألة ليست مقتصرة على الجانب الثقافي والأقتصادي بل أن التفجيرات الأخيرة التي تبنتها التنظيمات الأسلامية المتشددة في بروكسل وباريس وفلوريدا وكاليفورنيا ونيس وستوكهولم قد فاقمت صراع الهويات وزادت المادة الأعلامية لتنظيمات اليمين المتطرف من أجل كسب تأييد شعبي أضافي وقد نجحت بذلك، والخطورة أكثر حين تتحوّل تلك الكراهية إلى عقيدة !!!.

والواقع المخيف أن هذه الأحزاب اليمينية لا يمكن الأستهانة بها بل أنها تشكل رقماً صعباً في المعادلة السوسيولوجية الجمعية الغربية، فأنّها لم تعد ظاهرة هامشية في المشهد السياسي الأوربي بل أنها أصبحت ذات ثقل شعبي معترف به وطرفاً ثابتاً مسموعاً في المعادلات الأنتخابية، وفاعلا سياسياً يتزايد تأثيرهُ في صياغة الرأي العام الأوربي خاصة بعد تفشي وأنتشار ظاهرة الهجرة الغير شرعية وموجات الأرهاب التي تضرب المدن الأوربية وتكاد تكون أسبوعيا أو شهريا وينطلق هنا مفهومها من منظور عرقي عنصري تكفيري بروحٍ عدوانية أقصائية ظالمة، ويقابل هذا المفهوم المستورد مفهوم وطني ينطلق من منظور عرقي – عنصري مبني على خطاب وطني شعبوي ديماغوجي في الشكل والمحتوى وميلها إلى الصدام والمواجهة مع القوى السياسية التقليدية، وسعيها لأستغلال وأستثمار مشاعر القلق وعدم الرضا لدى المواطن العادي، ويبدو أنها وجدت ضالتها في أعلان رأيها في موضوع الهجرة إلى الأتحاد الأوربي بل غلق الأبواب في وجوههم وهو ما جاء ترجمتهُ في أول شهر من حكم " ترامب "لذا أن الهاربين، من الجحيم في دولهم الأم يدخلون أبواب جهنم من أبوابه السبعة بعد تحميلهم المسؤولية عن جرائم البعض المتشدد والتكفيري الأسلاموي .

ومن العدل أن نقول أن المجتمع الأوربي قد أبتلي بهذه النخبة الضالة والمظلة ويمكن تنقية المهاجرين بضوابط حدودية وجمع المعلوماتية عن خلفياتهم ,ان نكسب الأعلام الأوربي بواسطة تلاقح الحضارات والسير نحو الحوار والتهدئة والوسطية وتجريدها من المبالغة لكي لا تستثمر هذه الأحزاب التي لها جذور تأريخية في النازية والشوفينية .

وهنا أبعث رسالة إلى اليسار التقدمي في أوربا وفي جميع أنحاء العالم : أن هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة أخذتْ تتخذ خطاباً يسارياً وذلك بأقتباس الفكر اليساري بطريقة (مجتزأة) وضمه إلى تراثه اليميني في محاولة لتوسيع قاعدته الشعبية وتنقية أدعاءاته .

وأخيرا/ لقد حقق اليمين المتطرف في دول الغرب الأوربي أختراقات سياسية لم تكن متوقعة قبل بضع سنوات وهو ما ينبيء ليس فقط بأن أتجاهات الرأي العام الغربي في طريقها للتغيير تجاه عدد من القضايا ولكنهُ يكشف عن نواياه الخفية بان العلاقات الدولية بشكلها الحالي قد تتغيّرْ ليحل مكانها تنافس وصراع أكثر ضراوة خارج المألوف والمشرعن بالأطار الأممي من خلال منظمة الأمم المتحدة ، وربما أتخذ من مقالتي هذهِ رسالة إلى جاليتنا العربية والأسلامية أن تنحو نحو الأندماج في مجتمعنا السويدي الجديد وأنطلاقاً من الديمقراطية الشفافة المتاحة لنا أن ننبذ الكراهية ونعطي أصواتنا لمن يمثلنا لحزب اليسار الديمقراطي أو حزب السوسيال الديمقراطي وحتى حزب البيئة .

 

*عبد الجبار نوري - كاتب عراقي مقيم في السويد

 

سيف ابراهيمبعدما تم تجاوز مرحلة الدعوة لتأجيل الانتخابات البرلمانية العراقية 2018، بحجة الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، وبعد اجراءها والطعن بها واعادة العد والفرز يدويا، كان الشعب يمنّي النفس بإشراقة امل وانبعاث الحياة من جديد بعد سنوات الطائفية، القاعدة واخرها داعش ! كانت البدايات تنذر بخير، خاصة وان هناك توجهات لدى بعض الكتل والاحزاب الى المضي قدما في ايجاد معارضة حقيقية تراقب وتقوّم عمل الحكومة، فيما اذا لم تستطع هذه الاحزاب هي من تشكل الحكومة وهي بذلك ستكون اشبه بحكومة الظل .

ان هذا التصور كان ليخلق انعطافة تاريخية في طبيعة النظام السياسي المعاصر للعراق، ويجعل عجلة الديمقراطية تسير بالطريق الصحيح بعد انحرافها على مدى 15 سنة، ونكون بذلك امام حكومة مسؤولة ومعارضة قوية، تصحح تشوهات اثّرت حتى على نسيج المجتمع وفككته. لكن، ما ان توجهت بعض الكتل لتشكيل جبهة الكتلة الاكبر، وحيّدت اطراف اخرى معينة، حتى دبَّ الخلاف وانحسرت الشعارات وبان وجه الشراكة والمحاصصة والتوافقية القبيح من جديد، فلن يتم تقبل الذهاب الى المعارضة حتى من الاحزاب التي حصلت على مقعد واحد، واصبحت تزاحم الكتل الكبيرة في بورصة الانضمام لايّها من اجل ترجيح الكفة !

ان هذا التناحر بين الكتل والاحزاب من اجل الظفر بتشكيل الحكومة وارغام الاخرين على الذهاب الى المعارضة، هو ليس من اجل قطف ثمار السلطة فقط، بل هو ايضا انما يعبر عن طبيعة الصراع الامريكي - الايراني المحتدم ولكن بأدوات عراقية، فذهاب اي طرف لتشكيل الحكومة دون الطرف الاخر، انما يعني انتصار احد المحاور الخارجية على الثاني، وهذا ما لن يحدث ولن ترضى به مطلقا اي من الدولتين (امريكا وايران)، لذلك فان مسالة امكانية الذهاب للمعارضة انما هي ممكنة فقط من قبل (سائرون) والتي تؤمن بقدرتها على التأثير حتى بوجودها في جبهة المعارضة مع انها الكتلة الاكبر، اضافة الى انها غير مدعومة خارجيا من جميع الاطراف .

هذا يعني ان جبهتي الصراع الاخرى التي تسعى لتشكيل الحكومة والتي تعبّر كل منها عن توجهات دولة بعينها، لن يقبل اي منهما بالذهاب للمعارضة، وترك الساحة امام الطرف الاخر للوصول الى السلطة والتعبير عن وجهة نظر الدولة الخارجية الداعمة له والراضخ لها ! فلو استطاع محور النصر بقيادة العبادي تكوين الكتلة الاكبر وتشكيل الحكومة بعيدا عن الفتح، هذا يعني ان ايران التي تختنق الان جرّاء انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، ستحتضر ويصعب عليها التنفس بعد الان من خلال رئتها الغربية، فتنحسر على مستوى الداخل اقتصاديا، وينقطع وصالها مع دول محور المقاومة ( سوريا ) تحديدا، ويخف الى حد كبير تأثيرها السياسي على العراق، ويتم تقزيم والسيطرة على الفصائل المسلحة، حتى ترويضها والقضاء عليها وسحب السلاح من يدها، وهذا هو الخسران الاعظم لإيران وبمثابة رصاصة الرحمة على النظام الاسلامي فيها .

لذلك ستعمد ايران وبشتى الوسائل والطرق الى وضع المعوقات والمعرقلات وعظيم المشكلات بوجه هذا المحور الذي سيؤذن بخرابها واندحارها وانحسار مشروع تصدير الثورة ان رأى النور، فرأينا ردة الفعل الاولى كانت قد انطلقت من خلال الامين العام لمنظمة بدر هادي العامري والتي صرّح فيها بأن الحكومة التي تتشكل بعيدا عن الفتح ستفشل خلال شهرين، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما وصفها بالعميلة وهذا تصعيد خطير ويحمل في طياته تهديد ووعيد لمن يعمد الى حكومة، هو ليس فيها طرفا بأنها ستكون مستهدفة ولن تستطع الصمود لأربع سنوات، تبع هذا التصريح، بيان صادر عن مجموعة من الفصائل المسلحة التي ايضا تتوعد وتهدد بإسقاط اي حكومة ستأتي من طرف المحور الامريكي على حسب وصفهم ووجهت الانذار بالتحديد للقائمين على حزب الدعوة وهو انذار شديد اللهجة وتصعيد ينذر بإقتتال داخلي فيما لو اقدم العبادي في خطواته وقراراته التي تقليم اظافر هذه الفصائل، والتي يسعى من خلالها وفقا لرؤيتهم الى كسب ود امريكا والظفر برئاسة الوزراء لولاية ثانية .

اما فيما لو استطاع محور الفتح بقيادة العامري تكوين الكتلة الاكبر، هذا يعني ان العراق سيصبح بالفعل هو الحديقة الخلفية لإيران وامتداد لإمبراطوريتا الفارسية كما قال احد المسؤولين الايرانيين، نرى حينها ان ايران لن تتأثر بقرارات ترامب بعد الان وستخرج من الازمة الاقتصادية بكل سهولة وستخسر الرهان امريكا بالقضاء على النظام الايراني داخليا بتأجيج الشارع ضده ودعم التظاهرات والاحتجاجات المناهضة، اضافة الى ذلك ستجد امريكا نفسها، غير مرحب بها في العراق وتكون قواعدها مستهدفة مما يضطرها الى الانسحاب بخذلان وانكسار، وهذا سيجعل الهلال الشيعي في اقوى مراحله واشدها قدرة، فيشتد الصراع من جديد في سوريا بقوة ويتعاظم في اليمن ويصل التأثير الى لبنان التي قد تشهد ساحتها صراعا اقليميا كما السابق في القرن الماضي ولكن بنكهة (ايرانية - سعودية)، كل هذه التبعات المتوقع حصولها فيما لو استطاع محور الفتح تشكيل الحكومة، تجعل امريكا وباستخدام مختلف الادوات ترغيبا وترهيبا لمنع وصول الفتح للسلطة حتى لو دعاها هذا الامر الى اطالة عمر الحكومة الحالية الى سنتين ومن ثم اجراء انتخابات جديدة في العام 2020 وهذا امر وارد الحدوث .

في ظل صراع هذين المحورين وعدم وصولهما الى حل وسط، سيدخل العراق في حالة من الفوضى وانعدام الامن والاستقرار، وليس ببعيد ان يدخل العراق في متاهة المجاعة وانعدام الامن الغذائي، ذلك ان الصراع اليوم هو في الساحة الشيعية تحديدا، ونحن نعلم ان الثقل الاعظم من ميزانية الدولة انما تعتمد على واردات النفط والذي يستخرج بمعظمه من هذه المحافظات، فما يحدث في البصرة من تظاهرات سلمية عفوية تطالب بالخدمات وتندد بالفساد، من قبل شباب واعٍ، يشغله ويتملكه حب الوطن والمحافظة عليه، نرى ان هناك فئة استغلت هذا الغضب الشعبي فعمدت الى التحطيم وحرق المباني وتدمير المنشآت والمؤسسات الحكومية، ان هذا الجمع المنحرف والمدفوع داخليا او خارجيا والذي استغل ثورة الشباب الغاضب، يسعى الى ايصال رسالة مفادها ان عدم قبول طرف سياسي معين في تكوين الكتلة الاكبر لتشكيل الحكومة، يعني ان الفوضى ستعم وقد تمتد الى ابعد من محافظة البصرة، وقد يصل الحال الى تهديد الشركات النفطية واغلاق الموانئ، والذي سيؤدي واقعا الى ايقاف تصدير النفط وتعطيل الملاحة، بمعنى ان العراق والذي يعتمد في اقتصاده الريعي على ما تنتجه ارض البصرة، سيعاني من انسداد شريانه الاقتصادي ولن تنفعه بعد ذلك القسطرة ! ممن يؤدي الى امكانية حدوث اقتتال داخلي ومرور العراق بمجاعة!! .

لذا، وبحكم قدرة طرفي الصراع على احداث تأثير فعلي وفاعل ومؤثر يصل الى حد دمار العراق من خلال الادوات التي يمتلكونها، فليس هناك من خيار اخر، سوى العودة الى المحاصصة والتوافقية بحيث تتكون الكتلة الاكبر من محوري (النصر والفتح) والتي من خلالهما يتم تشكيل الحكومة، وبهذا يبقى التوازن في السيطرة على تبعية العراق وانتقاص سيادته موزعا بين امريكا وايران، دون مقدرة اي من الطرفين على النجاح في لعبته الصفرية التي تعدم وجود الاخر !، وفي ظل امكانية حدوث هكذا خطوة تكرس الطائفية والمكوناتية من جديد، هذا يعني ان (سائرون) قد تركن الى المعارضة ايمانا منها بأن المشاركة في هكذا حكومة انما هو خيانة للشعب والوطن، بذلك يبقى بصيص الامل بتغيير ولو طفيف من خلال مراقبة المعارضة لأداء الحكومة القادمة .

سيف ابراهيم / باحث سياسي

بكر السباتينمنذ قيام الكيان الإسرائيلي وصولاً إلى صفقة القرن وتداعياتها على المشهد السياسي الإقليمي وفي عمق الفكر الصهيوني يعتبر الأردن الحل الأمثل للمأزق الديمغرافي الفلسطيني المرتبط بملف حق العودة.

من هنا ولد مشروع الوطن البديل الذي كان يستخدم كفزاعة في وجه السياسة الأردنية كلما برز المأزق الديمغرافي الفلسطيني في أتون الصراع المتجدد بين طرفي المعادلة، والتي كان شارون يلوح بها دائماً منذ إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام ١٩٨٢.

ولنتذكر في سياق ذلك بأنه بعد عام من هزيمة الفدائيين في بيروت وإخراج البندقية الفلسطينية من آخر معاقلها، والترتيب لمدريد 1؛ كان قد تم الأخذ بخيار الوطن البديل كخيار استراتيجي مستقبلي فيما لو تعثرت الحلول السلمية المتعاقبة وفي إطار فكري، حيث تم تضمينه في خرائط المفكر الصهيوني برنارد لويس التي اعتمدها الكونغرس الأمريكي عام ١٩٨٣، وسعت الإدارة الأمريكية إلى تحقيقها من خلال صفقة القرن الجاري تنفيذها بإلحاح وعلى قدم وساق. وقد برز هذا الخيار مؤخراً بشكله التكتيكي كرد على الموقف الأردني المتصلب ضد صفقة القرن والرافض للتنازل عن الوصاية الهاشمية للمقدسات؛ وذلك بتقديم الدعم الإسرائيلي لائتلاف المعارضة الأردنية بقيادة مضر زهران الذي تبنى هذا الخيار المرفوض بكل المقاييس الأردنية والفلسطينية.

ولكن مع تعثر تطبيق صفقة القرن فيما يتعلق بالمأزق الديمغرافي الفلسطيني، كما يبدو، فقد تم اعتماد خطة بديلة لتنفيذ مشروع الوطن البديل بمعزل عن قطاع غزة الذي تم ربطه أمنياً بالحل المصري في إطار خارطة طريق استراتيجية منصوص على تفاصيلها في صفقة القرن، مع تغيير المسميات والإبقاء على الجوهر، لذلك عرضت أمريكا على الفلسطينيين مؤخراً مشروع الحل الأردني الذي ألبس ثوب الحل الكونفدرالي بين الضفة والأردن، وهو حل يقوم على تجربة فلسطينية أردنية مشتركة في إطار وحدة الضفتين قبل فك الارتباط بينهما توافقاً مع إعلان دولة فلسطين في مؤتمر الجزائر.

ولرصد خبايا المقترح الإمريكي دعونا نستكشف ما في جعبة محمود عباس من خلال استعراض ما نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، يوم الإثنين الماضي حوله، حيث نوهت إلى أنّ المقترح الأميركي الذي عرض على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مؤخرًا، بإقامة كونفدراليّة بين الضفّة الغربية والأردن، هو مقترح إسرائيلي بالأساس.

وينص المقترح على أن تكون الضفة الغربية المحتلة (بدون القدس) تحت الرعاية الأمنية الأردنيّة، التي ستحمي حدود الكونفدراليّة الأردنيّة-الفلسطينيّة مع "إسرائيل"، على أن يعلن الاحتلال الإسرائيليّ ضمّ القدس المحتلة والمستوطنات إليه، ودون معرفة مصير غور الأردن، إن كان سيبقى تحت الاحتلال الإسرائيلي أو سيكون خاضعًا للكونفدراليّة المقترحة.

أمّا قطاع غزّة، وكما نوهنا آنفاً فلن يكون جزءًا من الكونفدراليّة، إنما سيتم إخضاعه لرعاية أمنيّة مصريّة، رغم أن كافة الاتفاقيّات الموقعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، تعتبر غزة والضفة "وحدة واحدة".

ومن غير الواضح في سياق التفاصيل، وفقًا للصحيفة، إن كانت الضفة الغربية ستحصل على اعتراف إسرائيلي أولًا، ومن ثم سيُعلن عن قيام كونفدراليّة، كشأن أردني – فلسطيني، أم أنه سيتم التوقيع على الاتفاق الكونفدراليّ بين القيادة في الضفة الغربيّة وبين الحكومة الأردنيّة، دون الاعتراف بدولة فلسطين. وظلت الأمور فيما يتعلق بإقامة برلمان وإقرار دستور مشتركين غامضة، وكأن التفاصيل في ذلك مؤجلة إلى حين الاتفاق على الخطوط العريضة.

من جهته رفض الأردن هذا المقترح ومرد ذلك بحسب الصحيفة إلى الخشية من أن يكون ذلك تطبيقًا لـ"الوطن البديل" على أرضها، بحيث يشكّل الفلسطينيّون أغلبيّة السكان بين حدود الرابع من حزيران/يونيو1967وبين الحدود الأردنيّة – العراقيّة، هذا بالإضافة إلى أن المقترح سيضع الأردن في موقف "حارسة حدود لإسرائيل" وظيفتها منع "العمليّات الإرهابيّة" - وفق تعبير الصحيفة- انطلاقًا من الضفة الغربية ضد الاحتلال الإسرائيليّ.

أما الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الذي كشف عن المقترح، فقد ذهب إلى ضرورة إشراك "إسرائيل" في معادلة هذا الخيار لترسيخ البعد الواقعي للمقترح، فهو يعتقد بأنه لا يمكن أن تقوم كونفدراليّة بين كيانين ليسا دولتين مستقلتين. لذلك، فإنه يصرّ على أن تكون "إسرائيل" شريكة ليس للإقرار بفلسطين كدولة من ناحية الفكرة، إنما بحدودها ومكانتها، أيضًا، هذا لو سلمنا جدلاً بأن "إسرائيل" هي الآمر الناهي وصاحبة التفويض الأمريكي في تفاصيل المقترح.

والكونفدراليّة التي يتصوّرها عباس،كما جاء في الصحيفة الإسرائيلية ستلزم "إسرائيل" بإبرام اتفاقيّات اقتصاديّة جديدة، ولتنسيق السياسات الخارجية مع الأردن والدولة الفلسطينيّة، وأن ترى فيهما شريكتين متساويتي القدر والمكانة.

وذلك خلافاً للرؤية الإسرائيلية التي تتصورالكونفدراليّة على نحو اتفاق بين الضفة الغربيّة في إطار (منطقة حكم ذاتي) معظم علاقاته مع الأردن اقتصاديّة فقط، في حين يحدّد الملك الأردني السياسات الخارجيّة والأمنية للكونفدراليّة.

وتقوم الرؤية الإسرائيلية للمقترح على مفهومي الحكم الذاتي كما كان عليه الوضع بين الضفة الغربية والأردن قبل فك الارتباط بينهما.

أمّا فكرة الحكم الذاتي في الضفة الغربيّة، فهي فكرة تم طرحها إسرائيليًا أكثر من مرّة، وتقوم على أساس وجود حكم ذاتي يدير الحياة البلديّة، دون أي تمثيل في المجتمع الدولي، واقتصاد يعتمد أساسًا على الاقتصاد الأردنيّ والمضايقات الإسرائيليّة.

أما وحدة الكونفدراليّة، فمردُّها إلى العام 1949حين تم عقد مؤتمر أريحا، بين زعامات فلسطينيّة طالبت بوحدة الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية، وتمّت الوحدة فعلا عام 1950 وأجريت انتخابات مناصفة بين ضفّتي نهر الأردن، الغربية والشرقية.

وأصبح، بموجب الاتفاق، مواطنو الضفة الغربية مواطنين أردنيين واندمجوا في مؤسسات الدولة، دون أي اعتراف عربيّ ودولي، إلى أن احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية عام 1967، قبل أن يعلن الأردن فكّ الارتباط، في أعقاب إعلان رئيس منظمة التحرير، حينها، ياسر عرفات من الجزائر قيام دولة فلسطين.

وفي المحصلة فإن التخوفات الأردنية والفلسطينية جاءت في محلها، وكما تبين الصحيفة فالكونفدرالية ما هو إلا مشروع صهيوني بامتياز ألبس الثوب الأمريكي لفرضه وهو في جوهره لا يخرج عن نطاق صفقة القرن التي يسعى أطرافها لشطب حق العودة للفلسطينيين والتنازل عن ملف القدس على حساب الأردن وهو ما يرفضه الجميع..

 

بقلم بكر السباتين

 

 

عامر صالحمر على سقوط النظام السابق عقد ونصف من الزمن ولم يرى العراق الى اليوم فرصة حقيقية لخلق مقومات اعادة بناء هذا البلد، على أسس من الديمقراطية الحقة والعدل والمواطنة والتكافل الاجتماعي، بل بالعكس تماما خسر العراق في هذه الحقبة القصيرة نسبيا ثروة اجيال من العوائد النفطية، والتي تقدر بما يقارب الألف مليارد دولار، وخسر فرصته في تعزيز الديمقراطية السياسية والانتقال الى الحياة البرلمانية المستقرة، وخسر كذلك اثمن الفرص في اعادة البناء والعمران وانتشال المجتمع من الفقر والمرض والجهل وسوء الخدمات، وشيوع الارهاب والمليشيات المسلحة والقتل المجاني واستباحة دم الناس لأتفه الاسباب.

لقد شاع جو من الاستبداد الخفي شوه كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية كي يديم امتيازاته ويحمي مكاسبه فيعمم أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية، امتدادا لحقبة الدكتاتورية السابقة، وقد نبه الى ذلك عبد الرحمن الكواكبي (1855ـ1902) قبل أكثر من مائة عام في نص لا يزال يحتفظ بمصداقيته حتى يومنا هذا "إن الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها، هو يقلب القيم الأخلاقية رأسا على عقب ليغدو طالب الحق فاجرا وتارك حقه مطيعا، والمشتكي المتظلم مفسدا، والنبيه المدقق ملحدا، والخامل المسكين صالحا أمينا. وتصبح تسمية النصح فضولا والغيرة عداوة والشهامة عتوا والحمية حماقة والرحمة مرضا، وأيضا يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطفا والنذالة دماثة، وأنه -أي الاستبداد- يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح".

لقد اثار الصراع السياسي بين الأحزاب المختلفة لإدارة الحكم في العراق خلال عقد ونصف إشكالات كثيرة على مستوى الفكر والممارسة، وخاصة عندما يدار هذا الصراع من قبل أحزاب حديثة العهد في الخطاب والممارسة الديمقراطية أو غير مؤمنة بالديمقراطية اصلا، وعلى نسق ما يتعلمه الطفل من مبادئ أساسية ومهارات في رياض الأطفال،حيث يجري التعلم هنا عن طريق المحاولة والخطأ، قد تثبت هذه المهارات أو تضمحل، فيضطر الفرد إلى أعادة التعلم وهكذا دواليك إلى أن تستقر العادات المطلوبة لذلك، كما هو الحال بالنسبة للأحزاب الدينية وبعض من غير الدينية، هذا طبعا في سياقات طبيعية ويفترض أن تؤدي إلى نتائج ايجابية مع الوقت في حالة توفر حالة النضج والاستعداد للتعلم.

ولكن الظروف الخاصة التي وفرت للبلد فرصة الاختيار السياسي عبر صناديق الاقتراع وإدارة البلد عبر آلية العمل الديمقراطي في تقرير مصيره، وقد تأسست هذه العملية في أجواء الاحتلال الأمريكي وبفضله، والتي يفترض على العقلاء من ألسياسيين العمل على إزالة أثارها سريعا وتحويلها إلى عملية ديمقراطية شاملة وكاملة، وخاصة ألبنية الأساسية والهيكلية للديمقراطية، دستورا وآليات عمل، والتي وفرت غطاء لإقامة نظام سياسي بمسحة دينية وطائفية،مسببا لإثارة النعرة الطائفية والشوفينية في بلد متنوع الأعراق والاثنيات القومية والدينية، لا تحتمل أدارة الحكم فيه وبناء نهضته الاقتصادية والاجتماعية بهذه الطريقة الانتقائية الخطرة. وبدل من أن تتحول هذه التجربة الوليدة إلى حاضنة حقيقية للديمقراطية، تحولت إلى هرولة سريعة للاستحواذ السياسي واقتسام مناطق النفوذ جغروطائفيا وأثنيا وسياسيا، وكأن لسان حالها يقول : " اليوم أفضل من غدا فلنضرب ضربتنا الآن "، مما فوت الفرصة على التعلم الجيد وخاصة لهؤلاء الذين أدعوا المظلومية الطائفية والاثنية في عرف ما جرى تأسيسه بعد سقوط النظام السابق مباشرة.

لقد وفرت هذه الأجواء خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة فرصا" ذهبية " وغطاء لاستخدام" الدين" و" الخطاب الديني" إلى أقصى مدى، متخذين من المنافس السياسي الأخر خارج القوى الدينية عدوا وهميا لهم وبنفس الوقت هدفا وضحية. واليوم حيث يجري بنفس السياق تعبئة كافة المؤسسات الدينية من دور للعبادة وسلطات دينية ـ سياسية، ودوائر رسمية وغير رسمية ، وأقلام كتاب، وكذلك محاولات مستمرة للاستنطاق المرجعيات الدينية واستمالتها وزجها مجددا في دائرة الصراع لكسب المعارك السياسية القادمة وعلى طريقة ما جرى في الانتخابات البرلمانية والمحلية السابقة.

وتقوم هذه الحملة المسعورة على إدعاء وهمي ومظلل قوامه إن الدين الإسلامي أو الطائفة أو المذهب في تهديد، وأن الأمة في خطر قادم من قبل القوى الوطنية ( يسارية وعلمانية وغيرها )، ويجب إعلان حالة الطوارئ الدينية والتهيئة لمعركة شرسة ضد عدو يريد الإطاحة بالإسلام وتصوير الطرف الأخر المنافس والمسالم والأعزل من السلاح في غالبيته بأنه عدو للدين. أنها محاولات تجري على خلفية الاستخدام غير النزيه والسيئ لمزاج الناس الديني والعبث بمعتقداتهم الدينية وخاصة في أوساط البسطاء والفقراء والكادحين والمحرومين من الناس الذين عانوا الأمرين من النظام السابق، ويعانون الآن من ضنك العيش وانعدام فرص العمل والخدمات الاجتماعية والمحسوبية والمنسوبية وارتهان للقمة العيش وغيرها.

أن ما يجري الآن من قبل هذه الأحزاب هو ليست عملية صراع سياسي ومنافسة نزيهة يراد بها إبراز الإمكانيات الذاتية والفعلية لهذه القوى وهي تخوض منافسة مع القوى السياسية الأخرى، بل هي " ميكافيلية دينية " تقوم على قاعدة استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من إعلام وسلطات واسعة وصحافة ومؤسسات دينية ترغيبا وترهيبا لزرع الرعب في عقول البسطاء وبذريعة حرب أو حملات تشنها القوى الديمقراطية والوطنية ضد الإسلام، ويجب الاستعداد " للانتصار الإلهي"، ويجب أن يمر هذا" الانتصار" وفقا لهم عبر آلية محكمة تبدأ بتأصيل حالة الخوف لدى الناس ( الفوبيا)، تعقبها حالة غيبوبة مؤقتة يتم فيها انتزاع أصواتهم الانتخابية القادمة، ثم تركهم حفاة الأقدام مكشوفين الرأس أمام الهجمات الانتحارية، كما تركوهم في المرة الأولى، وإلى انتخابات أخرى بعد القادمة.

أن هذه الأجواء التي تستعد هذه القوى إلى بعثها في صفوف الناس، هي بالضد من تعاليم الإسلام الذي نسمعه ونقرأه في الأدبيات الإسلامية من فقه وأحاديث نبوية ونصوص قرآنية، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة، والغاية أذا كانت نبيلة فالوسيلة يجب أن تكون كذلك، والسياسة يجب أن لا تنزع عنها أخلاق الإسلام، وألا كانت برأيهم همجية وغوغاء لامكان فيها للشرفاء، وهم يرون أيضا أن السياسة الداخلية تقوم على العدل والأنصاف والمساواة بين الجميع، فلا عنصرية ولا طائفية، تقوم على الصدق لا الكذب ولا تضليل للشعب، والسياسة الخارجية لديهم أيضا تقوم على احترام العهود والمواثيق فلا غدر، ولا خيانة.

ويرى فقهاء الإسلام من الناحية النظرية، أن السياسة الإسلامية ليست سياسة " ميكافيلية " ترى أن الغاية تبرر الوسيلة آيا كانت صفتها،بل هي سياسة مبادئ وقيم تلتزم بها، ولا تتخلى عنها، ولو في أحلك الظروف، وأحرج الساعات سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخليا، أم في علاقتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.

أن الإسلام ( استنادا إلى نصوص القرآن والسنة النبوية المعلنة ) يرفض كل الرفض الوسيلة القذرة، ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة،يقول النبي محمد :( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا )، فالخبث من الوسائل كالخبث من الغايات مرفوض، ولابد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة . أما في علاقة الدولة بمواطنيها فنشير إلى حديث للنبي محمد يقول فيه : (عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة)، أما في القرآن فالنصوص الدينية كثيرة، ونكتفي هنا في الإشارة إلى الآية ( 58 ) من سورة النساء،حيث يخاطب النص أولى الأمر : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ).

هذه هي المبادئ العامة والخطوط العريضة المعلنة للبعد الأخلاقي والقيمي للسياسة الإسلامية عبر فقهاء الإسلام والنصوص الكلاسيكية،ولا ندخل هنا في حوار حول جدوى ذلك وأهميته العملية اليوم في عالم السياسة الدولية والإقليمية والوطنية، حيث لا نرى أثرا لذلك في السياسة الخارجية والداخلية لأي دولة إسلامية في العالم كله ولا في سياسة أحزاب الإسلام السياسي على الإطلاق، إضافة إلى ذلك إن السياسة كي تؤدي إلى نتائج ملموسة، تحتاج في الممارسة العملية إلى المزيد من التوفيق والموائمة بين الأخلاق والمصالح والسياسة، وأن السياسة الخارجية كما نعلم اليوم تبنى على المصالح المشتركة أولا، وأما السياسة الداخلية فتبنى بوضوح أكثر على ثلاثي قوامه الأخلاق والمواطنة والمصلحة المشتركة.ونترك القارئ هنا فقط للتأمل والمقارنة بين ما يتم ممارسته في الميدان العملي لأحزاب الإسلام السياسي ومدى بعده المطلق عن النص الديني،حيث لا نجد أي أثر للدين في السياسة.

أن ما يجري من سلوك لبعض الأحزاب الدينية هو من الخطورة بمكان، يستهدف ضرب الوحدة الوطنية التي نحن اليوم بأمس الحاجة أليها، وكذلك إلحاق الضرر بالنسيج الاجتماعي المتنوع والقائم في العراق على خلفية إنسانية عامة يلتقي عليها الجميع، لا على أساس ديني أو طائفي أو فئوي . أما زج الدين باستمرار في دائرة الصراع السياسي،فهو ليست من باب أعلاء شأن الدين ومكانته في أذهان الناس أو لتجسيد فكرة الحق والعدل والأمانة والأنصاف والأخوة، بل هو تجسيد معكوس لفكرة " نيقولا ميكافيلي " التي ترى : " أن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس " وقد أراد ميكافيلي من ذلك تقوية وتوحيد الدولة الايطالية آنذاك في صراعها ضد التفكك والاعتداءات الخارجية، وقد أباح استخدام كافة الوسائل لتلك المصلحة العليا، وهو صاحب القول " الوسيلة تبرر الغاية " ويعني بذلك استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من اجل إبقاء الدولة قائمة وموحدة.

أما " المكافيلية الدينية " في العراق تستخدم الدين ليست بالطريقة التي قررها ميكافيلي ورآها في كتابه " الأمير " للحفاظ على وحدة الدولة،بل تستخدم كجزء من " المكافيلية الشرقية " وهي امتداد لميكافيلية القرون الوسطى الدينية،التي ترى في الدين الوسيلة وليست الهدف للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمة لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب الوحدة الوطنية وجموع الناس ورغما عنهم " رغم وجود صناديق الاقتراع "، وهم بذلك يقومون بفرض لون من النظام السياسي في الممارسة اليومية على الأرض رغم " وجود الدستور الذي يحدد شكل النظام "،ويرون في هذا النظام على انه الخير العام،وعلى أساس تصوراتهم تعاد صياغة التسميات والتوصيفات ليصبح كل معارض لهذا الحكم أو منتقد لهذا الحزب أو لدعاة الدين هو شرا مطلقا لا يستحق الوجود وحتى الحياة،وتبدأ " نوبة جديدة " من" الفتاوى البلاوي" وعند ذلك ينتصر الاستبداد مجددا وتغلب " الميكافيلية الدينية " كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية والدينية الحقة،وبهذا يعيد الظلم والاستبداد دورته من جديد مخلفا ورائه أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية وتشويه صورة الدين.

أن السياسة في العراق بعد كل هذه التضحيات الجسام خلال عقود طويلة من الزمن والتي شارك فيها خيرة أبناء شعبنا وأحزابه الوطنية،وما تلتها في السنوات القريبة الماضية من حصاد لأرواح الناس الأبرياء وإهدار للثروات الوطنية وانهيار للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية،يجب أن لا تكون دهاليز وكواليس ومؤامرات واغتيالات وعمليات انتحارية وواجهة لسرقة المال العام والفساد الإداري واستخدام للدين كواجهة للنفاق السياسي وللكسب الرخيص، وأن كانت كلها حقائق تملأ مسامعنا وأبصارنا يوميا، ولكن بالإمكان أن يكون السياسي صادقا، ونظيف الوسيلة إلى حد ما،عفيف اللسان،طاهر القلب، منصفا لمعارضيه من اليمين واليسار،لا تستبد به الذاتية والاعتداد بالنفس لأنه في السلطة الآن، بل يجب عليه أن ينطلق في البحث عن مصالح الناس الحقيقية وسبل سعادتهم وتجنيبهم الويلات،وهذه كلها لا تتعارض مع قواعد وأساليب الاتصال السياسي مع الطرف الآخر المعارض والتي تبنى على أساس الذكاء السياسي التي تتضمن الفطنة والدهاء والتورية والتعريض والمفاجأة والكتمان والمناورات اللفظية ومصداقية الخطاب السياسي ووسائل الكسب التي تبني اللحمة الوطنية على المدى البعيد وتعزز من مكانة الدين الحقيقية في عقول الناس وغيرها من الأساليب التي تحدثنا عنها كتب العلوم السياسية وتزكيها التجارب العملية.

أن تجربة النظام السابق المؤلمة لا تزال ماثلة أمام أعيننا وقد أكدت لنا بوضوح حقيقة أن تغيب حرية الشعب واستباحة حقوقه وظلمه ساهمت بشكل كبير في تدهور بناء الإنسان النفسي والتربوي والأخلاقي والإنساني العام، وبالعكس فأن التجارب التاريخية تؤكد أن إرساء عقد اجتماعي على أسس الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان يعتبر المناخ الأمثل لبناء علاقة صحيحة بين الممارسة السياسية والأخلاق ويجعل المسافة بينهما جهد الإمكان مقبولة وخاصة في الأزمات الداخلية، بما يفضي إلى تحسين مكانة الإنسان الاجتماعية التي همشت لعقود من الزمن، و باعتباره قيمة عليا وهدفا لكل مشروع تنموي شامل.

وختاما نقول أن التأريخ قد أنصف ميكافيلي واضعا إياه احد مفكري حقبة التنوير الأوربية ومؤسسا لمدرسة التحليل والتنظير السياسي الواقعية، بل مؤسسا للعلوم السياسية،وقد رسم صورة الدولة القوية الموحدة، ولكنه لم يكن بدون أخلاق أبدا،كما تصوره أعدائه، وقد دفع ثمن من قرأ له قراءة متحيزة، كما في حالات هتلر وموسوليني وفرانكو،متكأين على كتابه " الأمير" وعلى مقولته الشهيرة " الوسيلة تبرر الغاية "، إلا إن ميكافيلي لم يوصي بالاعتداء على الدول، بل رسم صورة الدولة القوية الآمنة الموحدة وعكس لنا بوضوح، أن السياسة مصالح، كما يجري الآن في الكون كله، وأنا لا أوصي رجالنا في الإسلام السياسي الاتكاء عليه كما فعله الآخرون، لكنني أوصي أن يحملوا قصاصة من الورق كما تحمل الأدعية الدينية في الجيب عند الشدائد، وقد كتب عليها مقولة سيف الحق علي ابن أبي طالب : " أن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة ".

اليوم يمر العراق بمنعطف خطير قوامه ازمة مركبة اخلاقية دينية وسياسية، وعملية سياسية متهمة بتدني المعيار الاخلاقي والسياسي والديني في مساراتها، وتداعياتها الاخيرة من تزوير العملية الانتخابية، او تدوير لاعضاء الكتل البرلمانية، والتحايل والالتفاف على من هي الكتلة الأكبر، كلها مؤشرات سيئة لأستعصاءات قادمة قد تؤدي الى المزيد من تآكل العملية السياسة وانهيارها بمفاجئات لا تحمد عقباها لما تبقى للعراق من خيارات في السلم الاهلي والاستقرار المجتمعي.

 

د. عامر صالح

 

محمد العباسيهل مشاعر الكراهية مجرد داء.. مرض نفسي؟ قد يتفق البعض على أن هكذا مشاعر ليست طبيعية، بل تتكون مع أشخاص معينين بسبب مواقف معينة.. وقد تنمو وتترعرع بين الأضلاع مثلها مثل شتى أشكال المشاعر، الإيجابية منها والسلبية.. غير أن للكراهية آثارها البينة، حيث أنها قد تتسبب بالمضرة لحاملها قبل غيره ممن هي موجهة ضدهم. أنا شخصياً مثلاً أحمل كماً من الكراهية ضد الحركات الصهيونية، لكنني لا أحمل أية ضغينة ضد الديانة اليهودية ولا اليهود أنفسهم بشكل عام.. بل تعرفت وتعاملت وصاحبت في حياتي الكثير من اليهود، ولم أختلف معهم إلا في شئون عامة، بعضها أكاديمية أو إجتماعية أو حتى سياسية.. ونادراً ما تناقشت وإياهم في الإختلافات العقائدية.. ورغم إختلاف الروئ لم تتكون بيننا الضغائن !

أما مشاعري السلبية تجاه الصهاينة فمنبعها يتمحور حول القضية الفلسطينية بشكل خاص وهذا الشعور متأصل في جذور أفكاري.. وهي ليست كراهية ضد أصحاب دين مختلف، بل من حيث المبدأ، ضد الظلم الذي أوقعوه في فلسطين وقمعهم المستمر للشعب الفلسطيني بكل أطيافهم وأديانهم وأعراقهم.. ومن ذات المنطلق أحمل مشاعر سلبية ضد السياسات الأوروبية والأمريكية التي كانت وما زالت ترعى وتدافع عن حق اليهود في إغتصابها لفلسطين.. وتنسى حقوق الشعب الفلسطيني المنكوب الذي يتعرض لشتى أنواع الإضطهاد والتفرقة والظلم والإستبداد منذ معاهدة "سايس-بيكو" المشئومة و"وعد بلفور" اللعين!!

فاليهود منذ أبد التاريخ كانوا يتعرضون لشتى أشكال التفرقة والكراهية بسبب هيمنتهم على مفاصل الحياة وولعهم بالمال وشغفهم بالذهب والتجارة بكل أشكالها، ومنها تجارة السخرة والعبودية والبغاء.. وكانوا يمتازون بصفات خبيثة مثل نكثهم الدائم للعهود والمواثيق ولإصرارهم على تكرار مقولة أنهم "شعب الله المختار".. فمنذ عصور اليونانيين والرومان حتى العصور الوسطى، إلى أوائل القرن الماضي، كانوا منبوذين في أوروبا وأمريكا.. وأدبيات تلك الأزمنة تحتوي على الكثير من الإزدراء تجاه اليهود وتظهرهم بأبشع الصور وتصفهم بصفات الجشع والخبث والدهاء ومعدومي الثقة. كراهية اليهود أو كره اليهود هو مصطلح يشير إلى مجمل المعتقدات والممارسات والدعايات التي قادت إلى ازدراء اليهود كجماعة واضطهادهم ليهوديتهم، ويعتبر بعض الدارسين أنها امتدت على مدى فترة تفوق الثلاثة آلاف سنة، يشمل بعض دارسيها صراعات شعوب العبرانيين والإسرائيليين ويهودا بالشعوب المجاورة ضمن أصولها، ويربطه البعض الآخر بعلاقة وطيدة بالخلاف حول مفهوم الإله والرب بين الرومان واليهود، وامتد تاريخ الكراهية والاضطهاد من بعدها للمسيحية الرومانية والإسلام ومن ثم الكنيسة الكاثوليكية ووصولها لاحقاً إلى كراهية قومية-عرقية تمثلت بالنازية و"معاداة السامية"، وتظل أشكال متنوعة منها مستمرة حتى اليوم (ويكيبيديا).

ففي القرن الثامن عشر مثلاً ظهرت في إنجلترا وإيطاليا والولايات المتحدة أشكال قوية من الممارسات التي يمكن وصفها بمعاداة السامية. وفي أول مؤتمر دولي لمعاداة السامية اتفقوا على ضرورة تطبيق قيود متعصبة ضد اليهود.. وقد أعطى "هوستون ستيوارت تشامبرلان" قاعدة فلسفية لهذا المفهوم وذلك بوضعه الألمان على قمة هرم البشرية ووضعه اليهود في أدنى سلم البشرية.. وبعد الحرب العالمية الأولى أدى نشر "بروتوكولات حكماء صهيون" إلى دعم الاتجاه المعادي للسامية، فقد أظهرت البروتوكولات رغبة يهودية في السيادة العالمية مما أدى إلى إحياء الدعاية المعادية لليهود.. وقامت ثورات عنيفة ضد اليهود في المجر عام 1920. وفي الولايات المتحدة دعم "هنري فورد" الحركة المعادية لليهود معنوياً ومالياً.. وفي ألمانيا جعل "أدولف هتلر" معاداة السامية أحد المبادئ الأساسية لبرنامج حزبه النازي.

ابتدعت الصهيونية مفهوم "معاداة السامية" وبدأت توظفه لتحقيق مصالحها بعدما اتخذت القيادات الصهيونية من ظاهرة معاداة السامية ذريعة لفصل الجماعات اليهودية في أوروبا عن المجتمعات المسيحية التي كانت تعيش بينها، وطورت على أساسها الفكرة القومية الموجهة لإنشاء ما يسمى بالوطن القومي لليهود.

ربما يكون من أول المفكرين الصهاينة الذين تناولوا ظاهرة معاداة السامية بالتحليل "ليو بنسكر" الذي فسرها على أنها ظاهرة مرضية وعقدة نفسية دائمة أصيب بها الإنسان الأوروبي المسيحي، وهي ليست فقط ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية كما قد يعتقد الكثيرون.. فمعاداة السامية في رأي "بنسكر" هي كراهية "الغريب"، وطالما أن اليهود أقلية في كل مكان يعيشون فيه فهم كالأشباح المطاردين في كل مكان، وغرباء على كل الشعوب التي تكره بطبيعتها كل ما هو أجنبي عليها.. وهكذا فسر أن السبب الأول في كراهية اليهود هو أنهم لا ينتمون إلى الأوطان التي يعيشون فيها، ومن ثم فهم عنصر "شاذ" غير مرغوب فيه، حتى لو حاولت الجماعات اليهودية تغيير أوضاعها داخل هذه المجتمعات، فالتغيير اليهودي لن يجلب رضا الأغلبية.. ولهذا يؤكد "بنسكر" أن اليهود أجانب على المجتمعات التي يعيشون فيها، وأن حلم اندماجهم في هذه المجتمعات لا يمكن تحقيقه.. وهذا في رأيه ليس مرجعه أن اليهود غير قادرين على الاندماج، ولكن لأن الأغلبية لن تسمح لهم بذلك.

و هكذا بدأت تنشأ فكرة نقل اليهود وتهجيرهم من أماكنهم إلى قطعة أرض يملكونها فيصبحون أمة طبيعية، ويتغير هذا الوضع غير الطبيعي في رأي "بنسكر".. ويجب أن نلاحظ أن "بنسكر" لم يصر قط على أن هذه الأرض التي يتحدث عنها هي أرض فلسطين بالذات، ولكنه اقترح أرضاً تلائم الاستيطان الحالي لليهود كجزء من القارة الأميركية مثلاً، حيث يستطيع اليهود أن يتموا تحررهم.. ويظهر من هذا تأثر "بنسكر" بالأفكار التحررية التي ترى مبدأ التحرر اليهودي أساساً لحل المشكلة اليهودية، كما يظهر هذا في رغبته في قبول اليهود على قدم المساواة في العالم مع غيرهم من الشعوب، وربما ترجع أصول هذه الفكرة إلى مبادئ المساواة التي بثتها الثورة الفرنسية.. وقد عبر عن آرائه الصهيونية في مقال بعنوان "التحرر الذاتي: نداء من يهودي روسي إلى شعبه" (موقع الجزيرة الإلكتروني).

و يبدو جلياً أن "ثيودور هرتزل" إستقى أفكاره من "بنسكر" فأحس بوطأة معاداة السامية منذ مراحل عمره الأولى.. وأيقن بأن مسألة ذوبان اليهود في مجتمعاتهم الأوربية وأمريكا وقبولها لهم ما هي إلا سراب، وأن التنوير الأوروبي والكلام عن حقوق الإنسان والمواطنة لن يجدي نفعاً في أن يعيش اليهود كمواطنين من الدرجة الاولى، فاستجمع أفكاره وفصلها تفصيلاً مغرياً وغلفها بطابعٍ دينيٍ وعزف على وتر "المظلومية"، ووضعها في كتابٍ يحمل الأمنية التي يجب أن تتحقق لتجميع يهود العالم وسماه "الدولة اليهودية". ويمكن أن نصف "هرتزل" بأنه الأب الروحي للصهيونية العالمية في العصر الحديث، وهو قد نجح في توظيف الدين في النداء لنشأة دولة لليهود تجمعهم وتكون لهم الملاذ الآمن من نقمة الأوروبيين والأمريكيين ومن كافة أشكال الإضطهاد الموجه ضدهم كشعب مستضعف. ومن هنا تعتبر الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطاني "آرثر بلفور" عام 1917 إلى اللورد "روتشيلد" أحد زعماء الحركة الصهيونية والتي عرفت فيما بعد باسم "وعد بلفور"، أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين.. بعد أن تم الإتفاق على تقسيم الشام بين إنجلترا وفرنسا فيما عُرف حينها بإتفاقية "سايكس بيكو" في 1916.

فالبرغم من إختيار "فلسطين في نهاية الأمر، غير أنه كانت هناك مقترحات سابقة لإنشاء وطن لليهود في منطقة في أمريكا "سُميت "أرارات"، وأيضاً تم إقتراح منح "أوغندا" كدولة لليهود ضمن مقترحات عديدة.. ويقول الكاتب "فهد عامر الأحمدي" (موقع الرياض الإلكتروني) أن عمر إسرائيل ليس طويلا ولا يتجاوز الـ 70 عاماً فقط.. وظهورها في فلسطين لم يكن مطروحاً أصلاً، حين كانت الحركة الصهيونية تبحث عن وطن لليهود.. فقبل فلسطين طُرحت إقتراحات بإقامة وطن لهم في أوغندا وموزمبيق والكونغو والأرجنتين وشمال أفريقيا وشرق أستراليا، بل وإنشاء ولاية خاصة بهم في أميركا.. كانت كل الخيارات مطروحة حتى موعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول (في 29 أغسطس 1897) في مدينة "بازل" السويسرية.. وهناك ضغط مؤسس الحركة "ثيودور هرتزل" لإختيار فلسطين (التي حاول قبل ذلك شراءها من السلطان عبدالحميد الثاني بعشرين مليون ليرة ذهبية قبل دخولها تحت الوصاية البريطانية).. وبين تاريخ عقد المؤتمر (1897) وتاريخ قيام دولة إسرائيل (1948) عملت الحركة الصهيونية على تشجيع الهجرة إلى فلسطين، والعزف على مذابح النازية في أوروبا، ومساومة الحكومة البريطانية حتى حصلت على "وعد بلفور" الشهير!

الغريب أكثر؛ أن قسماً كبيراً من اليهود أنفسهم لا يؤيدون قيام دولة إسرائيل ويعتبرون ذلك مخالفاً لنصوص التوراة.. فهناك فرق كبير بين اليهودية (كديانة سماوية) والصهيونية (كحركة قومية) تسعى لجمع الشتات اليهودي في وطن خاص بهم.. جل اليهود المتدينون يؤمنون بأن الله كتب عليهم التشرذم وعدم التجمع حتى يوم القيامة (و بالتالي) يعتبرون تجمعهم في فلسطين نذير شؤم وغضب جديد سيحل عليهم من الله.. وكانت تجمعات يهودية كثيرة قد أعلنت منذ البداية معارضتها إنشاء دولة يهودية في فلسطين، من أبرزها يهود ألمانيا الذين منعوا "هرتزل" من عقد مؤتمره الصهيوني الأول في "ميونيخ" كما كان مقرراً فاضطر لنقله إلى "بازل".. أما يهود أميركا فنظموا مؤتمراً في مدينة "مونتريال" الكندية في نفس توقيت مؤتمر "بازل" في سويسرا، وأصدروا بياناً اعترضوا فيه على محاولة إنشاء دولة يهودية واعتبروا ذلك مخالفاً للرسالة اليهودية التي يجب أن تنحصر في طابعها الروحي وتنتظر الإذن بإنشاء "مملكة الرب على الأرض"!.. وفي أيامنا هذه توجد حوالي 27 منظمة يهودية مناهضة للصهيونية تنادي بتسليم فلسطين لأهلها - من أبرزها منظمة "يهود ضد الصهيونية" في أميركا واتحاد "ناتوري كارتا" في أوروبا.

وقد كان "هرتزل" ذاته يعتقد أن القوى الكبرى يجب أن تعمل من جانبها على مساعدة اليهود في التخلص من العداء للسامية عن طريق إنشاء دولة يتم تهجير اليهود إليها فيتحقق لهذه الدول (الغربية) الخلاص من العنصر اليهودي، وتنتهي بذلك ظاهرة معاداة السامية.. وهكذا جعل "هرتزل" معاداة السامية مشكلة العالم الغربي وليست فقط مشكلة خاصة باليهود.. وقد حرص "هرتزل" على التركيز على هذا الرأي في المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في "بازل" عام 1897، مستغلاً كراهية الشعوب الأوروبية للعنصر اليهودي.. مبيناً أن العنصر اليهودي في أي مجتمع من المجتمعات مجرد عنصر مثير للاضطراب والتمرد داخل تلك المجتمعات، وهذا أمر يتعلق بطبيعة اليهودي، فهو بطبيعته لا يستطيع الحياة مع الشعوب الأخرى، مؤكداً في غايته أن اليهودي وإن عاش بينهم فلن يكون أبداً عنصراً مفيداً، بل هو عنصر مدمر لقوة هذه الشعوب ومحرضاً على الثورة وقلب الأوضاع.

وقد استند "هرتزل" إلى هذا الرأي في مراسلاته مع ملوك وحكام أوروبا، فقد صور لهم أن بقاء اليهود داخل المجتمعات التي يحكمونها ليس في صالح هذه المجتمعات ولا في صالح حكوماتها، ولهذا يجب على هذه الحكومات تشجيع فكرة الصهيونية وإنشاء الوطن اليهودي حتى تتخلص هذه الحكومات من العناصر المناهضة لها !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

عبد الجبار الجبوريعادتْ التظاهرات الجماهيرية الشعبية والعفوّية، الى شوارع مدينة البصرة وأقضيتها ونواحيها، وبشكل أقوى وأشدّ وأقسى، حتى بلغ عدد الجرحى والشهداء بالمئات، وتم إقتحام وحرق مبنى المحافظة ومجلس المحافظة، وبعض المؤسسات الاخرى، وإمتدّ الى الاقضية والنواحي وحرق بعضها، مثل قضاء ابو الخصيب والزبير والهارثة والهوير وغيرها، ثم تطوّر الأمر وإتجه المتظاهرون الى مقرات الاحزاب وحرقها، مبتدئين بمقر حزب الدعوة والحكمة، وكُنّا قد حذرنا من ثورة عراقية تنطلق من البصرة وتصل الى بغداد، في التظاهرات الاولى، إن لم ُتلّبِّ حكومة العبادي مطالب الجماهير وحقوقه الشرعية والقانونية والاخلاقية، كالماء والكهرباء والغذاء والدواء والخدمات، إلاّ ان حكومة العبادي، عالجت التظاهرات بحبوب مهدئة ومسكنات، عبارة عن أكاذيب على شكل تعييّنات، وتخصيصّات مالية، لم تصل لحدّ الآن كما صرح محافظ البصرة، وهكذا وبعد أن بلغ السّيل الزُّبى، وبلغ الاختناق الحناجر، وإنتشرت ظاهرة تسمم ماء الشرب، وحصول عشرات الآلآف من الإصابات وإستشهاد العشرات، لم يبقْ في القوّس من منزع، فخرجتْ البصرة وأقضيتها عن بِكرة أبيها، مطالبة بإسقاط الحكومة المحلية ومجلسها الفاشل والفاسد، اليوم البصرة تنتفّض وتُعلن العصيّان المدني، بعد إسقاط المحافظة وتوقف دوائرها، ولكن ماهو السيناريو القادم الذي ينتظرها، في ظلِّ إستخدام مُفرِط للقوّة، من قبل الجيش والميليشيات، ذهب ضحية هذا العمل الهمّجي الإرهابي، لشباب أعزل يطالب بأبسط حقوقه الشرعية، تماماً كما كان شباب الانبار والموصل وديالى والحويجة وسامراء وبغداد، في تظاهراتهم عام 2013، وتم قتل وقمع المتظاهرين من قبل نوري المالكي شخصياً، بعد وصفهم بأبشع وأقذر الاوصاف الطائفية (بيننا وبينكم بحر من الدم، وانتم خندق يزيد ونحن خندق الحسين، وهذه فقاعة نتنة، أنهو قبل ان تنهوا وغيرها من التصريحات القميئة)، وكانت النتيجة معروفة، قيامه بتسليم مدن التظاهرات الى تنظيم داعش الارهابي الاجرامي وفعل ما فعل من إجرام، اليوم ربمأ سيتكرّر السيناريو في البصرة، ونحن نحّذر بشدّة حيدر العبادي والاحزاب والميليشيات، من حصول مجزرة وضياع مدن، لن تستطيع الحكومات إسترجاعها من قبضة الإرهاب، وهذه المرّة ليس تنظيم داعش الارهابي فقط، بل سيكون لقمة سائغة لمجاميع مسلحة متنوعة ميليشيات وغيرها، تقوم اليوم بحرق المؤسسات والدوائر الرسمية وقتل المتظاهرين، وحرق مقرات الأحزاب لإيجاد تبريرات لتدّخل ميليشياتها، وإفشال هذه التظاهرات وإخراجها من مسار التظاهر السلمي، الى مسار التظاهر اللاسلمي التخريبي، من حرق الدوائر والمؤسسات الحكومية، وخطف وإغتيال الناشطين، وحرق آبار النفط وطرد شركات النفط الاجنبية، لأن ما نراه في تظاهرات البصرة وإنحرافها عن مسارها الطبيعي، في الحصول على مطالبها الشرعية، ما يؤكد إختراق التظاهرات، وإندساس بعض الأحزاب التي تمتلك ميليشيات، لتنفيذ أجندة إيرانية وسيناريو إيراني واضح، هو إشعال حرب شيعية – شيعية في جنوب العراق، وإيجاد تبريرات التدخل الايراني في العراق، وضرورة إعادة الأمن والاستقرار له حسب زعمّه وتبريّره، وإفشال المشروع الامريكي وإستيراتيجيته في إسقاط النظام الايراني، وتشديّد الحصار الاقتصادي عليه وخنقه، حتى يعلن الإستسلام ويرحل عن السلطة، وهذا قرار أمريكي لارجعة عنه، إذن السيناريو الإيراني الذي نَفّذّه نوري المالكي في الموصل، يجري تنفيّذه في البصرة، وعلى يد نوري المالكي وحزبه وميليشياته وأتباعه هناك، حيث نرى ونشاهد التصريحات التي تؤكد وجود مؤامرة حقيقية لتدمير البصرة، وتسليمها للميليشيات وايران، لتقويّض الحصار الخانق وتخفيفه عنها، والذي أخذ يشكّل ضغطاً قوياً على إقتصادها المنّهار، والذي يشي بسقوطها الحتمي قريباً، وهنا لابد لنا ونحن نقف كشعب عراقي من الشمال الى الجنوب، مع ثورة البصرة وأهلها، ومع مطاليبهم المشروعة والمُلّحة، لابد لنا أن نُحّذر العبادي وحكومته، من ألاعيب إيران وميليشياتها وأحزابها، والتوجه فوراً لتنفيذ مطاليب أهل البصرة بأقصى سرعة، قبل أن تفلت زمام الأمورمن يدك، ليس في البصرة فقط، وإنما في عموم المحافظات الجنوبية، وقد لمسنا تملّل المحافظات والتهيؤ لتصل التظاهرات الى بغداد، وعندها لاتستطيع الحكومة السيطرة على الاوضاع، وتصبح الاوضاع كلّها في العراق، خارج السيطرة، تماماً كما تريدها إيران وأحزابها وميليشياتها في العراق، وعدم التسوّيف وإطلاق الوعود التي لاتستطيع تنفيذها الحكومة، كما كان يطلقها المالكي للمتظاهرين في المحافظات الغربية والشمالية، لتفوّيت الفرصة على من يريد الشرّ بالبصرة والعراق، في وقت فشل البرلمان الجديد، من إختيار رئيس برلمان، لإعلان تشكيّل حكومة جديدة، تأخذ على عاتقها معالجة الأوضاع المترّدية، من خدمات وفلتان أمني في عموم العراق، وتغوّل ميليشيات وفصائل مسلحة، تهدّد أمن وإستقرار العراق، تنفيذاً لأجندات إقليمية ودولية، إذن الصراع السياسي داخل البرلمان من قبل القوائم المزوّرة للانتخابات، على المكاسب والمغانم والهيمنة على مقاليد السلطة، وبيع وشراء الذمم في المناصب والتحالفات، هو أحد أسباب وصول الأوضاع الأمنية الى الإنفجار، لأن مشاريع هذه الأحزاب ليست وطنية، وإنما مشاريع تابعة لأيران وإسترضاء لها في تنفيذ أجندتها، إضافة الى التفكّيرفي المكاسب ومغانم السلطة ونفوذها وليس خدمة الشعب، هذا الصراع الذي تُغذّيه وتدعّمه بقوة كل من أمريكا وإيران، هو مسألة وجود لديها، وهزيمة أي طرف هو هزيمة وفشل لمشروعه السياسي في المنطقة كلها، وليس في العراق فقط، فعليّه، يعمل الطرفان بأقصى درجات الحذر والقوة لتشكيل حكومة تابعة ذليلة ولدت من رحم سيء هو التزوير، تنفّذ ما تريده منها، أمريكا أو إيران، بغض النظر عن ما يعاني من الشعب العراقي، من سوء خدمات وإنفلات أمني وفساد، لامثيل له في التاريخ، في جميع وزارات ومؤسسات الدولة، ترعاه حيتان الاحزاب ورموزها، لذلك نرى إهتمام الادارة الامريكية ورأيها فيما يحصل في البصرة وحولها، هو إهتمام عدم المبالاة، علماً أنها تدفع وتدعم الطرف الرافض للتدخل الايراني، وتؤجج الاوضاع هناك، لتنفيذ هدف مركزي لها، وهو التبرير بضرورة الذهاب الى حكومة الانقاذ الوطني أو حكومة الطوارىء التي أخذت نغمتها، تتردّد بقوة هذه الأيام على لسان الشعب وقِواه الفاعلة في الشارع، وحتى على ألسّنة أعضاء الحكومة والاحزاب والبرلمان السابق، تريده أن يصبح مطلباً جماهيرياً للتدخل وغعلان حكومة الانقاذ بتفويض من الشعب، وهكذا نراها صامتة عما يجري بل تصرح أنها تدعم المتظاهرين وحقوقهم المشروعة، ما يجري على الارض في البصرة وغيرها، له أبعاداً خطيرة جدا على مستقبل العراق، لأنه ربما سيكون ساحة لحرب قادمة طرفاها أمريكا وايران، وإنْ لم يشتركان بها فعليا ً، ولكنْ من المؤكد أنهما سبباً في دعمها وإشعالها، ويكون وقودها شعبنا العراقي، تتفرج عليه الدول، وما التصعيد بين قادة الحشد الشعبي وحيدر العبادي الأخير بدفع إيراني واضح، بسبّب تصريحات العبادي، ورفضه أوامر الولي الفقيه المرشد الاعلى، في خرق الحصار الامريكي على ايران، وعدم تنفيذ القرار الامريكي، جعل من حيدر العبادي العدو الاول لها في العراق، وهكذا إنفرط العقد بينهما، بالرغم من ان العبادي قيادي، ومن منظومة حزب الدعوة الحاكم، ولكن خروجه عن الطاعة الايرانية جعله عدواً لدوداً لها، ويجب إسقاطه، في تشكيّل الحكومة المقبلة، وهذا السبّب الرئيس لفشل قائمة دولة القانون والفتح، في التحالف مع قائمة النصر وتشكيّل الحكومة، بل بالعكس ألآن الصراع الاساسي قائم بينهما داخل قبة البرلمان، في كذبة تحالف الكتلة الأكبر التي إبتدعها نوري المالكي وطبقّها مع إياد علاوي سابقا، ويريد أن يلعبها مع العبادي، فقام بتزوّيرتوقيع أعضاء جُدّد وضمهم الى قائمته، لتكون الأكبر، أو بشراء ذمم أعضاء فاسدون، وضمّهم الى قائمته، كما في قائمة قتيبة الجبوري واحمد ابو مازن وابو ريشة وسعدون جوير، وهكذا يريد ان يمرّركذبته ومؤامرته، لإبعاد العبادي عن السلطة بأية طريقة، والقفز ثالثة لولاية بكذبة الكتلة الأكبر، نعم سيناريو الموصل مُمّكن أن يتكرّر، وبصورة أبشع وأوسع وأقسى لأنه سيشمل جميع محافظات الجنوب، فإحذروا ياأهلنا من سيناريو الموصل في البصرة، الذي يسعى له نوري المالكي وأتباعه ..

 

عبد الجبار الجبوري

 

جورج كتنالثورة ام الاصلاح سؤال تاريخي واجهته جميع الشعوب في مختلف بقاع الارض وفي كافة الازمنة عندما ابتليت بسلطات استبدادية فاسدة. جوابه كان دائما متوقفا ليس على رغبات الناس او النخب السياسية او الاجتماعية او الثقافية عموما، لكن خاضعا في معظم الاحيان للظروف الموضوعية لكل بلد عندما يصبح الخيار مطروحا. ومن جهة اخرى لا يمكن ان يوضع الخياران بشكل متقابل دائما، حيث ان للاصلاح الاولوية في المسيرة الطبيعية لتاريخ الانسانية، فيتم بشكل طبيعي في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، مواكبا للضرورة التي يحتمها تطور وتجدد المجتعات. او يمكن ان يعلق او يعاق في بلدان استبدادية تتضرر مصالح حكامها من استمراره، بحيث يتوقف الاصلاح جزئيا او كليا. عندها تصبح الثورة لازالة هذه العوائق امر تفرضه الوقائع القائمة لاعادة سير عملية الاصلاح الى سيرها الطبيعي في جوانب المجتمع المختلفة او في احد جوانبها. فالثورة ليست هدفا بحد ذاته ولكنها عملية تيدو ضرورة تاريخية عندما يصبح الاصلاح لمواكبة العصر امرا مستحيلا او شديد الصعوبة.

لقد شهدنا مؤخرا الثورات الشعبية التي اندلعت في اكثر من بلد عربي واسبابها الرئيسية هيمنة الانظمة الاستبدادية فيها على السلطة والثروة واعاقة اي اصلاح جذري لنظمها. فيما دول عربية اخرى تقوم باصلاحات جزئية بطيئة غير كافية لفتح الابواب للتطور والتقدم لصالح شعوبها وحقوقهم الاساسية التي اقرها الاعلان العالمي لحقوق الانسان. من هذه الدول المملكة السعودية التي تحكمها بشكل مطلق عائلة آل سعود منذ حوالي القرن فتهيمن على السلطة والثروة من خلال امرائها الذين لا يقل عددهم عن 7000، منهم حوالي 200 الاكثر تحكما بمفاتيح السلطة والثروة، احتكروا معظم مناصب الدولة الاساسية، وبقي فيها بعضهم عدة عقود، مثل الملك عبد الله قائد الحرس الوطني من العام 1963 حتى 2010 او الامير نايف وزير الداخلية من 1975 حتى وفاته 2012.

تتحالف السلطة الملكية المطلقة مع المؤسسة الدينية التي تقودها هيئة كبار علماء الدين، التي هيمنت على المجال القضائي والتعليمي والسلوكي والاخلاقي العام باسم ان السعودية، التي لا دستور لها، تحكم حسب الشريعة الاسلامية، القرآن والسنة النبوية كما يفسرها العلماء لخدمة مصالح العائلة المالكة ومصالحهم. وللهيئة جهازها القمعي "للنهي عن المنكر" الذي يستعمل العصي ليدل الناس على الطريق القويم. السلطة الملكية بحاجة للمؤسسة لاعطاء الشرعية الدينية لسلطتها وقوانينها. العلاقة في التحالف متقلبة ولكن مائلة لصالح السلطة الملكية الاقوى والتي فضلت مؤخرا التقليص من سلطة المؤسسة الدينية في القضاء والتعليم، ليتحولوا من حليف الى ما يشبه اداة تبرير ديني لسياسات النظام الملكي لا يستغني عنها.

السلطة المطلقة لا تسمح بقيام اية احزاب او جمعيات مجتمع مدني او نقابات او اتحادات، ولا انتخابات عامة لمجالس تمثيلية الى ان تم تشكيل المجالس البلدية التي تتوزع بين منتخبين ومعينين بمهام محدودة ، وما يقال عنه مجلس شورى من منتخبين ومعينين من الملك ايضا، مهمته فقط اعطاء المشورة للملك الذي يقرر في النهاية من خلال الديوان الملكي وليس الوزارة، كل شؤون البلد. كما تمارس السلطة المطلقة تمييزا ضد النساء، اذ يعتبرن مواطنات من الدرجة الثانية، وتسلط عليهم الذكور بالتعاون مع علماء الدين في نظام "الولاية" المحكم. بالاضافة لتمييز طائفي ضد الشيعة السعوديين الذين تبلغ نسبتهم حوالي 10%، في كافة المجالات، فالمؤسسة الدينية تعتبرهم خارجين عن الدين الاسلامي. وتمييزا دينيا ضد المسيحيين الوافدين من دول اخرى للعمل في السعودية، حيث يمنعوا من بناء كنائسهم وممارسة شعائرهم الدينية. بالاضافة لمنع ثقافي، بلا قرارات من المحاكم، لكتب وندوات ومحاضرات وبرامج تلفزيونية. ومحاكمات غير عادلة بلا استناد لقوانين عادلة او اجراءات تقاضي سليمة. وتقدر المنظمات الحقوقية عدد معتقلي الرأي السعوديين ب 30 الفا. وحصلت السعودية على المرتبة 141 في "مؤشر حرية الانسان" العالمي الصادر عام 2015.

كان لابد من هذه المقدمة لمعرفة الوضع الراهن الذي يسعى "مصلحون" على اختلافهم، لاصلاحه. الليبراليون السعوديون حددوا في وثائقهم، التي اعتقلوا بعد اصدارها، الخطوط العريضة التي يجب البدء فيها لاصلاح حقيقي وجذري عصري متوافق مع حقوق الانسان العالمية، وهي اصدار دستور متوافق عليه يعزز دولة القانون ويؤمن المساواة بين المواطنين دون تمييز على اساس الجنس او الدين او الطائفة او القومية، اقرار الحريات العامة وانتخاب مجالس تمثيلية تشريعية تراقب وتحاسب السلطات التنفيذية، الفصل بين السلطات الثلاث، استقلال القضاء، حرية تشكيل المنظمات السياسية والاجتماعية والنقابية والمدنية، اسقاط نظام الولاية عن المرأة واعطائها حقوقها وحرياتها ومساواتها بالرجل، المشاركة الشعبية في السلطة وملكية دستورية تفصل مجلس الوزراء عن الملك.

النظام من جهته يسعى للاصلاح ضمن حدود معينة لا تفقده هيمنته على السلطة والثروة في البلاد، فمن الصعب، بل ربما من المستحيل، ان يبقي الوضع الراهن على ما هو عليه لاسباب عديدة، منها الضغط الداخلي لمعارضي النظام والجماعات المتضررة من النظام الحالي والغرق في حرب اليمن، واستباقا لما حدث في دول الربيع العربي والجو العام للمنطقة القابل للتقليد، حيث تنتشر افكار الحرية والتغيير والانتفاض والاحتجاج وغيرها، بالاضافة لضغوط الامم المتحدة والدول الغربية الحليفة التي تخجل امام شعوبها من السكوت عن نظام استبدادي حليف لها لحاجتها لنفطه واستثماراته في بلادها واستثماراتها فيه، واكبر مثال الازمة الكندية السعودية حيث ان نقدا خجولا في تويتر ادى لقطع كل ما يربط كندا بالسعودية، الذي يدل على مدى خوف النظام من الاصلاح الحقيقي ومدى خوف دول غربية من فقدان مصالحها الاستراتيجية في الخليج.

فلكي لا يفقد النظام الملكي هيمنته على السلطة والثروة قام ويقوم باصلاحات منتقاة بحيث ترضى بعض الاطراف الداخلية او العالمية ولكن لا تصل الى حد تهديد سلطته وثروته. مثل تقليص صلاحيات لجنة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحويلها للشرطة، الدعوة للعودة للاسلام المعتدل في مواجهة متشددي هيئة العلماء الذين يحبذون التمسك الكامل بالمفاهيم الدينية حسب التفسير الوهابي المتطرف، انتخابات بلدية مع تعيين، السماح للمرأة بالترشح والانتخاب، تعيين وزيرة امرأة لاول مرة، توسيع المجلس الاستشاري المنتخب والمعين من الملك، يدء محاولات لاقصاء المؤسسة الدينية عن القضاء والتعليم، اصلاح المناهج التعليمية التي كانت يشكل ما تساعد في تخريج متطرفين تجد المنظمات الارهابية طريقها لتجنيدهم، السماح بافتتاح دور السينما والمسرح والسماح للمرأة بقيادة السيارة وحضور مباريات كرة القدم، القاء القيض على عدد من الامراء بعد انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، خطة 2030 الاقتصادية لعالم ما بعد النفط عند نفاذه او تراجع اهميته كوقود لتوفر البدائل، فالسعودية التي تعتمد منذ ستين عاما على النفط الذي يشكل 80% من الدخل القومي، بحاجة لاقتصاد متنوع قائم على سوق حرة يوفر فرص الاستثمار العالمية.

لا يمكننا الا ان نؤيد هذ الاجراءات التي قام بها النظام السعودي او سيقوم بمثلها مستقبلا تحت ضغط الظروف الداخلية والعربية والاقليمية والدولية، رغم ان النظام يريدها كتجميل يخفي اليد الحديدية للسلطة الملكية المطلقة، دون ان نقع في خطأ تصور ان هذه الخطوات هي الاصلاح الحقيقي الجذري المطلوب لتحويل السعودية الى دولة حديثة تعمل حكومتها المنتخبة لصالح الشعب الذي اتى بها. فعادة اية اصلاحات آتية من فوق من نظام استبدادي لا تصل الى حدود مواقف وسياسات وتعديلات تضر بهيمنة النظام المطلقة، بل تنازلات في المجالات الثانوية وليس الرئيسية التي تغير طابع النظام وتضعف من القوى السائدة فيه. ومن المعروف في المثل الدارج ان "الشيطان لا يقلع مخالبه بنفسه!".

برأيي ان مستوى الوعي الشعبي السعودي حاليا لم يصل بعد الى الحد الكافي لادراك ضرورة التغيير الجذري المطلوب، وهي عملية لن تطول كثيرا بعد الانفتاح العالمي الاعلامي والالكتروني الذي جعل المعرفة في متناول الجميع. بالاضافة الى ان المحيط بالسعودية من دول تسعى شعوبها للاصلاح والتغيير لم تقدم بعد نموذجا يقتدى به للاصلاح الجذري الديمقراطي العلماني. فلا يزال الاسلام السياسي والمنظمات الارهابية والانظمة الاستبدادية او النصف استبدادية تتصدر المشهد السياسي العربي.

 

جورج كتن

.................

* مداخلة قرأت في ندوة مجموعة اعلان دمشق باللاذقية عن الاصلاح السعودي    

 

 

الانسانية تعيش بين مجتمعين: المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة، بكل ما في هذه المجتمعات من اختلافات في مستوى التطور وتوفر ونوعية الخدمات واحترام حقوق الانسان والتأمينات الاجتماعية والصحية واحترام الحريات الشخصية والرأي، وعلى الجانب الاخر اي في المجتمعات المتخلفة يوجد عكس كل ذلك. السؤال ما الذي يريده الانسان؟ هل يريد الديمقراطية اي حرية الرأي وحق الانتخاب او يريد الحكومة الرشيدة؟، هناك حكومات رشيدة ولكنها لا توفر الاجواء الديمقراطية حسب المفاهيم الغربية لكون طبيعة المجتمعات مختلفة .هناك دول في المنطقة استطاعت توفير امكانيات وخدمات ورفاهية لم تستطع الدول المتقدمة توفيرها كدول الخليج ولكنها لا تسمح بممارسة المفاهيم الغربية للديمقراطية كالانتخابات وحرية الرأي وتأسيس الاحزاب وتنافسها على الحكم ولكن بسبب مستوى الخدمات والرفاهية التي توفرها يأتي الغربيون للعمل فيها لأنها توفر لهم فرص عمل لا يستطيعون التمتع بها في دولهم . وانا شخصيا اعرف عددا من الزملاء الذين حصلوا على جنسيات لدول غربية ولكنهم يفضلون العمل في دول الخليج . نحن مواطنو الدول التي يرزح مواطنوها في اسوأ الظروف المعاشية والخدمية والامنية ولا يتمتعون لا بحريات فردية ولا اجتماعية ولا حرية رأي ولا حرية صحافة ولا يجدون فرص عمل ولا خدمات وكل ما يقال لهم انهم يتمتعون بديمقراطية هي في حقيقتها كاذبة ومغشوشة لأنها معجونة بالفساد، ويعشش بها طبقة من السياسيين الذين يتمتعون بامتيازات ما يسمى بالديمقراطية، هل هؤلاء المواطنون في هذه الدول.. والعراق منها.. هل نحن بحاجة الى مثل هذه الديمقراطية ام نحن بحاجة الى حكومة رشيدة تعيد الحياة والنظام لهذا البلد ولسنا بحاجة الى ما يسمى بالديمقراطية التي ضحكت علينا بها امريكا .. اي ديمقراطية يريدها انسان لا يجد ماء صالح للشرب ؟هل البصرة بحاجة الى ديمقراطية ام ماء صالح للاستخدام. لذلك قاطع الناس الانتخابات لانهم عرفوا أن ماهية الديمقراطية المتبناة تدفع الناس الى الاسوأ ثم الاسوأ من ظروف الحياة الصعبة لان اساس اللعبة الديمقراطية ان تأتي بالصالح ليخدمك وتتخلص منه فور مخالفته للاهداف الحقيقية لتقدم ومصلحة المجتمع، ولكن في لعبتنا الديمقراطية لن تستطيع ان تتخلص من ساستك حتى لو لم تنتخبهم لان اللعبة اكبر منك ومن مجتمعك ومن جمهورك اللعبة مستمرة حتى لو رفضت او توقفت عن اللعب لان اطراف خارجية تريد للعبة ان تستمر.هي لعبة اشبه ما تكون ب (العاب القتال) الفلم الهوليودي المعروف فأنت يجب ان تلعب كما يريدك ان تلعب مدراء اللعبة وليس كما تريد انت.

 

د.احمد مغير /طبيب وباحث.

 

 

عباس علي مرادفي الأسبوع الأخير من شهر آب الماضي، ضربت استراليا هزة سياسية عنيفة، قوضت هذه الهزة والهزات الارتدادية التي رافقتها الحكومة الفيدرالية وحزب الأحرار الحاكم، وكان من ابرز نتائجها المباشرة، خسارة رئيس الوزراء مالكوم تيرنبول وظيفته ومن ثم استقالته من الحياة السياسية، وقد تم انتخاب سكوت موريسن خلفاً له، وسط فوضى عمت مجلس الحزب (الكوكس)، وقد تم أيضاً إغلاق البرلمان حتى العاشر من أيلول، وهذا ما لم يحدث منذ زمناً طويلاً.

طغت الكيدية السياسية على حراك النواب والوزراء والأعلاميين، حتى أن العداوة الشخصية والثأر كانا المحرك الأساسي لبعض السياسيين، كرئيس الوزراء الأسبق طوني أبوت وخلفه مالكوم تيرنبول الذي لم يعدم الحيلة، ولم يدخر جهداً، لمنع وصول بيتر داتون حليف أبوت من الجناح المحافظ الوصول الى سدة رئاسة الحزب ومن ثم رئاسة الوزراء.

الأعلام، والذي كان من المفروض به أن يرافق الحدث بتغطية محايدة، انغمس في اللعبة إلى أبعد الحدود، ومارس بعض الأعلاميون المؤثرين أمثال ألن جونز، راي هدلي، اندرو بولت، روس كاميرون، بيتا كريدلن وبول موري دوراً مباشر في الضغط على النواب والوزراء من حزب الأحرار لتغيير مواقفهم من قيادة تيرنبول.

الأعلامي كريس أولمن محرر الشؤون السياسية في القناة التاسعة، شن هجوماً على كل من هادلي وجونز، بسبب دورهما في تسعير الأزمة.

لم تقتصر عملية الأستقواء على الأعلاميين، بل شملت بعض ممثلي الشعب من النواب، وحسب النائبة جولي بانكس نائبة مقعد شيزلوم في ولاية فكتوريا، والتى ستعزف عن الترشح للأنتخابات القادمة، بسبب ما تعرضت له من أستقواء وتخويف وضغوط غير مبررة من زملاء لها في مجلس الحزب، وتعهدت بانكس بمواصلة الدفاع عن المساوة بين الجنسين.

وكانت حالات أستقواء سابقة حصلت في مجلس الشيوخ قبل فترة غير بعيدة، كالذي حصل مع السيناتورة سارة هانوسن يانغ من حزب الخضر، والتى أوصلت قضيتها الى القضاء، او ما تعرضت له النائبة العمالية أيما هيوسر الشهر الماضي، والتي اضطرت الى سحب ترشيحها عن مقعد ليندزي في غرب سيدني، وعدم المنافسة في الانتخابات القادمة ونهاية حياتها السياسية، رغم أن المحكمة الحزبية برأتها من التهم الاكثر خطورة التي وجهت لها.

رئيس الوزراء الجديد سكوت موريسن، تعهد بتغيير ثقافة حزب الأحرار، بعد محنة اسبوع الفوضى السياسية قبل أسبوعين، مذكراً بأن لديه بنات، ليقول بكل وضوح بأنه لن يتساهل مع حوادث الأستقواء.

زعيم المعارضة بيل شورتن، قال أن بيان النائبة بنكس يظهر مدى الانقسام داخل حزب الاحرار، مضيفا أنه لا يعرف عن أي حوادث إستقواء أشارت لها حول حزب العمال، وأكد ان لدى حزب العمال بروتكول حول الموضوع ونعمل دائماً على تطويره.

رئيس حكومة فكتوريا الأحراري السابق تد بالييو، انتقد حزبه بسبب مشاكله مع النساء، واعتبر استقالة النائبة بانكس جرس إنذار للأحراروقيادتهم، واعتبركلام بالييو موجهاً الى رئيس حزب الاحرار في فكتوريا مايكل كروغير، الذي قال ان النائبة بانكس بالغت في ردة فعلها، مضيفا هذه السياسة حيث الناس تتخاطب بهذا الأسلوب وترفع صوتها، وهذا ما يجب أن يفعلوا إذا كانت هناك مسألة وطنية مهمة تناقش.

رئيس الوزراء العمالي الأسبق كيفن راد بدوره شن هجوماً لاذعاً على القطب الأعلامي البارز روبرت مردوخ، واصفاً إياه بأنه السرطان الأخطر على الديمقراطية الأسترالية، وانتقد راد طوني أبوت بسبب أسلوبه التخريبي في العمل السياسي، وقال ان أبوت لا يملك أي برنامج سياسي واضح ( الموقع الألكتروني لصحيفة سدني مورننغ هيرالد 27/8/2018).

ما حصل، يعيدنا بالذاكرة الى النزاعات داخل حزب العمال عام 2010 بين رئيس الوزراء انذاك كيفن راد ونائبته جوليا غيلارد، التي انقلبت عليه، ليعود وينقلب عليها، ويقوض حكومتها ليتولى رئاسة الوزراء عام 2013 ويخسر الأنتخابات العامة 2013.

أقتصاديا،ً مازال إداء الأقتصاد الأسترالي مقبولاً، ولم تشهد البلاد أي ركود منذ 27 عاماً، وأسعار الفائدة الرسمية في أدنى مستوياتها منذ أكثر من 60 عاماً (1.5%) رغم تفلت البنوك وزيادة أسعار الفائدة بصورة مستقلة، نسبة العاطلين من العمل وحسب ارقام الحكومة في أدنى مستوياتها (5.5%) وأستراليا من الدول القليلة التي لم تتأثر بالأزمة المالية عام 2008.

إذن، السؤال الذي يطرح نفسه هل تحولت الأزمة السياسية التي تضرب البلاد منذ عام 2010 الى أزمة وطنية؟

رالف آشتن المدير التنفيذي للمؤسسة الأسترالية للتخطيط المستقبلي في مقالة له بعنوان (أستراليا تتصرف مثل المدلل الشقي س م ه 28/82018 ص 18) يقول: إن الخلل في ألإداء السياسي يعتبر دليلاً على الأزمات والمشاكل التي تواجه المجتمع الأسترالي، ويستعرض بعض المشاكل التي يعاني منها المجتمع ويقول: المؤسسات الدينية تسيء الى الأطفال، المؤسسات المالية تسرق وتغش زبائنها، فريق الكريكت الوطني انحدر مستواه وصولاً للغش من أجل الفوز، وسائل الأعلام حادت عن رسالتها ودقتها، ويضيف ان مجتمعنا المتعدد الثقافات مجتمع ناجح ولكن هناك فشل في معالجة 10 قضايا يرغب الأستراليون في تحقيقها للوطن منها: العناية بالمسنين والمحبطين والأجيال القادمة، تأمين المساكن للمواطنيين، قطاع صحي فعال، نمو أقتصادي، مستوى عال من النزاهة والمحاسبة، تأمين الوظائف والأهم حكومة قادرة وفعالة.

ويتساءل آشتن كانبرا هل تسمعين؟

ويتابع، إن الخبراء ما زالوا يرددون إذا اردنا المحافظة على مستوى المعيشة الحالي، فإننا بحاجة الى نظام ضريبي متطور، منازل بأسعار معقولة، تأمين الطاقة، الحد من الأنبعاث الحراري، تأمين مراكز العناية بالأطفال، حل مشاكل السكان الأصليين، المساواة بين المرأة والرجل، مواجهة مشاكل الأمراض العقلية، معالجة أزمة البدانة، تطوير علاقتنا مع أسيا، تجهيز القوى العاملة لوظائف المستقبل والأستثمار في بناء البنى التحتية.

يجدد آشتن تساؤله ماذا يفعل قادتنا؟ ليس الكثير كما ذكرنا، ومراراً يفعلون العكس، ويضيف ماذا فعلنا كناخبين ومستثمرين ومستهلكين..؟

بشكل عام نقف موقف المتفرج ليختم قائلاً: إننا نبني المجتمع الذي لا نريد.

لقد فات آشتن ذكر بعض القضايا والمشاكل المهمة، مثل تراجع الإداء التعليمي في البلاد في مراحل التعليم الأساسي والثانوي، بالأضافة الى الأفتقار الى سياسة سكانية واضحة، مما حول مسألة الهجرة الى أزمة لا أساس لها ومضللة، فحسب حاكم البنك المركزي الاسترالي فيليب لوي ان أيجابيات سياسة الهجرة تتقدم على مساوئها بكثير، ورغم ذلك لا يتوانى بعض السياسيين والأعلاميين من استغلالها واستهدافها بحملة منظمة لا تخلو من العنصرية، والتي بدورها عادت لتطل برأسها بين الحين والأخر، وما محاولة تعديل المادة 18 س من قانون الذم العنصري، من قبل حكومة الاحرار، قبل التراجع عنه بسبب الضغط الذي تعرضت له من قبل حزبي العمال والخضر وقوى المجتمع المدني، الأ دليل على هذا التوجه وان كان بحجة حرية الرأي والتعبير.

ما تقدم، يُظهر لماذا تراجعت ثقة الاستراليون بالطبقة السياسية، والتي وحسب استطلاع جامعة غريفيت تراجعت الى 46% العام الماضي فدراليا وفي الولايات. وذكر الأستطلاع أيضاً، تراجع ترتيب أستراليا في مؤشر الفساد العالمي من المرتبة الثامنة عام 2012 الى المرتبة 13 هذا العام، وان كانت ما تزال مرتبة محترمة (موقع ذي كونفرسيشن الألكتروني 28/8/2018).

أخيراً، ومن أجل الحفاظ على أستراليا، واستقرارها وتطورها وازدهارها وعدم انزالق الازمة السياسية الى أزمة وطنية، علينا مواجهة التحديات والوقوف في وجه عمليات الاستقواء والتخويف، سواء جاءت من السياسيين أو الاعلاميين، ووضع حد لهذه القرصنة السياسية والأعلامية، لأننا نريد أستراليا التي نمثلها وتمثلنا دون خوف وتردد وتمييز، وهذا حق لنا، وحق علينا، وهكذا نضع حد لهذا الخلل في الإداء غير السليم، لهذه الطبقة السياسية والاعلامية، ووقف توجه الناخب الى الاحزاب الشعبوية، سواء كانت على اليسار كالخضر أو اليمين كحزب أمة واحدة وحزب المحافظين.

علينا تحمل هذه المسؤولية، والقسط الاكبر يقع على عاتق من يتصدى لتحمل هذه المسؤوليات، ويمثل الناس تمثيلاً صحيحاً ويتصدون لحل مشاكلنا الوطنية المهمة، بعيداً عن الأستقواء والأستهزاء والتخويف والهيمنة على الآخرين، من أجل السلطة والمناصب، عبر فرض قيمهم وآراءهم ونظرتهم الخاصة. ما تقدم، يجب أن لا يلغي دور المواطن المراقب والمحاسب، لا بل يجب تعزيزه بالمحاسبة في صناديق الاقتراع حتى تسود الشفافية والنزاهة، لتعود الانجازات السياسية الأسترالية محل إعجاب المجتمع الدولي كما كانت سابقاً.

ونختم مع الدكتور جان هيوسن رئيس حزب الاحرار السابق، الذي يتخوف من أزدياد الوضع سوءاً والتراجع الى الوراء، ويضرب مثلاً عن مسألة الاحتباس الحراري التي أثبتت أنها مشكلة للسياسيين الأستراليين، والنظام السياسي، يتعذر عليهم معالجتها، وشكك هيوسن بامكانية ان يكون اداء حكومة موريسن افضل لمعالجة هذه المشكلة(س م ه 30/8/2018 ص22).

 

عباس علي مراد

 

عبد الحسين شعبانأثار تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشأن موقف العراق من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، موجة واسعة من ردود الفعل الإيرانية الحادّة. وعلى الرغم من أن العبادي كان حذراً ومُحترساً إلى درجة كبيرة، بقوله: «من حيث المبدأ نحن ضد العقوبات في المنطقة (ويُفهم من كلامه أن الأمر يشمل تركيا أيضاً)... لكننا سنلتزم بها لحماية مصالح شعبنا».

ومع أن تصريح العبادي يندرج في خانة «النأي بالنفس»، لكن هناك من استخدمه ذريعة ليطالب العراق بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران بسبب الحرب العراقية - الإيرانية، وحرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت، وهي تقدّر بمليارات الدولارات، كما ذهبت إلى ذلك معصومة ابتكار نائبة الرئيس الإيراني.

أما مجتبى الحسيني، ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي يقيم في النجف منذ العام 2015، فقد ندّد بموقف العبادي، واصفاً تصريحاته بأنها «لا مسؤولة» «ولا تنسجم مع الوفاء للمواقف المشرّفة للجمهورية الإسلامية الإيرانية»، بل اعتبر موقفه تعبيراً عن «انهزامه النفسي تجاه أمريكا التي ينخرط معها، ويخضع لها في مؤامراتها على جارة العراق، إيران»!.

وقد درج بعض رجال الدين الإيرانيين المقيمين في العراق، وهم «أجانب» بالطبع، حسب القانون الدولي، التدخّل على هذا النحو السافر بالشأن السياسي العراقي الداخلي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003. كل ذلك يحصل دون ردود فعل رسمية من جانب بغداد، سواء إزاء هذه التدخّلات التي تخصّ صميم السلطان الداخلي أم إزاء المطالبات غير المشروعة بالتعويضات من جانب مسؤولين إيرانيين.

وإذا كانت العقوبات ضد أي شعب مسألة لا إنسانية بغض النظر عن تصرّفات حكّامه، فلماذا كان الحصار المفروض على الشعب العراقي «محموداً» في حين أن الحصار على الشعب الإيراني «مذموم»؟ ونستطيع القول بثقة أيًّا كانت أسباب الحصار والعقوبات على الشعوب، فإنها لا تلحق الضرر بالأنظمة بقدر ما تفعل فعلها المميت في الشعوب، ولم يحدّثنا التاريخ أن حاكماً زهقت روحه بسبب الجوع، لكن الحصار بلا أدنى شك عرّض شعوباً للمجاعة، وأودى بحياة الآلاف والملايين من السكان المدنيين الأبرياء، وحدث خلال الحصار المفروض على العراق وفاة مليون و650 ألفاً من العراقيين، ولهذا فالموقف المبدئي وخارج سياسات الكيل بمكيالين أو الموقف ذو الطبيعة الازدواجية كان ولا يزال وسيبقى هو ضد فرض العقوبات على شعب بكامله بسبب سياسات حكّامه.

ونلاحظ حتى اليوم التشوّهات التي خلقتها إجراءات الحصار والعقوبات على المجتمع العراقي وعلى الشخصية العراقية، بما فيها الميل إلى العنف باستخداماته المختلفة تحت مبررات ومزاعم شتى، تارة طائفية أو مذهبية وأخرى إثنية، وثالثة بزعم الدفاع عن الهويّة والدين وغير ذلك.

لقد بلغت القرارات الدولية المفروضة على العراق بعد غزو الكويت في 2 أغسطس/آب 1990 وبعد حرب قوات التحالف الدولي ضده في 17 يناير /كانون الثاني/ 1991 نحو 75 قراراً، بما فيها القرارات التي صدرت بعد الاحتلال العام 2003، ولا يزال العراق حتى الآن يئن منها، بما فيها دفع التعويضات، ولذلك فإن موقف العبادي وغيره من الأطراف السياسية التي تتحفّظ على العقوبات على إيران وتركيا، حتى وإنْ كانت قراءاتها السابقة مخطئة ومتأخّرة، إلّا أنه يمكن النظر إليها اليوم من زاويتين: الأولى - لسبب مبدئي أساسه إن الحصار ضد الشعوب وليس ضد الحكام، والثانية - عدم توريط العراق بما لا طاقة له على تحمّله أعباء جديدة فوق ما عليه من أعباء، فضلاً عن ذلك، فالعراق لا يزال مكبّلاً باتفاقية «الإطار الاستراتيجي» مع الولايات المتحدة التي تفرض عليه التزامات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية وغيرها، فقد حاول العبادي مراعاة ذلك وعدم الدخول في مجابهة غير متكافئة مع واشنطن، دون أن يعني الانخراط في مشروعها بشأن فرض العقوبات على المنطقة.

ولم تكن المواقف الإيرانية ضد تصريحات العبادي فحسب، بل إن بعض القوى العراقية لا تقلّ نقداً لها، حيث هدّدت بمهاجمة المصالح الأمريكية، إذا ما تمادت واشنطن في تطبيق الحصار على إيران. ولعلّ ذلك يثير تساؤلات جديدة حول مستقبل الدولة العراقية وما وصلته من حالة انشطار وتمزّق وتشظٍ. فهل المفروض تبنّي الموقف الإيراني برفض الحصار، وهو موقف لا يقوى عليه العراق، أم اعتماد الموقف الأمريكي في تنفيذ فرض العقوبات على طهران، وهو موقف لا إنساني قد لا يستطيع العبادي أو غيره المضي فيه دون دفع ثمن باهظ؟

ولعلّ هذا الأمر يعيدنا إلى أطروحة «القرار العراقي المستقل» التي يكثر الحديث عنها دون القدرة على تحقيقها، خصوصاً والبلد مجروح السيادة ومنقسم ويعاني إرهاباً وعنفاً وطائفية ومحاصصة وفساداً مالياً وإدارياً، ولا يزال مرتهناً، بما فيه تشكيل الحكومة الجديدة لإشارة من بريت ماكفورك الدبلوماسي الأمريكي، وإيعاز من قاسم سليماني قائد فيلق القدس، عرّابيّ الطبخة الجديدة. فمتى سيخرج العراق من المغطس؟

 

عبد الحسين شعبان

 

 

عبد الحسين شعبانهل الطائفية مُنتج محلي أم ثمة فعل خارجي حاضر فيها، لاسيّما ما يشهده العالم العربي من صراعات؟ وإذا كان العامل الداخلي قويّاً في الأزمة الطائفية الراهنة موضوعياً وذاتياً، فإن العامل الخارجي مؤثر، خصوصاً على صعيد التداخل الإقليمي والدولي.

ويبدو أن هناك خلطاً أو التباساً أحياناً بين الطائفة والطائفية، في حين أن هناك فروقاً شاسعة بينهما، فقد يولد المرء ودون اختيار منه في طائفة معينة ومن دين معين وحتى من قومية وسلالة ومنطقة معيّنة، لكنه لا يصبح طائفياً إلاّ إذا تحزّب لطائفة وتعصّب لإثبات تفوقها وتطرّف لتأكيد أفضلياتها وتسيّدها.

وحين تصدّعت تجارب الدولة العربية المعاصرة وانتكست الحداثة الجنينية في بعضها وتعطلت خطط الإصلاح والتنمية بسبب شحّ الحرّيات من جهة والتهديدات الخارجية من جهة أخرى، خصوصاً بعد قيام «إسرائيل»، صعد الاحتقان الطائفي إلى الصدارة، ولاسيّما بنكوص المواطنة الحاضنة للتنوّع.

وكانت القوى الخارجية قد لعبت على هذا الوتر الحساس، وقد بلور المؤرخ برنارد لويس،الذي توفي قبل أشهر قليلة، فكرة تقسيم الوطن العربي إلى 41 كياناً، وذهب هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق ومستشار الأمن القومي للقول منذ العام 1975: «علينا أن نقيم وراء كل بئر نفط دويلة»، لأنه يرى في التقسيم والتفتيت خدمة للمشروع الصهيوني الذي سيجعل «إسرائيل» الدولة الأقوى بين دول تمثل «أقلّيات» في الشرق الأوسط، لكي تكون أكثر تقدماً علمياً وتكنولوجياً في محيطها.

وكشف إيغال آلون منذ العام 1982 عن الأهداف الاستعمارية الاستيطانية للعدوان «الإسرائيلي» بعد 5 يونيو/ حزيران العام 1967 الهادفة إلى تقسيم العالم العربي والتوسع على حسابه، حين قال (واجبنا استيطان «إسرائيل» الكبرى). وأضاف: إن من يشكّ في هذا يضع علامة استفهام حول «العقيدة الصهيونية»، وقد بلور المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لاحقاً هذه الآراء باستراتيجيتهم إزاء الشرق الأوسط، وعلى أساسها نفّذوا عملية غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق 2003، حيث دمّروا الدولة العراقية وفتحوا الباب على مصراعيه لاندلاع الصراع الطائفي وانفلات العنف واستشراء الإرهاب الذي لم يتوقّف عند حدود العراق.

وهكذا امتدّ الصراع إلى سوريا واليمن واستمرّ وجوده في لبنان، بل تعدّى ذلك إلى بعض دول الخليج ودول الإقليم مثل إيران وتركيا والباكستان وأفغانستان، ووصلت شذرات منه إلى دول أخرى بما فيها المغرب العربي، الأمر الذي أصبح تهديداً واضحاً وخطيراً للأمن العربي ولاستقرار مجمل دول الإقليم.

وتعتبر الطائفية اليوم أكثر الأوراق المؤثرة في النزاعات القائمة وفي عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة، حيث يتم تغذيتها إقليمياً ودولياً، ناهيك عن ارتباط بعض أطرافها بأهداف ومصالح خارجية بما يساهم في إدامة الصراع وتعتيقه حتى أصبح كل ما له علاقة بالتاريخ البعيد سبباً في تأجيجه، وكأنه راهن.

ومن مظاهر هذا الصراع استنزاف طاقات البلدان العربية على حساب الصراع العربي - «الإسرائيلي» من جهة، وعلى حساب قضايا التنمية والإصلاح والديمقراطية والعدالة والمساواة من جهة أخرى، حيث لعب دوره في تمزيق الوحدة الوطنية وفي زرع عدم الثقة بين الفرقاء وبث روح الكراهية والعداء، ناهيك عن إضعاف روح المواطنة، حين يتقدّم الانتماء المذهبي والطائفي والهوّيات الفرعية على الانتماء للوطن وعلى الهوّيات العامة الجامعة.

ومن مظاهره الأخرى ظهور تنظيم «داعش» في أواخر العام 2013، في كل من العراق وسوريا حيث استطاع بسرعة خاطفة وبوقت قياسي فرض نفوذه العسكري والسياسي والميداني على مناطق واسعة تجاوزت على ثلث أراضي كل من العراق وسوريا، ولاسيّما باحتلال الموصل «العراقية» والرقة «السورية» التي جعلها عاصمة له.

وشكّل مثل هذا الحدث نقطة تحوّل مهمة في مجرى الصراع السياسي القائم على أساس المصالح والنفوذ، الأمر الذي طرح تساؤلاً كبيراً حول حقيقة هذا التنظيم ووجوده وصناعته ودعمه، وهو ما صدر في تقرير مكثّف عن «مركز دراسات الشرق الأوسط - الأردن» في العام 2017، كما وردت إشارات إليه في كتاب الدكتور فواز جرجس «داعش إلى أين؟: جهاديو ما بعد القاعدة؟» الصادر عن «مركز دراسات الوحدة العربية»، العام 2016.

واليوم بعد هزيمة داعش عسكرياً في العراق وسوريا، فهل سيتم تحويل هذا النصر إلى نصر سياسي، باستعادة الوحدة الوطنية وإعادة تأسيس الشرعية على أسس جديدة، قوامها تحريم الطائفية واعتماد المساواة والشراكة والمشاركة أساساً في تحقيق المواطنة المتكافئة وإطلاق دائرة الحرّيات وتوسيعها واحترام خيارات الناس وحقوقها في إطار عقد اجتماعي دستوري سياسي جديد يؤكد احترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، ويعمل على تعزيز التنوّع وحمايته؟

 

عبد الحسين شعبان

 

محمد توفيق علاويمن الطبيعي لدول العالم المتقدمة ان يتشكل برلمانها من اغلبية تشكل الحكومة واقلية تمثل المعارضة؛ فهل يمكننا ان نحقق في العراق ما حققته تلك الدول بتجميع بعض الكتل لكي تشكل الأغلبية البرلمانية ويقابلها أقلية تشكلها الكتل الأخرى؟

للأسف هذا الامر لا يمكن تحقيقه اليوم في العراق؛ ولا اقصد هنا انه لا يمكن تحقيق هذا السيناريو فهذا يمكن تحقيقه بكل سهولة؛ ولكن ما اقصده انه مثل هذا البرلمان سوف لن يكون له اي دور ايجابي في تطوير البلد.

فالمجتمعات التي تفرز برلماناً به اغلبية برلمانية حاكمة واقلية برلمانية معارضة في الدول المتقدمة تتمتع بجنبتين اساسيتين مفقودة بشكل شبه كامل في العراق:

الاولى: المواطنون في تلك الدول لا تنتخب احزاباً بسبب تركيبها العرقي او الطائفي او انها تمثل طبقة او مجموعة اجتماعية او غير ذلك؛ بل تنتخب احزاباً انطلاقاً من برامجها الانتخابية وبالذات سياساتها الاقتصادية ويمكننا في هذه الحالة ان نضرب مثلاً بالانتخابات البريطانية خلال فترة القرن والنصف السابق:

منذ اواسط القرن التاسع عشر حتى اواسط القرن العشرين اي اكثر من مئة عام وبالتحديد حتى عام 1979 لم يفز اي من الاحزاب الاساسية الحاكمة هناك بمفرده (وهي ثلاث احزاب رئيسية: المحافظون والاحرار والعمال) لأكثر من دورتين اي ثمان سنوات؛ ولكن حدث تغير جذري حينما تبنى حزب المحافظين سياسة اقتصادية مميزة عام 1979 احدثت نهضة اقتصادية كبيرة، فتم انتخابه لتشكيل الحكومة بمفرده لأربعة دورات متتالية امتدت لفترة ثمانية عشر عاماً، بحيث ان الاعلام هناك بدأ يتحدث نهاية عن حزب العمال وعدم امكانية انتخابه مرة اخرى؛ فما كان من حزب العمال إلا ان يتخلى عن سياسته الاقتصادية التي تبناها لعشرات الاعوام وتبنى نفس السياسة الاقتصادية لحزب المحافظين وتمكن على اثر ذلك اول مرة في تأريخه عام 1997 من الفوز لثلاث دورات متتالية لفترة ثلاثة عشر عاماً.

اما في العراق؛ فإن البرنامج الانتخابي هو عبارة عن برنامج انشائي لا يتجاوز كونه حبراً على ورق، فالمواطن الشيعي ينتخب الشيعي والسني ينتخب السني والكردي ينتخب الكردي ولا تجد اي منهم يطلع على البرنامج الانتخابي او السياسة الاقتصادية المعدومة اصلاً لأي من الاحزاب والكتل الانتخابية فالسياسة الاقتصادية للأسف لا وجود لها على ارض الواقع منذ عام 2003 لا للحكومة ولا لأي من الاحزاب السياسية حتى يومنا الحالي.

الحكومة الفائزة في بريطانيا تحتاج إلى اغلبية برلمانية لتتمكن من تنفيذ برنامجها السياسي وسياستها الاقتصادية؛ ام في العراق فليس للأغلبية البرلمانية ان كانت تمثل الحكومة اي دور في تبني اي سياسة اقتصادية لا وجود لها اصلاً، بل ستتبنى الدفاع عن وزراء الحكومة لأنهم من كتلتهم؛ والخطورة في هذا الامر انه إذا تم كشف فساد أحد الوزراء من قبل الاقلية البرلمانية المعارضة فإنها لن تقدر على ازاحته بسبب وقوف الاغلبية البرلمانية الى جانبه. لذلك اقر وبكل ثقة كما ذكرته سابقاً ان مثل هذا البرلمان سوف لن يكون له اي دور ايجابي في تطوير البلد بل على العكس سيزيد الفساد وسنشهد تدهوراً وتراجعاً ودماراً كبيراً للبلد خلال السنين الاربعة القادمة ان تم تبني مبدأ الاغلبية البرلمانية في تشكيل الحكومة على هذا الاساس.

الثانية: وهو امر مرتبط بطبيعة مجتمعنا الذي تتحكم به العواطف، في حين ان المجتمعات المتحضرة يتحكم فيها المنطق والعقل؛ واضرب مثلاً كذلك بالانتخابات البريطانية؛ لقد فازت بريطانيا في الحرب العالمية الثانية بقيادة رئيس وزرائها في ذلك الوقت ونستن تشرشل، ولم يتوفر لبريطانيا في تأريخها شخص نال التأييد الشعبي الواسع والغير مسبوق كونستن تشرشل، حيث انه حاز على تأييد 83٪ من الشعب البريطاني.

انتهت الحرب العالمية الثانية في الشهر الخامس عام 1945، وجرت الانتخابات بعد شهرين، في الشهر السابع عام 1945، وخسر تشرشل خسارة فادحة حيث لم يحصل على ثلث مقاعد البرلمان، وفاز حزب العمال فوزاً ساحقاً بحصوله على حوالي ثلثي مقاعد البرلمان؛ وكان تعليق البريطانيين الذين لم ينتخبوا تشرشل في ذلك الوقت (نحن نحبه ونفخر به ونعتقد ان سياسته كانت سبب نجاحنا في الحرب، انه رجل حرب وليس بالضرورة رجل الحرب سيكون قادراً على بناء البلد)؛ للأسف ابناء شعبنا على النقيض، ونحتاج إلى فترة طويلة من الزمن لكي نفكر بهذه العقلية المجردة والمنطقية؛ لقد انتخب اكثر الناس في العراق في السابق وحتى الآن انطلاقاً من حبهم لشخص معين بسبب قناعات معينة، للأسف لم يتم تبني معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على البناء والتطوير إلا بمقدار محدود؛ لذلك وللأسف الشديد فالأغلبية ليست بالضرورة متمتعة بالكفاءة والاخلاص وقادرة على بناء البلد والنهوض به.

 

محمد توفيق علاوي