نبيل عودةنشأت الفلسفة في اليونان القديمة (بلاد الاغريق) على قاعدة تفسير الظواهر الطبيعية عقلانيا بعيدا عن ربطها بآلهة تتحكم بها. لذلك عرفت باسم الفلسفة الطبيعية .. طبعا الى جانب الاهتمام بعلم الأخلاق والقانون وشكل الدولة والتقسيم الاجتماعي وعلم المنطق .. الخ.

الفلاسفة الإغريق في وقتهم حسموا بموضوع أن عالمنا قائم على العقل وليس على النقل. على العلم وليس على الإيمان بالخوارق. الإيمان هو عملية نقل، ظاهرة تنقل بالوراثة وليس بالوعي. لا انفي أهمية الدين الأخلاقية كمحاولة لوضع قواعد تعامل اجتماعية بين البشر، لكننا نواصل منذ ستة آلاف من السنين التمسك بما أثبتت الفلسفة الإغريقية بطلانه ورفضت جعله معيارا فكريا سائدا تفسر به الوجود الإنساني والطبيعة.

في الفكر العربي نجد ان "إخوان الصفا" أقروا أن الفلسفة هي محبة العلوم وأوسطها معرفة حقائق الموجودات حسب طاقة الإنسانية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم ... اليوم يسود النقيض لفكرهم المتنور!!

ديكارت (ابو الفلسفة الحديثة) قال ان الفلسفة كلها بمثابة شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذوعها الفيزياء وغصونها المتفرعة عن هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى. أي ربط الحصان أمام العربة وليس وراءها، كما يفعل الفكر الديني.

الفلسفة الماركسية التي اعتبرت بجدارة فلسفة القرن العشرين لم تكن اختراعا بل كانت دمجا مع مادية الفيلسوف الألماني المادي لودفيج اندرياس فيورباخ (1804 – 1872). الذي كان في البداية تلميذاً للفيلسوف الألماني جورج فلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠١٨٣١) ثم أصبح من أبرز معارضيه. ويعتبر هيجل أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. لقد اعتمدت الفلسفة الماركسية على ثلاث قوانين جدلية (ديالكتيكية) فلسفية رئيسية، اقتبستها من هيجل وهي: قانون نفي النفي، ووحدة وصراع المتناقضات، وتحول الكم إلى كيف.

حظيت فلسفة هيجل بتأثير كبير وهام على الفكر الحديث، وكان كارل ماركس أبرز الفلاسفة الذين تأثروا واقتبسوا من هيجل فلسفته الجدلية قالبا اياها رأسا على عقب: إذ أن جدلية هيجل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما منهج ماركس الفلسفي الجدلي رأى بأن جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية (المادة تسبق الفكرة) أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطوره. اذن هيجل قدم مساهمة عظيمة حول الجدلية، عبر فكره المثالي (الفكرة المطلقة) بينما ماركس أخذ الجوانب العقلانية لجدلية هيجل معترفا بمساهمة هيجل في تعميق مفهوم الجدلية بقوله: لقد أصبحت الجدلية بين يدي هيجل روحية لكن هذا لا يمنع بأنه أول من بين أنواع الحركة العامة للجدلية بجميع خصائصها، وقال لينين قائد ثورة اكتوبر الاشتراكية وزعيم البلاشفة في روسيا ان "هيجل كان في جدليته موضوعيا أكثر منه مثاليا".

رغم ذلك لا نشهد ان التطور الفلسفي والثقافي قد ترك آثاره على تطور الفكر العربي او تطور فلسفة عربية. بعض رجال الكهنوت يدعون ان الدين هو فلسفة، لكنها ادعاءات لا تصمد أمام الواقع الفكري البسيط. إذا اعتبرنا الدين فلسفة نجد انه لا يفسر أي شيء بطريقة علمية إنما بالاعتماد على الفكر العجائبي والخرافي.

الفكر الماركسي واجه ويواجه اليوم نقدا حول العديد من القضايا التي كانت تبدو نهائية، مثلا الفكر المادي التاريخي يواجه اليوم إشكالية كبيرة، بل والبعض يعتبر المادية التاريخية لماركس نظرية خاطئة لم تثبت نفسها. الجدلية المادية نظرية تتناول تطور المجتمع البشري وتحولاته حسب فكر الصراع الطبقي الذي يقود الى صراع بين الطبقات يسفر عن انتصار الطبقة البروليتارية (العمال) على البرجوازية وبناء النظام الاشتراكي .. نظام ديكتاتورية البروليتارية. وقد ثبت ان التطورات نقضت هذه النظرية، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة هامة ان الماركسية بجوهرها لم تطبق في النظام الاشتراكي (السوفييتي في حالتنا) بل طبق نظاما استبداديا رهيبا لم يتوان عن اعدام ونفي الملايين وقمع كل صوت معارض لنهج ستالين حتى من قادة الحزب الشيوعي السوفييتي وقادة ثورة أكتوبر. بنفس الوقت طرح فكر الصراع الطبقي التناحري، اعتمادا على ما كان سائدا في القرن التاسع عشر، حيث الطبقة العاملة لم تكن قد ارتقت فكريا ومهنيا ومكانة اجتماعية، والنظام الرأسمالي لم يكن قد وصل بثروته الى مستوى سبق فيه العالم الاشتراكي بنسب كبيرة جدا، ووفر للطبقات العاملة شروط عمل واجور ورفاهية تجاوزت ما كان سائدا في الدولة الاشتراكية السوفييتية.

قرأت وثيقة هامة لقائد شيوعي تفسر مشكلة الماركسية والفكر الشيوعي وتطبيقاتها السوفييتية كتبها مثقف شيوعي عقلاني هو الأمين العام للحزب الشيوعي الأميركي صموئيل ويب (Samuel Webb) كتب:

"قرأت ماركس ولينين ولوكسمبورغ وغرامشي وكتابا آخرين كثيرين كتبوا عن الماركسية وغير الماركسية، ولو سئلت بعد كل هذه القراءات عن النتيجة التي خرجت بها لقلت .. أن البنيان النظري للشيوعيين أي الماركسية اللينينية بوصفاتها الثابتة والمحددة لا ينسجم والتحليلات القائمة التي يكتنفها افتراضات لم يُقطع بها وتقوم بمنهج غير ديالكتيكي (جدلي) شديد المركزية والنتيجة سياسات تتجاهل الواقع"!!

كلام واضح. البنيان النظري للشيوعيين كان شديد المركزية .. أي طروحات ثابتة لا تتغير ولا ترى التحولات العظيمة في عالمنا. أي لا شيء جدلي (ديالكتيكي) في فهمهم للتحولات، واستيعابهم مثلا للتحولات بواقع النظام الرأسمالي، بواقع الطبقة العاملة، تطور مستوى الحياة والرفاهية في النظام الرأسمالي، تطور الحريات ومختلف الحقوق الإنسانية. رغم كل ما تبقى من ظواهر سلبية كبيرة، الا ان الصراع الطبقي بدا يتحول الى نضال طبقي بعيد عن العنف .. حتى دور النقابات العمالية بدأ يتلاشى الى منظمات حقوقية واجتماعية وليس نضالية تؤجج الصراع الطبقي التناحري. أي ان التحولات أضحت عبر صناديق الاقتراع وليس عبر نضال بالشوارع ووراء المتاريس. بينما النظام الاشتراكي فرض نظاما ديكتاتوريا قمعيا رهيبا. انهياره كان بلحظات، ولم يجد من يدافع عنه حتى جيشه الشيوعي الأحمر وقف متفرجا.

طبعا ما اريد تأكيده في هذه العجالة الى ان مجتمعا لم يستوعب التطور الفلسفي والثقافي من عصر الإغريق مرورا بعصر التنوير وصولا الى عصرنا الراهن، وقمع فلاسفته واعتبر فكرهم كفرا وزندقة، هو مجتمع يعيش في الظلام الحالك، حتى لو ملأ الدنيا صراخا وابتهالا وعبادة.

السؤال المقلق والمفتوح: هل يمكن ان ترقى ثقافة روحية وثقافة مادية بظل سيادة فكر ديني يتمتع بجبروت كامل وسيادة مطلقة، وتطور أشكال إرهابية بغلاف ديني؟ هل يمكن ان نشهد عودة الى نشوء فكر فلسفي عربي في الواقع المتهافت الذي يعيشه عالمنا العربي؟

رؤيتي ان التاريخ اخرج العرب من حسابه حتى تاريخ غير معلوم. ولا أرى ان الفكر العربي والثقافة العربية مؤهلة في الظروف المؤلمة السائدة في العالم العربي على إحداث تحول ثوري ينقل الشعوب العربية من الانعزال الى المشاركة في حركة التاريخ. أين نحن من حركة الثقافة العالمية؟ من الإبداع الروحي والإبداع المادي. لا حضارة بلا ابداع مادي، أي إنتاج الخيرات المادية وتوفيرها للمواطنين عبر تحقيق رفاهية اجتماعية. لدينا مبدعون لكنهم أول من يقمع من جهاز السلطة ولا قراء لتعويضهم عن جهدهم الفكري والتفاعل معهم. لدينا طاقات علمية لكنها تغادر أوطانها بحثا عن أسواق عمل تناسب تخصصاتها. مجتمعاتنا تعاني اليوم من فقر في الاختصاصات، أي تفتقد للقوى المفترض ان تقود عصر تنوير عربي.

ان الإفرازات التي يخلفها هذا الواقع تعيث اليوم فسادا ودمارا للطبيعة والإنسان!!

 

نبيل عودة

 

 

حاتم حميد محسنالدين هو ممارسة العقيدة، وفي أغلب الحالات ارتبط بوجود اله متجاوز. مقترحات افلاطون التي سنناقشها سوف تتبع التعريف العام بان الدين هو "الايمان القوي بقوة خارقة للطبيعة تسيطر على قدر الانسان". هذا سيسمح بنطاق ملائم للنقاش ويساعد في استكشاف افكار تتجاوز تعريف الدين كمجرد ممارسات سلوكية من عبادة وطقوس وقوانين دينية، لأن هذه ليست مسألة هامة ضمن أعمال افلاطون. ان افكار افلاطون التي جاءت ضمن سياق ديني قد اثّرت على انثولوجيا مختلف المعتقدات من خلال التأثير والابداع والتعبير في حواراته الناقلة للنظريات. البعض يصف افلاطون كمخترع للفلسفة، بينما (وايتهد) استنتج بان "السمات العامة لتقاليد الفلسفة الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش افلاطون". وهنا يبرز النقاش عن حجم تأثيره الكثيف على الفلسفة الدينية.

اثناء فترة افلاطون في اليونان القديمة، كان قد جرى للدين تنظيرا لاعقلانيا ليكون مسؤولا عن افعال الطبيعة الغير واضحة. ضرورة خدمة الآلهة وتقديم القرابين، الى جانب العقائد الاخرى، قيل انها ترتبط بطبيعتنا الانسانية. انها طبيعتنا الانسانية ان نسأل، افلاطون نظر في سبب وجودنا، طبيعة الواقع، وفكرة الروح. نحن كبشر نبحث عن اجابات، غير ان المبدأ المشترك لجميع الاديان هو القصد المتأصل لدى الانسان للبحث واكتساب المقدرة على التأثير على قدرنا في هذا العالم والعالم الآخر. من الملاحظ انه السبب في قيام اليونان القديمة ببناء المعابد وتقديم النذور للالهة، وانه سبب قيام المسيحيين اليوم بالصلاة ومحاولة الاتصال بالله. طبيعة الانسان تجعلنا ننظر الى شيء ما اكبر، نستجوب موقعنا الروحي ونبحث عن الغرض. حتى (دكنز) تسائل فيما اذا كان الانسان "حقا ضعيف جدا في طبيعته لدرجة ان المجتمع سينهار بدون الدين"."العقيدة، الممارسة والعادات ومهما كانت الاعراف الفردية والجماعية جميعها تم تقاسمها في الفعل والتعبيرات في كل العالم". التعبير عن العقائد الدينية كان دائما متكاملا مع ثقافة الانسان. اما اليوم اعتُبر من الضروري مناقشة ومسائلة اي بيانات اعطيت لنا لوضعها مع ما نؤمن به كحقيقة. الصيغة الشائعة لعمل افلاطون كان ان يفترض مأزقا ويناقش القضية من رؤية ذات خصوصية معينة. " سقراط خلق طموحا لهذا باشراك الناس بمحادثات للتحقق من اساس عقائدهم. عبر توجيه خط من التحقيق، كان النقاش في العقائد عرضة للتمحيص واصبح يُنظر اليه كمأزق بحاجة للاختبار. "في عرضه لنسخته الاصلية في الجدال الكوسمولوجي، يشير افلاطون في (القوانين) ان الاشياء في الكون تتحرك وتتغير"، غير ان الحركة او التغيير في شيء ما، ينشأ بفعل حركة او تغيير في شيء آخر يؤثر عليه. ولكي ننهي هذه السلسلة من الاسباب نحن يجب ان نتصور ان الحركة او التغيير انما تنشأ من محرك ذاتي اصلي. افلاطون اعتقد ان هذا المحرك يجب ان يكون مصدرا للتغيير بكل ما حدث ويحدث. لاحظ افلاطون ان هناك ضرورة "لننهي سلسلة الاسباب". ربما يتصور المرء ان هذا هو نسخة اساسية لمنطق (ليبنز) بانه يجب ان يكون هناك سبب كافي لإنطلاق او لبداية السلسلة. لذلك، فان رؤية افلاطون اطلقت شرارة النقاش فيما اذا كان يتوجب قبول او رفض امكانية التراجع اللانهائي في العلل. نقاشات المذهب السببي نجدها بارزة في عدد كبير من الاعمال الفلسفية. افتراض الضرورة حفز النقاد لعمل تحقيقات مكثفة بمثل هذه الحجج الدينية. (رسل) رفض لغة الحدوث contingence باتهامه الاستنتاج ينطوي على افتراض غير موجود في المقدمة. (هيوم) فحص الحجج المتعلقة "بالقفزات" اللامنطقية للمقدمة، ونظر بمدى مقبولية المسائل المتضادة بشأن الحجة الاصلية. هذه النقاشات الكوسمولوجية ضمن فلسفة الاديان الغربية كلها تأثرت باعمال افلاطون.

توما الاكويني ايضا بنى على حجج افلاطون الكوسمولوجية، عبر افتراض الله الارامي في الايمان الكلاسيكي ككيان عظيم حكيم رحيم. هذا يختلف عن الافتراض الاصلي لافلاطون بخالق مسؤول عن الخلق.الخالق جرى تصوره كموجد للنظام مقارنة باله ابراهيم الوارد في النصوص المقدسة . غير ان الاله لم يتم تصوره كخالق للكون من العدم وانما كصانع للمادة قبل الوجود. ايضا افلاطون نظر بحذر في مشكلة الشر في توضيح الاله. الخالق هو عظيم لكنه ليس رحيما. وفق طبيعة الله هذه فان الشر اذا كان موجودا، فهو لا يستطيع امتلاك كل من العظمة والرحمة. "دور الله محدود ببدء العملية التطورية". هذا مثال عن الجدال المعاصر الذي هو بوضوح تأثر بافلاطون ومع ذلك بقي جزءا مكملا للإستنتاجات العلمية الحالية.

رأى افلاطون بانه يجب ان يكون هناك مقياس للخيرية لكي نحدد الاله كمتسامح، واكد ان هناك مستوى للخيرية غير معتمد على الله. هذا اصبح الاساس لمعظم افكار افلاطون الاساسية المتطابقة مع فكرته عن الروح. نظرية الأشكال التي طغت على فلسفة الدين الغربية، تحاول توضيح معرفتنا الاخلاقية الفطرية.

هو يبدأ بمناقشة معنى الكلمات وهو التكتيك الشائع الذي اكتسبه من سقراط. افلاطون يؤكد اننا نمتلك فكرة تامة عن مواضيع معينة يمكننا ضمن الزمان والمكان التعبير عما تشبهه. الجمال، مثلا، يمكن نقله لأن الاشياء قد تشبه الجمال بطرق مختلفة. في (الفيدو)، هو يذكر محادثة يجادل فيها سقراط بان طبيعة المعرفة تبيّن ان الروح تسبق في وجودها تصور الجسد. هذا عُرف بحجة التذكّر حيث يعتبر افلاطون احاسيسنا الجسمية غير تامة ولذلك ليست مطّلعة تماما على الافكار التامة التي تترجمها الاشكال. في حوار (مينو) يحاول سقراط اظهار هذا الجدال باستعمال الولد العبد الذي ليس لديه معرفة سابقة بالهندسة. "افلاطون يكشف ان هناك احساس فيه السائل يعرف ولا يعرف ما يبحث عنه ". هذا اصبح يعرف بـ "مازق مينو".

افلاطون استخدم هذا الجدال كاساس لعقيدته في الأشكال. هو اكد اننا لا نستطيع اكتساب المعرفة بالحقائق المجردة من تجارب الاحاسيس الجسمية، وان معرفتنا السابقة للوجود بالاشكال هي التي تسمح لنا للتحقق من طبيعتها في المقام الاول. افلاطون وصفها بـ "الحيازة الفطرية" التي لهذا السبب تشكل روحنا السابقة في الوجود على الاجسام.افلاطون ايضا يضيف بان افتراض السابق في الوجود هو الذي يفتح التحقيق في ما بعد الوجود. خلود الروح يشير الى ان الخالق اعطى الحياة للكائن البشري لهدف أعظم." ان الروح عندما تنفصل عن البدن فهي تتحرر من امراض الانسان وتعيش في سعادة عظيمة لأنها لم تعد تفسر الاشكال من خلال احاسيس ناقصة. خلود الروح قد يكون نتيجة لخصوصيتها الفطرية غير القابلة للتحطيم. انها لا تعتمد على مغفرة الله ولا على اي صفات اخلاقية او دينية للروح. هذه كانت مسالة اساسية في النقاش الذي منه انطلق مازق ايوثيفرو. المازق سعى لتحدي نظرية الاوامر الالهية وتسائل ما اذا كانت هناك اي نوايا روحية للخالق.

ان مازق ايوثيفرو يستجوب طبيعة العلاقة بين الله و"شكل" الاخلاق . سقراط يسأل ايوثيفرو "ما هي القداسة؟" وسؤال واحد مهم يبرز هنا :"هل ان الفعل جيد اخلاقيا لان الله امر به ام ان الله امر به لانه جيد اخلاقيا؟". وفق نظرية الاوامر الالهية، الفلاسفة اعتبروا ان لا شيء هناك كافي لتاسيس الاخلاق عليه، وان وجود الشر يتضمن ان الله قد يأمر كل الافعال الاخلاقية(حتى القتل) لتكون جيدة اخلاقيا لأنه قوة عظمى. سقراط اعترف ان الخير الاخلاقي لا يمكن ان يكون من اوامر الالهة لأنهم يتصارعون ويتنازعون ويسرقون الزوجات من بعضهم. الموقف الذي تم التوصل اليه هو ان اوامرهم المختلفة لا يمكن ان تكون جيدة اخلاقيا. هذا اعطى قوة لنظرية افلاطون في المستوى المستقل للخيرية. " الاشكال لا يمكن ابدا رؤيتها في هذا العالم، طالما انها دائمة ومفاهيم ثابتة لا تتغير- العدالة الحقيقة الجمال والخيرية- التي اعتقد افلاطون اننا نمتلك اعجاب فطري بها حتى لو كنا لا نعرف ابدا مثالا تاما عنها. الاشياء ضمن العالم الفيزيقي تتغير دائما ولذلك هي ليست مصدرا لمعرفة الحقيقة. خبرتنا تعتمد على ما تفسره حواسنا وحواسنا ليست تامة.

في التطبيق المسيحي، كان جدال توما الاكويني متأثرا بوضوح بنظرية الاشكال. يشير الاكويني الى الحاجة الى أعلى مصدر للخيرية والحقيقة والرفعة، والتي اشار لها بـ الله. فمثلا، الشيء الذي يقال (أسخن) هو منسجم مع المقارنة بما هو (الاشد حرارة)، ان المقياس المستقل الذي تحقق منه افلاطون في هذه الحالة يجب ان يكون الحرارة. وللمقارنة البسيطة، حواسنا ستكون اشبه بمقياس الحرارة والذي هو ليس قياسا دقيقا. نظرية الاشكال كانت مؤثرة جدا في تطوير افكار حول الخيرية والواقع. السجناء في قصة الكهف سيكونون مستعدين لقبول ما يتصورونه كواقع حقيقي، وسوف لن يكونوا قادرين على فهم الشكل المطلق والحقيقي للخير. افلاطون جادل باننا سنرتكب فقط الفعل السيء لاننا لا نعرف الاحسن. غير ان افلاطون في النهاية سيكون صائبا فيما يتعلق بالتصور حينما نقوم بالفعل دون ان نكون واعين تماما بنتائجه. فكرة افلاطون عن الروح تضمنت مفهوما يتطابق مع ثقافة اليونان القديمة. كانت هناك سلفا فكرة ثنائية بان الانسان مركب من عنصرين متميزين الروح والجسم. وهي ايضا جاءت ضمن الميثولوجيا اليونانية في امكانية وجود الاشباح المؤقتة في عالم تحت الارض. وفي كتاب الجمهورية اكد سقراط ان جميع البشر سيتمتعون بحياة بعد الموت. اليونان القديمة لم تفترض مسبقا اي حياة بعد الموت حيث كان الاعتقاد ان الخلود يعود لآلهة الاولمب. اما افلاطون اعتبر الروح هوية كل فرد منا . فهو يوضح بان الروح يجب ان تنفصل عن الجسم اذا اريد لأي شيء يتبقى منا لأن الجسم المادي لن يبقى بعد الموت.

سايكولوجيا، سقراط وافلاطون ربما صاغا هذه العقائد التي اعجبتهما بسبب عدم مقدرة الانسان لتقبل او فهم فكرة الموت. هذه العقيدة هي ايضا جاءت ضمن المسيحية واديان اخرى وهي ربما تنطلق من طبيعتنا في حب الاجتماع مع الاخرين. المرء قد يتقبل العقيدة باننا سنجتمع مرة اخرى مع من نحب في الجنة ونعيش حياة الخلود. في كل من (فيدو) و(الابولوجي)، من الواضح ان سقراط يعتقد تماما بالوجود المستمر لدرجة هو لم يخش او يستاء من الموت.الروح بالنسبة الى افلاطون ليست دائما تامة فهي "سُجنت في الجسم وتلوثت به". اعتبر افلاطون الاعتناء بالروح هي المهمة الاساسية في الحياة. الفرد يجب ان يعتني بالروح من خلال السيطرة الذاتية على الرغبات الجسمية. عندما نخضع للحوافز غير الرشيدة للرغبات الجسمية ستكون هناك مخاطرة في الإضرار بالروح. افلاطون يؤكد ان الفرد عندما يقوم بعمل خاطئ فهو يؤذي نفسه اكثر مما يؤذي الآخرين عبر الإضرار بروحه. "المسيحيون الزاهدون استخدموا افكار افلاطون في وصف الجسم كشيء شرير بذاته يجب قمعه والتغلب عليه" . افكار افلاطون حول الروح جوبهت من البعض بالرفض لانها تعتمد على رؤية للعلاقة بين الروح والجسد اُعتبرت شديدة التجريد. العديد من الفلاسفة تبنّوا اتجاها اكثر عملية ينظر من زاوية سايكولوجية في فحص مدى معقولية مرشد اخلاقي فطري، لأن المضامين تتباين بوضوح. فرويد اعتبر الاخلاق تُكتسب فقط من الظروف الاجتماعية من خلال التأثير والتطوير. هذا سيكون مسؤولا عن الاختلافات في الاخلاق التي نسبها افلاطون الى الحواس غير التامة لأن التجارب والتأثيرات هي فردية وشخصية .

الافكار حول الله ضمن فلسفة الاديان الغربية يمكن القول انها تطورت من تأثير فرعين اساسيين ضمن فلسفة الاغريق القديمة وهما افلاطون وارسطو والايبيقورية (المفهوم المسيحي لله لم يظهر مباشرة في تفكير هذين الفيلسوفين لكن الاسئلة الاساسية التي عالجاها كانت مؤثرة جدا ووضعت الاجنده للعديد من النقاشات اللاحقة). افلاطون هو من بين المفكرين القلائل الذين باستمرار جرت الاشارة الى اعماله الاصلية. هذا يعود الى الاصالة والعبقرية التي تميزت بها اعماله. افلاطون تبنّى طريقة سقراط في عرض الجدال على شكل حوارات.

في الواقع ان بعض الحوارات هي فقط تكيفات بسيطة لشخصية سقراط ولنقاشاته الحقيقية التي حدثت بين سقراط وزملائه. من المعقول الافتراض ان افلاطون كان يشجع افكار سقراط وطرقه وخطه في الاستجواب. وان افلاطون اراد بسط شهرة المعلم الذي ادّعى عدم المعرفة باي شيء. من الصعب التمييز بين سقراط وافلاطون، غير ان افلاطون في صياغة عمله يكون قد اخترع بكفاءة موضوع الفلسفة . هذا بسبب ان سقراط لم يكتب اي شيء على الورق وان ما سُجّل فقط مباشرة من الحوارات هو ذلك المتعلق بمحاكمته وبنهاية حياته.ولهذا فان اسس فلسفة الاديان الغربية برزت فقط من شخصية سقراط الناطقة ومن الظروف التي احاطت بوفاته والتي حفزت العديد من الاتباع بما فيهم افلاطون على الاستمرار في البحث عن الحقيقة.البعض اعتبر ان ما كتبه افلاطون على الورق حقق نفس التأثير الذي انجزه سقراط في الكلام حتى مع اختلاف المحتوى. وبالرغم من ان بعض اعمال افلاطون تعرضت للانتقاد بسبب طبيعتها التجريدية، لكنه لايزال مؤثرا رئيسيا في الفكر الفلسفي الغربي. المترجمون مثل افيروس هم ايضا ذوي اهمية كبيرة حين سمحوا لأعمال ارسطو وافلاطون لتكون متاحة في العالم الغربي واثارت نقاشات مستقبلية. وبالتالي، فان التأثير على مستقبل فلسفة الاديان سيستمر الى ما لا نهاية لأن الحوارات عملت كمدخل وكدعوة للقارئ للتفكير.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي المرهجمحمد المصباحي مفكر من المغرب من مواليد 1945، من مدينة القصر الكبير، مُهتم بالدراسات الرشدية، ورئيس وحدة فضاءات الفكر العربي والإسلامي، عضو الجمعيتين الفلسفية المغربية والعربية، وعضو جمعية فلسفة القرون الوسطى، وعضو الجمعية الدولية للعوم والفلسفة العربية، فضلاً عن كونه عضواً في الاتحاد الفلسفي العربي.

تأثر بدراسات جمال الدين العلوي لا سيما في كتابه "المتن الرشدي"، وهو ناقد حصيف لمقولات محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي في كتابه نحن والتراث" أو ثُلاثيته "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي" و "العقل السياسي العربي"، ولكن جُل نقده للجابري إنصب على نقد عقل "أمة ثقافية" يعتقد أنها سابقة للحداثة، هي الأمة العربية". ناقداً لنزوعه الأيديولوجي الذي إبتعد به عن التناول الفلسفي كما هو مُتعارف عليه، لأنه تعامل مع التراث نقداً وتحليلاً "بحماس المُناضل الثقافي" عبر تعامله النقدي للتراث بإندفاع وحماس شبيه "بحماس المُستشرقين وغُلاة الفلاسفة ذوي النزعة المركزية الأوربية، لإثبات أن علة العُقم الفلسفي للعقل العربي كامنة في إتباعه للعقل اليوناني واستمرار حضور هذا العقل فيه".

من مؤلفاته: (مقولات في تاريخ الوجود والعقل)، (دلالات واشكالات)، (من المعرفة إلى العقل)، (إشكالية العقل عند ابن رشد)، (الوجه الآخر لحداثة ابن رشد)، (الوحدة والوجود عند ابن رشد)، (جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة)، (نعم ولا، الفكر المنفتح عند ابن عربي)، (من أجل حداثة مُتعددة الأصوات)، (تاريخ الوجود والعقل)، (فلسفة ابن رشد)، (مع ابن رشد)، (العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان)، (فلسفة ابن سينا).

كنت قد حاورته في عام 2002، حينما شارك في المؤتمر الفلسفي الأخير لبيت الحكمة البغدادي قبل سقوط نظام صدام حسين.

يُمكن أن يُعد في توجهه الرشدي قريباً من رؤى جمال الدين العلوي (1945ـ1992) أستاذ الفلسفة المختص في دراسات المغربية، على وجه العموم، والرشدية، على وجه الخصوص، وإن لم ينل من الشهرة ما يستحق.

كان المصباحي ناقداً لمحمد عابد الجابري في فصله وتقسيمه للعقل العربي إلى مشرقي ومغربي، فهو يرى في هذا الطرح بعض من بقايا تأثير العقل الإستشراقي في الثقافة العربي، بل فيه تبعية وتقليد، ولا ابداع في مثل هكذا رأي ولا تجديد.

لم يُنكر المصباحي اختلاف الطرح والرؤية الفلسفية بين ابن سينا وابن رشد، فهذا أمر تبتغيه الفلسفة وتنشده، لأنها قول يرفض التكرار، والسعي وراء المألوف من المقول والمدون لفيلسوف سبق، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد قارئاً جيداً لابن سينا، وهذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد في بعض من مواضع فلسفته مُتأثر بابن سينا، كما بين المصباحي ذلك في كتابه: "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد".

لا يُنكر المصباحي وجود تفكير عقلاني نقدي في الفلسفة الإسلامية رغم تبعيتها في جل ما كتبه الفلاسفة العرب والمسلمين لأرسطو، ولكن فضاء النقد لا يختص به من تبنى التفسير العقلاني فقط، فعالم الفلسفة أرحب من أن نُقصره بعوالم البرهان والإستدلال، لأن قوم الفيلسوف المغامرة والتجريب: المغامرة في نقد المألوف والسائد من الفكر اجتماعياً كان، أم علمياُ، أو فلسفياً، والتجريب، هو الحفر أو الحرث في مناطق لم تنل حظها في الدراسة والتحليل والنقد والتمحيص، أو التشخيص، وفي هذه وتلك يُنتج الفيلسوف رؤيته التجديدية، أو النقدية، التي لا تنفصل عن سياقها التاريخي، بقدر ما تعي تراكيبه ونُظمه الاجتماعية والسياسية والعلمية المحافظة، كي تُعيد انتاجها وفق ظروفها ومعطياتها التاريخية لانتاج رؤية جديدة.

إن مهمة الفلسفة، إنما هي مهمة كونية، ولكنها لا تلغي الخصوصية، فالفيلسوف ابن مجتمعه وبيئته، ففلسفة ابن رشد تُعبر عن خصوصية المجتمع الذي عاش فيه، ولكنها في الوقت ذاته، لا تفقد ميزتها بوصفها خطاباً إنسانياً، وذات الأمر ينسحب على أطروحات بدوي، الذي تأثر بالفلسفة الوجودية، ولكنها تستمد عمقها الفلسفي من التراث الشرقي عموماً، والصوفي، وخطاب الممانعة العقلاني النقدي عند أصحاب الرؤى الناقدة للدين في التراث، وعثمان أمين في جوانيته، المستمدة من النزعات المثالية والحدسية في الفلسفة الغربية، ولكنها لم تفقد جذرها التراثي في فلسفة الغزالي على وجه الخصوص، والفكر الصوفي على وجه العموم، وكذا الحال مع عبد العزيز الحبابي، في شخصانيته التي إستمدها من الوجودية، ومن الفلسفة الشخصانية لمونيه، ولكنها لم تفقد أصلها التراثي في تأكيده على النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي، وهؤلاء من المفكرين العرب وأمثالهم كُثر إنما يُمثلون بداية لحظة التأسيس الفعلي لرؤية فكرية عربي معاصرة ناهضة.

علاقة "الأنا" بـ "الآخر" في فكر المصباحي

في ضوء ما ذكرنا نجد المصباحي يؤكد على ضرورة مغادرة الثنائيات في الفكر العربي المعاصر، فلم يكن نتاج الفلاسفة المسلمين محصوراً ومُقيداً في ما قاله أرسطو، وإن كان أرسطو مُحركهم الذي يتحرك في وجدانهم وعقولهم، كي يُنتجوا فكراً مُماثلاً لفكره، أو مُباين له، وفي كلا الحالين، في الشرح والتوضيح، أو التلخيص، كثير من الوعي، وفي حال الخروج عن هيمنة أرسطو، فذلك ابداع يُحسب لفلاسفة العرب ووالمسلمين، فلم تكن خطابات الفلاسفة المسلمون ترديد (ببغاوي) لمقولات أرسطو والفلسفة اليونانية، كما ذهب إلى ذلك "رينان" ومن شابهه من المُستشرقين، كما لم تكن كل فلسفات مفكرينا المعاصرين تقليداً لفلسفات معاصرة يحذون حذوها حذو النعل بالنعل، إنما هي نقل لتجربة فكرية، ربما تكون صالحة للنشأة في تربة أخرى، وفي النقل والنسخ بعض من التعديل والتجريح، فلم تكن وجودية بدوي هي ذاتها وجودية "هيدغر"، وكذا الحال مع زكي نجيب محمود في وضعيته المنطقية، فهي ليست وضعية "كارناب"، لا سيما في كتابه "تجديد الفكر العربي". وهذا الحال ينطبق على الفلسفة الغربية، فلن تجد فيها فلسفة نقية خالصة، ينطبق عليها لفظ الإبداع، فلم تكن الوضعية المنطقية (على سبيل المثال) سوى إعادة تركيب وترتيب ومزج وتوفيق بين الفلسفة التجريبية وفلسفة كانت النقدية، فلا وجود لابداع بالمعنى المطلق، فكل كتابة جديدة هي تحشية على كتابة قديمة، وكل نص جديد يُخفي نصوصاً قديمة، أ لم تكن فلسفة (فوكو) تحشية لفلسفة (نتشه)؟، وأ لم تكن فلسفة (دريدا) سوى ترديد ذكي لفلسفة (هيدغر)، فجوهر الفلسفة الترديد، ولكن بطريقة جديدة للتوزيع وتنسيق سمفونية و "هارمونية" العازف الأقدم، وكأن جوهر الفلسفة الترديد لموسيقى تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به، مرة وفق هرمونية غربية ثنائية "العالم + الإنسان"، وأخرى "هرمونية" إسلامية عربية ثلاثية "الله +العالم + الإنسان"، كما يؤكد محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي".

الغرب نتاج تراث علمي ومدني وثقافي وحضاري، ورثه من شعوب سبقت، ومنها أمة العرب والمسلمين ـ كما يرى المصباحي ـ فلا وجود لغرب عقلاني تنويري خارج دائرة تأثره بالحضارة العربية والإسلامية، فالغرب ليس مفهوماً جُغرافياً أو عرقياً، إنما هو ثقافة وفكر، نهضته لم تبدأ من الصفر، بل بدأت من رقم مُتقدم في ساحات الفكر والعلم والثقافة، كان العرب من صُناعه، فنحن من عرَف الغرب بالكثير من تاريخ علومهم وفلسفاتهم، لأننا كُنَا جسر هذه المعرفة الواعي.

نحن من كنَا نُقبل على المعرفة، لنُعيد إنتاجها، وطرحها وفق تصوراتنا الحضارية الإسلامية مرة، ووفق تحولات المعرفة الكونية مرة أخرى، فبنا ومنَا بدأت المعرفة بالانتشار، وكأن العولمة نتاج لنا، أو نحن من جعل من المعرفة الكونية "الكوكبية"، معرفة في مُتناول الجميع ممن رغب تقدماً في العلم وتطوراً.

يرى المصباحي أن هناك عدة طُرق لمواجهة المد الفكري والثقافي الغربي، أهمها المواجهة التقليدية، وهي المواجهة المعروفة عندنا في الرفض والإنكار أو القبول والتبعية، هذه هي ليت مواجهة بقدر ما هي مُسايرة. أما المواجهة الثانية، فهي المواجهة النقدية، التي تستدعي استيعاب النتاج الثقافي العربي والإسلامي (التراث)ونقده، واستيعاب النتاج الثقافي الغربي (المعاصر) ونقده. هذا النوع من المواجهة سسجعلنا قادرين على الوصول إلى مرتبة الجودة في الإنتاج الثقافي الفلسفي والعلمي، لأنها تقويض وبناء، تقويض للرؤية السلفية بكل تمظهراتها الأيديولوجية والدوغمائية عند أصحاب النظرة التقديسية للتراث، أو السلفيين ممن "المُتفرنجين" بعبارة الوردي، وهذا الفريق وذاك، لا يُتقن إعمال العقل والتفكير بقدر إتقانه للتقليد وإتباع الغير، أو ما أسماه المصباحي في كتابه "جدلية العقل والمدينة) بـ "التبعية المُزدوجة للماضي وللغرب"، "السقوط بين عدميتين: عدمية إزاء ثقافة الغرب الحداثية، وعدمية إزاء الثقافة التراثية".

في ذات السياق وجدنا المصباحي ينظر إلى العولمة بوصفها من نتاجات الحداثة، بل هي المرحلة الأكثر تقدماً من الحداثة، وهي اليوم باتت أمر ضروري لمن يرغب بركوب (قطار الحداثة)، ولها وجهان:

ـ الأول: هو الشكل الإيجابي، باعتبارها ثورة في المعلومات ووسائل التواصل المعرفي والاجتماعي، بل هي أخطر ثورة عرفتها الإنسانية منذ وجودها على هذه البسيطة، ثورة تسمح للجميع اللحاق بها شريطة أنت يتم هذا الإلتحاق بسرعة، لأنها ثورة في بداياتها وبمستطاع الجميع أن يستوعب أسرارها وقدرتها، طالما أنها لا زالت في بداياتها.

ـ الثاني: هو الوجه السلبي، وهو ما تعالق معها من عولمة اقتصادية وعسكرية وسياسية، يبتغي أصحابها الهيمنة على دول الجنوب بقصد إلغاء الهُوية والقضاء على التنوع الثقافي ونشر نمط واحد من الفكر هو الفكر الأمريكي بسبب سيطرة رأس المال الأمريكي على أغلب المؤسسات العولمية والشركات مُتعددة أو مُتعدية الجنسية.

"المكان المُحايد" فكرة مصباحية

طرح يحيى هويدي مفهوم "الحياد الفلسفي" بكتيب صغير رام من خلاله التناغم الفكري مع أطروحات جمال عبدالناصر في في نزوعه نحو بناء رية أيديولوجية محمد المصباحي في كتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" فكرة "المكان المُحايد" التي استمدها من نظرية العقل التي إشتغل عليها في كتابه "إشكالية العقل عند ابن رشد". تقوم نظرية العقل هذه على أساس وجود عقل أو مادة عقلية أولى "مُحايدة" "عقل هيولاني" بعبارة أرسطو، ولكنه عقل تنتمي إليه كل البشرية بغض النظر عن الزمان والمكان. هو "مجال عام مُشترك بين كل العقول وكل الحضارات، مكان تتساكن وتتحاور فيه تجارب الإنسانية من كل مكان وزمان"، وهذا هو معنى الحداثة التي يفهمها المصباحي، بوصفها "مكان مُحايد" يسمح لنا بحرية أكثر في التفكير والعمل، يسمح لكل العقائد والحساسيات الفكرية والثقافية بالوجود، فهو "المكان الشفاف" الذي نستظل بظله نحن بني البشر في عالمنا المتنوع والمُتعدد يقينا شر الصراع والتقاتل بين الأعراق والثقافات والأيديولوجيات المُختلفة، وهو "شرط الممارسة الفلسفية والإنفتاح على الآخر، لأن ما يُميز الفلسفة هو أنها خطاب موجه إلى مُتلق عام، إلى الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مُنتم إلى ملة دون أخرى، أو إلى زمن دون آخر".

وفق هذه الرؤية للعقل يكون معنى "المكان المُحايد"، هو ذلك المكان العلمي أو العقلي الذي يضمن للمعارف والمفاهيم شروط المصداقية الذاتية التي تجعلها قابلة للتواصل بين جميع الناس مهما إختلفت جنسياتهم أو أعراقهم القومية والأيديولوجية وحتى الاجتماعية. "المكان المُحايد" أو "حياد الحداثة الثقافية" هو برزخ بين ثقافات مُتعددة يستفيد منها دون أن يتوحد مع أي منها"، لأن الحداثة "مُلك مُشاع" ومكان ثقافي مُشترك بين كل الإنسانية بكل تنوعاتها الثقافية اللاعُنفية على أنها إضافة معرفية للغائب عن العقل الساكن و "المُستقيل" بعبارة محمد عابد الجابري، و "المُستغني" عن العقل "الآخر" وعن حضوره وفاعليته، بحسب ما يرى المصباحي، على ما بين الجابري والمصباحي من إختلاف في الرؤية والمنهج.

ولكن كي نُعيد تنشيطه وتفعيله لإنتاج معارف جديدة تخترق نُظمه وأطره التقليدية لفتح مغاليق "الراكد" وكسر أطر المعرفة "الدوغمائية" المُتكورة حول ذاتها بتسييدها لنمط واحد من المعرفة الموروثة أو المُكتسبة وتصديره وكأنه هو النمط أو الشكل الوحيد من أشكال المعرفة الإنسانية القادر على تخليص الإنسان من ضغط الحياة الواقعية وضياع الإنسان فيها.

عبر تنشيط فاعلية هذا العقل المُستكين واستفزازه وتخليصه من هيمنة فكرة "طريق الخلاص" الأوحد يُمكن لنا كشف الغائر من فاعلية هذا العقل وقُدراته الكامنة أو الغائرة خلف هذه الاستكانة التي جعلة منه عقلاً "ستاتيكياً" قابعاً في ظُلمات التقليد والتبعية.

إنه مكان يُتيح للجميع التلاقي فيه، لأن لا سقف له سوى سقف الإنسانية الحر يجعلنا أقرب للمُتمنى الذي نروم أن يكون عليه الإنسان، بوصفه كائن عقلاني حر، هو نزعة أنسنة كونية بتفسير جديد مُستمد من نتاج الفلسفة لإسلامية الرشدية وفلسفة ابن باجة بجذورهما الأرسطية، وفمن قبلهاما فلسفة ابن سينا بنزعتها اللاتقليدية للخروج من عباءة أرسطو المعرفية.

"المكان المُحايد" هو المكان المُشترك الذي يجعل المُتلاقين وكأنهم "وحدة مُطلقة" بعبارة ابن باجة بين مُنتجي الفكر الأساسيين.

لقد كان ابن باجة يقول "أنه عند الوصول إلى مرتبة مُعينة (من الوعي) يصبح فيه سقراط وإفلاطون وهرمس شيئاً واحداً" حسبما يقول المصباحي.

إن فكرة "المكان المُحايد" تُحررنا على مُستوى اللحظة الفلسفية من إنتماءاتنا المُختلفة لكي لا تُبقي منها سوى إنتماء واحد نجتمع تحت ووفق رحابه هو الإنتماء للنوع الإنساني، لأننا مُحتاجون لمُخاطبة بعضنا على إختلاف إنتماءاتنا وفق شروط "المكان المُحايد"، كما نحتاج لهذا الفهم المُحايد لطريقة التعاطي مع التنوع المعرفي للتعامل وفق مُعطياته مع الثقافة والعلم الغربيين، لأن هذا الفهم يمنحنا القدرة على تجاوز نزعاتنا الدوغمائية التي فرضتها ظروف تواجدنا في بيئة ثقافة وفكرية مُنغلقة لننفتح على رحابة الفكر واللغة الكونيتين اللتان فرضتهما شروط "العولمة الثقافية" المؤنسنة، التي من المُمكن المُتاح لنا في حال تعقلنا لمفهوم "المكان المُحايد" من تحقيق هذا النوع من "العولمة المؤنسنة في حال اهتمامنا بالجامعة بما تقتضيه من نشر للوعي المُنفتح والحر على "الآخر"، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية بما تقتضيه تحولات الاقتصاد الحر وآلياته الموضوعية التي يتعاطى معها العالم المُتقدم اليوم بشطريه: الأوربي = الأنكلوسكسوني، والآسيوي، المُتمثل بنهضة الشرق الأقصى في اليابان والصين، حتى ماليزيا.

لذلك نراه يبحث في "فكرة الإتصال الرشدية" بكتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" عن طُرق مُتعددة للحداثة، لا "حداثة واحدة تدعونا لنوع واحد من السعادة، بعد أن ولى زمن الإحتكار العقائدي والفلسفي للحقيقة الواحة والفعل الواحد".  

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

عدنان عويديبدو أن مفهوم الحداثة لم يزل في حالة التباس وضبابية عند الكثير ممن حاول الاشتغال عليه أو الكتابة عنه، وحالة الالتباس تأتي من الخلط أو عدم التميز ما بين الحداثة وما بعد الحداثة.

إن الحداثة في سياقها العام هي مشروع حضاري تقدمي يفرض نفسه دائما على المجتمعات كأمر حتمي طالما أن هذه المجتمعات في حالة تطور وتبدل مستمرين. أي أن الحداثة وفق هذا التصور هي مشروع أو نظام حياة بكل تجلياتها المادية والفكرية، تفرضه سيرورة وصيرورة تطور المجتمعات الحتمية، وبالتالي هي مشروع أو نظام لا يعرف السكون أو الثبات أو الاطلاق، وإنما الحركة والتطور والتبدل والنسبية.

أما ما بعد الحداثة، فتأتي في سياقها العام مشروعاً فكرياً يغلب عليه الطابع الأيديولوجي ألتنظيري في الغالب، وتتبناه حوامل اجتماعية محددة، تهدف من ورائه وبشكل مقصود وموجه إعادة تقويم منجزات الحداثة و ضبط آلية عملها وإنتاجها، وبالتالي إعادة توجيه خط سيرها وفق مصالح قوى طبقية محددة، غالباً ما تكون قوى مستغِلة كما هو الحال في المجتمعات والدول الأوربية التي راح منظرو الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ينظرون لها.

إن ما بعد الحداثة وفقاً لهذا التصور، هي مشروع أو نمط حياة يغيب عنه دور القوى الجماهيرية الفاعلة في التاريخ كموجه لحركة التاريخ نفسه، ويبرز دور القوى المستغِلة ومنظروها الذين يعملون على رسم ملامح حياة جديدة يريدون تطبيقها على الواقع بشكل إرادي ومدروس، بهدف استمرارية وجود هذه القوى على رأس الهرم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا تأتي مسألة التنظير لمجتمع أو لعالم ما بعد الحداثة بكل مستوياته على أنه عالم أو مجتمع النهايات والموت والتفكيك وتحطم النظريات الكبرى وتحطيم العقل ...إلخ، أي تحطيم الحداثة ذاتها كفعل تقدمي وكل ما يدعو إلى جوهر الإنسانية ورقيها فيها، أو ما يساهم في إعطاء الجماهير المقهورة دورها في إدارة العملية التاريخية.

من هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة إلى التعرف أكثر على مفهوم الحداثة، وضرورة الفصل ما بينها وبين مفهوم ما بعد الحداثة، على اعتبار أن الحداثة مشروعاً إنسانياً كما أشرنا أعلاه، يجب علينا التطلع إليه دائماً وتبني مفرداته، كونه يحمل معه تطور المجتمع ورقيه وفقاً للمرحلة التاريخية التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك.

تجليات الحداثة في أوروبا:

لقد تجلت الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى تطورها الفكري الفلسفي، بدعوتها لتجسيد الحرية الفردية، واعتبار العقل المرجعية الرئيسة في حياة الفرد والمجتمع، ثم التأكيد على اعتبار المجتمع مجتمع مصالح متبادلة بين أفراد أحرار (مواطنون) لا رعايا ولا عبيد، تحكمهم وتضبط حركتهم ومصالحهم دولة قانون، ومؤسسات وضعية علمانية، ترفض تقديس الأشياء والأفكار والأشخاص. كما تدعو إلى اعتبار المجتمع وحده مصدر السلطات، وأن تداول السلطة من حق الجميع، ويتم تداولها بشكل ديمقراطي. هذا إضافة إلى دعوتها لتطبيق مبادئ العدالة والمساواة

أما الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى سيرها العملي، فقد تجلت في سعي حواملها الاجتماعيين من الطبقة البرجوازية في مرحلتها الأولى، على نمذجة أوربا أولاً، ثم السعي لنمذجة العالم الآخر وفقاً لمصالحها هي ثانياً، حيث وجدت في البعد النظري للحداثة في صيغتها النظرية التي جئنا عليها أعلاه، سلاحاً بيدها حطمت به سلطة الإقطاع والكنيسة والملك في أوربا من جهة، مثلما وجدت في البعد النظري ذاته سلاحاً بيدها أيضاً لطرح وتمرير رسالة الرجل الأبيض استعمارياً، بغية أن تسود أو تسيطر على دول العالم الثالث من جهة ثانية.

إن محاولة نمذجة العالم وفقاً لمشروع الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية، كانت في بدايتها دعوة (تقدمية) لتعميم شمولية العقل الإنساني وحرية الإنسان وعدالته، الأمر الذي جعل منها نمذجة مضاعفة تطال التاريخ والعقل معاً.

لقد استطاعت الحداثة الأوربية عبر حواملها من الطبقة البرجوازية الأوربية التي شكلت حالة تقدمية في بداية صعودها أن تسيطر على السلطة الاقتصادية والسياسية في دولها، وبالتالي السعي إلى تغيير العالم وفقاً لمصالحها فعلاً والانتقال به من عالم الخرافة والامتثال واللامعقول.. عالم الظلم والاستعباد، إلى عالم الحرية والعلم والمعرفة والتكنولوجيا. بيد أن هذه الطبقة الرأسمالية التقدمية في بداياتها راحت تتحول شيئاً فشيئاً إلى طبقة إمبريالية تمارس الظلم والقهر والتشيئ والاستلاب على شعوبها وشعوب دول العالم الثالث معاً. حيث دفعتها مصالحها بالضرورة إلى تفريغ قيم الحداثة التقدمية التي بشرت بها وعملت عليها تاريخياً من مضمونها الإنساني، وتحويل الكثير من قيمها إلى شعارات مفرغة من مضمونها.

نعم، إن الحداثة الأوربية جاءت هنا تعميماً لخط التطور الأوربي على الأخر سابقاً ولاحقاً، وهو خط أحادي يختزل التاريخ بالتجربة الأوربية، حيث أعلي من شأنها في مرحلتها التقدمية الماضية الداعية إلى العقل والحرية والكرامة والمساواة الإنسانية والنهضة، التي جعلت منها تجربة تتطلع إليها الشعوب المتخلفة والمقهورة في العالم الثالث، بيد أن هذه التجربة في المرحلة المعاصرة، أي مع مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، مرحلة الرسملة والعقلانية الأدائية، راحت تعمل على تدمير كل قيم الحداثة التقدمية ليس في أوربا وحسب، بل وفي كل مكان تطاله من دول العالم، حيث تحولت الحداثة هنا إلى ما بعد الحداثة، وأصبحت الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الحامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه المرحلة تعمل خلق عالم السوق الجديد (العولمة) الذي سُلع فيه كل شيء حتى غرائز الإنسان، الأمر الذي دفع الكثير من منظري هذه المرحلة إلى تأكيد ضياع الإنسان وتشيئه واغترابه واستلابه وتذريره وفقدانه قيمه الإنسانية واعتبار هذا التحول امراً طبيعياً فرضته نهاية التاريخ التي بشرت بها العولمة بقيادة الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ومن يقف معها من مفكرين وفلاسفة وأدباء وسياسيين وغيرهم.

سمات وخصائص الحداثة:

أولاً: التاريخية:

تعتبر السمة التاريخية من أهم السمات التي تمنح الحداثة حيويتها على اعتبارها – أي الحداثة - تحمل في آلية عملها التطور والتبدل الحتمي. فالتاريخ ممثلاً بظواهره ومنها الحداثة، سيرورة وصيرورة مستمرتان، وفي كل محطة من محطات التاريخ التي لا تنتهي هناك وقائع جديدة تفرض نفسها بسبب نشاط الإنسان الذي لا ينتهي أيضاً. وهذا النشاط الذي يتجلى مادياً وروحياً، له حوامله الاجتماعية التي تمارسه خدمة لمصالحها، وبالتالي فمصالح القوى الطبقية هي من يحرك التاريخ ويرسم ملامحه العامة، فكلما كانت مصالح هذه القوى الطبقية ذات بعد إنساني، كانت معطيات الحداثة معطيات إنسانية بالضرورة، ولكون تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته، أي تاريخ نضاله من أجل تحطيم كل ما يعوق تجوهر إنسانيته، إلا أن هذا الطبقة الذي تناضل من أجل حريتها في مرحلة تاريخية محددة، هي ذاتها تعود بهذا الشكل أو ذاك لتمارس ظلمها وقهرها على الآخرين بغية الحفاظ على مكانتها ومصالحها التي تهددها مصالح القوى الطبقية الجديدة التي أفرزتها عملية تطور قوى الإنتاج وعلاقاته. وعلى هذا الأساس جاء التنظير لما بعد الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية ومنظريها الذين عملوا من أجل الحداثة في بداية ظهورها أو صعودها في أوربا كما أشرنا قبل قليل. فمرحلة ما بعد الحداثة التي راحت يُنظر لها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى هي التعبير الأيديولوجي المعبر عن طموحات هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية. فالتاريخ الإنساني بكل مكوناته الحضارية مع وصول الرأسمالية إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، يجب بقناعة هذه الطبقة الاحتكارية أن يعيش عالم هذه الطبقة وهي العولمة التي تشكل نهاية التاريخ عندها. أي بتعبير آخر، على الجميع أن يقبلوا التعايش مع النظام الرأسمالي ويعيدوا هيكلة أنفسهم معه. بيد أن هذا الموقف من التاريخ هو موقف يعاكس أو يناقض حركة التاريخ، فالتاريخ ليس له نهايات، وأن تناقضات وصراعات مصالح مكوناته الاجتماعية ستظل قائمة، وستفرض استمرارية حركته وتطوره وتبدله باستمرار. أي استمرارية فعل الحداثة بالضرورة.

ثانياً: الأنسية:

الإنسيّة أو الإنسانية، وهي سمة أخرى من سمات الحداثة. فالحداثة تعبير عن التطور والتقدم الإنساني كما أشرنا اعلاه، وما تاريخ الإنسان في صراعه مع الطبيعة أولاً ومع من يستعبده ثانياً من جنسه البشري، إلا تعبيراً عن صراع هذا الإنسان من أجل انتزاع إنسانيته من براثن الضرورة بشقيها الطبيعي والاجتماعي. ففي البدء ناضل الإنسان ضد الضرورة الحكمية (قوانين الطبيعة العمياء)، فاستطاع شيئاً فشيئاً أن يكتشف الكثير من أسرار قوانين الطبيعة، وفي كل مرة يكتشف فيها قانوناً من قوانينها يستطيع التحكم بجزء من آلية عملها العمياء، وبالتالي يحوز على شيء من حريته، أي يسترد شيئاً من إنسانيته التي استلبتها الطبيعة. وفي الفترات اللاحقة من تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وضياع الإنسان نفسه في إنتاجه، راح يناضل ضد هذه الضياع ممثلاً باستلابه وتشيئه واغترابه الذي وضعه فيه أخيه الإنسان الذي استعبده، وهو هنا في نضاله الطبقي هذا، استطاع أن يحصل أو يحوز على حريته الجسديه من ربقة العبودية، و على جزء كبير من حريته المعنوية، وها هو اليوم يستمر في نضاله كي يكسب ما لم يستطع أن يكسبه سابقاً من جوهر إنسانيته، رغم كل ما تمارسه ضده القوى المستغِلة من قهر وظلم واستلاب وتغريب وتشيئ.

إن السمة الإنسانية في الحداثة هي أمر حتمي أيضاَ، ولكنها حتميته ليست ميكانيكية، بل حتمية مشبعة بإرادة الإنسان ووعيه لذاته كإنسان من لحم ودم، له حقوق وعليه واجبات في مجتمعه ودولته ومن حقه أن يمارسهما.

ثالثاً المادية:

تعتبر المادية سمة أخرى من سمات الحداثة في مرحلة متطورة من مراحل تاريخ الإنسان، خاصة بعد أن وعى نفسه كإنسان حر مستقل في قراره وتحقيق مصيره، وليس هناك قوى أخرى هي من يرسم له هذا المصير، أي يرسم له الطريق الذي عليه أن يسلكه في حياته. فالمادية وفق هذا التصور، هي نزعة إنسانية لأنها ترفض نمذجة الإنسان وفق تصورات غيبية امتثالية تفرضها سلطات من خارج التاريخ أو من داخله عبر قوى سياسية سلطوية تعتبر نفسها وصيّة على هذا الإنسان ومسؤولة عن قدره وحياته. فالمادية في ابسط صورها هي الإقرار بوجود قوانين موضوعية وذاتيه متعلقة بالفرد والمجتمع والطبيعة هي من يتحكم في حياة الإنسان، وما على الإنسان إلا اكتشافها والتحكم بها، وبالتالي تسخيرها لمصلحته كي يرتقي بإنسانيته.

إن الإنسان وفق هذا التصور المادي لحياته هو ضرورة وحرية معاً، هو ضرورة كونه محكوم بالقوانين الموضوعية في الطبيعة والمجتمع، وهو حرية كونه يتمتع بالقوة الذاتية التي تمنحه القدرة على كشف سر هذه القوانيين والتحكم بها لمصلحته.

رابعاً: العقلانية النقدية:

تعتبر العقلانية من السمات الهامة بالنسبة للحداثة، وهي مرتبطة بسمة الإنسانية أيضاً، إن لم تكن وجهها الأخر. إن ما يميز الإنسان عن كل الأشياء المحيطة به هو عقله، الذي يعني وعيه، وللوعي درجات، وهو حاصل معرفة الإنسان عبر تاريخ نشاطه الطويل في حياته المادية والفكرية. وهذا ما يمنح العقلانية حالات تطورها التي تبدأ بوعي الإنسان نفسه وتميزه عن الآخر، مروراً بالعقلانية الأداتية التي توظف العقل أو معارف الإنسان لتأدية مهام براغماتية تخدم قوى اجتماعية محددة تعمل على تسخير العقل لخدمتها، وغالباً ما تؤدي هذه المهام العقلانية الأداتية إلى تدمير الإنسان نفسه عندما يسخر العقل ضد الإنسان، كما هو الحال في الاستثمار غير العقلاني للبيئة، أو في استخدام الأسلحة الفتاكة في الحروب وغير ذلك.وصولاً إلى استخدامه أخيراً كعقل نقدي بعمل على كشف الحقائق التي تهم الإنسان وتسخير معطياتها لمصلحته. وهنا يأتي دور العقل النقدي في المعرفة كمنهج فكري لتحقيق التقدم، وأن أهم ما يميز هذا المنهج العقلاني النقدي، أنه يرفض الإطلاق في الحقائق، ويؤمن بالنسبية، فالحقيقة في هذا المنهج تقوم دائماً على معرفة ناقصة. كما أنه يؤمن بالحركة والتطور والتبدل، مثلما يؤمن بأن للكل أجزاء، وكل جزء يؤثر في الآخر، وأن أية ظاهرة لها شكل ومضمون ولها داخل وخارج والعلاقات بين الجزء والكل والداخل والخارج علاقة جدلية ذات تأثير متبادل. كما يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن أحوال الناس تتطور وتتبدل مع تطور وتحول نحلتهم من المعاش كما يقول "ابن خلدون". وأخيراً يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن التاريخ الإنساني لا يسير بخط مستقيم، بل إن مسيرة التاريخ بمكوناته قابل للتوقف والتراجع أحياناً، وهو يسير بخط حلزوني جدلي يرفض السكون والثبات أو التلاشي.

ملاك القول: الحداثة إذن مشروع حياة بكل مكوناتها المادية والفكرية، وهي أمر حتمي، قد تعمل بعض القوى الاجتماعية على إبقاف حركتها لمصلحتها، إلا أنها لا تستطيع إلغاءها. إن الحداثة أمر حتمي، ولكن حتميتها ليست ميكانيكية، بل حتمية جدلية، سيدها وصاحب الأمر فيها الإنسان بعد أن وعى ذاته كإنسان من حقة أن يحوز على جوهر إنسانيته، وفي كل مرحلة من مراحل تطور حياة هذا الإنسان في تاريخه، تعتبر القوى الاجتماعية التي تدفع بهذا التاريخ إلى الأمام قوى تقدمية، بالرغم من كونها تعمل مستقبلاً على عرقلة مسيرة الحداثة من أجل مصالحها، غير أنها لن تستطيع أن توقف عجلة التاريخ وتلغي الحداثة من مسيرتها لأنها قدر الإنسان الذي يصنعه بنفسه.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

عبد الجبار الرفاعياكتشافُ هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة كان وما زال أحدُ الأحلام الكبيرة للجماعات الدينية في عالم الإسلام. وقد ظهرت الدعوةُ لذلك قبل أكثر من نصف قرن في كتابات أبي الأعلى المودودي، وتقي الدين النبهاني، وغيرِهما، ممن حاول أن يخلع غطاءً دينيا على علم الاقتصاد الحديث وعلوم الإنسان والمجتمع والفلسفة الحديثة. وانخرط بهذه الدعوةِ جماعةٌ من المفكرين المسلمين في البلاد العربية وإيران وباكستان وماليزيا واندونيسيا وتركيا والولايات المتحدة، وأخذت عدةُ مؤسسات على عاتقها النهوضَ بهذه المهمّة، وعقدت عشراتُ الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية، لدراستها. وحسب رصدنا للمشهد الثقافي في العالم العربي وإيران والإنتاج الفكري الإسلامي بالعربية والفارسية في السنوات 1980 ــ 2000 ، وجدنا أن جماعةَ "إسلامية المعرفة" في العالم العربي يمثلون أبرزَ جماعة تعمل على خلق هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة، وكانت خلاصةُ جهودهم تأسيسَ "المعهد العالمي لإسلامية المعرفة" سنة 1981، وتكفّل المعهدُ بإقامة الكثير من الحلقات النقاشية والندوات والمؤتمرات، وأصدر عدةَ دوريات، وعددا وفيرا من الكتب في مجالات المعرفة البشرية المختلفة مع دمغها بصفة الإسلامية.

وعند التأمل في دعوة إسلامية المعرفة يمكننا إثارة عدة تساؤلات لم تجب عليها. إذ لما كانت إسلاميةُ المعرفة تجد مبرراتِها في تحيّزِ وتمركزِ المعرفة وتنوّعِها، تبعا للتعدّد والتنوّع في المعتقدات والأديان والهويات، فإن هذه الدعوةَ تثير سلسلةً من الإشكالات والاستفهامات الحائرة التي يمكننا إيجازُها بالآتي:

1ـ الوثوقيةُ والإطلاقُ في إسلامية المعرفة تنتج تهافتا في منطلقاتها، ففي حين تشدّد إسلاميةُ المعرفة على أنها ترتكز على تحرير المعرفة من التحيزات والتمركزات والرؤى والمواقف الاعتقادية النسبية، تتورط هي في تبني رؤية اعتقادية للمعرفة تفضي إلى نسبية من نوع آخر، لأن المعرفةَ عندها تصطبغ بهوية دينية وأيديولوجية، فبدلا من معرفة لادين لها، يغدو للمعرفة دين، وبدلا من معرفة بلا ايديولوجيا، يغدو للمعرفة ايديولوجيا، وبدلا من معرفة بلا تحيّز وتمركز، تغدو المعرفةُ متحيزةً ومتمركزة، وبدلا من معرفة ليست نسبية، تغدو المعرفةُ نسبية. حتى تنتهي إسلاميةُ المعرفة إلى نفي للمعرفة.

2ـ لماذا يتجاهل مشروعُ إسلامية المعرفة الأطرَ الاجتماعيةَ للمعرفة التراثية بالخصوص، ويعمل على تعميمِ الأفكار والمفاهيم التراثية المنتِجة في البيئة الإسلامية، وتأبيدِها للعصور والأزمان كافة، بعلى الرغم من أنها معرفةٌ بشريةٌ مشتقّةٌ من فضاء حضاري، وثقافي، وسياسي، واجتماعي، واقتصادي خاصّ بها، في حين يذهب الى تحيّزِ ونسبيةِ ومحدوديةِ المعارف والعلوم البشرية المنتِجة في بيئات أخرى، ويشدّد على عدم إمكان سلخها عن محيطها الحضاري الذي ولدت في فضائه؟ أين هي المراجعةُ النقديةُ للتراثِ التي تحرّرنا من الاستسلام لرؤيتِه للعالم ومناهجِه ومنطقِه، ومشاغلِه ومداراتِه، وقضاياه وهمومِه؟ ولمن ينتصر دعاةُ أسلمة المعرفة حين يسرفون في تبجيلِ التراث ومديحِ أعلامه في ظلّ الهجاء المتواصل للعلوم والمعارف الحديثة؟ إن كان للزمن تأثيرُه في تاريخيةِ الفكر الإنساني وتحديدِه بالبيئة والحاجات التي أفرزته، فلماذا التهاونُ، بل إغفالُ النظرة التاريخية في دراسة التراث وتحليله؟ إن "المعهد العالمي للفكر الاسلامي" لم يخفق في ذلك فقط، بل وعجز حتى عن مراجعة أفكاره وبرامجه التي طرحها بنفسه؟

3ـ ألا يفضي تجريدُ العلوم الاجتماعية الغربية الحديثة من مناهجها وأدواتها ولغتها ومعاجمها الاصطلاحية ومرتكزاتها، الى نفيها وتفريغها من محتواها، ومن ثم ستنتهي عمليةُ أسلمتها الى تناقض منطقي، استنادا الى أن ماهيةَ العلم تعني موضوعَه، وإن تمايزَ العلوم بتمايز موضوعاتها كما قرّر المناطقةُ من قبل، فإذا جرى تغييرُ موضوعِ العلم وأدواتِه ومناهجِه يتغير محتوى العلم وينتفى، وإن اسميناه بالاسم السابق نفسه؟

4- حين يصرّح دعاةُ إسلامية المعرفة بأن العلومَ والمعارفَ لا تنطبق إلا على حالة معينة وجغرافيا بشرية وثقافية محددة، وهوية خاصة، فانهم يجرّدون المعرفةَ من طبيعتها العامة الشاملة، أي إن المعارفَ والعلومَ تتعدّد وتتنوّع لديهم تبعا لتنوّع الهويات والمعتقدات والأديان والخصوصيات الحضارية، لكنهم لا يتنبهون الى أن هذه المقولةَ تستبطن نفيَ ذاتها، إذ كيف تكون المعارفُ كافة محليةً نسبيةً منبثقةً من بيئتها، ما خلا "إسلامية المعرفة" التي تستثني نفسَها من ذلك، أي إنهم عندما يرفضون شمولَ المعرفة وعمومَها، ويتنكرون الى أن المعرفةَ بحدّ ذاتها، حتى في العلوم الاجتماعية، لا هويةَ لها، فأنهم يفترضون أن معرفتَهم ومقولاتِهم فقط كونيةٌ عامةٌ شاملة، لا موطنَ لها. ألا تنظوي هذه الدعوةُ على مفارقة وتناقض؟

5ـ إن العلومَ الحديثةَ تنبثق عن رؤيةٍ للعالم جديدة، وهناك فارقٌ شاسعٌ بين الرؤية القديمة والجديدة، بنحو لايمكن القول معه إن العلمَ الحديثَ يمثّل تواصلا للإرث العلمي القديم، فقد انبثق العلمُ الحديثُ من رؤية الإنسان البديلة للطبيعة، والإنسان، والحياة، وهي رؤيةٌ انبثقت في فضائها مكاسبُ العلم ومنجزاتُه. فقد تجلّت الطبيعةُ للعلماء في العصر الحديث بشكل مختلف، فأصبحوا يجدونها مدونةً بلغةٍ جديدةٍ لا تشبه اللغةَ التي قرأ بها القدماءُ الطبيعة. يقول غاليلو: "الإله دوّن هذه الطبيعة بلغة الرياضيات"، ولايمكن لغير العارف بها أن يطالع كتابَ الطبيعة. إن الباحثَ الحديثَ اكتشف طبيعةً أخرى، كُتِبت بلغة ثانية، فعمد الى إتقان تلك اللغة، واستطاع قراءتَها، وحقّق مانراه من اكتشافات ومكاسب متنوعة. كان الإنسانُ يرى هذه الطبيعةَ نفسَها، لكنها كانت تتجلّى له بلغة ميتافيزيقية. الطبيعةُ واحدةٌ لكن كلا الطرفين حاولا اكتشافَها، وتجلّت لكلّ منهما بصورة خاصة، والتحول الذي طال الرؤيةَ الى العالم هو الذي أدّى الى ظهور العلم الحديث، وقد تجسّدت العقلانيةُ الغربيةُ بالمضمون ذاتِه، فحقّقت نتائجَ علمية هامة. اذن، كيف نستطيع بناءَ منظور علمي حديث للعالم والإنسان والطبيعة، مادمنا ننهل من الرؤية التراثية التقليدية التي يريد جماعةُ إسلامية المعرفة تكرارَها بأسلوب مبتذل، بذريعة الهوية والأصالة والخصوصية، والتشديد على نفي كلّ ما هو كوني في المعارف والعلوم الحديثة؟

6ـ ربما تمثل إسلاميةُ المعرفة عمليةَ تعويضٍ نفسي للمسلم الضائع الذي لم يحقّق ذاتَه في العالم اليوم. المسلمُ لم يسهم في مكتشفات واختراعات ومكاسب العلم والمعرفة الحديثة بإسهام كبير، لذلك يحتاج أن يعوّض ذلك بتوهم أنه ممن أنجزوا العلم، وأسهموا في إنتاج المعارف الحديثة، وممن يسهمون في صناعة العلوم و المعارف.

7ـ لماذا تُتخذ آثارُ ابن تيمية مرجعيةً شاملةً لجماعة إسلامية المعرفة، على الرغم من أن آراءَ ابن تيمية في العقيدة والتفسير وعلوم القرآن والفقه وغيرها، على عمق بعضها، آراءٌ تنتمي للأفق التاريخي الذي عاش فيه صاحبُها، مضافا إلى أنها آراء خلافية، وقف منها كثيرٌ من العلماء في عصره والعصور اللاحقة موقفا ناقدا، فهي فضلا عن تاريخيتها وتعبيرها عن عصرها، لم تكن موردا للقبول العام، بل إن الجماعاتِ السلفيةَ المتفشيةَ في مجتمعاتنا تستقي مشروعيتَها من ميراث ابن تيمية وتلامذته، وتستند الى آثاره كمرجعية في تكوينها وتثقيفها ودعوتها، وتستلهم فتاواه في مذابحها الشنيعة؟

8ـ أليست دعوةُ "إسلامية المعرفة" في مضمونها قضيةٌ فلسفيةٌ ترتبط بتفسير ماهية المعرفة ومصادرها وحدودها وقيمتها في المرتبة الاولى، كما ترتبط عضويا بمباحث فلسفة العلم، غير أن الدراساتِ التي يكتبها دعاةُ هذه القضية لم تقاربها من منظور فلسفي، مضافا الى عدم استيعابهم النقدي لآثار الفلاسفة والمتصوفة والعرفاء والمتكلمين والمناطقة، مع أن ميراثَهم يشتمل على آراء تتسم بالتنوع في تفسير طبيعة المعرفة, ومصادرها، وقيمتها. وربما كان الاستسلام للموقف التراثي السلبي من الحكماء والمتكلمين والمتصوفة والعرفاء هو الذي حال بين دعاةِ إسلامية المعرفة وصياغةِ رؤية حيال هذه المسألة البالغة الأهمية. فهل إسلاميةُ المعرفة قضيةٌ فلسفية من دون مضمون فلسفي، وقضيةٌ معرفية من دون مضمون معرفي؟

9ـ تبدو إسلاميةُ المعرفة وكأنها ضربٌ من الموقف تسلطي، يهدف الى هيمنة الإسلاميين على ما تبقّى من معطيات العقل والخبرة البشرية، بعد هيمنتهم على معظم الحياة الدنيا، فضلا عن الاستئثار بالآخرة، بمعنى أن إسلاميةَ المعرفة تظهر وكأنها حيلةٌ فكريةٌ للجماعات الدينية، بغية احتكار الحياة العلمية والفكرية والثقافية، واستبعاد الآخر من الميادين كافة ؟

10ـ لماذا لم تتشكّل حتى اليوم النواةُ الجينيةُ لعلم اجتماع إسلامي، أو علم نفس إسلامي، أو علم اقتصاد إسلامي... الخ، بالرغم من مضي أكثر من ربع قرن على هذه الدعوة, ومعظمُ الكتابات لم تتبلور فيها رؤيةٌ نظريةٌ واضحة حيال هذه العلوم، فضلا عن عدم إنجاز أيّة محاولة جادّة لصياغة وبناء أيّ علم بصبغة إسلامية؟

11ـ على الرغم من وجود إنتاج فكري في الحوزات في النجف وقم وغيرهما، وعلى الرغم من تنوّع الأفكار الخلافية التي يزخر بها راهنُ التفكير الديني في الحوزات, غير أن "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" لم يزل بعيدا عن ذلك، مع أن فكرةَ "إسلامية المعارف والعلوم" واحدةٌ من أبرز المسائل إثارةً وأكثرها مناقشة، حيث يدافع المحافظون عنها، ويعملون على صياغة تصورات ورؤى وتبريرات بشأنها، من خلال مؤسّسات متخصّصة في ذلك، في حين لا يقبلها المفكرون الإصلاحيون ويذهبون الى أنها تستبطن تهافتا وتناقضا منطقيا.

12ـ على الرغم من أن الملاحظاتِ التي أوردتُها تشمل على كلّ محاولات إسلامية المعرفة بتسمياتها وعناوينها المختلفة عند المفكرين المسلمين السنة والشيعة عل اختلاف مواطنهم، لكني كنتُ أتمنى أن يتواصل المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي مع المحاولات المبكرة لأسلمة المعرفة في أعمال السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين الطباطبائي، وتلميذِه الشيخ مرتضى المطهري، ود. محمد نقيب العطاس، ود. حسين نصر، و محمد أبو القاسم حاج حمد... وغيرهم. مثلما كنتُ آمل أن يتسع صدرُ القائمين على المعهد العالمي للفكر الإسلامي للاستيعاب النقدي لبعض آثار أولئك المفكرين ممن أسّسوا هذا المعهد، فلم أعثر حتى اليوم على أيّة محاولةٍ نقديةٍ علمية لكتابات المؤسّسين من تلامذتهم أو غيرهم من دعاة إسلامية المعرفة.

13ـ لماذا تُهمل في مشروع إسلامية المعرفة مباحثُ فلسفة الدين، التي تعالج ماهيةَ الدين وحقيقتَه، وجوهرَ الدين، ومجالاتِ الدين وحدودَه، وآفاقَ انتظار الإنسان من الدين، وماهيةَ التجربة الدينية... وغيرها.

ولماذا لاتهتم إسلاميةُ المعرفة بالاتجاهات التأويلية الجديدة في قراءة النصّ الديني، وما موقفُها من طبيعةِ اللغة الدينية وكيفيةِ التعاطي معها؟

14ـ هل يمكن تحديثُ التفكير الديني من دون السعي لتحديث علم الكلام، وفتحِ باب الاجتهاد في أصول الدين، والسعي لصياغة ثيولوجيا تتحرّر من بعض مقولات الإلهيات التقليدية، التي كرّست صورةً مرعبةً للإله، مشتقةً من نموذج الطغاة والخلفاء والسلاطين الجبابرة، والعملِ على بناء "علم كلام جديد"، يصوغ لنا صورةً رحيمةً للإله، تخلّصنا من العلاقة الصراعية المأزومة بين الله والإنسان، وتنقلنا الى نمطِ علاقةٍ حميميّ شفيفٍ دافئ، يقوم على المودّة والشفقة، ويستقي من روح المحبة، لأن الإنسانَ بطبيعته لايستطيع أن يودّ إلها مرعبا؟

15ـ إن أيَّ حديث عن إسلامية المعرفة دون أن يسبقه تحليلٌ لطبيعةِ الوعي البشري وكيفيةِ تكوين المعرفة، ثم تحديدُ ما هو بديهيّ منها والذي تبتني وتشتقّ منه المعارفُ الإنسانية، وهو حديث يكشف عن التباس في استيعاب أساليب التفكير السليم منطقياً، في زمن عاد الوضوحُ المنهجي الشرطَ الضروري لكلّ تمييز بين الكلام العلمي الجادّ وبين التخليط.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

 

حاتم حميد محسنتنحدر كلمة ابستيمولوجي من اصل يوناني وتشير في مقطعها الاول episteme الى (معرفة) و ology (علم او دراسة)، وبهذا فان الابستيمولوجي هو دراسة او التحقيق في المعرفة ذاتها. ويشار اليها ايضا بنظرية المعرفة. المعرفة الابستمية هي ليست حول ما نعرف وانما حول ما نعنيه بـما نعرف. تسعى الابستيمولوجيا للاجابة على الأسئلة الأساسية حول الكيفية التي يتصور بها الانسان العالم وكيفية المعرفة به. من بين الأسئلة الاكثر بروزا هي :

1- هل هناك عالم خارجي؟ كيف نتأكد من ذلك؟

2- كيف تعمل الذاكرة؟ كيف نعرف ان ذاكرتنا حقيقية او صادقة؟

3- ما هي طبيعة الفهم او التفسير؟ الى اي مدى يمكن للمعرفة الحالية ان تؤثر على الفهم والتصور المستقبلي؟

4- ما هي المعرفة المتأصلة في الانسان؟ وما الشيء الذي يتم تعلّمه بعد الولادة؟ هل يمكن نشر الحقائق الجديدة بدون مفاهيم قبلية؟

5- الى اي مدى يكون الاستدلال او الاستنتاج المرتكز على التصور صالحا؟ ما هي الطريقة الملائمة لعمل مثل هذا الاستدلال؟

من المفيد ملاحظة التمييز الاساسي الذي وضعه سقراط بين العقائد التي تركز على الآراء والمعرفة التي تركز على الحقائق. المعرفة تتعلق بحقائق واضحة تكون مطلقة لا يمكن ان تكون زائفة بينما الآراء يمكن ان تكون كاذبة.

اعتبر سقراط العقيدة حالة ادراكية ناقصة. عند إعتقاد المرء بشيء ما فهو يقبل تلك الفكرة كشيء حقيقي او صادق بدون معرفة انه حقيقي . يعتقد المرء بشيء ما كحقيقي لكنه يتبين له فيما بعد انه زائف. بما ان افعالنا تعكس ما نؤمن به كشيء حقيقي، فان الايمان بالعقائد يكون مؤذيا للمرء وللآخرين. وطبقا لذلك، تكون العقائد مؤذية اخلاقيا وحسب وصف افلاطون "مخجلة" . ابستيمولوجية سقراط تقدم صورة مختلفة، وهي انه عند السعي للمعرفة يجب على الفرد ان يتخلص من العقائد، المعرفة لا تعني العقيدة طالما لا يمتلك المرء معرفة بالاخيرة، يجب ان يتحفظ المرء في الحكم ويحقق عبر التفكير بطرق ممكنة لأن المعرفة والعقيدة شيئان مختلفان.

طبقا لكارل بوبر ان الطريقة الوحيدة للتمييز بين الحقيقي وغير الحقيقي هي عبر تعريض المقولات او الادّعاءات الى دحض تجريبي. افلاطون رفض هذا الاتجاه معتبرا ان الحقيقة ليست عرضة للتكذيب.

لذا فان السؤال الابستيمولوجي هو من أين تأتي المعرفة؟ وما هي حدود المعرفة البشرية. هنا يجب الاطلاع على فرعين فلسفيين رئيسيين حديثين وهما العقلانية والتجريبية. المفكرون العقلانيون مثل ديكارت يجادلون بان كل المعرفة تأتي من العقل وكل شيء في هذا العالم هو عقلاني من حيث الجوهر، الانسان يعرف من خلال الذهن. اما التجريبيون البريطانيون مثل باركلي وهيوم ولوك يصرّون بان معظم ان لم تكن كل المعرفة الانسانية الحقيقية يمكن الوصول اليها فقط من خلال التجربة الانسانية.الانسان يعرف من خلال الحواس.

هناك ايضا فكرة عن المعرفة المشتقة ثيولوجيا ككشف ديني .لابد من الاشارة الى عدم الوضوح في الخط الفاصل بين العقيدة والمعرفة. القديس اوغسطين يعرض نقاشا مقنعا عن العقل مقابل الايمان. احدى القضايا التي تهم معظم الابستيمولوجيين هي تحليل المعرفة التي تحاول ايجاد جواب للسؤال "ما هي الشروط التي يجب تلبيتها للقول ان شخص ما يعرف شيئا ما؟ ومنذ وقت طويل بدت الشروط واضحة لمعظم الفلاسفة وهي 1- انت يجب ان تعتقد بالشيء، 2- انه يجب ان يكون حقيقيا، 3- انت يجب ان يكون لديك تبرير(برهان) للايمان به. المشكلة التي أثارها (غيتر) فتحت السؤال من جديد ووضعته امام مشاكل جديدة . هذا النوع من السؤال اعتُبر من اكثر الاسئلة عمومية في الابستيمولوجيا.

مشكلة غيتر Gettier problem

تعتبر مشكلة غيتر في الابستيمولوجي علامة بارزة في المشاكل المتعلقة بفهم المعرفة. الفيلسوف الامريكي ادمون غيتر عرض امثلة مضادة تحدّى فيها الاتجاه السائد في المعرفة منذ وقت طويل والذي يُطلق عليه بالعقيدة المبررة الحقيقية JTB. افلاطون كان اول من وضع هذا الاتجاه الابستيمولوجي في المعرفة، فهو افترض ان شخص ما لكي يؤمن بشيء ما يجب ان يكون لديه نوع من التبرير ومن هنا جاء تعريفه للمعرفة بانها عقيدة صادقة مبررة justified true belief. لكن غيترعارض هذا الاتجاه واعتبر ان الافتراض يمكن ان يكون صادقا حتى وان كان التبرير غير صالح . اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية يقوم على الافتراض التالي:

الشخص A يعرف بان الفرضية P هي صادقة فقط عندما:

1- P هي حقيقية

2- A يعتقد ان P حقيقية

3- A لديه تبرير للايمان بان P هي حقيقية.

اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية يؤمن بان المعرفة مساوية لـ (العقيدة المبررة الحقيقية) عندما تتم تلبية جميع الشروط الثلاثة اعلاه (مبررة، حقيقية، صادقة)، عندئذ ستكون لدينا معرفة بذلك الادّعاء. كتب غيتر في ورقة له من ثلاث صفحات عام 1963 عنوانها "هل ان العقيدة المبررة الصادقة معرفة؟" عرض فيها مثالين او حالتين مضادتين اوضح فيهما ان الافراد يمكن ان تكون لديهم عقيدة حقيقية مبررة بشأن ادّعائاتهم ولكنهم مع ذلك يفشلون في المعرفة لأن سبب العقيدة حتى وان كان مبررا فهو يمكن ان يكون زائفا . وهكذا يدّعي غيتر ان JTB او الشروط التي حددها افلاطون هي ضرورية لكنها غير كافية للمعرفة.

مثال غيتر

يفترض غيتر ان هناك شخصين (سمث) و (جون) كلاهما تقدما لطلب وظيفة. سمث لديه عقيدة مبررة وحقيقية (JTB ) بان جون هو الذي سيحصل على الوظيفة، لديه دليل قوي بذلك كأن (يكون مدير الشركة اخبره بان الوظيفة ستكون من نصيب جون)، كذلك يعلم سمث ان جون لديه في جيبه عشرة دولارات (وهو ايضا متأكد من هذا لكونه رأى جون يعد النقود امامه). اتضح لاحقا ان سمث هو الذي حصل على الوظيفة وبنفس الوقت كان في جيبه عشرة دولارات دون ان يعلم بذلك. وبهذا طبقا لغيتر ان عقيدة سمث الحقيقية المبررة كانت زائفة.

نقد فرضية غيتر

1- اذا كان هناك فشل في مفهوم العقيدة المبررة الحقيقية كما ورد في المثال اعلاه، فان الخطأ ليس من سمث وانما بسبب نظام المنطق الذي يستخدمه. ورقة غيتر تثبت ان هناك حاجة الى اساس اكثر دقة للمعرفة. تفنيد فرضية غيتر يتم اما عبر اثبات ان المقدمة premise زائفة، او اثبات ان الاستنتاج لا يتبع المقدمة. في حالة غيتر وُجد ان المقدمة شديدة الحساسية.

2- لكي تحصل للانسان المعرفة، هناك افتراضات اساسية، هذه الافتراضات يجب ان تكون حقيقية، وهذه الافتراضات الحقيقية يجب ان تكون نهائية (غير مرتبطة بافتراضات اخرى).

3- صحيح لا توجد لدى سمث معرفة ولكن ذلك ليس بسبب نقص الفهم لديه وانما نتيجة لشيء ما خارج الشروط الكافية والضرورية لمعرفة افتراض معين. هناك خطأ في التعليل، وهناك فجوة بين مفهوم الـ JTB والمعرفة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفبدءا نسوق شهادات فلسفية متنوعة على مسألة الميتايزيقيا او ما وراء الطبيعة وما تحمله من محمولات خلافية إشكالية في زوايا الرصد والمعاينة فهيجل يصفها: إن نحن أمعنا النظر في الميتافيزيقيا وجدناها شكلت جزءا من التاريخ الوجودي للإنسان . كما أعتبر كانط ان ما يدّعيه لا يبنتز من إن العقل هو الذي من شأنه أن يكشف حقيقة الإله هو محض كبرياء لا دليل عليها وتنسى عجز الإنسان المتأصل فيه.

إن انساق الميتافيزيقيا التي تتدّعي البرهنة العقلية وخلود النفس، انما رامت هدم ادعاءات الماديين الناكرة للروح والله، كما أعتبر كانط الدين والميتافيزيقيا تنهض مع الوهم القائل بأنه بمستطاع ومكنة العقل البشري معرفة أمر الروح وطبيعة العالم وحقيقة الله، لكنه رغم ذلك سعى كانط دحض أغلوطات الميتافيزيقيا الدوغمائية (1).

كما يحدد اندريه لالاند العدمية في قاموسه الفلسفي بأنها أول مذهب يقول بعدم وجود أي شي مطلق وثانيا هو مذهب ينفي وجود حقيقة أخلاقية – دينية.

أما نينشة فيقول: إذا كان الفكر الحديث ينظر إلى الوعي الإنساني باعتباره اغترابا للطاقة الإنسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها عندما تتماهى مع اله أو قوة غير إنسانية بل تطالب الإنسان بالخضوع لها. واهتم نيتشة بالشعور العفوي لدى الإنسان بنوازعه وغرائزه التي جعل منها أهم العناصر داخل الإنسان الأمر الذي اعتبر تفريغا للطاقة الإنسانية نفسها.

نعود إلى أصل الإشكالية في علاقة الوعي بالمادة والموضوع والطبيعة، وبغض النظر عن حجاجنا الحاضر في استقراء التاريخ الإنساني الحضاري فقد أصبحت كل من مثالية الوعي الهيجلي ومادية الوعي الماركسي يتجاذبهما التجاوز والاختلاف فالكثير من المفاهيم العصرية الفلسفية والعلمية والتاريخية دحضت وتجاوزت الهيجلية المثالية التأملية عند أكثر من فيلسوف لعل أبرزهم سارتر، براتراندرسل وكذا الحال جرى مع المادية التاريخية لدى ماركس في تبيان نواقص وثغرات ماركس بخاصة في تنبؤاته التي لم يتحقق منها شيئا في معظمها لعل أهمها تنبوئه في انهيار الرأسمالية التي انهارت الشيوعية قبلها وتنبؤه بثورة البروليتاريا في تقويض النظم الاستغلالية الامبريالية والنظم الثيوقراطية والدكتاتورية. وقد دحض الفيلسوف هربرت ماركوزة مسّلمة ماركس إن الطبقة العاملة ستقود مستقبل البشرية بسبب الغبن الطبقي الواقع عليها كذلك فشل تبشير ماركس في حتمية انبثاق الثورات الاشتراكية في المجتمعات المتقدمة صناعيا مثل ألمانيا وانكلترا في حينها وإذا بالثورة الاشتراكية الشيوعية تنبثق في روسيا الإقطاعية زراعيا. وربما الكثير لا يحضرنا في هذا المجال.

كما جرت محاولات الترقيع والربط بين ايجابيات الفلسفتين هيجل / ماركس أو مجاوزتها كارث تاريخي فلسفي اقتصادي أنساني ثقافي. لعل ابرز فيلسوف حاول الربط بين الماركسية والوجودية هو سارتر وفشل في ذلك من ايجاد توليفة فلسفية.

كما إن المدارس الحديثة مثل مذهب البراجماتية عند وليم جيمس وديوي وصولا إلى مدارس وفلسفة الحداثة والنيوبرالية وما بعد الحداثة وفي البنيوية التي اعتمدها التوسير في تفكيك الخطاب الماركسي جذريا واعتبره من الأنساق السردية التاريخية الكبرى التي انتهى زمنها ، كل ذلك اختتم دورة حياته مع انبثاق العولمة في نهاية التاريخ كنظام شمولي في الاتصالات والتكنولوجيا الالكترونية وانتقال المعرفة وعولمة السياسة والاقتصاد والثقافة والهويات المحلية والقومية فوقف التاريخ الإنساني مجددا في بعض المفاهيم على رأسه بدلا من قدميه بشمولية مضامينه المعاصرة، المعرفة، العقائد، الأخلاق، الفنون، القانون، السياسة، القيم، الوعي، القدرات..الخ على سبيل المثال يشير فرانسيس ليوتار وهو أحد ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة إلى ما سماه انحلال السرديات الكبرى وجميع الايدلوجيات التي استهلكها التاريخ البشري والإنسان فأصبحت اليوم سلعة استهلاكية تداولية كما في غيرها من السلع ويقصد ليوتار بذلك ان جميع الانساق التاريخية في تطورها الانساني وتعاقباتها المتوالية وامتداداتها التراكمية والنوعية التي أوصلت العالم الإنساني اليوم بأكمله وأدخلته قطار العولمة.

هذه الأنساق سواء في التاريخ والسياسة أو في الآداب والفنون التي نفسها استهلكها الإنسان أيضا، والتطاول الزمني الذي غادرها أصبحت اليوم سلعة استهلاكية يحكمها قانون العرض والطلب ولم تعد توجد يقينيات ثابتة في جميع المعارف والايديولوجيات والإنساق الفلسفية فالكل حان ضرورة مراجعته بنقدية عنيفة.

اعتبر ليوتار ان المظاهر الأساسية للحداثة اليوم هي ثلاث، الأولى تحرر الذات من رؤى العالم الدينية والصوفية ، الثانية فكرة التاريخ بوصفها تمثل التقدم العقلاني للإنسانية، الثالثة هي إمكانيات مقاومة جعل الحياة برمتها سلعة استهلاكية.1)

أما بورديار وهو من فلاسفة ما بعد الحداثة أيضا فيذهب في تحليله ما فوق الواقعية في التاريخ المعاصر بأكثر الطرق براعة في كتابه (وهم النهاية 1994) انه مع تسارع عملية التغيير والتحول اثناء سير الحداثة فاننا وصلنا ألآن إلى النقطة التي تحدث عندها الأمور بسرعة كبيرة جدا لتحقيق المعنى.

إن تسارع الحداثة والتكنولوجيا والأحداث ووسائل الاتصالات والإعلام والتبادلات الاقتصادية والسياسية والجنسية قد دفعتنا للهروب من السرعة وجعلتنا نتحرر من المجال المرجعي للواقع والتاريخ ويزعم بورديار ان درجة البطء ودرجة المسافة ودرجة التحرر مطلوبة لأحداث نوع من التكثيف أو التبلور المهم لأحداث التاريخ التي نسميها تاريخا والتي قد فقدت في الثقافة المعاصرة (2).

ووفقا لخصوم ما بعد الحداثة فهي مراهق مدلل بشكل اناني بصورته الذاتية كوسيط لأحداث البدع والأزياء من الثقافة الحديثة الواسعة ويتجلى هذا الموقف في تقلبات مشهد الفن المعاصر الذي فقد كل اتصال مع الحقائق اليومية وفقد اهتمامه بالجمهور العام ودخل النخبوية في أضيق حضورها.

وفي دراسات وسائل الإعلام نجد الافتنان بـ(السايبورغ) الكائنات الخرافية نصفها إنسان ونصفها الآخر اله أو حيوان كما يجري الاهتمام بالفضاء الالكتروني والخيال العلمي والسبرانية او علم الضبط والتحكم الآلي الذي تتطلع جميعها نحو مستقبل تبدأ فيه الاختلافات بين البشر بطمس نفسها ويبدو من خلال ذلك انه يتوجب علينا أن ننسى تماما أكثر من بليون شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة والكهرباء ناهيك عن شبكة الانترنيت العالمية(3).

يقول تايلور في معرض نقده لمفاهيم العولمة: الشر كل الشر في تبني رؤية ليبرالية جديدة تتعامى عن التناقضات الثقافية الكبرى وتؤمن بان العولمة هي الحل الأمثل. عبارة تايلور السابقة ليست نقدا تصحيحيا صائبا وإنما هي تحامل غير مسوّغ يجافي الواقع لان التناقضات الثقافية الكبرى التي أشار لها هي في طريقها إلى الانفراج والتراجع بضوء تطور الاتصالات وتبادل المثاقفة بين شعوب العالم قاطبة صغيرها وكبيرها قوّيها وضعيفها أصبحت المثاقفة العالمية اليوم ليس عامل تغذية التضاد والاختلاف والعداء المستحكم الذي كان سائدا في ظل هيمنة الايديولوجيات السياسية المنغلقة على نفسها أو ما يسمى الأنساق الكبرى، لذا فان مفاهيم ما بعد الحداثة والعولمة بفتحها باب التثاقف والاتصالات عالميا بين الشعوب وتبادل المعلومات والمعارف والتكنولوجيا وبروز وسيلة الانترنيت العابر للقارات والفضاءات في لحظات، فهي فتحت بابا كانت تعتقد ان مفاتيح غلقه وإيصاده بوجه من تشاء أميركا وأوربا لم يعد قائما من الناحية العملية وغير متاح ولا متيّسر في فقدان السيطرة وانفلات مظاهر العولمة وتغطيتها لكل شعوب المعمورة قاطبة بدون تمييز.بمختصر العبارة ان العالم يتجه نحو مركزية حضارية توّحد البشرية في صهر الهويات الثقافية من دون الغاء خصوصياتها، اذا ما توخينا حسن النية ان تكون العولمة في اهتمامتها خارج جنون السياسة وفرض الهيمنة، في ان تكون السياسة ليست هي الوسيلة لتحقيق المثاقفة الحضارية. وجنون السياسة غير الرشيدة تكون المثاقفة الحضارية عالميا هي الكفيل الوحيد للجم طموحات السياسة المجنونة اللاعقلانية.

ان التحوّطات غير المبررة عندما نتصور ان بامكان نظام استقطابي مركزي يمتلك كل الوسائل في صهر وتذويب خصوصيات العالم سياسيا او اقتصاديا، ان يكون بمقدوره ومكنته تذويب الهويات العالمبة الثقافية الحضارية.

ان من مميزات معارف ومفاهيم فلسفة ما بعد الحداثة والعولمة إنها ليست مصطلحات او مسلمات متفق عليها او ثابتة بل هي مفاهيم متغيرة تحتمل خلق إشكاليات التفسير والاختلاف والتأويل النفعي وكذلك في الدراسة والتناول وأحيانا نجد اختصار التداخل والاندماج العضوي ما بين الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة يأتي لصالح خلق تطرف قسري ناعم، لما يجب ان نعترف به معطيات معرفية عالمية ودخول العالم في معترك تصورات وتنظيرات جديدة في مختلف المناجي الحياتية.

هذا التطرف نجد مثاله في أفكار جون راولز (1921- 2002) اذ كان من أول المنادين في ظل مفاهيم العولمة هو ان يسمح في عالم اليوم بوجود دول (مارقة) خارقة للقوانين ومنتهكه لحقوق الإنسان ومعرضة السلام للخطر، ضد هذا الصنف من الدول يبيح جون راولز التدخل العسكري المسلح ويعتبره مشروعا في إسقاط أنظمة تلك الدول وواضح هنا إن هذه الفكرة برغم مظاهر جدتها فهي تجعله قريبا من فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة(4).

تأسيسا على التطبيق العملي لأفكار راولز في منطقة الشرق الأوسط بما عرف بثورات الربيع العربي التي تم إسقاط أنظمة دكتاتورية استبدادية داست حقوق الإنسان الأولية المشروعة بالأحذية ولم تقم لطموحات شعوبها أي وزن في الحريات الأساسية ولا في الديمقراطية فكانت نهايتها بتدخل أجنبي عسكري مشرعن دوليا أو غير مشرعن جرى ذلك في العراق وليبيا وتونس واليمن وأفغانستان وغيرها وهي بالفعل أنظمة دكتاتورية مارقة ظالمة لأبعد الحدود لكن ماذا بعد هذا التدخل وانهيار انظمة الدكتاتوريات؟ مرحلة ما بعد السقوط التي تعيشها الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بعد التدخل العسكري الأجنبي أورث تلك الشعوب بما أطلقت عليه الولايات المتحدة (الفوضى الخلاقة) التي أفرزت وأنعشت الإرهاب والتطرف الديني والسياسي أكثر من المتوقع في إدخال تلك الشعوب قسرا بقطار الحداثة والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، الأهداف التي بررت التدخل الأجنبي في إسقاط الدكتاتوريات في أفغانستان وبعض الدول العربية.

أما عن (البنبوية) من حيث هي تيار وحركة فلسفية نقدية لما بعد الحداثة شملت كما هو معلوم مجالات انسانية تاريخية ثقافية عديدة فالانثروبولوجيا عند كلود ليفي شتراوس والتحليل النفسي عند جاك لاكان والأدب عند رولان بارت والفلسفة عند لويس التوسير وميشيل فوكو، تشكلت البنيوية من تيارين تيار ينتصر للنسقية الكلية ويمثله شتراوس ولاكان وبارت والتوسير وتيار يقول بالاختلاف والتنوع ويمثله فوكو وديلوز ودريدا وليوتار5).

كما يذكر.دكتور مجدي عبد الحافظ إن النطاق الثقافي لما بعد الحداثة يوحي بشدة بالتعددية النقدية كما إن شرط ما بعد الحداثي هنا سيعتبر توصيفا لحالة تاريخية تدخل في قطيعة مباشرة مع الحداثة فتعمل على التخلي عن السرديات الكبرى أو الأنساق الفكرية المغلقة المرتبطة بالايديولوجيات التي كانت تطمح في إعطاء معنى كوني لحياة الإنسان مثل الفلسفات العديدة والطوباويات السياسية والايدولوجيات بعامة.

كما إن جاك دريدا في كتابه (الجراماتولوجيا) تعتريه فكرة التناقض حول العقل ولعل هذا التناقض يكمن في ان النص الكتابي الذي يعتمده دريدا بعد ان استبعد نموذج الكلام، يرتبط بالاله اليهودي الذي كتب النص بيده مما يجعل النص المقصود (أثرا غائبا) ضاعت منه العلامات والمادة وإذا أضفنا إن دريدا يدّعي ببرنامجه هذا نقد الميتافيزيقيا بل الفكر الغائي ذاته ولسنا في معرض خلاف او نقد او حتى تناقض معه، ولعل هذا ما سبق ووضع هابرماس يده عليه في معرض نقده لـــ(جاك دريدا) عندما وجده يحاول تجاوز الميتافيزيقيا عن طريق (الدين) والصوفية اليهودية وهو ما اعتبره معاديا للعقل ولا يصب في الخط الحدائي بل ويناقضه(6).

كما إن جان فرانسو ليوتار فيلسوف ما بعد الحداثة كما مربنا يريد من الإنسان أن يكون واقعيا تجاه واقع الإنسان الذي يحياه الإنسان الغارق إلى أقصى حد في هيمنة التقنيات والعلوم على وجوده. اذ يطالبه بأن يتعايش مع تلك الهيمنة، لكن من دون ان يمنح التقنيات والعلوم اية ثقة ، فمثلها لا يمكن منحه الثقة من اجل رفاهية الإنسان، ويبشر ليوتار هنا بحقبة ما بعد الحداثة ، التي ستضمن برأيه الحفاظ على التنوع، عندها يجب على كل فرد ان يتكيف مع التنوع الثقافي للأخر، وبعيدا ان يكون معنى التكيف أن ينصهر الفرد في نموذج حضاري واحد. فليس ثمة معيار أو حكم أعلى يمكنه أن يفصل بين ماهو خير أو شر لدى مختلف الأطراف الحضارية(7).

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.....................

(1) . د. محمد الشيخ / عالم الفكر، مج41، 2012، ص 28،29،37.

(2) . المصدر السابق، ص10.

(3) . المصدر السابق ، ص36.

4) .انظر د. عبدالرزاق الداودي، عالم الفكر، مج41، 2012، الفلسفة والثقافة في عصر العولمة ، ص185.

6.) د. مجدي عبدالحافظ / مصدر سابق / ص 152.

7) .المصدر السابق، ص156.

 

 

علي المرهجفي الدين إجابة عن أُحجية الوجود في الحياة، بل وإجابة عن وجود آخر أبهى وأجلى وأشف من وجودنا الواقعي، ولكن في التعقل بعض من نزوع أهوج نحو فك مغاليق أُحجية الحياة والموت، وفي كل رؤى الفلاسفة والمفكرين ما يُزيد هذه الأُحجية تعقيداً، ولكن عند المُعتقدين جواب جاهز مُطمأن لهم، يحل مُشكلة وداع من نُحب بشكل مُفاجئ، بل ووداع من نُبغضهم، "فأنت تُريد وأنا أُريد والله يفعل ما يُريد"، ولكن عند المُتعقل (أنا أريد) هذه ممارسة لفعل الإرادة فيها بحسب ما يروى الفلاسفة الوجوديون كوني حُر، فكوني حُر فهذا يقتضي أن أكون "أنا" خارج مُهيمنات المنصوص الغيبي، لأن هذا من مُقتضيات وجودي "أنا" الإنسان بوصفي كائناً حُراً، ولكن هل تُحل بهذا أُحجية هذا الوجود الذي فسره اللاهوتيون بأنه وجود ممُكن مُرتبط بواجب الوجود بعبارة الفارابي؟.

مُشكلة الحياة أنك تعيش فيها وتشغل نفسك بأفاعيلها، ولكنك لا بُد، بل ومن المحتوم أنك مُغادرُ لها، فوجودك يُنبئ عن عدمك القادم.

وبعض ممن لم يؤمنوا بالعيش في الحياة الدنيا ممن آثروا الموت عليها، عملوا على تفعيل الخطاب الوجداني والشاعري عند من سحرته نصوص السماء وتصويرها المُلذ لمن لا حياة له ولا فعل ولا تأثير عقلي، لأنه وهب ما وههبه الله من قدرة على التعقل ليجعلها أدة طيعة لمن فاقه في التفكير والتحوير لنصوص المقدسة، فآثر هو الإسترخاء وجعل التفكي من مهمة الأولياء، فأغلب من منح عقه الرواحة وعاش في فضاء الراحة والاستراحة هم ممن يعتقدون بأن في مُغادرتهم لهذه الحياة وتفضيلهم للموت، إنما هو إتباع وإيمان لمُبتغى الديانة، ألا وهو "الموت" بلغتنا نحن الذين نبتغي العيش في الحياة الدنيا، لكنها "حياة" أخرى لمن ملَ العيش في دُنيا ملؤها النفاق، فحينما تجف بساتين المحبة الإنسانية، فعند هؤلاء حياة الآخرة أجدى وأحلى، وعند من ظن أن مهمته القصاص من الذين في اعتقاده أنهم خالفوا أمر الله والسماء خيار في القضاء عليهم وعلى دُنياهم التي لا تساوي عنده "عفطة عننز" بالمُقارنة مع ما سيحصل عليه وما هو مُتاح في عوالم الآخر التي وعد الله بها من آمنوا به!!، وبين من جعل من مشكلتي الحياة والموت من المفكرين والناس البسطاء من الساذجين أمواج مُتلاطمة وبحور واسعة لا يابسة نرتجي التلاقي بينهما عليها، فهناك مفكرون ممن عشقوا الحياة الدنيا وتماهوا مع مُعطيات الصراع فيها، مثل (ماركس) و(فرويد) و(نيتشه)، وهناك فلاسفة ومفكرون حالمون ممن تماهوا وعشقوا وهاموا في "الوجود الآخر" (الحياة الأخرى)، فلم يجدوا في هذه الحياة الدنيا غير مثالات لما في عوالم المثال بلغة إفلاطون، فالحياة الحقيقية هي حياة النفس لا الجسد، بينما كان أصحاب ذاك الفريق يعتقدون بأن الحياة الحقيقية هي الواقع المُعاش بكل مخاضاته والصراع الذي فيه، وما الحياة "الطوباوية" سوى وهم صنعه اللاهوتيون من شتى الأديان وشاركهم فيه الفلاسفة المثاليون، أو العكس، وهم صنعه الفلاسفة المثاليون، فأُعجب به اللاهوتيون، فصنعوا وأبدعوا له عوالم خاصة هي عوالم المُتمنى الجميل العادل الحكيم غير المُتحقق في عالمنا الأرضي، لكنه جليَ بهيَ في عوالم المثال. فهل هناك من حل لأُحجية جدلية "الحياة والموت"؟، فما هي الحياة؟ هل هي العيش والتماهي مع مُعطيات عالمنا الأرضي في الحياة الدنيا؟، أم هي "الحياة" بلغة أخرى وبمعاني مُضادة للمُعتاد من التداول النظري والمُعطى العملي في الحياة الدنيا ليكون معناها ومبناها هو "حياة الأنفس" أو الأرواح بعد تململها من العيش وسط حياة زائفة مليئة بالصراع والخلاف والصراع، للننتقل لـ "حياة" أخرى مليئة بالتوادد والتراحم والمحبة، كما رغب اللاهوتيون من الفلاسفة والصوفية ومن سبقهم من الأنبياء.

وما "الموت"؟، فأما الموت في الحياة الدنيا عند من تماهوا مع دُنيا الواقع وعشقوا العيش فيها، فهي مُغادرة للوجود المادي "الحقيقي"، ولكن الموت عند من تماهوا مع رؤية اللاهوتيين من الأنبياء والفلسفة والصوفية فهي حياة أخرى لـ "أولي الألباب" من المؤمنين بالحياة الآخرة ويوم الحساب.

أما عند بُسطاء الناس من هؤلاء ومن سبقهم، فهم في "كل واد يهيمون"، وكل منهم يفهم مُشكلتي "الحياة والموت" بحسب المُهيمنات والمقولات السائدة في مُجتمعه وبيئته الثقافية، فحيثما ساد إتجاه في تفسير المشكلتين في مُجتمعه ولا معارض لهذا التفسير ولا ناقد سوى القلة القليلة من الناس، فهو حتماً ولا بُد متوافق ومؤيد ومُنافح ومُتبني للتفسير السائد اجتماعياً وثقافياً ودينياً في البيئة التي هو جزء منها، ولكن أسئلة من قبيل لماذا أنا أحيا؟ وهل في الحياة ما يستحق أن أعيش من أجله؟، وما هي مُبررات الوجود فلسفياً؟، وهل للحياة معنى من دون وجودنا نحن البشر؟ وهل الإنسان هو "الوجود الأقصى" بلغة بول تيليش؟، أو هل هو "خليفة الله" في الأرض وفق رؤية وتفسير فلسفي عقلاني لا ديني؟. هذه أسئلة لا يقترب ولا ولن يسأل عنها بُسطاء الناس، ولكن من يسأل عنها هم الفلاسفة، ولكن ما هو مقدار وقيمة ما طرحوه من أجوبة لحل مُشكل العلاقة بين الحياة والموت؟، وهل لهذه الأجوبة قيمة معنوية وعقلانية من حيث التداول في الفضاء أو المجال التداولي العام؟، أم أن هذه الأجوبة بقية حبيسة التداول الخاص في فضاء مُقيد بنُخبة مُعينة؟ ولم تلق أذن صاغية تُنصت لها داخل الفضاء الاجتماعي العام؟.

لذلك أنا أختلف مع زكريا إبراهيم بقوله في كتابه "مُشكلة الحياة" "أننا جميعاً نعرف قيمة الحياة"، فالحياة على عكس ما يقول:"أنها تحمل في ذاتها، أو من تلقاء نفسها مُبررات وجودها"، إنما الحياة تحمل في ذاتها مُبررات بؤسها وعدمها، فأنا لليوم لم أعرف "قيمة حياتي"!، فحياتي كفرد مُتفرد ـ ربما ـ تُخالف حياتي كفرد داخل جماعة، ووجودي الاجتماعي الذي لم أختره بنفسي ـ ربما ـ هو كل أو بعض من شقائي وبؤسي ورغبتي باللاوجود رفضاً لوجود لا كينونة ولا حضور ولا تأثير ولا فاعلية لي فيه، ولم يكن لي دور في قبوله أو الرفض.

العدم ليس هو الموت، إنما هو لاحق له، لأن الموت هو الذي يمنح للحياة بعض من بهاء حضورها وفاعليتها في الوجود الواقعي، أما العدم فهو الذي يصنع حياة حُرة لكائن حُرة تُصارع فكرة الموت لتبني فكرة جديدة تُعبر عن كينونة الإنسان الصانع للصيرورة، صيرورة الوجود المؤثر لا في حياة الإنسان أو موته، إنما في إعلانه الدائم عن كينونته "الوجود الدائم أو المُستمر" بعيداً عن التصور الساذج للجدل بين مقولتي الحياة والموت، لأن كينونة الإنسان الحُر صناعة لحياة جديدة خارج منطقي التصورين المادي والروحاني. هو تصور لصراع وتوتر مستمر بين أسبقية الوجود الإنساني "الكائن" و "ما ينبغي أن يكون"، والكائن هو وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، و "ما ينبغي أن يكون" هو مرتبط بقدرة الإنسان على ملأ فراغات أسئلة الوجود "الميتافيزيقية" بحضوره المستمر وكينونته الفاعلة.

ومثلما أكد زكريا ابراهيم فهناك "سعادة بلا وعي" و "وعي بلا سعادة"، ولم يضع زكريا إبراهيم ثُنائية التقابل بين وجودين كلهما حلو، أو ربما مُر، ألَا وهما تقابل "السعادة مع الوعي" أو "تقابل والوعي مع السعادة"، والتقابل هنا بمعنى التساوي أو التعالق والتماثل في الحضور!. وكأن الفكر رديف للشقاء، أو ألَا حضور للوعي خارج الشقاء، والعكس صحيح، أي لا شقاء لمن لا وعي له، فكلما حضر الوعي شخص ما إزداد شقاءً، وهو ما يُمكين تسميته بـ "الوعي المُستكين" الذي يُقابل بالتساوي وعي العبد الغائب عن الحضور بفعل الممارسة الإقصائية للسيد.

أما ما أسماه (هيجل) بـ "الوعي الشقي" فهو المُضاد لفعل العبد المُغيب لدوره وحضوره، هو فعل للفيلسوف الواعي الذي أدرك مُتغيرات الواقع الحال وسعى لتغيير المُحال، فشقي من كُثر ما عانى من تحمل أعباء الإصلاح والتغيير رهن العبد لها نفسه (العامل) بلغة ماركس فقبل في أن يكون حاله كحال الآلة يقبل أن يغيب بها بوصفه إنسان ليحضر كآلة لا فعل له ككائن البشري إلَا حينما يكون ذاتاً فاعلة ومؤثرة في إعادة إنتاج الوجود ليكون الموت مُرادفاً لفعل الاستلاب هذا، والحياة فعل وجود مُرادف لشعور الإنسان بكينونته بوصفه مُشاركاً في تشغيل النتاج وسبباً في زيادة الإنتاج بلغة ماركسية كمرادف لكسر نمطية الصراع بين "الحياة والموت" وفق الرؤية الماركسية الناقمة على تشكيل "الحياة" الرأسمالية على غرار تصميم لا "حياة" له إلًا على غرار تصميم لـ "موت" "البروليتاريا" التي لا حياة للرأسمالي ولا وجود (موت) إلَا بفاعلية رأسمال حر لا صديق له وخليل، سوى القبض من فائض رأس المال، الذي صار اليوم هو الذي يضبط "هرمونية" النغم وزُحافه.

ولا حل لأُحجية العلاقة أو جدلية "الحياة" و"الموت" لا غرار "هرمونية" نسقية تضبط علاقة العدد بالنغم، ولا خارج هذه الهرمونية، بـ "الزُحاف" وعزف النشاز خارج "هرمونية" النسق المُعتاد الذي تصورناه أنه صورة مُفارقة لنمطية النسق وخرق ونقض وتفكيك للسائد المألوف منه، ولك من السائد والمُفارق أُحجية في الإستبدال وتبديل المواقع بين المألوف منه والمُفارق، فكم من مألوف اعتقدنا به، ففُجئنا بخطل تصوراتنا عنه، لأنه من عالم المفارق لا المألوف كما تصورنا، وكم من مُفراق تصورنا أنه خارج المألوف، فوجدنا أنه قريب لنا بعد حين، فهذه هي جدلية "المرغوب المحبوب" (الحياة)، كما تصونا في زمن، ولكننا ـ ربما ـ سنجد بديلاً له فيما تصورنا أنه من (المكروه) (الموت) حل لمشكل العجز والخوف والفشل الذي يُمكن أن يكون من سُبل البحث عن نجاحات لتجاوز ضعف الذات، "فمن لا يموت، لا يُمكن أن يكون قد عاش"!.    

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

علي رسول الربيعييتبى عبد الله العروى المنهجية التاريخانية التي يعود أصلها الأصطلاحي إلى العقيدة التى تقول بأن كل شىء أو كل حقيقة تتطور مع الزمن، وهى تهتم بدراسة الأحداث في ارتباطها بالظروف التاريخية. لقد كان أوج الاهتمام ﺑالتاريخانية كعقيدة ومنهج فى الدراسات التاريخية إبان القرن التاسع عشر الميلادي حيث ارتبط صعودها بانتشار الفلسفة الوضعية الكونتية، تتبنى "التاريخانية" فرضيات فلسفية وأيديولوجية بغية التسويغ لأفكار قد تكون دينية أوقيم أخلاقية أو سياسية أو حتى ثقافية، من خلال توجيه التاريخ كخط مستقيم ومتواصل؛ وهي تنطوى على رؤية للتاريخ تقول بالتقدم المتدرج (مع الزمن) انطلاقاً من أصل (أولي) نحو نهاية أرضية أكثر أكتمالاً باستمرار وهذا هو موقف الفلسفة الوضعية.

إن التحليل التاريخانى عند العروي (العرب والفكر التاريخى ، دار الحقيقة ، بيروت 1973م )عديد من معطيات أولية تسيره بكيفيات واعية أو لا واعية وهي عبارة عن فرضيات تتمثل في:

1- وجود مرحلة متقدمة فى تطور التاريخ، بالنسبة لظروف مجتمعه الأصلى.

2- وجود وحدة سياق ووحدة سير فى التاريخ.

3- سطحية التاريخ (أى تقدم التاريخ على سطح واحد أو فى بعد واحد).

4- إمكانية الطفرة فى التاريخ.

أما "التاريخانية " الماركسية فلا تعد مرحلة تاريخية من تطور الفكر الماركسى بحسب ما يرى العروي، بل هى متجددة دائماً ومتطورة وفق أربع مقومات هى:

1- ثبوت قوانين التطور التاريخى (حتمية المراحل) .

2- وحدة الاتجاه (الماضى والمستقبل) .

3- إمكانية اقتباس الثقافة (وحدة الجنس).

4- إيجابية دور المثقف والسياسى (الطفرة ، واقتصاد الزمان).

وتبعاً للعروى فإن الماركسية مفهومة على ضوء العقل الشمولى ، وهو بذلك يعتبرها ـ متعرفة بالتاريخ باعتباره هو تاريخ الإنسانية المعاقة لا حينما ترقص بكيفية عمياء طبعا ـ بل عندما تقبل أن تتجه وجه التقدم البديهى فى طريق سيرها الذى يتم بالخضوع للفكر التاريخى ومقوماته التى تحدد فى :

1- صيرورة الحقيقة .

2- إيجابية الحدث التاريخى .

3- مسئولية الأفراد (بمعنى ان الفرد هو صانع التاريخ) .

ويرى العروى أن الماركسية فى تأولها التاريخانى تعد أفضل مدخل وأحسن مدرسة للفكر التاريخى يمكن أن يجدها العرب اليوم، لأن الفكر التاريخانى هو الذى يحرر المرئ من الأوهام ويوجهه نحو الواقع والإنجاز وكذلك هي مقياس المعاصرة ، فيحتاج العالم العربي في ظروفه الحالية إلى ماركسية " تاريخانية " يتوحد فى اطارها الثقافى نواة حركة تحديثية فى المجتمعات العربية. فالماركسية التاريخانية الموضوعية كما يرى العروى هى الأكثر ملائمة لمتطلبات الواقع العربى وأن الأيديولوجيا العربية المعاصرة عليها باعتماد الماركسية لا أن طريق التعليل المجرد ولكن على من منطلق المنفعة. وعليه يعتقد بضرورة مرور العالم العربي في المرحلة " التاريخانية " أى كتابة التاريخ بشكل قومى ووطنى ومركزي كما حدث فى أوربا إبان تشكيل القوميات فى القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين.

يحاول العروى (بتاريخانيته) تجاوز كل من الشرق والغرب بمرجعية يراها جديدة ولا يغير من الأمر شيئاً إذا كانت غربية المنشأ، حيث لابد من اعتماد الماركسية (التاريخانية) التي يربطها باستيعاب الثقافة (الليبرالية)، وكذلك على ضرورة المرور بمرحلة النقد الأيديولوجى حتى نتخطى الفجوة بين العمومية الفارغة والخصوصية النسبية بشىء من التطلع والاستشراف. إنه يريد أن يغير التاريخ أساسا بقانون المتصل والاستمرارية، لكنه هذا المأزق النظري المأسور فى الميتافيزقيا هو الذى جعله قريباً من الماركسية، غير أن الماركسية فى أحد أشكالها الأكثر صرامة ترفض تاريخانية الفكر الليبرالى (القرن الثامن عشر الأوربى) التى أوجدت بدائل تحل محل مطلقات التعالى وهى بدائل معلمنة: العقل ، الفرد ، الحرية ؛ رغم أنها في الحقيقة ظلت تقوم على الترية الميتافيزيقية ذاتها ورغم التحول الأيديولوجى الحاصل في أوربا والغرب عموما. إن التوسير مثلا يدعي أن التاريخ وصراع الطبقات بلا باعث ولا غائية، لقد غير موقف الماركسة النظرى دفعة واحدة وفى تجاوز هذين النوعين من (التاريخانية)، وهنا نجد أن عمل العروى يبقى معلقاً بينهما.

تريد هذه التاريخانية أن تعيد التفكير فى (الوعى التاريخى) بالنسبة إلى الأيديولوجية العربية مؤكدةً على معنى الاستمرارية التاريخية، وعلى الدور الموجه للحقب ذات الزمن الطويل، حتى يتمكن من إعادة تخلفنا الثقافى كله إلى مجال التاريخ. ولكننا، بالمقابل، نجد أنفسنا غير ملزمين باتباع المسيرة ذاتها ونجتاز من جديد المراحل التى اجتازها الغرب ،لابد أن ننطلق مباشرة وأن نبدأ من الموجود، أن ندخل إلى الحداثة فوراً من القائم هنا كمسألة؛ وخلاصة القول لا توجد أى ضرورة أو حتمية تقول لكى تتحقق الحداثة في عالمنا العربي لابد أن نرجع إلى نقطة معينة فى التاريخ الأوربى ثم نسلك المسار نفسه، ، وكذلك ما يقوض تاريخانية العروى هو خلطها بين (الآخر) و(الغير) بين الأنثوروبولوجيا الثقافة وفكر الاختلاف بين التاريخى والتأريخى إضافة إلى ذلك نجد أراءه حول الواقع العربى تتساقط من تلقاء نفسها ومثال على ذلك تجده يقول " منذ ثلاثة أرباع القرن يطرح العرب على أنفسهم سؤالا وحيدا واحداً: من الآخر ، ومن أنا " (العروى : الأيديولوجية العربية المعاصرة ) إن هذا القول يلغى البعد التاريخى لحقيقة السؤال ذاته، لأنه سؤال لا ينفك يطرح وباستمرار من قبل فكر الوجود ، لكن العروى يغيب هذا السؤال الجوهرى عن الوجود والموجود ، المؤتلف والمختلف كما يطرح فى الفلسفة اليونانية والفلسفة العربية ، إن أيديولوجية العروى منهارة فى أساسها ولا قيمة لها.( الخطيبى ، عبد الكبير : النقد المزدوج )

أما بخصوص التراث فهو يعنى عند العروى مجموعة الأشكال الكلامية والسلوكية التى انحدرت إلينا من الأجيال السابقة وفى نطاقه يطمس التعاقب الزمنى والتمايز الاجتماعى حيث إن رباطنا بالتراث العربى الإسلامى فى واقع الأمر قد انقطع نهائياً فى جميع الميادين وأن الاستمرار الثقافى ما هو إلا خدعة وسراب ، فقراءتنا للمؤلفين القدامى لا تؤدى إلا إلى عدم رؤية الانفصام الواقعى لأن الذهن يكون مفصولاً عن واقعه متخلفاً عنه بسبب اعتبارنا الوفاء للأصل حقيقة واقعية مع أنه أصبح حنينا رومانسيا منذ أزمان متباعدة . فالانبعاث لا يعنى إحياء إنجازات الماضى بقدر ما يعنى استعادة العرب للمركز الحضارى الذى احتلوه فيما سبق بين الأمم . فالعروى يعتقد أن الثقافة العربية المطلوبة ستكون بالطبع متشابهة للثقافة القديمة من جوانب شتى ، لكنها ستكون بالطبع مخالفة لها فى المضمون من حيث كونها فى مستوى الثقافات المعاصرة ، وهذه نظرة للثقافة والتقليد لا تنبع من داخل التقليد ، إنها تستقل عنه لتعود إليه ثم تحكم عليه وتستغله ، فهى نظرة خارجية موضوعية تستخدم منظور التاريخ عنصرا معرفياً وأساساً لتكوين المعرفة العلمية .

لا يستطيع عرب اليوم، كما يرى العروي، أن يقولوا إن لهم حضارة وثقافة بالمعنى الدقيق إلا بإن تكون انجازات اليوم بمستوى إنجازات الأمس، وفى الوقت ذاته متميزة عن إنجازات الأمس وبالتخصيص الأوربية التى تدعى الكونية، فربط الأصالة بإنجازات الأمس فقط يشير إلى تاريخ بائد، وكذلك الربط بإنجازات الحالية تكون كلاماً فارغاً لأن ثقافتنا الحالية مقتبسة فى معظم مظاهرها، والحل المعقول هو أن نربط الأصالة بطموح العرب وما يرغبون فى تحقيقه مستقبلاً، فتكون الأصالة عبارة عن مشروع ثقافى. ولذلك يؤكد العروى على أن مفهوم الأصالة غير مستقر، يرمز إلى الدين مرة ومرة إلى الثقافة، يشير مرة إلى واقع انثروبولوجى ومرة إلى اختيار تاريخى. إن السؤال حول الأصالة لا يتعلق بمفهومها وشرعية الدعوى إليها، بل بالأحرى حول من له مصلحة فى نشرها، وكيف يفهم الأصالة ويستغلها؛ ولكن فى الوقت نفسه يدرك العروى أن هناك من يعطى لكلمة الأصالة مفهوماً لا يتجانس مع مفهوم الانبعاث إلى حد أن المفهومين يصبحان متناقضين، وذلك لظهور طرفين أحدهما يركز على الأصالة والآخر على الانبعاث عن طريق الاغتراب، وما هو مهم بالنسبة لنا هل التناقض الحاصل بين الطرفين ناتج عن اختلافات مصلحية فقط ، أم هو تعبير عن مفارقة تاريخية تكمن فى صلب مفهوم الانبعاث بوصفه مشروعاً إنسانياً عاماً ؟ أى هل مسألة الانبعاث تؤدى بالضرورة إلى التناقض بين الأصالة والمعاصرة؟ ( العروى : ثقافتنا فى ضوء التاريخ ).

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروي يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة.

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروى يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة ، وأما أصحاب الموقف المعارض فيدعون إلى تقليد الغرب والأخذ من حضارته بهدف الخروج من وضعنا البائس ، وهكذا يوجد على الساحة الثقافية اليوم طرفان يتفقان فى الهدف ويفترقان فى الغاية. وهذا التعارض بين الطرفين يوجب علينا النقد المفهومى حتى يمكن إدراك الاختيار الذى يمثل الخطوة الحاسمة لتحقيق قفزة نوعية تجعل منه مجتمعاً تاريخيا وبوعى تاريخى حتى يمكن تجاوز هذه المفارقة بعملية جدلية مرتبطة بالتاريخ الوقائعى نفسه .

ولكي نعيد تقويم العروي نلاحظ أنه يؤسس خطاب السؤال من خلال قضية مشروعية تدور حول إشكالية: لماذا لم تجسد العقل عندنا فى نظام اجتماعى موظفاً فى ذلك أدوات معرفية ومفاهيم رئيسية موجهة لخدمة قضايا (الديمقراطية) و(التحرر) بطريقة منهجية ذات دلالة قوية على الفعالية والاستمرار، و على النقد والتأويل ومحاولة إقناعنا على أن واقعنا ليس الحاضر وإنما المستقبل، فمشكلة التأخر نجد حلها فى المستقبل الذى هو عنده، أوربا عصر الأنوار ( العروي :أزمة المثقفين العرب) فمنهجية العروى ترفض الفصل بين الغرب والشرق، وكذلك نجده يحاول فهم الأحداث فى مضمونها التاريخى والاجتماعى من خلال تأكيده على ضرورة تحقيق وحدة الاتجاه التاريخى وبالقول بأن لكل شىء معنى في التاريخ، لهذا يتطلب استيعاب مفهوم التاريخ لتجاوز تأخرنا الثقافى، ونقيم دولة المعاصرة التى توحد بين المجتمع المدنى والدولة(العروى: مفهوم الدولة )، هذه "التاريخانية " تنير المستقبل أكثر ما تنير الماضي، فتكون الرد على دعوات تأصيل التراث، فالذى يخرجنا من تخلفنا هى العلاقة العقلانية المرتكزة على دولة معاصرة ليبرالية تربطنا مع عصر الأنوار، لكن المشكلة هنا هي أن الاستمرارية عند العروي ليست استمرارية مع الماضى التراثى العربي الإسلامي ولكن استمرارية مع ماضى آخر هو عصر الأنوار الأوربي.

تقوم منهجية العروى على العالمية أى التسلم من الثقافات المغايرة وعليه لايمكن النظر الى منهجيته من زاوية منطق الهوية بل أنه يرد التاريخ إلى شمولية ميتافيزقية، نسيجها الاستمرارية والعقلانية والميل إلى النظام والإرادة كما لو أن (عامل التاريخ) عقل مطلق أن يسيطر على العصر. والأمر فى تاريخانيته يتعلق بمنهج فني (تكنيكى) يكتفى بتسجيل الوقائع التاريخية وترتيبها فى خط زمنى متواصل تقرأ فيه البدايات والأصول والتاشيرات والأحداث من كل نوع وبالتالى فإن الرأى الذى يقول بأن العروى يقول بالقطيعة التاريخية غير مقبول، فالتاريخ عنده هو النظرة الشاملة الى مجموعة حوادث الماضى، إنها نوع من فلسفة المتصل التاريخى التى رفضتها طروحاتها مدرسة الحوليات الفرنسية والمنهجية الحفرية لاحقاً.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعيتكشف تاريخيًة العقل عن تعدد العقلانيات في الفلسفة الأغريقية والرومانية والعربية -الاسلامية والمسيحية، وفي الفلسفة الحديثة مثل العقلانية الديكارتية، والتجريبية الأنجليزية والجدلية الهيجلية، والمادية الماركسية، والبرغماتية والوضعية المنطقية وغيرها التي تجلت عمومها في مسارها التاريخي عن أن تعدد العقلانيات هو نتاج العقل في سياق حركة التاريخ. لقد قدمت الفلسفةُ العقلانية ابان عصر التنوير وامتداداتها حتي مابعد القرن التاسع عشر تصورا أيديولوجيا للعقل قوامه أن هناك مفهوما واحدا وثابتا للعقل يستغرق كل أنماطه ومعانيه؛ وأن هذه العقلانية التي يمكن تسميتها اصطلاحا "العقلانيًة الكلاسيكية " تعتبر أي فهم للأفكار خارج نطاق نظامها لا يكتسب صفة المعقولية بشكل كامل؛ لكن البحث الجينالوجي- النسابي يُبين أن كل نمط من أنماط العقلانية هو أحد انظمة العقل في مرحلة فكرية تاريخية معينة.

يَكْشفُ المنهج الجينالوجي عن شكلِ العلاقةٍ بين مفهومِ للعقل ونـمط من العقلانية تدعي تمثيلها لهذا العقل بشكل كامل، بوصف الجينالوجيا تهتم بالبحث عن أصل ونسابية وجذر الفكرة و / أو الحدث ليس طبقا للمنهج التاريخي الذي يتابع نشاة الظاهرة ومسارها اللاحق وتطورها، ولكنها، أي الجينالوجيا تلاحق من موقع الحاضر في ماوصلت اليه الفكرة / الحدث و تكشف التاويلات التي مرت بها والاقنعة التي تلبستها في مسارها التاريخي، أي تعود الجينالوجيا من الحاضر الى الماضي لا تاريخيا من الماضي الي الحاضر في متابعة تطور الأفكار في سياق كورنولوجي؛ فالجينالوجيا تكشف العلاقة الموًحٍدة والاستغراقيًة بين مفهومي العقل والعقلانية من خلال العودة للنظر في المسارِ التاريخي المُشَكْـل لنظام تأسيس مقولات هذه العقلانية وابنيتها النسقية التي تدعي الثبات والوحدة، وتكشف،أيضا، كيفية تلبًسها مفهوما معينا للعقل يتمتع بالثبات والوحدة، وتقوم بأبراز مواقعيًتها ونسبيتها. ولا يمكن بالتالي أعتبار أن هناك أتجاها واحداً لمنطق العقلنة لاسيما بعد الصدمات التي أخترقت صميم منظومات العقلانية، والزحزحات التي اصابت مدلول العقل نفسه.

منطقية العقل العقلاني

تعبر الأنظمة العقلانية عن نظرة نمطيًة لمفهوم العقل حيث تعتبر العقل الذي ينتج عقلانيات متعددة في تاريخه له صيغة وشكل واحد طول مراحل التاريخ، وأن هناك نظاما فكريا عقلانيا يعد نفسه هو العقل عينه في خط متواصلا طوال تاريخ الفكر (الفلسفي) ويري أن هناك اتجاها آخر بخط مناقضا له لاعقلانيا، فيعد هذا النظام العقلاني بصيغته" العقلانية الكلاسيكية " أنه يمثل العقل بشكل كامل و مطلق يقابله اللاعقل ويحاول أن يفسد عليه حضوره الكلي في التاريخ، منطلقا من خطاطة تاريخانية هي نوع من القراءة الأيديولوجية التي تقيم معنىً للعقلانيًة وفق قوالب جاهزة للتصنيف.

تصور عصر التنوير الغربي للعقل

تُقَدمٌ العقلانية الكلاسيكية تصورا مسبقا عن العقلِ يحدده كمفهوم ثابت وشكلانيًة سكونية تطبعٌ أفكارأ معينة، في حين أنً هناك أفكار أخرى تعدها مناقضة لهذا التصور؛ أنها تعتمد هذا التصورَ كمعنى عام للعقل؛ لكن الكشف عن اصلِ هذا التصور للعقل يبين انه وليد عصر التنوير الأوربي الذي يعد العقل ( المستقل) جوهرا حاملا كل الصفات والخصائص المطلقة. فترسم العقلانية الكلاسيكية تصورا للعقل بوصفه العقل الناميً في سياق تاريخي متصل، ويٌطبق على تاريخ للعقلانية بوصفها دأب دائم لبلوغ الحقيقة والصواب وتجاوز الخطأ. انه يحكم على أنظمة الفكر وفقا لمنطق ثنائي القيمة وأستراتيجية في الفصل بين " المعقول" و " اللامعقول "، مستعملا مفاهيم كـليًة ميتافيزيقية لاتاريخية يُصدر طبقا لها أحكامه القيميًة.

تعبرهذه العقلانية عن التفكير بميكانزم (آليًة) أحد أنظمة الفكر الغربي مضفية على العقل معنىً وحيدا ويسلك دروب مرسومة ؛ أنها تفصل بين تاريخ مستمر للعقلانية عن آخر مختلف للاعقلاني. لذا لايمكن لهذا التصور القبول بنسبية المعني الواحد للعقل والأشكال المتعددة للعقلانية؛ فـتستمر عنده نـظرة الموازاة والصراع بين خطين فكريين عقلاني ولاعقلاني؛ معتقدا أن هناك عقلانية نقيًة تُقابلها وبجمعِ عامِ فلسفات الشك بالعقل والإيمان بقوى أخري. غير أن الشك بالعقل شئ والشك بعقلانية معينة شئ آخر؛ أما الايمان بقوى أخري فشئ مختلف لايناقض العقل وليس في عداء معه، ولكن أبستمية (نظام الفكر) " العقلانية الكلاسيكية " تتبني مفهوما للعقل هي العقلانية العلمويًة الباترة التي فهمت منطق العقل على أنه يُمثلٌ اتجاها ماديا وضعيا الحاديا ضد الدين؛ والحقيقة هذا فهم واحد من أنواع متعددة للعقلانية طوال تاريخ الفكر الفلسفي.

اتجاهات تاريخ الفكر الفلسفي

يُهَيمن على نظام العقلانيًة الكلاسيكية تصورا مسبقا لاتجاهين متناقضين في بنيتهما و متخالفين في حركتهما طوال تاريخ الفكر الفلسفي، الاول مادي الاتجاه والثاني مثالي الهوية والتفسير. أنً هذا التصور ناتج عن نظرة تعميمية تبسيطية لتاريخ الفكر الفلسفي ظهرت في القرن التاسع عشر بتأثير فلسفة للتاريخ ذات التقسيم الثنائي، سلالة مادية عقلية وأخري مثالية لاعقلية،وتعرض هذه النظرة مفهوما للتقدم بوصفه سلسلة من التطور والنمو الذاتي طول مراحل التاريخ.

أن التفلسـف وفقا لرؤية العقلانية الكلاسيكية لا يكون عقلانيا الا بصروح كليًة متماسكة البناء الشكلي؛ وكذلك لابد ان يخضع القول الفلسفي لنسق متماسك على طريقة المذهبية الفلسفية التي تقدم تفسيرات شاملة حتى يحوز على معنى المعقولية ويكون دليلا عليها؛ ثم تتجه هذه العقلانية الي اصدار احكام قيميًة تَصفُ بعض الفلسفات. وهنا نضرب مثلا على تلك الفلسفات التي تعتبرها لاعقلانية كفلسفة نيتشه غير النسقية والتي لاتخضع لتلك الشروط فتصفها بالاعقلانية.

إن هذا الحكم هو نتيجة للوقوع في دائرة الفهم الكلاسيكي للعقل وغير المتمثل للفكر النيتشوي المُـعَرًي في منهجيتهِ الجينالوجية لميتافيزيقا نماذج الأحكام الاخلاقية المشكلة لهرم البناء الفكري ــ المذهبي والتقييم(الغربي)، وكشف محجوب هذا النمط من المعقولية وأصول تكوينها؛ فقد ضرب نيتشة الثنائيات الوجودية والفكرية التي تمثل دعامة وسندا للقول الفلسفي التقليدي، مثل المقابلة بين الحقيقة والخطأ، والحسي والعقلي. اما فرويد بكشفه عن منطقة اللاوعي فلم يكن لاعقلانيا على ماتحكم هذه العقلانية، بينما قلبت تحليلاته النفسية مفهوم الشخصية قلبا جذريا من خلال ابتداعه لمفهوم اللاشعور الذي يعد عنده اساس التحكم في السلوك الواعي للشخصية وبموجب ذلك لم يعد يتحدد الانسان بوصفه وعيا وإرادة حرة بقدر ما اصبح يتحدد بوصفه خزانا لا شعوريا تعتمل فيه طاقة متفجرة من الرغبات الحيوية التي تفوق سلطة الوعي وضوابط العقل ذاته. لقد وطأ أرضا بكرا وسع بها من جغرافية العقل الى مساحات جديدة لم تكن متعقلة من قبل، وفتح ريادة للعقل بابراز المؤثرات الفاعلة في حقيقة فهم منطق الوعي واقامة تعقيل ما كان لامعقولا، مبينا في هذا المجال أنً المرمي باللامعقول ما هو الا إمكان عقلي يعيد بناء مفهوم العقل ودلالاته.

وقد كشف عن هذا هايدجر حينما شرع في ارجاع التحولات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي الى مجرد تحول في كيفيات تأويل الوجود ونمط الحقيقة ضمن الخط العام لجوهر (الميتافيزيقا) الذي شهد تعديلات مهمة مع ديكارت ثم نيتشة لاحقا، ولكن دون أن يمس ذلك جوهر (الميتافيزيقا) ؛ (وحول تفصيل هذا انظر كتاب هايدجر بعنوان نيتشة والفلسفة ، الجزء الأول). وكذلك تابعه ما يعرف بفلاسفة الاختلاف على هدم التراث العقلي للفكر الغربي على النحو الذي أقام أسسه تقليد عصر التنوير منذ القرن السابع عشر. فقد وجه فوكو ضربات قوية وصارمة في كتابه " الكلمات والاشياء " و " حفريات المعرفة " لادعاء هذه العقلانية الامتداد على مـسار التاريخ بشكل متصل وتكاملي مبرًزا الانفصال بين انظمة الفكر في سياق اختلاف مراحل التاريخ، و أيضا، أبرز القطائع في اسس ابنية العقل ذاته. فقد قام في تقويض مرتكزات النزعة الانسانية وبدهياتها ومختلف المفاهيم التي تسندها مثل العقل والوعي والإرادة الحرة ، والفاعل التاريخي الخ، بالاضافة الى جاك دريدا في " الكتابة والاختلاف "،"صيدلية أفلاطون " و " هوامش الفلسفة " حيث قوًض بناء العقلانية الكلاسيكية الميتافيزيقية من الداخل، وكشف الصفة النسبية لها والتي تُـعدالعـمود الفقري للفلسفة منذ افلاطون وحتى هايدجر، وأصبحت الحقيقة وفقا للمنهج التفكيكي فاعلية للدلالة اللغوية، وفنون البلاغة التي لا تربطها أية علاقة بمدلول أصلي ثابت ونهائي، لأنه ما من دلالة عنده إلا وتفضي الى دلالة أخرى الى ما لا نهاية له. و كذلك بحث دولوز في " الف سطح وسطح " عن منطق جديد يكسر مركزية العقل خارج اطار ثنائية ال " أما.. أو ".

وعليه فان القول بدخول الفلسفة الغربية في اللامعقول هو مظهر لانتكاس العقل والعلم معا، من قبل بعض حراس العقلانية الكلاسيكية الارثوذكسية، يدل على اختلاف دلالة اللامعقول، حيث ان اللامعقول وفق نظام هذه العقلانية مُبـعد بتضييق معني المعقولية وتسوير حدودها؛ ولكن هناك اكثر من هذا المعنى ومجال مختلف للامعقول.

أيديولوجيا العقلانية

تعبر هذه العقلانية الكلاسيكية عن موقف ايديولوجي من حيث صرامته التقيميًة وواحديته للمعنى والحقيقة، وتُصَنف الأفكار في خانات محددة سلفا برسم مصادراتهاالأولية وأحكامها الكلية. انه موقف يضع عقلانيته كممثلة للاتجاه التقدمي بشكل دائم. في حين أنً هذا التساوق الذي تقيمه بين " العقلانية " و " التقدم " ماهو الا مقدمة ايديولوجية ومصادرة أوليًة، فليس هناك أيً تلازم منطقي أو تاريخي بين الطرفين. وهذا الفصل الذي يٌرفع الى مستوي القطيعة النهائية بين العقل والاعقل لا يعبر الا عن منهجية ترسيمية لتاريخ الفكر بطريقة مانوية ونظرة معيارية بأحخكام مسبقة.

وهذا التصور نتاج مفهوم المتصل التاريخي الذي يـُضفي على حركةِ التاريخ معنى التوالي الضامن لمعرفة تقوم على التسلسل السببي فيكون السابق المُفَسْر والـمولًـد لـلاحقِ، من خلالِ تَبَنيه مفاهيم الكليًة، والتطوًر، والاستمرارية، والوحدة والتناقض.

العقل والأزمة

اما ما يثار من جانبِ ممثلي هذا التصور الأيديولوجي للعقل بخصوص أزمة العقل الغربي واعتبارها ازمة عند الطرف المتشكك وغير الواثق بالعقل يُطرح السؤال التالي: ألًم تَكنْ الازًمة طوال تاريخ العقل سببا في كسر دوغمائياته وخلخلة قوالبه وثوابته حتى لاتتحول العقلانية الى منظومة مفاهيم ارثوذكسية ومجموعة مبادئ قارة تحاصر المعني تحت بناء مقفل يكرر المقولات والمقدمات نفسها ؟ اولم تحدث القطائع الأبستيمولوجية بسبب الازًمة؟ فلابد اذن من توطين العقل في الازمة، فانجازات العقل الغربي لم تحصل الا نتيجةَ لأزماتهِ. الأزمة تحدث بفعلِ محاولاتِ ادخالِ التحولاتِ المعرفيةِ والانجازاتِ العلميةِ في عرباتِ البناءِ التقليدي للعقلانيةِ.

أنً الترهـيفَ المستمر للمفاهيمِ والقطائعِ الأبستيمولوجية داخل سياق النظريات العلمية يـُظهر عـَجزَ هذه العقلانية ومحدوديتها التفسيرية؛ فعلى سبيلِ المثالِ عجزت فيزياء نيوتن عن تقديمِ تفسيرِ مطابقِ لبعضِ الظواهرِ الطبيعيةِ مما أدى الى حصولِ ازمة في الفيزياءِ ما كانَ منها الًا أن أحدثتَ القطيعةَ والانفصال وَطٌـرِحتْ على اثرِها اسس ومفاهيم جديدة ذات تفسير أشمل مع النظرية النسبية. أنها ازمـة في الأسسِ والأصولِ والمُقَوماتِ لنمط معين من العقلانيات، وهي ناتجةَ عن فهمِ تعميمي لهذا النمط.

زحزحات في مدلول العقل

لقد حدثت زحزحات عديدة بالمعنى الفلسفي والمنهجي لمفهوم العقل وقطائع ابستيمولوجية مع نظام العقلانية الكلاسيكية على أثر انقلاب السياقات المعرفية التي حصلت في اللسانيات والتحليل البنيوي لمنطق اللغة؛ والتحولات الأبستيمولوجية، وإعادة تقيـيم النظام العقلاني السائد من موقع التفسير البنيوي اللغوي للاوعي (جاك لاكان) الذي اعاد صياغة الرابطة بين بـنية اللاشعور وكـلام اللـغة الترميزي، حيث تتم قراءة ظاهرة اللاشعور كما لو كانت تماثل بنيويا الظاهرة اللغوية نفسها، أو قل هي اللغة ذاتها، أين يكون المعقول طريقا " للامعقول " والوعي طريقا للاوعي، وأفـتتاحات مناهج تحليل الخطاب والتاويل(الحقيقة والمنهج و" صراع التفسيرات عند غادامير وريكور). و فلسفة المنفصل التاريخي (مدرسة الحوليًات، بروديل (البحر المتوسط في عهد فليب الثاني)

تاريخ ايديولوجي للعقل

العقلانية الكلاسيكية حصيلة مٌرَكَبة وتصْنيفيًة لتاريخِ ايديولوجي للعقلِ أٌعيدَ بناؤه طبقا لتصورات مسبقة مثلتها عقلانية عصر التنوير والعقلانية العلموية الدوغمائية السائدة في القرن التاسع عشر والتي رسمت الحدود القارة لجغرافية العقل وفصلت بشكل قاطع بين " المعقول" و " اللامعقول ". ان هذه العقلانية الكلاسيكية تُقصًي اللامعقول بعيدا عن دائرة العقل بدلا من معاينته والتفكير به واستحضاره الي دائرتها بوصفه لامفكرا فيه بعد. فغالبا ما تضع العقلانية مقولاتها الجاهزة بشكل متعالي لاصدار احكامها القطعيًة بين العقلي واللاعقلي. فمن اللامفكر فيه بالنسبة لهذه العقلانية هو أن ما من فكر الاً وله معقوليته، ولا يوجد خطاب يخلو تماما من منطوق العقل، فـلكل خطاب أدواته المعرفية ومفاهيمه الاجرائية التي يستعملها في التحليل والتفسير.

ميتافيزيقا العقل

لا يكترث نظام العقل الكلاسيكي لتحولات أبستيمولوجية عديدة ترفض هذا الفصل الصارم والقاطع بشكل مسبق بين العقل واللاعقل. وكان الأحرى بهذه "العقلانية الكلاسيكية ان تحدد نمط كل معقولية في فضائها المعرفي وتضعها على محك المساءلة في ما اذا كانت تدعي انها التعبير الوحيد عن حقيقة مطلقة لمفهوم العقل حتى تصل لاكتشاف وجود انماط عديدة من المعقولية لاتمثل أيً منها حقيقة نهائية او مقياسا لكل تعقل، فبعض الانساق الفكرية التي تعتبر ممثلة لمعني العقلانية ما هي الا منـظومات تاويًل كبري، بحسب بول ريكور.

ان مثل هذا الفهم يجعل العـقل يفتح امكان على اللامعقول ولا يوصد الدروب لعقلنته ويعيده بوصفه لامُفَكَرا فيه بعد. فارتياد اللامفكر فيه يوسًع من مجالِ العقلِ ويضعه امام مهمة المراجعة الدائمة لأسسه ومقولاته و أطره المعرفية التي تتبدل بأستمرار ؛ فكل توسع لمجال العقلنة هو انفتاح علي ما لم يعقل بعد. لقد حدثت خلخلة شديدة لأصول ونظام العقل الكلاسيكي كشفت عن ميتافيزيقا معنى هذا العقل، و أظهرت أن لكل عقلانية منظومتها وسلطتها، ولكن لا كما يطرح وفق نظام العقل العقلاني من حصر التاثير في العوامل اللاتماثلية في الاتجاهات اللاعقلانية.

يعطي نظام العقلانية الكلاسيكية مدلولا ثابتا لمفهوم العقل يستبعد كل ما لا يتوافق مع تناسباته ومغالقاته مما يـُضيًق ويفقًر مفهوم العقل ذاته. أن العقلانية الكلاسيكية لاتنظر الى ما تسميه " اللامعقول " بوصفه الامكان المفتوح أمام العقل والذي لم يمارس عليه العقل حضوره بعد؛ في حين هو اللامفكر فيه بعد الذي كلما دخل بعضاً منه الى دائرة المفكر فيه توسعت حدود العقل، وانتقل العقل الي آفاق أبعد واكتشف مجاهيل جديدة لم تكن مكتشفة من قبل أو كانت تعد في مايقع في " اللامعقول "، اذن انتهاك حدود " اللامعقول " يوسع من أقطار دائرة العقل ويمدد أسواره الى مساحات جديدة لم تكن معروفة من قبل؛ ووفقا لرأي " غرانجيه "في دراساته عن الابستيمولوجيا ولاسيما كتابه عن "اللامعقول" لايوجد فصل نهائي بين منطق التشارك وآخر قائم على منطق العقل والطرفان يرجعان الى الاصل نفسه.

مطمح العقلانية

ليس العقل بناءا قارا له شكل تام ونهائي أو بنية تمـثليًة ثابته، بل له مستويات مختلفة؛ فلا يوجد عقل تصنيفي واحد ذو مركزية منطقية.إن تشكل المعارف ونمط المعقولية هو دائما تعبير عن نظام فكري قائم في مرحلة تاريخية معينة يتحول أو يتبدل في مرحلة لاحقة؛ وعليه ضرورة التمييز بين طموح العقلانية الكلاسيكية للكلية والشمولية ومواقعيتها التاريخية النسبية. وهذاالطموح دفعها الي نقل مفهوم المطلق واللامتناهي من الألوهية واضفاءه على مفهوم الانسانوية.

بعد تعريًة الجذر المكًون لتصورِ العقلانية الكلاسيكية الى مفهوم العقل، يكشف النقد الجينالوجي نسابية هذه العقلانية وأفتراضها المضمر للمماثلة والتطابق بين دال العقل ومدلوله، وهو مايؤدي الى اختزال مفهوم العقل وتحجيم المعرفة ومحاصرة مغامرة الاكتشاف. ويقويض هذا النقد مقولة كل ماهو واقعي عقلاني، فتكشف الجينالوجيا أن العقلنة قائمة على مفهوم واسع من الأسطرة، و ان العقلانية في قمة تجريداتها تبقي موشحة بالمخيال. ان نقد مفهوم العقلانية الكلاسيكية للعقل يغيير علاقاتنا مع مفهوم العقل ذاته عندما نكشف صلاته باللامعقول.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

زهير الخويلدي"نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بالحوار مع الآخرين. وما إيقاظ العالم سوى شجاعة الوجود في أن نوجد ونعمل ونبحث ونخترع ونبدع ونخلق"

– غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة.

تطرح المعرفة العلمية الكثير من القضايا والانشغالات من جهة المناهج والمفاهيم والقيم التي تبشر بها وتنتج هذه الاشكاليات من خلال احتكاكها بأنماط المعرفة الأخرى سواء المنتشرة في المجتمع أو في دوائر الثقافة والدين والسياسة وتتنزل ضمن إطار تاريخ الأفكار والتجارب الصناعية والأدوات التقنية. فماهي طبيعة العقلانية العلمية؟ وما الفرق بين التناول الابستيمولوجي والتناول الفلسفي للمعرفة الواقعية؟ وكيف وضع غاستون باشلار الخطوط العريضة للابستيمولوجيا؟ وما المقصود بالفلسفة الصامتة عند دسانتي؟ وأين يمكن تنزيلها ضمن النشاط العلمي؟ لماذا اشتغل غرانجي على صلة الواقعي الافتراضي؟

1-   ابستيمولوجيا باشلار:

يعد غاستون باشلار 1884-1962 من أهم أعلام الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين الذي مازلت تأثيراته الفكرية في العقل الفلسفي متواصلة الى اليوم وذلك بعد أن ترك بصماته بصورة لافتة في الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم والفنومينولوجيا والجماليات والنقد الأدبي وعلم النفس وفتح الطريق في اتجاه قيام ابستيمولوجيا تاريخية تدرس المعرفة العلمية في علاقة بالثقافة الرمزية والتراث المادي.

لقد بدأت حياة باشلار الأكاديمية بحصوله على التبريز في الفلسفة وممارسته التدريس كأستاذ لفلسفة العلوم في مدينة ديجون وبعد ذلك التحق بجامعة السوربون الشهيرة. ولقد ألف منذ 1934 الروح العلمي الجديد وفلسفة الرفض وأضاف إليهما سنة 1938 كتاب تكوين الفكر العلمي والعقلانية التطبيقية الذي أصدره سنة 1948 وأردفه بكتاب آخر في نفس الاختصاص بعنوان المادية العقلانية عام 1953. من جهة مقابلة عمل باشلار على التأليف في المجال الإنشائي والجمالي والتخيلي والتحليل النفسي وبدأ مشواره ببحث حول التحليل النفسي للنار سنة 1937 وعد ذلك أصدر كتاب الماء والأحلام عام 1941 والهوى والرؤى وكذلك التراب وأحلام الإرادة وأيضا التراب وأحلام الراحة سنة 1948 وفي سنة 1957 أصدر كتاب جماليات المكان وأضاف إليه كتابه شاعرية أحلام اليقظة عام 1960 ثم اصدر سنة 1961 شعلة الشمعة.

لقد نظر باشلار إلى الثقافة العلمية بوصفها السلاح المضيء للظلام وراهن عليها من أجل تحقيق التقدم وحسم المعركة مع الماضي وجعل من تفكيره النقدي للعلم محاولة جديدة من أجل فهم العقل والطبيعة والعلاقة الممكنة بينهما وركز بالخصوص على مصطلح القطيعة الإبستيمولوجية لكي يبين بأن العلم لم يكن البتة جديا بل هو ضارب في القدم وله عمر أحكامه المسبقة ويتطور في كل حقبة عبر تحطيم الفكر اللاّعلمي وإحداث انكسارات في تاريخه وبطريقة انفصالية من خلال استثماره للأزمات التي يتعرض لها.

لق دافع باشلار على الأطروحة التي تعول على العقل في مواجهة تعقد الظواهر الطبيعية من أجل فهمها وفي نفس الوقت التغلب على التصورات المبتسرة والآراء الزائغة التي ينتجها العقل عن ذاته وتجاربه.

كما يعانق الفكر العلمي عند باشلار الخيال الخلاق والفعالية الإنشائية من خلال وصفه للصور الأساسية التي يعبر بها عن العالم في لغة رمزية بأسلوب شاعري وضمن رؤية أنطولوجية مصغية لنداء الكائنات.

2- فلسفة العلم الصامتة عند دسانتي:

جان توسنت دسانتي 1914-2002 هو ابستيمولوجي فرنسي وفيلسوف اشتغل على قيمة وأسس مختلف المشاكل التي يطرحها النشاط العلمي . ولقد اهتم بالخصوص بابستيمولوجيا الرياضيات والفنومينولوجيا.

بدأ دسانتي حياته الاكاديمية سنة 1956 بتأليف كتاب مدخل إلى تاريخ الفلسفة ولكنه ما لبث إلى الاهتمام بالجانب العملي وأصدر كتاب فنومينولوجيا البراكسيس سنة 1963 وانعطف إلى التفكير في العلوم وكتب المثاليات الرياضية في عام 1968 وبعد ذلك أخرج للنور مؤلفه الشهير الفلسفة الصامتة ونقد فلسفات العلم سنة 1975 وبعد ذلك عاد إلى الاهتمام بالفنومينولوجيا وأصدر كتاب مدخل إلى الفنومينزولوجيا في عام 1976 وفي سنة 1982 ظهرت له كتب أخرى بعنوان المصير الفلسفي وأفكار حول الزمن سنة 1992.

عكست حياته الأحداث الصاخبة التي شهدها في القرن العشرين وانخرط في مقاومة النازية وتبنى أفكارا شيوعية ومارس التدريس بالسوربون والمدرسة العليا الممتازة وكانت علاقته بموريس مرلوبونتي وجان كافياس لها تأثير في مسيرته الفكرية وتكوينه الفلسفي واختياراته الوجودية حيث حاول التقريب بين الفنومينولوجيا والرياضيات والابستيمولوجيا ولم يبعده تعمقه الكبير في فهم المثل الرياضية عن تعقل الممارسة والمشاركة في تدبير المدينة من الناحية الإيتيقية من حيث هو شاهد على عصره ومن حاول إيجاد غاية نبيلة لوجوده ولذلك نبه كثيرا الفلاسفة من فخاخ الاعتقاد وأوهام اللغة ومخاوف من التقنية.

3- الابستيمولوجيا المقارنة عند غرانجي:

جيل غاستون غرانجي المولود سنة 1920 فاعل في الحياة الفلسفية الفرنسية في المنتصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وأستاذ مميز في جامعة بروفانس وأستاذ كرسي في الابستيمولوجيا المقارنة من عام 1986 إلى عام 1991 قبل أن يتحول إلى أستاذ زائر بالمعهد الفرنسي.

لقد انخرط غرانجي في التفكير المعمق في العلوم ولذلك كان حريصا على وضع تحليلا للاقتصاد في المعرفة العلمية والمنهاجية التابعة لها في بداية كل مؤلفاته وأعماله ومحاضراته ولقاءاته ومداخلتها.

لقد بدأ غارنجي رحلته الاستكشافي في المعرفة سنة 1955 بتأليف كتاب العقل ثم أصدر عام 1960 مؤلف الفكر الصوري وعلوم الانسان بعد ذلك ألف كتابا حول فنتغنشتاين سنة 1969 بنفس العنوان وأعلن تخصصه في الابستيمولوجيا سنة 1979 باصدار كتاب بعنوان الأقوال والابستيمولوجيا ثم أضاف سنة1987 كتاب من أجل معرفة فلسفية وألف حول التحقق عام 1992 وشارك في كتب جماعية هي العلم والعلوم سنة 1993 والكلام في الفلسفة اليوم عام 1994 والأشكال والإجراءات والمواضيع وأصدر كتاب المحتمل والممكن والافتراضي عام1995 ثم كتاب اللامعقول عام 1998 وألف كتاب فكر المكان سنة 199 وكتب سنة 2001 العلوم والواقعة وكذلك أصدر سنة 2003 كتابا حول الفلسفة والكلام والعلم.

لقد حاول غرانجي تقديم دراسات عامة حول النشاط العلمي وحرص على التبسيط والربط بين التقدم العلمي والثقافة العامة ولكنه اشتغل على تقديم دراسات تحليلية تاريخية وفلسفية عن العلوم وعلوم الإنسان وأنجز بعض الترجمات للرسالة المنطقية والفلسفية لفتغنشتاين وقام بتوقيع مفهوم الإبستيمولوجيا المقارنة التي تتوزع بين نظام عمودي تواجه فيه مختلف أوضاع المعرفة ونظام أفقي أوجد فيه قرابة بين ميادين من العلوم المعاصرة تبدو مفترقة ومتباينة وتفسير العلاقات المعقدة بين المحتمل والافتراضي والواقعي. لكن ماهي الأحداث التاريخية والتغيرات المنهجية التي دفعت الإبستيمولوجيا المعاصرة إلى تغيير بنيتها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

علي رسول الربيعييناقش علي حرب قضية التراث العربى الإسلامى من منظور للأصول بداية من السؤال: كيف ننظر إلى التراث، ونقرأ النصوص ونتعاطى مع الأصول؟ فيقدم قراءة تأويلية للأصول بوصفها إمكاناً للفهم وحقلاً للدرس ومجالا للكشف فيما يتجاوز تماسكها الشكلي ومنطقها الصارم وبنيانها المحكم؛ أًيً فيما يتعدى القضايا التى تبرهن عليها والأنساق التى تنظمها والمذاهب التى تحيل اليها بصرف النظر عن العوامل التى تسهم فى تكوينها أو العناصر التى تتشكل منها والمصادر التى تنهل من معانيها؛ وتعد هذه الأصول بمثابة التأسيس الفكرى الذي يفلت من الحصر والتقييد ويحض الفكر على التنقيب والكشف، بحيث تبدو مجالاً لما لم يقال أو يُعقل بعد (حرب: التأويل والحقيقة،دار التنوير، بيروت،1985).

وتتم العودة للتراث عن طريق القراءة التى هى فى حقيقتها نشاط فكرى / لغوى مولد للتباين منتج للاختلاف سواء أكان تفسيرا أم تأويلاً، حيث يجرى القارئ فيها على النص لغته ويشغل مخياله، أنه يعيد إنتاج المقروء بمعنى ما من المعانى، والقراءة تتباين بطبيعتها عما تريد بيانه، وتختلف بذاتها عما تريد قراءته، ومن شروطها، بل وعلًة وجودها أن تكون كذلك، ولا تطابق فى الأصل بين القارئ والمقروء، إذ يحتمل النص أكثر من قراءة، وكل قراءة هى حرف لألفاظه وإزاحة لمعانيه؛ أنه يشكل كونا من العلامات والإشارات ويقبل دائماً صراع التفسيرات وأختلاف التأويلات، ويستدعى أبداً قراءة ما لم يقرأ فيه من قبل، ومن هنا تختلف قراءة النص الواحد باختلاف العصور والعوالم الثقافية، بل تتعارض بتعارض الأيديولوجيات والاستراتيجيات. تهتم هذه القراءة فى محاورة واستنطاق النصوص التى تشكل دوما عند قراءتها مجالا لانتظام التناص وتأويل المعنى وفى استثمار الأفكار وتطبيقها (كذلك) .

ومن هذا المنظور يستهدف التفسير شرح المعطى بإيضاح بنيته دون اللجوء إلى مبدأ خارج عنه، فتكون وظيفة التفسير هى الكشف عما يحتجب بذاته ويراهن عليه بتبيان أشكال ظهور وإيضاح معناه، فمثل هذه القراءة لا توصف إلا باختلافها عن النص لاهتمامها بما تظهره قراءة النص من التعدد والتنوع، والاختلاف والتعارض؛ فالنص حيز مقالي تتعدد معانيه وتتفاضل دلالاته، فيبقى مجالاً مفتوحاً لما فيه من اشتراك فى اللفظ وفائض فى المعنى (كذلك). إننا، مثلاُ، إذا نقرأ فلسفة المعلم الثانى، الفارابي ليس للكشف عن أوجه التشابه والتباين بينه وبين المعلم الأول لأن فى ذلك تجريد لهذا الفيلسوف الإسلامى من أصالته الفكرية، فما يهمنا من تلك القراءة الوقوف على نظرته إلى (الوحى) وكيفية فهمه له وعما إذا كان هذا الفهم يتيح لنا إعادة فهم الصلة بين العقل والوحى، بل إعادة فهم العقل نفسه، وما يثير الأهتمام في نصوص الفارابى هو ما يحث الذهن على البحث والتنقيب لإعادة تأمل الثقافة الإسلامية برمتها؛ وكذلك لو قرأنا للفقيه الماوردى فما يجذبنا ليس آراءه السياسية إنما الأقوال التى يسوقها فى تضاعيف نصائحه للملوك حول التأويل وحقيقته وصلته بالاختلاف، وهو كلام يفتح الباب لإعادة عقل مسألة الاختلاف فى الإسلام؛ وعندما ننظر فى أعمال ابن رشد الفلسفية لا يهمنا أن نعرف أين مواطن الصواب والخطأ فى جدالاته ومعرض توفيقه بين الحكمة والشريعة، وإنما نهتم بكيفية تأويله للمسألة التى تظهر فيها، وبالكشف عن القواعد التى يستخدمها فى تأويلاته (كذلك) .

لا ينظر المنهج التأويلى إلى تاريخ الفكر الفلسفى والديني خاصة من منظار الخطأ والصواب، فليس الفكر الفلسفى تصحيحا ًمتواصلاً للأخطاء وإنما هو منظومات تأويليًة متصلة ومتلاحقة خلالفا للمنهج التاريخانى الذى يقرأ تاريخ الفلسفة كأنه تدرج نحو الحقيقة من الأدنى إلى الأعلى ومن الأبسط إلى الأعقد .

تكشف القراءة وفق المنظور التأويلى عن شروط إنتاج الحقيقة والمعنى؛ والقواعد التى بموجبها يتشكًل الخطاب؛ فلا تبحث عن معنى أصلى أو أجلاء لمعنى خفى لأن المعنى هو تأول ينصب الإنسان بواسطة ذاته مصدراً للمعرفة ومولداً للدلالة، فيتسلل إلى فجوات الخطاب ويقرأ فى لا معناه وفراغاته. إنه يؤوله ليكتشف دلالات ما اكتشفت من قبل، ويقرأ فى الأصل ما لم يقرأ سلفه، فيعقل ما لم يعقل ويولد المعنى من حيث يظن اللامعنى ويستنبط المجهول من المعلوم، أنه أنبجاس فى صميم الأصل الذى يعد إمكاناً عقليا مفتوحا؛ وعلى هذا النحو ينبغى قراءة الأصول ومساءلتها فهى لا تستنفذ وتحتاج دوما إلى أن تٌكشف من جديد، وإعادة تأويل التراث لا تكرر التأسيس ولا تشكل ملحقاً على النص يكشف عن أشكال التماثل معه، بل هى عودة لا تتوقف عن اكتشاف النص للعثور على إمكانات بكر للمعرفة وتكوين ميادين علمية جديدة (كذلك). فالأصل كالمعنى، هو محصلة ونتاج، أى أنه يتحدد بتاريخه وصيرورته، وبنسبه وصلاته، فلا وجود لأصل نقى، والأصل من دون تاريخ ولذا فانه لا يتكرر بل يضاعف ويستعاد، أنه أساس يقاس عليه، وقد يستعاد لكى يحتج به وينصر الرأى بواسطته لأنه مرجع وكل مرجع سلطة (حرب: الفارابى بين الانحياز للفلسفة والانحياز للحقيقة، الفكر العربى المعاصر، العدد 68 ـ 69، 1989م).

ينحو التأويل إلى تحرير التصورات بالكشف عن أسسها اللغوية كما ينحو إلى تجاوز مقولات المنطق الشكلية بالنظر إلى المنطق نفسه كلغة لها نحوها ووظيفتها ، لذلك اعتبر هايدجر المعرفة الحقة هى معرفة تأويلية، ومن هذا المنظور فإن تأمل ثنائية العقل والنقل فى الفكر العربى الإسلامى يقود إلى استكشاف معقولية النقل ولا معقولية العقل، إذ لا وجود لعقل خالص كما لا وجود لنقل خالص، بل ثمة انماط المعقولية، وإذا كان الفكر الإسلامى قد انطلق من أصل نبوى فإن لهذا الأصل معقوليًته الخاصة وهو ما ينبغى البحث عنها واستكشافها، كما أن الأصل العقلى يبطن بالمقابل لا معقولية ما، حيث إن الصراع والتوتر بين النزعة الأسطورية والمعرفة العقلانية البرهانية اخترق تاريخ الفكر الفلسفى والفكر الدينى كله وهو لايقف عند الانقسام الظاهرى للمعارف إلى عقلية / ونقلية فقط بل يموضع بشكل أعمق على مستوى العلاقات بين والفكر والتاريخ.

إن النظر عمل العقل والتأويل نهجه واستطلاعه، ولا يحصر التأويل كى لا تنعدم الدلالة، فالنظر يحتاج دائما إلى معاودة ما يعقله وكان الأشياء تفلت من المعقولية باستمرار والتباين لا حدود له لأن كل تأويل مظهر من مظاهر الحقيقة ووجهه من أوجه الحق .

إن التأويل يعنى أن الحقيقة لم تقل مرة واحدة، وأن الأصول لا يستنفدها تفسير واحد شامل ولا يمكن حصر معرفتها عن طريق واحد بعينه أو يتوقف النظر إليها على مذهب مخصوص، وإذا كانت النصوص تشكل قيوداً على العقل وحدوداً له فلكل عقل قيوده ولكل فكر مسلًماته ومصادراته، وما عمل العقل فى النهاية سوى التحرر من قيوده، وإذا كان العقل العربى تقيًد بالنص فإنه كان يرتد عليه وينظر فيه، ويتدبر أقاويله ويتأمل معانيه ويقلب دلالاته فيتأول ما شاء له أن يتأول (حرب: الحقيقة والمجاز، نظرية عربية فى العقل والدولة، دراسات عربية، 1983م، ص 53).

لقد مثل التأويل نافذة العقل العربى إلى الحقيقة وهو يعنى أولاً: أن الدلالة أغنى وأوسع من أن تحصر وتضبط، وثانياً: النفاذ إلى الباطن والعمق من خلال الظاهر والسطحى، وثالثا: استكشف الأصل من جديد على نحو جذرى، إن النص أو (المنقول) الذى شكل منطق العقل العربى تجسد أصلاً من خلال دور التأويل فى سرورة هذا العقل الذى كان يستبعد النقد والنقض؛ ولذلك يتبين لمن يستقرئ تاريخ العقل العربى أنه بدأ كضرب من التأويل وإعادة التأويل، فإذا كان الوحى مصب المعقولية العربية فالمجال المتاح أمام العقل هو التفسير والتأويل.

أن نقدنا لعلي حرب يأتي من الصعوبات التي تثيرها الفقرة أعلاه، فهناك الكثير من النقد والجدل بين مختلف المدارس والمذاهب فى الفكر العربى الإسلامى؛ فنساءله ألم تختلف المذاهب الفقهية وينقد بعضها البعض، ألم يحصل نقد بل ونقض بين الأشاعرة وأهل الاعتزال، ثم ألم يحصل صراع تفسيرات بين أهل الظاهر وأهل الباطن فى التفسير والتأويل؟ إن حرب إذ يستبعد النقد والنقض من ساحة الثقافة العربية الإسلامية، فإنه يبدو منزلقاً إلى تكريس الرؤية الاستشراقية منذ رينان وكذلك تاثره اللاحق بطروحات غارودي حيث مثلت له هو ذات جاذبية في في تصنيفها، التصنيف الذي طرحه غارودي في كتابه " وعود الإسلام" من   أن العقل الغربى هو عقل نقدي بينما العربى الإسلامى هو عقل نبوى.

يعتبر حرب مصطلح التأويل ليس بجديد على الفكر العربى الإسلامى، بل من المصطلحات الرئيسة فى الفهم والتفسير، فقد قام علم الكلام على التأويل ونهجت الفلسفة خاصة مع ابن رشد منهجا تأويلياً فى تفسير النص وإعادة قراءتها لذا كان نشاط العقل الإسلامى عبارة عن رحلة تأويلية فى مجازات اللغة ودلالاتها.

ونقول هنا مع حرب ابتداءً نعم إن الحالة التأويلية ظاهرة موجودة فى الفكر العربى الإسلامى لكن ليس من أمثلتها البارزة مناظرة ابن رشد و الغزالى، فقد كانت هذه المناظرة ذات منحى تحليلي تفسيري أكثر مماهو تأويلي حيث قام الأول بتفنيد طروحات الغزالى بخصوص موضوع قيمة المعرفة المكتسبة عن طريق العقل الفلسفى، وأن القول يكشف تفحص الحجج التى أثارها الطرفان (حجج الفلاسفة العقلانيين وحجج الفقهاء والثيولوجين) يبقى مقبولا من ناحية أنه يمكننا من القبض على رهانات آفاق وأسس تشكل المعنى داخل الوعى الإسلامى، وهذا هو الموضوع الضخم المتعلق بمسألة التفسير والتأويل.

ما من فكر إلا وينطلق من الأسس ويعود إلى البدايات، أن العقل لا يغفل عن ماضيه والتأويل رجوع إلى الأول، لكنه رجوع يقصد من وراءه اجتراح المعنى وإعادة التعرف بالأشياء وبالعقل ذاته لكن هذا الرجوع لا يعنى اصطناع تاريخ لتراثنا بما يتلائم ومقتضيات الحاضر (أيديولوجى) ولا هو محاولة للكشف عن أفكارنا فى مقالات الأسلاف، لأننا بهذا لا نقوم إلا بأدلجة التراث بدلاً من تعقله (علي حرب: الماركسية ودراسة التراث العربى الإسلامى، في: ياسين، أبو على (وآخرون): الماركسية والتراث)

إن الأهمية التى ترتديها مسألة التجديد والتأويل فى الثقافة العربية الإسلامية تنبع من نوع العلاقة التى تقيمها المجتمعات العربية الإسلامية مع ماضيها الذى شكل شرع ومثل رؤية، فهو المكون لجذور الوعى العربى لأن الماضى جزء من صيرورتها وبالتالى لا سبيل إلى تحديث العقل دون استيعاب تاريخه وتمثله، وإذا كان الفكر أى فكر ينزع دوما إلى التجديد، فإن التجديد يقتضى إعادة النظر بالأسس التى يقوم عليها القديم والموروث، وعلى هذا فإن علاقة الفكر العربى بماضيه تحتل أهمية استثنائية، حيث كان هذا الفكر يبحث على الدوام فى ماضيه عما يبرز تطلعه إلى الإصلاح والتحديث أو نزوعه إلى التجديد والتغيير فما من معيار تستلهمه المجتمعات العربية فى تنظيم شؤونها إلا ويثير مسألة الموقف من التراث .

ومن هذا المنظور لا ينبغى أن نفهم الدعوة إلى التجًديد بوصفها عودة إلى صفاء أصلي أو محاكاة للغرب، بل ضرورة يفرضها التطور الداخلى للمجتمع العربى، ومحاولة تصقل تجربتة، وهى لن تتم دون استلهام قيم جديدة (جمعيط، هشام: أوربا الإسلام)، تمكننا من إعادة القول فى الأشياء التى قيلت من قبل بكل ما تنطوى عليه الإعادة من إعادة اكتشاف وبناء وتجديد للتأويل .

 

د. علي رسول الربيعي

 

خديجة ناصريتحفل الفلسفة المعاصرة بالعديد من الخامات والكوادر الفلسفية المتميزة، والتي ساهمت في تقديم فكر أصيل يمزج بين قوة الفكرة وحلاوة الكلمة، ولعل من أبرز فلاسفة هذه الحقبة وأكثرهم شهرة بين الأوساط الفلسفية والأدبية على السواء نجد الفيلسوف الفرنسي "جون بول سارتر"الذي يمثل أحد أقطاب الفلسفة الوجودية إلى جانب مؤسسها "سورين كركيجارد" وروادها الذين تتردد أسماءهم وأفكارهم مقترنة ببعضها في شكل بناء فكري متصل الحلقات، إذ نجد أن كل واحد من هؤلاء وضع حجر أساس لهذه المدرسة الفلسفية والتي لا تكتمل إلا بالتحامها وهم "غابريال مرسال"، "كارل ياسبرس"، "مارتن هيدغر". والنقطة المفصلية التي تلتقي عندها فلسفات هؤلاء المتباينة في المظهر والمتلاحمة في الجوهر هي فكرة "الوجود أسبق من الماهية" وهي حقيقة لا تحتاج للكثير من البيان فهي تعترض كل مطلع على الفكر الوجودي مفادها أن الإنسان يخلق أولا ثم يختار مصيره بنفسه، فحياته ليست عبارة عن خطة جاهزة تتحدد ملاحها سلفا بل هي عبارة عن مشروع يتوجب العمل على بنائه بالاجتهاد في نسج كيان ذاتي مستقل يتماشى مع جوهر الذات الحقة التي يفترض أن تكون حرة، واعية، فاعلة، مدركة لحقيقتها، ومسؤولة عن خياراتها.

ومما لا يخفى على كل المهتمين بالشأن الفلسفي أن الفلسفة الوجودية تمحورت جل موضوعاتها حول الوجود الإنساني، وهو موضوع يبدو للوهلة الأولى اجتراري تكراري من حيث كونه الموضوع الأثير الذي تناوبت عليه معظم الفلسفات عبر الأطوار الزمنية المختلفة، بداية من الفلسفة اليونانية إلى أعقاب الفلسفة المعاصرة. ولأن الفلسفة الوجودية لاقت رواجا وقبولا جماهيري واسع يكاد ينعدم إيجاد فلسفة تضاهيها في ذلك، الأمر الذي يوحي أنها تتميز بالفرادة وروح التجديد، وواقع الحال يطلعنا أن هذه الفلسفة هي أقوم الفلسفات وأقدرها على تقديم تشخيص دقيق عن الواقع الإنساني وما يكابده الفرد من عناء في رحاب وجود يعتمر بالمصاعب والمشاق. ولعل من بين القراءات الوجودية التي تنم عن عمق الرؤية ودقة في التحليل نجد فلسفة سارتر وهي فلسفة مكتملة الأجزاء تحتاج لتخصيص قدر يسير من الدراسة حتى يتسنى الإلمام بها، ولهذا نقتطع من هذه الفلسفة جزء بسيط يتمحور حول فكرة التجمع والجماعة وفق الرؤية السارترية.

إن أي محاولة لفهم المضمون المعرفي لفكرتي التجمع والجماعة، لا يكون من المتيسر بما كان إلا بالعودة إلى التمييز الذي حدده سارتر عن مستويات الوجود، والتي قدمها بشيء من الإسهاب والتفصيل في كتابه الأعظم على الإطلاق "الوجود والعدم" وقد أدرجها ضمن أنواع ثلاث وهي:

الوجود في ذاته: ويقصد به عالم الأشياء والظواهر الخارجية التي يمكن ملاحظتها ومن ثمة دراستها علميا بحكم أنها تخضع لمبدأ الحتمية مع إمكانية تقييدها بقوانين، ومما يترتب عن ذلك أن جميع الأشياء تتحدد ماهيتها منذ وجودها وهذا ما يكسبها صفة الثبات والاستقرار.

الوجود لذاته: وهو الوجود الإنساني الذي يختلف عن عالم الأشياء الخارجية والتي تتحدد ماهيتها منذ وجودها، وجوهر الاختلاف يكمن في أن ماهية الذات البشرية لا تتحدد قبلا، إنما يسعى الإنسان باستمرار لإكمال ذاته والتعبير عن نفسه بما يلائم رغباته وحاجياته، فهو ليس عبارة عن معطى ثابت ونهائي بل حياته عبارة عن مشروع تتكفل الذات بهندسته على نحو متميز يكسبها صفة الاستقلالية والاختلاف عن غيرها من الذوات. ومن هنا رفض الوجوديين الصورة المثالية عن الإنسان التي تنسج على منوالها كل الذوات البشرية أو تروم كل نفس تحقيقها، فلا وجود لطبيعة بشرية تفرض منذ الأزل إنما الوجود الحقيقي للإنسان كونه حر في تصرفاته وخياراته.

الوجود الاجتماعي: حيث يفترض سارتر أن وجود الغير شرط لوجود الذات التي يتعذر عليها العيش في معزل عن الآخرين لأن ذلك بحسبه يعني الهلاك، وهو بذلك يؤسس لفلسفة "النحن" التي تلغي الحدود الفاصلة بين الأنا والغير ويرفض التسليم بالأنا وحدية المنعزلة عن الآخرين فوجودي العميق كما يقول يوجد "خارج ذاتي فلست أنا نفسي غير إحالة خالصة للغير، فذاتي تفر مني صوب الآخر وبذلك أكون مفصول عن ذاتي بعدم لا أستطيع ملأه إلا بالغير"، وبذلك يكون مناقضا لفلسفة "الهم" عند هيدغر الذي يميز بين الوجود الذاتي والوجود الجمعي هذا الأخير الذي يستغرق الذات ويحول الفرد إلى ذلك الواحد الذي هو لا أحد وهو ما يؤدي في نظره إلى سقوط الذات في العالم. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن سارتر يعتبر الآخر جحيم يسلب الذات حريتها ويحيلها لموضوع له، فالآخر بحسبه "يعريني ويفضح وجودي ويمزق كياني" وهذا كله لا يلغي حقيقة حاجة الأنا للآخر حتى يكتمل وجودها ووعيها بذاتها، وهذا الاتحاد بين الذوات يفرز لنا تكتلات وتجمعات بشرية قد تكون في شكل تكتل قومي أو حزبي أو وطني أو رياضي ...الخ ويميز سارتر في هذا المقام بين نوعين من الوجود هما: الوجود مع الغير ويقابله التجمع، والوجود للغير ويقابله الجماعة، وهذا ما نفصل فيه فيما يلي:

أولا: التكتل التجمعي:

وهو الوجود الذي يكتفي فيه الفرد بالوجود مع الغير أو إذا شأنا تقريبه بصيغة مفاهمية مغايرة بالقول التواجد مع الغير، وهي عبارة تحيلنا إلى المستوى الأنطولوجي حيث يكتفي الكائن البشري بالعيش وسط أقرانه مع انتفاء وجود رابطة علائقية اتصالية تواصلية تفاعلية تتجاوز حدود الواقع اليومي، والحياة الجارية بمشاكلها الجزئية وطابعها البليد الرتيب الخالي من روح التأمل والتدبر، والساعية لتبني أهداف أبعد من توفير متطلبات الحياة اليومية. وهذا النمط الحياتي الدائر في حلقة مفرغة تكتمل دورتها عند حد الحياة البيولوجية للكائن بتوفير ما يحقق له البقاء في عالم الأحياء، هو ما يسميه سارتر بالتجمع أو السلسة (léçollectif) وهذا الشكل من الوجود يقابله فكرة الحشد عند كيركجارد أو الجمهور عند هيدغر أو القطيع عند نيتشه. والتجمع كما يورده سارتر هو عبارة عن مجموعة من الأفراد لا تربطهم أية أهداف مشتركة بعيدة المدى، بل يجتمعون للحظات مؤقتة ولظروف طارئة ومتغيرة، مثل طابور الأتوبيس أو الميترو فالكل يجتمع في فضاء موحد، غير أن كل واحد منهم يجد في الآخر منافسا يحاول استبعاده ليحل محله وفي النهاية كل سيتوقف عند محطة معينة ويسير في اتجاه مغاير للآخرين، مما يجعل هذا التجمع آني سلبي غير فاعل وغير واعي وقد أفرد سارتر جملة من السمات والخصائص التي تطبع هذا التجمع وهي العزلة، الهوية الآخرية، والتبادلية.

أما العزلة في هذا الشكل الاجتماعي فهي تلك الحالة التي يعيش فيها الأفراد وهم عبارة عن ذرات منفصلة، كل منهم يتقوقع في عالمه الخاص، والناس في عملية التذري (atomisation)هذه وهو الاسم الذي يطلقه سارتر على الحالة البشرية مشتتة الأواصر متناثرة الأطراف، يكونون أشبه بالأدوات التي توضع جنب إلى جنب في صندوق واحد، يمكن أن تستخدم كلها لتصليح وترقيع أشياء كثيرة أي تغيير العالم المحيط بها لكن هي نفسها غير قادرة على القيام بشيء أو الشروع في أي عمل، وبذلك تكون الخاصية الجوهرية للتجمع أن الناس يوجدون جنبا إلى جنب دون أدنى إحساس بالاجتماع أو بالرابطة الجماعية (communate) ، فهم ليسوا إلا مجموعة من الأفراد المنفصلين يجسدون مبدأ التخارج أي الوجود خارج الذات (etre horde soi) والمقصود هنا الفضاء العام الذي تتشارك فيه الذات وجودها مع الغير باعتباره شرط ضروري حتى يحصل للذات إدراكها ووعيها لذاتها، لكن هذا التلاقي بين الذوات في هذه الحالة يأتي في شكل انعزالي تفردي يفتقر لروح الاتحاد الإيجابي، فالأفراد هنا كما يشير سارتر يكونون متوحدين في الانفصال، وفي موضع آخر يطلق عليها العلاقة التسلسلية في الغياب وقدم بشأن ذلك مثال توضيحي لتقريب الفكرة و اختار عينة من التكتلات التجمعية من قبيل مستمعي الراديو أو متصفحي جريدة، فهم يتلقون خبر موحد لكن في أماكن مختلفة ووفق فهم مختلف يتحدد بمستواهم الثقافي والسياسي والاقتصادي ...الخ وتبعا لذلك تكون ردود أفعالهم متباينة تتماشى ومستوياتهم أو ظروفهم أو قدراتهم العلمية والعملية.

في حين تأتي سمة الهوية الآخرية أو الهوية الغيرية إذا شئنا التنويع في التوصيف، مكملة لفكرة العزلة وتصب في ذات المعنى، حيث يحدد سارتر مدلولها في القول بأن الناس وفق هذا الوضع الساري والذي أصرفنا الجهد للتدليل على ماهيته يكونون متحدين في انفصالهم ولكل منهم غايته الخارجية، واستتبع سارتر حديثه في هذا الشأن بالتأكيد على أن المجال لا يتسع في هذا النوع من التجمع البشري للفروقات الفردية، فالامتياز في التجمع لا يعد ذات قيمة، وملكة الذكاء وروح التفرد ليس مما تستدعيه حالة التجمع، فكونك ذات مستوى معرفي مقتدر أو فاقد لأبسط أبجديات المعرفة لا يشكل أي فارق ولا تعطى له أي أهمية. وهذا ما أشار إليه و أمعن النظر فيه في كتابه "جلسة سرية"، وطبعا قد تبدو الفكرة مما يستسيغه الطبع البشري الميال لإفشاء المساواة بين البشر والاذعان لروح الجماعة والتماهي الكلي فيها، وهذا ما يرفضه سارتر ويعتبره سلب للحرية الفردية واستلاب للذات الإنسانية ،وقد يبدو هذا الغشاء الهلامي الذي يكون وجهه بارز على الجهتين والذي يغطي فلسفة سارتر مداعاة للتشكيك فيها لما يبدو عليها من تناقض وتلاعب فكري، إلا أن الأمر أبسط مما يبدو عليه من تعقيد، وهو أن الفروقات الفردية في تجمع يغيب فيه الاتحاد بين الذوات ويفتقر لهدف جامع بينها لن تكون ذات فاعلية وتكون أقرب لشخص يدق مسمار في الهواء. وهنا تكون الفوضى هي التي تسود وتأطر الكيان الوجودي العام لهذا النوع من التكتلات المجتمعية.

وكنتيجة حتمية لهذه الفوضى تصبح سمة التبادلية أو ما يسميه إمكان التغير المتبادل ذات مشروعية وتدخل حيز التنفيذ بشكل تلقائي بحيث يكون هناك إمكانية للتبادل والتغير المشترك بين أعضاء التجمع دون أن يحدث ذلك أي اختلال طالما أن كل واحد في هذا التجمع ينظر إليه على أنه زائد بما أن حضوره أو غيابه ليس بالأمر الذي قد يخرب النظام العام الذي ليس له وجود من الأساس. كما أن الإنسان هنا هو ذلك الفرد العام (individu général) أي أنه فرد ليس له أي خواص نوعية شأنه شأن غيره من الأفراد، ولا أهمية للفرد هنا إلا بوصفه جزء من كل يمكن استبداله بغيره دون شرط أو قيد، وذلك مما تفرضه روح التساوي التي تسود التجمع، وإلغاء للقدرات الفردية المتميزة، والتخندق في جوف الذهنية الجماهرية العاطلة عن الإبداع والتميز، التائهة في رحاب عالم ليس له آخر، والفاقدة لبوصلة تحدد لها الوجهة وترشدها لبر الأمان، فالشمس لا تعود ذات قيمة بالنسبة لشخص معصوب العينين.

وهنا تستوقفنا فكرة قد تبدو غير مفهومة بين دعوة سارتر للاتحاد بين الذوات كشرط لازم لتحقيق الوجود الفعلي للأنا من جهة، وتشديده على ضرورة التعميق من الفروق الفردية من جهة أخرى، أي أن الفردانية وفق هذا الطرح هي السمة البارزة التي تسهم في تشكيل تكتلات تكون ذات فاعلية، والأصح هنا أن الفردانية ذات المشروعية بالمعنى الذي يقصده سارتر تلك التي تتجاوز الأنانية الشخصية، ولا يكون لها مدلول مغاير غير ذلك الذي يصب في جعلها ذات قيمة إذا ما حرصنا على التنويع في القدرات وإثراء الإمكانيات بغية تحقيق المصلحة العامة.

هذا التقديم التفصيلي الذي أورده سارتر لحال الشعوب الفاقدة للفاعلية يحيلنا على سبيل الإسقاط إلى المجتمعات العربية وما شهدته في الآونة الأخيرة من حراك شعبي وصف على أنه ثوري، اعتبره البعض ربيع عربي واستفاقة عربية من سبات عميق طال أمده للاندماج مرة أخرى في الدورة الحضارية والصيرورة التاريخية، في حين اعتبره البعض الآخر ارتطام بجدار أحلامنا وأوهامنا المتكدسة الذي عليناه لحد تعذر علينا تجاوزه. فهذه الثورات العربية هي أقرب إلى حالة التجمع التي قدمها سارتر، وتنطبق عليها جل سماته، لكونها جاءت كمحاولات منفصلة غير مبنية على فكرة التشاركية في الأهداف والمقاصد، فالهم الأوحد الذي استعبد الجماهير هو تحسين الظروف المعيشية وتحقيق الحد الأدنى لمتطلبات المواطن البسيط، وكل ذلك يفترض الرفع من مستوى الدخل الفردي ورفع سقف العائدات الفردية، أي أن القوى الدافعة للثورة تتوزع على نحو عشوائي يتماشى ومتطلبات الفرد والتي لا تتجاوز حدود ظله. مما يجعل هذه الثورات تتبنى رؤية أحادية تختزل مقاصدها في التصور الفرداني الشكلاني، بتركيزها على الفرد لا الجماعة، وانشغالها بالمستوى المعيشي لا الفكري، والانصراف لتحقيق أهداف وقتية ترتبط بالمسار العام للحدث أكثر مما تخدم المحدث لها نفسه.

ثانيا: التكافل الجمعوي:

لم يتوقف سارتر عند حد الهدم دون البناء، ولم يكتفي بنقد الحالات التجمعية التي يغيب عنها الوعي وتفتقر للفاعلية، بل قدم قراءة تجديدية تحمل معها تصور فلسفي يتلاءم والنسق المجتمعي المعاصر، فقد صرح بوجود إمكانية لتجاوز الوضع الجاري حيث أكد أن التجمع قد يتحول للجماعة متى أبدى الشعب رغبة في ذلك، ومتى تسلح بالإرادة والقوة لمجابهة القوى التي تزعزع تكتله وتفرق شمله، الأمر الذي يؤدي إلى إبدائه لآراء وتبنيه لمواقف منعزلة فاقدة للفاعلية، كما ويعجز عن الفهم العميق للسياسات المبطنة الحاملة لمساعي مستترة تفرضها دواعي ربحية، والتي كثيرا ما تلهيه وتختزل وجوده في حيز ضيق وهو الانهماك في حيثيات الواقع اليومي والسعي لتحقيق القدر المتيسر من الرفاهية والاستقرار، والتي غالبا ما يتلقاها في شكل ذبذبات متقطعة لا يتسنى له وصلها وفهم فحواها إلا في ضوء رؤية شاملة تتحد فيها القوى العامة للشعب. وللتدليل على ذلك استشهد بالثورة الفرنسية حينما تحولت الجموع إلى هيجان ثوري واتحدت أهدافهم وغاياتهم لإسقاط الحكم الملكي الذي كان ينتهج سياسة تسلطية قمعية أنهكت كاهل الفرد، فشعور الناس بالضعف إزاء النظام الحاكم وبخطر يهدد وجودهم يدفعهم إلى تشكيل جماعات سياسية لها أهداف مشتركة قد تقوم بثورة لتحقيق مطالبها وتلبية حاجاتها، وقد نسوق على ذلك العديد من النماذج الثورية التي عرفها التاريخي الإنساني، التي استطاعت أن تقف في وجه كل صنوف الاستعمار المباشر منها وغير المباشر، المادي منها والمعنوي، وما كان لها تحقيق ذلك إلا بتوحيد القوى الشعبية بتوحيد الأهداف والغايات.

ومن هنا تبرز فكرة سارتر عن الجماعة التي يقصد بها ذلك الاتحاد الذي يحتضن مجموعة من الأفراد المنتمين لشرائح مجتمعية متباينة على أنهم يمتلكون هدفا مشتركا ويجمعهم ذات المصير مثل أي تكتل حزبي أو طبقي، وهي آلية وجودية تنقلنا للمستوى الثاني المقابل للمستوى الأنطولوجي وهو المستوى الإبستيمولوجي الذي يتجاوز حقيقة الوجود مع الغير إلى الوجود من أجل الغير، أو ما يمكن تسميته إذا ما حاولنا إعطاء المصطلح صبغة وجودية تحاكي النسق العام للفلسفة السارترية، وهو التوجيد للغير بمعنى السير في سياق مغاير للمستوى الوجودي الأدنى، حيث ينتقل الفرد إلى مستوى وجودي أعلى أي الانتقال من وضعية العيش مع الغير إلى التعايش معه، من العزلة إلى الاتحاد، من مجال الحياة اليومية المنغلقة إلى مجال الحياة الفكرية المنبسطة، من الوجود الأقرب إلى الوجود الأبعد، من التجمع إلى الجماعة وكل ذلك يشترط توفير فضاء عمومي يتشارك أفراده ذات المصائر والمصالح.

وما يدفع الناس لهذا الاجتماع حسب سارتر فكرتين أساسيتين هما: الندرة ويستخدم اللفظ هنا بمعنى الحاجة والخطر أي أن الإنسان مفروض عليه خلق جو من العيش المشترك، بحكم أن وجوده لا يكتمل إلا وهو مقرون مع وجود الآخر. والأكيد أن هذا الوجود ليس بالمعنى السطحي الوقتي كما اعترضنا ذلك مع فكرة التجمع بل يكون أعمق من ذلك وأبعد مدى، فالإنسان الذي يعرف على أنه كائن مدني بالطبيعة يعيش في جماعات لا يأتي من قبيل سرد لصفات مجردة بل يدخل في عمق التجربة الوجودية له، فهو في حاجة دائمة لوجود الآخر الذي يثري وجوده بتلبية حاجاته وإعطاء المعنى لحياته، والأهم من ذلك يوفر له الحماية مع ما يستتبعها من شعور بالأمان والاستقرار. ونظرا للأهمية التي يعطيها سارتر لفكرة الجماعة فإنه مما يفرضه المنطق العقلي أنها لا تقوم على فراغ، إنما تتأسس على مقومات لخصها سارتر في صيغ ثلاث هي: العهد (assermentation) ، العنف، الرعب (terreur).

بحيث أن الجماعة تتأسس في الأصل حين يتعهد كل فرد أن يصبح عضوا فيها، ولا يخرج عليها ويخون عهده، هذا العهد أو ما يمكن تسميته أيضا بالقسم هو أشبه بتأشيرة تتيح للفرد الانضمام للجماعة، والأكيد أن هذا العهد لا يكون على هيئة موحدة عند كل جماعة وغالبا ما يكون لكل واحدة منها طقوس خاصة تلتزم بها دون سواها على أن وظيفته ثابتة والغرض منه مما تتفق عليه كل جماعة. وهو حسب سارتر من الأمور الأساسية الغير قابلة للاستبدال أو الاستغناء، فهو ليس بذلك الإجراء الروتيني أو الخاصية المتوارثة التي تسري عليها الجماعة بحكم العادة أو تجميد مفعوله بتحويله لمراسم شكلية، بل هو برتوكول رسمي لا يمكن خرق بنوده أو المساس بها لأن ذلك مما يضعف الجماعة وينذر بزوالها.

أما العنف فهو من الآليات المشروعة المتبعة من قبل الجماعة لتضمن استمرار هذا العهد وبالتالي استمرارها، فالعنف هنا يأتي بالمعنى الإيجابي، أي عدم اللجوء للعنف من أجل العنف وذلك بالتعدي على الأشخاص إن كان معنويا أو ماديا بهدف التسلط عليهم، أو أن يكون مجرد حالة طبيعية ناتجة عن الدور القيادي الذي يتبناه بعض الأطراف، والذين يخولون لأنفسهم التصرف بحرية وعلى نحو اعتباطي في اتخاذ قرارات تعسفية في شأن بعض القضايا أو التحكم في مصير بعض الأفراد. إنما دور العنف في هذا المقام ردعي يساهم في الحفاظ على تماسك الجماعة بضمان عدم التعدي على أفرادها أو التمرد على قوانينها، في مقابل ضمان الانصياع لأوامرها والالتزام بتعاليمها. وهذا النوع من العنف يتجسد في أسمى تجلياته في الدولة التي يكون من مهامها الحفاظ على كيانها وفي سبيل تحقيق ذلك تلجأ لاستخدام العنف بنوعيه الرمزي والمادي، والأكيد أن تشديد سارتر على العنف كوسيلة ناجعة تضمن بقاء الجماعة ليس من باب التحريض عليه أو تبرير العنف الإجرامي الذي ينتهج سبل وحشية ويميل للتعذيب غير المبرر فيؤول بذلك إلى حالة مرضية مستعصية يفترض علاجها، والأصح أنه أسلوب ردعي قمعي يسعى للحد من الخروقات والتجاوزات اللانظامية.

أما الرعب أو الخوف فهو ليس أكثر من نتيجة حتمية للسياسة المنتهجة من قبل الجماعة القائمة على الصرامة في اتخاذ الإجراءات الردعية في حق الخارجين عنها، وبالعودة إلى نقطة البدء التي ينطلق منها التأسيس الفعلي للجماعة، والتي تشكل في الوقت عينه أحد الدوافع الأساسية لقيامها نجد أن الخوف هو الذي أنشأ الجماعة وهو الذي يحافظ على استمراريها، فالخوف وفق المعنى الأول أي باعتباره منشئ للجماعة يأتي كمرحلة قبلية أي قبل الدخول في نظام الجماعة، ويقصد به تلك الحالة الشعورية التي يحملها كل فرد في ذاته والتي تختلف درجاتها بحسب الأحوال والأغراض، أي تلك الحالة من التوجس الدائم الذي يرافق نمط الحياة المنعزلة بالانكباب الأعمى على الذات وترك مجالسة الناس والتعايش معهم، لأن هذا النوع من الوجود يؤدي إلى اندثار الذات على المدى البعيد، فعندما أحيا منعزلا مسجونا داخل الوعي الذاتي "أصاب بالعفن والإهمال والإحساس بالهلع، ولا أشعر إلا بالبلاهة والتفاهة والسطحية" كما عبر عن ذلك "هيغل". وهذا ما يدفع بالأفراد إلى تكوين كيانات مجتمعية للتخلص من هذه الحالة التي تورث القلق والخوف من الوحدة وخوض غمار الحياة دون مساندة الآخرين. أما الخوف بالمعنى الثاني أي باعتباره محافظ على استمرارية الجماعة والذي يأتي كمرحلة بعدية أي بعد الدخول في الجماعة، هذه الأخيرة التي تمارس ضغط على الأفراد بفرض عقوبات صارمة في حق من ينقض العهد الذي سمح لهم أن يكونوا أعضاء فيها إذا ما تم تجاوز الضوابط التي تحكم النظام العام لها، الأمر الذي يولد الخوف والذعر لديهم نتيجة التفكير المستمر في العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن الإخلال بقوانين الجماعة، مما يجعل الولاء لها أمر مطلق مسلم به بشكل قطعي، لأن الخروج عنها يعني الانتقال إلى عالم الأموات بطريقة آلية.

وما وصل إليه سارتر بعد عملية تشريحية لجسد المجتمعات البشرية، هو تأكده على أن أكثر هذه المجتمعات وعيا وفاعلية هي تلك التي تحقق التوحد بين الجماهير، وذلك بالانتقال من براديغم التجمع إلى براديغم الجماعة التي تتأسس كما تبين لنا ذلك فيما تقدم من تحليل على مجموعة من المقومات، والتي قد تبدو مغالية في الصرامة وقد تعتبر لدى البعض منافية للطبيعة الإنسانية التي تنفر من استخدام العنف بما يحمله من ترعيب وتخويف، وقد تدعو بعض الأصوات المنددة لفكرة الجماعة بالمعنى السارتري إلى انتهاج سياسة مغايرة تمكننا من تحقيق الوحدة وذلك من خلال استدراج الجماهير واستمالتهم بطرق سلمية تبتعد عن الخشونة وتميل لليونة التي تلائم الطبع البشري، إلا أن إمكانية بناء مجتمعات متماسكة مؤهلة لدفع الأمة نحو التقدم والتطور لا تتحقق إلا في ظل الاتحاد بين كل الأطراف، وتظافر كل الجهود ، واتباع لسبل منهجية مدروسة تذوب فيها المصالح الشخصية لصالح الكيان المجتمعي العام، الأمر الذي يقضي على العديد من الظواهر الاجتماعية مثل المحسوبية والرشوة التي أرقت المجتمعات العربية وكانت سببا في اخفاقها الحضاري وذلك راجع إلى توكيل المهام لغير أهلها ومنح السلطة والقرار في يد جهالتها. وكل ذلك كان نتاج لغياب الصرامة والقوة التي تتكفل بتنظيم المجتمع والتحكم فيه وتوجيه أفراده بما يحملونه من مؤهلات ومقدرات إذا ما تم استغلالها وضبطها بالشكل الصحيح يتحقق للأمة التطور والازدهار، وذلك كله لا يكون متاح إلا في ظل ما يسميه سارتر بالجماعة المنصهرة (le groupe en fusion) أي العمل على صهر كل الإمكانيات في بوتقة واحدة تشكل توليفة مجتمعية واعية وفاعلة تسير بالأمم نحو التقدم والتطور.

 

بقلم: ناصري خديجة – الجزائر

 

 

علي رسول الربيعيالكلاسيكية المحدثة هي التسمية الشائعة في الأوساط الفكرية لمدرسة فلسفية جديدة أو لاتجاه فلسفي معاصر يعتبر الفيلسوف الفرنسي ألآن باديو أبرز ممثليه حاليا. وتعد الكلاسيكية المحدثة اتجاها مختلفا في طريقة تناوله ومعالجته لقضايا ومشكلات الفلسفة المعاصرة عن المدرسة التفكيكية (جاك دريدا)، والأركيولوجية الحفرية (فوكو)، والتأويلية (ريكور). ومعروف أن باديو أخذ شهرته الفلسفية الواسعة من خلال كتابه بيان من أجل الفلسفة ، الصادر عام 1988 ؛ إذ حاول فيه إرساء تقاليد البيان والتبيين والإبانة عن استقلالية النص الفلسفي رغم كل محاولات إدماجه في العلوم الاجتماعية أو السياسة والأدب.

لقد حاز باديو علي موقع بارز في خريطة الفلسفة المعاصرة عموما، وفي المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر، خصوصاً، ممثلاً في كبار فلاسفته أمثال جيل دولوز وفرانسوا ليوتار وآخرين، من خلال كتابه الأخير ''الكينونة والحدث'' الذي يعدُّ نسقاً فلسفياً قائماً علي الرياضيات حيث اعتبر في الأوساط الفكرية حدثاً فلسفياً هاماً لما يحمله من جدة وطرافة في الطرح الفلسفي والطريقة الجديدة في مقاربة المقولات والأفكار الفلسفية المتداولة علي ساحة الفكر الفلسفي؛ إذ انخرط باديو في بحثه الفلسفي عن مجريات وطرق ريضنة الكينونة والانفكاك، في الوقت نفسه، عن كل نمذجة يمكن أن تكون لاهوتية أو مفارقة تعد ميتافيزيقية، وكذلك لدخوله النقدي المتميز علي تراث الفيلسوف الألماني مارتن هُُيدجر.

الهذيان الأخلاقي

لقًد تجاوز باديو في كتابه ''الكينونة والحدث'' الكثير من حالات التأرجح والتضارب التي لازمت فلسفة هيدجر، خصوصاً في بنية مؤلَّفه الأساس والضخم ''الوجود والزمان''؛ ولكن رغم ذلك تظل فلسفة باديو ذات أسلوب فلسفي صعب من الناحية المضمونية وشكل كتابي وعر من الناحية الفنية حتي للمتخصصين.

إن ما يعطي طروحات باديو الجدَّة والابتكارية هو ما طرحه في كتابيه الآخرين والمؤسسين أيضا للكلاسيكية المحدثة وهما ''صخب الوجود'' و''ضد الهذيان الأخلاقي''؛ الناتجة عن تحليلاته الذكية لنص دولوز الشهير ''ما هي الفلسفة؟''، بطريقة جمعت منهجياً مجمل فكر دولوز.

ومعروف أن دولوز أعتبر، في هذا الكتاب، التفلسف فن اجتراح المفاهيم والقدرة علي ابتكارها. لقد أعطت هذه القراءة شهرة واسعة لباديو وزوَّدته بمفتاح الدخول لنصوص دولوز وتفكيكها؛ ثم إن موت دولوز، بعد فترة صداقة قصيرة بين الفيلسوفين، فتح الباب واسعاً لبروز باديو، ولاستثمار كامل لمشروعه الفلسفي ومفارقاته المترادفة. وعموما يمكن القول إن باديو ينتظم في خط الفلسفة الحيوية من نيتشه إلي دولوز. ويمكن إجمال فلسفته في مفهوم ''الكلاسيكية المحدثة'' وذلك من خلال وضعها بصيغة معادلة تعطينا صورة عن موقع تفكيره الفلسفي في سياق تاريخ الفلسفة، وهي: هيدجر ـ دزاين + رياضيات = باديو. وهذا ما يكشف مقدار وعمق الصلة التي تربط باديو بالفلسفة الهيدجرية.

إن مفهوم باديو للإشكالية الفلسفية المعاصرة، وطريقة تعامله مع القضايا المطروحة علي الفكر الفلسفي المعاصر، تظهره ولأول وهلة وكأنه مجرَّد أرثوذكسي هيدجري؛ فهو يدافع عن أطروحة هيدجر الأساسية نفسها، والتي تعتبر التفلسف هو ما يتعلق أساساً بالقدرة علي تحديد وتعيين السؤال الانطولوجيا. لكن التمعُّن والفحص الدقيق لفلسفة باديو يكشف لنا أوجه الاختلاف والتمايز بين هذين الفيلسوفين. ففي طرحه للسؤال الأنطولوجي لا يكرِّر باديو طريقة هيدجر نفسها في معالجة سؤال الوجود في صيغته: ماذا يعني الوجود كوجود؟ إذ يحاول، ومنذ بداية كتابه ''الكينونة والحدث''، أن يميز نفسه عن أسلوب وطريقة هيدجر رغم التشابه الظاهري بينهما واشتراكهما في البحث عن الوجود من خلال البدء بالسؤال الأنطولوجي.

إن أي موقف تقييمي لفلسفة باديو يكشف لنا أنه لا يمكن تحديد مكانتها من خلال مجريات نقده العميق لأُسس فلسفة هيدجر متمثلة بالسؤال عن الوجود، ونسيان الكينونة، وخصوصية الوجود الأنطولوجي للدزاين ''الموجود ـ هناك'' فقط ؛ بل من خلال السعي الدائم والبحث المتواصل عن إمكانات أخري وطرق مختلفة للتفكير الفلسفي، مثل استعادته وتجديده للأسس العقلانية للفلسفة بواسطة التفكير الرياضي.

الكينونة

يقدِّم باديو، إذن، نظاماً فلسفياً ينطلق من مقدمة أولية وأساسية هي أن الأنطولوجيا ليست إلا رياضيات، وأن الرياضيات هي علم التعددية؛ والوجود ليس إلا تعددية محضة فعليه الرياضيات هي علم الوجود.

وأن الرياضيات في نظر باديو ذلك العلم الدقيق المعبر عن الحيادية المطلقة التي تتمتع بها الكينونة؛ ومن هنا يأتي سياق اهتمامه الدائم وتحليلاته المستمرة للأفلاطونية التي يعدّها أول فلسفة وحَّدت الكينونة بالرياضيات وأيضاً، ظلَّت معينهُ الأول الذي تجد فيه معاني الكينونة والفكر، والرياضيات نفسها أشبه بتنويعات علي الوحدة الأنطولوجية المأمولة دائماً؛ فباديو، وفي قراءته لأفلاطون، يرفض الرأي القائل بأن الأفلاطونية مهَّدت لحصول المفارقة اللاهوتية، من خلال فكرة المُثٌل المفارقة للفكر الذي يتأمَّلها حيث يقول في كتابه (بحث مقتضب حول أنطولوجيا انتقالية ،1989): إن الهمَّ الأساسي لأفلاطون هو الإعلان عن الهوية المحايثة والانتماء المشترك لكل من المُدرِك والفكر الُمدرَك، وعن تناسقهما الأنطولوجي جوهرياً، وأن العين أو (ذات النفس) هي في الوقت نفسه التفكير والوجود، وبقدر ما تلامس الرياضيات الكينونة فهي جوانياًتعدُ فكرا، وبالتبادل بينهما، في حال أعتبار الرياضيات فكراً، فإنها تلامس الكينونة عينها.

ما يمكن أن نصل إليه من قراءة نصوص باديو إنه يُعد هيدجر آخر فيلسوف يقدِّم رؤية كلية. وأن الرياضيات والمنطق هما ما يحفظا شكل العقلانية العلمية، وإن الفلسفة الكلاسيكية الجديدة هي فلسفة ما بعد ديكارتية، وما بعد كانتورية، ويمكن تشكيلها بالطريقة التالية : الحداثة + الكلاسيكية = الكلاسيكية المحدثة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنيشير مصطلح الغائية (Teleology) الى سبب او توضيح لشيء ما في انجاز هدفه او غايته. انه مشتق من كلمتين يونانيتين هما تيلوس (الغاية) و لوغوس (السبب او التوضيح). الغاية التي تُفرض عبر استعمال الانسان تسمى غاية خارجية extrinsic مثل استخدام الكأس . اما الغائية الطبيعية فهي شائعة في الفلسفة الكلاسيكية لكنها مثيرة للجدل اليوم وهي تزعم بان الوجودات الطبيعية ايضا لديها اهداف باطنية او داخلية intrinsic بصرف النظر عن رأي الانسان فيها او استخدامه لها. فمثلا ارسطو ادّعى بان الغاية الباطنية لجوزة البلوط هي ان تصبح شجرة بلوط كبيرة.

ومع ان الذريين القدماء رفضوا فكرة الغائية الطبيعية لكن التفسير الغائي للطبيعة اللا انسانية او اللا شخصية جرى استكشافه والقبول به في الفلسفة القديمة وفلسفة القرون الوسطى، غير انه جوبه بالرفض في العصر الحديث (1600-1900). وفي اواخر القرن الثامن عشر استخدم عمانوئيل كانط مفهوم التيلوس كمبدأ تنظيمي في كتابه (نقد الحكم)، كذلك كان التيلوس اساسيا في فلسفة هيجل التأملية.

لازال الفلاسفة والعلماء المعاصرون يناقشون ما اذا كانت قصة التيلوس مفيدة ودقيقة في عمل الفلسفة والعلوم الحديثة. فمثلا، في عام 2012 اقترح توماس ناجل تفسيرا غير داروني للتطور يدمج قوانين تيلولوجية طبيعية في تفسير وجود الحياة والوعي والعقلانية .

في الفلسفة الغربية نشأ مفهوم التيلولوجي في كتابات افلاطون وارسطو.الأسباب الاربعة لأرسطو تولي اهمية خاصة لـ "السبب النهائي" او الغاية لكل شيء. هو هنا يتبع افلاطون في رؤية الهدف في كل من طبيعة الانسان وما دون الانسان.

افلاطون

في حوار فيدو لافلاطون، يجادل افلاطون من خلال سقراط بان التفسيرات الحقيقية لأي ظاهرة فيزيقية يجب ان تكون غائية. هو يأسف على اولئك الذين فشلوا في التمييز بين الاسباب الضرورية للشيء والاسباب الكافية وقد اطلق عليهما تباعا بالاسباب المادية والنهائية(فيدو، ص 98-99).

هنا يجادل افلاطون بان المواد التي يتركب منها الجسم هي شرط ضروري لحركته وفعله بطريقة معينة لكن تلك المواد لا يمكن ان تكون شرطا كافيا لحركته وفعله(الشرط الضروري يجب ان يكون حاضرا في الحدث لكي يحدث لكنه لا يزود سببا كافيا لحدوث الشيء، اما الشرط الكافي هو الذي يصنع الحدث) . فمثلا اذا كان سقراط جالسا في احد سجون اثينا فان مرونة الاوتار المربوط بها هي التي تسمح له بالجلوس، وبهذا فان وصف فيزيقي لأوتاره يمكن طرحه كشرط ضروري لفعل الجلوس الذي كان فيه (فيدو، ص996). غير ان هذا الشرط هو فقط شرط ضروري لجلوس سقراط. لكي نعطي وصفا فيزيقيا لجسم سقراط هو ان نقول بان سقراط جالس، لكن هذا الوصف لا يعطينا اي فكرة لماذا الجلوس وليس عدم الجلوس في المقام الاول. لكي نقول لماذا هو كان جالسا بدلا من عدم الجلوس علينا ان نوضح ما هو الشيء الخير او الجيد في جلوسه. لكي نعطي توضيحا لشيء ما علينا ان نقرر ما يتعلق بخيريته. خيرية الشيء هي سببه الحقيقي او غرضه (Timaeus 27d 8-29a ).

ارسطو

بنفس الطريقة، جادل ارسطو بان ديمقريطس كان خاطئا في محاولته اختزال كل الاشياء الى مجرد ضرورة لأن عمل كهذا يتجاهل الهدف او النظام او السبب النهائي الذي خلق هذه الشروط الضرورية:

ديمقريطس يتجاهل السبب النهائي، يختزل كل عمليات الطبيعة بالضروري. الان هي ضرورية، ذلك صحيح، ولكن لاتزال هي لغرض سبب نهائي ولأجل الأحسن في كل موقف. وهكذا، لا شيء يمنع السن من ان يتشكل بهذه الطريقة ولكن ليس بسبب هذه الاسباب وانما بسبب الغاية ... (ارسطو، اجيال الحيوانات V8,789a8-b15).

في الفيزياء رفض ارسطو افتراض افلاطون بان الكون خُلق بمصمم ذكي مستعملا اشكالا خالدة. ارسطو يرى ان الغايات الطبيعية يتم انتاجها بواسطة "الطبيعة"(مبادئ التغيير هي داخلية للكائن الحي)، والطبيعة كما يرى ارسطو لا تتأمل .

هذه الآراء الافلاطونية والارسطية هي في تصادم مع تلك الاراء المبكرة لديمقريطس ولاحقا للكروتوس اللذين كانا يؤيدان ما يسمى حاليا بالمصادفة accidentalism:

لا شيء في الجسم يُصنع لكي نستعمله. ما حدث لما يوجد في الجسم هو سبب استعماله (Lucretius. on the nature of things.,IV,833)

المعارضون

منذ فرنسيس باكون، جرى عمدا تجنب التفسيرات التيلولوجية في علم الفيزياء لمصلحة التركيز على التفسيرات المادية والفعالة. السببية النهائية اعتُبرت زائفة او ذاتية جدا.

بعض الحقول خاصة ضمن البايولوجيا التطورية تستمر باستخدام لغة تيلولوجية عندما تصف الميول الطبيعية نحو ظروف غائية معينة. وبينما يجادل البعض بان هذه النقاشات يمكن التعبير عنها في اشكال غير تيلولوجية، آخرون يرون ان اللغة التيلولوجية لا يمكن منعها من طرح اوصافا في علوم الحياة.

الاقتصاد

لعبت غايات الانسان التيلولوجية دورا حاسما في عمل الاقتصادي لودوج فون مايسس Ludwig Von Mises خاصة في تطوير علم الباروكسولوجي. هو اعتقد بان افعال الانسان والسلوك الهادف هي افعال تيلولوجية مرتكزة على افتراض مسبق بان افعال الفرد محكومة او تنشأ عبر غاياتها المختارة، وبعبارة اخرى، ان الفرد يختار مايراه الاكثر ملائمة لتحقيق ما يسعى اليه من هدف. مايسس اكد ايضا على ان التيلولوجي المتعلق بفعل الانسان ليس مستقلا عن السببية كما يقول "لا يمكن تصميم فعل بدون فكرة محددة عن العلاقة بين السبب والنتيجة، التيلولوجي يفترض السببية سلفا".

التاريخ

عندما عرّف ارسطو التيلوس ذلك كان في سياق من الجدل الطويل في السياسة والتي كانت تشير الى الهيكل السياسي والاجتماعي لدولة المدينة. ارسطو ادّعى ان السياسة هي الميدان الاساسي لخلق السعادة الانسانية – اي ان الفرد يمكنه خلق تيلوس فقط بالمقدار الذي تسمح به بيئته السياسية والاجتماعية. هذه الفكرة كانت اساسية لدى الآباء الامريكيين المؤسسين الذين كتبوا اعلان الاستقلال القائل بان كل انسان ولد ومعه الحق في الحياة والحرية ومتابعة طريق السعادة. فكرة التيلوس اصبحت ايضا اساسية في معظم الدول الحديثة خاصة دول اوربا التي توفر الآن لمواطنيها تعليم مجاني ورعاية صحية ومساعدات اخرى.

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه تلك الدول تطور انظمة لترسيخ وتعجيل التيلوس لدى مواطنيها، برزت ثورة اخرى اعطت معنى جديدا للتيلوس وهي ثورة شارلس دارون الذي طور في القرن الثامن عشر نظرية التطور عبر الاختيار الطبيعي التي توضح بالضبط كيف ان الكائنات الحية تبدو تيلولوجية. كيف يبدو كل نوع وكل عضو في الكائن الحي يعمل لأجل انجاز هدفه الخاص.العين لكي ترى، القلب لكي يضخ الدم، الدماغ لكي يفكر، وكامل اعضاء الجسم لكي يتكاثر الكائن الحي وهو الهدف الطبيعي النهائي.

هل نظرية التطور توضح التيلوس ام تتعارض معه ؟

اذا كان هناك من يرى ان نظرية دارون توضح الغائية في الكائنات الحية فان آخرين يؤمنون بعكس ذلك بقولهم ان التطور يعمل من خلال عمليات عشوائية غير مصممة. بعض العلماء يرون ان نسبة التيلوس للكائنات الحية تشكل سوء فهم كبير للتطور وخطر جسيم على العقلانية. نسبة التيلوس للكائنات الحية يمكن استخدامها لتبرير التصميم الذكي الديني وهو انكار للعلم باعتباره الطريقة الوحيدة لإشتقاق الحقيقة الموثوقة.هم يؤكدون ان الاحياء ليس لها تيلوس، فمثلا، انت لا يجب ان تمتلك القدرة على التفكير لكي تكون ممتازا في جهودك المهنية وانما بسبب ان اسلافك تغيروا بما يكفي لتكون اكثر عقلانية من الاخرين وهذا الحدث ساعدهم في البقاء اطول ولديهم اطفال اكثر من غيرهم . امكانية العقل لخلق العلوم والتكنلوجيا او اي شيء اخر لم تكن السبب في تطورها . كل شيء تم مصادفة بفعل العمليات الميكانيكية العمياء للاختيار الطبيعي .آخرون لاحظوا بانه على الرغم من ان وظائف التكيف التطوري (مثل القلب او الدماغ) لم تتطور لتعمل كما تقوم به، لكنه من المستحيل الحديث عنها او فهمها بدون الاشارة الى التيلوس الخاص بها. لا معنى للحديث عن قدرتنا على التفكير بدون ذكر ما ننجزه لأن التطور رغم انه تصادفي واعمى لكنه يقود الى أحياء لها امكانات طبيعية معينة. فمثلا العقل يعطينا القدرة على حل المشاكل وهو ما ساعد اسلافنا على البقاء، لذا من الصواب ان يكون لدينا عقل بسبب غايته حتى لو كانت تلك الغاية ليست السبب المباشر لتطور ذلك العقل .

الفلسفة الحديثة وما بعد الحديثة

تاريخيا، يمكن تعقب التيلولوجي الى الفلسفة الارسطية.عقلانية التيلولوجي جرى استكشافها من جانب عمانوئيل كانط كما انه كان اساسيا في فلسفة هيجل التاملية ومختلف صيغ المدارس الهيجلية الجديدة والتي اعتبرت تاريخ الجنس البشري في تضاد مع دارون وايضا مع المادية الديالكتيكية لكارل ماركس وانجلس ومع ما يسمى الان الفلسفة التحليلية. نقطة الانطلاق لم تكن حول المنطق او الحقيقة العلمية وانما حول "الهوية". وعي الانسان الفردي هو في عملية من السعي لتحقيق الاستقلالية والحرية، وهو ليس لديه خيار سوى التعامل مع الحقيقة الواضحة وهي ان الهويات الجمعية مثل التعددية في الرؤى العالمية والاخلاق والهويات القومية والثقافية تقسّم العرق الانساني وتضع مختلف الجماعات في تضاد مع بعضها.هيجل تصور "الكلية" في المنافسة المتبادلة بين الجماعات في الرؤى واشكال الحياة في التاريخ كونها "انسياق نحو هدف"موجّه نحو نهاية التاريخ. التناقضات الموضوعية للموضوع وللذات سوف تتراكم بالنهاية الى شكل من الحياة يترك صراعات العنف في الخلف . هذه الفكرة التيلولوجية ذات الهدف للعملية الكلية للتاريخ تتجسد لدى العديد من كتّاب القرن العشرين رغم خفوتها الواضح بعد الحرب العالمية الثانية.

بالمقابل، التيلولوجي المرتكز على "القصص العظمى" جرى التخلي عنها من جانب الموقف الما بعد حداثوي واعتُبر التيلولوجي كاختزال واستبعاد وضرر للذين تضاءلت قصصهم او جرى تجاهلها.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي رسول الربيعيينطلق صفدي في تصوره للحداثة من مقارباتها لكينونة التراث ومحاورة ثقافته، فيري أن الحداثة في تعاطيها مع الماضي بوصفه تراثاً تضعه داخل موضوعه وخارجه في آن واحد، ذلك عندما تتجول بداوة الحداثة بين تحف التراث تلمس بعضه وتكتشف فيه راهنية ما وتأصيلاً لمقومات العقلانية الحديثة. فيتحرك جينالوجيا، أي من الحداثة إلي التراث، أبتدأٌ من مواجهة السؤال العربي للفلسفة بوصفه سؤال الكينونة والوجود وهو يدخل المجتمعات العربية من خلال هذه الكينونة (صفدي: من تأويل القراءة إلي تمعين التأويل، الفكر العربي المعاصر، العدد 54) أو من خلال العلاقة بين فكر الاختلاف والحداثة التي ترتبط في لفظتها العربية بما يحدث ويثبت بمواقعيته. تقام علاقة السؤال بالتراث من توجهه إلى استنطاق خطاب الماضي بوصفه لا يزال قادراً علي الكلام، فهو تراث وليس ميراثا، أنه ليس العودة للأصول ولكنه استنهاض لكل تلك القوة الخالقة للأصول؛ وهنا يحضر التأويل كمثاقفة حيث يتوجه السؤال إلى الأصل ليكتشف عن الفعل والقوة الخارقة التي عملت على خلق ذلك الشيء الذي صار اسمه الأصل؛ فالمثاقفة هي مساءلة التراث عن فعل الكينونة التي صيرته تراثاً من خلال استحضار القوة الخالفة له (صفدي : استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء القومي، بيروت 1986)، والتساؤل، أيضاً،ً عن معنى هذا الاستحضار لحدث انقضى وينتمي إلي الماضي والتاريخ، وعن مكانته على خارطة المعرفة، و ماذا يعني القول بأنه كان بالنسبة لحدث لا تزال نستمر في الحديث عنه؛ أن موضوع الرهان هنا هو المكانة الانطولوجية للماضي بصفته ماضياً علي حد تعبير ريكور.

جاهزية الفكر

أن أهم ما في التاريخ هي مواقعيًته وليس مجرد ماضية، "علم المواقعيًة " هذا يقدم للتاريخ أرضا لم تكن لها من قبل؛ وجاهزية للفكر هي ذلك الجسر الذي انشغلت فيه الفكرة وتم أشتغالها فيه؛ وقراءة التراث من هذه المواقعًية تعني إعادة تاريخيتة وجعله يأتي للحاضر ويلج العصر، فيجد التراث نفسه حيث انت، فالتراث لا يستطيع أن يعيد نفسه إلا مختلفاً ( صفدي: مدخل إلي علم مواقعية التراث، الفكر العربي المعاصر، العددان 68 ـ 69 ) والعودة إلي الأصول لا تعني الا تأتي بها إلى مكانك فهي تعود ولا تتكرر، وبهذا يكون للتراث جوهره الخاص ويشغل موقعاً خاصا به، وبالتالي فالسؤال عنه يتطلب الكشف عن تاريخ إقامة التراث في موقعه ذاك، واشتغاله كهاجزية في ذلك الموقع بالذات .

مواقعية التراث

يتطلب " علم مواقعًية التراث " التعامل مع الشيء حضوريا حتى يكتشف عن موقعه. أيً يتوجه السؤال العملياتي لعلم مواقعية التراث إلى حضور الشيء بالذات وكيفية تمثيل هذا الحضور الذي بدونه يسقط كل القول عن الموضوع في الأيديولوجيا ؛ فدور السؤال العملياتي الجاهز للتراث يأتي في إثبات أن موضوعه يظل عصيا علي كل تأويل مهما حول هذا التأويل أن يكون تراثاً أو يكتشف الأسئلة التراثية المناسبة لأجوبتها الكامنة في الجسد التراثي ذاته لأن التعامل مع التراث سواء كان تأويلاً أو قراءة ظاهرية فإنه تعامل يقع على روايات (صفدي : م .ن).

إذن ما معني هذا التراث ؟ هل هو الماضي كله أو بعضه ؟ أو أنه ذلك التاريخ الذي تحدده الوقائع أو تلفظه الثقافة، طبعا لا هذا ولا ذاك ليس لأن التراث نبع من المعاني لا ينضب، أو أنه قابل لتعدد الرؤي فيه، أولا يزال ما لم نفكر فيه بعد، فقد يكون كل ذلك من ممكنات معني التراث لكن يظل سؤاله يناظر أو يأتي ظلالأ لعودة ذات النفس (صفدي : م . ن). إن دور التأويل أن يعيد مساءلة التراث عما يمكن أن يعنيه من داخل الزمان الكينوني للمشروع الثقافي للأمة، فبدون هذه العلاقة لا يمكن استحضار التراث، وحتى يصير الماضي تراثا والحاضر وطنا للتراث لابد أن يأتي الماضي في الحاضر ويكون قادراً على النطق بما يعده الحاضر قابلا لسؤال الفهم ( صفدي: استراتيجية التسمية)

وهنا نصل إلى علاقة السؤال بالتأويل، فالسؤال هو المنهج والتأويل هو الرؤية التي تستخدم السؤال لاستعادة موضوعها، وباختلاف السؤال يتعدد الجواب وتقام التأويلات ويستعان بالمقاربات لتتجدد القراءة، بل تتناقض وتتصارع لتأسيس خطابها، وعلى هذا يكون موقف صفدي، هو أن سؤال المؤول عن تراثه موضوعا كينونيا لا يقتصر على جانب معرفي أو إجرائي؛ فالمؤول لا يرث ميراثاً ولكنه يستحضر تراثاً والاستحضار لا يأتي إلا نتيجة كون السؤال هو التفكير، أي تجاوز حدود الميراث وأطره نحو آفاق التراث الذي صنعه وجعل الطريق مفتوحا في الوقت ذاته نحو تجاوزه، أن الميراث يطلب الاقتداء به والانتماء إلى الاستراتيجية التي صنعته وسمًت عناوينه، فالميراث يأمرك أن تكون متقبلا له كما هو، وكمثال على الاستلهام التراثي لا الميراث هو موقف عمر بن الخطاب عندما أوقف فعالية بعض التعاليم القرآنية في قانون العقوبات الإسلامية خلال عام المجاعة، عندما منع قطع يد السارق، كان يستعد مشروعيته من التراث ولا يطبق ميراثا، كان يقيم حكومة المجتمع وشئونه، لم يكن يفرض سلطاناً للأسماء خارج استراتيجية التراث.

وعلى صعيد آخر من توظيف المفاهيم يطرح صفدي مفهوم "جدلية الانبناء" في أحد جوانب نظرته للتراث، فهناك " الانبناء للمغيوب" و" الانبناء للمجهول" كانت العلاقة مع الأول، في الفكر الإسلامي، عائقاً أمام نمو العلاقة مع الثاني، باعتبار أن الانبناء للمجهول يستفز العقل ليتحول إلي معلوم، وهذه العلاقة هي أسس البحث عن المعرفة الإيجابية في حين أن الانبناء للمغيوب يضعك خارج المعرفي، فهناك اختلاف أساسي في استراتيجية التسمية حيث صار الغيب في الفكر الإسلامي هو الذي يسمي الأشياء، ويقيم العلاقات ( م . ن)

مشروع ثقافي

ومن هنا لم تكن العلاقتان متتابعين فيما بينهما، فالانبناء للمجهول ليست مرحلة تؤدي إلي مرحلة الانبناء للمغيوب إذ هناك فارقا في الطبيعة وليس في الدرجة بين العلاقتين، فلا تندرج أحداها في الأخرى، كما أن المغيوب لا يستوعب المجهول لذلك تقف الأولي حائلة دون بلوغ الأخرى، وحين يوضع المشروع الثقافي لأمة على طريق هذا النوع المعرفة فإنها تقصي من زمن التاريخ كما حكمت علي وعيًها بالخروج من زمن المعرفة، فليس عجبا أذن انتصار التصوف في المشروع التفافي العربي الذي كان يعني إيذانا باستقالة الوعي من دوره في تكوين الثقافة ( م . ن).

وإذا كان لنا أن نضع أيدينا حقاً على مدخل أبستيمولوجي، وفقا لصفدي، لفهم الأسس العقلية للمشروع الثقافي العربي فلابد من البحث عما يكوًن علاقة الصراع بين المجهول والمغيوب؛ تبدو هذه العلاقة واضحة في محاولة الإسلام الأولى لإعادة أنسنة المغيوب عن طريق تشريع استراتيجية متكاملة في تسمية ظواهره وأفعاله؛ فالقرآن بهذا المعني إلغاء للمغيوب وتشخيص حيً أخلاقي للمجهول، أنه طريق لإعادة الحوار مع الأسم المجهول القادر على مكالمة الوعيً عبر رموزه الإنسانية، فإن شخصية الإله المطلق،عن طريق تسمية ميزاته وأفعاله تجعل له حضوراً حيا فاعلاً بين الناس، أنه حضور لكل لحظة ودورها المرسوم من المشروع الثقافي، لكن مشكلة المغيوب يبقي لها حضورها داخل استراتيجية التسمية في القرآن واتجاهها إلى قلب المجهول إلى معلوم، ومنع المغيوب في الوقت ذاته، يبقي من خلال التحول الخطير في المشروع الثقافي العربي من الانبناء في صيغة المجهولـ المعلوم إلي صيغة الحاضر الغائب مع الصوفية.

لقد أنشدًت أواصر المشًروع الثقافي العربي في لحظة وعي لإنتاج التجربة الإسلامية على مدي خمسة قرون بين قطبين، بين منطق الكليات والاتجاه العلمي الذي ساقها فيه ابن رشد بعد أرسطو أو بين قانون العصبية على صعيد نظرية تكًون المجتمعات وانحلالها، كما وعاها ابن خلدون، وفسر بها التاريخ الذاتي للمجتمع العربي.

المشرًع والتشريع

لم يعد من الممكن، وفقاً لصفدي، فهم التاريخ العربي ومشكلة السلطة في سياقه إلا عبر جدلية (العصبية) (الأيدلوجية) كقطب، والرسالة (المشروع الثقافي) كقطب مقابل، وهي الجدلية التي راح بجسدها الصراع الداخلي في شخصية التجربة العربية الإسلامية، بين ما يصطلح عليه الصراع بين سلطة المشرًع والتشريع، بين التاريخ كتحقيق للمشروع الثقافي العربي، وبين "علم العمرن" الخلدوني بوصفه العلم الذي يعترف بقوانين العصبية كحاكمة لهذا العمران البشري وأحواله مع إمكانية قيادة هذه القوانين بما يجعلها تدنو أو تبعد عن هيمنة الرسالة وِمشروعها الثقافي للعرب والعالم في آن معاً.

تكشف هذه القراءة الجذور النسبية التكوينية بين السلف والخلف حيث يلعب فيها حد الماضي دور المنتج والمرجع والمكون( صفدي : السلف / الخلف . الفكر العربي المعاصر . العدد 47، 1987) مما ندفع بالتراث إلى تجاوز تطابقه مع نفسه، أو تقوقع فكره على ذاته، أو تماثل مقولات وعيًه مع بعضها؛ أنه السؤال الذي يفجر الاختلاف في التراث (بن عرفه، عبد العزيز : التفكك والاختلاف المرجاء، الفكر العربي المعاصر العدد 48 ـ 49 )، الذي يمكن اعتباره أحد مصادر التاريخية التي تستخلص العناصر المتكررة في شروط تحقق التاريخ وإمكاناته الحقيقية حتى تصلح مادة لصياغة قوانين مشروعنا الثقافي (صفدي: استراتيجية التسمية).

تبقي منهجية مطاع صفدي مختلطة في رؤيته وموقفه من التراث من جهة، ومن جهة أخري ظل اشتغال المفاهيم التي يوظفها ضعيفا. وعندما يتناول مسألة قراءة التراث وتاويله يشير اليه بشكل شذرات بدون القيام بجهد منهجي لتحليل النص التراثي؛ يتحدث عن مواقعيته ولكن بدون الكشف عن سياقات ومجريات هذه المواقعية ؛ ولانجد جهدا لتمييز هذه " المواقعية" عن التاريخية أو التاريخانية، ولا كيف تنظر في التراث. كلامه عن العلاقة بين التراث والمنهج من جهة تاويله تبقي عمومية وفضفاضة لانه لايطبق المفهوم علي نصوص تراثية مشخصة. يريد ان يقرأ التراث بطريقة تستفيد من الانجاز المنهجي المعاصر ومختلفة عن القراءات السالفة ولكنه لاينتج هذه القراءة حيث يظل في حدود رسم المفهوم وشكلانيته ولا يختبره في مدي قدرته الاجرائية وفاعليته المنهجية .

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

................

المصادر

بن عرفه، عبد العزيز : التفكك والاختلاف المرجاء، الفكر العربي المعاصر،1989. العدد 48 ـ 49

صفدي، مطاع: الفكر العربي ومعركة المنهج، العدد 8-980-1981.

المشروع الثقافي العربي بين المشاكلة والمثاقفة، مجلة الفكر العربي المعاصرة، العدد 8-9-80-1981.

كلام الكتابة بين الميراث والتراث، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددن 3-1984، هامش، (19).

استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء االقومي، ط1 بيروت1986،.

الذاتي، التاريخي، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 39-1986.

النمذجة بين التأويل والتغيير، مجلة الفكرة العربي المعاصر العدد، 40-1986          

السلف، الخلف، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 47-1987.

القوة القوية، التاريخ المختلف، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 3، 1987.

مدخل على علم واقعية التراث ن مجلة لافكر العربي المعاصر العدد 68-69-1989.

خطاب التناهي، مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 60-61-1989.

 

 

زهير الخويلدي"إذا حاول العقل أن يقرر فيما إذا كان العالم محدودا، أو لانهائيا من حيث المكان، فسيقع حتما في تناقض وإشكال، فالعقل مسوق إلى التصور بأن وراء كل حد شيئا أبعد منه، وهكذا إلى ما لانهاية له. ومع ذلك فإن اللانهاية في حد ذاتها شيء لا يمكن إدراكه"

كانط، نقد العقل المحض،

يطرح كانط الإشكال التالي:هل العالم أزلي أم له سبب أحدثه؟

في البداية العالم من حيث هو نسق مكتمل من الواقع هو وهم من أوهام العقل يصعد بشكل غير مشروع من خلاله من الشرطي المعطى إلى اللاّشرطي المفترض أي بعبارة ابن رشد يقيس الغائب على الشاهد.

العالم لا يمكن معرفته بطريقة استدلالية بالانطلاق من مبادئ ميتافيزيقية لأن ما يمكن معرفته هو الكون أي الظواهر المكانية والزمانية غير المعروفة التي يوحدها الذهن بواسطة مقولاته القيلية دون أن يصل بها إلى الوحدة النهائية. لكن اذا جاز الحديث عن عالم فيزيائي ومقاربة معرفية للعالم في الفلسفة النقدية عند كانط التي تحاول التأليف بين مقولات الذهن ومعطيات التجربة،

من جهة أخرى يخضع كانط في كتاب نقد العقل المحض ظاهرات العالم بماهو فكرة كوسمولوجية الى المعالجة الريبية التي تطرحها الأفكار الترسندنتالية الأربع ويظهر وقوعها في جملة من النقائض المحتمة.

" تلك هي حقا الحالة مع مفاهيم العالم ولعلها لهذا السبب بالضبط تدفع العقل، طالما هو معلق بها، الى نقيضة محتمة:

أولا- لو افترضنا أن العالم ليس له بداية فإننا نقوم بتراجع متتال يبلغ الأزل المنقضي، ولو سلمنا بأن له بداية كان من الضروري أن يفترض البدء زمنا يتقدمه . أما من جهة السؤال عن كم العالم فإن القول بكونه لامتناهي ولامحدود يفضي إلى الإقرار بأنه كبير جدا بحيث يصعب على الذهن البشري تصوره، ولو قلنا بأنه متناهي ومحدود لكان صغير جدا وقريب من المكان الفارغ والمانع لكل تجربة ممكنة.

ثانيا- إذا كانت كل ظاهرة في المكان أي كل مادة تتألف مما لا يتناهى من الأجزاء فإن تراجع الانقسام هو أبداء كبيرا جدا على الأفهام. وإذا توقف الانقسام المكاني عند نقطة بسيطة فإن هذا التراجع سيكون صغيرا جدا على فكرة اللاّمشروط التي يتميز بها العالم وبالتالي يفسح المجال للتراجع نحو عدة أجزاء كامنة فيه.

ثالثا- اذا سلمنا بأن ما يحدث في العالم هو نتيجة قوانين الطبيعة، فإن سببببية السبب هي بدورها شيئا يحدث، وسنرغم على الصعود أثناء التراجع ضمن سلسلة الشروط حتى أسباب أعلى من دون توقف. أما إذ قلنا بأن العالم يتكون من مجموعة من الأحداث تكون محدثة بحرية وتلقائيا، فإن العقل البشري سيهتم بالعثور على سبب وفق حتمية وجود قانون للطبيعة ولو جاء في صورة الاقتران الضروري بين الأحداث.

رابعا- لو سلمنا بكائن ضروري إطلاقا سواء كان العالمَ نفسه أو شيئا في العالم أم علة للعالم، فإننا سنضعه في زمن بعيد بلانهاية وإلا خضع لوجود آخر أقدم عصي عن الفهم ولا يمكن قط الوصول إلى إدراكه. من جهة مقابلة لو كان كل ما ينتمي الى العالم (مشروط أو شرط) حادثا، فإن كل وجود معطى سيكون صغيرا جدا ولا يمكن إدراكه بالفهم البشري وسيضطر إلى البحث عن وجود آخر يخضع له. الخلاصة: أن فكرة العالم هي، في جميع الحالات، هي صغيرة جدا على التراجع الخبري وعلى كل مفهوم ذهني.

النتيجة: التجربة الممكنة هي وحدها قادرة أن يعطى لمفاهيم (العالم) واقعا ومن دونها ليس أي مفهوم سوى فكرة دون حقيقة واقعية وليست له أي صلة بأي موضوع خارجي. كما أن الأفكار الكسمولوجية هي مؤسسة على مفهوم فارغ ومتخيل وحسب وعن الطريقة التي بها يعطى لنا موضوع هذه الأفكار.

(عمانوئيل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، دار الانماء القومي، بيروت، طبعة، صص253-254-255.

"إن كل شيء في العالم المحسوس ذو وجود مشروط تجريبيا، وليس فيه أي محل بالنظر الى أي خاصية أي ضرورة لامشروطة...لا يتضمن العالم الحسي سوى ظاهرات، لكن هذه مجرد تصورات هي بدورها أبدا مشروطة حسيا، وبما أنه ليس لدينا البتة أشياء في ذاتها كموضوعات، فانه ليس مخول لنا القفز إلى الخارج والمغادرة للبحث عن علة لوجودها... ولا يؤدي إلى تراجع تجريبي يعين الظاهرات." ص284.

لقد عمل كانط على التقليل من قيمة الخلق الالهي للعالم والرفع من شأن الخلق الاستيطيقي للأعمال الفنية وذلك في كتابه نقد ملكة الحكم بعد أن بين في كتاب نقد العقل المحض المزاعم الخاطئة التي تمسكت بها الكوسمولوجيا والتيولوجيا العقلانية واستحالة اعطاء مضمون ايجابي الى فكرة الخلق وتعذر الصعود الى مفهوم الاله الخالق والاكتفاء بفكرة مهندس العالم architecte du monde أي الاله المنظم أو الموجه.

لقد رفض كانط كليا مسألة خلق العالم والإله الخالق في الجدلية المتعالية وخاصة في لعبة النقائض وكان الحل الذي ارتضاه لمشكل الخلق يرتكز على تفسير السبب الذي يجعل المشكل لا يملك أي حل وبالتالي يدعو إلى إتباع الاستعمال المشروع للعقل الذي يسند له وظيفة توجيهية للبحوث التي يقوم بها الذهن.

من تبعات النقد الكانطي هو بروز النظريات التطورية والمادية والوضعية وتأكيدها بصفة مجتمعة على أن مسألة خلق الله للعالم اتضح أنها غير صالحة من الناحية التاريخية وغير ممكنة من الناحية النظرية.

فهل يمكن اعتبار الخلق الفني للعالم الذي ينسب إلى الله بالمعنى الكانطي هو بمثابة خلق نسبي للعالم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المرجع:

عمانوئيل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، دار الإنماء القومي، بيروت، طبعة 1989.

 

 

حاتم حميد محسنفي الفكر الابيستيمولوجي هناك ثلاث نظريات في معرفة الحقيقة او ما اذا كانت الفكرة صحيحة او زائفة، سنحاول التعرف عليها تباعا:

1- نظرية المطابقةThe correspondence Theory

وهذه النظرية هي الاكثر شهرة والاوسع انتشارا في معرفة حقيقة الشيء من زيفه، وهي ترى بان الشيء الصحيح او الحقيقي هو مدى مطابقته للواقع. الفكرة التي تتطابق مع الواقع هي فكرة صحيحة بينما الفكرة التي لا تتطابق مع الواقع هي فكرة غير صحيحة او زائفة.

من المهم ملاحظة ان الصحيح"truth" هو ليس الحقيقة "fact" . قد يبدو في هذا نوع من التناقض، لكن التمييز هنا يتم بين الحقائق والمعتقدات. الحقيقة هي مجموعة من الظروف السائدة في العالم بينما العقيدة هي رأي حول ماهية تلك الحقائق. الحقيقة لا يمكن ان تكون اما صحيحة او زائفة ذلك لأنها ببساطة هي الطريقة التي يكون فيها العالم. العقيدة يمكن ان تكون صحيحة او زائفة لأنها قد تصف او لا تصف بالضبط ذلك العالم.

في ظل نظرية المطابقة، السبب الذي يجعلنا نصف عقائد معينة بانها "حقيقية" هو لأنها تتطابق مع تلك الحقائق حول العالم. وهكذا، الايمان بان السماء زرقاء هو ايمان "حقيقي" بسبب حقيقة ان السماء زرقاء. الى جانب العقائد، نحن نستطيع اعتبار البيانات والفرضيات والجمل يمكن ان تكون حقيقية او زائفة.

فكرة ان الحقيقة تعتمد على مطابقتها للواقع يمكن تعقبها الى افلاطون وقد وردت ايضا في فلسفة ارسطو. غير انه منذ وقت ليس ببعيد وجد النقاد مشكلة ربما افضل ما يمكن التعبير عنها في تناقض او مفارقة ايوبلدس Eubulides، التلميذ في مدرسة ميغارا للفلسفة والتي كانت دائما في تضاد مع الافكار الافلاطونية والارسطية.

طبقا لايوبلدس، فان نظرية المطابقة تتركنا في حيرة عندما نواجه اقوالا مثل "انا اكذب" او "ما اقوله هو زائف" . تلك الاقوال يمكن ان تكون زائفة. فهي اذا كانت صادقة بسبب مطابقتها للواقع، عندئذ فانها كاذبة واذا كانت زائفة لكونها تفشل في المطابقة مع الواقع، فلابد اذاً ان تكون صادقة. وهكذا، لا يهم ما نقوله حول الحقيقة او الزيف في هذه الاقوال، فنحن ندخل في تناقض مباشر مع انفسنا.

هذا لا يعني ان نظرية المطابقة هي خاطئة او بلا فائدة، في الحقيقة انه من الصعب التخلي عن هذه الفكرة الواضحة بديهيا وهي ان الحقيقة يجب ان تطابق الواقع. مع ذلك، فان الانتقادات اعلاه يجب ان تشير الى ان هذه الفكرة ربما لا تعطي تفسيرا شاملا لطبيعة الحقيقة. انها وصف معقول لما يجب ان تكون عليه الحقيقة، لكنها قد لا تكون وصفا كافيا للكيفية التي تعمل بها الحقيقة في الذهن الانساني وفي المواقف الاجتماعية.

نظرية الانسجام The coherence Theory

وهذه النظرية هي الثانية من حيث الشهرة بعد نظرية المطابقة، وهي عادة تبدو كوصف دقيق للكيفية التي يعمل بها تصورنا للحقيقة. الايمان يكون حقيقيا عندما نكون قادرين على دمجه ضمن اسلوب منطقي ومنتظم مع نظام من العقائد اكبر حجما واكثر تعقيدا، اي ان العقيدة هي حقيقية عندما تنسجم مع مجموعة عقائدنا الاخرى بدون اي تناقض. احيانا قد يبدو هذا طريقة شاذة لوصف الحقيقة. العقيدة يمكن ان تكون وصفا غير دقيق للواقع وتنسجم مع نظام اكبر واكثر تعقيدا لأوصاف اخرى غير دقيقة للواقع، طبقا لنظرية الانسجام، ان العقيدة غير الدقيقة لاتزال تسمى حقيقية حتى عندما لا تصف بالفعل الطريقة التي فيها العالم حقا. فهل هذا يخلق اي معنى؟

ربما نعم والسبب هو لأن الاقوال لا يمكن اثباتها في مناخ من العزلة. فنحن حين نختبر الفكرة انما نختبر في نفس الوقت مجموعة كاملة من الافكار. فمثلا، عندما نلتقط كرة في يدنا ثم نلقي بها نحو الارض فهي ليست ببساطة ايماننا في الجاذبية التي تم اختبارها وانما ايضا ايماننا بمجموعة من اشياء اخرى من ضمنها احساسنا البصري . لذا، اذا كانت الاقوال تُختبر فقط كجزء من مجموعة اكبر عندئذ يمكن للمرء الاستنتاج بان القول يمكن تصنيفه كحقيقة ليس بسبب انه يمكن التثبت منه امام الواقع وانما لأنه يمكن ان يتكامل مع مجموعة من الافكار المعقدة، عندئذ كامل المجموعة يمكن اختبارها امام الواقع. في هذه الحالة تكون نظرية الانسجام ليست بعيدة عن نظرية المطابقة والسبب هو انه بينما الاقوال الفردية يمكن الحكم عليها كصادقة او كاذبة بناءا على قابليتها للانسجام مع نظام اكبر، فانه يُفترض بان ذلك النظام هو نظام يتطابق بدقة مع الواقع. وبسبب هذا، فان نظرية الانسجام تنجح بالفعل في الامساك بشيء ما حول الطريقة التي نتصور بها الحقيقة في حياتنا اليومية. ليس من الغريب ان نرفض شيء ما باعتباره زائف لأنه يفشل في الانسجام مع نظام من الافكار نثق بصحتها . قد يكون النظام الذي نفترض ان يكون حقيقي هو تماما غير صحيح، ولكن طالما يستمر بنجاحه و قادر على اجراء التعديلات البسيطة في ضوء البيانات الجديدة، فان ثقتنا به تكون معقولة.

النظرية البرجماتية في الحقيقة

هذه النظرية تقرر ما اذا كانت عقائدنا صحيحة ام زائفة بناءاً على ما اذا كان لها تطبيق مفيد في العالم. اذا لم تكن لها فائدة فهي ليست حقيقية. كما في نظرية الانسجام، الحقيقة بهذا المعنى لا علاقة لها بالطريقة التي يكون فيها العالم حقا وانما هي فقط وظيفة حول ما اذا كانت الفكرة يمكن استخدامها كنموذج لعمل تنبؤات مفيدة لما سيحدث في العالم. وبالنتيجة الحقيقة البرجماتية يمكن تعلّمها فقط من خلال التفاعل مع العالم: نحن لا نكتشف الحقيقة بالجلوس وحيدين في غرفة والتفكير بشأنها.

هناك بالطبع عدد من المعارضات الواضحة يمكن ان تبرز ضد النظرية البرجماتية . فكرة "ما يعمل" هي غامضة. ماذا سيحدث عندما العقيدة تعمل بمعنى معين لكنها تفشل في معنى اخر؟ فمثلا، الايمان بان المرء سينجح قد يعطي الفرد قوة سايكولوجية لانجاز الكثير ولكن في النهاية هو قد يفشل في هدفه النهائي. فهل عقيدته حقيقية؟

كذلك، عندما تعمل العقيدة بهذا المعنى، لماذا نسميها حقيقية؟ لماذا لا نسميها شيء مفيد؟ المفيد ليس هو نفس الايمان الحقيقي، والشيء الاسوأ هو ان الناس لا يستعملون كلمة حقيقي في محادثاتهم العادية لتعني مفيد. فمثلا، بالنسبة للفرد العادي، مقولة "من المفيد الايمان بان زوجتي هي مخلصة" لا تعني ابدا نفس القول "من الحقيقي ان زوجتي مخلصة". ربما العقائد الحقيقية هي ايضا العقائد المفيدة، ولكن ليس دائما. كما يقول نيتشة، بعض الاحيان الغير حقيقي ربما اكثر فائدة من الحقيقي.

اذاً البرجماتية ربما هي وسيلة ملائمة للتمييز بين الحقيقي و غير الحقيقي. الاشياء الحقيقية يجب ان تنتج نتائج يمكن التنبؤ بها في حياتنا. لكي نقرر ما هو الحقيقي وما هو غير الحقيقي فمن المعقول التركيز بشكل اساسي على تلك الافكار التي تعمل( لها فائدة عملية).

 

حاتم حميد محسن

 

علي رسول الربيعيتعد الفلسفة الافلاطونية المحدثة المصدر الأهم لأفكار ما يسمى بالافلاطونية العربية المحدثة. لقد كانت في ما عرف بـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس"، وهي النسخة المعدلة لتاسوعات افلوطين التي نسبت خطأ لارسطو، ذات تأثير كبير على طريقة تفلسف وتفكير الفلاسفة المسلمين من الكندي الى ابن سينا وما بعده.

يقدم كتاب "الافلاطونية العربية" لبيتر أدمسون الصادر عن دار ""دك ورث" دراسة للتغيير والتحول اللذين خضعت لهما اعمال أفلوطين عندما نقلت الى اللغة العربية. لقد انتجت مقاربة المترجم لـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس" والتي تعود لافلوطين فاصلاً تاريخياً حاسماً في مسار وتوجه التفكير الفلسفي العربي ـ الاسلامي. فقد حاول المترجم ان يجعل الفلسفة الافلاطونية المحدثة منسجمة مع مبادئ الدين المسيحي والاسلامي، كذلك مشابهة لفكر ارسطو الاصلي. جاء كتاب "الافلاطونية العربية" كأول دراسة مفصلة لنص "ثيولوجيا ارسطوطاليس" حيث كرس لفهم افكار وحوافز المترجم في تعزيز صورة معينة، تلقى من خلالها الفلاسفة ولقرون طويلة الفكر الاغريقي.

عند قراءة أي كتاب يتعلق بتاريخ الفلسفة العربية الاسلامية كثيراً ما يطالعنا ذكر لما يسمى "ثيولوجيا ارسطوطاليس" التي كما ذكرنا هي الرواية العربية لنص افلوطيني أُنتجَ في القرن الثالث الميلادي، حيث تأتي أهميته لما يسد من فجوة في المنظومة الارسطية. انه المصدر المباشر لافكار ومفاهيم الافلاطونية المحدثة في العالم الاسلامي التي تقدم عقيدة شاملة حول الخالق وعن الايمان الاخروي. إن التقسيم الممكن للخطأ في عزو هذا النص لارسطو، هو انه جاء من مقدمة المؤلف للثيولوجيا حيث عرضها على اساس انها النص المكمل للمنظومة الارسطية غير المكتملة، لكن الناسخ اللاحق اعتبرها جزءاً من اعمال ارسطو. ويرى مؤلف كتاب "الافلاطونية العربية" ان اهمية دراسة نص "الثيولوجيا" لا تأتي فقط من جانب كيف نسب تاريخياً لأرسطو ونتائج تأثيره على تقاليد ممارسة الفلسفة لاحقاً، ولكن كيف، في الواقع، اصبح افلوطين ارسطو المنحول، وكيف قدمت تاسوعاته. لقد ضخمت اهمية بعض اغراض النص الاصلي لافلوطين، ونسجت مع بعض افكار فلاسفة الاغريق في بنية التاسوعات وقدمت كموقف فلسفي له موقعه الخاص في تاريخ الفلسفة. وشرع الباحث في انجاز دراسته عن هذا النص الافلوطيني المعدل والمكيف والمنسوب خطأ لارسطو لسببين: الاول، كشف التغيير الذي ادخل عليه عند انتقال فلسفة افلوطين الى اللغة العربية، حيث كان هذا التغيير هادفاً وذا مغزى فلسفي وتاريخي. وذلك يعني لكي نفهم ذلك المغزى وفلسفة ذلك الشخص الذي قام بعملية التغيير والتعديل في النص لا بد ان ننظر في فكره ككل. الثاني، كانت "الثيولوجيا" المفتاح الاساس للعديد من الفلاسفة المسلمين اللاحقين من الكندي حتى الفارابي وابن سينا ليصل لاحقاً الى مدرسة الاشراق. فيرى الباحث اننا نقوم بتفسير خاطئ لهؤلاء الفلاسفة اذا افترضنا ان انشغالهم بـ"الثيولوجيا" فقط كان نتيجة للقاء غير مباشر من افلوطين كما هو متعارف عليه عند الكثير.

ويحاول أدمسون ان يسد الفجوتين في فهمنا للافلاطونية المحدثة العربية. وهذا في الوقت نفسه يفسر لنا لماذا نجد متن الكتاب يهتم بأفكار معينة على حساب أخرى في ما يتعلق بقضايا النص واشكالاته. ان الفصول الاساسية والتي تمثل قلب الكتاب تمتد من الثالث وحتى الخامس، اذ يحاول المؤلف ان يقدم فيها بنية منظومية للفلسفة العربية ـ الاسلامية في صورتها الافلاطونية المحدثة. فقصد الباحث هو فلسفي بالأساس وليس دراسة فيلولوجية (Philological). وقد فحص الباحث، ايضاً، مسائل اصول وتركيبات الافلاطونية العربية في الفصل الأول، والثاني والسادس لدورها الاساس والضروري في التحليل الفلسفي الذي يقوم به.

وعلى رغم من ان هناك باحثين عديدين ناقشوا هذه المسائل، اعتمد عليهم الباحث في صياغة حججه وكذلك للوصول للنتائج التي استخلصها، حيث جعلوا من البحث في هذا الموضوع ممكناً، وهو بالفعل يشير الى دراساتهم كلما استدعى الأمر ذلك، لكن يبقى لأدمسون اسهامه الخاص الذي عرضه في مجرى معالجة الموضوع. ان وظيفة هذه الدراسة تأتي بوصفها وسيلة مفيدة لفهم أعمق للافلاطونية المحدثة العربية. اضافة الى المقصد التاريخي الذي يظهر من خلال وضع نص "الثيولوجيا" في السياق التاريخي الذي انتج فيه، وهو حلقة الكندي الفلسفية في بغداد في القرن التاسع الميلادي. فدائرة الكندي هذه كانت نشطة وفعالة في مجال الانتاج العقلي وفي تفسير وتأويل الأصول والمصادر اليونانية. ان هذا العمل الذي شرع به الكندي ومريدوه كان جزءاً من استراتيجية كبيرة للسلالة العباسية في مواجهة القوى المعادية ومنها الارستقراطية الفارسية. وعلى رأي استاذ جامعة "يال" الاميركية ديميتري كوتس: ان الفلسفة العربية ـ الاسلامية في صورتها الافلاطونية المحدثة جاءت كجزء سياسي وايديولوجي من حركة الترجمة. لقد كان غرض حركة الترجمة تقديم الفلسفة اليونانية ككل موحد، وأن توضع بالضد من المنافسين الفكريين الآخرين في ذلك الحين. حيث تعد الفلسفة اليونانية نتاجاً مختلفاً بالنسبة لهم، بدأ يشغل اهتمام مؤرخي الفلسفة من خلال التعرف الى التوترات والمناقشات التي جرت داخل الفكر الاغريقي. وكانت حركة الترجمة، ايضاً، جزءاً من محاولة لتقديم اجوبة عن الاسئلة والمشكلات الضاغطة والملحة التي تشغل أولئك الذين يقومون بعملية الترجمة.

ان الاصرار على الوحدة الجوهرية للحقيقة الفلسفية، وعلى الانسجام والتوافق بين مذهبي افلاطون وارسطو الفلسفيين دلالة على موقف التسوية والتوسط. ان هذا الموقف يروم ان يجعل الفلسفة كحقل معرفي مهيأة ومستعدة لتتناسب وتتماثل ولو في مطافاتها الأخيرة مع التفسير الديني التوحيدي. وهذا يعني ان الكندي وحلقة المترجمين من حوله كانوا تواقين لتقديم الفكر الفلسفي بوصفه حاملاً للأجوبة عن الاسئلة التي كانت مطروحة في ذلك المناخ الفكري. وانه ـ أي الفكر الفلسفي ـ يمكن ان يعطي جواباً واحداً متماسكاً منطقياً متى كان ذلك ممكناً. ويبرز هذا بشكل واضح في ميل المفسرين لوجهة النـظر الثيولوجية في تفسيرهم لنص "ثيولوجيا ارسطوطاليس" ليستجيب وطروحات الفكر الكلامي ـ الاعتزالي. والحقيقة يعد هذا من الأدوار المهمة التي لعبتها الافلاطونية المحدثة العربية في الوضع الفكري للقرن التاسع الميلادي.

ان المقصد المحوري للباحث هو فحص المذاهب الفلسفية التي قدمت في نصوص الافلاطونية المحدثة العربية. ومن أجل انجاز هذه المهمة المعقدة، يقوم الباحث باستيفاء مجموعة من شروط التحليل المنهجي التي تمكن من مناقشة طبيعة هذه النصوص والسؤال المعقد والمركب عن أصولها. ثم ان هذه الدراسة أصبحت ممكنة، أيضاً، لمرور عقود عدة حملت دراسات مختلفة قلبت هذه المسألة، على رغم هذا لا يدعي الباحث بتقديم جواب نهائي عن الاسئلة المهمة والكثيرة التي تحيط بالافلاطونية العربية المحدثة.

ان فائدة هذه المناقشة للفلسفة الافلاطونية العربية تأتي مما تكشفه من نقاط لم يسلط عليها الضوء، وكذلك في ما تتطلبه من تكرار الرجوع الى المرجع والعودة للاصل، اضافة الى الاهتمام بالوضع الحالي والراهن للنصوص. ففي الفصل المعنون بـ"نصوص الافلاطونية المحدثة واصولها" يقدم الباحث وصفاً تفصيلياً لمجموعة من نصوص الافلاطونية المحدثة العربية. كذلك يناقش بعض اهم المشاكل التي تحيط بأصول هذه النصوص. ثم اخيراً يوجز وبشكل مكثف تأثير الافلاطونية المحدثة العربية على الفلسفة الاسلامية اللاحقة.

ان ما يسمى بالافلاطونية المحدثة العربية يتأسس على مجموعة نصوص، وهي اولاً: النص المعروف بـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس"، ثانياً: "رسالة في العلم الالهي"، وثالثاً: مجموعة اجزاء من نصوص تُعزى للشيخ اليوناني (افلوطين). انها جميعاً تعرّف اذن بنصوص الافلاطونية المحدثة التي مثلت في ما بعد قوام الافلاطونية المحدثة العربية.

انها دراسة متماسكة في طرح المقدمات والنتائج التي تؤدي اليها، كذلك انها دراسة جديدة ومهمة لأنها توسع من فهمنا لكلا السياقين الفلسفي والتاريخي للافلاطونية المحدثة العربية.

 

 

علي محمد اليوسفالطبيعة ونزعة التدّين: ان (جثري) في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس، (يذهب ان الانسان البدائي والذي بدا له ان كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوّده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته).1

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها ، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرّد به عن باقي المخلوقات والكائنات (عقليا - روحيا) وفي خياله التأملي الميتافيزيقي في تطلعّه الدائم الى ماوراء ظواهر الطبيعة.

(ان مصير الانسان هو أرادته وتفكيره،وبمجرد أن يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على أسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وأرادته وتأثره بهما).2

وحين يرتقي الانسان بفكره وأرادته فوق الطبيعة، فأنه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الأله أيضا خارقا للطبيعة.3 هنا يتوجب التنبيه أن لا الأله يخرق قوانين الطبيعة حقيقة ولا بمقدور الطبيعة خرق قوانينها أيضا من أجل ألانسان،لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من أجل رغائبه وأشباع حاجاته وملذّاته الحسيّة والروحية معا.

كنا اشرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة أن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، الى الحالة العقلانية هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، أي (الطبيعة). وحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصّيتي الذكاء والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة.وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية أحتدامية متصارعة مع الطبيعة. وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه.

واكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا(أن التأليه أوالتوحيد انما ينبعان فقط من ربط الانسان ألطبيعة بنفسه،لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها).4 كما أن الطبيعة غير ملزمة ولا بمقدورها خرق القوانين الطبيعية من أجل تحقيق رغائب الانسان كما أشرنا سابقا. فهي غير عاقلة حسّيا.

وبحسب فيورباخ أيضا (فأن الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى أنها تطيع وتلبّي قوانين قلب الانسان، ومثل قلبك يكون الهك، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس). 5 هذه العبارة لا تقول أكثر من أن الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه ، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق الحقيقي الواقعي، يعيشها الانسان لوحده ولا تشاركه الطبيعة ولا الأله بها، ولا فارق بين العلاقتين من الناحية العملية لأن مصدر خلقهما هو الانسان فقط. فهي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة ترتبط بالمحسوسات. ولتأكيد ما ذهبنا له ومن جهة ثانية في تفسيرنا العبارة، فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي يشير لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي أيضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط.ومتى ما تعاملت الآلهة بالمحسوسات كما يفعل ويفهم البشر، تتوقف ان تكون آلهة تعبد تمتاز بخصائص ايمانية غيبية تخييلية غير منظورة ولا محسوسة.

اذا ما علمنا أن فيورباخ فيلسوف وشاعر أيضا، أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفّافة موحية تتوارى خلفها المعاني.فقد وضع نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا، خاصّة في التديّن التصوّفي، او التديّن الفطري فلا فرق الا بوسيلة التعبّد الايماني. فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية لا يستعمله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده،وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي فقط ، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموّحدين لله.كما يوجد اجماع فلسفي على صحة هذه الفرضية.فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا تجريديا، بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا حسّيا فقط وعلى نطاق محدود جدا قياسا بالانسان، وليس ادراكا عقليا تامليا ذهنيا مجرّدا كما يفعل الانسان، ولا يمتلك قابلية ولا قدرة اعمال العقل خياليا.لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بأنه كائن ديني او متديّن، وفي تمايزه ايضا بخصائص نوعية تطرقنا لها في الجزء الاول من دراستنا هذه .

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ (ان الانسان يفعل من خلال الله،ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96. هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل أكثر من تأويل أوحد وحيد يمثّل المعنى، لما كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان واعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خيالا انطولوجيا، ويحمل جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه، على الهه.

ان عبارة فيورباخ السابقة هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتّخفى المعنى فيها خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بأن الاله والانسان هما وجود أنطولوجي واحد هو الانسان فقط في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا.

أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى أن بداياته حتى الديانات الوثنية منها قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية والطوطمية الى بلاد العالم المأهول آنذاك، وكذلك أنتقل بعضها الى بلاد اليونان والرومان الى ماقبل ظهور اليهودية والمسيحية.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ (انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني،اما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الالهة ). ص 100 من الكتاب00 طبعا في هذا مغالطة آرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فان الاغريق كانوا يضّحون بالاطفال قرابين للآلهة زيوس وجوبيتير او غيرهما من الأرباب ولم تكن تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن أيضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكونغ تضّحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للأله (أيتش). واخلافهم اليوم من أرقى وفي مقدمة دول العالم حضارة وانسانية.

المعجزة والانسان

ولمّا وجد الانسان الطبيعة عاجزة عن اجتراح المعجزات في مساعدته سد احتياجاته،ومنعها ضرر الظواهر الطبيعية التي تحدق به أو تستهدفه،أحال هذا العجز الطبيعي الى الآلهة في اجتراح المعجزات فأصبحت (المعجزات جزءا لا يتجزأ من الحكم الالهي والعناية الالهية) وتلك المعجزات آيات برهانية قاطعة في ترسيخ المعتقد والايمان بالمعجزة كمسلمّات ترسيخ الايمان الغيبي، وقدرتها الاعجازية في تغيير حياة الانسان بالدعاء الخالص. وفي انكار المعجزات يعني انكار الآلهة.

وخلود الآلهة وفناء الانسان يعبر عنهما فيورباخ (يعيش البشر وتتسم حياتهم بالالوهية، ولكن للاسف لا تستمر حياتهم الى الابد، فهم يموتون، وتبقى الآلهة خالدة). ص 103

ان امتلاك الانسان للخير والصفات الاخلاقية والنظم النفعية له، التي يستمدّها من الصفات الالهية في محاولته محاكاتها انما هي حتما تكون وبالضرورة الايمانية ناقصة ومحدودة حسب قدراته. في حين تكون تلك الصفات مطلقة وسرمدية عند الأله. والانسان يموت وتموت معه كل قدراته الخيرية المحدودة، والآلهة تبقى خالدة وتبقى معها جميع الصفات الحميدة المطلقة، التي تترنّم بها الاجيال جيلا بعد جيل.

بحسب فيورباخ (الاله هو الكائن الاول في النظرية، لكن الانسان هو الكائن الاول في الممارسة، وهو الهدف في هذا العالم، والطبيعة لا تمثل شيئا بالنسبة للالهة، وما هي سوى لعبة بيدها،ولا يمكن ان تفعل شيئا للانسان.) ص 117

ان (المعجزة تحقيق هدف الدين بطريقة محسوسة معروفة، هي محاولة سطوة وفرض هيمنة الانسان على الطبيعة، وبذلك تصبح قدرات الانسان واقعية حقيقية، والالهة تصنع المعجزات لتلبية رغائب الانسان) ص 115

ويضرب فيورباخ مثلا سارة زوجة زكريا التي تنجب ثلاثة انبياء بعد زيارة الملائكة المرسلين اليه، وهي أمرأة طاعنة بالسن وعقيم وزوجها كهل، فهنا تتحول المعجزة من القدرات الألهية الأعجازية الخارقة الى ان يكون الانسان اداة ووسيلة وغاية تحقق المعجزة ،(لذلك فان الرغبات الحسية تتعرض للسخرية اذا تعارضت مع العقل، لان التناقض يصبح واضحا لا يمكن انكاره، وهذا السبب يجعل العقلانيين المحدثين يخجلون من الايمان ان الله في الجسد) ص 118

ويمضي فيورباخ متوعدا (انه سيأتي اليوم الذي يعتبر فيه الاعتقاد في الارادة الالهية العقلانية نوعا من الخرافة كما كان الحال في الاعتقاد بوجود الاله المعجز المسيحي في الجسد)ص119

ويختم فيورباخ كتابه مؤكدا ان الانسان ليس خياليا خصبا وحسب، وانما الخيال الانساني اعجازي ابداعيا ليس على صعيد الانتاجية الادبية والثقافية والفنية، وانما على صعيد الايمان الديني (الانسان الخالد موضوع للدين وموضوع للايمان، والحقيقة العكس من ذلك، فالانسان ليس خالدا – هنا فيورباخ يقصد أمنية الانسان الخلود بالآخرة – بل هو فان، وان تؤمن معناه ان تتخيل ان صورة ما انبعثت بها الحياة) ص120

اغتراب الذات

لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا،، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.،لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية،هي تراكم معرفي وحضاري تأريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما أعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ. كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

واذا سمحنا لأنفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ،فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ،ومن جهة أخرى فأن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص.وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا(ان بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة،ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة).

 

علي محمد اليوسف / الموصل

...............................

الهوامش: 1، 2،3،4،5 وجميع الاقتباسات بين هلالين هي من كتاب فيورباخ/اصل الدين/ ترجمة احمد عبد الحليم عطية/ القاهرة 1991

• ملاحظة: لقد حاولت في الجزئين من قراءة كتاب فيورباخ اصل الدين بامانة وحيادية الباحث، ولم اكن في معرض تطابق رؤاي معه، لكني لم اشأ تشويه افكار الكتاب الفلسفية.