علي محمد اليوسفالجابري كما قلت صاحب مشروع عربي نهضوي افنى عمره في الاشتغال عليه، وقال كلمته للتاريخ بضمير نقي وقلب نظيف، ولم يكن ناقدا ادبيا او ثقافيا مثل طرابيشي الذي لم يتحمّل اية مسؤولية فكرية نهضوية في معاداته الجابري كمفكر موسوعي وليس مشروع الجابري فقط، ولا بد لي مضطرا ان اعرض بعض السمات الفكرية لمشروع الجابري التي سبق وان ذكرتها في مقال نشرته لي المثقف بعنوان (نحن وسؤال الحداثة في الفكر العربي المعاصر، الغرباوي نموذجا) اعرضه هنا في تلخيص شديد بالتالي ارجو ان لا يكون مخّلا :

 مرتكزات مشروع الجابري الثلاث هي:

1- المراجعة النقدية الصارمة للمشروع العربي الذي بدأه جمال عبد الناصر بداية عقد الخمسينات من القرن20، وانتهى سياسيا في ثورات ماسمي بالربيع العربي 2011م الذي بعد التخلص من الدكتاتورية تم تسليم الحكم في البلدان العربية المحررة من الاستبداد الفردي الى منظمات الارهاب الاسلامي على طبق من ذهب، لتقوم بكل وحشية في تجميد الفكر الديني اكثر واذاقة الشعوب العربية من الظلم ما لم تره عين ولا سمعت به اذن التي تنفذت فيها قوى الظلام والتكفيرالارهابي ولا تزال في بعض الاقطار العربية تامل في اقامة دولة خرافة تقوم على جماحم الابرياء وسبي النساء، وترمل النساء وتشرد العوائل والايتام والكثير بما لايسعه المقال.

الجابري في العودة الى مراجعة ونقد تجارب ايديولوجيا المشروع العربي القومي الفاشل الذي بدأه عبد الناصر وقامت عليه القيامة ولم تقعد في التآمر الامريكي – الصهيوني عليه ومعهم غالبية الحكام العرب، لم يكن يتطلع الجابري الى نشر الغسيل المؤلم في التاريخ العربي ولم يتشفّ بتذكير العالم بنكسة المشروع العربي النهضوي في العام 1967، كما فعل معظم مفكري و ادباء ومثقفي وشعراء الشام سوريا ولبنان بلا استثناء، ان يلعب الجابري لعبتهم ويبني لشخصه امجادا زائفة كغيره، في التلاعب بمشاعر الناس وعواطفهم القومية في محاولة تعميق نقمة لاتجدي او تمجيد حقبة تاريخية مدانة في حكامها وسياسييها وليس في مبادئها واهدافها، وكان الجابري يرى اكثر مما لا يعدّون انه لا مشروع نهضوي حقيقي غير افتعالي ولا استهلاكي لا يقوم على نهضة الامة العربية الاسلامية في مجمل خصوصياتها ومميزاتها، الا بالتسليم بحقيقة تاريخ العرب المسلمين، انه كما كان فيه مكامن ضعف وعيوب كبيرة ومتعددة، كان هناك ولا يزال ايضا فيه تاريخيا وتراثيا مكامن قوّة ومخزون حضاري يصلح اعتماده في تحقيق نهضة عربية معاصرة.وان المشروع العربي الاستبدادي اذا ما انتهى كتجارب حكم فاشلة فهو لم ينته كطموح عربي شامل في وجوب تحقيق نهضة عربية رشيدة حتى ولو بعد اجيال من تاريخ نضوب النفط العربي وانتهاء التمايز والتفاوت المالي بين اقطار عربية متخمة واخرى تتضور جوعا، ولا بد ان يعود العرب الى تحقيق نهضة تقدمية تجمعهم بحكم التاريخ اكثر من فرض تنفيذ رغبة او عدم رغبة الحكام العرب في مستقبلهم المنظور او غير المنظور، فلا يشهد تاريخ شعوب العالم موت تطلعات امة تريد العيش بكرامة ان دفنت احلامها، بدفن بعض قادتها ممن لم يحسنوا قيادة امتهم واضاعوا عليها فرص اقامة نهضة حداثية خاصة بهم .

1- دعوة الجابري في مشروعه النهضوي العودة الى التراث العربي تحدوه غاية وهدف انصافه لا زيادة تجريحه واماتته لما يحتويه من ذخائرحيّة فيه لم تمت بعد ولن تموت لان هذه المميزات تمثل الوجود المادي للامة قبل الوجود المعنوي الحضاري لها، وقال الجابري في احد عباراته الشهيرة ما معناه :علينا ان نكون اصحاب تراث نملكه و نقوده نحن ونعدّل به ونضيف له، وان لا نكون كائنات تراثية يسحبها الدين وراءه تابعين في تمجيده والسير خلفه كعبيد . اراد الجابري تأكيد ان الامة العربية تمتلك ارثا حضاريا واسعا جدا، ولا يمكن ان تفقد ثقتها بنفسها، وليس الاسلام عماد ذلك التراث الغني وحده، بل تصل جذوره الى حضارة وادي الرافدين في العراق، وفي مصر الفرعونية وحضارة سبأ في اليمن ودلمون في البحرين. ونحن مع كل هذا وكما يذهب له الغرباوي لاننقد الدين بما هو مجرد تكوين اصيل في تشكيل الوجود العربي، لكننا نركز اهتمامنا بنقد وتخليص الاسلام مما الحق به بعض المنحرفين من عنف وهمجية وتدمير هي ليست من صنع فكر النص الديني المقدس، وانما هي من تراكمات الانحرافات الموروثة المتجذرة في العقلية والسلوك الفكري الديني المنحرف، ومثلها في الاجتهادات المتزمتة التي عفا عليها الزمن وحان وقت تنظيف الجسم الاسلامي منها.

2- دعا الجابري في مشروعه النهضوي الاستفادة من مناهج الحداثة الفلسفية الغربية المعاصرة، و كيف استطاعت اوربا الخروج من ظلمات القرون الوسطى، لكن دونما اهمال الحذر ان لنا خصوصيات كأمة عربية اسلامية، ربما يجهلها الغربيون او يتجاهلون عنها، وفي خير تحذير طبقه الجابري على نفسه قبل غيره هو رفضه البنيوية ان تكون منهجا فلسفيا ومعرفيا مسعفا وملائما لنا في مراجعة ونقد تراثنا، وبقي امينا حريصا في كل مؤلفته على الاصالة العربية الاسلامية كجوهر لا يندثر ولا يموت في ضمير ووجدان العرب يتوحب عليهم وحدهم ايجاد حلول مشاكلهم الكبيرة التي تعيق وجودهم العصري الحضاري.

جورج طرابيشي ونقد النقد

ارى ان مصطلح نقد النقد في كل مجالات الادب والمعارف هو وسيلة ارتزاق ثقافي لمن لايمتلك شيئا جديدا يغني اصل النص المنقود برؤى تضيف له تخليقا ابداعيا يثريه. فنقد النقد ليس تفنيدا سلبيا لمقولات نصّية بحيث لا يجشم الناقد نفسه اكثر من تسجيل هوامش سطحية في تخطئة بعض فقرات النص الاصل وسحب سلبيتها التلفيقية على الكل.واجد في نقد النقد المتطّفل المتسوّل على من كتب وقال الكثير مثل المفكر الجابري، وهذا مدخل ينطبق على جورج طرابيشي الذي لا يمتلك شيئا غير النقد الادبي، وسوى اعادة قراءة الجابري ومؤلفاته من مصطلح نقد النقد في بناء امجاد فكرية زائفة لم يفلح النقد الادبي تحقيقها له.، وهو غائب في محل اقامته بباريس متناسيا هموم سوريا ولبنان ولا نقول هموم الوطن العربي الذي ربما كان تمذهبه الديني المسيحي يجعله خارج الانتماء الوطني العروبي بعكس الملايين من المسيحيين الشاميين وغيرهم من الذين وجدوا وطنيتهم العربية الحقيقية في تعايشهم مع جميع اديان وطوائف الوطن العربي معتبرين انفسهم اصحاب وطن لهم ماعليه وله ماعليهم سواء مع المسلمين او الدروز او غيرهم.

على كل حال ماقام به طرابيشي في التطفل الكتابي على مؤلفات الجابري يدخل في باب الاعتياش السلبي على مؤلفات وكتابات الجابري تعليقا وتجريحا في استعراضه قوة ليس في وقتها ولا في مكنها ولا حتى في ادنى اهدافها الوطنية، وليس لديه اي اضافة فكرية تحسب له في باب النقد على النقد، اوالتجديد وتقديم الافضل في نقده مؤلفات الجابري في نقد النقد. وفي مثال كتاب طرابيشي (نقد نقد العقل العربي) جال وصال طرابيشي في استعراضه عضلات النقد الاعتياشي التسوّلي في محاولته تهديم المشروع النهضوي العربي الذي وضعه الجابري في مؤلف واحد من سلسلة مؤلفاته تجاوزت خمسين مؤلفا هو (نقد العقل العربي) تناولت جميعها محورا مركزيا غاية في الحيوية هو مراجعة مسؤولة وثقافة بحثية موسوعية يعود الفضل لمن ابتكرها وقدمها في مجلدات في التاليف هو الجابري وليس كتّاب هوامش نقد النقد.

 ان الذي يضع على النقد نقدا اولى به ان يعطي البدائل التي تفتح امام القاريء افاقا او رؤى اهملها المؤلف صاحب النص المنقود وليس صاحب النص الهامشي لناقد نقد الاصل النصّي، ولا يهدينا غير معاول الهدم لكل بنيان مهما كان كبيرا او حتى متواضعا يضعه المفكرون العرب للخروج من حجرهم الحضاري الغربي الاستشراقي عليهم، و في محاولة الافادة من اخطائهم وبناء مرتكزات نهضوية لهم.

ادعو كل مثقف عربي اطلع على خرابات معاول الهدم الطرابيشية في مؤلفاته النقدية وكتابته هوامش استهدافه مشروع الجابري العربي النهضوي، وتسخير كل امكانات داعميه من دار نشر الساقي الى الداعمين خلف الستار في تجييشهم كل الامكانات المتاحة لديهم في النيل من الجابري كمفكر ولمشروعه العربي النهضوي، كمشروع تحديث عقلاني متزن بطروحاته التي أجمل الجابري في بحوثه ومؤلفاته ومقالاته وندواته كل مناحي التردي في الحياة العربية، مع اعطاء بدائل حلول للمشاكل التي يطرحها.الجابري في مجموع انجازاته الفكرية الموسوعية والفلسفية كان صاحب رسالة تاريخية اراد توصيلها بكل مسؤولية ونظافة ضمير لكل عربي على الارض العربية، الجابري لم يكن مثل غيره يتفلسف على لا شيء في محاولة استعراض سعة فكره والمامه بالتاريخ العربي ودقائق الفلسفة العربية الاسلامية.

من يقرأ مؤلفات طرابيشي في ممارسته التهديمية نقد النقد في استهدافه تقويض وتشويه ما اراد الجابري اقامته وتشييده، يجد ان مرجعية منهج الهجوم على منجز الجابري يغتذي من خلفية استشراقية تبناها والى اليوم من المفكرين العرب غير المسلمين العديدين، في دأبهم الذي لا يكل ولا يمل من تأجيجهم عقدة النقص التي تلازمهم انهم اقليات دينية مهمّشة، مظلومة وينبري من بينهم المتشّفين في انتكاسات العرب التي سببها نعرة اسيادهم المستعمرين من الفرنسيين والانكليز واخيرا الامريكان واسرائيل، الذين يجعلوهم يضعون قدما على الارض العربية، واخرى في بلاد المهجر الوطن الام وخدمة مراميه واهدافه الخبيثة المريبة بكل راحة ضمير وانتساب يقوم على دعارة الفكر والجسد.

ان ابسط مقارنة بين الرجلين الجابري وطرابيشي، وان كنت اراها مجحفة بحق الجابري تظهر مدى قوة وايمان وصبر الجابري في عدم الرد على جورج طرابيشي في ممارسته نقد النقد الاستفزازي له شخصيا كمفكر، نقد تجريحي تهكمي غير منصف بحق مفكر لم يستجد الاقامة السياحية لافي فرنسا ولا في اي بلد عرضت عليه استقباله بتكريم، ورفض كل الجوائز المالية من البلدان العربية وغير العربية وعاش الرجل الفيلسوف ومات ودفن في بلده المغرب العربي، ليكون بذلك من قلة من المفكرين العرب الذين تطابقت حياتهم مع افكارهم في ضمائرهم وفي سلوكهم المشرّف الممتليء عزة نفس وكرامة، ليس كما فعل جورج هو وامثاله من عرب الكدية والتسوّل في مسح اكتاف من يذكرهم عند ولي نعمة يكرمهم بزاد المهانة، وسلخ معظمهم اكثر من ربع قرن من اعمارهم مغتربين بعيدين يسمعون اخبار وكوارث بلدانهم كغيرهم من الاجانب. وينظّرون من اجل انقاذهم من مرابع الحضارة الاوربية.

بين اركون والغرباوي

كنت اشرت في مقالة لي على صحيفة المثقف، ان المفكرين محمد اركون وماجد الغراوي يلتقيان في معالجتهما اشكالية الفكر الديني الاسلامي وتعالقه المعيق المعرقل لحداثة عربية منشودة، وان الاصلاح الديني يعتبر المرتكز والمحور الاساس، في اقامة نهضة عربية اسلامية مستدامة ارادها الغرباوي كما سلفه الجابري عربية اليد واللسان.

لا شك ان الاصلاح الديني كان الشغل الشاغل لرواد مفكري عصر النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر، في التزامن مع الانبعاث العروبي القومي للتخلص من هيمنة الاستعمار الكولونيالي الغاشم وقبله الهيمنة العثمانية التركية على حكم الوطن العربي والنزاع بينهما للسيطرة على ثرواته.من هؤلاء المفكرين الاصلاحيين نذكر : (الافغاني، الطهطاوي، محمد عبدة، علي عبد الرازق، رشيد رضا وغيرهم من مفكري مصر لوحدها) يشاركهم مفكري المغرب والمشرق العربيين بما لايمكن حصر اعدادهم من القدماء والمحدثين المعاصرين.

اركون كمفكر معاصر وضع اصبعه على الجرح القديم الجديد في وجوب اعطاء الاصلاح الديني الاولوية في وضع نقطة ارتكاز انطلاقة نهضة عربية حضارية واسلامية في الوطن العربي. واشتغل بخلاف الجابري على اهمية (نقد العقل الاسلامي) وليس العربي، في تحقيق انبعاث نهضوي. وبحكم الاقامة الدائمية لاركون في باريس على العكس من الجابري طرح اركون مبتدأه في الاصلاح الديني كما فعلت اوربا في سلسلة ومراحل بناء نهضتها بداية القرن الثامن عشر لتحصد اولى ثمار نهضتها في القرن التاسع عشر بفصل وصاية الكنيسة الكاثوليكية عن التدخل في الحكم والعلم وشؤون الحياة المجتمعية للناس. بمعنى ادق ان اركون اراد تطبيق التفكير الاستشراقي الاوربي وتحديدا الايطالي في ارهاصات النزعة الانسانية التي انطلقت منها في القرن الرابع عشر قبل انتقالها الى فرنسا ومن ثم دول اوربا قاطبة. وكذلك منهج الاستشراق الفرنسي ايضا كمنهج دلالي تاريخي متدرج مرت به انطلاقة الحضارة الاوربية في الثورة الفرنسية 1789م. في محاولة اركون معالجة اشكالية الفكر التراثي الديني عندنا وتقاطعه في كل شيء تقريبا مع معطيات العصر والحضارة العالمية.

في هذا التمّفصل طرح الغرباوي مشروعه في نقده الفكر الديني واصلاحه كمحور ارتكاز في تحقيق انطلاقة تحديثية لكنه باختلاف ان المنهج الاستشراقي لا يقود الى اصلاح فكري ديني عربي مشبّع باشكاليات تدفن معها منهج الاستشراق والهدف الفلسفي منه في مقبرة المحاذير العدائية الاجتماعية والفكرية المتجذرة عند العرب نتيجة مممارسات الاستعمار القديم بحقوق شعوبهم الانسانية المشروعة. ومن جهة اخرى ان شعار علمنة الحياة العربية برمتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، ليست من السهولة مقارنتها مع علمانية الغرب التي حققتها فرنسا منذ عام 1905م. لذا وجد الغرباوي نفسه وكذلك مؤهلاته الفكرية الدينية التخصصية بحثيا واكاديميا اقرب الى اتباع منهج يقوم على (اهل مكة ادرى بشعابها) في نبذه المنهج الاستشراقي في تنفيذ نقده الفكري، وفي تحاشيه اللقاء غير المجدي مع مشروع الجابري القومي العربي الذي تمليه على الغرباوي مشروع الاسلامية الحضارية من خلال اصلاح الفكر الديني اولا وقبل كل شيء. بعيدا عن كل من نزعتي القومنة العروبية ونزعة التمذهب الديني السياسي.

 من الحقائق التي ارساها اركون بوضوح ان بداية النهضة العربية تنطلق من انجاز مهمة الاصلاح الديني، كانت موفقة في تشخيصه الداء ولم يوفق في ايجاد منهجا سليما يحقق به غرضه. هذه فرادة فكرية تحسب لاركون لكنه اعدم هدفه الحضاري النهضوي في تمسّكه بمنهج ومصطلحات الفلسفة الفرنسية في البنيوية والتفكيكية في محاولته الباسها مشكلات الوطن العربية بهدف معالجتها. بل اركون كان مخلصا ومقتنعا ضرورة مرور الامة العربية بنفس المسار التاريخي المتدرج الذي مرت به اوربا وحققت بالتالي نهضتها الحضارية بداية القرن19. وهو ما افاد الغرباوي منه كثيرا في تقاطعه مع اركون في هذه النقطة تحديدا.

 الغرباوي وتفكيك النص

على العكس من متبنيات عديد من المفكرين العرب المعاصرين الذين يتلقفون منتجات الفلسفة الاوربية في معالجة النص العربي عموما فلسفيا، وتحديدا في تكريسهم ما يطلقون عليه اشكالية اصل النص في تكريس البنيوية له كسلطة ومرجعية لا قيمة لها من بعدها لأية مرجعية انسانية او ميتافيزيقية او تاريخية وغيرها، بخلاف ذلك جاءت تفكيكية دريدا مصادرة ان اصل النص الذي عماده (اللغة) لا يمتلك اية مرجعية تجعله مصدرا في محاكمة الافكار الفلسفية والجدوى المعرفية منها.

عمد الغرباوي كي لا تكون منهجيته في تفكيك النص الدينية نتيجته الخروج كما في التفكيكية عن اية حالة ثبات مرجعية يتطلبها البحث في تكريس منطلقات فكرية جديدة واجب اعتمادها. لذا اعلنها صريحة: (اني لست مع التفكيك – يقصد في مفهومه الفلسفي- غير اني اسعى لاقصى ممكنات الغوص في اعماق الظواهر الاجتماعية والدينية لا دراك الحقيقة، وتقديم قراءة موضوعية تناى عن المراكمة فوق ركام الخراب المعرفي ودوامة التخلف) ص10 من كتابه.

المتابع لكتابات الغرباوي يجد ان فهمه لتفكيك النص الديني لا تقوم عنده على التزام فلسفي سوى دأبه المتواصل وتنقيباته الحفرية في بطون التراث الاسلامي لوصول هدف حقيقة الاشياء والحوادث التاريخية، لا كما حدث ووصلنا تاريخيا مدرسيا تراثنا العربي الاسلامي خاليا غالبيته من كل صدقية يحكمها العقل النقدي التاريخي، وكذلك نقد الفكر الديني الحصيف، ولا من حيث كان يتوجب ان تكون معظم مواريثنا الحضارية في مسارها الصحيح وتجنيبها المجتمعات الاسلامية تبعات الاخطاء المتراكمة المبنية على وقائع زائفة كلفتنا دماءا وكوارث لم تكن لتحدث لو كانت الشخصيات المسؤولة عنها تاريخيا التزمت حقيقة الدين وليس شهوات الحكم والسلطة، وتغليبها امور دنياها على موعود دينها.

الوجه الّآخر الذي ابتغاه الغرباوي في نقده النص الفكري الديني وتفكيكه ليس في الوصول الى فائض قناعات اخرى بديلة تمتلك مصداقية قبولها العقلاني والمنطقي حاضرا بما يلغي اصل النص بالتعبير الفلسفي، وانما كان اهتمام الغرباوي منصبا لاعادة حضور جوهر النص الديني في قدسية بكارته من التحريف، قبل تدنيسه وتشويهه بالاكاذيب والدسائس والحيل التي جعلت من اصل النص مدفونا بالحياة قبل الممات مجردا من كل فاعلية او حضور ديني مجتمعي اخلاقي .اراد الغرباوي اعادة حرمة وقدسية النص الديني المستمدة من وحي النبوة المؤمن بها، الى حضوره الفاعل في الحياة العربية الاسلامية التي تفهم التدين اليوم اسلاميا قائما بالاسم، ومغيّبا غائبا في التجنّي عليه في ممارسة العنف والقتل والذبح والسبي والهمجية التي تغذي الاختلالات العقيدية والدينية والاخلاقية التي تسوس و تسود مجتمع قطيعي لا يفهم من الحياة اكثرمن مفردتي جنة ونار.

الغرباوي لم يقم بتفكيك النص الديني من اجل تحقيق غايات فكرية فلسفية تضاف الى اصل النص، وتكون قراءة جديدة تضيف هوامش عليه لا في رغبة محاولة تفكيك النص من اجل كشف اللامعلن المستور فيه، كما ان اختلاف تفكيك النص عنده، في التزامه حكمية النص الديني عليه دون النص الادبي ولا الايديولجي او الفلسفي لا تماهيه رغبة اعدام النص الاصل كما في فلسفة التفكيك. بل يعمد تفكيك الغرباوي للنص الديني ليس كتابة هوامش نقدية له ولا في محاولة اغتيال اصل النص كما في الفلسفىة في تعطيل مرجعيته الفكرية التداولية، بل في محاولة تثبيت اصالة النص الديني المقدس بيقينيات عقلانية نظيفة، وليس محاولة تفكيك النص فلسفيا بغية تضييعه في تضاعيف الالغاءات المتتالية عليه.

ان مشكلة الغرباوي مع الفلسفة في التفكيك ان النص الادبي او الفلسفي او المعرفي يتقبل القراءات الصعبة اللغوية التجريدية التفكيكية التي تتربص به في تعطيل فاعليته التداولية كمرجعية وثوقية ثابتة. بينما يكون تفكيك النص الديني لا يلتقي مع هذا النهج من الالغاء الفلسفي، لان الناقد هنا تحجّمه قدسية النص الديني موضوع البحث امامه، بانه نص غير وضعي يطاوع الالغاءات المستهدفته.

هنا التفكيك في مفهومه العابر للتفلسف تنحصر كل محولاته ومجهوداته في الوصول الى قراءة جديدة للنص له بعد تخليصه وتشذيبه من جميع المراكمات التي استهدفته بالتغييب ليس اللغوي كما في الفلسفة، بل بتغييب وعطالة دوره في الفهم العقلاني الصحيح غير المّحرف له، في فهم المسيرة التاريخية الدينية في حقائقها المغيّبة.

مشكلة النص الديني الذي يتأبى على التفكيك الفلسفي تتأصل مرجعيته التي يرفضها التفكيك اللغوي، من طبيعة النص الديني المضمونية كمقدس ديني وليس في مشكلته الشكلانية اللغوية فيه، النص الديني قدسيته المستمدة من معصومية القران لغة ومضمونا تحديدا، لا يمكن ان يطاله التفكيك بالتغيير او التلاعب به لغويا ولا مضمونيا، بل يطاله التفكيك بمعنى حاجته الى التحرر من سجن الخرافات والاوهام والانحرافات التي طرأت عليه باسم الحفاظ عليه.ولا اعتقد هذه الحقيقة البحثية غابت عن تفكير الغرباوي وفهمه لمعنى واختلاف التفكيك في النص الديني عنه في النص الادبي او اوالفلسفي السردي.

استطيع الجزم ان تطبيق هذا المفهوم البجثي الفكري عند الغرباوي حاضرا، انه ليس سهلا نقد النص الفكري الديني من دون استحضار حذر مبدئي ان هذا النص يمتلك خصوصية او اكثر، فهو يمتلك (قدسية) الهية لا يمكن للباحث الاقتراب من النيل منها، لكن الاهم هو ان النص الديني استقطب يمرور الوقت وتوالي العصور، تراكمات من الخرافة والتشويه والانحراف الايديولوجي القصدي، في تداول المخطوء الدخيل عبر عصور التحقيب الزمني الطويلة في مرافقة اصل النص الديني الصحيح مع التنامي الذي اصبح تنامي هذا المتراكم الطاريء المضلل يخلع على نفسه يقينيات كاذبة على انه اصل ومرجعية النص الديني الواجب تقديم الطاعة العمياء له في تغييب وتناسي استحضار واحياء حراك النص القدسي الحقيقي في تصحيح المسار التاريخي المخطوء. ببسيط العبارة لم يعالج الغرباوي فكر النص الديني من منطلقات فلسفية تفرض نفسها على النص وهو في عدم حاجته لها لا شكلانيا نقديا ولا مضمونا فلسفيا كموضوع.بقدر حاجة الغرباوي كباحث نفض جميع المتراكمات الزائفة المغيبّة لاصالة النص الديني.

تجديد الفكر الديني لدى الغرباوي، ليست غايته خلق تنظير نسقي فكري ديني متجدد، لا يعتبر اصل النص الحقيقي وقدسيته مرتكزا محوريا وحيدا في ايجاد تفكير ديني محايث العصر والحداثة، ولا علاقة لهذا الفكر غير دوره في تحرير المنطلقات الفكرية القدسية الاصيلة من راهنية الحجر عليها بالزائف والخرافي والايديولوجي.

ان الاتيان بفكر تجديدي ديني يتحاشى المساس اصل النص المقدس، وانما التجديد كان عند الغرباوي التجديد في استهداف موروثات التداول الانسي الذي اتخذ صفة المقدس، لابل احيانا اخذ يزاحم التنزيل النصي المعصوم، وعن هذه الحقيقة يقول الغرباوي ص 16.

(لا يمكن اهمال مصدر النص عندما يؤسس لأي سلطة سياسية او دينية او اجتماعية او معرفية، لانه هو المعنى حقيقة لتحديد مستواها، فيكون جزءا من النص، وليس خارجا عنه، اي يجب قراءة النص بما انه كلام الله او قول النبي ليستمد منها حقيقته وسلطته. كما بالنسبة لرواية الخلافة في قريش او الامامة في قريش. التي غيرت مجرى الحداث يوم السقيفة، فما كان لها ان تؤثر كل هذا التاثير لولا نسبتها للرسول، لذا قلبت موازين القوى باعتبار قدسية النبي ووجوب طاعته قرآنيا).

والتاكيد الاهم في ذلك على لسان الغرباوي: (ان سلطة النص المؤسسة تتوقف على مصدرها ومدى صلاحيتة الوثوقية وقدسية ووجوب طاعته). ص17

اكتفي بهذا القدر على امل تناوله في مقال لاحق.

 

علي محمد اليوسف – باحث فلسفي / الموصل

 

 

علي محمد اليوسفتلخيص وتعريف اولي: كتاب المفكر الاسلامي ماجد الغرباوي (النص وسؤال الحقيقة / نقد مرجعيات التفكير الديني) هو من سلسلة كتب المرحلة العربية الضاغطة على حياتنا المعاصرة في وجوب استنطاق النص الديني من اجل الوصول الى الحقيقة المغيّبة وراءه في مراكمة التخلف عبر العصور والتاريخ، ومن قراءتي غير التخصصية الدينية في قضايا الفكر الديني الاسلامي مضمون الكتاب، استوحيت الملاحظات التوضيحية التي ارجو ان اكون موفقا بها، وابدأها بالتالي:

1- لا اعتقد اكون مصادرا متسرعا أن لا اشير الى جهد الكاتب المميز، ان الكتاب هو واحد من سلسلة مؤلفات بدأها الغرباوي في تأسيسه مشروعا منهجيا نهضويا عربيا اسلاميا نقديا جريئا، يفرضه واقع الامة العربية والاسلامية المتراجع باستمرار. ويبتعد المؤلف في نسبة كل تلفيق وهمي يبّرز تاريخنا الموروث والديني تحديدا انه نموذجيا في معالجته كل مشاكلنا المعاصرة في الحياة. وكذلك في دأب غالبية كتابنا الاسلاميين في اعادة وتكرار سرديات التاريخ التراثية في نقد الفكر الديني الذي اعتاد ملامسة قشرة الاختلالات الواقعية التاريخية فيه، بعيدا عن تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، وطرح الاشكاليات التناقضية فيها على بساط المناقشة الجادة في تعرية الاكاذيب وابراز حقائق الامور المغيّبة.

كما استبعد- الغرباوي في كتابه - الشد والجذب المذهبي الطائفي المتوارث المتجّذر في عمق الخلافات الطائفية اليوم، في نقده الفكر الديني وقضاياه، لا بما يتوخاه غيره ويسعى له من المؤلفين الاسلاميين الايديولوجيين في تأجيج صراع الاجيال المذهبي الديني والطائفي وتعميقه اكثر، والذي بات معه التعطيل المذهبي للحراك الديني المطلوب خارج التطرف المذهبي، مغيّبا في صرف النص عن مهمته حراكه التجديدي الى امام، ومنذ زمن ليس بالقصير يأخذ هذا المنحى التصادمي صفة الانفرادية القسرية التي تحاول فرض هيمنتها السلطوية او الايديولوجية في احتكارها الدين والفكر الديني بها ولها من جانب المذهب الاسلامي الواحد، الذي يصادر اصل النص الديني في جوهره و براءته الموحى به تنزيلا مقدسا، في رفض كل قراءة نقدية مغايرة تجديدية للنص الديني، وفي تغييب اجلاء عصمتة المذهبية الوحيدة الروحية المستمدة من احتكار اصالة الايمان السماوي، وتمذهبه المتزمت في المذهب الواحد أوفي فئة ممن يطلقون على انفسهم الفرقة الناجية في تكفير اجماع المسلمين المدينين لضلالهم، وفي اغتيالهم هذه الاجماعية الايمانية الطبيعية البعيدة عن الكراهية والعنف، المترعة بحقيقة ارتباط العابد بالخالق بعلاقة روحانية متفردة في قيمتها الدينية، فقاموا بالتحريف العمد والانحراف المقصود، في نزع أصالة هذه الحقيقة الايمانية من عصمتها الالهية واستبدالها بفكر ديني بديل وتفكير ايديولوجي سياسي متخلف مخادع كاذب محتواه وقوامه المغالطات في ازاحة اصل النص الديني الموحى به واضاعتهم قداسته خلف حجب المتراكم من الاكاذيب و الخرافات والاجتهادات الفقهية الدخيلة، والتعصّب الاعمى في الاختلافات السائدة في تحريف الفكر الديني سياسيا، وتبني العنف واقصاء المسلمين من غير المذاهب في مصادر الحقيقة الدينية لحسابه وحده دون غيره، وتكفير غير المسلمين ومنع حقهم بالمشاركة في وطنهم . ومنع مهمة الاسلام المتعدد المذاهب من التعايش الديني مع الاخر، والاسهام المشترك في تحديث الحياة العربية الاسلامية. كل هذا وغيره وراءه دوافع ايديولوجية سياسية جعلت من النص الديني سلعة تباع وتشترى في اسواق ومزادات التخلف والتجهيل العام، وفي جعل هذا المتداول الفكري الديني الخرافي المتخلف العابر لانسانية جوهر وصدقية الدين في انسانيته ونقائه، المصدر الغالب والمعتمد في تعميم هذا التفكير الديني الضال والمضلل ايديولوجيا سياسيا في لجمه اية محاولة مراجعة ونقد وتصويب له تقتضيه الحياة العصرية بما يجعل من التديّن يماشي روح الحداثة ويبعث التجديد المتحضر في مناحي اجتهاداته التكفيرية العقيمة .

2- ان سلسلة المفكرين العرب والاسلاميين من الذين تنبهوا اهمية معالجة انحرافات الفكر الديني الايديولوجي وتكبيله ومنعه لأي تقدم في الحياة العربية الاسلامية، كانت بداياتهم مع مفكري بداية القرن التاسع عشر، مع العشرات من مفكري مصر القدامى والمحدثين، وغيرهم على امتداد الوطن العربي بما لايمكن حصرهم، ومن مفكري المغرب العربي خير الدين التونسي، ومحمد عابد الجابري، والجزائري محمد اركون، وعشرات آخرين ولن يكون مشروع الغرباوي آخرهم او الوحيد مع مفكري العراق وبلاد الشام، من الذين وجدوا ان تحقيق نهضة الامة مبتداها ومنتهاها يكمن بتحقيق معالجة اعاقة الفكر الديني الوضعي الرجعي واصلاحه امام تغييبه انطلاقة نهضوية علمية حضارية تنشدها الامة العربية الاسلامية. وفي هذا المنهج نجد الغرباوي يلتقي مشروع محمد اركون وعدد كبير من المفكرين الاسلاميين قبله الذين اجمعوا على اهمية واولوية الاصلاح الديني كبداية ومحور ارتكاز تقوم عليه حلول عوائق التخلف الاخرى المتفرعة عنه والمرتبطة به.واعتبارهم اعادة نقده و كتابته وتجديد النهج الاصلاحي الديني خط شروع اولي في تحقيق نهضة عربية حداثية. هنا يلتقي الغرباوي مع اركون في اولوية الاصلاح الديني كمرتكز نهضوي اصلاحي كما فعلت اوربا، لكن باختلاف (المنهج) الذي كان دعا له العديد من المفكرين الاسلاميين، في انجذابهم نحو منهج الاستشراق ربما كان ابرزهم اركون من المفكرين المحدثين، والذي لم يعتمده الغرباوي واستبعده في جميع كتاباته ومؤلفاته.

3- هل نحن محقّون في تساؤلنا لماذا لم يطرح الغرباوي النص وسؤال الحداثة بديلا عن النص و سؤال الحقيقة؟ وهل يوجد فرق تحقيق اسبقية بين الاثنين؟ ام ان الوصول الى تحقيق قيم الحقيقة يعني استيعابا ضمنيا في تحقيق قيم الحداثة على اعتبارهما اهم افصاحات العصر عن ذاتيته الحقيقية وترسيخ حقائق الامور في حداثة الحياة وفي معاصرة حقائقها العلمية السائدة عالميا. اجد ان لا اختلاف بين تحقيق الحداثة وتحقيق كشف الحقيقة انهما مرتكز واحد يجمعهما الهدف الواحد المنشود في تحقيق المشروع النهضوي، لكن يبقى الاختلاف في منهجية التناول وفي أسبقية هدف التحديث مجتمعيا في تخّلف تحققه عندنا قرونا طويلة بسبب تغييب الحقائق العلمية التاريخية والحقيقة الدينية حصرا.

الغرباوي كرّس جهده البحثي في التزامه منهجا (تاريخيا) يفرضه عليه هدف البحث وموضوعه لا وسيلته الثانوية التي اعتبرها بعض المفكرين العرب والمسلمين (هدفا ووسيلة) معا في كتاباتهم. وبما يفرضه مصدر النص القدسي كموضوع بحث ودراسة ومراجعة نقدية، يختلف عن مصدر النص الفلسفي في معالجته مباحثه فلسفيا منطقيا تجريديا مختلفا عنه في منهجية معالجة الفكر الديني، في ابتعاد المنهج الفلسفي عن منهجية التفكير الواقعي التاريخي الذي فرض نفسها على الغرباوي، فالمنهج عند الغرباوي لم يعد يشكل طموحا او هاجسا يراوده امام مهمة سعيه تحقيق تغييرا مفاهيميا في فكر ديني بات لا يماشي العصر ويتقاطع معه، وليس في اهتمامه مناقشة مباحث فلسفية يقتضيها ويفرضها منهج منطقي تجريدي يعتمد مركزية اللغة، ولا يعير اهتماما لحقيقة مشكلاتنا، ولا لمصدرية ثيولوجيا النص او تاريخيته، ولا مبتغى نقده فلسفيا، فما يعنى به نقد الفكر الديني تاريخيا عندنا يمثل بالنسبة لقيم الحداثة الغربية التي ارستها الفلسفة المعاصرة، مع تعاون تداخل العلم وايديولوجيا التحديث الديمقراطي عندهم منذ عصر النهضة والانوار، لم تعد تمثل عندهم اشكالية ذات حضور مصيري هام يهّم حياتهم كما هي حالنا.

فالبحث عن الحقيقة الدينية المفروضة علينا حداثيا عصريا لا تشكل لدينا ترفا فلسفيا يقبل المناقشة الزمنية الطويلة وتاجيل حسمها، انما هي عندنا تقوم على تصحيح مسار تاريخ خاطيء زمني طويل للفكر الديني لدينا كوقائع واحداث ومعارف موثقّة تاريخية تشكل ركيزة مفصلية مهمة من تراثنا العربي الاسلامي، وهذه الحقيقة التي نحياها وتؤرقنا لا تشكل مشاكلها اي اهتمام في مباحث الفلسفة الغربية المعاصرة فلا التاريخ ولا الديني ولا الحضاري ولا حتى العلمي يهم شعوبها اليوم كمشاكل تدخل صميم حياتهم المعيشية او مستقبلهم الحضاري في تقدم الحياة، فلكل من هذه المسارات المصيرية في حياة شعوبهم اخذت طريقها الصحيح المستقر الذي لا تحيد عنه ولا تسمح للانحرافات النيل منه واستهدافه.

4- اننا حسب ما اعلنه المفكر الغرباوي يهدف تحقيق (قيمة الجهود المبذولة المكرسة لنقد مرجعيات التفكير الديني واشكاليات العقل التراثي.). ص8

بضوء ما اشرنا له سابقا الغرباوي في مفارقة منهجية لا تقاطع هدفه التحديثي النهضوي، يعتمد المنهج الفلسفي البنيوي واحيانا التفكيكي في مراجعته النقدية الصارمة للنص بغية تصحيح اخطاء الفكر الديني واعاقاته الحضارية، وقراءته قراءة جديدة معاصرة كنص تاريخي وليس نصا فلسفيا لغويا مجردا، ولا يستحضرالغرباوي امامه كشف وتصحيح ونقد مسارات ومباحث الفلسفة المعاصرة في محاكمتها النص تجريدا (لغويا)، فالفلسفة وقضاياها لا تشكل عند الباحث العربي التاريخي اولوية بحثية قبل اولوية وتراتيبية هدفه المنشود في نقده الفكرالتراثي بضمنه الديني كتاريخ وتجارب واقعية، وكمعرفة واساليب حياة متجذرة مجتمعيا فقط، التي أخرجت عدم الاهتمام الغربي بها منذ استبعاد الميتافيزيقا عن مباحث الفلسفة المعاصرة في القرن السابع عشر. باختصار شديد جدا لا يصبح المنهج او الاسلوب الفلسفي غاية في ذاته لدى الغرباوي الذي لم يستغن عن الفلسفة كمنهج بحثي في نقده نص الفكر الديني، واصلاح يقينياته الزائفة المهيمنة والمكبلة لكل مناحي حياتنا ومنعها من التقدم الى امام بفارق جوهري مهم انه لم يطوّع حقائق الفكر الديني لمنطق الفلسفة.

من اهمية المشار له سريعا ان الغرباوي الذي وجد الفلسفة المعاصرة اليوم تقوم على محورية واولية دراسة النص (لغويا) تجريديا، من غير موضوع او محتوى متعّين واقعيا يفرض حضوره واهمية معالجته فلسفيا لا سرديا فكريا، نجد الغرباوي لجأ قسرا مضطرا بحكم واقعية النص الديني التاريخية التقديسية، الواجب مراجعته في تغليب اولوية مراجعته النص الفكري الديني ونقده تاريخيا في مضامينه كاحداث واقعية تاريخية حدثت وشكلت موروثنا الحضاري او جزءا مهما منه اختلط فيه الديني والسياسي والمجتمعي.اي انه لم تستهوي الغرباوي تفريغ مبحثه الفكري الديني تاريخيا فلسفة محورية اللغة الغربية المعاصرة.

ما فعله الغرباوي في مؤلفه بخلاف غيره، وحضور هدف التحديث المجتمعي امامه، وجد ان مناهج الفلسفة المعاصرة التي يقوم مرتكزها على معطيات واهتمامات هي غيرها عندنا، فاستبعد الفشل الذي كان ينتظره لو انه اعتمد منهج التجريد الفلسفي القائم على مركزية محاكمة النص لغويا التي اوقعت العديد من المفكرين العرب في حبائل المنهج الفلسفي الذي يدور حول المشكلة ولا يقترب من تصحيحها او حلّها، وعلى حساب اضاعة الموضوع، كي لا يتهموا بالكلاسيكية التنظيرية فابتلع جهودهم الفكري الافتتان بمناهج الفلسفة تاركين معالجة المواضيع والاشكاليات التاريخية في تراكمها الاعاقي تضيع خلف ظهورهم في ركضهم التمّكن من التفلسف المعرفي غاية بذاتها وليست اداة معرفية لتغييرمشاكل الحياة العربية، اذ ان هذا النوع من الآلية الفلسفية القائمة على تحليل وتفكيك النص لغويا، كان ممكن ان يسقط جهد الغرباوي النقدي التاريخي ويضيّعه في حال استهواه المنهج الفلسفي قبل هدف نقد النص موضوعيا وتاريخيا للخروج بنص متجدد يخدم غرضه البحثي، ولوقع كما اشرنا في فخ مباحث الفلسفة التي تتعامل بتجريد لغوي وليس مع وقائع تاريخية تفرض معالجتها كنصوص يحكمها التاريخ والجغرافيا والزمان والمكان، ويستشهد الغرباوي بشخوصها ودورهم في صناعة وكتابة التاريخ التديني الاسلامي الصالح او الطالح، وهذه جميعها لا تشكل اليوم اهتماما فلسفيا وبخاصة دراسة النص الديني والكشف عن تخلفاته وانحرافاته القاتلة بضوء مدارس التفلسف الغربية. من الملاحظ في دراسة اشكالية التراث العربي الاسلامي مع المعاصرة والحداثة ان غالبية المفكرين العرب الاسلاميين يبتعدون نهائيا عن تدعيمهم الافكار التنظيرية الفكرية باستشهادات يستحضرها الغرباوي من بطون التاريخ بشخوصها المتنغذة ويضعها بكل جرأة وشجاعة امام محاكمة النص الحداثي وكشف حقيقته كما هي تاريخيا وليس كما تلقيناها تلقينيا كمسلمات يقينية لا تحمل ادنى درجات المناقشة.

هذه المباحث الفلسفية الغربية التي يضيع فيها الموضوع في الركض وراء المنهج الفلسفي الشكلاني حتى المدارس والتيارات الفلسفية الغربية المعاصرة بدأت التململ للخلاص من شراك اللغة التي اصطادت مباحث الفلسفة وادخلت الفلسفة في نفق التجريد اللغوي العدمي والضياع الذي يستطيع قول كل شيء ولكنه لا يعطيك نتيجة اي شيء. لان الاسلوب او المنهج لا يحدد لك ولا يعطيك موضوع البحث، وانما العكس هو الصحيح فالموضوع هو الذي يحدد لك اسلوب وطريقة معالجته. في النقد التاريخي الوثائقي الواقعي لا يستطيع الباحث الدوران في فلك التجريد في اضاعته الموضوع، في وقت يتسنى مثل هذه المراوغة المخاتلة في الدوران التجريدي في المنهج الفلسفي الذي يهتم بالاسلوب في الصيغة اللغوية الشكلانية في محاولة معالجته امورا لا علاقة لها بالتاريخ ولا تجد من يسأل الباحث ماذا حقق من جديد في تغيير القناعات الفكرية قبل تغيير واقع الحال.

واذا كان الغرباوي يلتقي الفلسفة انه بحسب قوله (يسعى وراء اختراق الممنوع واللامفكر به، اذ جميعها تراكم معرفي لمقاربة الحقيقة وترشيد الوعي ضمن مشاريع هادفة فاعلة) ص9. من هنا جاء انشداد الغرباوي كما ذكرنا الى محاكمة النص الفكري الديني الاسلامي تحديدا بمنهج تاريخي محدد الهدف واسلوب واقعي مباشر في المعالجة وفي جرأة استقدامه شخوص اسلامية تاريخية لعبت دورا مصيريا في صناعتها تاريخا عربيا اسلاميا منحرفا و مفاهيم خاطئة كانت ادوات تنفيذها شهوة الحكم وتسمية اشخاصها وتحميلهم مسؤولية الانحرافات التي عمقت الفجوة المذهبية الاختلافية التي وصلت ومنذ العصر الراشدي الى حدود التكفير وشن الحروب والاقتتال والدسائس في الدين الواحد. هذه الانحرافات الخطيرة والتي كانت سابقا تسيّجها اسلاك شائكة من الاضاليل السياسية الباطلة، أو خطوط حمراء في دواخلها ونواياها تحريم وتجريم يصل الى حد التكفير والزندقة. تناولها الغرباوي ووضعها تحت حكمة ومنهج القراءة العقلانية الجديدة، بغية الوصول الى قناعات يقينية لوقائع تاريخية تحمل حراكها التضليلي، وتشكل موروثا فاعلا في صنع العقل المستقيل والمغّيب عن فهمه واقعية الامور وحقائقها المطمورة تحت تراكم تداول المخطوء المكتسب قدسيته الزائفة المستمدة من لا اصالته المغيّبة قسرا وحسب، بل من معالجة تراكماته التي ضاع معها الكثير من الحقيقة والاصالة التي لا غنى لنا عنها الا في احيائها ان تاخذ دورها الحقيقي في بناء نهضة عربية اسلامية حضارية معاصرة.

5- اشار الغرباوي في لمحة سريعة للفيلسوف محمد عابد الجابري، انحيازه، للعقل المغربي ضد العقل المشرقي في مشروعه نقد العقل العربي، مما اضطر جورج طرابيشي – والكلام للغرباوي –تاليف كتاب(نقد نقد العقل العربي) او (رهان مشاريع انسنة المقدس على اقصاء مطلق الدين كشرط اساس للنهضة في مجتمع يستأثرالتراث بمعظم مرجعياته العقيدية والثقافية، بل وحتى السياسية في رهانات خاسرة). مقدمة كتاب الغرباوي.

لا اريد مناقشة الاستاذ الغرباوي، رأيه في الجابري، التي عالجها بذكاء ليس ادانته الجابري في تكملة عبارته رفض (انسنة المقدس على اقصاء مطلق الدين كشرط اساس للنهضة ) وهو مانجده اهتماما محوريا في فلسفة وفكر الجابري.

الجابري عنده العقل العربي الاسلامي في المغرب هو امتداد النزعة العقلية التي اخذها بن رشد عن ابن سينا والفارابي والكندي والمعتزلة، وارساها في المغرب العربي كعقل نقدي انصار بن رشد في الاندلس والمغرب من الذين جاؤوا بعده مثل ابن ماجة وابن طفيل، الذين اعتمدتهم اوربا دعاة العقل في الحضارة العربية الاسلامية. واتهم الجابري في انحيازه البحثي هذا ابو حامد الغزالي في مناوئته لابن رشد في الدعوة الى الصوفية وفي كتابه تهافت الفلاسفة التي ناصره به الاشعرية ضد المعتزلة، في معاداتهم العقل الايماني، بدلا عن الايمان الصوفي المعتمد وجدانية القلب قبل العقل. كما ان الجابري برر اتخاذه مثل هذا الموقف الموضوعي المناويء، ان الغزالي لم يفت (يفتي) في الجهاد ابان الحروب الصليبية، وقد اتخذ جورج طرابيشي موقفه المضاد لما ذهب اليه الجابري في منحى لا يخلو من تأليب مبطن ضد عقلانية المغرب العربي القريب من اوربا بما ساوضحه لا حقا.

لا اعتقد جازما ان الجابري اراد تحميل عطالة نهضة التاريخ العربي الحضاري ومنع امتداده التقدمي على عاتق فلاسفة اهل المشرق العربي وتقصيرهم انهم ورثة التاريخ الصوفي في الدين وقضايا الحياة العربية الاسلامية، ناعتا اياهم انهم كانوا بلا (عقل) حضاري وبغداد ملأت الدنيا وشغلت الناس ومثلها حاضرة البصرة والكوفة وسامراء. الجابري مفكر وفيلسوف نهضة عربية اسلامية عاشها في ضميره وحملها في فكره وقلبه، تعتمد قواها الذاتية ومخزونها من التراث الحضاري، اما جورج طرابيشي فهو ناقد ادبي متشفّي في مراوحة العرب المسلمين في اماكنهم التاريخية المتخلفة، ولم تستطع جعجعة طرابيشي في (نقد النقد) الذي استهدف الجابري ومشروعه من تقديم ادنى اسهام حقيقي بديل يساعد الامة على نهوضها الحضاري، ومتابعاته النقدية حملت الكثير جدا من التجّني التيئيسي ليس في محاولته الاجهاز على مشروع الجابري النهضوي، وانما تشفّيه وهو مقيم مخضرم بباريس على تضييع العرب مراحل تاريخية زمنية في تأخير نهضتهم المنشودة وتخبطهم في تاريخ من الضلال الذي يقوده المهيمن الفكري الديني الاسلامي بكل تسمياته ومذاهبه ومخرجاته. وهو ما ساوضحه اكثر لا حقا على قدر اهميته.

التمس العذر من المفكر الغرباوي ارجائي عدم التركيز عرض بعض افكاره في كتابه تفصيلا فهو خارج اهتماماتي في الكتابة الدينية ومباحث الاجتهاد الفقهي لها، قبل مغادرتي هذا التوضيح الاشكالي الذي اراده طرابيشي في محاولة النيل من الجابري كمفكر و من الجابري كصاحب مشروع نهضوي عربي، لا ضير في مناقشته وفي اعطاء البديل لما ذهب الجابري له في مؤلفاته اذا وجدنا فيه تقصيرا او ضلالة، استطيع القول ان قراءة طرابيشي للجابري ليست بريئة لا في شرح حمولة النص الفكري الديني الاسلامي، ولا في مغالطاته التاريخية الفلسفية والمعرفية التي الصقها بالجابري.كما اهمل طرابيشي دراسة النص الجابري في تشخيص الخطأ فيه وتقديم البديل ان كان يتمكن منه، اراد طرابيشي اغتيال التفكير الجابري وحلمه بمشروع عربي نهضوي يكون الاسلام فيه فاعلا داخل منظومة عربية حداثية، يمكن للعرب تحقيقها، الجابري نقد الفكر الديني من خلال نقده العقل العربي عامة، وهو بهذا يقاطع اركون في اقتصاره على نقد الفكر الاسلامي، وتناول الجابري نقد العقل العربي من خلال انضواء الدين كمكّون اساس داخل المنظومة العقلية الحضارية العربية الاسلامية الذي يبدو طرابيشي يرغب استئصال مبحث الاسلام منها حتى من دلالتها كعنوان يهم امة عربية اسلامية. كما تناول الجابري كل مفردات الحضارة العربية الاسلامية وتكوينها ومكوناتها، وليس الدين وحده بمسؤولية تاريخية حضارية لم تقفز فوق الواقع ولا في منهجه النقدي المتزن، بينما بقي طرابيشي ينبش التاريخ الاسلامي بحثا عن كل مواطن الاعاقة والانحراف والتخلف فيه، بصيغة الدفاع عنه وتبيان عجز الجابري صياغة مشروعه العربي النهضوي، ما اضطر الجابري اصدار كتابين له (نحن والتراث) والاخر عن (القران) قبل وفاته، معتبرا وبتاكيد سليم ان الدين الاسلامي في جوهره واصالته وقيمه ليس من السهل ابدا على احد شطبه من تكوين وجود العرب كأمة من تاريخهم الحضاري ماضيا ولا حاضرا او مستقبلا باسم انه يتقاطع مع علمانية الدولة المعاصرة العربية الاسلامية الحديثة المنشودة المرغوب بها في ابتداء سلوك طريق نهضة جديدة للامة، تبدأ من رفض الفكر الديني لا في اصلاحه.

يتبع في القسم الثاني

 

علي محمد اليوسف – باحث فلسفي / الموصل

 

 

ساحاول في ورقتي هذه أن ارشف من عذوبة الجمال، التي رشف منها "كانت" كي اقترب من معاني الوجود وما ألذها من معاني تروي القلب المشتاق فيتحد العقل والقلب والجسد ليكون فلسفة الجمال في لقاء الحب الخالص.

فمن نعم الله تعالى على الإنسان أن وهبه شعورا فياضا، ورهافة حس تنزع به نحو الجمال والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكونات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكل أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار اللمسة الإنسانية الراقية في كل مرافق الحياة.

حققت اراء "كانت" الجمالية انجازا مهما في مجال النقد الفلسفي من خلال مجموع الظواهر المعرفية التي كشف عنها في آلية التعامل مع موضوعة الجمال وازاحة الجميل من منطقة العلاقة الصميمية بالقيم الموضوعية وجعله نشاطا حسيا عقليا لاعلاقة له بالحقائق المطلقة ، فالحقيقة نسبية بحد ذاتها، والاحساس بالجمال نسبي ايضا لتباينه من فرد لآخر أو من جماعة أو جنس لآخر، وعلى مستوى الفرد الواحد ايضا.

فبعد ان كان الجمال ملحقا بمحمولات الحق وضرورات التطابق مع مظاهره المعرفية أو اليقينة، حظي الجمال بأستقلالية نسبية ترحله من منطقة الغرضية والنفعية المادية، إلى منطقة اللذة الخالصة والمتعة الجمالية.

من هذا المنفذ المهم ولج "ايمانويل كانت" إلى صلب المشكلة الجمالية. إذا رأى ان كلا المذهبين: التجريبي والعقلي قد قدما تفسيرا منقوصا ومن جانب واحد لبناء المعرفة الانسانية ومضمونها . ليفتح ابوابا جديدة في الحكم الجمالي المستند إلى حقيقة راسخة مفادها: ان للانسان غاية بذاته، وان الذات لا تنظر للاشياء على اساس معياري، انما تقديي، وبهذا قلب اليات اشتغال علم الجمال ليصبح تأمل الذات للموضوع ليس اكثر من تقديرات تخضع لعملية الذوق لما جعله يمضي قدما في وضع اسس منطقية لعملية التذوق هذه، التي تستبعد من ادائياتها القيم النظرية والعملية أي المعرفية والاخلاقية وفق الفهم الكلاسيكي لتأخذ مديات اكثر رحابة بتفعيل ملكات الذات الكامنة والمغيبة خلف استار العقل .

اذ يعتبر "امانؤيل كانت"  أهم من تحدث عن الجمال فقد أسس لعلم الجمال من خلال كتابه الشهير (نقد ملكة الحكم) الذي صدر عام1790 فأثار مسألة الحكم الجمالي وعلاقة الشكل بالمضمون في الأثر الفني ثم مسألة علاقة الفن بالطبيعة وعلاقة الجميل بالجليل .

ويحدد كانت الجمال بأنه وسيلة الاتفاق بين العقل والحس، كأنما العقل يجد في الجميل ضالته المنشودة دون أن تكون فيه صورة لماهية الجمال، والجميل كونه محسوسا يمثل للعقل صورة اكتمال . فهو لا يخضع لقاعدة وليس له وجود بالفعل.

نلاحظ هنا أن الحكم على الشيء الجميل فيه شمول ينطبق على الجميع، بحيث يتمتع بحرية الغاية النفعية أو العملية، وهذه الحرية قاعدة مسبقة يقاس عليها الجمال وهو التقارب أو الاتفاق بين ما يتخيل وما يرى، فالتوافق بين ما تخيله العقل من جمال، وبين ما شوهد أو سمع بحاستي السمع والبصر، ينتج عنه الإحساس بقيمة الجمال .

كما يفرق كنت بين الجمال والجلال قائلا: "أن الجمال الطبيعي يحمل غائيته في صورته مما يجعل الموضوع متلائما مع ملكة الحكم عندنا وهكذا يتحول إلى موضوع رضا . أما الجليل فيبدو فيما يخص صورته بأنه ينافي الغاية بالنسبة إلى أحكامنا ويكون غير ملائم، بمعنى أن الصورة الغائية الموجودة في الجمال الطبيعي تجعله واضحا لمخيلتنا لذلك فالحكم الجميل يكون متطابقا مع ما تمدنا به المخيلة من تصور" . ومن هنا فإننا نخطئ، لو أننا حاولنا أن نفهم الجمال من خلال إطاراتنا الذهنية العادية . فحكم الجمال ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة ، فإن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر، لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في الخبرة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر هو الشكل وليس الإحساسات بالادراكات العقلية. وقد اعتبر بعض الباحثين هذه الفكرة المبدا الأول للمذهب الشكلي المعاصر في الفكر النقدي الجمالي المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يفهم كانت الجميل على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. ولكي نميز الشيء هل هو جميل أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من اجل المعرفة، بل إلى مخيلة الذات ومدى شعورها باللذة أو الألم . فضلا عن ذلك، فإن فلسفة "كانت" انتهت إلى أن الجميل الخالص، هو خير خالص، وهذا ليس ببعيد عن طروحات الروائي الروسي (تولستوي)، باقتران مفهوم الجميل بمفهوم الخير.

ولهذا كان الجميل في رأي كانت هو فن العبقرية، والتي هي موهبة طبيعية فطرية خاصة، خاصة انه يرى إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما. من جانب اخر هنالك وجهة نظر ترفض هذه المواقف ، وتؤكد على أن الجمال لايمكن أن يوجد الا بالاعتماد على الشخص المفكر والطبيعة الحيوية ، وان هذا الجمال الخارجي لا وجود له الا فينا . اذا الجمال لايرجع الى الاشياء بل الى الطريقة التي تتصور بها الاشياء والوقائع والالوان ، اذا هي ليست قبيحة وليست جميلة بل هي والصفات الخارجية نحن الذين نضفي عليها مثال ذلك فكرة غروب الشمس ـ عند الريفي تشير في فكرة العشاء وعند عالم الطبيعة فكرة التحليل الطيفي وهما ليس لهما علاقة بالجمال ، اذا غروب الشمس يكون جميلا او قبيحا لمن نظر اليه بعين فنان متأمل عاشق .هذه هي نظرة الجمال الموضعي . يرى " كانت " أن جمال الشيء لا علاقة له بطبيعة الشيء وانما هو نتيجة اللعب الحر للخيال والفهم يحدث لدى المشاهد وهو امام الشيء.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

علي محمد اليوسفيبّين الجدل الدائر عن الخلود موجّه باسره ضد علم اللاهوت الطبيعي،  ماراد (بومبو ناتنزي) ان يسخر من هذا الجدل واراد ان يدافع من خلال اظهار ان النفس بطبيعتها فانية، عن الارثوذوكسية ضد الافلاطونين. فالديانة الارثوذكوسية وحدها تضم الحقيقة، أي بعث الجسد من خلال العناية والخلاص الفائقين للطبيعة.

وفي دفاعه عن الموقف الارسطي لم يكن موفقا، في تأكيد ان النفس تتحد على الصعيد الفردي مع الجسد في وجوده، وقد اذهله السؤال عن السبب في ان العقل ليس عضواً يسكن اليه. ومما له اهمية اذا كان قبوله الرد المسيحي على الموت املته عليه النفعية والخوف من الاضطهاد، أو انه كان يؤمن فعلا بذلك!؟

التفلسف الافلاطوني يعني على نحو ما  تدريبا على الموت، والموت هو لحظة التحقق العظمى التي تنفصل فيها النفس عن الجسد. فانه كان يعني لمونتاني ان نتعلم كيف نتقبّل الموت باعتباره الفناء النهائي للشخصية الانسانية(1).

ومونتاني رغم كونه مسيحيا بالاسم فحسب اذ ان سخريته من اللاهوت لا حدود لها، الا انه يعارض الالحاد بشدة، وغالبا ما كان يوحد بين الله والطبيعة والقدر في ارهاصات اولية تمهيدية لظهور مذهب وحدة الوجود بخاصة عند اسبينوزا.

وبمجيء جيورد انو برونو الذي يندفع في فهم الدين والحياة والموت والروح من منظار (كوني Cosmology) فبعد ما جعل كوبرنيكوس الشمس مركز الكون عام 1534م، أو بالاحرى اعتبارها مركز المنظومة الشمسية فقط، اطاح برونو بهذا المجد لكوبرنيكوس قائلا ان الشمس مركز الكون لكنها مجرد جرم صغيرفي عدد لا محدود من الاجرام السماوية، و(نجم) من نجوم وشموس اخرى.... ويبدو ان الكنيسة التي مررت على مضض لكوبرنيكوس وغاليلو مركزية الشمس، الا انها لم تفّوت تطاول برونو على الشمس ذاتها واعتبارها جرما صغيرا، فما كان منها إلا ان احرقته على الخازوق، وقال برونو على لا نهائية الكون (ان من يظن انه ليس هناك من الكواكب اكثر مما نعرف بالفعل يشبه في غروره ذلك الذي يعتقد انه ليست هناك طيور اخرى تحلق في الهواء غير تلك التي يراها من نافذة صغيرة) (2).

بل ان برونو يعني متجاوزاً هذا بقوله: (ان من يعتقد ان في الفضاء اللامتناهي وفي العوالم التي لاحصر لها، والتي من المؤكد ان معظمها يتمتع بحظ افضل من حظنا، ولا يوجد في الاجرام الا الضوء الذي نراه، هو شخص احمق تماما، انه لمن السخف ان نفترض انه لاتوجد كائنات حية ولا عقول اخرى أو حواس اخرى غير تلك المعروفة لنا)(3).

ان هذا السبق والتوقع الذي يرقى إلى مرتبة النبوّءة يبدو اكثر قدرة على التأثير من حيث انه قيل قبل اختراع التلسكوب، وفي وقت لم يكن فيه عدد النجوم التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة لا يتجاوز (1500) نجما.

يحتل (اسبينووزا) مكانة مرموقة بين فلاسفة القرن السابع عشر العظام وكان بدوره ينشد الخلاص في طريق يتعارض فيه مع كل من (باسكال) ومع التراث المسيحي اللاهوتي بصورة عامة، وهو نموذج الفيلسوف الذي دعا وطبق على نفسه عدم الاكتراث للموت واللامبالاة. وبهذا الصدد يقول ان الانسان يعيش في هدي العقل، ولا يقوده الخوف، وانما يرغب بصورة مباشرة فيما هو خير، وبتعبير آخر، يكافح من اجل التحرك والحياة، والحفاظ على وجوده على اساس من السعي الحق، ولذلك فان مثل هذا الانسان لايفكر في شيء اقل مما يفكر بالموت، وحكمته تأمل الحياة(4).

واسبينوزا لايقصد بعدم التفكير والاكتراث للموت، ان تنتاب العقل السليم الذي تتقاذفه الهواجس من الموت والرعب في ما يشل مقدرة الانسان من توظيف سلامة عقله في معرفة الموت، وقرن سلامة العقل بالحكمة والحرية في التفكير والتمتع بمباهج الحياة.

يقول وولفسون (ان تصور اسبينوزا لخلود النفس يمكن ان ينظر اليه مرتبطا بالتصورات الاخرى للحياة الآخرة، باعتبارها اما تأكيدا للخلود أو نفيا له، غير انه بقدر ماينكر استمرار وجود النفس بعد الموت بكاملها، وبقدر ما ينكر امكان فناء النفس تماما فان فلسفته تظل تأكيدا للخلود)(5).

يصف براتراندرسل الفيلسوف (ليبنتز) بانه واحد من اعظم العقول في كل العصور، الذي يقول ما من كائن حي يفنى تماما، هناك تحولات فحسب، وبذل جهودا كبيرة في فلسفته لتحقيق مصالحة بين الدين والفلسفة، ويؤكد ليبنتز التفريق بين الخلط بين غياب طويل عن الوعي، ينبع من تخبط عظيم في الادراك، ويعتقد ان الحيوانات العامة لاتولد كلية من خلال الحمل أو التوالد، وبالتالي فانها لاتعود وتفنى كلية في ما نسميه بالموت، ذلك ان العقول  تؤمن ان مالايأتي إلى الوجود من خلال الوسائل الطبيعية، ينبغي ان لايصل إلى نهايته في مجرى الطبيعة(6). ويختتم انه من الضروري ان نربط بين الوعي الاخلاقي وبين اصحاب الميتافيزيقيا، أي ان على المرء ان يعتبر الرب لا المبدأ هو المسبب لكل الجواهر وجميع الموجودات.

اشتغالات علم الميتافيزيقا، أي ما وراء الطبيعة، هي عن الخالق (الله)، الاساطير والميثولوجيا، نشأة الاديان وطقوسها، والنصوص المقدسة، كما تبحث الميتافيزيقيا في مسائل النفس والروح والخلود والفناء، ومن اشتغالاتها البحثية ايضا الزمان والمكان، وما يتصل بهذه العناوين المذكورة من مديات استقصائية فلسفية، دينية، اجتماعية، واعتبرت الميتافيزيقيا عبر العصور فكرا خصبا بل وشديد الخصوبة، ينافس الفلسفة واحيانا يحتويها، فالفلسفة على تعبير المفكر محمد الشيخ هي ميتافيزيقيا بعينها وكانت تسمى ملكة العلوم، وقد ردد شوبنهاور: الانسان كائن ميتافيزيقي.

واول من فرق بان الحيوان لايدرك الموت، بخلاف الانسان الذي يعي جيدا حتمية الموت هو فولتير بمقولته: ان الجنس البشري هو الجنس الوحيد الذي يعرف انه سيموت.

ومعرفة الانسان للموت تعلمها وجاءته عن طريق التجربة، وتعتبر الميثولوجيا الدينية في قتل قابيل لأخيه هابيل، وفزعه واضطرابه ماذا يفعل بجثة اخيه القتيل، حتى وجد غرابيين يقتتلان حد الموت، فوارى احدهما (القاتل) الغراب الميت تحت التراب، فقام قابيل في محاولته ستر فعلته النكراء بان دفن جثة اخيه تحت التراب، كما فعل احد الغرابين بالآخر.

وتعتبر الميثولوجيا الدينية مقتل هابيل علامة مفصلية فارقة في تاريخ البشرية في معرفة معنى الموت، واستطاع الانسان البدائي اكتشاف حتمية الموت بعد مراحل طويلة قضاها،  حينما تجاوز مراحل العقلية البدائية، أي حينما كف الانسان ان يكون بدائيا على حد تعبير جاك شورون.

وقبل انتقالنا لميتافيزيقا افلاطون وصولا الى آراء بعض فلاسفة عصر النهضة، نشير الى افكار فلسفية عرضية كمثل العبارة لفيلسوف يوناني مجهول: (الاموات يحكمون الاحياء)، عبارة فلسفية ميتافيزيقية عميقة المعنى والتأويل والاستدلال أخذت بعداً تاريخياً راسخا في فلسفة الميتافيزيقا، فقد أفاد منها ماركس وآخرين سبقوه، ومن جاؤوا بعده، رددها في تنظيراته الفلسفية بنفس المعنى: هناك (كم) هائل من افكار وموروثات الاموات تجثم على صدور الاحياء من البشر.

والعبارة اليونانية (الاموات يحكمون الاحياء) ذات مدلولات فلسفية رغم اختصارها بالمفردة اللغوية، لكن اكتنازها بالمعنى وهي تنطبق اليوم على معظم شعوب الدول النامية، وبوجه التحديد منها شعوب الوطن العربي، في تكبيل الموروث التاريخي والحضاري المتحفي فقط، نهضة الشعوب العربية ومنعها ان تعيش عصرها، بهيمنة الموروث في الفكر الديني الاجتهادي على حركة الحاضر والمستقبل، فيما الاموات يحكمون الاحياء بحق.

وفي نبرة تفاؤلية على غير ما أنهى سقراط حياته، والروائي الامريكي آرنست همنجواي، هو الآخر مات منتحرا رغم مقولته الشهيرة التي كتبها في تصدير روايته الشهيرة (العجوز والبحر) قائلا: (قد يتحطم الانسان لكنه قط لا يهزم). وفي المعنى ذاته يذكر الروائي المغربي محمد الاشعري على لسان بطل روايته (القوس والفراشة): (كلنا ننهزم امام الموت، لكن لاشيء افضع من الهزيمة امام الحياة). وتقول الكاتبة المبدعة ديزي الامير: ان الحكم على الانسان بالحياة اقسى من الحكم عليه بالموت. ويبقى الموت اكبر من كل مصائب الحياة واحزانها والامها، فالموت يمثل اوج ذروتها وبداية نهاية للانسان على الاقل بايولوجيا، ومفهوما ميتافيزيقيا ملغزا يثير التساؤلات الازلية الدائمة.

كتب آرنست كاسبرز يقول: ان العقل وهو على مستوى الميتافيزيقيا لابد له ان يسعى الى ادلة لبقاء الروح بعد الموت، وتسود العلاقة العكسية في بداية الثقافة الانسانية، ان ما يتعين اثباته هنا ليس الخلود وانما الفناء(7).

كما نعت الشاعر البرتغالي (بيسوا) الميتافيزيقيا انها امتداد لجنون خفي ليس الا. من جهة اخرى قال اونا فونو: (أننا لا نحيا الا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليست الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار، بل ولا حتى امل الانتصار، انها تناقض ولا شيء سوى التناقض، ان فكرة الموت، تقض مضجع الانسان وتقلق بالهُ، وتكاد تلاحقه في حلّه وترحاله. حتى ان الضمير ليخفق دوما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها سر الموت وما قد يجيء بعدهُ)(8).

ويؤكد ماكس شيلر (1784-1928) وهو فيلسوف ظاهراتي اجتماعي، أخذ عن (هوسرل) منهج الظاهريات وطبقه على مجالات الاخلاق وفلسفة الحضارة، يذهب شيلر ان الانسان يعرف على نحو حدسي انه يتعين عليه ان يموت، وان الموت مدركه حتى ولو كان وحيدا في العالم ولم يسبق له قط ان شاهد مخلوقات او كائنات اخرى عانت الموت وتحولت الى جثة، فالموت حسب شيلر قبلي سابق على اية ملاحظة (حيث ان الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة او باخرى يدركه هذا الفرد او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة)(9).

ويضيف شيلر، الموت ليس جدارا نرتطم به في الظلام، وليس سحقا للكائن الحي، على يدي قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت قد يحدث بتأثير ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار, واختصارا فان هناك يقينا حدسيا بالموت، وبقدر ما يتعين علينا ان نعزو لكل حياة شكلا من اشكال الوعي، ينبغي علينا ان نعزو لها ايضا ضربا من اليقين الحدسي، ويتسائل شيلر كيف يمكن اثبات (الخلود)؟ انه لايمكن اثباته، فان تكن (خالدا) فهي واقعة سلبية لايمكن اثباتها لانها لاتقبل برهانا(10).

كما نعت هيدجر اصطلاح الميتافيزيقيا بثلاث نعوت قاسية: انه مفهوم سطحي شكلي، وقلق مضطرب مشوش، وغير مستوف المضمون، الذي وضع له، ولا مكترث باشكاله، كما قال ان الميتافيزيقيا علم غامض، وقيل فيها ضدا، انها الوضوح بعينه. كما يعتبر هيدجر القلق هو يكشف عن العدم الذي يحدد اساسا الوجود الانساني، وهو يربط بشكل وثيق الصلة بظاهرة السقوط في (الناسّية) الذي هو استسلام الانسان للعالم، والتحلل في الكلية (العام) أي اندماج الفرد بالمجتمع، ونسيان الوجود الحقيقي، وهو بتعبير هيدجر يعني فرار الوجود الانساني من ذاته، ومن امكانية ان يكون المرء ذاته الصحيحة، وما نهرب منه انما هو الوجود الذاتي الحقيقي الجوهري. هنا يصوغ هيدجر مفهوم الاغتراب الذاتي، اغتراب الذات (الأنا) عن (أناها) العليا المثلى بالقيم.

ويذهب ابيقور الى انه ما دامت الروح موجودة، فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة. ونشير الى ما ذهب له الرواقيون، عن النار الخلاّقة باعتبارها المبدأ الروحي والمادي في آن معا، وعندهم ان العالم ليس واقعا تحت رحمة (الصدفة) وانما هو يخضع لقوانين كونية، والعناية الالهية التي تحكمه سامية في مكانتها، وفي هذه الضرب من وحدة الوجود، نجد موقفا وسطا بين النزعة التشبيهية المنتمية الى الديانة الشعبية، والنزعة الالحادية الابيقورية، ان النفس البشرية ذات طبيعة مادية، وهي تنشأ مع الجسد، وان كانت مادتها اكثر نقاءا او اكثر نبلا، انها جزء من الروح الالهي التي صدرت عنه في نهاية العالم.

ويتساءل سنكا (4 ق.م – 65م) أليس بمقدوري ان أبحث عن بدايات الاشياء كافة، من الذي شكلها، ومن الذي ميّز ما كان ملقى في كتلة مختلطة غير متميزة ؟ اليس باستطاعتي تساؤل من هو مبدع هذا الكون كله؟ أينبغي عليّ ان اكون جاهلا بالمكان الذي انحدرت منه؟ والى اين انطلق من قيد البشرية؟ (11).

كتب الاستاذ صلاح سالم: ألهمنا المسيح مفهوما عن دين مجرد يمثل اجابة عن السؤال: كيف تحيا ذاتك؟ وتواجه هذه الذات، تقمع غرائزها، ومطالبها، وليس اجابة السؤال: كيف نعيش العالم مع الاخرين، وكيف نغيّره للافضل، نهضت الكاثوليكية، أي تأسست وتمت في ظل علاقة مراوغة مع المفهوم المسيحي، عن الانسان اذ كان عليها ان تدير موروثا روحانيا، يدعي السمو على الارض، من ناحية، فيما تحيا معضلات الواقع من ناحية اخرى، وقد دفع بها هذان الامران الى تناقض وجودي بين روحانية نظرية، ودنيوية عملية، كانت كفته تميل باستمرار ضد الروحانية الصرفة، ولمصلحة الانشغال على قلب الاقطاع الاوربي(12).

يبدو لنا ان هذه الاشكالية التي طرحها الاستاذ صلاح سالم هي ذات الاشكالية الازلية التي صاحبت ظهور الديانات السماوية وغير السماوية ولا يمكننا فصل ما هو دنيوي، عما هو روحاني آخروي الا في اديان لا سماوية كما في البوذية مثلا، لكنها كأشكالية قديمة – حديثة هي قائمة في جميع الاديان تقريبا، ولكل مجالات اشتغاله.

نيكولوميكافيلي (1949- 1527) كان ابن محام في فلورنسا، اهم كتبه (الامير) و(الخطابات)، صاحب القول بعد اعدام المصلح الدومنيكاني (سانفونارولا) حرقا عام (1498) (الانبياء غير المسلّحين يخفقون دائما). ويمكننا تعميم العبارة على الكثير من الانبياء والرسل والكهنة في مختلف الديانات. هذا حدا بماركس ان يقول ان تاريخ البشرية هو تاريخ القوة، ومن المرجّح انها مستمدة عن نيتشه في مقولته عن (السوبرمان) التي بدورها مهدت لظهور النازية. كما يؤكد ميكافيلي ان كل حرب تصبح عادلة عندما تصبح ضرورية، ومنها تحولت فكرة (العدالة) من الجانب الاخلاقي الى الجانب النفعي البراجماتي.

الدين في نظر وليم جيمس (1842-1910) احد ابرز اقطاب البراجماتية الامريكية: هو مجموعة وجدانيات وافعال وتجارب يعانيها الافراد في وحدتهم، وكلما ادركوا انهم على علاقة مع شيء يعتبر (الها). والدين يقدم لنا نفسه اولا على انه امر خطير الشأن لانه افترض اننا سنجني من وراء اتباعه خيرا كثيرا، نحتاج اليه في حياتنا، وسنخسر بالاعراض عنه ذلك الخير الحيوي، ويقدم الدين ثانيا على انه تخيير ملزم ضروري لان ذلك الخير متوقف عليه(13).

ويضيف وليم جيمس القول بوجود الله، بقطع النظر عن الادلة الخارجية يحتل مكانا طبيعيا في نفوسنا، منسجما مع طبقة عقولنا كمفكرين، واضاف ينبغي لنا كفلاسفة ومن اجل تحقيق غايتنا من ايجاد نظام اخلاقي موحد، وذلك ان نفترض وجود الله، وان نتمنى انتصار الدين على الالحاد، كما ان الدين عند جيمس اعتقاد فردي وموقف شخصي لا يقرّه منطق العلم، ولايدعمه مصدر سماوي.

وقد أقرّ بعض اللاهوتيين صراحة بالصعوبة التي يمثلها مبدأ البعث، هكذا يحاول جيمس على سبيل المثال التغلب على تلك الصعوبة: من الواضح ان ذلك لايعني ان الجسد المعّين هو جسدي في الوقت الراهن سيستمر الى الابد، فعناصره في الحقيقة لن تدوم سبع سنوات، لكن يعني انه ستكون هناك استمرارية لشخصيتي، وان الله يقدر الشخصية والفردية الانسانيتين(14).

ولكن (جاروسلاف بيليكان) يقول: ان موت الانسان لايمكن فهمه عن موت المسيح، والشكل الذي يمكنه ان يقول كل هذا هو الصليب، والصليب يترك اسئلة عديدة دون اجابة وشطرا من الموت دون رصد.

مع مونتاني ظهر في العالم الغربي ردا على الموت قدّر له ان يكون البديل الاكثر شيوعا في الاعم الغالب للرد المسيحي على الموت، وان طبيعة الموت كفّت ان تكون القضية الرئيسة، فالموت اصبح ينظر اليه على نحو ما يبدو للحس العام أي باعتباره فناءا شاملا. والحياة مقدر عليها الموت، ذلك الموت الذي يتهددها في كل لحظة، فما الذي يمكن للمرء ان يفعله ازاء تسلط فكرة الموت عليه، والاثار التي تصيبه بالشلل والمترتبة على الخوف من الموت؟. ان على المرء - حسب مونتاني – ان يتعايش مع هذه الفكرة والطريق لذلك هو الفلسفة هي التي يمكن ان تعلم الانسان كيف لايخشى الموت والاحتضار، ويكرر مونتاني نصيحة سنكا، انه على المرء ان يألف الموت، وعليه ان يبقي نعليه في قدميه طول الوقت، وان يستعد للرحيل بمجرد اخطاره!! وان من يتعلم الموت ينسى العبودية، ان الموت المخلّص يحررنا من كافة القيود من العبودية، ومن يعرف ان الحرمان من الحياة ليس شرا سيعرف كيف يتمتع بالحياة(15).

ونجد في مؤلف مونتاني (مقالات 1580) ما ساهم في تغيير نظرة مونتاني للموت فأخذ يردد (اننا نعكر صفو الحياة بخشيتنا من الموت، ونعكر الموت بانشغالنا بالحياة)، ويرى ان من المؤكد الاستعداد للموت خلق من الاضطراب ما يفوق ما خلقه الموت ذاته، وتواجه مونتاني ان الهدف من سعينا الى الموت، الى انه الى حد قوله اصبح واضحا انه نهاية الحياة وليس هدفها. من الجلي ان تعريف مونتاني القائل: ان التفلسف هو ان تتعلم كيف تموت، له معنى مختلف تماما عن المعنى الذي كانت الفلسفة تعنيه بالنسبة لشيشرون الافلاطوني الذي ينقل عنه مونتاني قوله: بأن التفلسف لا يعد ولا يكون استعدادا للموت.

 

علي محمد اليوسف/الموصل 

......................

(1) الموت في الفكر الفلسفي الغربي/ جاك شورون / ت امام عبدالفتاح امام  بتصرف، ص111.

(2) الكون اللامتناهي.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) كتاب الاخلاق لاسبيوزا، ترجمة الويز،1951.

(5) وولفسون، فلسفة اسبينوزا، نيويورك، 1958، ج3، ص322.

(6) جاك شورون، مصدر سابق، ص141.

(7) نقلا عن جاك شورون، فلسفة الاشكال الرمزية، 1995، ج2، ص37.

(8) د. عبداللطيف الزكري / عالم الفكر، مج41، ع2، 2012، ص307.

(9) جاك شورون، مصدر سابق، ص19.

(10) نفس المصدر السابق، ص20.

(11) جاك شورون، مصدر سابق، ص71.

(12) صلاح سالم، مجلة العربي، شباط، 2013، ص23

(13) د. محمد الشيخ، عالم الفكر، الكويت، مج41، ع2، 2012.

(14) سكريبنر، 1953، ص126.

(15) جاك شورون، مصدر سابق بتصرف، ص107.

 

علي محمد اليوسفالفهم الفلسفي الاغترابي لدى فيورباخ وماركس: يفهم (فويرباخ) الذي سبقت مفاهيمه الفلسفية الوجودية غيره من فلاسفة الوجودية لفترة زمنية طويلة قوله: (الاغتراب طارئ على الصحيح وليس ناشئا منذ البداية والعودة الى الحقيقي هو عود الى طبائع الامور والاشياء، الصحيح هو الاساس والاغتراب هو العرض واذا كنا جميعا مازلنا مغتربين فان تطورنا الاساس –الانثروبولوجيا- هي علم المستقبل ومبادئ فلسفة المستقبل(1).

هذا التصور الذي يبدو ظاهريا انه يتناسق ومفهوم الوجودية الحديثة للاغتراب فهي لا تأخذ به… لقد ركز (فويرباخ) في فلسفته عن الاغتراب، على الاغتراب الديني معتبرا ثيولوجيا الدين هي منشأ كل أنواع اغترابات الانسان بالحياة، ولا نعتقد انه في دعوته للتحرر من الاغتراب كان يرغب ان يرى مجتمعا خال من الاشكال الاغترابية للانسان في الطبيعة والمجتمع، غير الاغتراب الديني فقط، فتلك امنية تدحضها –الانثروبولوجيا- والتطور التاريخي الحضاري للانسان الذي استشهد هو فيه .¸فقد كرّس فويرباخ فهمه للاغتراب بانه ديني فقط وبنهاية هذا النوع الاغترابي لا تبقى بواعث اغترابية لدى الانسان باشكال اخرى … اذا اعتبرنا اغتراب الانسان الديني اغترابا زائفا يمثل ثيولوجيا الدين أي الجوهر اللاهوتي المزيف للدين(2).

واعتبر فوير باخ اغتراب الانسان الديني اصل ومنشأ كل شكل آخر من اشكال اغترابات الانسان في عصر طغى عليه اللاهوت وسيطرة الكنيسة طغيانا تاما شاملا، واعتبر تخليص الانسان من اغترابه الديني يعني خلاصه وتحرره من كل اشكال وانواع الاغترابات الانسانية الاخرى… وسارع ماركس الى نقل هذه الفكرة عن الاغتراب الى نظريته لديه ولدى هيجل في العمل المغترب واعتبر اغترابات الانسان منشأها طبقيا أي اغتراب الطبقة العاملة اصل ومنشأ جميع الاغترابات الاخرى التي تنتاب الانسان. ومتى ما تخلص الانسان من اغترابه الاقتصادي نتيجة تقسيم العمل وملكية وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج زالت جميع مظاهر واشكال اغترابات الانسان الاخرى لديه ... وهذه ليست المرة الاولى التي يقتفي ماركس اثار الافكار الفلسفية لفيورباخ الملقب باللاتينية (قناة النار).وكلا الفيلسوفين الكبيرين وقعا في خطأ حصر اصل اغترابات الانسان (في بعد انساني واحد) اما ان يكون دينيا (فيورباخ) او طبقيا(ماركس).

ففي معرض نقد فويرباخ الاغتراب الديني اوضح كيف ان الانسان في اغترابه الديني– قد وضع افضل صفاته الانسانية في الالوهية المستمدة من (الطبيعة) الى ان اصبح الاله صورة الكمال وغدا الانسان خاطئا يفتقد الكمال بصورة لا يرجى منها البراء، (ان الانسان – والكلام لفيورباخ- يصف ذاته في كل ما هو طيب وقوي ليخلعه على الاله . وكلما جعل الهه أعظم جعل من نفسه اكثر ضآلة).

وقد سعى ماركس ثانية اقتفاء فكرة فويرباخ ونقلها الى قوانين الاقتصاد السياسي والتفاوت الطبقي، واعزى ماركس سبب اغتراب الانسان الى العلاقات الانتاجية والاقتصادية الجائرة بحق البروليتاريا، وملكية وسائل الإنتاج، وفائض القيمة، والى اغتراب رأس المال والعمل المغترب واكد انه بزوال هذا النوع من الاغتراب الانساني تنتهي الى الابد من حياة الناس جميع اشكال اغتراباته الاخرى . ونادى ماركس بنفس فكرة فويرباخ المثالية الدينية الروحانية المتصوفة وانزلها الى واقع الحياة الاجتماعية – السياسية فقال : كلما زاد العامل من طاقته الانتاجية زادت (قيمة) وجوده ووفرة ناتج العمل … وكلما ازداد العامل بؤسا وفقرا (قلّ) شأنه وتضاعفت (وضاعته) وقلّت قيمته الانسانية… وبالتالي يتعمق اغترابه .

اثبتت الوقائع التاريخية وتطور الحضارة الانسانية ان حصر ظاهرة الاغتراب في بعد انساني واحد غير صحيح مهما توفر ذلك البعد على الأهمية المجتمعية. ومحاولة ازالة اغترابات الانسان باشكالها دينيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسانيا وغيرها قمين بازالة كافة اشكال الاغترابات الاخرى في المجتمع، رؤية قاصرة واستنتاج غير دقيق اثبتت الانثروبولوجيا لا واقعية ولا تاريخية ولا حضارية هذا الطرح…

فاغتراب الانسان بجميع اشكاله الشاملة هو توأم الوجود الإنساني بالفطرة المكتسبة لا بالفطرة الجينية الموروثة، وحتمية ذلك الوجود هو القلق المسكون به الانسان بنقد الحياة دوما وتبديلها وتطويرها نحو الافضل …الاغتراب تساؤل ملازم يؤرق الوجود الإنساني منذ وعى الانسان وجوده الطبيعي على الأرض، ولا ينحصر في بنية اجتماعية معينة،ولا في ظاهرة من الحياة ولا في عصر من العصور.

والاغتراب يلازم الانسان بهذا الشكل او ذاك ملازمة الظل للوجود. ولا يمكننا ان نتصور عصرا من العصور القديمة او مجتمعا من المجتمعات الحالية ولا في المستقبل لا يكون الانسان فيه اغترابيا ليس بالمعنى المرضي في الفهم الابتذالي للاغتراب باعتباره انكفاء جوّاني، فمثل هذا الافتراض النظري الوهمي في إزالة اغترابات الانسان الوجودية والى الابد، هي رغبة مستحيلة يدحضها حاضر الانسان ودحضها قبل ذلك ماضيه، ويدحضها مستقبله، ونحن الآن في كل مجتمعات الارض نعيش الاغتراب جزءا هاما وحيويا جدا في الحياة العصرية واغتراباتها الدائمة المنوّعة دليل هذه الحقيقة في اعلى المجتمعات الانسانية تحضرا في تفشي ظاهرة الانتحار وما يسمى القتل الرحيم فيها.

وفي رأي الدكتور مراد وهبة ما معناه : اذا افترضنا جدلا ان يأتي يوم يتمكن الانسان فيه انهاء اغترابه الارضي ذاتيا ومع الطبيعة والوجود الآخر بمثالية انسانية في ارقى درجاتها وصورها الحضارية المتقدمة فان الانسان سيتحول باغترابه نحو (الكون) وما وراء الطبيعة والفضاء التي بدأت اولى مراحله في وضع ارمسترونغ اقدامه على ارض القمر تموز 1969.

الاغتراب ظاهرة وجودية تلازم الانسان وتستحدث نفسها:

من اعتبارنا الاغتراب كما يذهب (والتر كوفمان) حتمية وجود و حياة وعصر وزمن ومكان، وان الانسان مسكون باغترابه فاننا بذلك نرتد ثانية الى الاخذ لا اراديا فهم الاغتراب وجوديا كما في فلسفة سارتر فقط بفارق:

ان ظاهرة الاغتراب في الفلسفة الوجودية وجود انساني سلبي والاغتراب ليس ظاهرة ولا ظّلا لذلك الوجود وانما هو جوهر ذلك الوجود . والانسان في جوهره حقيقة اغترابية وان لم تكن الوجودية السارترية تعترف بان للانسان جوهر وجوده يسبق ماهيتة بخلاف انساني ماهوي عنيف مع فهم الماركسية بان الوجود سابق لكل ماهوي وصفاتي ظاهراتي مكتسب.

استحالة تفسير الوجود الانساني بمعيارية الاغتراب استاتيكيا سكونيا ثابتا، ولا في اعتبار المجتمعات البشرية تجمعات كونية تتطور في الزمن الأرضي تاريخيا ماضي وحاضر ومستقبل، لا بل ان الزمن الارضي هو ملايين السنيين التي استغرقتها عملية التطور في الحياة -الارض والانسان– بوضعه الحالي وحضارته التي بلغها ودرجة رقي نموذجها المعاصر، من هنا فاغتراب الوجودية مرحلة فقط من الحياة تمت مجاوزتها اغترابيا تاريخيا لتستحدث نفسها لاحقا على الدوام في مختلف العصور ومختلف الازمان والحضارات.

ما يؤكد كلامنا هذا ان مفاهيم الفلسفة الوجودية الحديثة التي بلغت اوجها في النصف الثاني من عهد الخمسينات وذروتها في النصف الاول من عقد الستينات من القرن العشرين، اصبحت الان بعد مرور مدة لا تزيد على عدة عقود تراثا فلسفيا حضاريا انسانيا محفوظا بين سطور الكتب ورفوف المكتبات والمتاحف اكثر من ان تكون او تشكل مفردات حياة يتقبلها و يعيشها بضعة ملايين من سكان العالم الان!!! كفلسفة وفكر ونظام حياة وحتى كـ(منهج) بالدرجات الدنيا من الانتساب الى الفلسفة الوجودية الحديثة التي الهبت نفوس وعقول اجيال مابعد الحربين العالميتين في اوربا اجمع بل وحتى في مناطق عديدة من العالم.

فهمت الوجودية - ولا اقول تفهم - الاغتراب الانساني انه مركز ثقل الانسان الذي يمر خطه الشاقولي الوهمي من اعلى لاسفل، الذي يحفظ توازن الجسم ابتداءا بعمل المخ وانتاجية الدماغ… بمعنى ان اغتراب الانسان البؤرة المركزية الطاردة التي يدور في فلكها الوجود الانساني برمته، تفكيرا وممارسة، ابداعا، فلسفة، ادبا، مسرحا، وعلى ضوء ذلك فقط يتوّجب تفسير ذلك الوجود .

بينما الفهم الصحيح ان اغتراب الانسان هو المرتكز او المنطلق الذي ينطلق الانسان منه في تمكنه من صنع وجوده الايجابي وتاريخه وحضارته وهذه الانطلاقة تتم مجاوزة ظاهرة الاغتراب فيها باعتبارها وان كانت ظاهرة خلاّقة فهي (واجبة النفي) بالحتمية والضرورة التاريخية . تنتهي من مجتمع معين وعصر معين لتستحدث نفسها ثانية باشكال مختلفة اخرى وفترة لاحقة اخرى وهكذا… قانون الدياليكتيك المادي (نفي النفي) تنطبق على ظاهرة الاغتراب كظاهرة اجتماعية يتوجب نفيها لتستحدث نفسها ثانية بصورة أعلى من رحم الاولى انها العنقاء التي تولد من النار.

ان نموذج الاغترابي السلبي في الوجودية لدى سارتر وبيكيت وهيدجر وغيرهم هو النموذج الذي تفصّل وتخيط الوجودية له مقاس اغترابه من قماشها وطريقة فهمها من عبث وهدف وقلق ولا جدوى اغتراب الانسان المستمد من لا جدوى خلاصه، ولا معنى حياته. فالانسان اغتراب قبل ان يكون وجودا او جوهرا وهو ماتسعى الى تثبيته الوجودية في عبثية منغلقة ميؤوس الخلاص منها.

الوجودية اخطأت ايضا بتوظيفها الفلسفي السلبي للاغتراب في مخاطبة الفرد عندما اعتبرت الاغتراب ناشئا منذ البداية ولازمة الانسان في وجوده لا يمكنه الخلاص او الفكاك منه، واعتبرت اغتراب الانسان هو الوجود الحقيقي القلق المذعور للوجود الإنساني الزائف الذي يعيشه كقدر ينتهي في كارثية الوجود بالموت الذي لا معنى له لولا وجود الانسان، والتخلص منه اما بالموت او الفناء او بنوع مختار من الانتحار الجسدي او العقلي… كل ذلك متأت من فهم الوجودية لقدر ونهاية الانسان في الموت على انه الحقيقة الأولى والنهائية في دائرة الوجود الفارغ من المعنى. من الإقرار في صواب هذا التفسير الوجودي لا مهرب امام الانسان الا ان يعيش الحياة بمهزلة كوميدية في نسيان مهزلة الوجود.

لم تول الوجودية اهتماما كافيا في دراسة علاقة ارتباط الانسان بمؤثرات البيئة والمحيط والمجتمع بل نقلت الاغتراب الى نقطة منتهاه علاقته بالميتافيزيقا ووضعته امام تساؤلات ازلية مريرة وادخلته دوامة اللاجدوى من عمل شئ، فاغترابات الانسان تصل به الى علاقة الانسان بالوجود وبالطبيعة وبالكوني وبالمغزى وبمعنى الحياة ومعنى الموت… لكن كل هذه مفردات ظواهر اغترابية ناضجة جدا فلسفيا وثقافيا، لاتفارق جديّة التفكير في معنى الحياة، ولهذا يمكننا القول ان سارتر وان خاطب جيل ما بعد الحربين الكونيتين، لكنه بالخصوص كان يخاطب الثقافة البرجوازية والراسمالية الناشئة، بل وازلية التوالد واستمرارالاجيال القادمة، ولهذا أيضا يمكن اطلاق عليها فلسفة نخبة مثقفة تعي وجودها التعس اكثر من غيرها، وليست فلسفة الانسان في كل مجتمع وفي كل مكان لم يبلغ بعد مراحل من التطور الحضاري الذي بلغته اوروامريكيا، حتى في تأكيد الوجودية على ان الانسان حقيقة اغترابية ولازمة وجودية ترافقه من ميلاده حتى مماته كصبغة كروموسومية مكتسبة في الحياة،وليست فطرية في تركيب جينات الوراثة البشرية التي لا تتفتح الا بعد وجود ومجيء الانسان على الأرض، والتي تنتقل عبر الاجيال بيولوجيا DNA .

اعتبرت الوجودية ذلك مسلّمة فلسفية واغلقت ابواب الزنزانة على الانسان وتركته وحيدا يحاول خلاصه منفردا ان كان ثمة امل في الخلاص. والاغتراب في الوجودية قدر انساني لافكاك للانسان منه. اغتراب لصيق بالانسان المتحضر وهو احدى حقائق ذلك الوجود. انما الاهم ان لا يمتلك الانسان قهر اغترابه في مجتمعه واعدام كل فرص الخلاص امامه لم تكن دقيقة. وفي تفسيرها الاغتراب في سلبياتها المعهودة بانه حالة من اللاجدوى وتعتبر الانسان مشاركا فاعلا في المأساة مأساته ومأساة الاخرين وفي ذلك تشل قدرة الانسان وتقتل فيه روح الامل والعمل والابداع في توقه الدائم لعقلنة وجوده بجدل ايجابي بالمجتمع والطبيعة والعالم. والحرية المطلقة في الوجودية هي غيرها التي عبر عنها (سبينوزا): ( لقد اطلقت حرا على ذاك الذي يسترشد بالعقل فقط) فمثل هذه الحرية تكون مسؤولة ملتزمة في التمرد والرفض للواقع المدان بكل سوءاته وانحطاطيته واستلابه الانساني وتفاهة بعض جوانب تلك الحياة وذلك الواقع وهو بعيد جدا عن الفهم الوجودي العبثي للحياة.ان الوجودية في حكمها القاسي على الانسان كحرية مسؤولة عن مصيرها، كما فعل نيتشة تلغي حقيقة ان ولادة الانسان ضحية وجودية وليست تضحية بالحياة.

نخلص ان ثمة رأيان: الاول يقول الاغتراب ظاهرة ملازمة للوجود الانساني لا فكاك للانسان في التخلص منها والاغتراب جزء من طبيعته ووجوده . والثاني يقول الاغتراب ظاهرة عرضية يمكن ان تزول بزوال بواعثها ومسبباتها وللأرادة الانسانية في ذلك دور اساس في تحقيق ذلك(3).

اننا وكما سبق واشرنا مع الرأي الثاني الذي يقر ملازمة الاغتراب للانسان وعلى ضرورة بل واجب ازالته والتخلص منه ولكن لا يمكن ازالة كل اشكال اغترابات الانسان في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور والى الابد نهائيا من حياته .. فالاغتراب يمثل تحدي الطبيعة والوجود الانساني والكوني للذات الانسانية وهو تضاد ازلي لا انتهاء له، لان الانسان كوجود في الحياة الارضية امتداد مطلق غير محدود ولا نهائي أيضا محكوم بقوانين الطبيعة في الزمان والمكان … وسعي الانسان المضني الصعب في الحياة تحديد ما لا نهاية له والامساك او الوقوف على ابعاد شمولية الوجود والاشياء وليس الاكتفاء بسبر اغوار اجزائها وظوهرها المحدودة في تنوعاتها، … وليست كل سلبية اغترابية هي بالضرورة تمثل اغترابا وجوديا يقود بالحتم والنتيجة الى سلبية لا جدوى الحياة وعبث الانتماء والرفض والتمرد لتنتهي بالحقيقة الازلية ماساة الموت، الحتمية والمصير الذي يؤرق الانسان … وماذا بعد العدم !؟ نتيجة امتلاء الانسان بخواء نفسي وجودي وضياع بلا حدود في تجويف وجودي غامض يلازم الانسان في معاناته الدائمة… فالمعاناة الاغترابية احيانا – حتى لدى غير المبدعين – عامل مهم في تحويل سلبية اغترابهم الى ايجابية اغترابية وايقاظ ارادته الفاعلة فمثلا (روكانتان) بطل رواية الغثيان يجد هدفا لخلاصه الاغترابي الوجودي عندما يشرع في كتابة رواية. بمعنى ان العمل الدؤوب في تفاهة اليومي بالحياة يلخّص معنى الوجود الإنساني الزائف الذي لا جدوى منه .

اكدت الوجودية الحديثة على مضمون ومعنى الانسان (لذاته) والاخرين وليس الانسان في (ذاته) بمعنى لا وجوده، وبما لا يؤكد او يحاول ان يكون انسانا فاعلا في محيطه او مجتمعه، ولا نعني بهذا ان تلزمه الوجودية بشكل من اشكال الالتزام المفروض على الانسان الوجودي من الخارج قسرا… وحاول سارتر في اعماله المبكرة الاستفادة من المنظور الماركسي للانسان بشكل تلفيقي ولم يفلح . كذلك اعطت الوجودية للانسان تحت الحاح هوسها المبالغ فيه على الحرية الفردية والرفض والتمرد ان تكون امينة ربما عن غير علم على ان يرفع كل انسان شعار (بوذا) في الخلاص :( ابحث عن خلاصك بنفسك) ولم تقم اعتبارا للآخرين الذين وصفتهم بـ(الجحيم) ولا للمجتمع الذي حذرت منه واعتبرته (فخ) فآخر اهتمامات الفلسفة الوجودية كانت تناول الاغتراب الجمعي للانسان وخلاصه الجمعي منه. فالمسلمة الوجودية كانت تدعو (كل انسان ان يكون صانعا لقيمه الاخلاقية الخاصة به وحده)(4).

ملتقانا في ج3

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

(1) الاغتراب الديني لدى فويرباخ مصدر سابق د. حسن حنفي ص 45.

(2) نفس المصدر السابق.

(3) ندوة حول الاغتراب، مصدر سابق د. فتح الله خليف ص 137.

(4) سارتر بين الفلسفة والادب موريك كرانستون ترجمة مجاهد عبد المنعم ص90

 

علي محمد اليوسفتمهيد: اود ايجاز بعض التوضيح في ما يخص هذا المبحث (التاريخ البدائي والنزعة الانسانية في الفلسفة البنيوية)، اني استقصيت ابرز عاملين او مرتكزين اعتمدتهما البنيوية لدى فلاسفتها ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية، والتوسير، ولاكان، وفوكو، ودي سوسير أركان البنيوية وغيرهم سنأتي عليهم لاحقا.

كما اود الاشارة ان المقصود بالانسان هنا، ليس الكائن النوعي المتفرد عن جميع الكائنات الاخرى في الطبيعة، كائن بيولوجي - انثروبولوجي وحسب، ميزته المتفردة (العقل والخيال واللغة)، وانما يعني في هذا المبحث (النزعة الانسانية) بمعناها الفطري الاجتماعي القيمي والفلسفي في طبيعة صنع الانسان لتاريخه التطوري الحضاري، وليس المقصود الوجود الانساني كنوع في تمايزه عن الطبيعة والكائنات الاخرى غير حضاري كما كان في مراحل بدائية سحيقة من عمر البشرية.من الجدير بالذكر ان الانسان اكتسب فرادته النوعية وانسنته بالطبيعة عن بقية المخلوقات والكائنات الحية على الارض بامتلاكه وحده خاصية الذكاء العقلي واللغة والخيال.

العاملان اللذان اعتمدتهما البنيوية هما:

اولا التاريخ البدائي للاقوام البشرية او ما يسمى علم الاثنولوجيا، وهو علم اجتماعي مستمد من الانثروبولوجيا يدرس الجماعات البشرية البدائية، اعتمدته البنيوية، فحواه ان تلك الاقوام السحيقة في العصر الحجري والكهوف، لا تاريخ لها بمعنى التطورالخطي الحتمي الحضاري لتاريخ الانسان، اذ تعتبرالبنيوية تاريخ تلك الاقوام البدائية تاريخا ساكنا يحكمه العقل في ثباته ومحدوديته في التفكير. وهذا التاريخ البدائي الانساني توقف تطوره البطيء مراحليا مع بداية عصور اكتشاف الانسان للزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد.

ان عصر اكتشاف الانسان البدائي للزراعة الذي أعقب عصر الصيد والالتقاط، هو بداية صنع الانسان للحضارة الانسانية، فقد عرف الانسان تخزين الحبوب الفائضة عن حاجته، وراقب بدقة تغّير الفصول وموسم سقوط الامطار، وسكن على شكل مجموعات قرب الانهر والترع، وعرف كيفية تدجين الحيوانات الاليفة والاستفادة منها، وعرف ايضا الوسائل البدائية في الري، وبدأ تشكيل الجماعات البشرية.

لكن الاهم من اكتشاف الانسان للزراعة هو اختراعه ابجدية الكتابة اربعة الاف سنة قبل الميلاد في وادي الرافدين (الكتابة المسمارية) عند السومريين، ومثلها 3200 قبل الميلاد عند الفراعنة المصريين (الكتابة الهيروغليفية). هنا مع اختراع الانسان الكتابة بدأ تاريخ جديد للبشرية اذ اصبح التدوين كتابة صورية ورمزية متاحا على الواح الطين واوراق البردي والجلود وغيرها، وكل المراحل التاريخية التي سبقت اختراع الكتابة تعتبر تاريخا بدائيا غير مدوّن ولا معروف توثيقيا فقط آثاريا تنقيبيا في مراحل تاريخية لاحقة، واصبحت تلك الاقوام التي عاشت تلك الاحقاب بلا تاريخ او خارج التاريخ الإنساني الموّثق المدوّن. وكل التجمعات البشرية التي عاشت قبل عصر اختراع الانسان للكتابة تعتبر انثروبولوجيا اقوام بدائية لا تاريخ لها، او اقوام خارج التاريخ.

العامل الثاني هو النزعة الانسانية مرتكز الفلسفتين الماركسية والوجودية مع اختلاف المعنى المفهومي بينهما.الذي انكرته البنيوية جملة وتفصيلا، مقصية من طروحاتها الفلسفية الانسان والنزعة الانسانية التي كانت علوم الانثروبولوجيا اعتمدتها كمحك مفصلي هام في تطور التاريخ وبناء الانسان للحضارة.

ان البنيوية تيّار فلسفي معاصر نشأ قبل الحرب العالمية الاولى في مؤلفات توبتسكي وجاكوبسون ومدرسة الشكلانيين الروس، تلتها اعمال هوسرل وفنجشتين ولاكان لاحقا، وفي فرنسا التي كانت معقل الفلسفة العقلانية والحداثة التي ارساها رينيه ديكارت في القرن السابع عشر(العقل والعلم)، مقصّيا الميتافيزيقيا من مباحث الفلسفة معتبرا اياها لغوا فارغا لا يقود الى نتائج وثوقية صحيحة . كما ان العديدين يصنفون شتراوس فيلسوف البنيوية الرائد بانه وريث مدرسة فرانكفورت النقدية الالمانية التي ضمت شلنغ و بارسونز وشتراوس وماركوزة وفيختة، والبنيوية هي اقرب الى فلسفة الحداثة التي يقودها الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس في اعتمادهما مركزية اللغة في مراجعة ودراسة مواضيع الفلسفة، والتي كانت التجريبية التحليلية الانكليزية سابقة عليها في استلامها الراية بضرورة مغادرة اللغة محورا مركزيا تدور في فلكه مواضيع الفلسفة. وابرز فلاسفة هذا التيار جورج مور وديفيد هيوم وجون لوك، ويعتبر بيكون الاب الروحي لهؤلاء جميعا في وجوب اعلاء قيمة العقل والعلم اولا واخيرا في وجوب تلازم الفلسفة والعلم.

والبنيوية تيارات فلسفية متشعبة تأثرت اول الامر بالماركسية والوجودية قبل ان تنقلب عليهما. (معظم فلاسفة البنيوية والوجودية كانوا في بداياتهم ماركسيين وشيوعيين). وقد عنت البنيوية على يدي دوسوسير ولوفيدج فنتجشتين بعلم اللسانيات والصوتيات واللغة. ويوضح شتراوس: ان الوقائع التجريبية لا معنى لها في ذاتها، ولكن متى وضعناها في نسق فكري له معنى او نموذج اكتسبت معنى علميا.

كما اجد ضروريا التنويه ان تيارات الفلسفة المعاصرة اصبحت مفاهيمها الفلسفية متداخلة في خطاباتها الرؤيوية الفلسفية والمعرفية، بحيث لم نعد نمتلك معه القدرة الكافية على تمييز تلك الفواصل والفروقات المتباينة في ما بين تياراتها بيسر وسهولة، فمثلا نجد فلسفة الحداثة تتداخل مع تيارات ما بعد الحداثة بحيث صار بعض الفلاسفة ينكرون فواصل الاختلاف الكبيرة بين الفلسفات المعاصرة، فمثلا التداخل نجده مع ابرز فيلسوف الحداثة يورغن هابرماس الذي تحسب الكثير من افكاره الفلسفية الى البنيوية، فقد اختلف ايضا في مقالة مهمة له بعنوان (الحداثة مشروع لم ينجز بعد) مع ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة فرانسوا ليوتار الذي يعارض تلك الفكرة بقوله (ان مشروع ما بعد الحداثة مشروع مختلف عن مشروع الحداثة التي هي وليدة عصر النهضة والانوار التي يجب مجاوزتها. وانها استنفدت اغراضها) في كل ما جاءت به فلسفات ما بعد مرحلة العصور الوسطى، من اصلاح ديني وظهور النزعة الانسانية معتبرة الفرد محور الوجود، ودخول عصر النهضة يليه في القرن الثامن عشر عصر الانوار في ظهور البرجوازية الاوربية.

في حين يصر هبرماس ان فلسفة وعصر الحداثة لم يستنفدا اغراضهما ومهامهما بعد.عديدة هي الانتقادات اللاذعة التي واجهتها تيّارات الفلسفة البنيوية، من فلاسفة ومدارس مناوئين لطروحاتها الفلسفية، كونها (البنيوية) أثارت اشكاليات في الفكر الفلسفي جديدة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، استلزمتها واحتاجت معها الى نقودات متباينة معها او ضدها، جاءت في مقدمتها من مفكرين وفلاسفة ماركسيين وغير ماركسيين، تلاهم بالتزامن معهم فلاسفة الوجودية الحديثة لعل أبرزهم كان سارتر، في مسألتين او منحيين اثنين نسلّط الضوء عليهما دون غيرهما من قضايا اشكاليات البنيوية المتعددة التي لا تزال وستبقى لفترة غير محدودة مثار نقاش وحوار فلسفي مستمر.

الاول: التاريخ البدائي:

التركيز البنيوي تاريخيا على (الاثنولوجيا) دراسة تاريخ الجماعات البشرية البدائية، التي اعتمدها أبرز اعلام الفلسفة البنيوية بمختلف الاختصاصات (شتراوس) في دراسة تاريخ انثروبولوجيا الحضارة، (التوسير) في نقده الماركسية وكتاب رأس المال، (لاكان) في علم النفس، (دو سيسير و فنتنجشتين) في علم اللغات واللسانيات، (فوكو) في تاريخ الجنسانية وتاريخ الجنون وهو صاحب مصطلح (اركيولوجيا المعرفة) او مايسمى تعريبا حفريات المعرفة، ويعتبر كتابه الشهير (الكلمات والاشياء) من اشهر كتب الفلسفة في القرن العشرين، و(جان بياجيه) في علم النفس ايضا وهكذا.

أعتبرت البنيوية أن دراسة الاقوام البدائية تمتاز بأنها تعنى بأقوام، كانت تعد خارج التاريخ البشري وتطوره الخطي واهتماماته، ولا تمتلك تلك الاقوام البدائية تاريخا مدّونا يوّضح أنتقالاته في مراحله القديمة والمتعذّر رصد تغييراته البطيئة أسوة بغيره من مراحل لاحقة عليه سابقة في القدم كما في تاريخ شعوب ما قبل التاريخ التي عرفت بمراحل تاريخية طويلة بدءا من العصور الحجرية البدائية (انسان نياتردال)، وبعدها عصر الصيد والالتقاط تلاها العصور الزراعية والصناعات المعدنية البرونزية اليدوية بأبسط اشكالها واشتمالاتها، ثم في اهم انتقالة جاءت اختراع الانسان الكتابة والتدوين من جهة، ونشوء الديانات الوثنية من جهة اخرى، وأعتبرت البنيوية تلك المراحل البدائية في العصور الحجرية، مقارنة بالتاريخ الانساني لمراحل ما قبل التاريخ المدّون والموّثق تنقيبيا وآثاريا بعد ظهور الكتابة المسمارية في بلاد مابين النهرين والهيروغليفية في مصر في القرن الرابع ق. م، على ان ما سبقها تعتبر مراحل اللاتاريخ البشري كما اشرنا له سابقا.

كما أعتبرت البنيوية التاريخ البدائي (تاريخ ساكن) بحكم طبيعة العقل البدائي في ثباته ومحدوديته، وفي سذاجة تفكير الانسان وخيالاته البسيطة فيه، وفي بطء تغييراته التاريخية، وبالتالي أصبح هذا التاريخ أنموذجيا في التناول المنهجي البنيوي البحثي المتعدد التيارات، الذي تخدمه حالة الثبات والسكون ومحدودية العقل التي تعتري التاريخ البدائي وتقعده عن الحركة التطورية السريعة المتلاحقة كما في تاريخ اختراع الانسان الكتابة.

ان هذه المسألة التي اعتمدتها مرتكزا اساسيا الفلسفة البنيوية، أثارت حفيظة الماركسيين من الذين عابوا على البنيوية انها لم تجد في التاريخ الانساني، الا المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ، لدراسة تاريخها على وفق منطلقات أسمتها (قطوعات التاريخ) ميزتها ثبات وسكون تلك المجتمعات تاريخيا ومراحليا بما يفتح المجال الى دراستها وتحليلها الانثروبولوجي بدقّة وتناولها أيسر بالقياس الى اقوام شهدت تاريخا تطوريا متسارعا في متغيراته.

واذا كانت البنيوية نجحت في اقامة بناءات نسقية معرفية تحت مسمى (التكوين الثابت) للانسان، وتشابه قضاياه الحياتية في مختلف الازمان والعصور، ليس على صعيد الحقب التاريخية البدائية السحيقة وحسب، وانما على صعيد التاريخ الساكن للانسان في مختلف المراحل التاريخية، لأن مشاكل الانسان كانت وبقيت ثابتة ومتشابهة لم تتغيرجوهريا في التعاقب التاريخي، على حد زعم البنيوية. لكن ما يلحظه الدكتور الباحث فؤاد زكريا وآخرين عديدين غيره من باحثين ماركسيين ووجوديين، أن البنيوية تغاضت واخفقت معا ولم تنجح في تعليل التقدم التطوري والتاريخي الى حد اعتقادها بان ما يدعى التقدم البشري بفعل الاشكاليات البشرية المتنوعة والمتتالية هو محض خرافة ووهم، وان التحديات التاريخية سراب خادع ولم تكن في يوم من الايام عاملا لتقدم حضاري من أي نوع كما ذهبت له البنيوية في ادبياتها البحثية والفلسفية. واكثر فان التاريخ لم يشهد في مسيرته تطورا حتميا تقوده ضرورات التقدم باستمرار.(*)

ولقد ذهب فوكو الى أبعد من ذلك في قوله: انه يتجنب الخوض في/ ومع كل ما له صلة بمقولات التحّول والتغيير، ولا يرى في كل مرحلة تاريخية الا (ثوابتها) فحسب، ووصل الحد به الى التشكيك بالانسان نفسه، واسقاط التاريخ البعدي القديم والحديث والمعاصر من الحساب الفلسفي البحثي البنيوي نهائيا باستثناء الوقوف عند مراحل اللاتاريخ الذي تمثله الاقوام البدائية باعتبارها مراحل بشرية خارج التحقيب التاريخي الخطي في التطور الحضاري البشري .

لقد انساق خلف هذه المنطلقات الفلسفية البنيوية العديد من الذين انشقّوا عن الماركسية، ربما كان ابرزهم (التوسير) في استهدافه المادية التاريخية وكتاب رأس المال في انتاج ماركسية خيالية وتجريدية تعتمد خطابات غامضة واقامة بنى نسقية لا تمّت بأدنى صلة لها مع الواقع العيني ومعالجة مشاكله، وعجزت عن دحض الاسس المادية والجدلية التي قامت عليها الماركسية. وأكثر من ذلك نجده عند اقطاب البنيوية الذين سقطوا في الذهان التجريدي الفلسفي، وخلقوا أنساقا معرفية خارج اهتمام مركزية الانسان وجعلوها حقائق في مواجهتها الفكر المادي والماركسي تحديدا.ان البنيوية تجاهلت الطبيعة الاجتماعية التاريخية الصاعدة للانسان وحوّلت الانسانيات نحو مملكة التجريد الميتافيزيقي. لكن في اعتماد اللغة وعلوم اللسانيات هذه المرة، واعتماد اللغة كمحور ارتكاز في مراجعة جميع مواضيع الفلسفة تجريديا لغويا قديمها وحديثها، وان جميع قضايا الفلسفة هي لغوية صرف.

و من أبرز الامور في هذا المنحى البنيوي، أن غالبية مدارسها أستقت ينابيع تفلسفها من التاريخ السحري والخرافي والاسطوري والميثولوجي، الذي أعتبرته البنيوية الأنموذج الأمثل لدراسة القطوعات التاريخية الساكنة التي لايحكمها التغيير او التطورالمتسارع والتبديل. وبذلك تسهل وتتوفر دراستها، وفي اعتمادها الاساطير كما يعتمدها علم النفس الفرويدي على انها حلم جماعي لاشعوري لدى جميع الشعوب قبل وبعد التاريخ، متجاهلة تماما أن ارتباطات مثل اللغة والاسطورة والدين والطقوس والمجتمع او القرابة و القبيلة، والزواج جميعها مرتبطة بالانسان ووجوده الارضي التاريخي بعرى وثيقة جدا لا ينفع معها المكابرة في تقليل اهميتها في دراسة أي منحى تاريخي او معرفي او فلسفي مبتور لغرض الحصول على استنباطات تعميمية خاصة فقط بالاقوام والقبائل البدائية . ربما كانت تلك المفردات الحياتية بعيدة جدا عن سياقاتها الاجتماعية والانسانية والتاريخية كما حصل في التوظيف البنيوي لها في قراءاتها فلسفة العصروالمعرفة.

ومن الجدير ذكره ان مركزية الانسان في الفلسفة قديمة، ورائدها هو الفيلسوف السفسطائي بروتوغوراس، القرن الرابع قبل الميلاد في مقولته الشهيرة (الانسان مقياس كل شيء). واعقبه فلاسفة الوجودية جميعهم، سورين كيركارد، وهيدجر، ومارسيل جبريل، وصولا الى سارتر وكامو واخرين في اعتبارهم الانسان وسيلة وهدف كل شيء يالحياة. كل هذا الغته البنيوية في لا محورية الانسان كمعيار كل منجز معرفي او حضاري، من دون ادنى تأنيب ضمير ولا اسف على الانسان الذي اعتبرته الماركسية اثمن راس مال في الوجود.

كما ان الاسطورة التي هي حلم جماعي لا شعوري لدى الشعوب البدائية كما يذهب له علم النفس الفرويدي، الذي يختلف دلالة ومضمونا مع مفهوم البنيوية له، ففي علم النفس الفرويدي يكون المحلل النفسي أعلى مرتبة تمييزية عن المريض، ويعد الطبيب النفسي نفسه، أعلى مرتبة انسانية عن الشخص المعالج، مادام يستطيع كشف أبعاد أعمق من تلك التي يبوح بها الشخص له عن تجاربه اللاشعورية العفوية.

اما في البنيوية في اتجاهها التحليلي البنيوي السايكولوجي عند (لاكان) و(بياجيه) فان المحلل النفسي (لا يعتبر نفسه سوّيا وسليما بالقياس الى من يقوم بتحليله، كما لا يتخّذ منه اي موقف مميز عنه).1 وبهذا التفريق الافتعالي بين الفهم الفرويدي للاسطورة من جهة، وفهم الفلسفة البنيوية لها في التحليل النفسي من جهة مغايرة، لا اجده يشكل مسألة فلسفية جديرة بالاهتمام والاختلاف حولها. كما اجد ان انحسار المد الفلسفي عن معالجة أمور حقيقية تهم معاناة الانسان في الحياة المعاصرة، واعتبار مسائل اللغة محورا مركزيا في معالجتها كل المسائل الفلسفية، سيجعل من الفلسفة هراءا لا طائل من ورائه وهي تحتضر اليوم سريريا بخاصة في تفكيكية دريدا.

الثاني النزعة الانسانية:

البنيوية بحسب النقاد الماركسيين لها، يلازمهم ومعهم (سارتر) وأقطاب الوجودية الحديثة مثل هيدجر، (فقط بمنطلقات متباينة مختلفة كما سيتضح معنا لاحقا)، يجمعون على ان البنيوية ألغت في فلسفتها مسألتين على جانب كبير من الأهمية في تاريخ الفلسفة، (الذات / والانسانية) واقصتهما نهائيا من التفكير الفلسفي ب (المطلق)، بما يترتّب عليه نسف التاريخ الفلسفي السابق على البنيوية. ان لم يكن نسف ضرورة ذلك التاريخ في عزل البنيوية الانسان كمحوروجودي مركزي في جميع وعلى امتداد تاريخ الفلسفة القديمة والمعاصرة.

قبل التطرق لرد البنيوية على الماركسيين والوجوديين، نرى انه من المتعذّر لأي جديد في الفلسفة الغاء (الذات) والغاء (النزعة الانسانية) من الفلسفة، وماذا يتبقى منها بعدئذ؟ ولمن تخاطب او تكتب من أجله أو له؟ معظم تاريخ الفلسفة في أشد تجريداته وميتافيزيقيته الفلسفية لم يكن الانسان غائبا ولا مغيّبا منها، كمحور مركزي في التفلسف (مرسل ومتلقي) (فاعل ومنفعل) (وجود وقضايا) (كينونة وجوهر) (حياة وموت) (خير وشر) (مظهر وماهية) وهكذا، ليقوم العقل بعدها وحقول المعرفة والعلوم في اختصاصات الاجتماع، علم النفس، الاقتصاد، السياسة، وامور عديدة لا حصر لها بدورها المكمّل أو المفارق، وفي مختلف شؤون الحياة المتعالقة بالفلسفة.

علما ان الوضعية المنطقية التي هي الاخرى كانت سبقت البنيوية في تجاهلها موقع الانسان المحوري في الحياة والوجود. وفي معرض دفع (سيباج) هذه المثلبة عن البنيوية يقول (ان كل ما ينتمي الى مجال الانسان لا بد ان يكون من صنع الانسان، ثم لا يصح ان نتصور البنيوية على انها نظرية تجعل أصل الانساق التي تفسر بها الظواهر الانسانية خارجا عن نطاق الانسان.)2، بمعنى اراد سيباج الدفاع ان البنيوية لا تلغي الاهتمام بالنزعة الانسانية من قاموسها الفلسفي لكن بالفهم الذي ادرجه.

كما ان الوضعية المنطقية في رائدها الفيلسوف اوجست كونت (1798 – 1875) اهتمت بدراسة الظواهر الواقعية المادية فقط، متبنية شعار(ما لايمكن رصده لا وجود له) في تطرّفها تغليب الحس في ادراك الوجود رافضة كل تفكير في الغيبيات واعتبرت الميتافيزيقيا لغو فارغ لا معنى له، وان الوضعية هي التي تلتزم العلم في فهم الظواهر الطبيعية والبشرية.

وفي هذا الشعار للوضعية المنطقية يظهر جليّا تناقضها المثالي وفي تطرفها ايضا (رغم ما تدعيه من عقلانية واقعية)، ولا ارغب العودة وتكرار خطر وخطأ التفكير المثالي في اعتماد ان الفكر سابق على الوجود ومنتج له. ناقشت هذا الموضوع سابقا في (اللغة والاشياء) وفي اكثر من موضع في مقالاتي.

ان كل تجاوز ونفي للنزعة الانسانية فلسفيا، يجعل من تاريخ الفلسفة قبل البنيوية، تراثا كميّا استذكاريا لا نفع له، ولا علاقة صحّية تربطه بالانسان كوجود نوعي في الحياة التي نحياها على الارض. وأن تاريخ الفلسفة مدموغا بعدم الفاعلية الانسانية، انما تريده البنيوية خطابات من السرد التجريدي المنطقي، وأنساق فكرية فارغة أجترارية لمفاهيم موغلة في التجريد من جهة، وموغلة في الغياب من الاسهام في تغيير العياني الواقعي، والتي استنفدت جميع متبنيّاتها ومجالات تناولها البعيدة عن تحقيق حلول حيوية ماثلة في حياة الانسان المعاصر.

مؤكد اننا ليس بمقدورنا ان نصادر منطلقات فلسفية تشغل الباحثين عقودا طويلة مثل الفلسفة البنيوية قبل ان نتبيّن ردودها ووجهة نظرها وتعليلها لمثل تلك التوجّهات المصادرة للذات والنزعة الانسانية من قبلها، خاصة ان ماتدّعيه البنيوية بانها بصدد قلب جميع المفاهيم الفلسفية السابقة عليها من اجل خلق انساق وبناءات لخدمة العلم وتقدم الحياة الانسانية، وهذا التوجه لا يخدم الغرض المعلن عنه بوسائلها المحدودة القاصرةعلى الاقل. وليس من الواقع في شيء ان تخرج البنيوية الفلسفة من ذاتيتها الانسانية مهما كانت الذرائع التي ترفعها، على صعيدي التفلسف، وصعيد التلقي الاستقبالي. ويطلق شتراوس على الذاتية انها احد اشكال الوعي البرجوازي التجريدي لذا هو يرفضها.في وقت ان الذات الانسانية انثروبولوجيا مرتكز تاريخي حضاري لا يمكن مصادرة مزاياه الحيوية في تقدم البشرية.

كانت البنيوية موفقّة في ادانتها لوجودية سارتر انها فلسفة مغرقة في ذاتيتها غير الانسانوية في نزعتها على مستوى المجموع، وهو شيء لا تنفرد به البنيوية عن سائر منتقدي وجودية سارتر، المغرمة بالتشاؤم والعدم، واللاجدوى، وان الانسان قذف به بمحنة الحياة، حاملا حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين الذين هم الجحيم، وعليه خلاص نفسه بقواه الذاتية منفردا من المأزق الوجودي كما في دعوة بوذا (ابحث عن خلاصك وحدك).

كما أعتبرت ذاتية سارتر الفلسفية ذاتية متضخّمة ومتطرّفة لكن ماهو مهم اكثر، وجوب التفريق بين تأكيد سارتر (للذات الانسانية) التي يحاجج بها البنيوية ويحمّلها مسؤولية اضاعتها، وبين (النزعة الانسانية) التي تطالب الماركسية بها البنيوية لأضاعتها لها. فالنزعة الانسانية التي يدّعيها سارتر في فلسفته هي غيرها النزعة الانسانية التي تريد الماركسية حضورها في الفلسفة البنيوية وتفتقدها لديها.و أن البنيوية مهما سعت وبذلت من جهد في ربط منطلقاتها الفلسفية بعلم النفس او الانثروبولوجيا اوالتاريخ، اوعلم الاجتماع او اللغة او الفلسفة وغير ذلك فهي بالنتيجة عاجزة عن تحقيق منجز تدّعيه بصدد اقامة (بناءات نسقية)تدّعم مسار العلوم وتساهم بتطويرها وتقدم الحياة بالتزامن مع اعلانها الفلسفي المتشدد ان دور الوجود الانساني في التاريخ اصبح خارج مقولات البحث الفلسفي والمعرفي.

محاورة جان بياجيه:

هنا نعيد قبل ان نعرض محاججة (جان بياجيه) على أدعاءات كل من الماركسيين وسارتر المختلفتين حول (الذات، والانسانية) وتقاطع واختلاف سارتر حول النزعة الانسانية الذي اشرنا له سابقا مع البنيوية، عنه في تقاطع واختلاف الماركسية في فهمها النزعة الانسانية المصادرة فلسفيا عند كل من البنيويين وسارتر على السواء.

يذهب بياجيه في رده على نقد سارتر للبنيوية، وتأكيده أهمية محورية الذات الانسانية المستلبة في حقيقتها في فلسفته الوجودية، التي أتهم سارتر بها البنيوية العبور عليها ومجاوزتها بافتعال غير مقبول او مبرر، فكان رد بياجيه: (ان الذات الانسانية التي يؤكدها سارتر لا تشيّد بناء العلم بحكم طبيعة عملها انها تجريدات لا شخصية، لا يمكننا الاستدلال عنها الا من خلال هذه التجريدات فقط)3 وليست هي (ذات) فاعلة يعتد بها من واقع تأصيل النزعة الانسانية كفاعل تنموي في مجرى الحياة.

هنا بياجيه في رده على سارتر يضع نفسه، بالمثل الدارج فاقد الشيء لا يعطيه، فاذا كانت الذاتية الانسانية عند سارتر تجريدات غير شخصانية، فالبنيوية لا تعتمدها وتلغيها هي اصلا ولا تعترف على لسان فوكو بشيء عياني تتمحور الفلسفة حوله وحول قضاياه ومشكلاته ذلك هو الانسان (كذات) ووجود، وحتى على لسان شتراوس وفوكو فهما لا يقرّان بأن للانسان تاريخ حضاري أوصله الى مانعيشه اليوم. وان قضايا الانسان واحدة وتطلعاته لم تتغيرعبر العصور لذا يكون كافيا دراسة تاريخ الاقوام البدائية فقط لنفهم التاريخ البشري بمجمله، بمعنى تعميم منجزات الجزء على الكل. ومن الجدير ذكره ان المفكر الكبير محمد عابد الجابري في دراساته وفلسفته القيّمة حول صياغته لمشروع عربي نهضوي استبعد البنيوية وتحفّظ على التسليم بالكثير من منطلقاتها، لانها وبحسب ادانته لها عملت على تعميم منجز الجزء على الكليات، ونادت بنسق فلسفي بمكنته معالجة كل القضايا التي تهم الانسان ولم تستطع انجاز شيء من هذا الادعاء، وهو سبب كاف لرفض الجابري لمنطلقاتها الفلسفية..

ويمضي بياجيه في التوضيح أكثر انه يوجد فرق كبير بين العلاقات الشخصية التي تختفي من خلالها الذات الانسانية، كنزعة فطرية (انسانية مجتمعية)، وبين ما يطلق بياجيه عليه (الذات الانسانية في مجال المعرفة)، وهذا بحسب بياجيه فرق كبير وهام، اذ يجده بياجيه ان التخلي عن الذات الانسانية في مجال المعرفة، انما يحررنا في تخلّينا عن اتجاهنا التلقائي في التمركز حول انفسنا، و(نتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون هناك بعدها للذات وجودا بوصفها ذاتا عارفة، الا بمقدار ترابطاتها المتداخلة التي تتولد منها البناءات)4..رد تجريدي يتلاعب بالالفاظ فقط.

ونكمل مع بياجيه توضيحه: ان البنيوية تفرق بين (الذات الفردية) التي لا تأخذ منها موضوعا للبحث الفلسفي على الاطلاق، وبين (الذات المعرفية) أي تلك النواة التي تشترك فيها الذوات الفردية كلها على مستوى واحد، وهي موضوع الفلسفة ان صح التعبير، كذلك تفرّق البنيوية بين ما تحققه الذات بالفعل، وما بين ما يصل اليها وعيها، وهو محدود بطبيعته، وما تركّز البنيوية عليه هو اهتمامها بتلك العمليات التي تقوم بها الذات وتستخلصها بالتجريد من افعالها الذهنية العامة.5

ان ما يلاحظ على حجة بياجيه تجاه درء تهمة اغفال البنيوية النزعة الانسانية، ركيزة الفكر الفلسفي الماركسي انها لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، اذ عمد بياجيه باسلوب تجريدي صرف تفنيد مقولات فلسفية تاريخية علمية ومادية صلبة لا تزال تمتلك حراكها العملياني الواقعي التاريخي المقبول ليس لدى الوجودية والبنيوية، وانما في الماركسية، فهي تمتلك حضورا انسانيا فاعلا في مجرى الحياة وتداخلها معها. ولم يكن بياجيه الوحيد الذي وقع بمطب التجريد الفلسفي المسرف في مناكفة وتضاده مع الماركسية حتى احيانا من دون تسميتها، اذ نجد ان (ألتوسير) كان أنشطهم وأبرزهم تأثيرا في نقده المادية التاريخية وكتاب راس المال كما اشرنا له سابقا.*

وقبل ان نختم مبحثنا هذا نشير الى ان البنيوية ترى ان الكلام يسبق الكتابة، وان الحقائق التاريخية تثبت ان اقدم نظام كتابي يرجع الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد، وانه لا يمكن لأي مجتمع الوجود من غير اللغة الكلامية، لذا يكون من المنطقي ان نفترض ان الكلام يرجع الى بداية ظهور المجتمع الانساني، وعلى العكس من البنيوية ترى التفكيكية ان الكتابة تسبق الكلام وان الكلام ولد من رحم الكتابة، وينعتون الكتابة بالعدم والكلام بالوجود ومنطقيا فالعدم يسبق الوجود.

كما ان النص في الفلسفة التفكيكية يظل دائما يحمل عوامل اندثاره وتلاشيه بحسب الباحثة والناقدة سارة كوفمان من رواد الفلسفة التفكيكية، وتجد ان التفكيكية تتعامل مع النص اللاهوتي المتعالي، بانه نص يحمل اسباب تفككه ومغادرته احتكار مركزية خطاب النص، الى ان تصبح حسب رأيها جميع النصوص نسبية الوجود ونسبية التلقي ومتعددة القراءات. كما ان الفيلسوف الانثروبولوجي جيمس فرايزر يذهب الى انه كما استطاع الدين ابطال عمل السحر، فان العلم في طريقه الى ابطال لاهوت الدين.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

* ساقوم قريبا تفنيد التطور الخطي الغائي للتاريخ بدراسة انشرها لاحقا على صفحات الزمان الغراء.

1- توضيح اكثر انظر، فؤاد زكريا، افاق الفلسفة صفحات 363-365

2- المصدر السابق ص 360

3- نفس المصر السابق ص 366

4- نفس المصدر السابق ص 368

5- نفس المصدر السابق ص 364

 

عدنان عويدمدخل: ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو النتائج السلبية التي انعكست على المواطن في الدول العربية التي قام بها ما سمي بالربيع العربي، لما نال الإنسان هنا من دمار في ممتلكاته وتشريد لأبناء مجتمعه، وفقدان للأمل في الخلاص من قهر وظلم واستلاب وضياع عاشه بسبب الفساد الذي استشرى لعقود طويلة. وأخيراً بسبب العنف والعنف المضاد الذي مارسه من يدعون حمايته والدفاع عنه من كل الاتجاهات وتحت كل المرجعيات الأيديولوجية التي سخرت في هذا العنف.

والسؤال المشروع هنا أمام ما نجده من انتشار لقيم الوجودية بين الكثير من أبناء المجتمع في دول الربيع العربي، هل سيعيش شبابنا الحياة بهذا الفهم الوجودي. بكل ما يحمله هذا الفهم من عبثية وضياع وفقدان للمسؤولية الفردية والجماعية؟.

في المفهوم:

الوجودية تيار فلسفي يميل في جوهره إلى الحرية التامة، غير المشروطة بأية مسؤولية، أو أية قيود في التفكير والممارسة. وهي تؤكد على تفرد الإنسان، كونه صاحب تفكير حر وإرادة حرة واختيار لا يحتاج إلى موجه. وبالتالي على الإنسان في المذهب أو التيار الوجودي، أن يتخلص من كل موروث عقدي، أو أخلاقي يؤثر على رغباته وطموحاته الذاتية، كي يمارس حياته بحرية مطلقة دون أي قيد. والوجودية تعني من اتجاه آخر، أن وجود الإنسان الفرد يسبق ماهيته الإنسانية كمجموع أو ككتلة اجتماعية مهما كانت مرجعياتها دينية أو عرقية أو سياسية .. الخ، فماهية الكائن الفرد هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده، ولهذا هو يوجد أولاً، ثم تتحدد ما هيته ابتداء من وجوده. ولكن هذا التأكيد في الوجودية ليس أكثر من دعوة خادعة، كي يجد الإنسان نفسه أو يؤكد وجوده. ولكي يجد أو يؤكد الإنسان نفسه في الفهم الوجودي، عليه أن يتحلل من القيم، وينطلق لتحقيق رغباته وشهواته بلا قيد. وعلى هذا الأساس، يبدأ فهم معنى الوجود عبر الدخول بالتجربة الوجودية الفردية الداخلية القائمة على التخيل والأحاسيس الداخلية المشبعة بعواطف ورغبات ذاتيه بحت، لذلك فالفرد الوجودي يقوم بمعايشة الواقع وجدانيا أكثر من معايشته عقليا، ومن خلال هذه المعايشة مع الواقع للذات المقهورة والمشيئة والمستلبة أصلاً، يبرز عنده اكتشاف المعاني الأساسية في الوجود الإنساني، وهي معانٍ تمثل: العدم، والفناء، والموت، والخطيئة، واليأس، والعبثية، والعنف، ثم القلق الوجودي. إنها بتعبير آخر، فلسفة العدم.

منشأ التيار الفلسفي الوجودي وسبب نشأته:

ترجع بذور الوجودية كحركة أو تيار أو حتى مذهب، إلى الكاتب الدانماركي (سورين كيركجارد)، وتعمق فيها فيما بعد الفيلسوفان الألمانيان (مارتن هايدكر) و(كارل جاسبرز)، ومن ثم الفرنسيون: جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، وغابريل مارسيل، والبيركامو، وغيرهم. ويمكن القول: إنها ظهرت في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ابتداءً بألمانيا، ثم فرنسا، وأخذت فيما بعد تنتشر في بقية الأقطار الأوربية، وبعدها في العالم بوجه عام، ليبدأ وجودها بالانحدار مع نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن العشرين.

يلتبس مفهوم الوجودية على الكثير من رجال الشارع وحتى على بعض المثقفين، لأن المصطلح غامض رغم ارتباطه بأدب فترة ما بين الحربين (الشعر والرواية والمسرح) حيث كثر الموت وأصبح الفرد يشعر بوحدته في عالم مليئ بالعبثية واللامعقول. أي في عالم فقد أي معنى لوجود الحياة الايجابية المشبعة بالروح الإنسانية، حيث فرضت على الفرد حالة تسمى بـ (القلق الوجودي)، بعد أن فقد هذا الإنسان حريته وتوازنه الاجتماعي وقيمه النبيلة التي تفرض عليه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه بسبب ما حل به وبمجتمعه ووطنه من دمار. ومن هذا الوجود (العدم) أصبح هناك حاجة فكرية لمناشدة الإنسان كي يلتفت إلى إبراز قيمة الوجود وأهميته، ثم إلى معناه ومواضيعه، ولكن بنظرة وجودية تحمل كل المضامين اللاعقلانية التي جئنا عليها أعلاه.

اتجاهات الفلسفة الوجودية:

هناك في الحقيقة اتجاهان للوجودية هما:

أولاً: الوجودية الملحدة:

وهي وجودية تميل إلى الالحاد وعدم الاعتراف بالإله، وتجد أن الإنسان إله نفسه، ولابد أن يقدس ذاته، وهو خالق لأفعاله. وغير معذور بارتكابه للخطأ، والسبب في هذه التوجه هو ما تعرض له هذه الإنسان بسبب الحرب من ظلم وقهر ومعاناة بسبب الدمار، وشعوره بغياب واضح لوجود الرب ورحمته في تخليصه من هذه المتاهة التي دخل فيها، لذلك راحت الوجودية تعول كل التعويل على الفرد ووجوده وقدراته في تحقيق خلاصه. وهذا ما أكد عليه "جان بول سارتر" راعي المدرسة الوجودية في فرنسا في كتابه "الوجود والعدم" حيث يقول: (إن الإنسان لو كان مشلولا وعلى عربة مدولبة ودخل سباقا مع كبار العدائين في العالم ثم هزم يجب ان لا يعذر لعاهته، لأنه خالق لأفعاله، فإذا أخفق فإنه يلام على هذا الفعل). فحتى الخطأ أصبح مرفوضاً عندهم إذاً، وغير مبرر مها كان نوع هذا الخطأ ومقداره.

ثانياً الوجودية الروحية أو (الإشراقية):

وهي التي تؤمن بوجود إله طبيعي موجود في كل فرد، وأن ما يصدر عن الفرد، هو حق، وأن الإنسان خالق لأفعاله، ولو أخفق فعليه أن يتقبل ذلك، لأن الإله أراد له ذلك فعليه بالقبول، ويقصدون بالإله هنا الإله الطبيعي، وليس الديني. ومن أبرز مؤسسي هذا التيار (سورين كيركجارد)، وله الكثير من الآراء في الوجودية المثالية أو الدينية، وهي وجودية أقرب إلى التصوف في حركتها وفهمها بالنسبة لعالم الإنسان.

أهم أفكار الوجودية في شقيها:

الحرية:

إن من أهم مبادئ الوجودية، الحرية. فالإنسان حر في اختياراته، وفي اختياره يقرر نقصانه أو عدم كماله، لأنه لا يملك الممكنات كلها. والذات الوجودية، تسعى بين الإمكان وهو الوجود الماهوي (الفكرة أو القيمة المطلقة في الحرية)، وبين الواقع، وهو الوجود النسبي في طبيعته وعلاقاته. والذات الوجودية تعلو على نفسها عندما تحاول أن تنقل في ممارستها القيم الماهويّة إلى الواقع بما ينطوي عليه أو يشتمله هذا الواقع من علاقات اجتماعية غالباً ما تفتقد قيمها الايجابية، وفي هذا التحقيق أو النقل، تخاطر هذه الذات لأنها معرضة للنجاح والإخفاق، ولكن من المخاطرة تولد ضرورة التصميم، وبالتالي يعتبر هذا التحقيق أو النقل الماهوي للفكرة المطلقة، ضروري عند الوجوديين، لأنه محاولة لتغيير الواقع بناءً على القيم الماهويّة الفردية، والحرية المطلقة التي يتمتع بها الإنسان الفرد الوجودي.

إذاً إن أهم خصائص الذات هو الاختيار بين الممكنات المتاحة للفرد في وجوده، ولكن الاختيار يقتضي الحرية، فلا اختيار مع غياب الحرية، ولهذا وضع "كيركجور" الأسس الأولى للوجودية، فالإنسان الحر بوصفه الذات المفردة، هو مركز البحث، ومركز أحواله الوجودية الكبرى المشبعة بالموت والخطيئة والقلق والمخاطرة وغيرها، وهذه هي المقومات الجوهرية لوجوده، فالحرية والمسؤولية تجاه الذات الفردية في فهم الوجودية، هما المعاني الكبرى في حياته.

إن الافراد في الفلسفة الوجودية وحدهم المهمون، والوجود ذو طابع فردي، والالتزام والمسؤولية بما يفكر به الفرد الوجودي من المبادئ المهمة في فلسفتها. وإن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فإن الإنسانية كماهويّة لا توجد، وإنما الممكنات الإنسانية الفردية هي الموجودة. والواقع الوجودي لا يقوم في الجنس أو النوع، بل في الفرد العيني.

2- الموقف من الدين

يكفُر الوجوديون بالله ورُسله وكتبه، وبكل الغيبيات، وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائقَ أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأً، ويرون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحلَّ مشكلة الإنسان وبخاصة مشاكله التي ورثتها الحربين العالميتين. ولكونهم يؤمنون بحرية الإنسان المطلقة، لذلك على هذا الإنسان أن يثبت وجوده كما يشاء، وبأي وجه يريد، دون أن يقيده شيء، وعليه أن يطرح الماضي وينكر كل القيود، دينية كانت أو اجتماعية أو فلسفية أو منطقية. أما المؤمنون (الروحانيون) منهم وخاصة في الاتجاه الوجودي الاشراقي، فيعتبرون أن الدِّين محله الضمير، أمَّا الحياة بما فيها فهي مقيدة بإرادة الشخص المطلَقة.

الشعور باليأس والإحباط:

يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق، والقلق، واليأس، والشعور بالسقوط والإحباط كما اشرنا قبل قليل. لأن الوجودية لا تمنح شيئًا ثابتًا (نظرية ذات بعد طبقي) يساعد على التماسك بالقيم الإنسان وضرورة العمل على تحقيق سعادة الإنسان الفرد والمجتمع من خلال تغيير علاقات الواقع القائمة على القهر والظلم والاستغلال والاستعباد والتفاوت الطبقي. بل هي تجرد الإنسان من قيمه الجمعية وبالتالي قدراته على تغيير الواقع من خلال تغيير علاقاته الاجتماعية، كونها تعتبر الإنسان قد أُلقي به هكذا جزافاً في هذا العالم، وسط مخاطر تؤدي به إلى الفَناء، ورغم كل ما أعطَوه للإنسان الفرد من حرية ومسؤولية عن أفعاله، فإن فكرهم ظل يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة التي تحيط بالإنسان، والتي دفعته أصلاً إلى هذه الحالات من الانطواء والتفرد والتشيئ والاستلاب والقهر والظلم والاستلاب.

الإنسان عند الوجوديين:

يؤمن الوجوديون إيمانًا مطلقًا بالوجود الإنساني، ويتخذونه منطلقًا لكل فكرة، ويعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود، وما قبله كان عدمًا، وأن وجود الإنسان سابقٌ لماهيته، ويقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان، ومراعاة تفكيره الشخصي، وحريته، وغرائزه، ومشاعره. هذا وقُسم الإنسان إلى ثلاث نماذج في الفلسفة الوجودية وهي:

أ- رجل الجمال: هو الذي يعيش للمتعة واللذة ويسرف فيها، وشعاره (تمتع بيومك) (أحب ما لن تراه مرتين) ولا زواج عند هذا الرجل ولا صداقة، والمرأة عنده أداة للغزو وليست غاية.

ب- رجل الأخلاق: وهو الذي يعيش تحت لواء المسؤولية والواجب تجاه المجتمـع والدولة والإنسـانية، ولكن كما يراها هو كفرد وليس ككتلة اجتماعية لها هموم وطموحات ومصالح مشتركة. فهو مثلاً يؤمن بالزواج، ولكنه الزواج الذي لا علاقة له بدين أو غيره.

ج ـ. رجل الدين: وهو عندهم لا يحيا في الزمان، (ليس عند ربكم صباح ومساء) ولهذا فهو متجرد عن الدنيا، وأحواله في الجملة هي تلك الأحوال المعروفة عند الصوفية.

وقد تجد هذه الأنواع والصنوف عند رجل واحد، فيتدرج من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الدينية. ويستطيع الإنسان الوجودي كما بينا في مكان سابق من هذه الدراسة، أن يحل مشاكله بإرادته وحريته، فالإنسان مجبور أن يكون حرا. لذلك يطلب الوجوديون من الإنسان أن يكوّن نفسه. بمعنى أن يلتزم بطريقة يرضاها هو لإثبات ذاته. ويؤكدون على قيمة العمل الإنساني. والوجودية تسعى من الناحية التربوية إلى خلق إنسان يتصف بالقدرة على المبادرة، والسعي وراء الرُّقي والتقدم الشخصي من جميع النواحي، سواء أكانت جسمانية أم عقلية أم نفسية! وهذا لا يتم إلا من خلال فهم الإنسان لنفسه أولًا، والإنسان الذي يستحق المكافأة والثواب هو من لديه المبادرة والرغبة في التعلم والمعرفة، ويريد أن يبحث عن ذاته، ويحاول إبراز ذوات الآخرين، والبحث عن الخِبرات التربوية التي تسهم في بناء الوجود الذاتي.

القيم والأخلاق عند الوجوديين:

لا يؤمن الوجوديون بوجود قِيَم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، إنما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيَمًا أو أخلاقًا معيارية معينة على الآخرين، وقد أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخُلقية، والإباحية الجنسية، والتحلل والفساد. والوجوديُّ الحقُّ عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من الخارج، إنما يسيِّر نفسه بنفسه، ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود. من هنا تأتي الوجودية تمرُّداً على الواقع التاريخي، وحرباً على التراث الضخم الذي خلَّفته الإنسانية.

ملاك القول:

لقد حظيت الحرية الفردية في الفلسفة الجودية باهتمام كبير، عند كل فرد وجودي وبأي اتجاه من اتجاهاتها، فالحرية عندهم ليست هي الحرية الملازمة للإنسان فحسب، بل هي جوهر وجوده أيضاً. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته، بيد أن هذه الحرية في جوهرها عصية على التفسير عند الوجوديين، وهي لا يُعبر عنها بالمفاهيم، وبالتالي ظلت الحرية عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثر مما يحركه العقل، فالحرية يعارضونها بالضرورة، التي تقوم على قوانين موضوعية وذاتية تفرضها البيئة الاجتماعية بكل مكوناتها التي يحياها الإنسان، وغالباً ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. لذلك فحريتهم تأتي خارج المحيط الاجتماعي، فهي حالة باطنية، ومزاج نفسي، ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حرية بلا معنى أو قيمة، أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه. إن الحرية في الفلسفة الوجودية لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة، ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. إن الوجودية في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهرية في أبعادها الإنسانية العامة.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

...........................

المراجع

1-  تعريف الفلسفة الوجودية . موقع : موسوعة وزي وزي.

2- الفلسفة الوجودية: عرض المذهب ونقد الفكر. غادة الشامي شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / فكر.

3- الوجودية. موقع نشرة المحرر - ٢٠ فبراير ٢٠١٦ .

4- الفلسفة الوجودية. للأستاذ عبد الفتاح الديدي . مجلة الرسالة - العدد 851 - بتاريخ: 24 - 10 – 1949

5- الوجودية - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .

6- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الباحثين السوفيت – دار الجماهير – دمشق –ار الفكر- 1979.ص 976 وما بعد.

 

علي محمد اليوسفاغتراب المثقف يختلف ايضا عن الاغتراب التي بشرت به الفلسفة الوجودية الحديثة كما تذهب له المدلولات الفلسفية في الادب والمسرح والرواية والقصة وفي ادب اللامعقول ومسرحه وفي وجودية كولن ولسون المتفائلة (سارتر، كولن ولسون، كامو، كافكا، بيكيت، اوجين اونيسكو،.. الخ) اغتراب العبث في لاجدوى الوجود الانساني ولامعقولية هذا الوجود وعقم الحياة ولامعناها، وعدمية الخلق ولاغائيته، وقلق الانسان السلبي المسكون به منذ يعي ذاته حتى مماته وظلامية التخبط والعشوائية في لا امكانية الاختيار اصلا .. واين الصحيح كي تختار!؟

وكل اغتراب مهما كانت نظرته مختلفة في تفسيرها لمعنى الوجود الانساني هو التزام بشكل ما، وطريقة ما بالانسان كوجود ومصير فقط بفارق ان يكون هذا الالتزام جادا اراديا مستقلا يخدم الانسان في حياته ام لا يخدمه بالمعنى المختلف عليه مع/او ضد من اغتراب فلسفة الوجودية لدى ابرزهم (سارتر) ويليه الاخرون غير الذين مرّ ذكرهم من امثال اللاهوتي ( مارسيل جابريل)(*) واللاهوتي الوجودي (تيليش) فهما يجمعان على (ان لا معنى لأن نعيش ولا معنى لأن نموت) وان الانسان في تعبير سارتر (نزوة لا جدوى منها).

الا ان الاهم من كل ذلك هو ان الاغتراب في الوجودية الحديثة صنو او قرين الانسان في وجوده منذ ان قذف به من غير ارادته واختياره في اتون هذا العالم الصاخب. فالوجودية وادب ومسرح اللامعقول يعتبرون الاغتراب اكثر من حتمية تاريخية إنسانية انها فطرة طبيعية غير موروثة تلازم الانسان في كل مراحل حياته.

وان الاغتراب داخل في صميم الوجود الإنساني وانه داخل في نسيج الانسان ونحن مدانون بالاغتراب ومهما حاول الانسان من خلال الحرية ومن خلال احساسه بالزمن ومن خلال علاقاته الاجتماعية ومن خلال العمل ان ينحاز او ان يشفى من الاغتراب فانه سيموت اغترابيا لان الحياة نفسها اغتراب، والانسان يوجد مغتربا، وان الاغتراب ناشيء منذ البداية.(1)

وبدءا نحاول التنبيه الى الفارق الجوهري الكبير بين حتمية اغتراب الفرد وجوديا الذي تؤكده الفلسفة الوجودية وبين (حتمية الاغتراب الإنساني كنوع) الذي تجمع عليه تقريبا جميع الفلسفات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية المعاصرة في العالم اليوم.

ومثال هذا الاختلاف نأخذ (حتمية الاغتراب) كما يفهمها (والتركوفمان) وهو من اقطاب فلسفة الاغتراب المعاصرين وكاتب مقدمة كتاب الاغتراب لريتشارد شاخت مؤلف اهم كتاب حول الاغتراب: (ان الاغتراب هو احد السمات الجوهرية للوجود الانساني والنزعة الخلاّقة.. هي احد ردود الافعال ازاءه والالتزام به هو رد فعل آخر.. وكلاهما – يقصد النزعة الخلاقة والالتزام- يترتب عليهما المزيد من الاغتراب وهناك اشكال عديدة للانفصال والاندماج والنزعة الخلاقة يمكنها التزام

اللا مبالاة ازاء المشاكل الاجتماعية بينما العمل في القضايا الاجتماعية يمكن ان يكون غير خلاّق بصورة نسبية وان لم يكن ذلك بالضرورة.)(2)

ويضيف كوفمان: (ان كل من يحاول حماية الشباب من الاغتراب انما يعلن يأسه من الانسان وسوف يكون اكثر التزاما بروح الانبياء بني اسرائيل وكونفوشيوس وسقراط ان نقول بدلا من ذلك ان الحياة بدون اغتراب ليست جديرة بان نحياها.. وان ما يهم هو زيادة طاقة الانسان على معالجة الاغتراب..)(3).

اما الانسان الوجودي وحتمية اغترابه كما تريده وتفهمه ودعت له الفلسفة الوجودية الحديثة هو الانسان الاغترابي السلبي الذي يفهم جوهر اغترابه هو في اعتزاله المجتمع والتمرد والرفض له وبالتالي الانسحاب التبريري الذاتي الطوعي من الحياة..ولو ان سارتر الذي رسّخ الوجود الاغترابي الفردي يدعو للمشاركة بالحياة في اعتباره الوجود حرية مسؤولة تقع على كاهل الانسان ولا مجال التنصل منها.

الانسان الوجودي لديها - أي في الوجودية - يعي اغترابه جيدا على مستوى الذات والموضوع وبفهم ثقافي فكري عميق . وهو ساخط ليس بالضرورة على الاخرين ولكن على الحياة وقدر الانسان ومصيره التعس فيها . الحقيقة في الفلسفة الوجودية هي الذات المنعزلة وليست الفردانية التي هي جزء من مجموع اذ (ليس هناك ما يمكننا ان نسميه انسانا وان الوجود يسبق الجوهر) (4).

من الامور التي لا نريد عبورها . هو ماالفرق بين اغترابية المثقف المبدع واغترابية الفلسفة الوجودية !؟

ان مشكلة الوجودي الاغترابي في الفلسفة الوجودية الحديثة وادب ومسرح اللامعقول جزء منها هي ذاتها مشكلة (روكانتان) بطل رواية الغثيان او أي رواية اخرى لسارتر. او (ميرسو) بطل رواية الغريب لكامي او ابطال القلعة او المحاكمة لكافكا، اوبطل مسرحية في انتظار جودو لصموئيل بيكيت وهم جميعا نماذج سلبية اغترابية. واتبعناهم بنماذج التصوفية السلبية الدينية وغير الدينية كما هي في الوجودية الصوفية الروحانية غير الدينية لدى كولن ولسون.. وكلهم نماذج صارخة عن تمزّقات الاغترابات السلبية وابتعادهم عن الصفة الايجابية للاغتراب. لأنها كما اشرنا في تجربة التصوفي، الوجودي الاغترابي يبدأ رحلته الذاتية المفارقة لجوهر ذاتيته المثلى(الانا العليا) من جهة والمفارق لموضوعه الذي هو البنية الاجتماعية او الكلية الاجتماعية من جهة اخرى أي ان اغترابه مزدوج او مركّب .

والفرق بين اغترابية التصوفي عن اغترابية الوجودي ان كليهما يبدآن نقطة شروع اغترابي واحدة فالمتصوف يحاول ويسعى في رحلته التي لاعودة مثمرة منها في محاولة العثور على الجوهر الكامل المثالي المطلق في التطابق مع الذات، تطابق الذات الاغترابية التصوفية مع الذات المثلى ذات الصفات الحلولية الالهية ولا يهمه– التصوفي- ان كان في نظر الآخرين مغتربا عنهم وجودا ام لا. في حين ان الوجودي الاغترابي يبحث عن ذات اخرى جوهرية مثالية في ما وراء الطبيعة ليطابق ذاته الاغترابية معها قد تكون متحققة موجودة والاكثر احتمالا وترجيحا انها غير موجودة بالنسبة لمدركاته العقلية المحدودة والمحكومة في واقعية الزمن والمكان .. لذا هو ينكفئ ذاتيا باغترابه أصلا عن المجموع الذي هو مجتمعه.

الفرق الثاني ان رحلة الاغترابي التصوفي تبدا بنقطة وكذلك لدى الوجودي تبدا بنقطة شروع واحدة مختلفة التوجه والغايات اذ كلما غاص وتعمّق التصوفي في تجربته فانه في امتداده الاستكشافي الاستبطاني نحو المقدس الالهي المتعالي يشكل حركة ديالكتيك دائرية حلزونية صاعدة تحاول الاقتراب من هدف الوصول للمثالي والمطلق الكامل في الحلول بالذات الإلهية .. اما الوجودي فحركته نحو تؤكيد ذاتيته تبدا بنقطة ولا تنتهي بنقطة أي لا تشكل الا امتدادا مستقيما سائبا فهو لا يسعى الى التطابق مع ذاته بمواصفات مثالية يفتقدها ويسعى لها وهو من جهة اخرى يرى في الاخرين هم الجحيم الذي لا يفهمهم ولا يفهمونه على حد تعبير سارتر.. واللاعودة لدى التصوفي مسافة تقرّبه من الهدف .. اما اللاعودة لدى الوجودي فهي في محاولته الوصول تخوم بعيدة جدا من الضياع المطبق تخوم الحد الفاصل بين الجنون المطبق..او الانتحار الخلاص . والمنتحر يبقى يعي ذاته ويعي موضوعه بينما يضيع الوجودي السلبي الاحساس بالذات ولايعي المحيط من حوله ويدور في مركزية خلاص نفسه فقط.

ويختلف الاغترابي الايجابي الذي اطلقنا عليه الاغترابي المثقف المبدع في عودة انفصال تأمله الادراكي الذاتي لاسباب اغترابه بعد انسحاب مؤقت من مسافة رصد معينة من منطلق استثارة واستفزاز المحيط له . وفي تأمله الذاتي يكون الخارج دوما ماثلا في تفكيره

- أي الموضوع - وعودته الى المجتمع ثانية ليس بصيغة التجانس والتسليم او التكيف وانما بصيغة الاتيان بافكار جديدة تتجاوز اغترابه عن المحيط .

عن هذه الحقيقة، حقيقة ظاهرة الاغتراب في بعديها التاريخي - الحضاري يوضح نفس الفكرة الفيلسوف المؤرخ توينبي دونما استعماله لمصطلح الاغتراب بمعناه الوجودي- الفلسفي بل يستعمل عوضا عن ذلك ما يطلق عليه قانون التحدي والاستجابة او صيغة الانسحاب والعودة أي تحدي المجتمع واستفزازه للفرد يعقبها استجابة من الفرد في الانسحاب عن المجتمع ومن ثم العودة اليه بمعالجات ويشرح توينبي فكرته قائلا : (ان الاقليات المبدعة أي النخبة وقد لا تعني مجموعة الكثرة من الناس وانما قد يجوز ان يكون الفرد الواحد هم الذين يصنعون الحضارة الناجحة هذه الاقلية المبدعة تتألف من مجموعة من الافراد القلائل الذين يستطيعون ان يجابهوا التحدي الذي يواجه المجتمع بعملية يطلق عليها الانسحاب والعودة فهؤلاء القلة ينسحبون من المجتمع ويغرقون في الوحدة (*) ليصارعوا المشاكل وحدهم وتزداد في هذه الوحدة طاقتهم ومدركاتهم بعد ذلك يكونون مزودين بالقوة على تحريض بقية افراد المجتمع للتغلب على التحدي)(5)، وعلى وفق هذه العملية تتم جدلية الاغتراب وايجابيته في الاحتدام مع جدلية

الحياة .من نافلة القول ان بن سينا والفارابي وابن طفيل هم أصحاب هذه الرؤية الاغترابية.

*****

تعبيرات السلبية الاغترابية لدى الوجودية تتلخص

- برأينا - بألفاظ لا تستوعبها معان ومعان لا تستوعبها ألفاظ . ففيها الوجود علّة بلا معلول وموضوع بلا جوهر وحقيقة بلا معنى ووجود لذاته مفعم بالحرية المسؤولة المقعدة بقصور الارادة وواقع مجرد من ايجابية وفاعلية الادراك والوعي الجمعي للحياة والهدف.. وفي عبارة محسّنة للتخفيف عن المغالاة الوجودية - السارترية : (لا يمكن ان يكون هنالك حياة بلا معنى الهدفية) وكما عبر (تورانس) من أن ابداعية الانسان هي اكثر المصادر النفسية القيّمة في صراعه مع مشّقات الحياة اليومية واحباطاتها .

الفهم السكوني الاستاتيكي الذي ارادت الفلسفة الوجودية تكريسه في العمق الانساني للوجود كما هو مهيأ الانسان له رغم ماطفت على سطحه من فقاعات المغالاة بالحرية وتيارات الزبد المتلاطمة بان الانسان لذاته والاخرين في مركزية الوجود والعالم .. هذا الفهم لخصّه صموئيل

بيكيت : (لا شيئ يمكن عمله لاشئ يستحق العمل) انه تكريس سلبية اغترابية الانسان في وجوده المقذوف به بلا ارادة في اتون الحياة المغتربة عنه المغترب عنها . في حين الاغتراب الايجابي السوي يمثل جوهر الاشياء وعلة الوجود ومهماز الفعل وملهم الابداع وهو (الضرورة) التي تحكم جدل الاغتراب بالحياة في حركتها وملازمته لها متى ماكان استثارة مسؤولة في فهم الحياة وتحمل مسؤوليتها الوجودية.

يقول (نيل ويتنبرج) (الاغتراب متعدد الابعاد ليس بمعنى تعدد مظاهره وتجليّات الظاهرة الواحدة،وانما بتعدد مصادره الدفينة المستوحاة) يغترف من دينامية الواقع وحركة التاريخ وسيرورتهما ومن العلم في تحققاته وانجازاته ومن الحضارة في امتدادها الانساني غير المحدود.. لذا فاغتراب المثقف المبدع يمثل جدل الفكر بالواقع، والفعل بالطبيعة، انه يمثل ضرورة الوجود الانساني الفاعل في الطبيعة والكون والوجود وحيويته في امتلاك المصير والحرية والارادة . اغتراب الفلسفة الوجودية للفرد ارتداد سلبي الى داخل الانسان في عبوديته الطوعية واستلابه الانساني الميئوس منه. امام غول الحياة والوجود بدلا من انفتاحها على الخارج في تحقيق حريته وارادته.. وتؤكد الفلسفة الوجودية مبدأ الحرية بتقديس مبالغ فيه لأرضاء نوازع الذاتية-الفردية في اطمئنان الانسان الوجودي الى حذر زائف في تمتعه بالحرية وارادة الاختيار على وفق فهمه الخاص للوجود متحررا من المسؤولية المتحررة التي يعرف حقيقتها سارتر انها مفردة لا يستطيع الالتزام بها وتنفيذها الاغترابي الوجودي دونما الوصول لمحصلة اجتماعية وان كانت صرختها: حقّق حريتك بحرية الآخرين صدى مقولة (هولباخ) (ان حرية الانسان لا تتحقق فعلا الا في حرية الاخرين). وفعلا كانت صرخة استنجاد جمعي للانعتاق والافلات من فوضى وعشوائية الحياة المنمّطة على الطريقة السارترية وادب اللامعقول والسريالية في الفن. حاول جورج لوكاتش الجمع بين تقديس فردانية الفرد في حريته المطلقة لدى الوجودية ومزاوجتها بتقديس وحدة المجموع في اجتماعيته الاقتصادية النفسية في الالتقاء على ارضية - الاغتراب - في الجمع المشترك بين الماركسية والوجودية لدى سارتر وفشل كما حاولها سارتر وحصد نفس الفشل لسبب واضح ان مرتكز الوجودية الانسان الفرد ومرتكز الماركسية المجتمع وصراع الطبقات على حساب الفرد مما يتعذر تحقيقه في الموازنة بالالتزام.

الخلاص الذاتي الذي تمجدّه الوجودية تؤدي بكل انسان الى ان يرى الآخرين لا يحققون حريتهم المسؤولة وانما يقيدونها حبيسة فرديتهم النرجسية على حد فهم الماركسية في حين ذهب سارتر في كتابه نقد العقل الجدلي الى ان تموضع الذات ظاهرة ايجابية اساسا ومن خلالها وحدها يمكن ان تتطور حياة المرء وشخصيته وفرديته(6) وهو تبرير غير مقنع ولا جدير بالاهتمام.

يقول شاخت : لا يمكننا اعتبار الاغتراب نمطا من انماط التحلل من الاعراف الاجتماعية(7) وهنا يتوجب علينا فهم العبارة باكثر من بعدها الاخلاقي في وجوب المشاركة الفاعلة بالحياة التي حاولت الماركسية تقعيدها على مقعد العجز واجترار المصير الميؤوس منه في الحياة.

ولنتأمل كم جاهدت الفلسفة الوجودية لقلب هذه المعادلة الرصينة وفشلت ايضا. لان التركيبة الاجتماعية لعصر ماهي مجموعة تفاعل نظم وافكار وقوانين وايديولوجيات وثقافات وعلاقات اقتصادية وغيرها ومن حصيلة تفاعل كل هذه العوامل وغيرها تبرز تركيبة اجتماعية معينة بملامح وصفات زمانية وتاريخ ذلك العصر..عليه فان زوال او تحلل واضمحلال أي عرف اجتماعي لا يشترط ان يكون اخلاقيا فقط. يستغرق حتما امدا زمنيا يطول او يقصر بفعل اطرادي مع نضوج عوامل انحلاله الذاتية والموضوعية في الاضمحلال والتلاشي في ظاهريات اخرى لاتشبه الاصل الذي انحلّت عنه . لذا يكون التحلل من العرف الاجتماعي السائد - اؤكد غير الاخلاقي- لا يتحقق بنزوة فرد او رغبة مجموعة من الافراد الا اذا توافقت تلك الرغبة مع نضوج عاملي الذاتية والموضوعية باضمحلال ذلك العرف الاجتماعي السائد الذي يمثل مصالح شريحة اجتماعية اصبحت مجاوزتها حتمية وضرورة.

 

علي محمد اليوسف الموصل

 ..................................

(*) ربما يتبادر الى ذهن القارئ أليس هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والادباء والفنانين هم مبدعون وينطبق عليهم اغترابهم الابداعي الاصيل:؟ والجواب بكل تاكيد نعم .. والفرق في الالتباس انني هنا اناقش (اغتراب فلسفة) اغتراب فكر فلسفي ولا اناقش اغتراب فيلسوف بذاته وسأتطرق لهذا الالتباس . ومر بنا قبل هذا المجال اقتباس ثبته الدكتور محمد شفيق شيا قوله: (ما يمكن ملاحظته في الغثيان كما في غيرها او ما قد يقال هو ان شخصيات سارتر هي نتاج خيالي لا واقعي، هي افكار مشخصة اكثر مما هي وقائع فعلية فغدت ابطاله صفات منمذجة مجردة بلا روابط واقعية) . انظر كتاب د. محمد شفيق شيا في الادب الفلسفي، ص 249.

(1) عالم الفكر، مج1-، ع1، 1979، ندوة حول الاغتراب، مصدر سابق، د. حسن حنفي، ص136.

(2) مقدمة كتاب شاخت (الاغتراب)، مصدر سابق، والتركوفمان، ص 55.

(3) نفس المصدر السابق نفس الصفحة ايضا.

(4) سقوط الحضارة، كولن ولسون، ص 289.

(*) حتما مايعنيه بالوحدة هو الاغتراب والعزلة المجتمعية .

(5) نقلا عن كتاب سقوط الحضارة مصدر سابق ص105

(6) شاخت ص 245

(7) شاخت ص 245

 

علي محمد اليوسفاسبينوزا ومذهب وحدة الوجود: يذهب والتر ستيبس وهو فيلسوف يعنى بالتصوف في كتابه الذي نناقش بعض أفكاره (التصوف والفلسفة) تقديم وترجمة امام عبد الفتاح امام الى ان: المشكلة الأساسية في وحدة الوجود الصوفي تتصل بالعلاقة بين الله والعالم من حيث الهوية والاختلاف، هل الله والعالم متحدان في هويه واحدة؟ ام انهما متمايزان تماما؟ (1) كما يذهب له الادراك والتفكيرالذهني العقلي واللاهوت الديني في مختلف الديانات السماوية وعديد من الديانات الأخرى من الذين لا يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون ان الله والعالم متمايزان ومختلفان بالكينونة و بالهوية والكيف والصفات ولا علاقة اتحاد بينهما تحصل في أي شكل من أشكال الترابط او الحلول الصوفي بينهما.*

ولا بد من المرور برأي اسبينوزا صاحب مذهب وحدة الوجود الكلاسيكي الذي قال به فلسفيا ان الله شأنه شان جميع الظواهر الطبيعية والموجودات يتكون من جوهر وصفات موزعة على جميع الكائنات الحية والطبيعة والانسان والكوني، لذا نجده يتحدث عن الله والطبيعة او العالم والكون انهم جميعا مترادفات لمدلول ومعنى واحد، ولا يمكن الفصل بينها من حيث انها جميعا تعني دلالة واحدة، هي ان الله موجود في كل شيء، ولا تفريق هوّياتي مختلف متمايز ذاتيا من أي نوع بينهم. (كما لا يسلّم اسبينوزا باي وجود خالص خارج الطبيعة). ( 2).اي لا وجود لله خارج صفاته التي يمكن ادراكها او التي يتعذر علينا ادراكها ومعرفتنا بها بل نستمدها من الطبيعة.

بمعنى اكثر وضوحا ان الله وجوده ملحوظ في توزع صفاته على الطبيعة والانسان والكوني وما عدا ذلك فلا وجود الهي خارج هذه العوالم يمكننا ادراكه خارج صفاته بها وخلقه لها التي نحيا بها ومعها، ومن الملاحظ ان فيورباخ ذهب نفس المذهب في تأصيله نشأة الدين في علاقة الانسان بالطبيعة ولا وجود من أي نوع من المقدس عابر لهذه الحقيقة قائلا (ان عبادة الله تعتمد فقط على عبادة الانسان لنفسه).

من الواضح ان اسبينوزا في فهمه وحدة الوجود يتأرجح بين الالحاد غير المعلن صراحة، وبين الايمان الذي تعجزه البرهنة عليه، فهو يطرح مسألة وحدة الوجود بتلاعب لفظي فلسفي نجده نحن انه يفترض ان الطبيعة تلتقي ب (الله) بالصفات لا بالجوهر، وانهما الله والطبيعة كلاهما وجود بجوهروصفات اختلافية، وهذا الجوهر أساسا ليس مفتقدا بالنسبة لظواهر الطبيعة، كظواهر وماهيات لا حصر لها،  لكنه مفتقد بالنسبة ل (الله)، فالله بلا ماهية ولا جوهريمكن معرفتها، وله صفات لاهوتية تجريدية فقط، كالرحمة، والقوة، والخير، والمحبة، والعذاب، والعفو وهكذا، وهي غير صفاته المدركة حسّيا بالطبيعة وقوانينها المستمدة من الطبيعة في كل ماهو خير يتطلع الانسان الاقتداء به، صفات لاهوتية يقرّها الايمان و لا يقرّ بها العقل والعلم اصلها الطبيعة.

ومحاولة اسبينوزا الربط بين الله والطبيعة والوجود الكوني بالجوهروصفاته، يؤكد لدينا نحن فقط ان صفات الله الالهية بلا ماهية ولا جوهر، فهوأي (الله) ليس ذاتا ولا موضوعا يمكن وعي وادراك ماهيته وصفاته غير المذكورة في اللاهوت الديني المستمدة جميعها من الطبيعة والصفات الخيرّة كما يتمناها الانسان، بل هو ممكن ان تكون بعض صفاته ادراكية في الطبيعة والكوني فقط لا غير، ومعدومة في كل مجالات التعرف او التعريف بها خارج الطبيعة الحسية والادراك العقلي، ولكل شخص تفسيره لهذه الصفات وايمانه بها، بخلاف ان الطبيعة ظواهرها في اغلبها هي جواهر وظواهرمعا تحكمها قوانين الطبيعة المدركة منها وغير المدركة إنسانيا في فضائي الزمان والمكان المحكوم بهما الانسان، بخلاف ان الله بلا ماهية ولا جوهر يمكن للإنسان ادراكها.فالله مدرك غيبيا بصفاته وليس مدركا بماهيته العصّية على المعرفة والادراك الحسي والذهني.

الصفات الطبيعية في صوفية الاوبنشاد

وحدة الوجود التي تعتمدها الاوبنشاد التي يطلبها الصوفية عند الهنوسية والبوذية في اقتفائهم تعاليم المعبود براهمان او بوذا، هي من منطلق اسباغ قدسية الصفات الطبيعية على المعبود عندهم، ولا وجود لحياة أخرى فيها حساب وثواب بخلاف اديان الوحي التوحيدية، ويبدو ان هذا التعبير قريب من فهمنا لمقولة اسبينوزا بانه لا وجود لخالق فوق مدركات صفاته الأرضية والكونية له التي ندركها، ولنقرأ هذه الابيات الشعرية للاوبنشاد:

انت النار والشمس والهواء/ وانت القمر/وانت الفلك المرصّع بالنجوم/ انت براهمان الأعلى /انت المياه/ (انت خالق كل شيء)/ انت الشاب والصبية والشيخ الذي يتوكأ على عصاه/ فثم وجهك في كل مكان/ انت الفراشة السوداء/ انت الببغاء ذو العينين الحمراوتين/ انت السحاب وانت الفصول وانت البحار/(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) . (3)

من الواضح جدا ان وصف الاوبنشاد الصوفي هو وصف حسي ادراكي عقلي لظواهر الطبيعة والكون لمعبودهم وهو توصيف لاهوتي مشترك في غالبية الأديان التوحيدية وبعض غير التوحيدية من الأديان الوثنية، ولا يوجد بهذه الصفات خرق لقوانين الطبيعة على شكل معجزات ايمانية مجردة الا في عبارة(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) التي هي كسروخرق لقوانين الطبيعة التي تحكم قدرات البشرالادراكية حسيا وعقليا في اللانهائي زمانا ومكانا، وبهذا الفارق نكون نحن بشر، ويكون الله الها يعبد.

هذا الإحساس الصوفي والتعلّق بالصفات الطبيعية المنسوبة للخالق على انها صفات خارقة لقوانين الطبيعة هي في حقيقتها ليست كذلك في القداسة المسبغة عليها، ولا تنسجم مع القول: (براهما انت خالق كل شيء)، وفي هذا لا نجد ميزة قدسية تنفرد بها صوفية براهما عن باقي الأديان التوحيدية التي لا تجمع بين ان تكون الطبيعة بصفاتها هي الخالق، في نفس ان تكون مخلوقة أيضا، كما تدعي الاوبنشاد انها مخلوقة من خالق أسبق عليها بمعنى (ان الكون خالق للكون)(4) ذاتيا ولنفسه فقط، والطبيعة مخلوقة بصفاتها من قبل خالق هو في حقيقته عدم وخواء وامتلاء في وقت واحد، صاحب الصفات في الطبيعة، والخالق غير المدرك للبشر لا في ماهيته ولا في صوره وتجليّاته وهو ما ينطبق على الفهم الديني واللاهوتي في مختلف الأديان التوحيدية في عجزها العقلي اثبات وجود الخالق او في اثبات عدم وجوده أيضا ولا في امكانية الاستدلال على صفاته غير الأرضية او الكونية التي يدعي الصوفية الاتحاد بها في العرفان والاشراق في مدارج الحال الصوفية.

شيء عن صوفية zen البوذية

نبدأ بالتساؤل الازلي والاشكالية المتقادمة زمنيا في مختلف العصور ومختلف الأديان هي كيف يمكن لما لا يمكن ان يقال عنه انه موجود او موضوعي، ان يكون علّة أولى لكل ما هو موجود، وموجود وخالق من عدم او لاشيء ؟ (5)

من العبث اللامجدي ان نتدخل في حل إشكالية وفك رموز شفرة ليست عصيّة على الصوفية وحسب، وانما عصية في محاولة سحبها على إشكالية اشبعت اجتهادا دونما نتيجة هي كيف يكون الخالق علة بلا معلول، صانع وخالق كل شيء، وجوده من غير عدم سابق عليه لا قبله ولا بعده؟ وهكذا ندخل في دوامة من التجاذبات التي لا نهاية لها، في ادراك المسار الازلي لخلق العالم من عدم. من الخطأ الاعتقاد ان يكون ما ذكرناه حجة كافية لاصحاب الاشراق الصوفي والاتحادي على انها إمكانية حقيقية ومتاح لهم تحقيقها، وانها وان كانت لا تمتلك الاقناع العقلي بها لكنها كافية لديهم للتعايش مع إشكالية الأصل في عدم إمكانية تفسير الخالق بانه علة بلا معلول، وأنه وجود ازلي واجب بالضرورة والحاجة البشرية له. فلماذا لا تكون التجربة الصوفية بزعمهم في مثل هذه الإشكالية العصّية على التفسير بمنطق او منهج فلسفي او لاهوت ديني تلتقي باشكالية الميتافيزيقا واختلافات التفسير اللاهوتي المنوعة.؟ التي لا تمتلك لحد الان حلولا مقبولة.بمعنى ان القضايا الميتافيزيقية والدينية التي ليس لها حل، هي نفسها الايمان الغيبي في قضايا الصوفية كيقينيات لا تمتلك برهان صحتها ولا نفيها، ولكن يوجد من يؤمن بها ويدعو لها.

ان ما يجعل الشك وعدم الترجيح والتسليم في ان تكون التجربة الصوفية حقيقة وليست ذهانات خيالية تغذيها الجوانب النفسية اللاشعورية الوجدانية التي يخلعها المتصوف على الخالق المتصور، ويرتد فيها وعليها في وعيه وفي تأكيد ذاتيته الاضطرابية مستعينا بنفس المعيار الاشكالي غير المحسوم في غالبية الإشكاليات اللاهوتية والفلسفية في معالجتها قضايا الميتافيزيقا التي يدخل ضمنها الدين و الصوفية من دون حل مرضي ونتيجة مقبولة.

ترى البوذية التصوفية zen ردا على إشكالية عدم وجود المتعين وجودا بنفس معيارية عجزالعقل البشري في ادراك أي نوع من أنواع الصفات الإلهية او إمكانية الاتحاد بها في تجربة المتصوف في غير مجال الطبيعة والانسان والكوني، وهي وجهة نظر لا تبتعد كثيرا عن الدوران حول مركزية الإشكالية اللاهوتية في غالبية الأديان التي تجمع على ان وجود الله هو في تجلياته الطبيعية وصفاته المدركة عقليا وعاطفيا التي يتساوى في ادراكها المتصوف وغير المتصوف، وعليه لا تطرح البوذية معالجات جديدة يمكن الاعتداد والتسليم بمقبوليتها فتقول (طالما ان النرفانا هي الحقيقة النهائية التي هي بغير تمايز ولا اختلاف او ثنائيات، وانه لا توجد تفرقة في الحقيقة النهائية بين النرفانا واللانرفانا، بين الحقيقة واللاحقيقة وبين التعاليم واللاتعاليم، لذا يعلن بوذا ان الوجود واللاوجود ينبغي رفضهما معا، لا على انه وجود ولا على انه لا وجود او عدم). ص 253 من المصدر .

بضوء ما ذكرناه آنفا انه لمن المهم ان نعيد للذهن عدم إمكانية المتصوف تجاوز ذاتيته الصوفية التعبدية التي تعني التشتت واللانظام والكثرة بصفات لا (انسية) او لا بشرية تصوفية امام الواحدية الكلية الإلهية التي هي غير ذاتية ولا موضوعية، كي يستطيع الصوفي تنظيم وبرمجة مدركاته الحسية والتخييلية في امكانية الاتحاد الصوفي بها، فالواحدية الالهية هي اللامتعين اللانهائي غير المحدود زمانا ومكانا، ولا المختلف في واحديته ولا هوية تمييزية له يمكن ادراكها باي وسيلة تصورية ادراكية بشرية، فهو الخالق بذاته وليس من اجل ذاته بعلاقته بالاخر فهو ليس بحاجة الى غيره وبعيد عن امكانية التشيؤ بأي معنى او مظهر ولا التخييلي امام من يرغب ذلك من مريدي الاتحاد الصوفي به.

كل هذه العلاقة غير السوية وغير المتكافئة بادنى شروط المعيارية المقارنة بين الله والانسان، انما تجعل المتصوف يسلك طريقا خاطئا، ولا يعود بحصيلة لتجربته يمكن الوثوق بها والتيقن منها، ليس كتجربة خارج ادراك الشخص غير المتصوف، ولا كتجربة ذاتية تمتلك اقل الإمكانات الادراكية او المقومات غير المنظورة في إمكانية كسر قوانين الطبيعة الشغالة في حيزي الزمان والمكان ان جاز التعبيروتحقيق الاتحاد بالله صوفيا.حتى عندما يعجز الصوفي التعبير عن تجربته الصوفية لغويا، فهم يعزون ذلك العجز الى ادعائهم ان اللغة كيان محدود بمدركات الطبيعة ومفهوم الزمان والمكان الأرضي فقط، ولا يمكنهم توظيف اللغة المحدودة الصوفية للتعبير والاحاطة بكيان لا متناهي ولا محدود ولا متعيّن بصفات يتسنى للبشر ادراكها او معرفة ماهيتها.

 

وحدة الوجود في المسيحية

يطرح والتر ستيبس إشكالية وحدة الوجود في الأديان السماوية بالتساؤل التالي:(ما الذي يحدث في لحظة الاتحاد الصوفي مع الله؟ هل تصبح روح الصوفي ببساطة متحدة بالله؟ ام تبقى وجودا متمايزا ومختلفا عن الله تماما؟ ام ينتج عنهما هوية ثالثة في الاختلاف الاتحادي) (6) .

من المبكر التأكيد بالقطع ان المسيحية تفهم الاتحاد بالله انه لا يعني بالمطلق وحدة الوجود الذي تدينه كما في ادانة الإسلام له عند الصوفية ولا تقرّبه.فالقديسة تيريزا تصف الاتحاد بالله بقولها (واضح جدا ما الذي يعنيه الاتحاد، شيئان متمايزان يصبحان شيئا واحدا (7). تفسير الاتحاد هنا يعني ان الشيئين كلاهما يحتفظان بكيفياتهما المتمايزة غير المشتركة بعد الاتحاد، ويفقدانها وقت الاتحاد، فمثلا التقاء نهر مع نهر اخر يكونان نهرا ثالثا في كيفية واحدة جديدة، (مثال واقعي التقاء نهري دجلة والفرات وتكوينهما شط العرب) لكنهما في حقيقتهما يلغيان خصوصيتهما كلا لوحده في الكيفية الجديدة التي اوجداها في دمج كيفياتهما المتجانسة المشتركة (بالماء) وذوبانها في المجرى النهري الثالث بلا رجعة، ويكتفيان بتمايزهما كنهرين غير متصّلين قبل التقائهما واتحادهما معا في نهر شط العرب، ربما هذا المثل يفيدنا في الاتحاد الطبيعي المادي بين شيئين ماديين بكيفيات معلومة محسوسة ومشتركة عقلانيا لدينا، لكن هذا النوع من الاتحاد في الطبيعة غير صحيح في التعميم في وصف تجربة الاتحاد الصوفي بالله، من حيث اذا ما حقق المتصوف (كيفية) متمايزة عن كيفية البشر في الاتحاد الصوفي المؤقت بالله، فالنتيجة رجوع كل من الله والصوفي الى كيفياتهما الاصيلة قبل تحقيق اتحادهما وعودة المتصوف الطبيعي الخارج من تجربة الاتحاد الصوفي كأنسان مثلنا قبل الاتحاد. لكن يتعذر على أي من النهرين العودة الى كيفياتهما قبل اتحادهما وتكوينهما حالة كيفية جديدة ناشئة من اتحادهما. لانهما يمتلكان كيفيتين ماديتين من نوع واحد هو (الماء). فالكيفيات المختلفة في حالة الاتحاد الصوفي تبقى متمايزة بالصفات فالاله هو الخالق والصوفي يبقى هو بشر لا غيراذا صح تواصله مع الخالق ام لا.

ولنطالع على هذه العبارات لفيلسوف كبير في قضايا الصوفية تذهب لتاكيد ما ذهبنا له في العبارات السابقة، يقول روز بروك: (كما ان النار لا تصبح حديدا، ولا يصبح الحديد نارا، فان المخلوق المتحد بالله لايكون الها، كما لا يصبح الله مخلوقا).(8). وهذا مناقض تماما لقول القديس يوحنا :(ان الاتحاد بالله اتحاد مشابهة يحدث عندما تتطابق ارادتان، إرادة الله وإرادة الروح معا، تلك الروح التي وصلت مرحلة التطابق الكامل والمماثلة فتتحد اتحادا تاما مع الله وتتحول الى الله على نحو يفوق الطبيعة ). (9) هنا واضح جدا ان الانسان يكتسب صفة فوق بشرية بالاتحاد مع الله ليرجع يفقدها بعد زمن انتهاء تجربة الاتحاد الصوفي.

عند امعان النظر جيدا في عبارات يوحنا الرسول نفهم انه لا يتحدث عن الاتحاد الصوفي بالله في المسيحية، ولا يتحدث أيضا عن وحدة الوجود، بل يتحدث عن اتحاد اعجازي مستمد من تجربة المسيح في الصلب والقيامة، وفي خرقه نواميس الطبيعة في اعجاز لا يستطيعه البشر المتصوفة ولا الناس العاديين، عليه لا يترتب على مثل هذا النوع من الاتحاد مبدأ التعميم الصوفي في مفهومة الاتحاد بالخالق. وهذا لا يمنح تفويضا لاهوتيا ان بمقدور كل صوفي تجربة ما مر به المسيح .فالمسيح يمتلك اعجازا ممنوحا له من قبل الخالق في تمكينه اجتراح المعجزات التي لايستطيعها أحد من البشر في قيامه بخوارق الأفعال، وهو ما يعجز عنه الصوفي او أي كائن عادي.

(بعبارة أخرى فان الله والروح من حيث الوجود هي موجودات متمايزة، واتحادهما هو اتحاد تشابه كيفي أي نوعي لارادتين متفقتين، ويمكن تسمية هذا النوع من الاتحاد بالاتحاد الكيفي كتمييز له عن الاتحاد في الوجود – وحدة الوجود – او في الجوهر او في الهوية). (10) لاحظ العبارة تقول ارادتين متفقتين ولم يقل صفتين متشابهتين لكيانين يمتلكان كيفيتين متمايزتين جدا ومختلفتين هوياتيا، ولا مجال في تكافؤهما.(خالق الهي ومخلوق بشري).

تفهم المسيحية (ان العلاقة بين الله وجزء من العالم – المقصود بهذا الجزء الانسان – التي هي الذات الفردية في وصولها حالة الاتحاد الصوفي بالله انما تعني الهوية مع الله حتى لو كانت خلال فترة الاتحاد على الأقل).(11)

أيضا في الاقتباس أعلاه نلاحظ مدى التحفظ اللاهوتي المسيحي حول إمكانية وحقيقة الاتحاد بالله وفي امكانية اكتساب الصوفي كيفية خارقة لعالم البشر، وتستمد هذا الاكتساب – حتى لو كان اكتسابا مؤقتا خلال لحظة الاتحاد كما مر بنا – في الاتحاد المتكرر بالله تصوفيا.هذا الفهم الهوياتي الصوفي للاتحاد بالله قد يعطي تصورا زائفا لدى الصوفي انه بمستطاعه ان يكون ذاتا فردية وهوية صفاتية مكتسبة مغايرة لحقيقتها الاصلية البشرية الطبيعية، في اكتسابه هوية جزئية بصفات الوهية في اتحاده بالله.وهذا غير صحيح فلا يمكن لكيفيات متباينة مختلفة في الهوية والتكوين ان تتحد ويكتسب احدها من الاخر الذي هو الإلهي صفات تجعل منه فوق الانسان البشري حتى ولو لبعض الوقت، التي هي التجربة الصوفية وزمنها، وهذا النوع من وحدة الوجود يطلق عليه الكتاب المسيحيين اسم (الهرطقة).

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

..........................

الهوامش

* نحن هنا نصف الخالق بان له كينونة وهوية وماهية وصفات، قولا مجازيا فقط فلا احد بمستطاعه الجزم ان هذه من معالم الادراك البشري لها لا ايمانيا ولا عقليا. (كاتب المقالة).

1- والتر ستيبس /التصوف والفلسفة/ ترجمة امام عبد الفتاح امام / ص262

2- نفس المصدر السابق ص 267

3- نفس المصدر السابق ص 269

4- نفس المصدر السابق ص 256

5- نفس المصدر السابق ص 270

6- نفس المصدر السابق ص 281

7- نفس المصدر السابق ص 282

8- نفس المصدر السابق ص 283

9- نفس المصدر السابق ص 285

10- نفس المصدر السابق ص 287

11- نفس المصدر السابق ص 257

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر كتاب الدكتور الشهيد عامر جميل الراشدي استاذ الفلسفة في جامعة الموصل، بعنوان (النص الصوفي/ دراسة تفكيكية/ ابو يزيد البسطامي نموذجا) من افضل الكتب في فرادة تناول موضوعه الفلسفي وصعوبته، دراسة اكاديمية منهجية عالية الجودة والتمكن والاتقان من ادوات معالجة موضوع فلسفي شائك يعالج موضوعة النص الصوفي في اشكاليته (اللغوية) المتعالقة مع التصوف والتفكيك معا، وعن هذه المهمة الصعبة يقول المؤلف (ان هذه الدراسة حاولت ان تكون رائدة في مجال تخصصها ولاسيما وهي تتناول نصوص ابو يزيد البسطامي من جهة والتفكيك من جهة ثانية، لما يعنيه هذا من قلة الدراسات وندرتها التي تناولت هذين الموضوعين مع غياب اي شاخص علمي يمكن الاستهداء به) ص12.وفعلا اجدها كذلك عن جدارة واستحقاق، اذا ما علمنا اشارة الباحث المؤلف الى صعوبة ربط التصوف بالتفكيك بقوله(وهذا ما يجعل الدراسات التطبيقية للتفكيك تكاد تكون معدومة). ص2، هذا على صعيد تفكيك النص الادبي والسردي، فكيف تكون الصعوبة في تفكيك النص الصوفي الذي هو نص لاديني ولا ادبي؟ إشكالية لغوية فلسفية متعالقة ليست سهلة.

النص الصوفي الملغّز المكتوب بعامة وليس في خصوصية شطحات نصوص البسطامي الذي يجده المؤلف متفردا عن غيره من المتصوفة، انه نص متسام متعال فوق الادراك العقلي من جهة، وفي تحرره من عرى الانشداد للطبيعة والوجود الانطولوجي والجمعي من جهة اخرى.كما يرى المؤلف ان البسطامي كان في طريقته العرفانية نموذجا متفردا وقدوة للذين جاؤا من بعده وسلكوا طرق الحال التصوفي الاشراقي وافادوا منه واخذوا عنه، من امثال الحلاج ورابعة العدوية وابن الفارض والسهروردي وجلال الدين الرومي وغيرهم.

والنص الصوفي يحمل اشكاليته اللغوية المنطوقة او المكتوبة ليس من اجل توظيف اللغة وسيلة تواصل تداولية تروم تعميم المعنى الاستقبالي لحالة المتصوف، وانما من اجل تعطيل متعّمد ومقصود في اعدام مثل هذا التوظيف الذي درجت عليه اللغة المنطوقة والمكتوبة في تداولية تعميمم النص قرائيا سيسيولوجيا كما في ضروب الادب والسرديات في توصيل المعنى او المراد.

فالمتصوف يروم بلغته المتعالية روحيا واشراقيا توكيد نفي ما يريد الاخرون استحضاره انطولوجيا حسيا وعقليا لغويا ايضا. (فالنص الصوفي يشكل ظاهرة في مجمل النشاط البشري اذ تعد مدونته خروجا على انتماء النص الديني والنص الادبي، فالكتابة الصوفية امكان واحتمال غير قار، وشعرية هذه الكتابة تفصح عن توتر دائم بين امكانية اللغة والعالم المتجلي الصوفي) ص5 من الكتاب.

وبهذا الفهم الاشكالي تكون اللغة التصوفية لغة اغترابية في منحيين فهي مغتربة في عجزها توصيل المعنى الاستقبالي العمومي التداولي المعهود بوظيقة اللغة اولا، ومغتربة ذاتيا في تساميها الروحاني الذي تجد اللغة نفسها فيه من خلال تجربة المتصوف قاصرة في بلوغ مراحل متقدمة في رحلة عبورها مدرجات الحال العرفاني نحو الاقتراب من المطلق الروحي في توازي التجربة الصوفية مع النص اللغوي المنطوق او المكتوب المنفرز عنها والملازم لها ثانيا.

التفكيك اللغوي

نجد من المعاد ان نشير الى ان التفكيكية التي جاء بها دريدا ليست فلسفة قائمة بملامح ثابتة بذاتها، ولا هي منهج في التفكيك والتاويل والاستدلال في البحث الدائب عن (فائض المعنى) الذي تتركه القراءات المتتالية المتعددة للنص. فهي خارج هذه الانماط الاصطلاحية لتكون كما يشير المؤلف على لسان دريدا ان (التفكيكية استراتيجية) طويلة الامد، او بتعبيرنا هي آلية تفكيك نظرية تسعى تقويض ذاتيتها باستمرار في تعالقها بالنص المكتوب تفكيكيا.كون الاستراتيج في المصطلح المتداول محكوم بغائيات بعيدة تجعل منه مركزية محورية ثابتة يرفضها قطعا التفكيك في اعتبارها محور ارتكاز افتراضي وهمي يتوجب ان يطاله التفكيك ايضا.

فالتفكيكية لا تقر بأية ثوابت او مرجعيات او مرتكزات مثل العقل، الذات، الوجود، الموضوع، السرديات الكبرى وتعتبرها جميعها من صنع مخلفات الميتافيزيقا المتوارثة القارة عبر العصور، لذا يكون التفكيك انحلالات متعاقبة للنص، تثري نفسها ضمن صيرورة من التاويلات والتحولات غير المنتهية في سعيها تحقيق (فائض المعنى) الذي تتركه لغة النص دائما بعد كل قراءة جديدة، الفائض الناتج من اختلاف وتعدد القراءات التداولية للنص التي تتوسم بالقادم القرائي افضلية مجاوزته للماثل قيد التفكيك والمجاوزة والنفي المطلوب تفكيكيا.

كما ذكرنا ان التفكيك لا يقوم على محورية تمثّل مركزا استقطابيا حتى لو كان هذا المركز هو الانسان ذاته فهي لا تؤمن باشياء او موجودات خارج سلطة النص كتفكيك (لغوي)، وفي هذه النقطة ربما يبدو التقاء البنيوية مع التفكيكية واردا لاول وهلة لكنه في الحقيقة غير ذلك، اذ ان البنيوية نادت ان (لا شيء خارج النص)، وقد تجاوزت التفكيكية هذا الادعاء البنيوي في مفارقة اختلافية ان لا شيء ذو اهمية خارج سلطة (اللغة) بعامة في تفسير كل شيء، وفي اعتبار التفكيك يطال كل شيء ولا شيء معا.

واذا كان رولان بارت قد بشّر بموت المؤلف فان جاك دريدا بشّر بموت النص، من خلال ان التفكيكية لا تقّر بمرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها في مجرى تاويلات وتفكيك النص في استهداف تحقيق فائض المعنى الذي تتركه اللغة المكتوبة تفكيكيا على الدوام .وانكرت التفكيكية على البنيوية انها تفترض سلفا مركزية المعنى الذي يتحّكم بالبنية او النسق، وبرأينا هنا ان البنيوية كانت مصيبة في تثبيت حاكمية وسلطة المركز الذي يكون هو صمام الامان الذي يجعل من الحقيقة امرا مقبولا ليس في المطلق وانما في مثول النص للقراءة التداولية المنتجة على عكس التفكيكية التي تركت مستقبل النص مبهما متواريا لا نهائيا خلف لعبة اللغة المخادعة.

ويذكر الباحث عبد السلام المسدي ان الناقد البنيوي لا يكترث لشيء خارج النص، لا بالمؤلف وسياقه النفسي، ولا بالمجتمع وضروراته غير الثقافية، ولا بالتاريخ وصيرورته ويصب جام اهتمامه على العناصر التي تجعل الادب ادبا فقط، تلك العناصر الشكلية الماثلة في النص، التي تحدد جنسه الفني، وتتكيف مع طبيعة تكوينه، وتحدد مدى كفاءته في أداء وظيفته الجمالية. (المسدي قضية البنيوية).

من جهة أخرى مناوئة لهذا الطرح نجده في عبارة شكري عزيز: كون اللغة مادة الادب لا يعني ان الادب هو اللغة، فالحجر هو مادة التمثال، لكن التماثيل ليست مجرد احجار، ومن العبث ان نعرّف التمثال بانه جسد حجري، كما يرغب رولان بارت ان الادب جسد لغوي لا اكثر.فاللغة لا تكتفي بهويتها الذاتية المعلن عنها بالبلاغة والنحو وشكل التعبيرات الأدبية، وانما هي وسيلة فكرية تطال الوجود الانطولوجي برّمته كاملا في محاولة اللغة التعريف به وان تكون جزءا فاعلا منه.

كما عارض نعوم جومسكي كلا من البنيوية والتفكيكية في اتجاهه المسمى البنية التحويلية التوليدية بوجهة مختلفة قوله:ان الانسان المتكلم هو الموّلد للكلمات والعبارات وله الدور الفاعل في صنع اللغة وإيجاد توليدات جديدة لا تنتهي.(صلاح فضل/ نظرية البنائية). هنا جومسكي يعتبر ان اللغة هي افصاح الوجود عن نفسه ضمن ديناميكية الحياة وجريانها الحيوي المتدفق غير المحدود.

ولما كانت الدراسات البحثية في التفكيك هو اعتبار ان الاستراتيجية الافتراضية الوهمية هي الآلية المستمرة في التفكيك، لذا يكون من حقنا ان نعتبر هذه الآلية نوعا من الجدل الديالكتيكي الذي يحمل المغايرة مع الجدل الماركسي في استحداث الظاهرة الجديدة عبر قوانين الديالكتيك الماركسي المعروفة في وحدة وصراع الاضداد، وتحول الكم الى كيف، وقانون نفي النفي .

هذه القوانين الثلاثة التي تقوم على نقائض اصطراعها وتضادها ونفي ذاتها باستمرارية في حكمها المادة والتاريخ والوجود الانساني، وهو ما تسعى له الجدلية التفكيكية تطبيقه في الاشتغال على لغة النص خارج مفهوم وآلية الجدل الماركسي المادي الذي تعتبره من مخلفات الجمود المتوارث القار في الفلسفة والمدونات التاريخية والميتافيزيقا .ان هذا التفكيك الجدلي يحمل كل متناقضات اندثاره لاحقا ايضا في تحولات لا نهائية، اي تحولات النص في استمرارية تجاوزه غير المحدودة في تعاقبات التفكيك عليه، ويوجد هناك فرق كبير بين الجدل الماركسي الذي يشمل كونية الوجود الإنساني المادي في الطبيعة والتاريخ وفي كل شيء، وبين ديالكتيك التفكيكية الذي يقف عند حدود جدل النص لغويا فقط وعلى مستوى التجريد الفلسفي المنطقي.

لقد عبّر هيجل قائلا ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل بأن الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته. وهذه العبارة تناقض الديالكتيك الانطولوجي الذي وضعه هيجل في حركة الجدل المادية الثلاثية في عملية استحداث الظاهرة الجديدة، وحدة تناقض الاضداد في قوانين الديلكتيك الثلاثة التي مررنا بها.

واذا كانت البنيوية نادت لا شيء خارج النص، وان خيانة اللغة متمثلا في عجزها ونقائصها التي تسمها بالمراوغة والخداع دوما، نجد دريدا (يعتبر اللغة اصل كل الفنون) وانه لا شيء خارج (اللغة) وليس خارج (النص) كما تدعو البنيوية، والتفكيك يعتبر النص المكتوب لا يتحدد بوجود انطولوجي مجازي مؤقت لا بمواصفات الثبات ولا بمتغيرات الصيرورة الدائمية في اماتة النص واستحداث احيائه ثانية وهكذا، (فالتفكيك هو الوعي بتقادم المعنى وارتداد دائم لتطابق الوعي مع مقولاته). ص 12 (والتفكيك استراتيجية تمتلك صفات المنهج ولكن بخصوصية واعية لمخاطر سكونية المنهج، مما يجعل صفة الاحتمال اهم خصائص المنهج، فالشك يسكن قلب الحقيقة ان لم يكن جزءا منها) . ص 10

أبو يزيد البسطامي والتفكيك

تعتمد نصوص البسطامي (على ذاكرة المعجم الصوفي الذي يتتبع أصول الكلمة ودلالاتها حسب أحوال ذائقيها) ص56، وذائقيها هم أصحاب أحوال الشطح الصوفي وليس عامة الناس.(ما يجعله نصا مفارقا لانتمائه باستمرارغير منتسب سوى لنفسه بالرغم انه يفكر بكونه يمتلك وجودا قارا، فوجود الكتابة الصوفية ليس من اجل اثبات وجودها بل من اجل نفيها)ص58.

ان ذاتية النص الصوفي واستقلاليته هو سيد الموقف في أحوال الشطح التصوفي المتسامي في معارج العرفان والاشراق، فالكتابة الصوفية ذات خصوصية فردانية لا تعبأ بالوجود الانطولوجي العقلاني والحسّي، فهي تداعيات لا شعورية منجذبة في عاطفة جيّاشة لتجربة حب وانجذاب تتعطل فيها اللغة المنطوقة او المكتوبة في عجزها البوح عن اسرارالتجربة وخفاياها وما تحمله من مشاق لا تخلو من الغبطة الروحانية اللذيذة التي تتلبس المتصوف خارج سطوة العقل ووصاية المدركات الحسية وقيود اللغة المألوفة.

وعندما تكون الكتابة الصوفية قاصرة معطّلة قصديا يصبح من المهم نفيها ومجاوزتها، فهي حتما تلتقي بالتفكيك في سعيه نفي كل ثبات او مركزية مرجعية ضالة تقوم على خيانة وخداع اللغة، وفي هذا ينتفي النص المكتوب متعينا وجوديا لأن اثبات الكتابة الصوفية نفي بالصميم ان تكون التجربة الصوفية لصاحب النص صادقة ورحلته العرفانية مخصّبة منتجة في مسالك الحال والعرفان. ولا معنى لها في معرفة الاخرين شيئا عنها.

بالمعنى الذي مررنا به يكون معنا التقاء الكتابة الصوفية مع أي نص تفكيكي يسعى نحو نفي الثبات في نشدان التقادم (فالتفكيك هو الوعي بتقادم المعنى، وارتداد دائم لتطابق الوعي مع مقولاته) ص21بمعنى كما ان نفي التفكيكية لأي ثبات هي غاية معالجة كتابة أي نص في استجلاب تقادم فائض المعاني الجديدة منه التي تخّلفها اللغة وراءها على الدوام بنوع من المخاتلة والتضليل المضمر الذي يعبّر عنه بخيانة اللغة، كذلك تكون الكتابة الصوفية او الصوتية الشفاهية هي نفي دائم ليس بتقادم معاني اللغة وانما بتقادم المعنى المتجدد في رحلة الاشراق والعرفان التصوفي دائب السعي والحركة والانجذاب التي تمثل خصوصية وفردانية التجربة الصوفية فقط.

يطرح المؤلف مسألة مهمة بأن الكتابة الصوفية تختلف عن النص الديني وعن النص الادبي، اذ لكل من هذين الضربين من فنون القول والكتابة ميزات ومحددات وأساليب وجماليات متواضع عليها لا يتوفر عليها النص الصوفي بل هو ينأى بنفسه عنها ولا تشكل لدى صاحبه المتصوف اهتماما في نقل تجربته الذاتية المتفردة (فالامتاع والتسلية والتاثير علل تفقد مقاصدها في الكتابة الصوفية، لتغدو معها كتابة ابي يزيد البسطامي كائنا لا زمنيا، كتابة تعاني انفصاما مستمرا في كينونتها وتعاليا دؤوبا على كل سكون يدفعها نحو الاكتمال، لان العلاقة بين الكتابة والزمن علاقة اقتصادية) ص58-61، ونختم قراءتنا لكتاب الشهيد عامر الراشدي القيم بهذا الهامش التوضيحي التالي الذي يعرض تعالق النص الصوفي مع كل من الفلسفة والادب والجنون.

لغة التصوف والفلسفة وهذاءات الجنون:

أهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الّثرّة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يّشل الحواس والادراك الواعي للعقل، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي على/ فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا. لغة المتصوف غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني الاجتماعي للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوّف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وابن الفارض والسهروردي وغيرهم، فهي(لغة) تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتداخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة في عجزها اللغوي.

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج انطولوجيا ماديا في تغييب الوجود الواقعي العقلاني، وأعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفاعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة مجال اشتغالها التعبيري الشطحات التصوفية اللغوية على شكل ومضات حكمية واقوال ملغزّة وفي مجال قول الشعر الملغّز ايضا، وأعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصّوفيا، يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي نسقي منظّم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات التفكير وتداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصّوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي المنتج ماديا وليس التخصيب روحيا، في عجز التعبير التصوفي، وفي اللقاء مع هذاءات المجنون في عجزهما المشترك أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعّتد الأخذ بها، فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها اشرنا لها سابقا.

اذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون، وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟

هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور التخييلي الحلمي المنتج في الإحساس بالواقع، بخلاف ما نجده عند المبدع والفنان من تداعيات الشعور الخلاق، فهي عند المجنون تخيّلات لا شعورية مكبوتة انفصامية تفصح عن نفسها، في تعبيرات مشّفرة ناقصة المعنى المفهومي، سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية هستيرية، غبر مفهومة ولا متسّقة تعبيريا، طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية انفصامية لا رابط لها مع الاخرين والواقع او المحيط.

الخيال اللاشعوري عند المتصّوف يطرح لغة مفككة أيضا لا تعطي فهما ومعنى منظّما في ادعاء ان التجربة الصوفية فوق اللغة وفوق ادراك الاخرين لها، ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات المجنون، ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الابداعية المنتجة كما نجدها عند الفنان او الاديب الذي يعود الى الواقع من رحلة الخيال بحصيلة فكرية او فنية. في حين يبقى زعم المتصوف ان تجربته هي فوق الوصف او انه لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.

يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية، انها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية، اذ يعجز المتصوف نقل او تمييز الوجود، عن نسيان الوجود الحقيقي، اذ يقع المتصّوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا، ويعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.اما افلوطين فيقول ان الصوفي يجد صعوبة في استخدام اللغة اثناء التجربة الصوفية لكنه يستطيع استخدامها بعد التجربة عندما يتذكرها.

كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم، بانها عاجزة ان تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما ان العلم من وجهة نظره أيضا يسخر من اللغة التصوفية سخرية لاذعة.ويتراجع براتراند رسل في أهمية التصوف في كتابه الفلسفة الغربية المعاصرة قوله (لقد شعر عظماء الرجال من الفلاسفة بالحاجة الى العلم والتصوف معا، وان وحدة المتصوف مع رجل العلم تشكل اعلى مكانة مرموقة).

وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي (ان التجربة الايروسية- الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة).من هنا يمكنني التذكير بأهمية العبارة التي اورد تها سابقا حين أشرت ان المتصوف ينطلق من واقعة أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على أعتبار أن التجربة الصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي، التي تنعدم معها ان تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائمها في أن اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها تحقيق التواصل بالآخرلغويا.

أما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف (الاسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وأن السرياليين أخترعوا الكتابة الاوتوماتيكية— يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور--- والغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف ان المتصوف الغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسميّ آنذاك الكتابة (الهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون. (اندريه بريتون في الشعر، وسلفادور دالي في الرسم والتشكيل، والى حد ما ادب اللامعقول عند صوموئيل بيكيت.).

هنا ادونيس استخدم عبارة الغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وانتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني. وهذا الخيال الانتاجي الخصب عند الفنان او الاديب يختلف جذرياعن المخيال المعّطل غير المنتج عند المتصوف، الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسّية، وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة أقرب الى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. بأختلاف بسيط أن المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر، وقدرته أحيانا على البوح بافصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنىى ولا ترابط مفهوم.

اما المفكر محمد عابد الجابري يرى أن الحقيقة في التصوف الاسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية، ولا الحقيقة الفلسفية، ولا الحقيقة العلمية، بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الاسطورة. وأن العرفان (التصوف) يلغي العقل، ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.

اود توضيح نقطة مررنا بها سريعا، ما هو الفرق بين لغة الابداع الادبي - الفني ولغة التصوف!؟

أن فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الألهام وخزّان الابداع، وكشف تأثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسلوكيات السّوية.

برأينا الفنان كالعصابي المريض او المنفصم الشخصية كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا الى دنيا الخيال غير المحدود، بخلاف جوهري مهم جدا ان العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال الى واقع الحياة والمجتمع ثانية، وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامل معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوّية. في حين ان الفنان المبدع او الاديب صاحب الفعالية الابداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال الى واقع الحياة، وبحصيلة ابداعية فنية مميزة على شكل انتاج ادبي او فني او غيرهما.

علي محمد اليوسف/الموصل

...........

الهوامش:

(1) (لتفصيل اكثر ينظر كتابنا / فلسفة الاغتراب في طبعتيه الاولى عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2011، والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./ والفصل السادس:الاغتراب في الوجودية الحديثة).

 

 

حاتم حميد محسنمن الواضح ان ظروف الانسان لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الآخرين، نحن بالضرورة كائنات اجتماعية متشابكة ضمن سياق اجتماعي. يعترف سارتر بهذا العامل وهو بالاضافة الى الاساليب الرئيسية لـ (الوجود لأجل ذاته)، و(الوجود في ذاته) يستخدم عبارة الوجود لأجل الاخرين ليصف الابعاد المتداخلة للوجود الذي يعترف بوجود "الاخرين"وكيف يمكننا مواجهتهم ضمن العالم ككل. في الحقيقة، ان الفرد نادرا ما يكون وحيدا في العالم وهو باستمرار يواجه وجود "الآخرين"كأجسام او اذهان. ورغم ان سارتر يعتبر الناس الآخرين من اهم الوسائل لدينا لأجل معرفتنا بانفسنا، فان اساس العلاقات الانسانية هو المسؤول عن فقدان المرء الفهم لوجوده والسيطرة عليه . "الآخر"لا يمكن النظر اليه مجرد شيءآخر في العالم(وجود في ذاته) لأنه في الواقع فرد(وجود لأجل ذاته) يحوز على المقدرة عبر "النظرة" للحكم علينا وبالنهاية يختزلنا الى شيء في عالمه. ولذلك، فان مفهوم الوجود لأجل الاخرين يستلزم تداخلا معقدا بين الذاتية والموضوعية، وبالنتيجة، فان استنتاج سارتر المتشائم هو ان علاقاتنا الرئيسية مع الآخرين هي مرتكزة على الصراع : "الجحيم هو الآخرون".

طريقتان للوجود

لنتذكر ان في فلسفة سارتر خاصة انطولوجيا الكائن الانساني، هناك طريقتان مختلفان للوجود في العالم، (الوجود لأجل ذاته) و(الوجود في ذاته) . الاخيرهو بالضبط وجود الاشياء التي ليس لها وعي ولا تتغير، هي مليئة بذاتها . اما الوجود لأجل ذاته هو بالضرورة شكل الوجود الواعي لكنه ايضا غير كامل، انه وجود الكائن الانساني، وعي بذاته، يفكر حول ذاته وبالنهاية له علاقة مع ذاته.

يرى سارتر ان هذه الطبيعة غير المعرّفة والغير محددة للوجود لأجل ذاته هي التي تحدّد الانسان. طالما الوجود لأجل ذاته (كالانسان) يفتقر الى كينونة مقررة فهو سيُجبر على خلق ذاته من اللاشيء. هذه العدمية طبقا لسارتر هي السمة المعرّفة للوجود لأجل ذاته . الشجرة هي شجرة وتفتقر للقدرة على التغيير او خلق وجودها. الانسان من جهة اخرى، يصنع نفسه من خلال العمل في العالم . فهو بدلا من ان يكون مجرد وجود مثلما هو الشيء في ذاته، الانسان كشيء لأجل ذاته يجب ان يحرّك وجوده.

بعد ذلك ينتقل سارتر لإدخال حقيقة متصلة وهي ان الوجود لأجل ذاته يمتلك المعنى فقط من خلال رحلته الابدية الى المستقبل المجهول. بكلمة اخرى، الانسان ليس بالضروره ما يصفه المرء كما هو الان. ، فمثلا، اذا كان هو مدرس، هو ليس مدرس بالطريقة التي تكون بها الصخرة كوجود في ذاتها كصخرة. الانسان ليس له كينونة ابدا، لا يهم كم هو يكافح للكينونة الذاتية. الطريقة التي يفسر بها ماضيه ويتنبأ بها مستقبله هي ذاتها سلسلة من الخيارات.

يوضح سارتر حتى لو قيل ان الفرد لديه طبيعة فيزيقية معينة، مثلما لدى الكرسي (هو بطول ستة اقدام والكرسي قدمين)، مع ذلك فانه يقيّم نفسه باضفاء معنى الى او اخذ معنى من خصائصه الملموسة وهكذا يقوم بنفيها.

المأزق الكبير هنا هو ان الوجود لأجل ذاته يرغب ليصبح وجودا ضمن الوجود في ذاته، يفرض موضوعيته على ذاتية الآخرين وهنا يتأكد اللانسجام الغير قابل للتسوية بين الوجود في ذاته والوجود لأجل ذاته.

ثنائية الوعي

 فيما يتعلق بالوجود لأجل ذاته يفترض سارتر ثنائية في الوعي، وعي ما قبل التفكير prerefletive consciousness ووعي التفكير reflective. طريقة الوعي في ما قبل التفكير التي يعتبرها سارتر طريقة رئيسية تصف الوعي في حالته الخام والتي هي مقصودة وموجّهة بفاعلية نحو الخارج باتجاه اشياء في العالم بينما طريقة التفكير تمثل تفكير بالذات، فهو وعي بهدفه وافعاله الخاصة .

نظريا، في اي لحظة زمنية سابقة للتعرف على الآخر، انا فرد حر والخالق الوحيد للمعنى في عالمي. لكن، حالما يبرز الاخر فان حريتي سوف تضطرب وتنكمش . وبالتالي انا افقد كل ما لدي من سيطرة، وان وجودي لأجل الاخرين يتقرر الى حد كبير بواسطتهم، هم يمتلكون الآن القوة والسيطرة لإعطاء اي معنى لأفعالي التي يرغبون هم بها، كشيء للاخر انا لم اعد موجود كفرد حر لنفسي وبدلا من ذلك اصبح موجود كشيء غير حر للآخر. سارتر يتصور الاخر كفجوة للاستنزاف يتدفق نحوها عالم تفكير الافراد الأنوي. هذه العملية هي جوهر التفاعل المعقد بين الذات والموضوع المتجسد في وجود سارتر لأجل الاخر وجرى وصفه بمصطلح "النظرة" التي تصف وعي الافراد بكونهم شيء"لنظرة" الآخر.

"كل شيء في مكان، كل شيء لايزال موجودا لي، لكن كل شيء يتنقل برحلة غير مرئية ومثبت في اتجاه واحد لشيء جديد. ظهور الاخر في العالم يتطابق مع انزلاق ثابت لكل الكون، الى حالة من فقدان السيطرة تتحقق لي في نفس الوقت".

بينما انا اعيش الحياة من الداخل أنظر الى الخارج بعيدا عن نفسي(وعي قبل التفكير)، مقابل ذلك عندما ينظر الاخرون لي انا اصبح شيء للتقييم لهم في عالمهم مثلما اي شيء اخر يلاقونه، وبالنتيجة انا الان اصبح واع بنفسي كشيء (تفكير ذاتي). وبهذا، فان الوعي الذي كان يعمل باسلوب قبل التفكير اصبح الان عبر "نظرة" الاخر ينظر الى نفسه كشيء ثابت في المكان والزمان بخصائص ونوعيات محددة. سارتر، يرى هذه كنقطة جوهرية حيث ان الاخر يصبح وسيط بيني وبين ذاتي . بدون الاخر انا لا استطيع الهروب من تجربتي ومنظوري الموضوعي الخاص بي. وعليه، بالنسبة لسارتر، نظرة الاخر تسمح لي لانجاز معنى الذاتية حول نفسي. سارتر يؤكد على ان الذات يمكن فقط تصورها عبر وجود الاخرين، حيث انه قبل وجود الاخرين لا معنى لمفهوم الذات. من خلال كوننا واعين بالاخر فاننا بدورنا نصبح واعين بانفسنا. وبالنتيجة، بالنسبة لسارتر اننا عندما نسمح لانفسنا لنكون عرضة لـ "نظرة" الاخر فان عواطف معينة كالفخر والخجل تجسد نفسها. المثال الذي استخدمه سارتر في التنصص والنظر الخاطف يمكن توظيفه لتوضيح هذا الادّعاء:

 لو كنت بدافع الفضول، او الحسد او الشر واخترت الاستماع او النظر من خلال ثقب المفتاح الموجود في الباب، فانا اساسا في طريقة التفكير السابق للوعي حيث ان وعيي الكامل موجّه نحو ما يحدث في الجانب الاخر من الباب. لكن، لو فجأة عند سماع وقع خطى خلفي انا اصبح واع بان شخص ما ينظر لي. هذا الحضور للاخر يقلقني، انا الان اصبح شيء لأجل الاخرين في عالمهم، وبالنهاية انا ارى نفسي لأن شخصا يراني. انا الان ارى واشخّص افعالي من خلال عيون الاخرين، جسدي ينحني للنظر عبر ثقب الباب. انا أحكم على نفسي من خلال عيون الاخر كمتلصص وبالنتيجة اشعر بعواطف الخجل عند ظهور كهذا. اذا كنت وحيدا في العالم فسوف لن يكون هناك سبب للخجل من سلوكي. ان سارتر يؤكد بان الاخر لا يحتاج ليكون حاضرا فيزيقيا لكي يمكن للنظرة ان تتجاوز الى تفكيرنا ووجودنا، فقط التفكير بالاخر يمكنه التاثير في تصوراتنا عن الذات من خلال النظرة الخيالية والحكم على الاخرين. يرى سارتر ان "النظرة"للاخر هي التي تبدأ الصراع الحتمي المترافق مع جميع العلاقات الاجتماعية. عبر النظرة للاخر، انا امارس احساسا بالاغتراب عن نفسي لأن "النظرة" تجسّمني وتختزلني الى وجود في ذاته بدلا من وجود لأجل ذاته محتويا على طبيعة ثابتة وتُنسب لي سمات شخصية خارج سيطرتي، تهدد بدورها حريتي الشخصية. في محاولة لتجنب هذا الاحساس بالاغتراب انا ادافع عن نفسي بمحاولة تشيؤ الاخر، وعليه احتفظ بحريتي الشخصية وانكر مقدرة الاخر على تشخيصي. غير ان عمل كهذا يعزل الاخرين كثيرا بما يقودهم لتصنيفي مرة اخرى بطريقة او باخرى وهكذا تبدأ دورة الذات - الموضوع مرة اخرى.

"كل شيء يقال عن علاقاتي مع الاخرين ينطبق عليهم ايضا. بينما احاول تحرير نفسي من التقيد بالاخر، فان الاخر يحاول تحرير نفسه مني، بينما انا اسعى الى استعباد الاخر، فان الاخر يسعى لاستعبادي." 

السيد والعبد

منطلق سارتر الاساسي هذا تمت استعارته من تعبير هيجل "السيد والعبد" الذي ينقل قصة تتعلق بشكلين اثنين من الوعي الذاتي في التاثير على الكائن الانساني. كل واحد يبحث عن الاعتراف والمكانة في العالم. وهكذا، عند الالتقاء فان الاثنين يدخلان فورا في نزاع حتى الموت حيث ان كل واحد يحاول التغلب على الاخر لكي يدّعي وجوده الخاص، احد الوعيين يهدد رؤية الاخر في الحرية والاستقلال. غير ان المفارقة هي ان موت الاخر سيقضي على الشاهد الوحيد كبرهان. ولذلك، سيسمح المنتصر للخاسر ليعيش متبنيا دور السيد بينما الخاسر يصبح عبدا. احد الوعيين يوجد كوسيط من خلال وعي الاخر. عبر هذه العملية الديالكتيكية كلاهما يتعلم بان الهوية الفردية هي مركب معقد من الاستقلالية واللااستقلالية والتي لايمكن للوجود الفردي ان يكون مسؤولا عنها، لا وجود هناك للسيد بدون العبد ولا عبد بدون سيد. ولذلك، من الواضح ان كل العلاقات هي بالنتيجة لايمكن لأحد ان يعيش مع الاخرين ولكن في نفس الوقت لا يستطيع العيش بدونهم. غير ان هذه العلاقات هي هامة جدا لانها المفتاح لفهم كامل لوجودنا في العالم.

وفي النهاية، انا باعتباري وجود لأجل ذاته فان رغبتي هي تحقيق كينونة ثابتة (وجود في ذاته) ابحث عن القوة والاستقرار ومع ذلك في نفس الوقت انا اقاوم مثل هذه المحاولات لكي لا اخسر حريتي (وجود لأجل ذاته). انا اتابع هيكل الوجود في ذاته، لكن، الوجود لأجل ذاته بطبيعته هو من كليهما. السير و المتابعة لايصلان ابدا وهما دائما في حركة. ولذلك، الشيء المثالي هو الوجود في ذاته لأجل ذاته، شيء بدون خسارة وجوده كوعي حر. مع ذلك، انه فقط من خلال مساعدة الاخر اتمكن من انجاز هذه الحالة التامة للوجود لان الاخر هو الذي يمسك المفتاح لذاتيتي ومن ثم أسرار وأصل وجودي، ومع ذلك بالنسبة لسارتر، هذا المشروع محكوم عليه بالفشل من البداية.

السادية والماسوشية

يعرض سارتر موقفين اساسيين عند مواجهة الاخر، الاول محاولة تقليل نفسي الى لاشيء الاّ شيء في ايدي الاخر، لكي امسك بحرية الاخر ولكي اصل وانظر الى ذاتيتي، وهذه تسمى الماسوشية. الثاني يستلزم محاولة تجاوز الاخرين، انكار حريتهم في جعلي شيئا، هذا الموقف يسمى السادية. يصر سارتر ان اي من الموقفين لن ينجح في تحقيق الحالة المرغوبة للوجود في ذاته ولأجل ذاته لأن الآخر ايضا سوف يتبنى ستراتيجيات مشابهة عندما يواجهني، ولذلك، يقود الى دورة حتمية من صراع السيد العبد.

 في الحقيقة، ان الماسوشية محكوم عليها بالفشل لأني لا يمكن بحكم تكويني كوجود لأجل ذاته ان افقد النظر الى موضوعيتي واصبح شيئا الى الاخر الى ما لانهاية . وفيما يتعلق بالسادية هذا سيفشل ايضا لأني عندما أجعل الاخر شيء لي معنى ذلك ان الاخرين لا يستطيعون تزويدي باساسي للوجود لانه فقط الشخص يستطيع بالنهاية تزويدي بهذا. بالاضافة الى هذين الموقفين هناك موقف ثالث متوفر لي، هو اللافرق، عندما اختار هذا انا اسعى لرفض او الاعتراف بموضوعية الاخرين انظر اليهم مجرد عقبات يجب تجنبها او كاشياء وظيفية في العالم يجب استخدامها عند الحاجة .

يعرض سارتر هذا الموقف كشكل من العمى الذي رغم انه يضعف احساسي بالاغتراب من خلال رفض التشيؤ، لكن هذا بالنتيجة يمنعني كليا من الوصول الى ذاتيتي، في الواقع انه يؤدي الى اغترابية لانه يجعل من الضروري التخلي عن محاولة تاسيس وجودي على العلاقة مع الاخر. 

علاقات الحب

في محاولة لتعريف علاقات واضحة يناقش سارتر مفهوم الحب، الذي بُني على اساس من الوجود الانساني (وجود لأجل ذاته) مفتقرا الى هوية وطبيعة معينة (وجود في ذاته). في مشروع الحب هدفي هو تحقيق كلية الوجود (لأجل ذاته- في- ذاته) من خلال استعمال الاخر، الذي قد يقدّم راحة مؤقتة من الألم الوجودي المرتبط بهذا النقص ومن ثم يبرر وجودي. بدون الاخر انا سيادة خالصة، ولذلك، انه عبر توظيف "النظرة" للاخر كوسيط، فان مصدر الذات او الهوية الفردية هو متوفر لي، الاخر هو اصل وجودي، انا ابحث عن الاخر كي اعرّف نفسي عبر دمج منظور الاخر مع منظوري. غير ان هذا بالنسبة لسارتر مشروع بلاجدوى محكوم عليه بالفشل. الحب يجب ان يفشل بسبب طبيعة الوعي ومع ذلك هو سوف يبحث عنه الى الابد، الحرية (الوجود لأجل ذاته) سوف دائما تمنع المعرفة الذاتية والهوية لأن الوعي يرغب بمعرفة ذاته لكنه سوف لن يستطيع ذلك ابدا.

 يتصور سارتر الحب كاتحاد بين شكلين من الوعي الحر، اتحاد يشكل وعيا واحدا. غير ان، هذه الفكرة تخلق تناقضا في ان هذا الاتحاد الاحادي سوف يزيل اخروية الاخر التي هي بالنهاية الاساس لوجودي. انا يجب ان لا أحرم الآخر من خاصية كونه شيء ما غيري لأن عمل كهذا يؤدي الى تحطيم وجودي لأجل الآخرين ومن ثم، تحطيم ايّ تصور واضح لهويتي المتحققة . انا احتاج لإمتصاص الآخر ولكن ليس كشيء لأن الشيء غير قادر للنظر لي واعطائي كينونتي. حرية الاخرين مطلوبة لتزويد الاساس لوجودي ومع ذلك تبقى تلك الحرية هي التي تُدخل الصراع الى العلاقات وان مشروع الحب كحرية لا يمكن حيازته ابدا، في الحب انا احتاج الحرية المستسلمة من اجل توفير الآمان لكني لاازال أرغب لأكون محبوبا عبر حرية تختارني. اساسا، انا ارغب في ان أعرض نفسي جيدا بما يكفي للآخر لكي يقيّد حريته ويكون مختارا بحرية على هذا الاساس. هذه العملية بالنسبة لسارتر هي هشة جدا وسوف تنتهي حتما بصراع الذات-الموضوع فيه يحاول احد تجاوز الآخر، وطبقا لذلك فلن تكون هناك راحة :"الجحيم هو الآخرون". وبالنهاية، لا إنكار لوجود الترابط الوثيق ضمن عالمنا في علاقة لابد منها بين الذات والاخر . نحن كأفراد نبذل وقتا وجهدا كبيرين في متابعة وبناء علاقات مع الآخرين، ولكن اذا كانت الحقيقة هي صراع حتمي تبادلي، كيف لنا كأفراد ان ندير هذا التحدي؟ سارتر يرى الحل الاساسي هو تبنّي الايمان الزائف(1).

 

حاتم حميد محسن

...........................

المصادر:

-1Hell is other people: Sartre and being-for-others, Pathways philosophy

-2Being and Nothingness,SparkNotes philosophy study guide

الهوامش

(1) الايمان الزائف bad faith هو مفهوم فلسفي استخدمهُ كل من الفيلسوف الوجودي سيمون دي بيفور وجان بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من القوى الاجتماعية السائدة، فيضطر الى تبنّي قيما زائفة منكرا ومتخليا عن حريته الفطرية وبالتالي يتصرف بلا أصالة.

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يذهب امام عبد الفتاح امام في هامش تقديمه وترجمته لكتاب والتر ستيبس(التصوف والفلسفة) ص259 الذي نعتمده كمصدر وحيد في هذه المقالة، ان مصطلح وحدة الوجود pantheism يوناني مؤلف من مقطعين pan بمعنى شامل أوعام وtheism بمعنى الاله، أي شمول الالوهية لكل شيء، او ان وجود الله ووجود العالم هما ضرب واحد من الوجود.

ومذهب وحدة الوجود في الكتابات المسيحية التصوفية يشير الى العلاقة بين الله وجزء خاص من العالم، الذي هو الذات الفردية للمتصوف عندما يصل حالة الاتحاد الصوفي بالله.وينسب للبروفيسور ابراهام ولف (ان وحدة الوجود في الفلسفة واللاهوت تعني النظرية التي تقول ان الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، فالكون ليس خلقا متميزا عن الله، فالكون هو الله، والله هو الكون).1

لاشك ان التصوف يرتبط ارتباطا وثيقا بالدين واللاهوت الديني في جميع اشكالاته اكثر من محاولات طرحه كاشكالية ترتبط بالفلسفة، وهذه الإشكالية ليست لغوية صرف كما هو مطروح متداول في الفلسفة الغربية المعاصرة (البنيوية والتفكيكية). وربما تكون دراسة التصوف فلسفيا احدى هذه الإشكالات التي ليس من السهل البت بها او التوصل الى نتائج يمكن الركون لها والتسليم بها، لذا نجد من العبث ربط إشكالية التصوف باشكاليات الفلسفة وموضوعاتها لأننا والحالة هذه لن نصل الى مايرضي الفلسفة ويرضي التصوف معا، فالغيبيات الميتافيزيقية التصوفية طاغية بشكل يصادر الجهد الفلسفي بما اطلق عليه كانط ثم ديكارت منذ القرن السابع عشر نهاية الميتافيزيقا وأن ميادين الميتافيزيقا مضيعة للجهد الفلسفي، فهي ميادين بحثية لا معنى حقيقي لها، وهي المانع الأهم في عدم إمكانية الوصول الى مفاهيم تساعدنا على فهم التصوف فلسفيا.وعليه تكون الجهود المبذولة في ربط التصوف بالفلسفة هي من باب الاجتهادات الفردية في مسائل قد يأتي يوم يؤخذ على الفلسفة انها حاولت العناية بموضوع لايقبل الصدق او الوثوق به في نفس وقت انعدام البراهين التي تجعلنا لا نثق به وبذا يكون التصوف (ديني وميتافيزيقي فلسفي معا) اذا اريد له ذلك والعودة المتكررة لدراسته فلسفيا.

وحدة الوجود في الاديان

لايؤمن الإسلام بوحدة الوجود التصوفي، بل وحدة الوجود الطبيعي، خلاف الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية التي تؤمن جميعها بوحدة الوجود الديني، ويتوّسل متصوفي هذه الأديان العرفان الاشراقي الحلولي لتحقيق اندماج الذات التصوفية في النور الإلهي الغامر والذوبان النفسي فيه بطريقة تتجاوز فيزياء الطبيعة والوجود وقوانينهما التي تحكم علاقة الانسان معها ومع الحسي والوجداني العاطفي النفسي (مجاوزة الزمان والمكان كليّا). ورغم ان الديانات الوثنية لا تعترف بوجود الله الخالق لذا فهي تربط الحلول الذاتي والتصوفي مع براهما او بوذا في بلوغ النرفانا التي هي معناها الخواء والعدم، وتحقيق اشباع الانجذاب التصوفي الروحي الحلولي تجاه المعبود وفي آيات الخلق والوجود الللامتناهي غير المحدود في اسراره وجماله ونظامه في الطبيعة والكون.الخواء والعدم تعابير مجازية غير حقيقية فهي من وسائل الادراك للوجود والاشياء بواسطتها، (واسطة الدلالة بها) وليست هي مدركات موضوعية يمكننا التحقق منها بذاتها فهي غير قابلة للتحقق وبلا معنى من أي نوع.

وحجّة الذين ينكرون وحدة الوجود التصوفي يذهبون ان هناك حاجزا يفصل الهوية الفعلية للارواح عن الخالق او المعبود.1رغم ادعاءات المتصوفة في مقدمتهم متصوفة المسلمين بوحدة الوجود دينيا التي ينكرها عليهم بعض فقهاء الدين الاسلامي وفلاسفته. الإسلام يفهم وحدة الوجود في آيات الله في الطبيعة وفي الانسان وفي مخلوقاته فقط، وان وحدة الوجود البشري مع الله في كسر قوانين الطبيعة شرك. في حين تبدي المسيحية الموافقة المشروطة على وحدة الوجود (الله والطبيعة والانسان) معتبرة وحدة الوجود لا تتقاطع مع الثوابت اللاهوتية، لكن بعض المذاهب المسيحية تلتقي بنظرة الإسلام وتعتبر وحدة الوجود التصوفي (هرطقة ) من حيث ان الوصول الى الانا الفردية الخالصة المتجردة عن انسانويتها تماما لا تتوفر للإنسان ذي القدرات المحدودة بعاملي الزمان والمكان اللذين ليس من السهولة والمتاح مجاوزتهما، وكذلك عامل محدودية قدرات الانسان تجاه الذات الإلهية العصّية وماهيتها الغامضةعلى كل التصورات والادراكات العقلية المادية او الخيالية.التي تفتح الطريق امام المتصوف ولوج مرحلة التسامي الروحاني التي يجادل المتصوف في نسبتها له وتعلقه بها بحب وعشق الخالق والذوبان في تجلياته وفي كليته الذاتية.

الحلول الاشراقي في الذات الالهية

يصف منصور الحلاج وصوله مرحلة التسامي والحلول والاشراق العرفاني بالله بقوله مرددا (انا الحق) وهي لفظة ناقصة عن عبارة السيد المسيح (انا الحق والحياة والطريق) وكثيرا ما يتحدث الحلاج عن الروح الإلهي والروح البشري على انهما محبّان يتناجيان في حالة من الغبطة والسكر والنشوة الممزوجتين تماما كما في الابيات التالية:

مزجت روحك في روحي كما.......تمزج الخمرة بالماء الزلال

فاذا مسّك شيء مسّنـــــــــــــي...... فاذا انت انا في كل حال

انت من اهوى ومن اهوى انا........نحن روحان حللنا بدنا

كما يقول السهروردي:

لا تظنوني باني ميت..............ليس ذا الميت والله انا

ويعتقد اللاهوتيون (المؤلهة) في المسيحية الذين ينكرون امكان تحقق الحلول العرفاني، بخلاف ابيات الحلاج الشعرية التصوفية والسهروردي الذي ادعى أيضا ان الله كلمّه مثلما كلّم النبي موسى، (انه حتى في حال الاتحاد بالله فلابد ان تظل فردية المتصوف منفصلة ومتميزة عن الله).2 وهو امر مفروغ منه لا يحتاج مناقشة اثباته لاقناع غير المتصوفة من الناس.

انه من المشكوك به اثبات وصول المتصوف مرحلة الاندماج بالذات الإلهية الكلية التي حسب الادعاءات الصوفية تتجلى في حدس مبهم غامض لا يتاح الإفصاح عنه او شرحه جماعيا من قبل أصحاب التصوف فهو فوق قدرة الوجود الإنساني معرفته حسّيا او الإحاطة بجزء منه، وحتى في الأديان الوثنية البوذية والهندوسية، فالقدرات البشرية مهما تسامت فوق قوانين الطبيعة وادراكات الزمان والمكان فهي قدرات محدودة مكبّلة وعاجزة في الحلول في فضاء الانجذاب النوراني الرباني، لانها بالنتيجة لا يمكنها ان تترك وقع اثار اقدامها على الأرض.فطبيعة الانسان لا يمكن ان تتشابه مع اية طبيعة متصورة ذهنية للاله الخالق في حال اقرارنا إمكانية تشيؤه (الله) على شكل او صورة من الادراك التي يستطيعه البشرلفهم هذا التشيؤ الافتراضي المستحيل.

كما انه ليس من السهولة ان نجد ذاتا الهية تخص بعضا من البشر بنوع من المحبّة والأيثار دون غيرهم وتقرّبهم من الاتحاد بأناها الإلهية، وامام هذا المأزق نجد ان المتصوف يدور في حلقة مفرغة قطباها أولا الدوران حول الذات في عوالم من التصورات الانجذابية الحلولية التخييلية اللاشعورية، وثانيا الدوران حول التهرب من الإفصاح عن التجربة التصوفية التي يمر بمراحلها المتصوف بواسطة الدلالة اللغوية او الرمزية والاشارية ليفهم الآخرون تجربته. وبهذين المعنيين تنعدم امامنا صدقية التجربة الصوفية من عدمها في زيفها وادعاءاتها لأننا لا نستطيع الحكم على شيء لا يفصح عن نفسه او دلالاته بأية وسيلة ادراك تثبت صدقيته او نفيها.

ونجد هذين الافصاحين يرددهما جميع المتصوفة وفي جميع الأديان وفي مختلف العصور ومختلف الثقافات والأمم. من ان تجاربهم الصوفية هي من الاسرار التي لا يجوز البوح بها للاخرين وانها تفوق الوصف ومن غير اللائق بالمتصوف الحديث عنها!! ويشير والتر سيبس الى ان الاوبنشاد الف وخمسمائة ق. م وهي اقدم الوثائق المعروفة عن التصوف الهندي، وهي تصف على نحو ثابت لا يتغير التجارب الصوفية بانها بلا صوت ولا شكل وغير ملموسة وتخلو تماما من المضمون الحسي.3

وعن مقاربة هذه الدلالة والمعنى نجد القديسة تيريزا، من منطلق استحالة الكتابة عن التجربة الصوفية اثناء حدوثها والمرور بها، وانما يتم ذلك بعد الخروج منها ومحاولة تذّكر وقائعها تصف لنا قائلة:(اثناء الغبطة نفسها كثيرا ما يكون البدن كأنه ميّت وعاجز تماما، وتضعف الحواس وتهن غير ان قوة الابصار والسمع تبقى بصفة عامة، لكن كما لو كانت الأصوات المسموعة والاشياء المرئية تقع على مسافة بعيدة جدا، وانا لااقول ان النفس تسمع وترى عندما تكون الغبطة في قمتها، عندما تضيع الملكات بسبب الاتحاد العميق بالله، فانها عندئذ لا تسمع ولا ترى ولا تدرك، وهذه التحولات التامة لا تستغرق سوى (لحظةّ!!!!).4

التصوف بين الذاتية والموضوعية

يقسم المختصون بدراسة الصوفية الى ان جميع تجاربها يمكن اجمالها جميعهاعند مختلف الأمم ومختلف العصور والازمنة في منحيين، هما أولا التجربة المسماة الانبساطية في حب الله، والتي يطلق عليها أيضا الغبطة واللذة. والثانية التجربة الانطوائية المتأملة ذاتيا في تداعيات الحلم التصوفي والانجذاب، وهي تجربة ربما يعتبرها البعض اكثر نضجا من التجربة الانبساطية في التصوف.

وفي الوقت الذي يذهب فيه وليم جيمس وبرود وكتاب اخرين الى ان التجربة التصوفية ذاتية وليست موضوعية، وهو رأي اكثر مقبولية من دعاة ان التجربة التصوفية موضوعية، فالادعاء بان الذات الكلية الإلهية هي حقيقة واقعية موضوعية فيها الكثير من شبهات التجسيم الإلهي الذي يرفضه الإسلام وخاصة في اراء فرقة( المعتزلة) وهو رأي يعتد الاخذ به فلسفيا ايضا، فالمتصوف الذي يعي ذاته هو عندما يجد ان الذات الإلهية ذات مفارقة لوجود الانسان ووعي هذا الوجود، يعطيه مشروعية ان يكون جزءا منفصلا او متحدا مع الكلية الإلهية التي يدركها وهو محال عقليا فيزيولوجيا لغير المتصوف ادعاؤه، وفي كلا الادعائين فان الذات هي الفاعلة وفي هذا مصداقية لمقولة ديفيد هيوم في تعريفه (الانا) بانها ليست سوى تيار الحالات الواعية، ويكون هيوم بهذا يزرع بذور الشك بالروحانيات ويستبطن نظرية الالحاد في عدم وجود الله في ثنايا عبارته، والأكثرمنها انه يستبعد نهائيا ان يكون لتداعيات وخيالات اللاشعور قدرة امتلاك وثوقية الحقائق الواقعية او الموضوعية.كما انها عاجزة عن امتلاك الادراك والتصورات التي تثبت الكلية الإلهية حقيقة واقعية او موضوعية. وهذا التفسير لا تستطيع دحضه الأديان من غير الإسلام ولا الفلسفات التي تعترف بصدقية التجارب الصوفية ولا زالت القضية موضع تجاذب ونقاش مستمر.

في تعريف الموضوعية: (ان المعيارالمطلق لمعنى الموضوعية هو انها نظام او ترتيب يخضع لقوانين الطبيعة) 5 وهو معيار مختلف تماما عن معنى الذاتية التي هي نظام شعوري تارة، ونظام لا شعوري تارة أخرى يستطيع كسر حاجز قوانين الطبيعة كما في حالات النوم والاحلام والتخييل او التصوف، وبهذا يصعب البت في إعطاء التخييل الحلمي وبضمنه التصوفي على ان مايدركه ويعيه انه شيء حادث او ممكن الحدوث في الواقع او في الخيال على اعتبار ان الله عصي على التشيؤ في اية صورة يستطيع الانسان ادراكها.

لا يستطيع المتصوف ادعاء ان الذات الكلية الإلهية التي يتحد او يتواصل معها انها كليّة (ذاتية) فقط او كليّة (موضوعية) فقط وانما يقول هي كلية ذاتية وموضوعية في وقت واحد، وفي كلا الافتراضين فان هذه الكلية متمايزة جوهريا بذاتها وماهيتها وخصائصها، ان تكون حاملة لأي من مواصفات البشر التي يمكن ادراكها بوسائل الادراك البشري والاتحاد بها.كما اننا في كلتا الحالتين يتعذر علينا نحن غير المتصوفة الوثوق في إمكانية الاتحاد بهذه الكلية الإلهية تصوفيّا.

فاذا اعتبرنا الكلية الإلهية ماهية ذاتية في مقابلة الوجود البشري التصوفي كذات أيضا بمواصفات اختلافية جدا فمن المتعذر التصديق بالقول امكانية الاتحاد معها، وان ما يمر به المتصوف ليس اكثر من تداعيات وتصورات يتداخل بها النفسي مع الموضوعي الحسي بمعزل عن وجود آخر حتى لو كان اثيري او نوراني تتجلى به الذات الكلية للمتصوف. كذلك ان نقول الذات الكلية الإلهية موضوعية تنفي امكانية التواصل بها لما تحمله من تجسيم لا يتعدى مدارك ووعي الصوفي في اسباغ كل تداعيات اللاشعور الذاتي على موضوعه المفترض خياليا فقط. وبهذا المعنى يمكننا اعتبار التجربة الصوفية مرحلة متأخرة من تطور الدين عبر الازمان.

وحدة الوجود والفلسفة

في السطور السابقة اشرنا الى فشل وعجز الاجماع في دعم النظرية التي تقول ان التجربة الصوفية تشهد او هي دليل على وجود حقيقة واقعية تتجاوز الذاتية الفردية للوعي الصوفي، (وان التجربة الصوفية ليست ذاتية وحسب، بل هي في صميم ما يزعمه المتصوفة انها تجربة مباشرة بالواحد، وبالذات الكلية، والله).6

يعتبر اسبينوزا اهم فلاسفة وحدة الوجود اذ يعتبران الله والطبيعة مفهومان مترادفان لمعنى واحد ولا يقر بوجود خالص خارج الطبيعة، والكون عنده يتألف من جوهر وصفاته وهي صفات الله ولا يوجد شيء غير ذلك .7

ان اسبينوزا هنا لا يقر بوجود خالق قائم بمواصفات ذاتية بمعزل عن توزعات هذه الصفات الالوهية على الطبيعة وقوانينها التي من ضمنها الانسان في تغطية وحدة الوجود وان كل شيء في الوجود والكون هو في النهاية يدّخر ذاتيا خصائص الهية هي من صنع واغداقات الخالق على الطبيعة والانسان بكل مميزاتها البشرية وتعقيداته الوجودية التي تعزى الى الخالق في غموضها المستعصي على الوضوح في اغلب الأحيان وتعتبر بمثابة اعجازات الخالق في مخلوقاته (الانسان وفي الطبيعة). وتمتاز هذه الموجودات بانها جواهر وصفات غير محدودة ولا نهائية لا يمكن احاطتنا بجميعها ولا وجود لشيءخارجها ومنفصل عنها.بمعنى مختصر ان الله هوصفات مخلوقاته في كيفياتها اللانهائية فقط ولا وجود له (الله) على شاكلة أي نوع من الصفات المستقلة به ذاتيا الغير مدركة في بعضها في الطبيعة والانسان والنظام الكوني الذي يجعل الوجود واحدا في تداخل الإلهي كصفات أرضية وطبيعية فيه مع البشري والطبيعي والكوني بما يستلب من الانسان مركزيته الوجودية وحاجته الى رد الأمور المستعصية على تحملها الى قدرة الله المتجلية في بعض مظاهرها امامه في نفسه وفي الطبيعة وتشعره بالتقزيم الملازم لوجوده.

اذن وحدة الوجود الاسبينوزي تدحض بالصميم ان يكون الخالق ذاتا او موضوعا مستقلا يمكن ادراكه ويتأمله بعض الناس المتصوفة دون غيرهم.فالواحد الالهي هنا في هذه الحالة هو في حقيقته (كثرة) متوزعة بما لانهاية له من التجليات والصفات، غير محدود ولا نهائي وليس واحدا كيانيا قائما لا في ذاته ولا كموضوع لذا يكون من المتعذر على الصوفي ان يتحد بالذات الإلهية كما يدعي.

ورفض ديفيد هيوم ومعظم فلاسفة الوضعية التجريبية والتحليلية الإنكليزية مثل فرانسيس بيكون وجون لوك وجورج مور وبراتراندرسل إمكانية ومقدرة وصول المتصوف مرحلة وجود الانا الخالص التجريدي والمتحرر من مقيّدات الوجود الإنساني الواقعي الطبيعي الفيزيائي في الزمان والمكان. ويضيف هيوم دحضه وجود الانا الخالص في تعريفه الانا: (ان الانا الخالصة ماهي الا تيار الحالات الواعية) 8 بمعنى وعي الذات لوجودها المادي والتخييلي التصوري وادراكاتها للمحيط والموجودات إدراكا ذهنيا عقليا حسيا شعوريا وبهذا ينفي هيوم الوجود المادي ان يكون سابقا على الفكر والادراكات والتصورات كلية في تأكيده ان الذات ادراك واعي. وان وجود الشيء هو ان يدرك، وهي قمة المثالية التي يشاطره بها بيركلي عندما يقول لا وجود لشيء خارج ادراكي له فكريا وذهنيا، وفي حال تجرد الانسان من حواسه في ادراك الوجود سوف لن يكون هناك وجودا قائما بذاته كما تذهب له المادية في ان وجود الشيء يسبق ماهيته وادراكه والتفكير به.

ان الزعم بتحقق وحدة الوجود تصوفيا امرا لايمتلك براهينه الفلسفية المنطقية فاذا اخذنا (النوع الانطوائي من التجربة الصوفية، فهي غير حسّية مادامت جميع الاحساسات والتصورات استبعدت منها )9 لكنها تبقى تجربة ذاتية غير موضوعية (فهي ذاتية بالمعنى الذي يكون فيه الهذيان والهلوسة والاحلام مصادر تنبعث بالضرورة ذاتيا وليس موضوعيا)10أي ان هذه الحالات عند المتصوف لا تخضع الى انتظام قوانين الطبيعة في فهم ماهو الموضوعي.لكنما اذا ما اخذنا المتصوف كوجود متعين زمانا ومكانا من خلال تجريده عن جميع حالات الهذيان والاحلام التخييلية فيصبح وجوده موضوعيا ماديا لاعلاقة له بالفكر المدرك لوجوده في وعي ذاته، ولا بحالات الهلوسة التي امتلكت صفة الذاتية المنعزلة عنه، وهوتصنيف غير مقبول منطقيا، كون الانسان وجود مادي يتحدد بالعقل بالفكرواللغة والوعي، لكن ما يبرره هو ادعاء المتصوف ان حالاته الحلمية التخييلية تمتلك موضوعيتها من موضوعية وجوده الأرضي المتعين التي اكتسبها من مقارنه وجوده مع الوجود (الموضوعي) للذات الإلهية التي يدعي حدسها والتقرب المتزايد منها كذات وموضوع وهومالا يؤخذ به لأنه لا توجد لحد الان براهين لا هوتية ولا علمية تؤكد وجود الخالق بالمواصفات الذاتية التي نحدسها ومعنا يشترك المتصوفون بها أيضا في هذا العجز.

كما لا نعتقد أن الصوفية حسمت أمرها في ان الادراك التصوفي لله يقوم على اعتبار الله (ذاتا) بمواصفات الهية يصعب على الانسان الإحاطة بها او الاتحاد بها؟ ام ان الله موضوع تأملي بمواصفات الهية ليس من اليسير الإحاطة بها او ادراكها ايضا؟ وفي أي من العلاقتين يتحدد الادراك التصوفي للذات الالهية؟ في اعتبارها ذاتا ام موضوعا يتيسر للذات البشرية الحلول والذوبان الاشراقي في الوجود الإلهي وكيف؟ ليس هناك من أجوبة شافية قاطعة.وبضوء ما ذكرناه (نجد اجماعا من جميع متصوفة العالم الى ان التجربة الصوفية لا هي ذاتية ولا هي موضوعية، وهم لم يصلوا الى هذه النتيجة استدلالا منطقيا مقبولا، وانما يشعرون به حدسيا وهي التاويل الوحيد الطبيعي لتجاربهم.)11

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................

الهوامش

1. التصوف والفلسفة/والتر ستيبس/ ترجمة وتقديم امام عبد الفتاح امام/ص267

2. المصدر السابق ص53

3. المصدر السابق ص 76

4. المصدر السابق ص 166

5. المصدر السابق ص 87

6. المصدر السابق ص 269

7. المصدر السابق ص180

8. المصدر السابق ص 197

9. المصدر السابق ص 210

10. المصدر السابق 217

11. المصدر السابق ص 184

 

 

حاتم حميد محسنالحوار الرئيسي يبدأ عندما يتوجه سقراط بالسؤال الى بروتوغوراس ليعرف ماذا يعلّم تلاميذه؟ بروتوغوراس يعلن انه يعلّم طلابه السياسة وكيفية ادارة الشؤون الشخصية. لكن سقراط يسأل حول ما اذا كان هذا حقا موضوع يمكن تعلّمه. يجيب بروتوغوراس بحديث مطول عن خلق العالم. الفضيلة، حقا، يمكن تعلمّها لأن الانظمة السياسية تأسست على اساس ان جميع المواطنين يمكن ان يحوزوا على الفضيلة. كذلك، وبنفس الطريقة، ترتكز العدالة الجنائية على فكرة ان الناس يمكن إصلاحهم- اي يتعلمون كيف يكونوا فضلاء. سقراط يحوّل موضوع النقاش للتركيز الدقيق على ماهية الفضيلة بالضبط. هل هي شيء واحد ام عدة اشياء؟ لكن هذا الخط من الجدال لم يتقدم كثيرا قبل ان ينهار الحوار كليا. سقراط وبروتوغوراس يتجادلان حول اشياء فرعية مثل كم يجب ان يكون طول الاجابة على اسئلة كل منهما : سقراط يفضل اجوبة قصيرة واسئلة سريعة بينما بروتوغوراس يرغب بأجوبة مطولة . متحدثون آخرون يتدخلون في النقاش ويقنعون الاثنين للعودة الى موضوع النقاش الاصلي. بروتوغوراس يسأل سقراط اولا ثم يأتي الدور لاحقا الى سقراط.

ينتهز بروتوغوراس الفرصة للتحول في الموضوع الى قصيدة لسيمنديس. وحين اشار الى التناقض في القصيدة، راح يتحدى سقراط للاجابة. سقراط كان ذكيا في جداله، هو يفسر القصيدة كرد فعل لإدّعاء بيتاكوس، Pittacus، بانه من الصعب ان تكون خيّرا . حسب تفسير سقراط، ان القصيدة تزعم بانه من الصعب ان تكون خيّرا لكنه من المستحيل ان تكون خيّرا في كل الاوقات، لأن الناس مجبرون على السلوك السيء بفعل أقدار حتمية . سقراط عندئذ يذهب بتفصيل اكثر: الحظ السيء لا يعني الفقر او نقص الشيء، وانما هو الجهل. يرى سقراط ان الشر هو نقص المعرفة لأنه من المستحيل التصرف بشكل خاطئ مع وجود المعرفة بالخير. يستمر سقراط في متابعة هذا الخط من التفكير ليسأل بروتوغوراس بعض الاسئلة. يرى سقراط ان الخير الوحيد هو المتعة، ارتكاب فعل الشر هو اختيار غير واعي للألم مقابل المتعة. ما نحتاج اليه هو طريقة يمكن بها ان نحدد بوضوح الشكل الاكثر متعة للفعل في اي موقف. كونه نال موافقة بروتوغوراس لهذا الموقف، يجادل سقراط حينئذ بان الجُبن هو الفشل في الخوف من الاشياء الصحيحة، والخوف من الاشياء التي يجب ان لا يُخشى منها.الشجاعة، هي لذلك، شكل من المعرفة. كان بروتوغوراس اقتنع سلفا ان الحكمة والاعتدال والعدالة والقداسة كلها تأتي تحت اسم واحد هو الفضيلة. سقراط اثبت ان الشجاعة مرادفة لهذه المسميات وان الفضيلة ذاتها هي فقط اسم آخر للمعرفة. اذا كانت الفضيلة معرفة، عندئذ يمكن تعلمّها. وهكذا، كل من بروتوغوراس وسقراط ينهيان النقاش بالضد من موقفهما في بداية الحوار، الحوار ينتهي بشكوى سقراط من ضياعه لأحد المواعيد.

السياق التاريخي

من بين حوارات افلاطون كان حوار بروتوغوراس الذي يبدو فيه شيء من الغرابة كونه وُجد قبل مولد افلاطون وفي فترة لايزال فيها سقراط شابا. سقراط حوكم واُعدم عام 399، افلاطون وُلد قبل ذلك بثلاثة عقود في عام 427. حوار بروتوغوراس وُجد قبل بداية الحرب بين اسبارطة واثينا حوالي عام 433. هذه الحرب كانت كارثية لأثينا. فبعد قتال مرير ومكلف اعترفت اثينا بهزيمتها امام خصمها اللدود سبارطة. في إعادة البناء السياسي اللاحق جرى استبدال نظام اثينا الديمقراطي بنظام اوليغارتي (نظام الثلاثين طاغية)، غير ان هذا النظام الجديد اطيح به فورا وتمت إعادة تأسيس النظام الديمقراطي.

في أعقاب هذا التغيير في الانظمة السياسية جرت محاكمة واتهام سقراط في عام 399. بالنسبة لقرّاء بروتوغاروس الاوائل وكما هم قرّاء اليوم، يُعتبر حوار بروتوغوراس عملا تاريخيا يصف احداثا وقعت في اثينا التي تغيرت دراماتيكيا في الاربعين او الخمسين سنة اللاحقة. في عام 433، كانت اثينا في اوج نفوذها السياسي، كونها قادت تحالفا من المدن اليونانية في هزيمتها للغزو الفارسي. نظامها السياسي كان الاكثر ديمقراطية من اي مجتمع(لو تجاهلنا استبعاده للمرأة واستعماله للعبيد). كل المواطنين الاحرار شاركوا في العملية السياسية الاثنية، القرارات تُتخذ جماعيا بدون ان يتوسطها نظام تمثيلي للحكومة. عندما كتب افلاطون الحوار كانت اثينا بعيدة عن هذه الذروة.

نقاش سقراط وبروتوغوراس للفضيلة السياسية يكتسب اهمية جديدة حالما يؤخذ هذا السياق التاريخي بالحساب. السؤال عن كيفية اكتساب الفضيلة كان بالتأكيد اكثر الحاحا لإفلاطون - الذي رأى استاذه يُحاكم ويُعدم- بدلا من ان يكون لأجل المشاهدين المتجمعين في مقر هيبوس للاستماع لسقراط وبروتوغوراس. كل من سقراط وبروتوغوراس، ومع كل الاختلافات بينهما، يعرضان رؤى متفائلة عن منافع التعليم في الانظمة السياسية والاجتماعية. بالنسبة لبروتوغوراس، كل الناس لهم حقوق وواجبات متساوية في المشاركة بعملية صنع القرار. بالنسبة لسقراط، (في نهاية الحوار) السلوك الاخلاقي يمكن تعليمه. ايّ منهما لم يعرض رؤية تشاؤمية عن طموحات وامكانية التفكير الفلسفي في المجتمع. لكن، الحوار ذاته لا يلبي هذه الآمال المتفائلة. اذا كان سقراط نجح في اقناع بروتوغوراس بموقفه، فان بروتوغوراس وافق على ذلك فقط بتحفظ وبمزاج سيء. هو ربما محق في شكوكه، لأن العديد من حجج سقراط لاتبدو متماسكة. ونفس الشيء، سقراط ذاته يلخص الحوار بالقول ان جميع الحجج تحتاج لتبدأ مرة اخرى، اي انهما وصلا ليس الى النهاية وانما الى البداية. بعد حوالي مائة صفحة من الفلسفة الثقيلة، يعرض افلاطون فقط استنتاجات غير مؤكدة لدرجة ان القارئ يجب ان يكون غير واثق من قبوله لها بأي مقدار، هذه ليست نهاية متفائلة.

السياق الفلسفي

حوار بروتوغوراس، اُعتبر، كما ذكرنا اعلاه حوارا قديما. وكما في معظم الحوارات القديمة الاخرى، انه يبدأ بتعريف ماهية الفضيلة، لكنه يفشل في التوصل الى اي استنتاج منهجي وتعريفي. في الحقيقة، ان تقليد طريقة الفيلسوف اليوناني بروديكوس prodicus – الذي يحاول انتزاع تعريفات دقيقة للكلمات – يشير الى ان هذا المشروع التعريفي هو خاطئ من البداية.هل التوصل الى تعريف دقيق للفضيلة يساعد المرء في التصرف بفضيلة؟ربما ليس كذلك، رغم اعتقاد سقراط بانه من المستحيل التصرف بسوء عند معرفة الخير.

في الحقيقة، ان إثارة اسئلة الفضيلة في هذا الشكل التعريفي يشير فقط الى مدى غرابة هذه التحقيقات الفلسفية، هذا يعني ان افلاطون ينوي عمل شيء ما آخر في هذه الحوارات الى جانب الوصول الى تعاريف دقيقة. جزئيا، هذه الحوارات يمكن اعتبارها كإزالة للافتراضات المسبقة الزائفة وتفكيك للآراء المطروحة، انها عملية تنظيف فكري تام مطلوب القيام به قبل البدء بالبناء العظيم للجمهورية . لكن قراءة هذه الحوارات القديمة كآداء لمثل هذه الوظيفة السلبية كليا ايضا تبدو عملية اختزالية. بالتأكيد هناك تحطيم كبير للعقائد الزائفة في هذه الحوارات، بلاشك سقراط يستخدم قوة السؤال والاجابة بطريقة مؤثرة. غير ان هاتين العمليتين ليستا متشابهتين. اذا كان سقراط يستخدم طريقة الديالكتيك لمهاجمة حجج خصومه، فهو ايضا يستخدم هذه الطريقة لصياغة معتقداته الخاصة.المشارك له في الحوار ليس مجرد معارض قوي، وانما يمكن ان يكون مساعدا. في مكان ما من الحوار يقتبس سقراط قول هوميروس "عندما يفكر اثنان مجتمعان، فان احدهما يرى قبل الآخر"(348D).التفكير مجتمعا يمكن ان يسير أسرع بكثير من التفكير الاحادي. هذه الطريقة ليست مفيدة فقط للتفكير السلبي – لتحديد ونقد ضعف الحجج- وانما يمكن ايضا ان تُستخدم للوصول الى اسئلة اكثر حدة تقود الى استنتاجات حاسمة. اذا كانت الحوارات القديمة لا توفر دائما استنتاجات، فانها تؤسس عملية ممتازة وفعالة يمكن بواسطتها الوصول الى الاستنتاجات. هذا بحد ذاته نوع من الاستنتاج. لذلك فان الأسئلة المثارة في بروتوغوراس (ما هي الفضيلة وكيف تُكتسب؟) هي اجوبة، رغم ان هذه الاجوبة لا تظهر بنفس الشكل كالأسئلة. قراءة هذه الحوارات هي تعليم بطرق التفكير، وهذه الطرق من التفكير، كما يرى سقراط، ستقود للمعرفة الحقيقية. الاعتقاد المقتبس اعلاه (اننا لا نستطيع التصرف بسوء بوجود المعرفة) سوف لن يكون غريبا. لكي نصل للمعرفة المرادفة للفضيلة يجب علينا التفكير مجتمعين، نطرح اسئلة في كل خطوة على الطريق.الفكر الفلسفي يجب عندئذ ان يحتوي على هذين المظهرين، انه يجب ان يتضمن اصواتا تختبر وتستنطق بقوة اتجاه النقاش في جميع المسائل. هذه الاسئلة هي التي تقود الى استنتاجات. طريقة التعلّم بالحفظ والتذكر لا يمكنها تعليمنا كيفية اكتساب الفضيلة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي المرهجاستخدم هيجل مفهوم "الوعي الشقي" ليُشير به إلى إحساس الفرد بالاغتراب، حينما يشعر الفرد (العبد) أنه خارج "كابينة" السعادة التي صاغها (السيد)، فالفرد (العبد) يظل شقياً لأنه ينوء بحمل الوعي المُستلب، الذي لا تمثيل لذاته فيه (الوعي)، إنما هو تمثيل وحضور لذات السيد (الحر)، فلا حضور ل (العبد) بذاته، ولا هو حاضر كما هو حضور (سيده)، إنما هو حضور ولا حضور في الوقت ذاته، فلا هو قد تمثل حضوره الحقيقي بوصفه (عبد)، ولا هو قد تمكن من تشكيل هذا الحضور بحيوية وفاعلية حضور (السيد)، لذلك هو "وعي شقي".

إنه وعي الاغتراب، وعي اللاتجانس مع الذات والتماهي معها، هو (وعي مرذول) لذات أخرى أعلى منه وأشد سطوة، فلم يجد (العبد) وجوده مُتحقق بذاته، ولم تُحقق هذه الذات المُستلبة إلا بحضور الضدّ، ولن يستطيع هذا (العبد) الخلاص من وعيه الشقي هذا إلَا بالفناء بعوالم (سيده)، وهي عوالم مُفارقة لطبيعته، أو العودة لعوالمه الخاصة، عوالم الوجود والطبيعة خارج تماهيها مع المُطلق.".

وفي هذا الحال سيكون مصيره كمصير (آدم) الذي أغوته التفاحة، فظل يعيش غربته الداخلية بـ "وعي شقي"، فلا هو نال حظه من طبيعة الوجود الأخرى بعد أن غادر طبيعة وجوده في عوالم "المُطلق"، وإسمحوا لي أن أستخدم مثلاً شعبياً عراقياً هو: "لا حِظّت بِرجيلها ولا خَذت سيد علي"، فبعد أن كان سيداً في عالم "المُطلق" نزل إلى عوالم الواقع "النسبي" (السلبي)، ولكنه لم يستطع أن يعيش وفق أنظمته وطبائعه، فكانت التفاحة (اللذة) التي أكلها مصدر شقائه في الواقع. وكان في توّق آدم لـ "اللذة" مُفارقة لـ "المُطلق" وإخراجه من "كابينة" السعادة الألهية، كي يُحكم عليه بالعيش في عوالم لا سرمدية ناقصة، لم يعتد على العيش فيها، فهو ليس من جنسها، وهي ليست عوالماً تتقبل وعيه المُفارق للوجود الطبيعي "اللَذي".

إذا كان (آدم) قد عاش (شقاء الوعي)، فكيف ب (العبد) الذي لا مناص له بحكم وجوده المتماهي جوهرياً مع الوجود الطبيعي يستطيع الفكاك أو الخلاص من هيمنة وعي الآخر وسطوته (السيد)، لمن مُتطلبات الوجود (الثنوي) في ضوء الجدلية الهيجلية هذه بين (السيد) و(العبد) أن يسير (العبد) وفق منطق صيّره وشكّله له (سيده)، وينبغي على (العبد) أن "يعترف" لسيده بأنه مصدر الوعي، وأنه عينه التي يرى فيها الوجود وأسبابه، فذات (العبد) ووعيها يتشكل من خلال وعي الآخر بذاته، ولا مقدرة للذات الشقية أن تعي وجودها الحقيقي، لأن وعيها ليس سوى صورة شكّلها من له القدرة على "الوعي بذاته" (السيد)، ولا مهمة لـ (العبد) سوى قبول تصوره لذاته التي خطّها ورسمها له وعي (السيد).

إنه وعي يُذكرنا بقصة "روبسن كروزو" لـ "دانيال دوفو" التي جسّد فيها شخصيتي "روبسن كروزو (السيد)، و فرايدي، (العبد)" ، وقد تنبه لهذه الرؤية أستاذنا مدني صالح في كتابيه: (ابن طفيل: قضايا ومواقف)، و (ابن طفيل وقصة حي ابن يقضان)، حينما وجد في قصة (دانيال دوفو) تمثلاً واقتباساً لقصة (حي بن يقظان لابن طفيل)، وهذا الأمر ليس مقصدنا في مقالنا هذا، ولكن الذي يعنينا، هو قراءة مدني صالح المُتفردة لقصة (دوفو) وإلتفاتته إلى أن (كروزو) في قصة (دوفو) هو (السيد) و (فرايدي) هو (العبد) وذلك واضح في القصة، وما تميَز به مدني صالح هو قراءته لعلاقة (السيد) بـ (العبد) وفق تأويل هيجلي، رغم مقته لهيجل.

أظن أن مدني صالح قد وظف تأويل هيجل في قراءته لمضمون هذه القصة، فهو (أي مدني صالح) يرى أن صورة (فرايدي) = (العبد) قد شكّلها (كروزو) = (السيد) وقد تماهى (فرايدي، العبد) مع توصيف سيده (كروزو) وظنّ أن ما رسمه له (السيد) هي الصورة الحقيقية له، والتي لم يستطع إدراكها بحكم عبوديته، وقد تكن (سيده) من تشكيل وعيه بها، لأنه مصدر الوعي الذي يستقي منه (فرايدي = العبد) معارفه، ولن أخوض في تصور مدني صالح لعلاقة الغرب بالشرق بوصف الغرب كما فهم الشرقيون على أنه (سيد) وتماهى دُعاة الشرق مع تصوير(السيد) لهم على أنهم (عبيد) عليهم أن يفهموا صورتهم وفق تصورات وصياغات (السيد) لهم.

لقد نجح الغرب في إخراج الشرق من "كابينة" السعادة، التي كان يحلم بها فلاسفتهم، بفلسفاتهم التأملية (الحالمة)، وقد تمكن الغرب بعد تمكنه من ترتيب العلاقة بين (السيد) و (العبد) خارج التصور الهيجلي، قريباً من التصور (النيتشوي) بطابعه الوجودي من بناء وعي لـ "السوبرمان" الذي يستطيع قلب القيم، ليُخرج كل قيم "الوعي الشقي" الهيجلي من بناها التقليدية (المثالية) ليصنع قيماً جديدة يكون فيها (عبد) هيجل (سيداً) في المنظومة النيتشوية، و (سيد) هيجل (عبداً).

"السوبرمان" في فلسفة نيتشه، رغم وجود ملامح لبقايا مثالية في تصورنا له، نجده يستمد "إرادة القوة" من عالمه الواقعي، ولكنه إنسان قوي لا يرضخ لتصورات إنسان آخر يُشكل له وعيه، إنما هو إنسان يمتلك "إرادة القوة" فينهض من ركام أخلاق المُستضعفين التي تربى عليها أبناء الديانة المسيحية، ليصنع قيمه بنفسه، خارج أخلاق الذُلَ والضعف وخرق نُظمها العقلانية والروحية للعودة للأخلاق بطابعها الغرائزي الذي وُجد فيها الإنسان بوصفه كائن غريزي، لا من وجود خارج "كابينة" السعادة الأرضية التي يعمل على تحقيقها نيتشه في تصوره للـ "السوبرمان".

يخترق نيتشه في تصوره لفكرة "السوبرمان" و إرادة القوة" منظومة هيجل المعرفية، بل والأنطولوجية، ليقلب مفهوم "الوعي الشقي" الهيجلي، ليكون فيه كل نتاج هيجل وتنظيراته بين اليهودية بوصفها "وعي شقي"، والمسيحية بوصفها "كابينة" للسعادة، ليبني وعياً إيجابياً مُضاداً لكل معرفة أقيمت على أسس لاهوتية، أو مثالية، أو ميتافيزيقية، ليجعلها في مصاف "الوعي المرذول" لأنها تخترق نُظم الوجود الإنساني الخلَاق، لتجعل منه وعياً أسير رؤى لا مصداق لها ولا تحقق لها في عوالمنا وفق قول الوضعيين المناطقة فيما بعد في عالمنا الواقعي.

لقد جعل نيتشه من الواقع وصراعاتنا وتنافسنا فيه مجالاً حياً للوعي الإيجابي، بينما نجده ينظر إلى عوالم سقراط وإفلاطون وكل الفلاسفة المثاليين والميتافيزقيين واللاهوتيين، على انهم مثالاً للـ "الوعي الشقي"، لأن مثل هكذا فلسفات ورؤى دينية لا تُساعد الإنسان على الإبداع والخلق، إنما هي تخلق منه إنساناً يسير مع الركب أو الجمع، لا رؤية له خارج هذا الركب، ولا قُدرة فيه للخلق.

الوعي الخلَاق عند نيتشه هو وعي لا ديني، "ضد المسيح"، أعلن من خلاله "موت الإله" حسب التصور الديني المسيحي، ليكون "السوبرمان" هو "الإنسان الخارق" الذي يصطف مع نفسه ليخرق نُظم الديانة التقليدية (المسيحية) التي تدفع باتجاه سيادة نمط واحد من الأخلاق هو "أخلاق العبيد" ليظهر "زرادشت" في العالم الأرضي ليكون حضوره كمثال حضور الإله، كي يُعطي دفقاً حيوياً للبشر ليكونوا "سادة" يخلقون قيمهم، لا "عبيداً" خانعين، لا مِكنة لهم ولا قُدرة سوى السير بـ "وعي شقي" إتباعي لا إبداع فيه ولا خلق.

وإن كان في "زرادشت" قُدرة على خرق نُظم المعرفة والتقاليد السائدة، بوصفه "سوبرمان" عصره، إلَا أن هذا لا يعني أنه سعيد، بقدر ما يُمكن أن يكون راضياً، والرضا لا يعني السعادة بتمامها، إنما يُمكن أن يكون مرحلة من مراحل ومرامي الوصول للسعادة.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

 

حاتم حميد محسنمع ان الفيزياء الحديثة اكتشفت الكثير عن بناء الذرة، لكن الفيزيائيين لم يقتربوا كثيرا من توضيح الطبيعة النهائية للمادة؟

ان نظرية فيزياء الكوانتم قسّمت الذرة الى عدد من الجسيمات الأساسية دون الذرة. ورغم ان الفيزيائي كشف عن ان الذرة ليست شيئا صلبا لا يتجزأ، غير انه لم يكن قادرا على ان يجد جسيما يمتلك بالفعل تلك الخصائص. ان الحديث عن الجسيمات هو امر مثير للالتباس لأن الكلمة تقترح شيئا ماديا. لم يكن هذا هو المقصود في استعمال الكلمة في فيزياء الكوانتم. جسيمات الكوانتم هي بدلا من ذلك، تجسيدات لأفعال وردود أفعال للقوى في مستوى دون الذرة. في الحقيقة، الفيزيائيون هم أقل اهتماما في البحث عن جسيم مادي يشكل الاساس في كل الاشياء المادية، هم اكثر اهتماما في توضيح كيفية عمل الطبيعة. نظرية الكوانتم هي الوسائل التي تمكّن الفيزيائي من التعبير عن تلك التوضيحات بطريقة علمية.

يرتكز العلم الحديث على دليل مادي تجريبي، ولكن اذا كانت المادة هي غير مادية مثلما تشير القوى الاساسية الفيزيائية physicists fundamental forces(1)، فان ذلك العلم سوف لن يكون قادرا على تفسير ماهية المادة. انه يستطيع فقط توضيح كيفية عمل الطبيعة من خلال ملاحظة التأثيرات على الاشياء المادية. في كتابه (In search of schrodinger’s Cat)، يقترح (Gribbin ) امكانية ان لا وجود حقيقي للجسيم حتى تتم ملاحظته. ان فعل الملاحظة يحطم وظيفة الموجة لكي يصبح احد النيوترونات(من بين العديد) جسيما حقيقيا. هذه الفكرة مشابهة للمثالية وجدالها في الظهور والواقع appearance and reality. (غربن) لا يذهب بعيدا في النقاش لذا سننظر في الحجة الفلسفية بدلا من الحجة الفيزيائية. الماديون يدّعون ان كل شيء هو اما شيء فيزيقي او مظهر لشيء فيزيقي، ولا وجود لشيء فيزيقي معتمد على الذهن. الشيء الفيزيقي ليس بالضرورة شيئا صلبا، وانما هو شيء ما يملأ حيزا بثلاثة أبعاد. حجم من الماء او غيمة من الغاز هي شيء فيزيقي مثلما هي الصخرة الصلبة. انتقادات النظرية المادية تتركز حول الجدال بان معرفتنا بالعالم هي فقط تصوّر في الذهن. لهذا، العالم هو معتمد على الذهن لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تصور اي شيء.

الجواب المادي لذلك النقد هو اذا كنا نتصور شيء ما في الذهن، فيجب ان يكون هناك شيء في الخارج يتم تصوره. يجادل رسل حول هذه النقطة في (مشاكل الفلسفة فصل 2، 3).

هذه الحجة تبدو اكثر اقناعا عندما يُنظر اليها مقابل الاشياء التي تنتقل من جيل الى آخر. عندما انظر الى لوحة بيزار Pissaro (Dulwich college 1871)، فانا اتصور نفس الشيء الذي رسمه بيزار وتصوره. ربما ايضا ازور كلية دولش واتصور البناية ذاتها. بمقارنة رؤيتي مع لوحة بيزار انا استطيع رؤية تشابه يكفي للافتراض اننا نتصور نفس الشيء العام المحايد. مفاهيميا، هذه الاشياء يجب ان توجد مستقلة عن الذهن الذي يتصورها.

من وجهة نظر الفيزيائي، المادة مهما كانت فهي توجد من وجهة نظر موضوعية محايدة، وهي مستقلة عن اي فرد واع. وباللغة المادية، المادة ستكون شيء عام محايد. غير انه تبقى امكانية الجدال حول ما اذا كانت مختلف اشكال الاشياء التي نتصورها يمكن اعتبارها كأشكال مختلفة للمادة. من الممكن ان تكون المادة شيء محايد عام نهائي يضم ويؤطر الاشياء العامة المحايدة التي نتصورها كأشياء في العالم. المادية تسمح للمادة باستقلالها عن الذهن، لكنها لاتزال بعيدة عن توضيح ما هية المادة. قبل ان ننتقل الى نظريات ميتافيزيقية اخرى، لننظر في احدى الهجمات على فكرة المادة لنرى ان كانت الاشياء تصبح اكثر وضوحا. (كليمبر) يعرض مثل هذا الهجوم في (الميتافيزيقا وحدة 2). تجربتنا عن العالم هي فقط تصوّر في الذهن. نحن لا نستطيع تجربة الواقع النهائي مباشرة، وانما فقط كتصورات في الذهن. المحصلة من هذه العقيدة هي ان تجربتي للناس الآخرين هي ايضا فقط تصورات في ذهني. لكي اتجنب الوقوع في الأنوية(الايمان بالذات فقط)، استطيع الاعتراف بان الآخرين لهم تصوراتهم الخاصة بهم عن العالم تماما مثلما لدي. كلانا لديه تصوراته لنفس الواقع النهائي. ولكن، بسبب اننا لا نستطيع ابدا معرفة الواقع النهائي مباشرة، فنحن لا نستطيع معرفة ما اذا كانت تصوراتنا حقيقية ام زائفة. كل ما نستطيع القيام به، من خلال الحكم على كل الرؤى الاخرى، هو الاتفاق على تصور للعالم الموضوعي. ذلك لا يعني ان الاشياء الفيزيقية في ذلك العالم الموضوعي لها اي حقيقة في ذاتها. الواقع النهائي يسمح لنا فقط ببناء نظرية لعالم الاشياء الفيزيقية. المادة، اذاً، هي ليست اكثر من بناءات لتلك النظرية. يتبع ذلك، ان اذهاننا مسؤولة عن بناء العالم الفيزيقي. اذا كان ذلك حقيقة، فان الفيزيائي ربما يسأل مْن المسؤول عما يبدو من استقلالية للاشياء في العالم الفيزيقي. للاجابة على هذا السؤال سوف نلتفت الى اللاماديين، ومنهم (باركلي) الذي يعرض نظرية مثالية كلاسيكية عن مبادئ الفهم الانساني.

نظرية باركلي ترتكز على فكرة ان كل شيء نعرفه حول العالم هو يُعرف فقط كتصورات في الذهن. وبالنتيجة، كل شيء موجود هو فقط كفكرة في الذهن ولا وجود لشيء مادي خارج الذهن. هو يميز بين افكار التصورات التي، هي نتاج لرغباتنا، والتي تكون مؤقتة وغير منسجمة، وافكار الحواسIdeas of sense (2) التي ليست عرضة لرغباتنا والتي تبقى مستمرة ومنسجمة. افكار الحواس هي التي تسمى عادة بالاشياء او الاشياء الحقيقية التي نتصورها في العالم الموضوعي. يرى باركلي بما ان افكار الحواس ليست عرضة لرغباتنا، فهي يجب ان تكون عرضة لبعض الرغبات الاخرى والتي يجب ان تكون الله. وبالنهاية كل ما يوجد هو ذواتنا كروح او افكار الله.

الفيزيائي قد يقبل بان المادة ليست شيء فيزيقي لكنه لايزال يصر انها شيء ما مستقل عن الذهن. بيركلي يجادل ضد عالم الذهن المستقل بثلاثة خطوط من التفكير(الجزء الاول، قسم، 19، 20).

1- اذا كانت هناك اجسام مستقلة عن الذهن فنحن سوف لا يمكننا ابدا معرفتها لأننا نستطيع فقط معرفة تصوراتنا الخاصة عنها.

2- ذلك سيعني ايضا ان الله خلق الموجودات التي هي بلاحياة ولا تخدم اي غرض مفيد.

3- هو يجادل بان الذكاء المجرد من الاجسام يمكنه وبدون مساعدة الاجسام الخارجية ممارسة نفس الافكار والاحاسيس كما نحن نقوم به الان.

جدال باركلي يبدو انه يثق بكثافة في الله الذي يعطي مباشرة افكار الحواس. قد يقال ان الله يُستعمل كسبب لأي شيء لا يستطيع باركلي توضيحه. اذا كان الله موجودا عندئذ هو يستطيع توفير الاشياء التي الغرض منها هو ان نتصورها بشكل غير مباشر كافكار للحواس. ان فكرة الذكاء المجرد من الاجسام الذي يمارس نفس الاحاسيس مثلنا ربما هي صحيحة. لكن، اي فكرة يمارسها ذكاء بلا اجسام يجب ان تكون فقط فكرة للتصور ولا يمكن ان تحوز على الخواص المستمرة والمنسجمة مثلما في افكارنا للحواس. باركلي يرى اننا نستطيع معرفة وجود الله لأن اعمال الطبيعة لم تُنتج من قبل الانسان، ولذلك يجب ان تكون منتجة من قبل الله. هناك مفهومان رئيسيان في مثالية باركلي التي يجد الفيزيائي صعوبة في قبولها. الاول هو رغم ان الطبيعة قد لا تكون من خلق الانسان، ذلك لا يتبعه انها يجب ان تكون من خلق الله او ان الله موجود. الثاني هو اذا كان الله مستقلا عن الذهن، عندئذ من الممكن ايضا لبعض الاشياء الاخرى ان تكون مستقلة عن الذهن. رغم ان كل من المادي والمثالي يطرحان حجة مبررة لعقيدتهما، لكن هناك شكل آخر من المثالية تسمح للمادي بالحفاظ على عقيدته في المادة.

الشيء الوحيد الذي نعرفه وهو موجود بيقين هو وعينا. هذا يجعلنا نطرح مقدمة وهي ان الشيء الوحيد الذي يوجد نهائيا هو الوعي الخالص الذي نسميه المطلق او التام Absolute. يتبع ذلك ان المطلق هو الشيء الموجود الوحيد، وبما ان الوعي ليس شيئا ماديا فلا وجود هناك لشيء مادي. المشكلة عندئذ هي في توضيح كيف لنا ان نوجد كأفراد بأذهان مستقلة واجسام مادية. اذا كان المطلق هو الشيء الوحيد الموجود عندئذ فان اذهانا كوعي يجب ان تكون تماما مثل الوعي المطلق وسنبقى بحاجة لتوضيح لماذا نحن نتصور انفسنا كأذهان مستقلة محدودة. الأجسام المادية التي نتصورها يجب ان تكون مجرد مظهر في الوعي.

اذا كان المطلق وعيا، عندئذ فهو يجب ان يكون قادرا على خلق الافكار ضمن ذلك الوعي. تلك الافكار ربما تتضمن مفاهيم عن المحدودية، مثل الحجم، الشكل، المسافة وغيرها. هذه المفاهيم تسمح للمطلق ليشكل تقسيمات ضمن وعيه. الاجزاء المخلوقة من جانب هذه التقسيمات هي وعينا الفردي، وهكذا، فان وعي كل فرد هو جزء من وعي المطلق. كافراد نحن كل واحد منا يكوّن افكاره الخاصة عن الوعي. تلك الافكار هي متميزة عن اجزاء المطلق بسبب مفهوم المحدودية المكوّن بواسطته.

ان المطلق ايضا يشكل افكار الوعي والتي هي ليست عرضة لمحدودية الاجزاء. تلك الافكار يتم تصورها من جانب الفرد كافكار للحواس تعطي الظهور للعالم المادي. بالنسبة للمطلق ككل، العالم الموضوعي ليس له حقيقة وهو ليس اكثر من فكرة في الوعي. اما بالنسبة للمطلق كأجزاء، يبدو العالم الموضوعي حقيقيا بسبب مفاهيم المحدودية Limitation، المادة وهكذا. كافراد، نحن جزء من العالم المادي. مفهوم المحدودية وافكار الحواس تعزز تلك العقيدة. مع ذلك، لو امكن لنا ان ندرك حقيقة وجودنا كمطلق عندئذ فان العالم الموضوعي سوف لم يعد يظهر لنا كحقيقة.

The ultimate Nature of matter, Alan Bradnam, Pathways philosophy

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش:

(1) القوى الاساسية الفيزيائية هي اربع، الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، القوة النووية القوية، القوة الضعيفة، هذه القوى هي التي تحكم الكيفية التي تتفاعل بها الاشياء او الجسيمات وايضا الكيفية التي تتآكل بها.

(2) في القسم الاول من المبادئ، يقسّم باركلي اشياء المعرفة الانسانية الى ثلاث مجموعات، فهي اما افكار تنطبع على الحواس، او افكار يتم تصورها بالتعامل مع العواطف وعمليات الذهن، او اخيرا، افكار تتكون بمساعدة الذاكرة والخيال عبر تركيب او تقسيم او مجرد تجسيد لتلك الافكار التي جرى تصورها في الاصل بالطريقتين السابقتين. يستمر باركلي ليصنف القسم الاول (افكار الحواس) التي تمثل اشياء حقيقية لكل واحدة من الحواس الخمس. فمثلا، بواسطة الشم يتم تصور العطور، وكذلك بالاستماع يتم تصور المسموع. بما ان العديد من هذه تُلاحظ مترافقة مع غيرها، فهي تأتي تحت اسم واحد، ومن ثم تُفترض كشيء واحد. باركلي وضع قائمة بالاشياء التي تتشكل بافكار الحواس مثل التفاح، الحجر، الكتاب.

 

 

علي محمد اليوسفانا افكر اذن انا موجود... ديكارت

انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر... جاك لاكان

انا افكر في شيء ما اذن انا موجود... هوسرل

سبق لي ان كتبت مقالة نشرتها لي صحيفة المثقف الغراء بعنوان (هوسرل / علاقة الذات بالموضوع) ونشرها موقع كوّة الفلسفي، وصحيفة الديار اللندنية لذا سأكتفي بمناقشة عبارة جاك لاكان بضوء مقتطفات من كتاب نقد الحقيقة للمفكر علي حرب.

لا أرغب مصادرة عبارة لاكان بأن الوجود عنده أمنية الفيلسوف أن يوجد في وجود انساني أصيل غير ما هو فيه من وجود مجتمعي زائف، وأنّ وجوده العياني الماثل هو وجود مجتمعي لا قيمة ولا نفع من التفكير من خلاله.هذا هو فهمي التأويلي للعبارة (انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر) ولا يشترط ذلك أن غيري لا يقرأوها بفهم وتأويل مغاير بتعدد وتنوع واختلاف القراءات.

امّا لو اننا اخذنا عبارة علي حرب مثالا في تفسيره لعبارة (جاك لا كان) فهو يذهب الى تفسير نوع من العدمية التفكيكية المباشرة في الغاء أن يكون الانسان ذاتا مفكّرة، لأن كل ماهو في حجب الغيب ويمتنع الافصاح عن حقيقته يكون ذاتا غير مفكّر بها فتوجد حيث لا وجود وهذا دليل تفسيره في العبارة وفق منهجية تفكيكية - استعمالنا مفردات (منهجية تفكيكية عدمية) خطأ اصطلاحي فلسفي ومفهومي فالتفكيكية لا منهج لها وليست نظرية - (الانسان ما يريده او يعيه او يفكّر به، انه ذلك الشيء الذي يجهله ولا يفكر به بكلمة اخرى / انا اوجد حيث لا افكر، او افكر حيث لا اكون) ص137 من كتاب نقد الحقيقة.

يشرح علي حرب في كتابه نقد الحقيقة، أنّ هناك فجوة بين الوجود والفكر بضوء كوجيتو ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) ودحض جاك لاكان فيلسوف البنيوية وعالم النفس لها في عبارته التي مررنا عليها اعلاه. وكذا فعل هوسرل في ان وعي الذات هو الوجود.

يقول علي حرب (الهوّة التي تقوم في الاصل بين الوجود والموجود، أي الى نسيان الموجود للوجود، نعني نسيان الانسان لوجوده على مايذهب اليه هيدجر، وهذه الهوّة تجعل اللامفكر فيه سلطة على الفكر، اي هي الأصل في قيام مسافة بين ما يقوله القول وما لا يقوله) نقد الحقيقة ص26.كما يقول(ان الفكر الذي يتأمل موضوعه فهو يحمل صفة تأمل ذاته) ص 118

بعد ان نقّر بوجود فجوة او مسافة بين الوجود العاقل للانسان والفكر، لكنما ليست بالضرورة بين الموجود والوجود على صعيد انتاجية وقراءة النص في مجال اللغة، قراءة بنيوية منهجية حديثة كما في حفريات المعرفة، أو قراءة تفكيكية، وانما في المجال الانطولوجي الذي يتداخل فيه حقيقة الوجود العاقل واللغة وما يعرف بالقراءة الجديدة.وما يفصل الوجود عن غير الوجود الاصيل، هو حالة وعي الذات لوجودها الحقيقي والعالم الخارجي، وغياب الوجود يكون في الموجود المجتمعي الذي لا يعي ذاته، عندها يكون متعيّنا موجودا وليس متعيّنا وجودا، وفقدان وعي الذات اغتراب للوجود، والوجود الحقيقي الحر والمسؤول هو في وعي الذات وعيا ادراكيا عقليا، يعمل في دائرة المفكّر به وهو ما يمليه العقل ويضطلع به مقصيّا تأثير اللغة الهامشي في توظيف تحديدات الوجود العاقل.هنا للفكر أسبقية على اللغة في ادراك الوجود، والعقل أسبق على الاثنين.

هذا الوجود الذي يقصي الموجود او الوجود الزائف الذي لا يعي ذاته الحقيقية ولا حريته المسؤولة، فهو يعيش نسيان الوجود ويكون وجودا هامشيا طارئا .. وهنا يمكننا القول لكن بحذر شديد ان نسيان الوجود هو (وجود ثان) بغض النظر أن يكون وجودا حقيقيا أم وجودا زائفا.لكن نحن نميل الى أن نسيان الوجود يكون وجودا زائفا كما يذهب له هيدجر، فالوجود المتحقق ذاتيا كوجود أصيل لا يحتاج مفارقة وجوده في نسيان الوجود أي الاندماج في الكليّة المجتمعية.

اذا اردنا ان نناقش بعض المنطلقات الفلسفية لكتاب الاستاذ علي حرب نقد الحقيقة، نكون ملزمين في توخّي الدقّة والحذر ان لا ننزلق بين قراءة النص قراءة بنيوية على صعيد التشكيل اللغوي واللساني المحض، وتناصّه المتداخل مع الفلسفة، وهما النص الادبي والنص الفلسفي وان هما يلتقيان منهجيا كما في البنيوية الا أنهما في حقيقة الامر يمتلكان استقلاليتهما وخصوصية أحدهما عن الثاني على صعيدي التجنيس الادبي والتجنيس الفلسفي وعلاقتيهما باللغة والفكر، عليه ستكون مناقشتنا على صعيد قراءة النص الفلسفي وتعالقه مع لغة النص الادبي والشعري منه تحديدا، يقوم على الأخذ بنظر المناقشة أنهما يختلفان اختلافا كبيرا حتى وأن جمعتهما اللغة كوسيلة تعبيرية واستنطاق لكليهما.ولتوضيح اكثر فان النص الفلسفي هو غيره النص الديني او التصوفي وهما غيرهما في النص الادبي، فلكل واحد منهم مجال اشتغاله وميزته بخصائص تفرده الفني والجمالي والتركيبي.

(في الشعر كما في الفلسفة تستنطق الاشياء من جديد، ويعاد خلق العالم بالاسماء والكلمات، او بالفكر والمفهوم، فالشاعر والفيلسوف كلاهما يسعى الى الاستنطاق واعادة الخلق والانتاج، كل على طريقته) كتاب نقد الحقيقة/ علي حرب. ص119

ان الفجوة التي تفصل او تتوسط (الفراغ) الافتراضي بين الوجود والفكر، وهو افتراض قائم ادراكيا عقليا قبل ان يفهم او يحدس فكريا او لغويا، هي فجوة لا تتوسط وجودين ماديين أثنين، بل ان الوجود والفكر هما وجود حقيقي مادي واحد هو كينونة الانسان بعلاقته الذاتية مع جوهره المثالي الأصيل الذي يرغب بلوغه. علاقة الذات بجوهروجودها، بأغترابها وأنعزالها عن الناسيّة في الوجود على حد تعبير هيدجر، أي الاندماج فيما يطلق عليه هيدجر مفارقة الانسان لوجوده الحقيقي من خلال اندماجه المتكيّف والتام بالمجتمع او انماجه بالكلية حسب تعبير هيجل.

أما في حال نشدان أوالتطلع لتحقيق الكمال المثالي في نزوع الذات تحقيق وجودها الفاعل الأسمى بالحياة او على الاقل في السعي نحو بلوغ مراتب تصاعدية في محاولة تحقيق مثل تلك الاهداف فهو نزوع نوعي وجودي لفرد او مجموعة افراد مستقلين عن الاندماج في مجتمع نسيان الوجود.

الناسّية في الوجود كما عّبر عنها هيدجر هي بتعبير مباشرعن وجود الفرد كينونة انسانية هامشية زائفة لا تملك الحد الادنى من الخصائص النوعية التي يحتازها الوجود الاصيل للفرد. بل هي تشترك بجميع المواصفات المجتمعية السطحية التي تبعد الانسان وتقصيه من الحصول على الوجود الاصيل بالحياة. والكليّة المجتمعية ما هي الا صهر الكيانات المتجانسة بالنوع مجتمعيا في معترك الحياة الرتيبة التي يتوزعها اشباع غرائز البقاء وغرائز اللذة فقط. عن هذه الحالة في نسيان الوجود الاصيل في معايشة الوجود الزائف يطلق عليها هيدجر توصيف قاسي جدا اذ يعتبرها انحطاطية في الوجود.

المجتمع او الموجود الجمعي لنسيان الوجود الحقيقي هو دائرة مقفلة تتقاذفها بلا انقطاع هواجس الحياة اليومية، ويملأها اشباع غرائز الحاجة الى الطعام والجنس والعمل والنوم، وجميعها عوامل تغييب الوجود الاصيل، في استبعاد الوجودات النوعية وليس الوجودات الهامشية المجتمعية المتكيّفة مع الكلية العامة. الوجود النوعي معناه أن تعي ذاتك جيدا، ووعي الذات يقود لا محالة نحو الانفراد عن مجتمع الناسيّة، مجتمع نسيان الوجود، الوجود الاصيل الذي يتجسّد فيه وعي الذات، باغترابه عن مجتمعه في محاولته الوصول الى تراتبية أعلى في سلّم الحصول على صفات التمّيز والتفرّد النوعي في محاولة الوصول الى (مثل) الانا العليا. ، وهي نزوع مثالي في محاولة بلوغ مراتب الكمال، تشبه من حيث الغاية النزعة التصوّفية باختلاف الوسيلة والهدف، وكلاهما نزعتين لا يمكنهما التحقق.

لمناقشة علاقة الفكر بكل من اللغة والعقل، تكون المسافة التي تفصل بين الوجود والفكر هي علاقة الانسان بذاته لا غير، أي علاقة وعي الذات المحكوم بالتفكير والادراك العقلي. وان العقل وليس الفكر هو السلطة المتنفّذة في وصايتها وحمايتها للوجود الانساني الفاعل، وفي تغييبنا لهذة الأولوية للعقل من أجل فرض سلطة الفكر على الوجود نقع في مفارقة تراتيبية في الوظائف العقلية التي يرفضها العقل قبل رفض النسق المنطقي التجريدي لها، هذه المفارقة في تراتيبية النسق الوظيفي للعقل، يدفعنا الى التساؤل أيهما أسبق تاثيرا على الوجود العقل ام اللغة؟ طبعا يكون الجواب هو العقل منتج الفاعلية اللغوية التي هي ملكة يعبر بها الوجود عن حقيقته وواقعيته كوجود عاقل.أذ لا وجود اصيل بدون عقل، ولا وجود لغة او فكر من دونه ايضا.

أن تعابير مثل المسكوت عنه واللامفكّر فيه والغائب في ماوراء النص كلها تعبيرات لا معنى لها من دون فاعلية العقل في كشفها وعلاقته بهما (الوجود واللغة). اما في جعل اللامفّكر به بأنه يمتلك سلطة على الوجود في تغييب العقل نرى لا حاجة لمحاججته ودحضه كونه اخلالا وظيفيا في قدرات العقل الفسلجية وتراتيبية علاقته بكل من الوجود والفكر، مقارنة بفضاء اشتغالات واستعمالات اللغة.وتأثيرها في تحديد الوجود الزائف والوجود الاصيل.ومن حيث اللامفّكر به احتمال او تأويل يتعدد ويتجاذب ويتضاد، وقياسا به بسلطة (اللامفكّر فيه) في قراءة النص ومن ثم تأثير ذلك على الوجود هومحض قصدية في تجاوز والغاء دور العقل في الاستجابة الادراكية للوجود او تعطيله قبل تعطيل النص واللغة المتعالقتان معه.

يقول علي حرب(يبنى النص على الغياب والنسيان، لا على الحضور والتذكّر، والغياب هو غياب الجسد والدال، وهما الحقيقتان اللتان لا ينفك عنهما وجود الانسان) ص27

هنا نود تسجيل الملاحظات التالية:

1.ليس الجسد واللغة حقيقتا الوجود فقط، بل العقل واللغة، فقد يكون الجسد مفارقا وجوده العقلي والفكري معا كما في جسد الميت او المجنون او المريض بمرض نفسي عصابي او عقلي، أن في تعطيل العقل لا يبقى لوجود الجسد ولا اللغة أي معنى او قيمة، و تنتفي في عطالة العقل فاعلية وحضورالفكر و اللغة. على سبيل الفرض، فالجسد لا يمثّل الوجود، كما لا يتحدد الوجود بتلازم الجسد والفكر فهما غير كافيان في اثبات الوجود بدون العقل.وقريب من هذا المعنى متداخل معه يعبر ناعوم جومسكي فيلسف وعالم الغات في اتجاهه البنية التحويلية التوليدية معارضا الفهم البنيوي والتفكيكي قائلا: ان الانسان المتكلم هو المولد للكلمات والعبارات، وله الدور الفاعل في صنع اللغة وإيجاد توليدات جديدة لا تنتهي، وبهذا فهو يقاطع البنيوية حسب صلاح فضل.

2.يتوجب علينا الحذر كما اشرنا له سريعا سابقا من الانزلاق في الخلط بين قراءة النص الادبي او السردي وفق منهجية القراءة البنيوية او التفكيكية التحليلية في علوم اللغة واللسانيات الحديثة من جهة ونص الفلسفة من جهة اخرى، فقراءة النص الادبي تكون وظيفة اللغة فيها تداولية تعبيرية تنحصر في ثنائية (نص ومتلقي) وهنا يكون مجال اشتغال اللغة الثري في تأثيث علاقة النص بالتناص، بالظاهر والمخفي، بالمعلن والمسكوت عنه وهكذا من ثنائيات متعددة تخرج النص ان يكون نصّا فلسفيا في علاقته بالوجود الانساني من حيث هو وجود أصيل أم وجود زائف. النص المكتوب او المرئي او المسموع لا يحدد وجود الشيء بدون مرجعية العقل، بل يمكنه تحديد الفكر من خلال النص.وكل وصاية على اللغة او الفكر او الوجود الاصيل مردّه ومرجعيته وصاية العقل اولا واخيرا ولا وصاية قبلها.

3. ليس باللغة يتحدد الوجود ولا بالفكر، بل باللغة يتحدد الموجود، الذي هو نسيان الوجود الحقيقي، وبحسب الاستاذ حرب، فقد وضعنا هو امام مفترق طريقين لا نعرف أيهما نختار، هل نأخذ بالغياب والمنسي والمسكوت عنه في النص، ام نأخذ حضور النص كما هو نص مدرك واقعيا وكل مدرك واقعي يكون عقليا، تتعدد قراءاته و تتعدد وظائفه في تحديد الوجود، و في نقد النص او تأويله لغويا فقط لا نكتسب وجودنا، وبأي المعنيين اللذين ذكرناهما يكون تعاملنا مع النص سليما لغويا كوسيط تداولي او تأويلي فلسفي ملازم؟ من المعلوم المتداول ان اللغة ليس متعينا ثابتا بل هي فعالية ألسنية متغيرة ومتطورة باستمرار يمكن التعبير بها فقط.

ورد ص24 من كتاب علي حرب (لقد تبدّلت حقّا النظرة الى النص الفلسفي تبدّلا كليّا، فلم يعد يقرأ بوصفه خطاب الحقيقة المطلقة، والماهيّات الازلية، والهويّات الصافية، واليقينيات الثابتة، ولم يعد ينظر اليه فقط من جهة صدقه العقلي، او صحته المنطقية، او تماسكه النظري، او تواطئه الدلالي، وانما ينظر اليه من جهة اختلافه او كبته، او سياسته وهيمنته، او ضلاله وتلاعبه.. الخ).

تعقيبنا أن خطاب الفلسفة منذ عصر الاغريق والرومان والى يومنا هذا لم يكن خطاب الحقيقة المطلقة وليس جديدا ان لا يكون كذلك بالامس واليوم، ومن المؤكد ان الفلسفة على امتداد التاريخ لم تكن الحقيقة شيئا مسلمّا به لتعدد معانيها واختلافات دلالاتها ومحدداتها الهلامية. فالخطاب الفلسفي شأنه شأن أي خطاب مبني اي (بنية) فكرية لغوية تداولية ذات منشأ بنيوي، خطاب يحمل كل تناقضاته الداخلية، وكل نقائصه وعوامل انحلاله الذاتية والموضوعية داخله، ولم يأت عصر عومل به النص الفلسفي كيقينيات غير مشكّك بها الى حد أن كلود بيرنار قال (أكاد اجزم أن العالم ينام على وسادة من الشك). وهي عبارة قيلت بعد ان كتب ديكارت (مقالة في المنهج) قبل قرن حول الشك.حتى القراءات البنيوية والتفكيكية الحديثة الفلسفية وحفريات المعرفة والتنّاص اللغوي، تعامل اليوم وتتعرض الى نقد لا ذع يستهدفها بالصميم، وسيطالها تجاوز لاحق، وتعامل كما هي اليوم لا يقينيات معرفية ولا يقينيات منهجية في الافصاح الفلسفي والتعبير الفكري وعلى صعيد اشتغالات اللغة وحفريات المعرفة السائدة اليوم أيضا، نحن اليوم نعيش في عالم يتغير بالدقائق على صعيد كل محمولات الحياة وليس النص الفلسفي استثناءا من هذا التغيير.

أن في خروج النص عن وصاية المؤلف يقع تحت وصاية المتلقي وتعدد القراءات الاختلافية التأويلية له، لذا لا يمكن لنص يتداوله اثنان قرائيا لا يختلفان عليه مهما كانت نوعية تلك القراءة حرفية او منهجية او فلسفية او موضوعية او غيرها. وكل ما يمكننا قوله سبقنا غيرنا بقوله ربما بافضل منا، ولنا عليه شروحات وتفاسير واضافات جديدة ولا اكثر، وما نقرأه ونقوله اليوم سيأخذ السلسلة التراتيبية في التداول حاضرا وفي المستقبل بنفس مناهجية التداول المعرفي في التجاوز او الالغاء.

موت النص بعد موت المؤلف

في الفلسفة البنيوية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة، او القراءات التأويلية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الاطروحات اللغوية و الفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين واخرين في مجال اللغة واللسانيات، ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال القراءة او القراءات التأويلية التي تختلف عن أصل النص، الذي يصبح ميّتا او ملغيا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت،

وقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية التي جاء بها شتراوس واخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغبرها.

ولنقرأ النص التالي من كتاب علي حرب نقد الحقيقة (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام الاستاذ حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل النص، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية، ولا يعد اصل النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة. وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بأعدام اصل النص الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له، وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه.وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وليس ما يذهب له وتدعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ ف بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفة اللغة في تعدد القراءات والاجتهاد بتاويلها.

نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل لايمثّل مرجعية، لأن هذه المرجعية طالما نعتبرها ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض المنهج باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه استراتيجية آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقي يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتد الاخذ به.

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي او البنيوي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت نص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لانها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بان رولان بارت على خلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، انما اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا هو فقط دون غيره.(لا شيء خارج النص).

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه، ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.

العقل وفلسفة الشعر

ذهب علي حرب الى (ان الفلسفة الى ماقبل نيتشة كانت (عقلية) تبحث عن البداهة في معرفة الاشياء، وكانوا جميعا ينتمون الى الفضاء العقلي نفسه، اما ما حاوله نيتشة هو الخروج من هذا الفضاء بفتح الممارسة الفلسفية على الجسد والرغبة، على الارادة والقوة، وبكتابة نص فلسفي ينبض بحرارة الشعر ويعيد الاعتبار للجسد المقموع وللشعر المطرود) ص107

ويمضي مكمّلا (بيد ان الشعر لم يصبح اجراء فلسفي (هكذا بالاصل) من اجراءات الحقيقة قبل هيدجرالذي فتح الممارسة الفلسفية على المجال الشعري قراءة انطولوجية....... وان هيدجر باهتمامه بالشعر سيقصي الاجراء المنطقي العلمي كشرط رئيس من شروط التفلسف لصالح الاجراء الشعري، معتبرا انه لا شيء يضاهي الفلسفة في قول الوجود غير الشعر) ص 107 ايضا.

ولنا الآن تسجيل ملاحظاتنا:

1. انه بغضّ النظر عن أن نص الفلسفة يضاهي النص الشعري ويتماهى معه أو يضّادده، ومن هو الباديء بهذا الترويج، ؟ نجد حقيقة الشعر ماثلة امامنا لا يمكننا مجاوزتها بالالفاظ واللغة فقط، ان الشعر فعالية يغلب عليها اللاشعور غير المنطقي الذي يقاطع نص الفلسفة بالصميم، وفي تجاوزه لغة النمطية التداولية المجتمعية الى ما فوق التراكيب المعتادة، كما نجد اختلاط المخيال اللاشعوري في تغييبه الادراك العقلي للواقع، وأبتداع الشعر للصور الشعرية المحّلقة بلغة حركية تخييلية غير منضبطة عفوية وانسيابية، في تغييبها وصاية العقل، وانثيالاتها في تداعيات من العاطفة التهويمية يصعب معها السيطرة عليها وتنظيمها اغلب الاحيان ولا تتدخل الذهنية العقلية بها او محاولة لجمها قبل برود العاطفة وحضور العقل، واغلب الاحيان لا يكاد تداخل العقل بالشعر يعتد ويؤخذ به اذ يصبح عندها جميع الناس شعراء وكل كلام الناس العادي شعرا. وبهذا المعنى لا يمكننا الاقرار امكانية ان يكون الشعر فلسفة، والفلسفة شعرا وهو ما حاوله فيورباخ ونيتشة وهيدجر و وفلاسفة آخرون.ان لغة التجريد في الفلسفة والشعر وان التقيا على صعيد التعبير التداولي فهما يختلفان كليّا في الفهم الوجودي للانسان.

وليس معنى ان تجارب هؤلاء الفلاسفة تعطينا مبررا كافيا في تماهي الخطاب الفلسفي مع الخطاب الشعري فكريا او منطقيا متعذرّا، فهما كبنية إبداعية فنية وجمالية مختلفتان ولا تلتقيان مهما بذلنا من جهود في التنظيرلتسويغ مثل تلك المحاولات العقيمة.وتبقى المسألة ضمن اجتهادات لا تلزم غير متبنيها الأخذ بها كمسّلمة يقينية فلسفية او حقيقة ابستمولوجية نخلص لاهميتها وصحتها.

2.المسألة الثانية أن هيدجر بسبب هذه الاشكالية الفلسفية كان يتبادل التهم مع العديد من الفلاسفة الذين نعتوه بالفيلسوف الميتافيزيقي وردّه عليهم هو أن نيتشة كان آخر الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين اوصلتهم عربة الميتافيزيقا الينا، ومن الغرابة ان يحذو هيدجر حذوالنعل بالنعل لنيتشة في اعلائه أهمية الشعر الى مستوى التفلسف وتداخلهما، نص الفلسفة ونص الشعر.ومحاولته تفسير الوجود فلسفيا بماهية الشعر.

3.ان هذه الافكار الشعرية المتداخلة مع الفلسفة هي التي قادت كل من نيتشة وهيدجر الى التبشير وفتح الطريق والابواب الموصدة امام ظهور النزعتين اللتين دمرتا العالم في الحربين العالميتين . النازية والفاشية، التي راح ضحّيتها مئات الملايين من القتلى والجرحى والمعاقين والمفقودين. فلو كان تسنّى لنيتشة قبل جنونه ووفاته لما تردد لحظة واحدة في الانضمام لحزب هتلر النازي كما فعل خلفه هيدجر، ولو حاكمنا افكار نيتشة الفلسفية – الشعرية وافكار هيدجر الشعرية بمعيار النقد العقلي البسيط، وبقليل من البراجماتية الخسيسة التي ينعتها براتراند رسل بفلسفة النذالة، فهل كان بقي لافكار أرادة القوة وارجاع الاعتبار الى لذة الجسد ومتعة الشعر النيتشوي اي معنى؟

4.ان ما يعيب محاولة نيتشة ومن بعده هيدجر في اقصائهما النص الفلسفي عن مجال اشتغاله العقلي المنطقي، لغاية تمجيد الشعر، والتخييل التهويمي غير المنطقي الذي يقاطع النص الفلسفي، منذ مقولة افلاطون في طرده الشعراء من جمهوريته الفلسفية والى يومنا هذا، هو تاثير شعراء كبار من امثال غوتة، فيختة، وهولدرين وشكسبير وغيرهم من الذين كان تأثيرهم على الفلسفة مهّما ولا يستهان به.

أن ما يعرف بتاريخ الجنون لفوكو الذي تطرق الى ما يسميه الفلاسفة تنويعة هولدرين، التي حاول فيها الشاعرالالماني الكبير تقمّص حالة الجنون الى ان أودت به الحال الى الجنون المطبق، وكذا فعل الشاعر لتريامون، وقد حاول هيدجر دراسة شاعرية هولدرين، في تفسيره الوجود بماهية الشعر، ودعا الى هذا المنحى بالفلسفة .ولم يكتب لغيره النجاح في هذا المسعى على ما اعتقد، حيث في نهاية كل نفق لا بد من وجود نور عقلي يعيد المسارات الضالة الى الطريق الصحيح. 

 

علي محمد اليوسف - الموصل

 

 

في سياق نقده لمظاهر الحداثة الغربية ومقوماتها، وكشفه عن آفاتها، وجَّه طه عبد الرحمن سهام نقده للعقلانية التي رفعت الحضارة الغربية من شأنها، فأصبحت ملازمة لها دون سواها، واعتبرها البعض " القاعدة الحتمية التي يجب التقيُّد والالتزام بها، والمثال الذي يجب أن يُحتدى به في سبيل التقدم وتحصيل المطلوب من التحضر، وذلك في تصورهم لكمال مبادئها، وتجانس مناهجها"[1]، فصار مبدأ العقلانية لصيقا بالحداثة حتى "أصبح البحث في الحداثة يستوجب الخوض في العقلانية، وكل بحث في العقلانية، يُقرن بصورة واضحة ومباشرة بالحداثة حتى قيل: الحداثة العقلانية أو عقلانية الحداثة، وذلك بسبب العلاقة الوطيدة بينهما"[2]، فصارت -مع هذا القول بالعقلانية كـأساس للحداثة الغربية- جميع مناحي الحياة معقلنة.

يرى طه عبد الرحمن أن" موضوع العقلانية قد كثر الخوض فيه حتى تواردت عليه ضروب من الشبهة والإشكال وتطرقتْ إليه صنوف من الخلل والفساد. هذه الضروب والصنوف التي تحتاج إلى استجلاء أوصافها وبيان أسبابها وتحديد آثارها حتى نتحرز من الوقوع فيها ونهتدي إلى طريق في العقلانية يكون موافقا للأخلاق الإسلامية"[3]، وذلك في سبيل تفادي ما وقع فيه المفكرون والمُنظِّرون من المسلمين والعرب الذين جعلوا العقلانية على رأس وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي التي وجب التعلق بها والاحتجاج بها والاحتكام إليها.

ينطلق طه عبد الرحمن من أن كل تحديد للعقلانية لا بد أن ينضبط لثلاثة معايير وهي:

1 – معيار الفاعلية ومقتضاه "أن الإنسان يحقق ذاته بواسطة أفعال مجالها متسع ومتنوع"[4].

2 – معيار التقويم "الذي يقتضي أن يكون سلوك الإنسان ضرورة مستحضرا لما ينبغي أن يكون ومتطلعا له أي مشدودا لا لأحكام الواقع فقط ولكن لأحكام القيمة أيضا".[5]

3 – معيار التكامل ومقتضاه أن الإنسان على اختلاف مظاهره السلوكية وتعدد قدراته النفسية ووظائفه العضوية تتكامل فيه " مظاهر القوة مع مظاهر الضعف وصفات العرفان مع صفات الوجدان ومستويات النظر مع مستويات العمل، وقيم الجسم مع قيم الروح"[6].

وبناءا على هذه المعايير عمل طه عبد الرحمن على بيان محدودية العقلانية المجردة التي تغنَّت بها الحداثة الغربية وذلك من خلال نقد وتقويم حدين للعقلانية " أحدهما قديم له بالغ الأثر في التراث الإسلامي، وهو التعريف الأرسطي، وثانيهما لا يقل أثرا في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر وهو التعريف الديكارتي"[7].

أ‌- التعريف الأرسطي للعقل:

يرى طه عبد الرحمن في سياق نقده للعقلانية الأرسطية " أن "أرسطو" جعل من العقل جوهرا قائما بذاته والحقيقة غير ذلك، فهذا الفهم للعقل لا نجده في نص من النصوص الدينية وكل ما نجده هو أن العقل فعل من الأفعال التي يقوم بها الإنسان ولا فرق بينه وبين باقي الملكات الأخرى"[8].

ومن خلال معايرة هذا التعريف بمعايير تحديد العقلانية يتضح أنه لا يقوم بمعياري الفاعلية والتكامل، وإن كان يقوم بمعيار التقويم،" أما من ناحية معيار الفاعلية فهذا التعريف يجعل من العقل جوهرا أي شيئا ينزل منزلة الذات "[9]، لا منزلة الفعل الدال على الفاعلية، ذلك أن العقل داخل في الأفعال الإنسانية، فالعامل مثلا يعمل وهو يَعقِل في عمله، إضافة إلى أن العقل تعتريه أحكام الحسن والقبح فيحسُن بسلوك مسلك المعرفة الحقيقية، ويقبُح بسلوك مسالك الشبهات والأهواء، ثم إنه يتحول ويتغير كما تتحول وتتغير باقي الأفعال الإنسانية إذ من الممكن أن يتحول الفعل العقلي " من وصف عقلي إلى وصف عقلي آخر أفضل وأعقل منه"[10]، أما من حيث معيار التكامل فإن هذا التعريف يُقسِّم الإنسان إلى قسمين، ذلك أن وصف العقل بالذات القائمة بالإنسان يجعله منفصلا عن الأوصاف الأخرى المحددة لماهية الإنسان كالعمل والتجربة فيجوز إذا أن يكون العمل ذاتا قائمة به، وتكون التجربة هي الأخرى ذاتا قائمة به.

وبالتالي تتعدد الذوات القائمة في الإنسان وهذا مناقض لحقيقة وحدة الإنسان الذي تتكامل أوصافه وتتداخل أفعاله، ولهذا يؤكد طه عبد الرحمن أن العقلانية الأرسطية بإخلالها بالمعايير المحددة للعقلانية وإساءتها استعمالها تنزل رتبة دنيا في العقلانية هي " مرتبة التجريد".

ب‌- التعريف الديكارتي للعقل:

يذهب ديكارت في تحديده لمعنى العقلانية إلى جعلها " قائمة في معنى استخدام المنهج العقلي على الوجه الذي يتحدد به سياق ممارسة العلوم الحديثة ولا سيما الرياضية منها"[11].

يقرر طه عبد الرحمن بداية قبل معايرة العقلانية الديكارتية بمعايير تحديد العقلانية أن هذه المعايير تترتب عنها بعض النتائج، ذلك أن" معيار التقويم يتعلق بالمقاصد وأن معيار الفاعلية يتعلق بالوسائل وأن معيار التكامل يتعلق بالنفع في المقاصد والنجوع في الوسائل "[12].

وعند التساؤل عن مدى تعلق المنهج العقلي العلمي بهذه الشروط يتضح أن مقاصده نسبية، فالعلوم تتكاثر وتختلف بحيث ما يصح في بعضها قد لا يصح في البعض الآخر، وبالتالي " فإن إنشاء خطاب علمي عن العقل الإنساني بوصفه حقيقة واحدة مشتركة بين الناس لا يمكن اعتباره مقصدا من المقاصد التي يتوخاها المنهج العقلي العلمي الحديث"[13]، إضافة إلى أنه يَستَرِقُّ الإنسان من حيث أراد تحريره، ذلك أن التقنيات انقلبت على الإنسان لأنها أخذت بغير بصيرة من الإنسان، تستقل بنفسها وتسير وفق منطقها الخاص، وذلك وفق مبدأين : أحدهما لا عقلاني يقتضي " أن كل شيء ممكن" ما يجعل الآلة تستبيح كل شيء في الإنسان، والآخر لا أخلاقي يقتضي " أن كل ما كان ممكنا وجب صنعه" ما يدفع إلى استخدام الآلة دون الاكتراث للموانع الأخلاقية المؤدية إلى المكارم" أضف إلى ذلك التقاطع والتعارض القائم بين النظريات العلمية عوض تكاملها وتراكبها وكأن العلم في نموه يميل إلى الفوضى والتهادم و الفوضوية عوض النظام و التكامل " [14].

وبالتالي تكون مقاصد هذه العقلانية العلمية المتداولة ضارة لا نافعة فتكون إذن مُخلة بركن النفعية في العقلانية السليمة.

أما من حيث الوسائل فإن الناظر في الوسائل التي يعتمدها المنهج العقلي العلمي يجدها محدودة النجاعة، ذلك أنها تتكلف الموضوعية، " إلا أن التوسل بهذا المبدأ في فهم ظواهر الطبيعة لم يُحقق شرط النجاعة لأنه أفرغ كل القيم والمعاني الأخلاقية بحُجة قطع الطريق أمام الذاتية باسم الملاحظة المباشرة، والتجربة العِيانية"[15]، والحقيقة " أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيما أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها الموضوعية نفسها"[16]، إضافة إلى أن هذا المنهج العقلي العلمي يكتفي في دراسة موضوعاته ظواهرها دون الحقائق الباطنة التي تستند إليها هذه الموضوعات مُدخِلا لكل شيء في حيز المكان والزمان، فحُرمت وسائله من وصف النجوع الذي يستلزم تحصيله الجمع بين ظاهر الأشياء وباطنها، والسعي وراء تحصيل المعاني السامية التي لا تَتحدد، لا زمانا ولا مكانا.

ثم إن هذا المنهج يتخذ الوسائط المادية في ضبط الظواهر وصفا وتجريبا ومراقبة وتنبؤا، ما جعله قاصرا عن إدراك المعاني الروحية التي لا تتأتى بطريق هذه الوسائط المادية.

وبالتالي جاز أن تنزل العقلانية الديكارتية هي الأخرى منزلة العقلانية المجردة لعدم نفعية مقاصدها ونجوع وسائلها، شأنها شأن العقلانية الأرسطية.

ج- من العقلانية المجردة إلى العقلانية المؤيدة

إذا كانت العقلانية المجردة عند طه عبد الرحمن " عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد لا يقين مع نفعها بوسائل لا يقين في نجوعها"[17] ، فإنه "يقترح نسقا عقليا أوسع لتجاوز النسق الحداثي الضيق ومرتبة أرقى من العقلانية المجردة"[18]، هذه العقلانية سماها طه عبد الرحمن " العقلانية المُسدَّدة " باعتبارها " خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد نافعة بوسائل لا يقين في نجوعها"[19]، وذلك " من خلال الربط بين النظر المجرد وبين العمل على مقتضى الشرع" [20] فيكون " العقل المُسدَّد عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة متوسلا في ذلك لإقامة الأعمال التي فرضها الشرع"[21]، فيكون إذن هو " العقل الذي اهتدى إلى معرفة المقاصد النافعة " [22]، إلا أن هذه المعرفة " قد تفتقر إلى تحصيل الوسائل الناجعة لتحقيق هذه المقاصد التي تم الاهتداء إلى معرفتها"[23] لذلك يتعين على العاقل طلب تجاوز العقلانية المُسدَّدة قصد تحصيل الوسائل الناجعة وتتميم المعرفة بالمقاصد الدينية، "ولن يتأتى هذا التتميم إلا بالارتقاء إلى رتبة عليا من العقلانية" [24]، سماها طه عبد الرحمن " العقلانية المؤيدة " وهي " عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في طلب تحقيق مقاصد نافعة بوسائل ناجعة، ولا يتم الجمع بين نفع المقاصد في ثبوتها وشمولها وبين نجوع الوسائل في تغييرها وخصوصها إلا بدوام الاشتغال بالله والتغلغل فيه "[25].

والعقلانية المؤيدة " تُسلِّم بوصل العقل بالفعل وعدم انفصال المعرفة بالله عن العلم بالأشياء، وتؤمِن بعدم انفكاك الزيادة في المعرفة عن الفائدة وهي المرتبة الأسمى من العقلانية التي تُمكن صاحبها من تلقي الخطاب القرآني بمعانيه الروحية، وليس برسومه اللفظية وكأن المتقرب في تَرقِّيه إلى مرتبة العقل المؤيد غايته تدارك الآفات الخُلقية والعلمية التي ورثتها كل من العقلانيتين المجردة وبالخصوص المُسددة"[26].

وبالتالي فالعقل المؤيد " يتوجه إلى طلب المقاصد الدينية باعتبارها الأنفع والأيقن توجها، سالكا لطرق نافذة ومؤَدية إلى تحقيق هذه المقاصد"[27].

والحاصل فيما سبق حسب طه عبد الرحمن، "أن المتخلق بأخلاق الدين وحده هو الذي يُحصِّل رتبة العقلانية المسددة (و) أنه يرتقي منها الرتبة العقلانية متى اتقى الآفات التي قد تدخل على عمله (و) أن واجبه هو أن يعمل جاهدا من اجل الارتقاء الى هذه الرتبة الثالثة التي تجعل له عقلا كاملا يُدرك ما لا يدرك غيره ويصيب حيث لا يصيب"[28].

 

ياسين كارديدي/ باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة وعلوم الأديان/ جامعة عبد الملك السعدي المغرب.

............................

[1] ـ عبد السلام بوزبرة، " طه عبد الرحمن ونقد الحداثة"، جداول، لبنان ط: 1 / 2011م، ص: 94 – 95.

[2] ـ المرجع نفسه، ص: 43.

[3] ـ طه عبد الرحمن، "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 60.

[4] ـ " سؤال الاخلاق" مرجع سابق ص: 61.

[5] ـ حمو النقاري، " منطق تدبير الاختلاف من خلال أعمال طه عبد الرحمن"، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط: 1 / 2014م، ص: 93.

[6] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق ص: 62.

[7] ـ المرجع نفسه ص: 62.

[8] ـ " طه عبد الرحمن ونقد الحداثة" مرجع سابق ص: 97.

[9] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق ص: 63.

[10] ـ " المرجع نفسه ص: 63.

[11] ـ "سؤال الأخلاق" مرحع سابق ص: 64.

[12] ـ المرجع نفسه ص: 64.

[13] ـ " المرجع نفسه، ص: 65.

[14] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة ، مرجع سابق ص: 102.

[15] ـ المرجع نفسه، ص103.

[16] ـ سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص: 67.

[17]ـ المرجع نفسه، ص: 75.

[18] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة مرجع سابق، ص: 108.

[19] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 75.

[20] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة، مرجع سابق ص: 108.

[21] ـ طه عبد الرحمن " العمل الديني وتجديد العقل" ص: 53.

[22] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 71.

[23] ـ "منطق تدبير الاختلاف من خلال اعمال طه عبد الرحمن مرجع سابق ص: 97.

[24] ـ المرجع نفسه، ص: 97.

[25] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 75 – 76.

[26] ـ "طه عبد الرحمن ونقد الحداثة مرجع سابق، ص: 116.

[27] ـ " منطق تدبير الاختلاف، من خلال أعمال طه عبد الرحمن، مرجع سابق ص: 96.

[28] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق، ص: 76، بتصرف.

 

 

علي رسول الربيعينرى أن مسألة العلاقة بين الفلسفة التي تطمح للعالمية والعقل العمومي الذي يستعمل المحاججة العقلانية وبين الدين الخاص، الذي يستعمل اللغة المجازية لها اهميًة، ومن هذا الموقع ننظر في أقوال الفلاسفة السابقين عن هذه العلاقة بين الدين والفلسفة ونظرية "الحقيقة المزدوجة" تنص "نظرية الحقيقة المزدوجة على أن الفلسفة والدين لا يحملان نفس الآراء، وبعبارة أخرى، مواقفهما تختلف في مواضيع معينة. أنهما يفسران الواقع بطرق مختلفة، وحتى غير متوافقة. هناك فلاسفة كان لهم دور بارز في تناول هذه القضية ومهم في تاريخ الفلسفة ومن بينهم أبن رشد وهيجل. لانقصد هنا ان نقيم مقارنة تاريخية بينهما ولكن موضوعاتية. فلدى أبن رشد وهيجل وجهات نظر متشابهة بشكل ملحوظ حول العلاقة بين الفلسفة والدين.

فيما يخص مكانة الكتاب المقدس أنه هو سلطة أكبر من أفلاطون أو أرسطو. على الرغم من أنه لا يمكن إغفال المعنى الحرفي للكتاب المقدس الاً أنه توجد هناك قراءة غير حرفية للكتاب المقدس مع أوغسطين وتقبلها الأكويني أيضا، فقد قبل الأكويني أنواعًا مختلفة من القراءات المجازية للكتاب المقدس، لكن يجب أن يكونوا خاضعين للمعنى الحرفي للنص.

يساوي هيجل في محاضراته حول فلسفة الدين، بين مفهومه للروح والروح القدس كما هو في الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن وجهات نظره حول الروح تتوافق مع اللاهوت المسيحي، اللوثري أو الكاثوليكي، بالنظر إلى أنه يقلل أو يبدو أنه ينتقد الصور الدينية التي نجدها في الكتاب المقدس، مثل مفهوم الأب والابن الذي ينسب إلى الله.

هناك مكانة كبيرة لأبن رشد وهيجل في مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين ولاسيما أطروحة "الحقيقة المزدوجة. إذا أردنا توضيح هذه النظرية، فعلينا أن نشير إلى أنه في حين ينص الدين (المسيحية والإسلام) على أن العالم قد خلق في وقت معين، يقول فيلسوف مثل أرسطو أن العالم أبدي، بمعنى أنه لم يكن هناك وقت لم يكن العالم فيه غير موجود أبداً. وهذا يجعل من الصعب مقارنة آراء أرسطو مع الكتاب المقدس والتفسير القرآني للخلق.

فيما يتعلق بابن رشد وهيجل، لا بد من القول بأن أيا منهما لم يدافع عن أطروحة الحقيقة المزدوجة بالمعنى القروسطي للعبارة. كلاهما دعا إلى أن الحقيقة يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. ربما لا يزال هناك غموض في ما يتعلق باراء كلا الفيلسوفين حول الدين، لأن كلاهما ذكر أن الدين يصور الحقيقة بطريقة مجازية، بينما تعبر الفلسفة عن الحقيقة بطريقة صارمة أو صريحة أو حرفية. من الواضح أن هناك تفضيلاً للطريقة الفلسفية للتعبير عن الحقيقة عند كل من ابن رشد وهيجل.

لم يقم هيغل، في الواقع بدراسة ابن رشد ولم يكن لديه رأي مهم او ذو قيم فيما يتعلق بالفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى، لكن اذا كان ذلك كذلك فما وجه الأتصال بينهما؟

قدم هيجل مساهمة كبيرة للغاية في دراسة تاريخ الفلسفة. حتى انه حدد الفلسفة مع تاريخ الفلسفة. أما من افتتح البحث في الفلسفة الإسلامية كموضوع دراسي فعليا فقد كان رينان عندما كتب عن ابن رشد و نشر كتابه لأول مرة في عام 1852. وعليه، كان هيجل محدود الأطلاع بالمصادر المتاحة له أنذاك. فقد كان ينظر إلى الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى على أنهم مجرد معلقين على أعمال أرسطو. ويحدد الفكر الإسلامي الحقيقي بعلم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى. إن مصدر أراء هيجل عن الفكر الاسلامي في العصور الوسطى مستمد من دراسته لموسى ابن ميمون الذي كان يشارك في النقاش مع علماء الدين الإسلامي.

كان هيغل على معرفة بأبن ميمون وكان أيضا من المعجبين بفلسفة سبينوزا الذي كان بدوره قارئًا لابن ميمون. ومن المعروف أن أحد التأثيرات الفلسفية العظيمة على بن ميمون كان الفارابي، والذي كان بدوره دافعًا لابن رشد ايضا الذي راى في عمله الرئيس تاكيدا على أن الواقع يمكن التعبير عنه بشكل مختلف بين لفلسفة والدين. فلا يختلف موقف ابن رشد حول هذا الموضوع جذريًا عن موقف الفارابي، وكان أبن رشد ملمًا بفكرة الفارابي. أما هيجل فقد تعلم عن أطروحة الحقيقة المزدوجة من خلال سبينوزا وابن ميمون.

لكن ماذا عن السياقين المختلفين تمامًا الذين عمل هذان الفيلسوفان، ابن رشد وهيجل، من خلالها. والاختلافات الرئيسية بين الإسلام السني في القرون الوسطى عند ابن رشد ومذهب هيجل مابعد اللوثرية المسيحية وما بعد عصر التنوير؟ عاش هيجل في مجتمع ما بعد عصر التنوير، عصر العلمنة التدريجية في المجتمع. لكن لاتزال ألمانيا هيجل انذاك محافظة للغاية، و كانت الاتهامات بالالحاد ضد الفلاسفة سائدة، فقد أتهم فيشته بالحاد أولاً وأتهم هيجل بالحلولية في برلين لاحقا. لم يفقد الأخير موقعه الأكاديمي على عكس فيشته من قبله، فكان في ألمانيا مجتمعاً عميق التدين. أما ابن رشد فقد عاش في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى ولم يكن الإسلام مجرد دين بل هو أسلوب حياة هيمن على جميع جوانب المجتمع. نعم عاش ابن رشد في مجتمع ديني ، لكن كان هناك أفراد أقوياء كانوا مهتمين بالفلسفة والترويج لها بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع الدين أم لا، مثل الأمير الذي قرأ أرسطو وبعض تعليقات ابن رشد، أقصد أبو يعقوب يوسف. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبر البعض أن ابن رشد هو مقدمة لعصر التنوير؛ نظراً لتأكيده على قوة العقل وقدرته للتفكير بشكل مستقل عن الوحي، بينما كان هيجل مهتمًا بشدة بالدين، ودمج المواضيع المسيحية في فلسفته. بعبارة أخرى، عاش كل من أبن رشد وهيجل في فترات تاريخية مختلفة جوهريًا، لكنهما كانا مهتمين بشدة بالتقاطع بين الفلسفة والدين والعقل والإيمان.

ولنا أن نسأل إذن كيف وضع ابن رشد نظرية "الحقيقة المزدوجة" في كتابه " فصل المقال..." و " تهافت التهافت" "" و أعماله التي تشرح أرسطو؟ وكيف يرى العلاقة بين الإسلام والفلسفة والانسجام بينهما وعلى وجه الخصوص؟ وكيف كانت قراءته غير الحرفية للقرآن في ذلك الوقت؟ يؤكد ابن رشد بوضوح على وجود حقيقة واحدة فقط، ولكن يتم التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. وهو يعتقد أن الحقيقة يتم التعبير عنها بطريقة حرفية في الفلسفة، ولا يمكن صياغة الحقيقة في الفلسفة بشكل مختلف. بينما يعبر الدين عن الحقيقة بطريقة مجازية. على سبيل المثال، يشير القرآن إلى يد الله. وفقاً للفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى، لا يمكن أن يكون لـ لله خصائص إنسانية، مثل الجسد (الذي قد ينطوي على الحد من طبيعة الله اللانهائية) ، وبالتالي فهو لا يملك حقًا اليد. يجب أن تُفهم الإشارات إلى يد الله بطريقة مجازية بمعنى قوة الله.

يميز ابن رشد ،في هذه النقطة بين الطرق المختلفة للتعبير عن الواقع نفسه، أي الطريقة البرهانية والجدلية والخطابية. وهو يشرح طبيعة هذه الأنواع اللغوية الثلاثة في كتابه " فصل المقال" التي صيغت كمسألة قانونية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمسلمين بدراسة (الفلسفة اليونانية القديمة والهلينية). ويستند تمييزه بين هذه التخصصات أو أنواع الخطاب على أرسطو، وقدم ابن رشد التوضيح في تحليلاته الثانية، وهو العمل الذي ألفه من ضمن الشروحات، بما في ذلك الشرح الكبير المفصل جدا. يتم تعريف الخطاب البرهاني من قبل أرسطو بأنه هو مالطلوب للعلوم والتحقيقات العلمية. على هذا النحو، فإنه يتميز بعدم غموضه ولا يستعمل الاستعارات أو الرموز. يؤيد ابن رشد هذا الرأي. وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا النوع من الخطاب أو اللغة على العلوم بالمعنى الحديث لمصطلح اليوم فحسب، بل ينطبق أيضًا على الفلسفة المظلة تنطوي تحتها معظم أشكال المعرفة في العصور الوسطى.

يحدد ابن رشد اللغة الدينية بالخطاب الجدلي و بخطاب البلاغة. كتب أرسطو عن موضوعة الجدل وعن البلاغة في كتابه بعنوان البلاغة. وكتب ابن رشد الشروحات على كل من هذه الأعمال ، وكذلك على التحليلات الثانية قبل تأليف " فصل المقال". علاوة على ذلك، لا ينظر ابن رشد إلى هذه على أنها أساليب فقط ، لكنه يحددها مع ثلاث فئات من الناس في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى. فئة البرهان التي يحددها بالفلاسفة، وهم أقلية. وقد امتلكت إسبانيا في العصور الوسطى تقليدًا متميّزًا للفلسفة الإسلامية، حيث أنتجت مفكرين بارزين مثل ابن حزم وابن باجة وابن طفيل (الذي كان صديقاً شخصياً لابن رشد).

وحدد فئة أهل الجدل بالمتكلمين وفئة أهل البلاغية بالمؤمنين المسلمين العاديين. ينتقد بشكل خاص علماء الكلام لقيامهم بتضليل غالبية المؤمنين، الذين لا يتم تدريبهم على الفلسفة أو أي نوع من التفكير المجرد. ينخرط علم الكلام الإسلامي في التفكر والتأمل حول معنى القرآن، لكنه لا يأخذ في الاعتبار تمامًا الفلسفة القديمة، من ناحية، وهو معقد للغاية حتى يمكن أن يفهمه غالبية الناس، من جهة أخرى. فيرى ابن رشد أنه من الأفضل أن الفلاسفة (وليس علماء الكلام) هم من يشيروا إلى الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها آيات قرآنية معينة من قبل غالبية المسلمين.

إن الطرق المختلفة التي يمكن أن تدرك بها الحقائق الأساسية، مثل وجود الله ، تعني أن على الفلاسفة أن يفكروا في الله بطرق مجردة، في حين أن غالبية المسلمين الذين ليس لديهم القدرة على فهم أو الانخراط في دراسة الفلسفة يسمح لهم بالتفكير في الله في طرق أكثر مجسمًة. وفقا لابن رشد تناسب الرسالة القرآنية جميع فئات الناس، من الفلاسفة إلى جميع المسلمين الآخرين.

اذن إن مفتاح أنسجام جميع أنواع الخطاب هو طريقة قراءة القرآن طبقا لأبن رشد، الذي يقول – كما اسلفنا- أن الفلاسفة وليس المتكلمين من يجب أن يكون لهم القول الفصل في كيفية تفسير القرآن.

فبالنسبة لأبن رشد الفلسفة والدين لهما المضمون نفسه ولكنهما يعبران عنه بشكل مختلف، على سبيل المثال فيما يتعلق بطبيعة الله. سوف يفهم الفيلسوف قدرة الله المطلقة على كونه السبب المطلق لكل شيء، في حين أن غالبية المسلمين يمكنهم الاعتماد على تصورات أكثر مجسمًة عن لله متوفرة في القرآن. فيجب قراءة الوصف المجسم لله في القرآن بطريقة مجازية من قبل الفلاسفة، ولكن ليس من قبل المسلمين الآخرين. لا يقول ابن رشد أن كل شيء في القرآن مجازي، في الواقع يمكن أن يفهم بعض الآيات حرفيا من قبل أي مسلم.

وفيما يتعلق بالتفسير، يؤكد ابن رشد في كتابه "فصل المقال" أنه منذ التاريخ المبكر للإسلام، تم القبول بأن القراءات المجازية للقرآن كانت ضرورية فيما يتعلق ببعض الآيات، ولكن ليس كلها. انه يضع القواعد لتفسير هذه الآيات وفقا لقواعد اللغة العربية واستخدامها. ويذكر أيضًا أنه عندما تتعارض الآية القرآنية مع فكر أرسطو، يجب قراءة الآية بشكل مجازي، نظرًا لأن نصوص أرسطو ذات طبيعة برهانية ويجب أخذها حرفياً. وبهذه الطريقة، يسعى دائمًا إلى التوفيق بين فكر أرسطو والقرآن. يدعي ،على سبيل المثال، أن الإشارات إلى جلوس الله على العرش قبل الخلق الموجودة في القرآن تشير إلى وجود شيء ما إلى جانب الله دائما، واستعمله كمؤشر على أبدية العالم. لكن على ما يبدو، لم يقنع هذا التفسير بعض المتكلمين الإسلاميين، لأن القرآن يذكر أيضا خلق الله للعالم في ستة أيام.

كانت هناك مدارس في علم الكلام الإسلامي في القرون الوسطى، مثل مدرسة المعتزلة التي فضلت قراءة مجازية لبعض الايات، في حين كانت هناك الأشعرية ومدرسة لاحقة للمعتزلة حبذت القراءة الحرفية للقرآن. تسود المدرسة الأشعرية في الإسلام السني اليوم، لكن كانت هناك محاولات لإحياء آراء المعتزلة، لذلك فإن الطريقة التي يقرأ بها القرآن مفتوحة للنقاش بين عموم المسلمين ومن مختلف المذاهب. ومن الواضح أن هناك تقليدًا منذ القرون الوسطى حول الطرق غير الحرفية لفهم القرآن، ويمكن إعادة إحياءها من قبل علماء مسلمين دائما.

هناك مجال آخر من الجدل حول التوفيق بين الرؤية الدينية للعالم والرؤية الفلسفية، وتتعلق بمسألة المصادفة والحتمية. وعليه يُطرح هنا السؤال، فكيف تعامل ابن رشد مع قضايا مثل الحرية والمسؤولية إلى جانب العناية الإلهية وإرادة الله؟ هل اعتقد أنه يجب أن يصمم فلسفته طبقا لدينه أم العكس؟ أظن أن كل هذا يعود إلى السؤال كيف يمكن أن يجمّع بين تفسيره الأرسطي للطبيعة مع القرآن؟ نعم ، إن مسألة الصدفة والحتمية تدل كذلك على محاولات ابن رشد للتوفيق بين الدين والفلسفة أو العلم.

فيما يتعلق بمسألة الحرية والمسؤولية يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار نوعين من المصادر التي استعملها ابن رشد، أرسطو من جهة، والقرآن من جهة أخرى. وهنا لابد من الشارة الى إن أرسطو نفسه في أعماله المكثفة لا يبدو له موقف واضح المعالم بشأن مسألة حرية الإنسان. في حين يبدو أنه يشدد على المسؤولية الإنسانية في أعماله الأخلاقية، هناك تركيز قوي على السببية بل وحتى الضرورة في أعماله الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن الصدفة عند أرسطو ليست سبب أساسي، بل هي سبب عرضي يرتبط مع الأسباب الأساسية الأخرى، مثل السبب النهائي أو الفعال كما يوضح بوضوح في فيزياءه.

تشير بعض الآيات القرآنية إلى أن البشر أحرار في الإيمان أو عدم الايمان، في حين تشير الآخرى إلى أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان للبشر. كانت هناك مدارس مبكرة في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى، وكان الفلاسفة يشاركون في الحوار ايضا، تؤيد مفهوم الحرية الإنسانية، كحماية لمبدأ لعدالة الله، بينما تم تركيز، في وقت لاحق، على القدرة الكلية الإلهية والتقليل من حرية الإنسان، التي لا يمكن أبدا أن تقف في طريق القدرة الإلهية والقضاء والقدر. أيً أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان الكائنات البشرية.

أعتقد أن تطور مفهوم الحتمية الطبيعية في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى أثر على فكر ابن رشد كما اثر على ابن سينا قبله. يشدد ابن رشد على الضرورة الصارمة لعمل الطبيعية في تعليقاته على أرسطو. إنه يعتبر الصدفة حالة عرضية وليس سببًا أساسيًا. هذا يعني أنه عندما ننظر الى حادثة صدفة، فهناك سبب أساس يرتبط به العنصر العرضي. على سبيل المثال، إذا كان الموسيقار يبني بيتًا عرضا، فإن الأمر ببساطة هو أن المهندس المعماري الذي قام ببناء المنزل هو أيضًا موسيقي.

عندما يناقش ابن رشد الجوانب اللاهوتية لقدرة الله على الحوادث في اعمال المتكلمين المسلمين، يلاحظ أهمية الحفاظ على الحرية الإنسانية (وإلا فإن العدالة الالهية ستصبح موضع تساؤل) ولكنه يشير أيضًا إلى أن السببية في الأفعال الإنسانية تخضع إلى السببية والقدرة الالهية.

كان ابن سينا عملاق آخر في الفلسفة الإسلامية. وهنا نسأل هل كانت مقاربة ابن رشد للمصادفة والحتمية مختلفًا اختلافاً كبيراً عن مقاربة ابن سينا، وهل اختلفوا حول أنسجام الفلسفة والدين؟

أعتقد أن ابن سينا كان أكثر وضوحا في دفاعه عن الحتمية من أبن رشد. وعلى عكس الأخير، تأثر ابن سينا كثيراً بالأفلاطونية المحدثة - من خلال ثيلوجيا أرسطو، وهي نسخة عربية من أجزاء من التاسوعيات التي كتبها أفلوطين ونسسبت الى أرسطو - ونظريته عن الفيض أو الصدور. تتكون هذه العملية من الطريقة التي تفيض فيها العقول من العقل الأول . يحرص ابن سينا كثيراً على فكرة صارمة عن السببية الضرورية في العالم السماوي والأرضي. فلا يبدو أن هناك مكان في نظامه الفلسفي لسبب حر مستقل من قبل البشر، وبالتالي يمكن اعتبار ابن سينا مؤيدأً لحتمية شاملة. يقول نظامه الميتافيزيقي أن كل ما هو موجود بالفعل ضروري الوجود لوجود سببه. وما هو ممكن هو لا يوجد في الواقع حتى الآن ولكن يمكن أن يوجد بوجود سببه. وكل ما يوجد بالفعل موجود بالضرورة لوجود سببه. الله وحده لامسبب له، وفقط هو ضروري بذاته، وليس من خلال سبب اخر.

يقول ابن سينا في كتاباته حول موضوع القدر (تصميم الله أو الأقدار المسبقة للأحداث)، إن كل شيء يحدده الله، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أسباب ثانوية، ولكن لا شيء يفلت من إرادة الله وسببيته بما في ذلك الأفعال والأفكار الإنسانية.

أما فيما يتعلق بالاختلافات بين ابن سينا وابن رشد حول هذا الموضوع، يؤيد ابن سينا نوعا من الحتمية الآلية، والتي تكون فيها السببية الخارجية أو السبب الكافي فعال دائما، في حين يؤكد ابن رشد على موضوع الفعل (طبيعي أو إنساني) ويفضل رؤية أكثر غائية للطبيعية. وبهذا المعنى، يؤكد ابن سينا على ارتباط السبب العرضي بالسبب النهائي، في حين يربط ابن رشد قضية السبب العرضي بالسبب الفعال.

لم يقم ابن سينا بإنتاج أعمال جوهرية حول الأخلاق، وبالتالي لا يبدو أن مسألة حرية الإنسان قد ظهرت. ويسعى كل من ابن سينا وابن رشد الى الأنسجام بين الفلسفة والدين، لكن أبن رشد يفعل ذلك بشكل صريح لا سيما في " فصل المقال"، في حين يقوم ابن سينا بذلك ضمنا، من خلال دمج المواضيع الإسلامية في فلسفته. على سبيل المثال عندما يكتب ابن سينا حول نظرية أرسطو عن الروح، يوسع نظريته في الخيال ويؤكد دوره في عملية النبوة والنبوة.

ومن جهة اخرى اذا ما نظرنا إلى مقاربة هيغل لنظرية "الحقيقة المزدوجة" من خلال الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. هل يمكننا أن نحدد ما هي الطرق المختلفة ولماذا تفيد في محاولة فهم هيغل للعلاقة بين الفلسفة والدين؟ نجد هيجل في الدين والفلسفة كأنه يحكي الحكاية نفسها كما هي عند ابن رشد وقبله ابن سينا والفارابي، ولكن بطريقة مختلفة. فيمكن للمرء- عند هيجل- أن يفكر في الواقع بطريقة مفاهيمية من خلال العقل أو مجازيا من خلال الخيال أو التمثيل؛ حيث تتم ترجمة مصطلح الفكرة على أنها "التفكير التصوري" أحيانًا. يستخدم التفكير الديني الصور ويعتمد على الخصوصية، على عكس التفكير الفلسفي يعتمد العالمية. ومن هنا كان الجانب المعرفي للسؤال، بالنظر إلى اختلاف أساليب التفكير أو طرق فهم الواقع. لايمكن فصل الابستيمولوجيا والأنطولوجيا أو الميتافيزيقية أبداً عند هيجل. على سبيل المثال، في فينومينولوجيا الروح، هناك تقدم تدريجي من طرق أكثر بساطة لإدراك الواقع وصولًا إلى الفهم والعقل الذي يدرك الواقع بطريقة أكثر شمولية وتعقيدًا. وغالباً ما يكون هناك تناظر بين طرق التفكير والفترات الفعلية في تاريخ العالم (بما في ذلك فترات في تاريخ الفلسفة) ، مثل اليونان القديمة والتنوير. وفقا لهيجل، العقلاني واقعي والواقعي عقلاني، وبالتالي فإن تفكيرنا يعكس الواقع، والواقع والتفكير يسيران يدا بيد. ولهذا السبب، فهو بالتأكيد لا ينادي بمثالية ذاتية، بل بالمثالية المطلقة والمعرفة المطلقة، مما يعني أنه لا يوجد شيء مخفي عن الذات، وبالتأكيد ليس من ذات تعرف بلا حدود.

قدم الفلاسفة وعلماء الكلام قبل ابن رشد شئ شبيه بفكرة "الحقيقة المزدوجة"، إذن، كيف أصبحت النظرية مرتبطة بأبن رشد داخل الكلام والفلسفة الاسلامية؟ مسألة الحقيقة المزدوجة هي سؤال حول العلاقة بين الفلسفة والدين. ويدّعي هذان النظامان اللذان يعرفان كلاهما أنهما يصوران الواقع بأكمله، ومن هنا كان التنافس بينهما. نعرف أن هناك العديد من الفلاسفة الذين اتهموا بعدم التقوى في أثينا القديمة، مثل أناكساغوراس وسقراط وبروتغوراس وأرسطو. طرح أفلاطون نظريته عن "الكذبة النبيلة" في الجمهورية للإشارة إلى استخدام الأسطورة لغرض تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وفي نفس العمل يفكر في الإيمان (pistis) كرتبة أقل من العقل (dianoia) أو الذكاء (nous) في حجم عمليات التفكير البشري. لقد كثرت في الفلسفة ابان العصور الوسطى المواضيع الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية وبدا أن الدين يسيطر على الفلسفة. في السياق الإسلامي في القرون الوسطى، لا يمتلك علم الكلام طابعًا دوغمائا وهو يتفكر في الطبيعة. وهذا أعطى مجالا واسعا للفلاسفة المسلمين لتبني الأفكار الأفلاطونية أو الأرسطية. جاءت الحاجة إلى انسجام واضح للفلسفة والدين في أعقاب هجوم الغزالي (1111 م) على الفلاسفة المسلمين، ولا سيما على ابن سينا. جادل الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" بأن العديد من نظريات الفلاسفة لم تكن متوافقة مع الرسالة القرآنية، اتهم الفلاسفة بالالحاد على ثلاث قضايا. كان على ابن رشد أن يتعامل مع هذه الاتهامات بشكل مباشر، وهو ما فعله في كتابه "فصل المقال" و كذلك في "تهافت التهافت" حيث رد فيه على حجج الغزالي نقطة نقطة لتفنيدها.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنمن بين الاختلافات العديدة بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية(1) هي الاختلاف في طرق النقاش حول علاقة المرء بالناس الآخرين. في الفلسفة التحليلية يتجسد ذلك بالسؤال عن امكانية المعرفة تحت عنوان "مشكلة الأذهان الاخرى". "المشكلة" في السؤال هي كيف نستطيع معرفة وجود الأذهان الاخرى طالما ان اي ذهن لا يظهر بشكل واضح امام الحواس لأننا لانستطيع رؤية او لمس الاذهان.

الجواب الكلاسيكي لهذا السؤال والذي لقي صدى لدى العديد من الكتّاب اللاحقين جاء من جون ستيوارت مل:

"انا استنتج ان الناس الآخرين لديهم مشاعر مثلي، بسبب اولا، هم لديهم اجسام مثلي، وهو حسب ما أعرف شرط سابق للشعور، وبسبب ثانيا، هم يعرضون افعالا واشارات خارجية اخرى والتي حسب ما أعرف من التجربة انها تنشأ بواسطة المشاعر". (اختبار لفلسفة السير وليم هاملتون، 1865).

من الواضح ان عملية الاستنتاج التي عرضها (مل) ليس لها علاقة بالسبب الذي يدفعنا للاقتناع بوجود اذهان خاصة للناس الذين حولنا . حتى الملاحظات السريعة للاطفال تنبّهنا لحقيقة ان مشكلتهم حينما ينمون تدريجيا ويصبحون اكثر اطّلاعا بالعالم، هي مناقضة تماما للمشكلة التي اقترحها (مل).

اساسا، الاطفال ينسبون حالات ذهنية لكل شيء، هم يعتقدون بوجود عقول ومشاعر في لعبهم بنفس مقدار ما لدى آبائهم، وبمرور الزمن يحصل انحسار في مفهوم الوجودات التي تُنسب اليها الحالات الذهنية. الحيوانات تبقى ضمن هذا المفهوم فترة اطول، وحتى البالغين هم قادرين على ان ينسبوا حالات ذهنية غير واضحة لحيواناتهم المنزلية. في الحقيقة، من السهل لنا ان ننسب الكراهية خصيصا للاشياء المتمردة غير الحية : مفك البراغي الذي لايفك، السحّاب الذي يرفض الحركة، الباب الذي لا ينفتح.

لذا يبدو اننا جميعا نبدأ بافتراض حالات ذهنية في كل الوجودات في عالمنا، بطريقة مشابهة لتلك التي نسبت بها الاديان القديمة الروح للاشجار والانهار وكل الاشياء في العالم الطبيعي. هذا يبدو من الطرق الفطرية التي نميل اليها في التفكير. لذا فان الاعتقاد بان شيء ما لديه ذهن هو امر غير مشتق من تجربتنا او مستنتج من الدليل وفق اسلوب (مل)، وانما الافتراض يسبق تجاربنا. نحن اذاً نسعى لوضع الوجودات التي نواجهها ضمن هذ المفهوم.

هذه فكرة عمانوئيل كانط عن المفهوم القبلي (قبل ان نحتك بالعالم) لطرق التفكير. هذه المفاهيم اوضحها كانط في كتابه (نقد العقل الخالص عام 1781) رغم ان "الفرد الآخر" ليس من بين المفاهيم التي ناقشها كانط في ذلك الكتاب. تركيزه هناك كان منصبا على تحديد المفاهيم الضرورية لنا لنكون قادرين على امتلاك التجربة بالعالم المادي. ومن هنا فان قائمته بالمفاهيم تتضمن اشياءا مثل "جوهر" و"سببية". بدأ كانط بدراسة علاقتنا بالناس الآخرين فقط في كتابه اللاحق (نقد العقل التطبيقي عام 1788)، حيث اوضح رؤيته بان الخاصية الحاسمة التي تميز علاقاتنا بالناس الآخرين عن علاقاتنا بالاشياء غير الحية هي القانون الاخلاقي. احدى صياغاته للقانون الاخلاقي هي "دائما تعاملْ مع الآخرين كغايات في ذاتهم وليس كوسيلة لغاية". لذا بالنسبة لكانط فان عمليات القانون الاخلاقي الذي اعتقد به هي التي يمكن استنتاجها بواسطة العقل الخالص، والتي تخلق "مملكة الغايات": عالم الافراد الاحرار المستقلين.

اللاحقون لكانط تُركت لهم مهمة متابعة نتيجة اعتبار "الآخر" او "الشخص الآخر"، كمفهوم قبلي. الفلسفة القارية استمرت الى الوقت الحاضر في التحقيق بهذه الفكرة التي لقيت اهتماما قليلا من الفلسفة التحليلية.

الأذهان الاخرى تستمر كموضوع للتصور حتى عندما لا توجد بشكل واضح، وذلك بسبب الوجود القبلي لمفهوم الآخر في تفكيرنا.

هيجل واتباعه اللاحقون

كان هيجل اول فيلسوف بعد كانط عالج اسئلة محددة تتصل بهذا المفهوم. في القسم الاول من عمله فينومينولوجيا الروح 1807 كتب هيجل حول الاسئلة المألوفة المتعلقة بالعلاقات بين الشخص الملاحِظ والاشياء تحت الملاحظة. هو أطلق على هذا اسم "ديالكتيكية الوعي". اما الجزء الثاني من كتابه يعالج القضايا المحددة التي تبرز عندما يتم تمييز الاشياء قيد الملاحظة ذاتها كفرد آخر. يسمي هيجل هذا "ديالكتيكية الوعي الذاتي". الناس ليسوا فقط وعي وانما هم ايضا وعي ذاتي، وحسب رؤية هيجل فان وعينا الذاتي مرتبط بوعينا بالآخرين. علماء النفس المعاصرين سمّوا وعينا بالآخرين "نظرية الذهن"والتي يقصدون بها القدرة على التمييز بان الناس الاخرين لهم عقول، وبهذا هم يضعون استنتاجات تتعلق بما يفكر به الآخرون. ولكن بالنسبة لهيجل فان الوعي بان ذاتي انا ايضا شيء للتفكير في هذا الآخر الذي سيضع افتراضاته الخاصة حول افكاري، يُنتج تاثيرا يشبه مرآتين تواجهان بعضهما، كل واحدة تعكس الآخر في سيل من الصور المتكررة الى ما لانهاية. خاصية الانعكاس المتبادل لوعي الانسان الذاتي هذه شغلت التفكير العميق للعديد من المفكرين اللاحقين في الفلسفة القارية، مولّدين سلسلة من مختلف التفسيرات. هيجل ذاته اعتقد بان المواجهة بين الوعيين الاثنين تستلزم من المرء محاولة التغلب على الآخرين بدمج منظورهم ضمن منظوره. وحتى عندما يفشل هذا فان المحاولة ذاتها ستعدّل طبيعة الوعي الاول. وهكذا تبدأ السلسلة من مختلف اشكال الوعي التي تشكل تفسير هيجل عن الحياة الانسانية والتاريخ. هذه العملية يمكنها ان تبدأ فقط بوعي واحد يعترف بوجود الآخرين.

هناك رؤية مقابلة اتخذها جين بول سارترفي الوجود والعدم (1943). هنا يصف سارتر ظروفنا بالوجودات التي هي مُلاحظ (لأنفسنا) وايضا شيء تحت الملاحظة (بالنسبة للاخرين) . لكننا يستحيل ان نعي هذين المظهرين في وقت واحد. وعليه، فان وعينا يتأرجح بين هذين القطبين، لا يستطيع ابدا فهم الموقفين بوقت واحد. من هذا الموقف تبرز تلك المآزق للتفاعل الانساني التي يصفها سارتر بجدارة في هذا الكتاب. يختلف سارتر عن هيجل في ان هذا التأرجح لا يقدّم اي سلسلة ممكنة للمراحل التقدمية، وبهذا لا وجود لتطور تاريخي للوعي كما في الاسلوب الهيجلي.

ان فكرة هيجل عن التطور الديالكتيكي لن يكون لها تأثير في الذات والموضوع السارتري. هذا هو السبب الأصلي في الصعوبة التي واجهها سارتر بدمج التاريخ ضمن مشروعه الفكري مما قاد الى فشله في محاولة التوفيق بين فلسفته والفلسفة الماركسية.

اتجاه آخر لنفس هذه القضايا يمكن العثور عليه في اعمال الفلاسفة القاريين امثال الكسندر كوجيف و مارتن بوبر و عمانوئيل ليفان و ميخائيل فوكلت وآخرين. الموضوع اثبت انه حقل خصب للتحقيق، يُنتج تأملات عميقة حول الخصائص الاساسية للتفاعل الانساني.

لاكان والمحللون النفسانيون

من بين العديد من المفكرين الفرنسيين الذين ساهموا بتطوير هذا النقاش هو المحلل النفساني المثير للجدل جاك لاكان(1901-1981). لاكان انكر مرارا كونه فيلسوف، لكنه في مقابلة مع احدى المجلات اشار"احيانا يحدث شيء ما في الفلسفة الحديثة يخلق ارتباطا مميزا مع حقول اخرى. فمثلا في التحليل النفسي اننا فقط عبر قراءة التحليل النفسي من خلال المثالية الالمانية نستطيع الوصول الى ما بلغته ثورة التحليل النفسي". من المثالية الالمانية فقط – وخاصة التفكير الهيجلي – برزت مختلف النظريات الحديثة للآخر.

ابتكار لاكان كان إعادة تفسير نظريات اللاوعي وفق ديالكتيكية الذات والآخر بدلا من البواعث البايولوجية التي اقترحها فرويد. في نظرية الآخر، ساهم لاكان ايضا في التمييز بين الآخر الكبير(المشار اليه بـ A) والآخر الصغير (المشار اليه بـ a). في العمل المبكر للاكان تشير (a) الى فرد آخر اعتُبر قرين لنا، ومرآة لأنفسنا، شريك متساوي في الحوار، بينما (A ) الاخر الكبير او "المطلق الاخر" يحوّل مفهوم الآخرية الى وجود منفصل خالقا "الآخرية في ذاتها". هذا التحويل في الفكرة يعترف بقدرتنا على فصل مفهوم الآخر عن اي فرد معين وحتى عن اي وجود مادي مثل الانهار او الاشجار او الصخور. لاكان يعتقد كذلك اننا بواسطة هذا التجريد لمفهوم الآخرية نستطيع توليد مفهوم عن الله. عندما يصرح لاكان "من المستحيل عدم الايمان بالله"، هو يشير الى التوليد الحتمي لبعض التجلّي للآخر في بناء اذهاننا. وبنفس الطريقة، تاريخيا، جرى استبدال الاديان القديمة وايمانها بالعديد من الارواح بالاديان التوحيدية "الآخرية في ذاتها" التي تتجاوز اي شيء نواجهه في العالم. محاولات جلب هذا الاله الى الارض مرة اخرى تميل لتكون كارثية، تعطي لفرد معين مكانة مطلقة بدلا من الله كما يحدث مع الدكتاتوريين.

لكن الآخر ربما ايضا يتشخص بالمجتمع ذاته بكل قواعده وافتراضاته وقوانينه التي نُخضع لها انفسنا. والخيار الآخر بالنسبة للاكان هو ان نفهم الآخر كمصدر للّغة نستمد منه كلامنا. عندما اتحدث مع قرين آخر (a صغير)، فان الكلمات والنحو الذي نستعمله لا تعود الى اي منا . نحن نستعير ونستعمل اللغة من مصدر خارج انفسنا – الآخر الكبير. من هنا هو يشتق حقيقة انني لا استطيع ابدا السيطرة كليا على المعاني المنقولة بواسطة كلماتي – ما أقوله سوف يمتلك دائما النزعة لتجاوز النوايا التي لدي في الكلام. وفق نظرية لاكان، هذا التجاوز هو اللاوعي. لذا فان اللاوعي ينتج عن استعمالنا للّغة، ينتج عن الحقيقة الاساسية باننا كائنات تتحدث. سواء قبل المرء المفهوم اللاكاني للّاوعي "خطاب الآخر"، او المفهوم الفرويدي كمكان للذهن مكبوحا عن الوعي، فان المرء ملتزم بالاعتراف ان الذهن الانساني ليس شفافا لذاته، ولا يمكن كشفه كليا بأي مقدار من اختبار المشاعر والآراء . هذه الفكرة جرى الأخذ بها من جانب الفلاسفة التحليليين الذين بالنسبة لهم يميل الوعي ليكون وعيا ذاتيا واضح كليا. وسواء قبلنا ام لم نقبل بافتراضاتهم، فان وجود هذه النظريات للتحليل النفسي تُظهر ان هذا الافتراض بالوضوح التام للوعي الذاتي هو مشكوك فيه ويتطلب تبريرا. في الحقيقة، اذا كان الفلاسفة التحليليون اكثر وعيا بالوسائل الاخرى للتفكير فهم سيصبحون واعين بالطبيعة المثيرة للجدل للعديد من افتراضاتهم الاساسية غير المؤكدة. ان الانقسام بين الفلسفة القارية والتحليلية في الفلسفة الغربية لا يفيد اي طرف، لكنه لا يعطي اي اشارة عن امكانية ردم الهوة بينهما في المستقبل القريب. النظر في مفهوم الآخر يساعدنا في إلقاء الضوء على طبيعة هذا الانقسام.

The concept of the other from Kant to Lacan,Philosophy Now Aug/Sep 2018

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) الفلسفة القارية continental philosophy، هي الفلسفة الاكثر شيوعا في دول اوربا الغربية غير الناطقة بالانجليزية كآلمانيا وفرنسا. الآباء المؤسسون لهذه التقاليد الفلسفية هم هيجل ونيتشة وهايدجر، والاهتمام الرئيسي لهذه الفلسفة هو الممارسة والتركيز على فهم "الظروف الانسانية". الفلاسفة القاريون يرفضون فكرة ان العلوم الطبيعية هي الطريقة الوحيدة لفهم الظاهرة وانما يعتبرون العلم يعتمد على "خبرة نظرية قبلية"، وان الطريقة العلمية ليست كافية للفهم. اما الفلسفة التحليلية Analytic philosophy والتي تسود في دول تتحدث الانجليزية كبريطانيا وامريكا هي مجموعة من التقاليد الفلسفية اسسها الآباء Freg, Russell, Wittgenstein, Moor، ومصادرهم الاساسية هي المنطق والعلوم والرياضيات. اهتمامهم ينصب على ما هو موجود وكيفية معرفته .

 

عدنان عويدفي المفهوم: نقول هنا: إن الحرية في سياقها العام، مفهوم إشكالي يرتبط بالقيم الأخلاقية فكراً وسلوكاً قبل أي شيء آخر. وهي من حيث المضمون، تمثل أسلوب حياة يمارس لتحقيق سعادة الإنسان وعدالته وامانه واستقراه وكرامته، وكل ما يعبر عن الجوهر الإيجابي لإنسانيته. أما من حيث الشكل، فهي وعي الإنسان (الفرد والمجتمع)، لحاجاته الإنسانية المشروعة، الروحية منها والمادية، ومسؤوليته، في العمل على تحقيق هذه الحاجات دون إكراه أو إلزام للآخرين.

إذا كانت الحرية في المضمون واضحة في معطياتها ودلالاتها، فهي في الشكل بحاجة للتوضيح أكثر كونها تقع في مجال الوعي والممارسة والمسؤولية. وإذا كانت الحرية في الشكل هي وعي وممارسة لتأمين الحاجات الإنسانية، أي، هي (وعي الضرورة)، فهذا يعني أن الحرية في هذا المعنى قد فُتحت على المطلق في دلالاتها. أي هي الحرية في معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. أو بتعبير آخر، هي السعي لكشف وتجاوز كل ما يعيق أو يمنع الإنسان الذي هو مركب حاجات في نهاية المطاف، من تحقيق إنسانيته بشكل دائم أو مستمر .

مقومات الحرية وشروط ممارستها:

أولاً- الوعي بمفهوم الحرية. أي (المعرفة) بشقيها، النظري والعملي معاً.

فعلى المستوى النظري: لا بد لطالب الحرية أو ممارسها أن يدرك أهمية معرفة الحرية ودلالاتها. ففاقد الشيء لا يعطيه. فكيف يستطيع الإنسان أن يطالب بقضية أو يريد ممارستها دون أن يعرف معناها ودلالاتها والنتائج المترتبة عليها. وأقف هنا عند دلالات الآية القرآنية الكريمة التالية وهي أول آية نزلت: (إقرأ بإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.). إن من يتمعن فكرياً في دلالات هذه الآية الكريمة، يجد أن الله قد دعا الرسول إلى معرفة الدين الذي سيقوم بالدعوة له قبل إعلان دعوته، أي أن يتحرر من جهل الحرف وكل ما يترتب عليه من أجل معرفة الرسالة التي سيحملها وينشرها بين الناس أولاً، ثم معرفة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحيطة به ثانياً. لذلك أمره الله أن يقرأ ويتعلم بالقلم ما لم يعلم، والمعرفة هنا تكتسب اكتسابا، بل تغتصب بجهد الإنسان ولا تأتي من فراغ أو منة من أحد. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن الشق الثاني في الحرية وهو:

المستوى العملي: إذا كانت المعرفة النظرية هي الوجه الأول للحرية، فإن الممارسة هي الوجه الآخر لها، وبها تكتمل مسألة اكتساب أو تحقيق الحرية. فالممارسة تبين لنا جوانب صحة رؤانا ومعارفنا والسعي لإغناء هذه المعارف والممارسة معاً، وكذالك اكتشاف أخطاء وعيوب هذه الرؤى والمعارف والممارسة والعمل على تلافيها. ففي الممارسة تسير المعرفة نحو التقدم دائماً، لتدخل في كل مسامات حياة الإنسان .. تدخل إلى مهاراته وبنيته النفسية وحتى اللاشعورية، حيث يصل إلى معرفة أن اللاشعور هو مكتسب وليس مجر تخيلات تفرخ بشكل مجرد.

ثانياً- المسؤولية تجاه ما نسعى لمعرفته وممارسته. وهي مسؤولية مشتركة ومركبة معاً. مسؤولية الفرد تجاه ذاته واتجاه المجتمع والطبيعة التي يعيش عليها، ومسؤولية المجتمع اتجاه ذاته واتجاه الفرد والطبيعة أيضاً. وهدف هذه المسؤولية هو ضبط ممارسة الحرية بما يخدم إنسانية الإنسان ونموه ورقيه الدائمين. وإذا كانت مسؤولية الفرد مرتبطة به هو ذاته، أي مرتبطة بدرجة وعيه وقيمه الأخلاقية الحميدة، وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخرين. فإن مسؤولية المجتمع هنا مرتبطة بمؤسساته الرسمية والمدنية أيضاً، وبالتالي فإن ممارسة المسؤولية تقع هنا على كافة هذه المؤسسات ممثل بحواملها الاجتماعية.

ثالثاً – نسبية الحرية: كل شيء في هذه الحياة نسبي، وكذلك الحرية، والحرية غير المشروطة بإنسانية الإنسان تتحول إلى فوضى. لذلك لا بد للحرية من قوة تحميها وتصونها وتضبط حركة سيرها وصيرورتها في المسار الصحيح، وهنا يأتي دور المسؤولية بشقيها في ضبط هذه المسيرة، ممثلة بوعي الفرد وثقافته وتربيته من جهة، ثم مسؤولية المجتمع بمؤسساته، وقوانينه وأعرافه وتقاليده وغير ذلك من جهة ثانية.

مدارس وتيارات الحرية:

المدرسة الليبرالية: وتقسم إلى مدرستين هما:

اولاً: المدرسة الليبرالية الكلاسيكية: فيوجد فيها تياران فكريان تنافسا على استخدام مفهوم الحرية بالذات والقضايا المتعلقة بهذا المفهوم. وتقسم بدورها إلى تيارين هما

التيار الأول: ويعتقد دعاته أن الحرية الوحيدة التي تكتسب المشروعية هي التي تدعو إلى امتلاك القدرة على التحرر من الإكراه والجبر الذي يفرض على الفرد والمجتمع، وبالتالي فإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومحاولة التخطيط له، يشكل قوة جبرية تحد من حرية الأفراد الاقتصادية، لذلك هم يرفضون تدخل الدولة في هذا الاتجاه، كما أنهم يعارضون ما يسمى دولة الرفاه. وهي الدولة التي تدعوا إلى التصالح الطبقي أكثر من دعوتها إلى حل مسألة الصراع الطبقي حلاً ثورياً.

التيار الثاني: وهو تيار يدعو إلى توسيع مجال الحريات الاجتماعية، ويؤكد على ضرورة أن تأخذ الدولة أي دور فاعل وقادر على النهوض بحرية المواطنين، كما يعتقد دعاته أيضاً بأن الحرية الحقيقية يمكن أن توجد فقط عندما يكون المواطنون في حالات ازدهار اقتصادي وثقافي ومتحررين فعلاً من فقرهم المدقع، هذا إضافة إلى تأكيده على تحقيق حقوق المواطنين في الصحة والتعليم والأجر المناسب للعامل. كما أن دعاته يفضلون سن القوانين التي تواجه التمايز في المسكن والعمل، وتلوث البيئة والمساعدة على تحقيق الرفاه الاجتماعي، والحد من البطالة وتقديم الإعانات والمنافع المادية للمشردين والمنكوبين من الكوارث البيئية.

إن هذه المدرسة جاءت في الحقيقة متزامنة مع قيام الثورة الصناعي في أوربا من جهة، وما أفرزته هذه الثورة من معاناة إنسانية للشعب عموماً، والطبقة العاملة على وجه الخصوص من جهة ثانية، هذه المعاناة التي كانت وراء أفكا روسو، ومونتسكيو، وفولتير، وهيوم وغيرهم ممن نظروا للحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون، وغير ذلك من الشعارات التي أسست للثورة الفرنسية فيما بعد. هذا إضافة لمعاصرة هذا التيار المد الاشتراكي وقيام المنظومة الاشتراكية، لذلك كانت شعاراته ومطالبه تميل كثيراً إلى العدالة الإنسانية، بغية الحفاظ على استقرار المجتمع الرأسمالي وتجنبه السير في ثورات شعبية سياسية ممكن أن تقضي على النظام برمته في أوربا.

ثانياً: المدرسة الليبرالية الجديدة: وهي المدرسة التي بدأت إرهاصاتها الأولية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم راحت تتعمق في طرحها وتكشف عن نوايا وطموحات دعاتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

أما أهم أطروحاتها فهي، العمل على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، بالتالي لابد من التمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يساهم في تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم لتواصل والتفكيك والتذرير المجتمعي والدولي وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول.هذا وقد روج لأفكار هذه المدرسة العبثية أو ما سمي في الفكر الفلسفي والأدبي والفني بـ (ما بعد الحداثة)، العديد من الفلاسفة والأدباء والفانيين. ففي الفلسفة كان سارتر في وجوديته، وروجيه غارودي ودعوته إلى التفتيتية في كتابه (نداء إلى الأحياء)، وهناك ميشال فوكو وجاك ديدرا وهبرماس وبشلار. وفي الفن كان السلفادور دالي في (الدادية) ممثلة في السريالية، كما كانت هناك المدرسة التكعيبية، وفي علم الاجتماع، كانت المدرسة الوضعية والبنيوية والدارونية الاجتماعية والفرويدية والنيو فوريدية... وغير ذلك الكثير من المدارس، بحيث لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الفكرية والأدبية والفنية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها أو ممثليها.

إن كل ما طرحه دعاة هذه المدرسة أو التيار الليبرالي الجديد، راح يشير في الحقيقة إلى الموت والعدم والعبثية. فنهاية التاريخ لفوكو ياما كانت المشروع الفكر ي والسياسي لتأبيد النظام الرأسمالية في صيغتها الاحتكارية، وهي المرحلة التاريخية التي حملت حقيقة في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية، والعدمية، وعودة الميتافيزيقيا، والتفكيكية، والتشتت واللااستمرارية، والتذرير الاجتماعي والقومي.

الحرية في التراث العربي الإسلامي

لقد ساد سجال وصراع عميقان في التراث العربي الإسلامي، ولم يزالا قائمين حتى عصرنا الحاضر بين كل من نادى بالأمس ولا زال ينادي اليوم بالجبرية أو القدرية، علماً أن مرجعية كلاهما هي القرآن الكريم. فالجبرية أخذوا بالآيات التي تقول بأن الإنسان مسير وليس مخيراً، كقوله تعالى: (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله). فالخير والشر كلاهما مقدر من عند الله، وما على الإنسان إلا الرضا والتسليم بقدره أو ما كتب له في لوح محفوظ. أما القدرية، وهم من قال بحرية الإرادة الإنسانية، وقد اعتمدوا في رأيهم على الآيات القرآنية أيضاً التي تقول بأن الإنسان مخير في أمره من عند الله كما تقول الآية الكريمة التالية على سبيل المثال لا الحصر: (وهديناه النجدين)، أي إن الله قد خير الإنسان في فعل الخير أو اشر بإرادته، وليس جبرياً .

إن هذين الموقفين بالنسبة لمسألة الحرية في تراثنا ومعاصرتنا معاً توقف عليهما الكثير من الإشكالات النظرية والعملية. فإذا كانت الإشكالات النظرية والمعرفية للفكر القدري المنادي بحرية الإرادة قد بدأت إرهاصاتها الأولية تطرح نفسها بعد وفاة الرسول الكريم، وهذا ما يشير إليه ذاك التساؤل الذي راح يٌطرح على الخليفة علي بن أبي طالب، وهو أول من قال بحرية الإرادة قبل أن يقول بها المعتزلة، كما يقول أبن أبي حديد في نهج البلاغة –(نقلا عن تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن- ج1- ص73). عندما سأله أحد المقاتلين معه في صفين قائلاً: (أكان ألْمَسِيرُ بقضاء الله وقدره؟. فكان رد علي عليه: لعلك تظن قضاءً واجباً، وقدراً حتماً!. ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من لله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن.. وهذا رأي إخوان الشياطين وعبدة الأوثان وشهود الزور وخصماء الرحمن وأهل العماء عن الصواب في الأمور ...إن الله أمر تخيراً، وانهي تحذيراً، ولم يكلف جبرا، ولا بعث الأنبياء عبثاً...). إلا أن هذا الفكر أو التيار القدري راح فيما بعد يتبلور أكثر فأكثر في الحياة الفكري والسياسية للدولة العربية الإسلامية مع غيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، ومعبد الجهني، والمعتزلة، إلى مدرسة فكرية تواجه الحكم الأموي الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض. ومع الخلفاء العباسيين (الأمين والمأمون والمعتصم والواثق) تحول الموقف القدري إلى موقف سياسي تتبناه الدولة ذاتها، ليأخذ بالانحدار فيما بعد شيئاً فشيئاً مع الخليفة العباسي (المتوكل)، الذي أصدر فرمانا أنهى فيه دور الاشتغال بالعقل والتوجه نحو النقل، حيث تحول إلى موقف فكري وسياسي معاً تبناه الحنابلة والأشاعرة والماتريدية وما سمي بأهل الحديث.

أما في عصرنا الحاضر فقد تجسد الفكر القدري لدى كل الكتاب والمفكرين والتنظيمات السياسية والثقافية الليبرالية واليسارية التي تتبنى الفكر العقلاني والعلماني رؤية ومنهجاً في حياتها العملية والفكرية.

إذا كنا قد قدمنا في هذه العجالة مسيرة الفكر القدري في سياقه التاريخي، فسنشير أيضاً بالعجالة ذاتها إلى مسيرة الفكر الجبري، لنقول: إن بداياته النظرية والسياسة معاً كانت بعد وصول البيت الأموي إلى الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض، حيث اعتبر دعاة هذا الفكر أن ما يقوم به الأمويون هو أمر مفروض ومقرر من قبل الله، وما على الرعية إلا الخضوع لإرادة الله. وإن أول شخصية فكرية عبرت عن هذا الموقف الجبري المساند للبيت الأموي هو (جهم بن صفوان)، ثم راح يؤصل هذا الفكر نظرياً كفكر جبري يقف ضد إرادة الإنسان وحريته الفكرية منطلقاً في رؤيته هذه ومؤسساً لها من النص القرآني ذاته أولاً، ومن التأصيل الفقهي الشافعي وكل امتداداته الفقهية السنية ثانياً. ولكن مع وصول (المتوكل – بداية العصر العباسي الثاني) إلى الخلافة، وإصداره الفرمان الذي أنهى به العمل بالعقل كما أشرنا قبل قليل، والفسح بالمجال واسعاً أمام الحنابلة بقيادة ابن حنبل أن يمارسوا دورهم في تجذير الفكر السلفي الجبري الإمتثالي، حيث راحت تشكل محاكم تفتيش بكل معنى الكلمة لكل من يقول بالرأي أو يخالف أهل الجماعة. ومع مجئ أبو حسن الأشعري، تمت عملية التأصيل الكلامي للفكر السلفي لأهل الحديث، ومع أبي حامد الغزالي صُبغ هذا الفكر بنزعته الصوفية وخاصة عند الاشاعرة. أما الحديث الذي اعتمده أهل الحديث أو ما سمي بأهل الجماعة فقد وضعت كتبه الستة منذ الفترة الزمنية التي بدأ فيها الحنابلة يسيطرون سياسياً على الدولة بعد أن أعطوا ذاك المد اللامحدود من قبل المتوكل. فما بين أعوام ( 256هـ حتى 303هـ)، وضع كل من البخاري، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، كتب الحديث المعروفة لدى أهل الجماعة أو أهل الحديث.

إن أخطر ما مثله هذا الفكر في عصرنا الحديث هو ظهور الحركة الوهابية كحركة فكرية وسياسية قام بها محمد بن عبد الوهاب الذي اتكأ فكرياً على الفكر الحنبلي، وفكر طلاب مدرسته مثل ابن تيمية وابن قيم الجوزية. وهي المدرسة التي تمارس اليوم قهرها وجهلها واستبدادها على حياتنا ومستقبلنا، يساندها في همجيتها هذه كل القوى السلفية التكفيرية المدعومة مادياً وسياسياً من القوى الحاكمة الاستبدادية في عالمنا العربي.

 

د.عدنان عويَد - كاتب وباحث من سورية