علي المرهجيُشكل الفرد مقولة أساسية في الفلسفة الوجودية، فالفرد في الفلسفة الوجودية مسؤول عن نفسه وأفعاله والتحكم بجسده ووجوده في العالم، لكن يبقى هذا الوجود الفردي مُرتبطاً بالوجود داخل الجماعة والوجود معهم والوجود في العالم بوصفه تشكيل وتنويع لموجودات لك أن تصفهن بأنهن آخر، فالوجود العيني هو "وجود مع الآخرين"، بمعنى آخر: إن الجماعة تُمثل عُنصراً جوهرياً وأصيلاً في تكوين الموجود البشري. فرغم أن لكل شخص حريته في بناء تصور خاص وممارسة أخص له إلَا أن فكرة العالم، أي وجود الفرد في عالم (وجود جماعي) = (وجود الأشياء) و (وجود الآخرين) تقتضي بالضرورة "اعتراف" "الأنا" بأهمية الوجود مع "الآخر" في عالم مُشترك، لأن الوجود الفردي لا معنى لـ "الاعتراف" بفردانيته إن لم يكن هُناك "آخر" يتحسسه ويُشعره بقيمته كذات لها وجود.

من مظاهر وجود "الآخر" الأصيل هو حياتنا الجنسية، وتماسنا الجسدي "الإيروتيكي" مع "الآخر"، فاللحظة (الايروتيكية) هي وجود مع آخر، وفناء، أو عدم، فأن توجد مع آخر تشعر به أنه كلك ويُبادلك الشعور ذاته، فيشعر بك بأنك كله، فتلك لحظة تجلي للاحساس بالوجود الفرداني، ولا ينتفي عنها صفة أنها (فناء) للذاتت بمعنى "الوجد" حينما يكون "الوجدان" هو اللغة الأمثل لمعرفة "الوجود".

ومن مظاهر الشعور بالوجود هي "اللغة" بوصفها وسيلة التعبير عن "الأنا" بنزوعها الفرداني أو بتواصلها مع "الآخر" للإعلان عن وجودها المُتفرد الذي لا معنى له من دون وجود "آخر" يعترف" بقيمة هذا النزوع "الكينوني" أو "الوجودي"، وهذا من معاني جملة "هيدغر" (الوجود ـ مع ـ الآخرين) لأن الذات لا تشعر بوجودها بمعزل عن الآخرين، وكل شعور فردي يُمكن أن يُوهمنا بأننا موجودون وحدنا دون الآخرين، إنما هو نوع آخر من الشعور بالوجود لا يُغادر منطقة الشعور الجماعي، كما يؤكد "هيدغر" لأن "الوجود من دون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين"، "وحين يُدرك الإنسان أنه لا يعمل بذاته ولذاته فحسب، بل هو يعمل بغيره ولغيره أيضاً، فهُناك قد يصبح في استطاعته أن يفهم بأنه "يملك" الوجود"، ولكن لا يعني هذا أن "الوجود ـ مع ـ الآخرين" تنازل الفرد عن وجوده الخاص، فالذات الحُرة هي التي لا تخضع للوجود العيني "الزائف، وهي التي تأخذ على عاتقها تحقيق وجودها الفرداني المُفارق للوجود الجمعي المُبتذل الذي يتماهى بعض الأفراد معه فيكونوا كالقطيع لا يعون أهمية وجودهم كذات فاعلة في الوجود الجمعي، وكل ذات تعي كينونتها وتحملها المسؤولية عن أفعالها إنما هي ذات تعي قيمة "وجودها الأصيل"، فـ "كل فرد هو بذاته عالم، له قُدس أقداسه الذي لا يُمكن أن تنفذ له يد أجنبية".

يقول "سارتر" في كتابه (الوجودية مذهب إنساني): "الإنسان يختار نفسه باختياره لجميع الناس". لأن في اختياري دعوة للآخرين االمُعجبين بي وبأفعالي وآرائي للتمثل بيَ، وتلك مسؤولية مُلقاة عليَ، "وهكذا فإني مسؤول أمام نفسي وأمام الجميع. وأنا لا أقوم إلَا بخلق صورة للإنسن الذي أختاره".

لكل من "الإرادة" و"العاطفة" و"التألم" و"القلق التوتر" أو "الكآبة" وتبادل الأدوار مع "السرور" ساعة "الاختيار" الذي لا معنى له من دون شعورنا بـ "المسؤولية" وارتباط هذه التكوينات وتداخلها مع مقولة "الحُرية" وهي المقولة التي تُبنى عليها مقولة الوجودية الأساس "الوجود يسبق الماهية" إنما يتم الكشف عنها في مقولة ثالثة ألا وهي "العدم".

في الوجودية "عدم" أو "افناء" للروح في حال نزوع البعض لافناء الجسد أو المادة، "فكل محاولة تهوين للمادة هي تهوين للروح في الوقت نفسه" كما يرى سارتر، إذ لا روح بدون جسد.

إذا كان الإنسان فَلاح، فهو موجود لأجل ذاته، بعبارة سارتر، وهي طريقة الوعي بالذات لا بالعالم أو بالوجود، وهي أصل الشعور بالوجود المُتعين كذات لتحقيق الفرادنية، ولكن بناء وعي الذات يقتضي التفكير، والتفكير لا يكون محدوداً بالذات وحدها، ولو كان كذلك لبقيَ مجرد وعي، ولكن "وعي التفكير" هو كمادة "الوعي بالوجود" وجود الذات ووجود الآخر سواء أكان هذا الآخر فرد مغاير يعي ذاته، أو موجود من الموجودات في هذا العالم، فمن دون الآخر أنا أعي ذاتي كما أنا، ولكن تجسيد الوعي بوصفه فكر لا يتحقق من دون هذا الآخر، سواء بقبوله أو برفضه، ولكنه يبقى وجوداً آخر ـ ربما ـ أعي تفردي بوجوده، أو أعي أنني كائن لي وجود تحكمه "نظرة" الآخر.، فـ "أنا أرى نفسي لأن شخصاً يراني"، لذا فمقولة سارتر "الآخر هو الجحيم" فُهمت خطأ على أنه يرفض الآخر، بل هو يعترف بوجوده، وإن شعر بأن في وجود هذا الآخر تهديد أو تقزيم لوجود الذات بتفردها، وإلَا فماذا تقول عن مقولة الإرادة أو الاختيار عنده، لأن في الاختيار تفضيل لمعنى "واقصاء" لمعاني أخرى، وسيتخذه الآخر أنوذجاً للرفض أو القبول، لذا ـ أظن ـ أن مقولة الاختيار ستفقد أهميتها في حال تغيب الآخر، ورفض مقبولية وجوده.

 

ا. د.علي المرهج

...................

مراجع المقال:

ـ جون ماكوري: الوجودية، تر: إمام عبدالفتاح إمام، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد (58)، ص147ـ 179.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحرية، مكتبة مصر، بلا، ص165ـ 197.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحياة، مكتبة مصر، بلا، ص193ـ 195.

ـ كتاب "معنى الوجودية"، بلا مؤلف، منشورات مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، ط1، 1964.

ـ سارتر: الوجودية مذهب إنساني، تقديم: كمال الحاج، منشورات دار ومكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، بلا تاريخ.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (9)

إن مفهوم العصبية عند ابن خلدون هو المفتاح المنهجي لفهم أسباب وآلية ومقدمات ظهور الدولة والتطور الحضاري، أي مفتاح فهم التاريخ الفعلي. فمن حيث أصله اللغوي وثيق الارتباط بالعصب والأعصاب. ومنه العصبة والعصابة. إننا نعثر فيه على الجذر الطبيعي الفاعل في الحركة والإرادة. كما انه مصدر الألم والفرح، ومفتاح الحياة العملية والذهنية. وبدونه يجف وييبس كل ما في الإنسان، جسده وروحه وعقله. الأمر الذي يشير إلى الدفة العميقة بل المذهلة التي بحث فيها ومن خلالها ابن خلدون عن الصعب الذي تتحرك له كافة جوارح الإنسان والجماعة (القبيلة والإثنية الأولى) وعقلة وروحه من أجل بلوغ المرام. وبالتالي يمكننا رؤية العلاقة الخفية والمرنة لوحدة الوجود الطبيعي والماوراطبيعي في مفهوم العصبية وقيمته المنهجية العميقة بهذا الصدد.

فالعصبية هي التعبير النفسي والعملي عن الوجود الطبيعي (البيولوجي) للإنسان والجماعة، وحالما تبلغ مرامها في السلطة والدولة، فإنها تضمحل وتتلاشى في بنية وأنساق الإبداع الثقافي والحضارة، أي أنها تتحول إلى ميدان الماوراطبيعي. وبهذا المعنى، فإن العصبية هي القاعدة المادية والاجتماعية الأساسية لقوة الروح الجماعي والأخلاقي والمعنوي للأتباع. من هنا توكيد ابن خلدون على أن الذين يفقدون عصبيتهم عادة ما يكونوا سريع الانقياد والخضوع[1]. بمعنى إنها طبيعية ومكتسبة. إنها ليست شيئا ما أو حالة معطاة منذ البداية. وبالتالي فهي صيرورة. كما يمكن صنعها من جديد. وقدم ابن خلدون مثالا تأويليا بهذا الصدد استند فيه إلى القصة القرآنية للتيه اليهودي بقيادة موسى. إذ نشأ فيه جيل لا يعرف القهر والمذلة، فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى[2]. بينما تتحول العصبية في مجرى صيرورة الدولة إلى مؤسسة قائمة بذاتها يربطها ابن خلدون بالجيش والعسكر. من هنا قوله، بأن "الشوكة والعصبية هي الجند"[3]. وبالتالي، فإن العصبية صيرورة وكينونة وليست كيانا معطى منذ البدء ومرة واحدة وإلى الأبد.

ويربط ابن خلدون أصل العصبية وظهورها بأسلوب العيش البدوي. انها تظهر بوصفها المناعة الداخلية ضد العدوان الخارجي. وبالتالي تستلزم الخضوع الطوعي أو ما يعادل الطاعة القبلية. كما أنها بالضد من الفردية وذلك بسبب كونها مبنية على النسب الواحد[4]. وكتب في معرض حديثه حول ارتباط العصبية بالنسب والأرحام بأن "العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه".

إن النسب بالنسبة لابن خلدون، لا يعني مجرد الاسم الخارجي. إذ "النسب أمر وهمي لا حقيقة له، إنما نفعه هو في الوصلة والالتحام"[5]. وبالتالي، فإن العصبية التي هي ثمرة الانساب كما يقول ابن خلدون، إنما وجودها مرتبط بالوجود القبلي، الذي يحدده مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي. وهو الطور الأدنى في التطور. فالقبيلة، وبالأخص في بدويتها تحافظ على "الصريح من النسب". غير أن هذا الصريح من النسب وهمي في مرحلة تهشم الأسس القبلية، إي في مرحلة بلوغ المدنية حالة الحضارة. فالحضارة التي تظهر بأثر التطور القبلي تؤدي بالضرورة إلى اندثار القبلية والعصبية[6].

ذلك يعني، إن القاعدة المادية للعصبية مرتبطة بنمط بالبداوة بوصفها حالة اجتماعية وثقافية تاريخية محددة.. وهو ما اكد عليه ابن خلدون عندما تكلم عن استحالة تصور العصبية دون أنساب، وأن كثرة الانساب بالنسبة لها ضرورية[7]. غير أن فائدة النسب تكون أوضح حالما تكون العصبية مرهوبة ومخشية[8]. أما امتدادها التاريخي فيعثر عليه ابن خلدون في ما اسماه بالحسب والشرف، بوصفهما مكونات أصيلة في أهل العصبية. وذلك لأن وجود ثمرة النسب وتفاوت البيوت في هذا الشرف مرتبط بتفاوت العصبية لأنه سرّها[9]. وبالتالي، فإن سرّ العصبية هو ثمرة النسب وتعدد الآباء[10]. وبالتالي، فإن نسبة الولاء التي يكمن فيها سرّ العصبية هي القائمة على البيت والشرف[11]. ذلك يعني، إن الشرف بالأصالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية[12]. ولا يفصل ابن خلدون العصبية عن النسب، لكنه يتتبع عملية فصلها التي تجري موضوعيا بمرور الزمن. ففي معرض حديثه عن زوال العصبية مجرى أربعة آباء، فإنه يتكلم عن الرابع، الذي يتوهم بأن النسب هو الذي يرفعه فيربأ بنفسه عن أهل العصبية[13]. والخلاصة هنا تقوم في إننا نقف أمام دورة تاريخية ومعنوية في صيرورة العصبية تبلغ أوجها في البنية الاجتماعية النفسية التي تجعلها قادرة على خلفية البداوة، بوصفها نمطا حياتيا في الإنتاج والعيش والقيم، إلى الخروج منه إلى ميدان الحرب وعبره إلى السياسية والاستحواذ على الملك ومن ثم بناء الدولة.

إن ارتباط العصبية بالبداوة بالنسبة لابن خلدون هو ارتباط عضوي. فعندما يقارن بين أحياء العرب، فإنه يرى في القبائل التي لم تصل إلى الملك (السلطة) كيف امسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيهم[14]. من هنا مقارنته بين عصبية الملك والعصبية البدائية قائلا، بأن الجمهور داخل المدينة مقهور بسلطان الحاكم، بينما تقيه الأسوار الخارجية من العدوان الاجنبي. في حين يكون دفاع البدو عن مشايخهم بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والإجلال[15].

تستمد العصبية، حسب اراء ابن خلدون، طاقتها الذاتية من النعرة. وهذه بدورها ليست معزولة عن النسب. حيث يؤكد أيضا على أن النسب والنعرة ليست امورا معطاة مرة واحدة وإلى الأبد، وأنهما عرضة للتغير والتبدل. انهما متحركان ومتغيران. إذ ليس النسب أو صلة الرحم سوى الجانب الذاتي في صيرورة العصبية. فالعصبية من وجهة نظر ابن خلدون مرتبطة في أولى مراحل تطورها بالنسب والنعرة. وان الرياسة الملازمة لها تستلزم في البداية نسبا صريحا يستمد اصالته من القبيلة. ذلك يعني وجود علاقة جوهرية بين الرياسة والقبيلة والعصبية، أي السلطة والبنية الاجتماعية والعصبية. لكنه يعتبر هذا الترابط جزء من صيرورة السلطة والدولة والحضارة. ومن ثم هي عملية مستمرة. وبالتالي قابلة للتغير في مختلف جوانبها، بما في ذلك من حيث أصولها وقاعدتها المادية الاجتماعية والمعنوية. لهذا نراه يورد بعض الأمثلة التي تؤكد على أهمية الانتماء القبلي الأصيل ودور القبيلة في إعلاء شأن الرياسة والخضوع لها بمعايير الفكرة المعنوية للنسب من جهة، لكنه من جهة أخرى يشير إلى ظاهرة الانتقال الفردي الجماعي من قبيلة إلى أخرى. وفيها تنعكس حالة التفتت النسبي للقبيلة والفكرة القبلية. وعوضا عنها تبرز وتزداد تأثيرا وفعالية مفاهيم وقيم الكرم، والمروءة، والدخيل، والحماية، إلى جانبها أو عوضا عن مفاهيم وقيم القرابة والدم.

مما سبق يمكن رؤية مساعي ابن خلدون لتحديد نماذج المنحى "الطبيعي" أو "البيولوجي" في الكشف عن سرّ العصبية. لكنه يربطها اساسا بمستوى محدد من العلاقات الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي. لكن التعقيد الأكبر والمتعلق بفهم المضمون الفعلي للعصبية عند ابن خلدون يقوم في كونه لا يكشف عن كيفية التأثير المتبادل بين العصبية والرياسة، وأسباب نشوء الأخيرة. إذ لا نعثر في ما كتبه عن منهج واضح بهذا الصدد، لكننا نعثر عنده على اشارات متفرقة مثل أن "الرياسة قد تأتي بأثر الشجاعة، أو الكرم (الثروة) أو السيف، أو العلم والدين[16]. وهي محددات معقولة ومستمدة من تأمل صيرورة الخلافة الكبرى ودولها الصغيرة اللاحقة. غير أن الفكرة العامة المنهجية بهذا الصدد تبقى ثابتة ألا وهي تقرير فكرة تلقائية الرياسة من القبيلة وارتباطها بالعصبية.

غير أن هذه العصبية حالما تستفحل وتنتصر فإنها تصبح القوة القادرة على الإمساك بالملك ومن ثم تتوفر لها إمكانية بناء الدولة. من هنا قوله، بأنه إذا حصل التغلب بفعل عصبية ما معينة، فإن ذلك يستلزم بالضرورة، انطلاقا من طبيعة العصبية نفسها، السير نحو السيطرة والغلبة على عصبيات القبائل والأماكن الأخرى. ذلك يعني، إن العصبية بطبيعتها قوة تسعى للسيطرة. إنها عامل محرّك للنزاع. وهي في الوقت نفسه قوة موِّحدة. وبالتالي، فإن العصبية قوة موِّحدة-مفرِّقة. بمعنى أنها تمتلك طاقتها الذاتية. ومن ثم، فإن غلبة الجانب الموِّحد أو المفرِّق، هو مجرد لحظة في التطور التاريخي للعصبية. فانتصار جانبها الموِّحد يعني ويعادل معنى التهام العصبيات الصغيرة الأخرى أو الأضعف. وهنا يكمن معنى التفرقة ولكن على أسس أخرى جديدة تعادل معنى القهر بوصفه القوة الضرورية والملازمة لظهور واستتباب الملك. وتؤدي هذه العملية بالضرورة إلى ظهور قوة الدولة. الأمر الذي يجعل من العصبية القوة المحركة لصيرورة الدولة.

مما سبق يتضح، بأن العصبية بالنسبة لابن خلدون ليست فقط عرضة للتغير والتبدل، وبل وللزوال أيضا، شأنها بذلك شأن القبيلة، أي شأن كل ما هو موجود. غير انه يشدد في الوقت نفسه على أن هذا الانحلال والزوال لا يجري دون أثر وبقايا ومعنى. فالتاريخ بالنسبة لابن خلدون ليس عشوائيا، كما انه ليس عقليا وعقلانيا بذاته. ولا يحتوي أيضا على عقل ذاتي خاص به (قارن بهيغل). إننا نعثر فيه على "قانون" أو "سنّة" تتحول أو تصبح فيها حالات الانحلال والاندثار عملية وظاهرة طبيعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العالم العنصري بما فيه كائن فاسد. وكذلك ما يعرض من الأحوال وخصوصا الإنسانية. فالعلوم تنشأ ثم تدرس، وكذا الصنائع وأمثالها. والحسب من العوارض التي تعرض للآدميين. فهو كائن فاسد لا محالة"[17].

ووضع هذه المقدمة العميقة عن العصبية في أساس تحديده لأثرها التاريخي في نشوء الدولة وقوتها ثم ضعفها وانحلالها وموتها. كما وضعها في أساس تحديده للمراحل "التاريخية" لاضمحلال العصبية من خلال دمجها فيما أسماه بمراحل الآباء الأربعة، أو فكرة الأجيال الأربعة، التي لا تتطابق بالنسبة لابن خلدون مع معناها الوجودي، بل مع المعنى الذي يتماشى أو يوازي ظاهرة صعود العصبية في مجرى صيرورة الملك والدولة واضمحلالها. وينطبق هذا في الوقت نفسه على الحضارة. فالحضارة بالنسبة له وثيقة الارتباط أو ترتبط بصورة عضوية بالدولة. ووضع هذا التسلسل للمراحل الاربع كما يلي:

المؤسس: ويعرف معاناة البناء؛

الابن: مقّصر كالسامع بالشيء عن المعاين؛

الثالث: تقصير المقلد عن المجتهد؛

الرابع: مقّصر عن الجميع... مهّدم. وسبب ذلك يكمن في انه "يتوهم بأن صلته بالنسب هي الأعمق، وليست العصبية".

إننا نقف هنا أمام صيغة تتوازى فيها حياة الإنسان ونمط الدولة القائم والسائد آنذاك. لكن الجوهري فيه ليس واقعيته بل مضمونه المنطقي والفلسفي التاريخي. وقد شدد ابن خلدون نفسه في استنتاجه وتعميمه للفكرة العامة عن مسار العصبية والملك والدولة بالشكل التالي: "اشتراط الأربعة في الأحساب إنما هو في الغالب. وإلا فقد يدثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى ويهدم. وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس. إلا انه في انحطاط وذهاب"[18]. ذلك يعني، إن الشيء الثابت والجوهري في هذا الحكم يقوم في اندثار العصبية والملك. وما عدا ذلك مجرد زمن قابل للتمدد أو التقلص، لكن تاريخ الظاهرة يقوم في كونها عرضة للزوال المحتوم. وبالتالي، فإن الدولة والحضارة هي كيان حي وكينونة تاريخية قابلة للانحلال والاضمحلال شأن كل ما هو موجود وحي.

وعندما يتكلم ابن خلدون عن حتمية زوال العصبية في وقت لاحق لهيمنتها وسيادتها وقوتها في تأسيس الملك، فإن الإشكالية النظرية المترتبة على ذلك تقوم في كيفية حله لها. فالعصبية ضرورية. أنها مقدمة التطور السياسي والاجتماعي، لكنها عرضة للزوال. وزوالها هو نفيها، ومن ثم هو البديل المتكرر، كما هو الحال بالنسبة للدولة والحضارة. فالدولة هي ذروة تجسيد العصبية ومن ثم فهي نفي لها. بمعنى إن العصبية تذوب في الدولة بوصفها رحيق الصيرورة التاريخية السياسية وجذرها الاجتماعي النفسي الأول. لهذا يتوصل في موقفه من الغاية التي تجري إليها العصبية إلى أن "العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر مجمع عليه"[19]. لكنه يجد في تلقائية تحولها إلى وسيلة نفي لها بفعل تحولها إلى ملك.

إن زوال العصبية واندثارها بهذا المعنى يعادل نفي المكونات الضرورية والتأسيسية لما اسماه ابن خلدون بالمجرى الطبيعي للانتقال من العمران البدوي إلى العمران الحضري. فهي المقدمة المادية والطبيعية والتاريخية لصيرورة المجتمع والسلطة والدولة والحضارة. من هنا أهمية ما يدعوه ابن خلدون بالوازع والحاكم، اللذان يستمدان وجودهما من الطبيعة الإنسانية للآدميين حال اجتماعهم. لكن هذه الصورة أو الصيغة التي يضعها ابن خلدون هي التعبير التاريخي عن الحالة الفعلية لهذه الصيرورة والطبيعة. فالطبيعة الإنسانية التي يتكلم عنها ابن خلدون لها خصوصيتها الجوهرية في منظومته الفكرية وتحليله النظري. فهو يؤكد على حتمية السيطرة التي يفرضها صعود احدى القبليات التي تؤدي بدورها إلى الملك[20]. ولا تحدث هذه العملية دفعة واحدة، بل هي نتاج سلسلة من تطور واضح وجلي في مراحله وهي الرياسة(السؤدد) والملك(السلطة). فالعصبية غايتها الملك. لكن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء الدولة. ووضع ابن خلدون هذا الاستنتاج كما يلي:"الملك غاية العصبية. وإنها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلة الملك أما بالاستبداد أو بالمظاهرة"، أي بالمعاونة والمناصرة[21]. ذلك يعني، إن العصبية ضرورية للملك لكنه ليس كل عصبية تؤدي إليه بالضرورة. فهناك جملة من العوائق التي تحول دون ذلك من بين أهمها، حسب ابن خلدون، عائقان هما كل من ترك منازعة الملك والتوجه صوب الحصول على الشرف والانغماس في النعيم، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف العصبية وانقراضها لاحقا. والثاني هو ما يتفرع عن ذلك من الاستعداد للذلة والانقياد للأمر. غير أن العصبية تبقى مع ذلك القوة الداخلية المحركة للتجمعات البشرية (القبائل). بمعنى إنها تساعد على بلورة قوى متمايزة داخل القبيلة، كما تفترض استمرار وتوسع التمايز المؤدي إلى صراع مع القوى(العصبيات) الأخرى. ومن ثم تكمن فيها ما يدعوه ابن خلدون بالقوة الجاذبة تجاه الغلبة والملك.

فالعصبية تنجذب نحو الملك انجذاب نشارة الحديد للمغناطيس. إنها تحيط به لتستكمل ابهتها وكامل "روحها" الجديد. والمقصود بذلك هيكلها السياسي الجديد ونمط حياتها، الذي يشكل نفيا لكل من البداوة والعصبية. فالاستقرار السياسي بأثر نشوء الدولة يؤدي بالضرورة إلى إزالة العصبية. وعوضا عنها تصبح السياسة القوة الحاكمة والتي يصبح فيها "الانقياد والتسليم للملوك الشيئ الراسخ في العقائد". بينما يصبح استمرار الدولة اختزالا ونفيا للعصبية ولكن بقوى خارجية. ويرتبط هذا الاستنتاج في فكر ابن خلدون بتحليله للحالة الفعلية والواقعية للدولة والعصبية و"القوى الخارجية" بالنسبة لصيرورة الدولة العربية(الخلافة). من هنا اشارته إلى دور "الموالي" من العجم والترك والديلم والسلاجقة وغيرهم. لكن الجوهري بالنسبة له يبقى مع ذلك هو أن انتفاء أو اضمحلال العصبية يؤدي بالضرورة إلى ظهور حالة المرتزقة[22].

وعندما حلل ابن خلدون هذا التغير في ميدان السياسة، والعقائد، ونمط الحياة، فإنه توصل إلى استنتاج محدد وهو إن نشوء الدولة واضمحلالها هي عملية طبيعية. وإن هذا الطابع الطبيعي، الذي يقارنه احيانا بظواهر الطبيعة والإنسان، لا يغير من محتواها وأشكال تمظهرها سواء كانت بيئة دولة دينية أو غير دينية. وحتى حالما نعثر على عبارة مثل "جمع القلوب وإلفتها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دولة دينية"[23]، فإنه يؤكد مسبقا على أن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب يحصل بالعصبية. فالدولة الدينية أو دور الدين فيها هو مجرد عامل إضافي مساعد. لكنه قد يكون حاسما في حالات أخرى. وحتى في حكمه هذا ينطلق من الواقع للحكم به عليه. فالدين حالما يكون حاسما هو مجرد فكرة وعقيدة متسامية "للعصبية". بمعنى انه عامل أيديولوجي روحي. وإنها القوة الروحية التي تحول "بطش" و"عفوية" هياج العصبية واندفاعها إلى نشاط هادف بفعل ما يدعوه ابن خلدون "بالاستبصار المتأتي على اساس الوجهة إلى الحق"، أو ما وضعه بعبارة "لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم"[24]. وقدم الكثير من المعطيات التي تؤيد هذه الفكرة واستنتاجها انطلاقا واستنادا إلى مختلف الأحداث الكبرى في تاريخ الخلافة، بدأ من صعود الإسلام وانتهاء بدولة الموحدين التي عاصرها.

وعلى هذا الأساس والموقف المنهجي حلل مختلف الحركات والشخصيات وحدود تأثيرها ونجاحها وفشلها. وقد افرد الكثير من الصفحات للكشف عن موقفه ورؤيته هذه على مثال ظهور ونشاط "الحركات المهدية"(الشيعية). فعلى الرغم من أن فكرة المهدي جذابة بالنسبة للغوغاء والسفهاء، كما يقول ابن خلدون، إلا أنها غير كافية لإحراز النصر. وعندما يحلل ابن خلدون جملة من الامثلة الواقعية بهذا الصدد يتوصل إلى ثلاثة استنتاجات. الأول منها هو انه عادة ما يقف وراء الادعاء بالمهدي "أما موسوسين مجانين أو ساعين إلى الرياسة والملك"؛ والثاني، إن دعوة الفاطمي المنتظر تثير مخاوف الطبقات السائدة، مما يؤدي بهم في حالات عديدة على قتل من يدعي بها؛ والثالث، والمتعلق بسبب فشل هذه المحاولات، هو كونها تتميز "بالغفلة عن اعتبار العصبية"[25].

أما إلى أية درجة تلعب العصبية والنسب في قيام الملك، فقد سعى ابن خلدون للكشف عنه والبرهنة عليه في الفصل المتعلق بان "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم"، والذي خلص فيه إلى حصيلة مكثفة تقول، بأنه حتى الأنبياء لا تفوز ما لم بكونوا في منعة من قومهم. وبالتالي، فإذا "كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم". وكشف ذلك على مثال ابن قسي (ت-546 للهجرة) شيخ الصوفية وصاحب كتاب (خلع النعلين)، الذي ثار بالأندلس داعيا إلى الحق وسمي أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي فاستتب له الأمر قليلا، لكنه لم يستطع الصمود طويلا بدون عصائب وقبائل يدافعون عنه أمام موجة الموحدين. فلم يلبث حين استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم ودخل في دعوتهم وتابعهم من معقله بحصن أركش وأمكنهم من ثغره وكان أول داعية لهم بالأندلس وكانت ثورته تسمى ثورة المرابطين. وضمن هذا السياق اورد ابن خلدون الكثير من الأمثلة الملموسة بهذا الصدد ليتوصل إلى استنتاج مفاده، انه لا يمكن الفوز بالملك وبناء الدولة دون سند اجتماعي ومعنوي كبير. وإلا لأدى ذلك إلى هزيمة بالضرورة وخسارة لا معنى لها بمعايير الفكرة السياسية وحتى الحق. بمعنى انه كان إلى جانب فكرة التغيير بالقوة، ولكن في حال توفرها لكي لا تكون مجرد نزوة أو مغامرة.

إن ازاحة الملك أو الدولة والاستعاضة عنهما بأخرى يفترض وجود قوة اجتماعية وسياسية ومعنوية قادرة على التفوق وإحلال نفسها بالقوة. وما عدا ذلك مجرد مغامرات تنتهي بالفشل الذريع. من هنا موقفه السياسي والفكري المعارض لفكرة المهدي المنتظر والفاطمي "المنتظر" وما شابه ذلك، أي تلك الصيغة الشائعة الانتشار، والتي وجد فيها نماذج لهذا النوع من المغامرة. إذ وجد فيها مجرد صيغة أيديولوجية مفتعلة لا علاقة لها بمجريات الواقع ونشوء الدول. وكشف عن ذلك في الفصل المتعلق بقضية الفاطمي، والذي استعرض فيه تاريخ القضية وآراء مختلف الاتجاهات والتيارات بهذا الصدد. وكشف عن أن الشيعة يتباينون في مواقفهم الجزئية، لكنهم موحدون بصدد من هو المهدي. أما أهل السنّة فيفسرونها بطريقة أخرى. بينما لم يهتم أوائل المتصوفة بهذه القضية لكنها دخلت ضمن تصوراتهم وأحكامهم السياسية والروحية والأخلاقية كما هو الحال عند ابن عربي وابن سبعين وابن قسي. أما الحصيلة الفكرية والتاريخية لموقفه من ظاهرة المهدي والفاطمي فتقوم في ما وضعه من استنتاج دقيق يقول، بأن "أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها وهدم بناؤها الا المطالبة القوية التي من وراءها عصبية القبائل والعشائر"[26].

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص 112.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص 112.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص233.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص101.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص 102.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص 103.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص 108.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص107.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص 109.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص 101.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص 105-106.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص 108.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص 109.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص111.

[22] ابن خلدون: المقدمة، ص122-123.

[23] ابن خلدون: المقدمة، ص 121.

[24] ابن خلدون: المقدمة، ص 125.

[25] ابن خلدون: المقدمة، ص127.

[26] ابن خلدون: المقدمة، ص126.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (8)

إن أحد المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذه بدورها ليس إلا الوجه الناصع منها، والذي يكمن خلفه عدد هائل من صفات الرذيلة. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يفرز في إحدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، الذي يقرّ بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة أساسا بفكرة الإكراه. فالإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. غير أن للإكراه في الدولة، عند ابن خلدون بعدا ايجابيا. فحالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. وبالتالي، يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[1]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يكمن سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ.

إن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هو فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية. وهي الحالة التي وقف أمامها ابن خلدون وحاول تفسيرها على أساس تحديد طبيعة العلاقة بين الجهل والمعرفة والإكراه. إذ نراه يعطي لها بعدا فلسفيا على مثال علاقة الخير والشر القائمة في الوجود. فالخير، بالنسبة لابن خلدون، هو من العناية الربانية بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي". فوجود الكثير من الخير يلازمه شرّ قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[2]. وبالتالي لا يمكن للتعاون أن يحصل بين البشر دون الإكراه وذلك لجهل اغلب الناس "بمصالح النوع"[3]. وسبب ذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدتهم إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود. أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[4]. إذ كل ما في الوجود جزء منه، وبالتالي يخدم ضمن سياقه وإمكاناته الذاتية والفعلية حركة المسار التاريخي بوصفه تاريخيا طبيعيا. وضمن هذا السياق اعتبر الاختلاف والتباين بين طبقات المجتمع أمرا طبيعيا وضروريا للتعاون. انه ينظر إليه ضمن سياق المسار التاريخي والحالة الواقعية للتطور التاريخي. من هنا تقريره حالة التركيبة الطبقية السائدة آنذاك عن أن الملوك في قمة الهرم وفي الأسفل من لا حول لهم ولا قوة. وما بينهما طبقات متعددة تنتظم بها الحياة، وذلك لأن النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون[5]. وهذا التنوع الذي يبدو قاسيا ومريرا ولا أخلاقيا في بعض مظاهره هو فضيلة اجتماعية واقتصادية وعلمية ومن ثم تاريخية. ففيه تكمن أيضا القوة الدافعة للإنتاج والتطور، والذي يجد تعبيره المناسب في زيادة عدد السكان، واشتراكهم في العمل الاجتماعي، وتحسين شروط الحياة وما شابه ذلك.

من هنا انطلاق ابن خلدون في تتبعه لآلية التطور الثقافي من خلال دراسة التطور الاقتصادي والعلمي وأثره في توسع الدولة والحضارة. فالفكرة الاقتصادية عنده تشكل الحلقة الرابطة بين العصبية والدولة من جهة، والحضارة من جهة أخرى. لكنهما في الوقت نفسه حلقات أو كل مترابط وواحد. لكن الاقتصاد والحياة الاقتصادية يشكلان القوة المؤسسة والمتغلغلة في كل نسيج الوجود الإنساني وتاريخه. وليس مصادفة انطلاق ابن خلدون من مهمة تحديد معنى ومضمون المصطلحات الاقتصادية مثل الرزق، والكسب، والذخيرة، والقنية، والمعاش، والعمل. وهذه جميعا مرتبطة بحياة الإنسان وسعيه للعيش والوجود. وبالتالي، هي أمور طبيعية. وقد حدد ابن خلدون الرزق على انه كل ما "عادت منفعته على الإنسان وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته". أما الكسب فهو كل ما يجري الحصول عليه بدون عمل (منتج) كالإرث وما شابه ذلك. لكنه يتحول إلى رزق حالما يجري استعماله للفائدة. أما الذخيرة فهي المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة. أما القنية فهي كل ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات. فإن كانت من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله، وهو المقصود بالقنية، إذ ليس هناك إلا العمل، وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل التجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما أكثر، فقيمته أكثر. وإن كان من غير الصنائع فلابد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به. إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها"[6]. أما المعاش فهو مكاسب الإنسان كلها. مما سبق يتضح بأن كل هذه الجوانب الملازمة للحياة الاقتصادية هي أما نتيجة مباشرة للعمل أو مرتبطة به بشكل ما من الأشكال. من هنا قوله، بأن "المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال"[7]. وبهذا يكون ابن خلدون قد شدد على أولوية وجوهرية العمل في الحياة الاقتصادية والثروة والدولة والعمران ككل. من هنا قوله "لابد من الأعمال الإنسانية في مكسوب ومتمول لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلابد فيه من العمل الإنساني كما نراه. وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع". وبالتالي، فإن كل شيء في حياة الإنسان مرتبط بالعمل. بل أن وجود الآبار والينابيع بل حتى ضروع الحيوان (انباط وامتراء) تنضب بدون العمل الإنساني، كما يقول ابن خلدون.

لقد اعطى ابن خلدون للعمل قيمته وأثره الجوهري بالنسبة لحياة الإنسان والمجتمع والدولة، كما انه مصدر العمران والحضارة. فالحضارة غناء وثروة وترف ورفاهية. وهذه كلها نتاج العمل الإنساني. بل إن العمل هو الذي يحدد قيمة الأشياء والثروة. من هنا حكمه على أن قيمة العمل عرضة للتلف والزوال بزوال العمران، لأنها نتاج العمران. كما أن القيمة المنتجة لا تذهب وتزول بصورة كلية، وذلك لأنها تنتقل أما من جيل لآخر، أو من بلد ودولة إلى أخرى. وما يجعلها مستمرة متزايدة هو العمل والعمران. وما عدا ذلك مجرد أشياء أيا كان شكلها ونوعها من ذهب وفضة وجواهر وأمتعة. فهي لا تختلف عما غيرها من حديد ونحاس ورصاص[8].

ودفع ابن خلدون فكرته عن العمل إلى مداها الأبعد بوصفه القوة الطبيعية للوجود الإنساني، بل والقوة التي تختمر فيها قوة العقل المنطقي والروح الثقافي بمختلف أشكاله وأصنافه ومستوياته. من هنا نقده اللاذع لمساعي الأفراد بالحصول على الثروة خارج اطار العمل المنتج. من هتا قوله، بأن الفلاحة والتجارة والصناعة هي وجوه طبيعية للمعاش. أما ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز فإنه لا يدخل ضمن المعاش الطبيعي[9]. وبالتالي، فإن عدم طلب المعاش بدون الوجود الطبيعي له كالصناعة والزراعة والتجارة يجبر المرء، كما يقول ابن خلدون، على سلوك طرق يؤدي به في نهاية المطاف إلى مصاعب وتعب أشد من وجود الكسب الطبيعي، كما يمكن أن يعرضه إلى العقوبات (بأثر الجريمة). ووجد في الظاهرة الأخيرة صفة مميزة "للمترفين من أهل الدولة، ومن سكان الامصار الكثيرة الترف"[10]. فالعمل هو المصدر الفعلي والحقيقي للثروة. من هنا نقده للكسل والسعي للحصول على الثروة بدون جد وكد، أي بدون جهد دءوب ومتواصل. لاسيما وأن ظاهرة الكسب بما يخالف الحالة الطبيعية يؤدي إلى تصنيع مختلف الخرافات والحيل، أي ما يشابه في عالمنا المعاصر الاهرامات الوهمية ومختلف المضاربات وأمثالها. من هنا اشارته إلى مظاهر الخبل والجنون بهذا الصدد بحيث يمكن رؤيته على مثال أولئك الذين يقومون ببناء مبان مغلقة والحفر فيها أو الهيام في البراري ومما شابه ذلك. واعتبر هذه "الأعمال" جزء من التخريف والخرافة والكذب. وإذا حدث في بعض منها "فهو في حكم النادر على وجه الاتفاق لا على وجه القصد"[11].

من هنا تقيمه العميق للعمل المنتج في ميادين الزراعة والصناعة والتجارة. إذ نعثر عنده على تقييم ثقافي وأخلاقي لهذه الميادين من جهة، وتحليل عميق اقتصادي اجتماعي وتاريخي بالنسبة لأهميتها الجوهرية بالنسبة للتطور الحضاري للأمم والدول. فقد اعتبر الصناعة ملكة في العمل الفكري والجسدي. ففي مجال الملكة الجسدية اعتبر ترتيبها اسهل من الثانية وذلك لارتباطها اليومي يتهذيب وتطوير الملكة الجسدية والمهنة. بينما يختلف الحال بالنسبة للفكر. فهو أصناف وحرفته في تراكمه، وبالتالي لا يحصل دفعة واحدة "وإنما يحصل في أزمان وأجيال" كما يقول ابن خلدون. وينطبق هذا أيضا على عموم الأمور الصناعية. إنها تحتاج إلى وقت زمن وتراكم المعرفة والعمل[12]. بينما وجد في التجارة وحياة التاجر حالة مرتبطة بمعاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح مما يضطره إلى المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج وما شابه ذلك. مما يؤدي إلى صنع أخلاق تناسبها. وهذه بمجموعها "نقص من الذكاء والمروءة"[13].

وفي مجرى توسعه لتأسيس افكاره، وبالأخص ما يتعلق منها بارتباط تطور وتوسع الصنائع بتطور الحضارة وعمرانها، يقسم ابن خلدون الصنائع إلى ثلاثة أصناف وهي كل من "الضروري وغير الضروري"، و"صناعة الأفكار"، و"السياسة". وأدخل ضمن الأولى (الضروري وغير الضروري) كل من الحياكة والنجارة والحدادة. أما ضمن (صناعة الأفكار) فقد أدخل فيها الوراقة والاستنساخ والتجليد، بوصفها خاصية الإنسان، كما يقول ابن خلدون. وأخيرا السياسة، التي أدخل فيها الجندية[14]. غير أن ذلك لا يعني استنفاذ كل الصنائع الواقعية والممكنة، بقدر ما تشير إلى ما هو أساسي آنذاك. وإلا فإننا نعثر عنده على وعي دقيق يقول بإمكانية الصناعات المستحدثة. وذلك بسبب ارتباطها بالعمران. فكمال الصنائع بكمال العمران كما يقول ابن خلدون. بمعنى إن التطور العمراني يلازمه بالضروري الانتقال المستمر من الضروري إلى الكمالي. ومن ثم ازدياد الاحتراف والدقة في الصناعات مما يستجلب يدوره وينتج عنه صناعات أخرى[15]. ومع ذلك فإنه يقدم تصنيفه الخاص لما اسماه بأنواع الصناعات أو أمهاتها، حيث يقسمها إلى الصناعات الضرورية والصناعات الشريفة. وضمن الضرورية يدخل كل من الفلاحة، والبناء، والخياطة، والتجارة، والحياكة. أما الصناعات الشريفة فهي كل من التوليد، والكتابة والوراقة، والغناء، والطب[16]. ويضع ابن خلدون هذه الصناعات ومهامها المتنوعة في صلب فكرته عن العمران والمدنية والحضارة[17]. حيث يتناولها بالشرح والتعليق من خلال ابراز أهميتها بالنسبة للتطور الحضاري. بمعنى النظر إليها باعتبارها وسيلة العمران والحضارة وتجليها في الوقت نفسه. فإذا كانت التجارة على سبيل المثال قد لعبت دورا كبيرا في تطور العلوم النظرية والعملية مثل صناعة السفن والهندسة ومعرفة الطرق والجغرافيا والمناخ والهندسة، فإن التوليد هو المهنة الضرورية بالنسبة لحفظ النوع الإنساني، بحيث نراه ينتقل إلى الجدل الدائر بين الفلاسفة المسلمين بهذا الصدد. ويقف بالضد من آراء الفارابي القائلة، بأنه في حالة انقطاع النوع الإنساني فإنه يستحيل ظهوره من جديد (ذلك يعني لا إله يصنع). بينما نراه من جهة أخرى يوافق آراء ابن سينا عن إمكانية ظهور النوع الإنساني بعد انقطاعه وذلك لإرتباط هذه العملية بمجرى الكون وتأثيره لاقتضاءات فلكية وأمور غريبة، كما نرى بعض أمثلتها أيضا في (رسالة حي بن يقظان) لابن طفيل. ويوافق ابن خلدون على آراء ابن سينا فقط في ما يتعلق بعدم انقطاع النوع أو إمكانية ظهوره من جديد[18]. بينما نراه في مجرى تناوله أهمية وقيمة الخط، تأكيده على ما للخط العربي من تقاليد عريقة. وقد بلغ مستوى رفيعا عندما بلغت الحضارة والترف مستواها كما نراه في الخط الحميري. واللغة الحميرية هي المسند وحروفها منفصلة. بينما يختلف الحال بالنسبة لمضر. عرب الشمال. وهو أمر جلي في الصيغ الأولى لكتابة القرآن. وخلاصة ما توصل إليه ابن خلدون بهذا الصدد عن أن "الخط من جملة الصنائع المدنية... والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق". وليس لهذا علاقة بالدين والأخلاق، بل مرتبط "بأسباب المعاش والعمران"[19]. ونعثر على نفس الموقف من الغناء والجمال. فهو ينطلق من أن تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها هو أنسب عند النفس وأشد ملائمة لها، وهو ما يعادل معنى الجمال[20]. إذ أن "كل ما سوى المرء في حال النظر إليه وتأمله يكشف عن وجود اتحاد بين الإنسان وغيره كما هو الحال في الكون ككل. وذلك لأن "الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء، فتود أن تمتزج بما شاهدت فيه الكمال لتتحد به. بل تروم النفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة التي هي اتحاد المبدأ والكون. ولما كان أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنساني، فكان إدراكه للجمال والحسن في تخطيطاته وأصواته من المدارك التي هي أقرب إلى فطرته"[21]. بينما نراه يتناول أهمية الكتابة والحساب للعقل. وانطلق بذلك من أن للكتابة والحساب أثرا كبيرا في تطور العقل الإنساني. وذلك لأن "النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة، وإن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا..... كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا. والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة، لهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا، والحضارة الكاملة تفيد عقلا.... وإن زيادة العقل من تضافر مختلف العلوم والصناعات والتجارب."[22].

ووضع هذه المقدمة في أساس موقفه التاريخي الثقافي من العلم والتعليم من جهة، وفلسفته الخاصة بهذا الصدد من جهة أخرى. فقد اعتبر ابن خلدون العلم والتعليم في العمران البشري جزء من الصنائع. وهذا بدوره مرتبط بخصوصية الإنسان باعتباره كائنا مفكرا. فالإنسان، كما يقول ابن خلدون، في عملية تفكير دائم. وعن هذا الفكر تنشأ العلوم. مما يدفع به أما لتأمل تجارب الأسلاف أو المعاصرين أو الإبداع الذاتي. الأمر الذي يجعل من "العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري"[23]. والتعليم بالنسبة للعلم "من جملة الصنائع". فالحذاقة في العلم والتفنن به "إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن حاصلا"[24]. ذلك يعني، إن ابن خلدون يضع أربعة شروط للاحتراف في ميدان العلم والمعرفة. وهي شروط تتمثل الفكرة الجوهرية في العلم الدقيق بوصفه استمرار وإبداعا. وطبق هذا الموقف العام تجاه ما اسماه بالملكات الجسمانية، وذلك لأن كل الملكات جسمانية كما يقول ابن خلدون. من هنا فهي بحاجة إلى العلم والتعليم. ووضع هذا الموقف العلمي الدقيق في أساس نفي كل أنواع الخرافة والإلهام المزيف وما شابه ذلك. وذلك لأن أساس هذه العلوم وتطوير ملكاتها مرتبط حسب رؤية ابن خلدون بكثرة العمران. ومن هذا الموقف العام قدّم تقسيمه الخاص والجديد للعلوم إلى صنفين هما الصنف الطبيعي، والصنف النقلي. والصنف الطبيعي هو كل ما يهتدي الإنسان إليه بفكره، أي كل ما يتطابق مع معنى الاجتهاد والاكتشاف العلمي. وأدرج ضمنها أساسا "العلوم الحكمية الفلسفية". فهي العلوم التي يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها، ومسائلها، وأنحاء براهينها، ووجود تعليمها حتى يوقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر[25]. لقد عظّم ابن خلدون الفلاسفة والفكر الفلسفي والعلوم الفلسفية من خلال مطابقتها مع جوهر وحقيقة الإنسان، بإعتباره كائنا مفكرا. فهي العلوم التي تتراكم في مجرى بحثه وتأمله لإشكالات الوجود والبراهين المنطقية لكي يكون بإمكانه التفريق بين الخطأ والصواب، ومن ثم بين الحق والباطل، والخير والشر. أما الصنف الآخر  (النقلي) فهي المعارف التي يحصل عليها الإنسان بالنقل أو الإيمان. من هنا قوله، بأنه لا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول.

من هنا يمكن التوصل إلى أن ابن خلدون يجعل من العلوم الحكمية (الفلسفية) أساس المعرفة العقلية والمنطقية، أي العملية التي تتطابق مع حقيقته بوصفه كائنا مفكرا. وبالتالي، ليست حقيقة العمران سوى النتاج الذي يرافق تأمله العقلي وإبداعه النظري والعملي من خلال تطوير وتهذيب ملكاته الجسمانية. والأخيرة هي الصيغة العامة لمعنى المعارف البشرية كلها واجتهاده النظري والعملي التاريخي. ووضع هذا المدخل العام في تعريفه وتقييمه للمعارف والعلوم التي ترافق العمران وترتبط به ارتباطا عضويا. الأمر الذي نعثر عليه في تتبعه وتحليله ونقده وتقييمه لعلوم عصره الكبرى، وبالأخص تلك التي ارتبطت بالعمران الإسلامي. فعندما يتناول علم الفقه وعلاقته بالعمران نراه يلاحظ طبيعة ونوعية الترابط بين انتشار الآراء والمذاهب ومستوى التمدن. فعندما يتناول انتشار المذاهب الفقهية، فإنه يلاحظ انتشار الحنفية في العراق والمناطق الثقافية العريقة، بينما يجد في انتشار المالكية في المغرب والاندلس آنذاك بسبب ما اسماه بغلبة البداوة عليهم[26]. وفي موقفه من علم الكلام نعثر عنده على إدراك واضح وجلي لمهمته باعتباره علم الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على "المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السّنة"، وبالأخص عقيدة التوحيد[27]. وبالتالي، فإن مهمته ضرورية. والسبب يكمن في أن ميزان وأحكام العقل سليمة لا لبس فيها في كل ما له علاقة بالوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان كما يقول اين خلدون. لكن العقل يقف عند تخوم القضايا المتعلقة بالإلهيات من توحيد ونبوة وحقائق الصفات الإلهية وما شابه ذلك[28].  من هنا انتقاده لآراء ومواقف وأحكام المجّسمة والحشوية بسبب تحجيمهم التام للعقل، بينما ينتقد المعتزلة بسبب مواقفها من قضية الصفات وخلق القرآن. في حين ينتقد الإمامية بسبب موقفها من قضية الإمامة. وذلك لأنهم "اعتبروا الإمامة من عقائد الإيمان، بينما الإمامة قضية مصلحية اجماعية ولا تلحق بالعقائد"[29]. ومع ذلك توصل ابن خلدون إلى أن "علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم. إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنّة كفونا شأنهم"[30]. وحسنا انه لم يقل كفونا شرهم! لكن المحتوى العقلي لموقف ابن خلدون وحكمه حول علم الكلام يقوم في عدم جدواه الآن. والقضية لا علاقة لها بالدور الذي لعبه "أهل السنّة والجماعة" بهذا الصدد، بقدر ما أن اضمحلاله كان مرتبطا بالهيمنة النقلية وعقائد الإيمان الميتة واضمحلال وتلاشي الدور التاريخي الثقافي للعقل النقدي والعقلانية.

بينما نراه ينظر إلى التصوف بمعايير الرؤية الثقافية والأخلاقية. من هنا قوله، بأن التصوف هو من العلوم الحادثة في الإسلام، وأنه استمرار لطريقة السلف الكبار (طريق الحق والهداية)، وأصله العكوف عن الدنيا والانقطاع إلى الله. فقد اشتق المتصوفة لأنفسهم، كما يقول ابن خلدون، طريق الأحوال في المعرفة وليس طريق الشك والبرهان واليقين العقلي. وبالتالي، فإن طريقتهم محاسبة النفس، والذوق والوجد، ولهم آدابهم الخاصة واصطلاحاتهم. وفي مجرى استعراضه لمختلف نماذج التصوف، أشار ابن خلدون إلى تعقد رؤيتهم مع مرور الزمن. كما إن كثير منهم أخذ يقول بالحلول، كما هو جلي في كتب ابن عربي وابن سبعين وأتباعهم. والسبب، من وجهة نظر ابن خلدون، هو أن اسلافهم كانوا "مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة"[31]. وبالتالي، فإن أغلب ما قاله المتصوفة المتأخرين مأخوذ من الشيعة. وعموما إن كلام التصوف يدور أساسا حول أربعة مواضع وهي المجاهدات والمكاشفات، والحقيقة، والكرامات، والشطحات[32]. إننا نعثر في موقفه وأحكامه هذه على رؤية تتصف بالاعتدال والنزعة العقلية والقبول بالمعنى الجوهري للتصوف. مع إن تفسيره ليس دقيقا ومليء بالأخطاء سواء ما يتعلق منه بابن عربي وعلاقة التصوف بالتشيع، ومواضيع اهتمامه. ومع ذلك، فإن ما يقوله بهذا الصدد معقول ضمن سياق رؤيته التاريخية والثقافية للعلوم والمعارف.

وضمن هذا السياق أيضا يمكن رؤية تفسيره لظهور وقيمة وأهمية ما اسماه بالعلوم العقلية وأصنافها. فهي علوم ملازمة للوجود الإنساني والعمران كما يقول ابن خلدون. ومن ثم لا تختص بكائن أو شعب أو ملة دون غيرها. إنها موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة[33]. لقد نظر إلى العلوم الفلسفية بوصفها الصيغة التي تتطابق مع ماهية العلوم العقلية. وبالتالي، إتصافها بالعموم للّكل الإنساني بغض النظر عن العقيدة والدين والقومية. إنها الصيغة الأولية والكبرى والأصلية للعلوم العقلية في النوع الإنساني. وهي فكرة لا تخلو من نقد غير مباشر لما هو شائع آنذاك عن تمايز الشعوب أو احتراف البعض وتخصصه بصفات مميزة بحيث جعلوا الفلسفة خاصة باليونان. بينما يزيح ابن خلدون هذه الرؤية، وذلك لأنه نظر إلى مختلف مظاهر الوجود الإنساني العقلي والمادي على أنها أمور طبيعية وجسمانية. ومن ثم تلازم الوجود الإنساني في عملية العمران أو التمدن الثقافي والحضاري. ووضع ابن خلدون في اصناف هذه العلوم العقلية (الفلسفية والحكمة) كل من المنطق والعلوم الطبيعية، والعلوم الإلهية وعلم المقادير. ومهمة علم المنطق تقوم في كونه يعصم ذهن الإنسان عن الخطأ. أما مهمة العلم الطبيعي فتقوم في دراسة كل ما له علاقة بالأجسام والطبيعة. أما العلم الإلهي فيقوم في النظر في قضايا ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا). أما علم المقادير فيدخل فيه كل من الهندسة والحساب والموسيقى وعلم الهيئة[34].

فمن الناحية التاريخية، كان الاهتمام بهذه العلوم عند الأمم الحضارية مثل الفرس والروم. أما الكلدان والسريان والقبط فقد كان اهتمامهم موجها صوب السحر والنجامة والطلاسم! بينما حرق العرب المسلمون كتب اهل فارس بأثر سياسة عمر بن الخطاب بعد ان استشاره سعد بن ابي وقاص، قائلا له "إن الله أهدانا بأفضل منها"[35]. وأيا كان مصداقية هذه الحكاية، إلا أن التطور اللاحق وبالأخص زمن الدولة العباسية وبأثر تطور العمران والسلطان، كما يقول ابن خلدون، قد أدى إلى بداية الاهتمام بهذه العلوم، كما نراه على مثال ابو جعفر المنصور ثم المأمون. ذلك يعني، إن تطور العمران يؤدي بالضرورة إلى إعارة الاهتمام بالعلوم العقلية مع مرور الزمن، بغض النظر عن الأرضية الأولية الدينية أو العقائدية ومواقفها الأولية بهذا الصدد. وبالتالي، فقد وقف العمران الإسلامي أو الثقافة الإسلامية أمام مهمة تأسيس العلوم العقلية بمختلف ميادين المعرفة النظرية والعملية. من هنا استعراض ابن خلدون لمختلف العلوم في الثقافة الإسلامية، بحيث لم يهمل أي منها على امتداد القرون العديدة للحضارة الإسلامية التي كان هو نفسه شاهد بلوغ ذروتها ومن ثم معالم انحطاطها وسقوطها[36]. بحيث نراه يتوصل في نهاية مباحثه بهذا الصدد، أي في مجرى تتبعه وتحليله ونقده الخاص لتاريخ العلوم الطبيعية، إلى حصيلة دقيقة تتعلق بالاسئلة الجوهرية للعلوم الطبيعية ألا وهي: هل تكون؟ ومن أيِّ تكون؟ ومن أيِّ كيف تكون؟[37]. وهذه بدورها ليست إلا الأسئلة الجوهرية للعلوم الطبيعية المتعلقة بالماهية والكيفية والسببية.

فنراه يتطرق إلى ما هو معرف ومشهور وما هو جزء من "طلاسم" الثقافة مثل علم السيمياء، أو علم الحروف وأهميتها عند مختلف المدارس وبالأخص عند المتصوفة. والشيئ نفسه يمكن قوله عن علم الكيمياء. فنراه يتأمل تطوره وخصوصيته وإشكالاته العصية بالنسبة لغيرهم، حيث يتتبع تاريخه وشخصياته ومقدماته العلمية كما وضعها ابو بكر بن بشرون في رسالته بهذا الصدد إلى أبي السمح. فقد اعتقد ابن خلدون، بأن "الكيمياء إن صحّ وجودها، كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق"[38]. وعلى هذا الأساس استنتج وقدّم نصيحته القائلة:"من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله وعمله". إذ أن "تدبيرها الصناعي تدبير عقيم"[39]. وليس هذا الحكم في الواقع سوى تعميم "لتجارب" البحث عن "الحجر السحري" على حقيقة العلم، بمعنى تغليب "ترهات" العلم على محتواه الحقيقي. لقد تتبع ابن خلدون ماهية علم الكيمياء لكنه لم يفهم حقيقته وقيمته العلمية والعملية. من هنا موقفه السلبي منها، شأن أغبياء الحنابلة وتنابلة "العقول" السلفية، رغم عقلانيته الكبيرة والعميقة في مجال التاريخ والعمران. وهو تناقض غريب يكرره في موقفه من الفلسفة أيضا، رغم انه اعتبرها العلم الأول العقلي للوجود الإنساني.

فقد اتسم موقفه من الفلسفة بتناقض كبير بين الشكل والمضمون، وبالأخص ما يتعلق منه بماهيتها وكيفيتها وسبب نشوها ووظيفتها العلمية والعملية. بحيث نراه يضع لما كتبه حول الفلسفة عنوانا يؤسس فيه لإبطالها وتبيان "فساد منتحليها". إذ اعتبرها من العلوم العارضة في العمران، الكثيرة في المدن. وهو "تدقيق" متاقض. لكنه محق في ما يخص كثرة "ضررها في الدين"[40]. فالفلسفة هي رؤية عقلية صرف بينما الدين إيمان. والخلاف بينهما جوهري، ولا يمكن التوفيق بينهما إلا حالما لا تكتمل الرؤية الفلسفية بمعايير العقل المنطقي والإيمان بمعايير التزمت التقليدي. واعتبر "من نواقص الفلسفة" والفلاسفة المسلمين بشكل خاص هو إتباعهم "الإغريق حذوا النعل بالنعل إلا في القليل". بمعنى أنه لا أصالة فيهم وعندهم. وهو حكم، كما هو الحال في الجانب الأخرى تجاه الفلسفة، يستعيد ما قاله الغزالي في (تهافت الفلاسفة). مع ان (تهافت الفلاسفة) كتاب جدلي أقرب إلى ما هو مميز لجدل علم الكلام، أي كل ما لا علاقة له بالمنطق والبحث عن الحقيقة كما قال الغزالي نفسه في وقت لاحق من تطوره الشخصي. أما "خطأهم الأساسي" فيقوم في تطبيق تصوراتهم وأحكامهم التي يستخرجونها من المنطق وأقيسته على الطبيعة والوجود. بينما هو أمر لا يستقيم مع الحقيقة، "لأنها أحكام عامة مجردة بينما الوجود الطبيعي متشخصة بموادها"[41]. وهذه ملاحظة دقيقة وعميقة في ما يخص الأبعاد التأملية في الفلسفة آنذاك. بمعنى إن للعلوم الطبييعة استقلالها الخاص. وإن الاكتشافات العلمية ينبغي أن تكون من خلال العلم التجريبي الخاص وليس بحدس التأملات العقلية المجردة والعامة. لكنه يضع هذه الفكرة السليمة والدقيقة في أساس الاستنتاج الخاطئ عن انه "ليس للطبيعيات علاقة بنا"، بمعنى لا علاقة لها بالدين والمعاش، وبالتالي لا وجوب بمعرفتها! وهو استنتاج خاطئ ومصيب في الوقت نفسه. خاطئ في ما يتعلق بأثره بالنسبة لمعاش. بل العكس هو الصحيح. أما كونه لا علاقة له بالدين فهو حق. ويكرر نفس الخطأ في موقفه مما اسماه بجهود الفلاسفة المعرفية. إذ توصل إلى استنتاج مفاده، انه إذا كانت جهود الفلاسفة في نهاية المطاف، بعد الجهد والجد والتعب، بلوغ الظن وليس اليقين، إذن يكفينا ما عندنا من الظن قبل ذلك! وسوء الفهم هذا مبني على عدم أو ضعف رؤيته للفرق بين ظنون التفكير اللاهوتي وذهنية العوام عن ظنون المعرفة الفلسفية وعقولها النظرية. فالظن الفلسفي هو نفي الإيمان التقليدي والجمود العقلي كما انه باب الانفتاح غير المتناهي أمام المعرفة والبحث عن الحقيقة وتأسيسها وتطويرها وتهذيبها وتدقيقها وتحقيقها المستمر.

إن هذه التناقضات في آراء ومواقف وأحكام ابن خلدون في ما يتعلق بالعلوم الطبيعية كالكيمياء وغيرها، والنظرية كالفلسفة هي الصيغة المحيرة التي يقف أمامها الفكر النقدي المعاصر ألا وهي كيف يمكن ذلك بالنسبة لمفكر أسس لفكرة العمران أو التطور الثقافي والحضاري باعتباره نتاجا للكينونة الإنسانية وملازم لمساره التاريخي. لكننا نستطيع فهم هذا التناقضات على أساس إدراكه للخطورة الكامنة في التفكير الفلسفي بوصفه أسلوبا مختلفا ومناقضا من حيث الجوهر للتفكير الديني. ووضع هذا الإدراك المبطن في مطالبته المرء عدم الخوض في الفلسفة لمن لا أساس له وعنده من العلوم الشرعية والفقه. لإنه سيصاب بعدواها، وانه "قلّ من يسلم" من أثرها. لكن ثمرتها الوحيدة الجيدة في الوقت نفسه، كما يقول ابن خلدون، هي "شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين"[42]. كما نعثر في استعراضه لعلومها ومناهجها على إدراك لقوتها وقيمتها العلمية، كما انه من المؤيدين الأشداء للمنطق (الفلسفي). بل نراه، كما جرى الحديث أعلاه، يطابق بين ما اسماه بالصنف الطبيعي في الملكات، أي كل ما هو جوهري ومبدع في العلوم، مع الفلسفة والعلوم الفلسفية.

وشكلت رؤيته أو فلسفته عن التعليم ذروة تصورته بصدد أهمية العلوم وتربيتها، باعتبارها إحدى الصفات الجوهرية للحضارة. وانطلق في موقفه هنا من مقدمة فكرية عامة تقول، بأن الإنسان قادر على بلوغ المعرفة بالطبيعة، لكنه يحتاج إلى تعلميه للمنطق، مع إن هناك الكثير من الأئمة الكبار لم يدرسوا المنطق في حال سلامة السليقة والإخلاص للحقيقة. كما عارض فكرة وأسلوب الشدة على المتعلم. فالشدة على الأطفال تفسد عقولهم وأخلاقهم. بل نراه يعتبر ما اسماه بانحراف أخلاق اليهود وكونهم أقرب إلى التخابث والكيد بفعل تعرضهم للشدة والاضطهاد[43].  كما طالب تشجيع الترحال من اجل طلب الحقيقة. أما مضمون وحقيقة التعليم بحد ذاته، فإنه اعتقد بضرورة الاكتفاء بما هو أساسي وجوهري في قواعد العلوم أو الكتب المدرسية. ولا معنى للاستفاضة فيها. ففي علم العربية يمكن الاكتفاء بكتب سيبويه ولا معنى لإضافة كافة كتبهم ومدارسهم وتواريخهم، كما إن الاختصار الشديد مخلّ بالتحصيل العلمي. إن أفضل طريق للتعليم هو التدرج في المعارف والفنون والعلوم، وتبيثت المعارف الأساسية على الأمثلة الحسية في البداية قبل الانتقال إلى مستوى أعلى (عقلي).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[2][2] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص309.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص303.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص303.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص208.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص305.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص306.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص307.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص317.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص 316.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص317.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص318.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص322.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص322-340.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص328.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص331-332.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص336.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص337.

[22] ابن خلدون: المقدمة، ص339-340.

[23] ابن خلدون: المقدمة، ص340.

[24] ابن خلدون: المقدمة، ص341.

[25] ابن خلدون: المقدمة، ص354.

[26] ابن خلدون: المقدمة، ص356.

[27] ابن خلدون: المقدمة، ص363.

[28] ابن خلدون: المقدمة، ص364.

[29] ابن خلدون: المقدمة، ص368.

[30] ابن خلدون: المقدمة، ص370.

[31] ابن خلدون: المقدمة، ص375.

[32] ابن خلدون: المقدمة، ص375.

[33] ابن خلدون: المقدمة، ص379

[34] ابن خلدون: المقدمة، ص379.

[35] ابن خلدون: المقدمة، ص380.

[36] ابن خلدون: المقدمة، ص381-399.

[37] ابن خلدون: المقدمة، ص421.

[38] ابن خلدون: المقدمة، ص441.

[39] ابن خلدون: المقدمة، ص441.

[40] ابن خلدون: المقدمة، ص 428.

[41] ابن خلدون: المقدمة، ص430.

[42] ابن خلدون: المقدمة، ص433-434.

[43] ابن خلدون: المقدمة، ص499.

 

علي المرهجفن التشكيل يُجمل الابداع في التصوير والرسم والنحت والعمارة وفن التصميم وفن السيراميك والرسم على الزجاج والرسم على الملابس أو تصميمها، وفيه وله مدارس عدة، انطباعية، ورمزية، وتعبيرية، وسوريالية، وتجريدية، ولكل مدرسة من هذه المدارس فلسفة تأسست عليها رؤية الفنان، وهي ليست حدوداً عقائدية أو (دوغمائية) مثل الأيديولوجيات، لا يصح لصاحبها التشكيل والرسم إلّا وفق ما عُرف عنه بوصفه مجال للابداع في هذه المدرسة أو تلك، ولا تمرحل زمني كبير بينهما على الرغم من وجود هذا التمرحل، ولكنه يبقى تحديد اجرائي أكثر منه زمني، فللفنان التشكيلي أن يُبدع في ذات الزمن تشكيلاته على اختلاف منابعها ويتضاد معها ويُناقضها ولا يعنيه كثيراً ادراج اسمه وتوثيقه في أي مدرسة هو من مدارس التشكيل.

يستطيع الفنان التشكيلي أن يتنقل في الابداع ويخترق الزمن التاريخي ليُنتج لوحته، وللناقد الحق في تصنيفها في أي مدرسة هي.

المدارس في الفن تشكيلي منابع يستقي منها الفنان بعض أو جل رؤيته التشكيلية مُضافاً لها تجلياته الابداعية بوصفه ذات خلَاقة، لذا تجد أغلب الفنانين التشكيليين لا يتمترسون عقائدياً، ولا يقبلون بكبت ابداعهم وفق تمذهب مدرسة تشكيلية بعينها.

مدارس التشكيل والفن هي مدارس لتعليم طلابها مقدار الانفتاح على مدارس الحياة ليختار الطالب فيها تجربته الفنية، فله الحق في التنقل بين حدائق وبساتين الابداع الجمالية في مدارس التشكيل، لأنها ليست مدارساً كلامية أو أيديولوجية تختم على عقل الطالب لتجعل منه نسخة من أستاذه أو شيخه، وهي ليست مدارساً حزبية.

إن وجدت في الفن توظيف للسياسة، فتلك من زلات الفنان إن كان مبدعاً - حينما يجعل من نفسه أداة بيد السلطة - سياسية كانت أو حزبية، وأن وجدت وكشفت عن فنانين تماهوا مع السلطة، فهم قلّة بالقياس لعدد الفنانين في كل مجتمع.

أقول لكم أن من دخل يلتحف جلباب حزب أو سلطة ما، فبعضهم منافق وآخر محتاج والقلة منهم ـ إن كانوا مبدعين ـ تماهوا مع حزب أو سلطة أو عقيدة أو مذهب أو دين، لأن طامحون لمنصب ما او كسب ما.

إن لغة الفن لغة انسانية عالمية، وإن كان فيها خصوصية فهي خصوصية البعد التاريخي والحضاري للأمة أو المجتمع الذي ولد أو نشأ فيها الفنان.

لنأخذ مثلاً على ذلك: (القيثارة السومرية) أو (الأسد البابلي) أو(الثور المجنح الآشوري)، وجميع هذه الأعمال لها طابع الخصوصية الحضارية التي عبر عنها الفنان التشكيلي العراقي القديم، ولكنها اليوم ـ لا بوصفها أعمالاً تشكيلية ولا بمضامينها الفكرية ـ يختص بها الفن العراقي والفكر العراقي، لأنها تحولت لأيقونات (نتاج عبقرية فنية عراقية) لتكون نتاج حضاري (إبداعي) إنساني.

لا أظن أن كل فنان مبدع معني بمعرفة تاريخ تطور المدارس الفنية، وإن كانت من مستلزمات استكمال معرفته التاريخية، ولكنها ليست شرطاً من شروط فعل الابداع التشكيلي عنده.

حضرت مرة من المرات محاضرة للنحات الكبير (محمد غني حكمت) في المجمع العلمي العراقي في بداية تسعينيات القرن الماضي، ولم أجده خبيراً لا في التاريخ العراقي القديم ولا في التشكيلات الحروفية (المسمارية) في الألواح الطينية، ولا في مدلولات المنحوتات الآثارية العراقية القديمة، ولكنه كما ظهر لي يمتلك موهبة تقترن بالعبقرية، يستطيع التعبير عنها بعمل تشكيلي نحتي، ولا أظنه بحاجة لتفسيره، لأن عمله (تجليات) روحية ومعرفية بآن واحد، وهو من قبيل "الومضة" الابداعية حينما يختلط البعدين الجمالي بالمعرفي، ليُنتج لنا عمله النحتي الابداعي في التشكيل.

وستظل مهمة الناقد ـ بين قدح وذم ـ يتأول ليكشف عن أخطاء العمل النحتي ـ مثلاً ـ في منحوتته بغداد التي ضيَعها طول العمود الذي وضعت عليه بغداد بوصفها إمرأة مُترفة، وهل هو من أشرف على تنفيذه؟!.

ارتبط التشكيل بالجمال، لأنه من معطيات الفن، وارتبط الفن بالسعادة، وكأن مهمات الفنان التشكيلي، بل وغيره هي صناعة البهجة واتقان التعبير عن السعادة، ولكن هذا من ـ الشائع ـ ولا أصل له في انتاج العمل الفني، بل ربما يكون العمل الفني الذي يستفز به الفنان شجون الناس، سواء أكان عمل درامي أو مسرحي أو موسيقي أو تشكيلي، يُعدَ من الأعمال الناجحة، فليست من أساسيات عمل الفنان اسعاد الناس، بقدر ما تكون مهمة تنمية الشعور بالحياة وتحديها سواء بعمل ابداعي يُثُير الحُزن في فيُبكيك أو آخر يُبهجك.

ولا أظن أن منتج النص التشكيلي ـ تحديداً ـ مشغولاً في أن يُبكيك أو يُبهجك، بقدر ما هو مشغول بأن تكون منبهراً بعمله فتقول عنه (الله ـ الله) باحساس صادق، ولربما هذا النبهار يكون بجزئية من العمل كأن تكون أبهرتك ألوانه وطريقة استخدامه لريشته ومزجه للألون، أو ربما تكون موضوعته وذكاء الفنان في اختيار للموضوعه، أو كلاهما معاً، ويبقى العمل الفني التشكيلي رهين بمقدار ثقافة مُنتجه وثقافة مُتلقيه.

يحتاج الفن التشكيلي الابداعي ـ من وجهة نظري ـ لثقافة التلقي، فهو ليس كالموسيقى أو الغناء بوصف أغلبها تراث الشعوب، لأنه يحمل بين طياته تعبير عن ثقافة شعب، ومحاولات تجريبة (ابداعية) لفنانين كسروا حواجز "التراث الفني، و العمل على تجسير الثقافات، لا بالقفز والتنكر لقيمة الموروث الفني بقدر ما هي محاولات للكشف عن مناطق بكر للإبداع.

أغاني داخل حسن تُشجيني وتُشجيك، وجداريات فائق حسن تُبهرني وتُبهرك، ولكن شتان بين الحسنين، فداخل يستفز فيك إرثك الحضاري السومري (المشحوف) و (الهدل)، و (البحة) بصوته تُعيدك لتغوص في ذاتك وتعود لتكشف عن جماله التراثي، أما فائق حسن فهو لا يحتويه التراث ولا يتجاوزه، فهو يكشف عن مواطن قوته، وينقلك لعوالم الحرية.

داخل حسن ابن الفطرة "التراث" ينفذ صوته لأذنيك، كأنه صوت أمك، أما فائق حسن التشكيلي فهو ابن التجديد والثورة، يبحث عن السلام في خضم (الصراع الثوري) ليكشف لنا عن قيمة السلام في التعاون بين طبقات الشعب المختلفة، ليرسم لنا معاني فيها بعد أيديولوجي وظفه أو وظفه الماركسيون، ولكنه يبحث عن المساوة والحرية، وتلك كانت مقولات الحداثة ومنطلقات العصر.

تجليات الفنان بوصفه ابن العصر وابن زمنه، ليس مسؤولاً عنها حينما يفهما المؤدلجون على أنها تشكيلات فنية تُمثل رؤية حزب أو عقيدة ما.

 

ا. د. علي المرهج

 

حاتم حميد محسنتفيد نظرية العودة الأبدية بان الكون وكل الوجود والطاقة كان في حالة تكرار، وسوف يستمر بالتكرار، بشكل مشابه لذاته، وبعدد لا متناهي من المرات وعبر زمان ومكان لا متناهيين.

المنطلق الاساسي للنظرية يبدأ من الافتراض بان إحتمال ان يأتي عالم الى الوجود تماما مثلما هو عالمنا الآن هو احتمال لا يمكن ان يكون صفراً. اذا كان المكان والزمان غير متناهيين، يتبع ذلك منطقيا ان وجودنا يجب ان يتكرر بعدد لا متناهي من المرات.

في عام 1871، وبالاستناد الى فيزياء نيوتن وحيث المكان والزمان غير متناهيين، ادّعى Louis Auguste Blanqui العودة الابدية كيقين رياضي. فكرة العود الابدي هذه تعتبر من الافكار الاساسية في كتابات نيتشة. ظهرت هذه الفكرة في عدد من أعماله خاصة (العلم المرح) ص285، 341 وفي (هكذا تحدّث زرادشت). لكن العلاج التام للموضوع ظهر في عمل بعنوان (ملاحظات حول العودة الابدية) وهو العمل الذي نُشر عام 2007 الى جانب النسخة الخاصة بكيركيجارد حول العودة الابدية. يلخّص نيتشه افكاره بايجاز عندما يخاطب القارئ:"كل شيء قد عاد. النجم اللامع في السماء، والعنكبوت، وافكارك في هذه اللحظة، وهذه الفكرة الاخيرة لي بان كل الاشياء سوف تعود". هو ايضا يعبّر عن فكرته بشكل مطوّل عندما يقول للقارئ:

"مهما كان الذي اقابله هنا لأول مرة، غريبا محبوبا، امتّع نفسي بهذه الساعة السعيدة من الهدوء حولي، وفوقي، ودعني اخبرك شيء ما عن الفكرة التي سطعت فجاة أمامي كنجمة تلقي بشعاعها عليك وعلى كل شخص آخر، كما هي طبيعة الضوء. زميلي الانسان، حياتك كلها تشبه ساعة رملية، دائما ترتد وترتد مرة اخرى الى الأبد، سيمضي وقت طويل حتى تعود جميع تلك الظروف التي تطوّرت انت منها في عجلة العملية الكونية . حينئذ كل ألم وكل سعادة، كل صديق وكل عدو، كل أمل وكل جهد، كل عشبة وكل شعاع من الشمس، ونسيج كل الاشياء التي تشكّل حياتك سوف تجدها مرة اخرى. هذا الخاتم الذي انت فيه ليس الا ذرة ستبقى تشع حيّة الى الأبد. وفي كل واحدة من هذه الحلقات من حياة الانسان ستكون هناك لحظة، يتصور فيها انسان لأول مرة ومن ثم آخرون، الفكرة العظيمة بالتكرار الأبدي لكل الاشياء".

يؤكد Walter Kaufmann ان نيتشة ربما وجد فكرة العود الابدي في أعمال Heinrich Heine الذي كتب:

(الزمن غير محدود، لكن الاشياء والاجسام المادية في الزمن هي محدودة. هي في الحقيقة تتشتت الى اجسام صغيرة جدا او ذرات، لكن هذه الذرات لها عددها المحدود، وعدد الصور والتكوينات ذاتها التي تشكلت منها هو ايضا محدّد. الآن، وبعد ان يمر وقت طويل، طبقا للقوانين الازلية التي تحكم مكونات هذه اللعبة الابدية من التكرار، فان جميع التكوينات التي كانت موجودة سلفا على هذه الارض يجب ان تلتقي، تنجذب، تتصادم، وتفسد بعضها البعض مرة اخرى.)

غير ان التعامل الكامل مع فكرة العودة الابدية عرضه نيتشة في كتابه (العلم المرح، 1882):

"ماذا لو في يوم او ليلة وانت في وحدتك يقول لك كائن اسطوري مختبئ خلفك :"هذه الحياة كما عشتها وتعيشها الآن، عليك ان تعيشها مرة اخرى وبعدد لا متناهي من المرات، وسوف لن يكون هناك شيء جديد فيها، بل ان كل ألم وكل متعة وكل فكرة وكل شيء صغير او كبير في حياتك سيعود لك في نفس التعاقب والتتابع، ونفس الشيء بالنسبة لهذا العنكبوت وهذا ضوء القمر بين الاشجار، وكذلك بالنسبة لهذه اللحظة ولذاتي انا ايضا. ساعة الوجود الابدية ستعود مرة ثانية وثانية، وانت معها كذرة غبار.

هل سترمي نفسك ارضاً وتلعن الشيطان الذي تحدّث لك بهذا؟

ان تيتشة لم يخترع فكرة العود الأبدي. بل ان فكرة الحياة الدائرية، وان الموت يتبعه ولادة جديدة، وُجدت في العالم القديم ليس فقط لدى فلاسفة الشرق وانما ايضا لدى المفكرين الاغريق مثل Empedocles والرواقيين. تجدر الاشارة ان هناك اختلافان هامان في عرض نيتشة للفكرة. في المكان الاول، هو اشار الى ان كل عودة للتاريخ ستكون متشابهة في جميع الجوانب نزولا الى اصغر التفاصيل. حياتك لن تتغير ابدا. وهكذا نيتشة نفسه، الذي امتلك حياة غير سعيدة، مليئة بالمعاناة، شهد فيها موت ابيه واخيه عندما كان طفلا صغيرا، مرضه المزمن، آلام الصدر، الصداع النصفي، الأرق، حبه الفاشل، ضعف بصره، فقره ونقص المكانة، وفي النهاية انحداره نحو الجنون، كل ذلك سيحدث له مرة اخرى واخرى الى الابد.

وفي المكان الثاني، في أعماله المنشورة لم يطور نيتشة نظرية كادّعاء واقعي حول الكيفية التي كانت عليها الاشياء حقا. ولكن طبقا لـ Kevin Hil الناشر والمترجم لـ (العلم المرح)، تشير البيانات في المذكرات الشخصية لنيتشة الى انه بالفعل اعتقد ان الفكرة حقيقية مع صعوبة ذكر الدليل. لأنه سيكون من المستحيل اختبار الادّعاء باستخدام الوسائل العلمية طالما يجب على المرء ان يكون خارج الزمن لكي يسجّل الملاحظات الضرورية. ولكن لا يجب علينا اتّباع المذكرات الخاصة بنيتشة. سيكون من المفيد التفكير بالعود الابدي كتجربة فكرية thought experiment لكي نقرر كيف يكون رد فعل المرء لو اعتقد انها حقيقية. هذا بالضبط ما يعرضه نيتشة في العلم المرح.

الغاية من التجربة الفكرية هي نوع من الاختبار لعلاقة المرء بحياته. هل انت تفرح بكونك حي، هل تتذوق كل لحظة، حتى اللحظات الاكثر ألما؟ اذا كان الامر كذلك فان كلمات الشيطان ستكون اخبارا رائعة: انت ستكون قادرا على تذوقها مرة اخرى واخرى الى الابد. ولكن ماذا لو كانت استجابتك هي الشعور بالرعب المطلق؟

نيتشة يقدّم فقط هذين الخيارين: الرعب او السرور. من الواضح انه ينصح بالخيار السار. هذا مرتبط بفكرته عن حب المصير. في قسم 276 من العلم المرح هو يذكر:"انا اريد ان اعتبر كل ما هو ضروري جميلا، لكي اصبح واحدا من اولئك الذين يجعلون كل شيء جميلا، حب المصير". ولكن هناك جواب آخر ممكن. الجواب الثالث والذي لم يأخذ به نيتشة هو عدم الشعور بالفرح ولا بالخوف من الفكرة، وانما الّافرق. ولكن في النهاية، عندما يعيش المرء هذه الحياة عدة مرات، وفي كل مرة يشعر دائما كأنها المرة الاولى، وحيث لا ذكريات تنتقل من شكل الى آخر، فما الفرق الحاصل في العملية؟

دعنا نتصور ان الشيطان يظهر لك الليلة ومعه اخبار عن عودتك الابدية. كيف سيغير هذا شعورك عن الماضي؟بالطبع، ان سنوات ما قبل الشيطان لا يمكن تغييرها، لكن معرفة المرء بان عليه ان يعيشها مرة اخرى واخرى، بدون تغيير، سوف حتما تغير الطريقة التي ينظر بها . ان الذكريات المؤلمة ستصبح اكثر ايلاما. يبدو ان نيتشة يشجع موقف القبول بالمعاناة الذي يكون جذابا. ان ما يصعب القبول به هو أخطائي السخيفة، المخجلة والاشياء التافهة التي عملتها او قلتها. سيكون من السيء جدا لو ان المرء عرف انه يتحتم عليه عملها مرات ومرات. من جهة اخرى، هناك الكثير من اللحظات في معظم حياة الناس يكون من الرائع استعادتها: ذكريات العائلة والصداقة والحب الاول، ذكريات السفر والحفلات، المرة الاولى التي اكتشفت بها مؤلف مفضّل او فنان او موسيقي سيكون من الرائع التفكير لو تعود تلك مرة اخرى. لذا فان النتيجة ستكون تكثيف لكل مشاعر المرء حول الماضي، الجيدة والسيئة .

التكثيف ينطبق ايضا على الذهاب الى الامام. نحن سنكون واعين بان كل تجربة هي امتلاك دائم، وهذا بالتأكيد سيجعلنا اكثر تحفزا بتجاربنا ونعيش حياة اكثر حيوية. ولكن هناك فرق بين الحياة بعد الشيطان والحياة قبله . في حياة ما بعد الشيطان، انت تستطيع تعديل مواقفك واختياراتك وسلوكك. ربما تحاول بوعي بناء حياة تكون من الآن فصاعدا تستحق العيش. بهذا المعنى، ستكون العودة الأبدية عقيدة ايجابية ورائعة جدا وان لم تكن بالطريقة التي قصدها نيتشة. نيتشة اراد ان يكون قادرا على ان يحب مصيره مهما كان ذلك المصير، لا ان يختار المصير الذي يستحق ان يُعاش.

الحتمية والجبرية

المعارضون هنا يقولون ان اي فكرة حول الاختيار ستكون وهماً، بما ان المستقبل تحدّد مسبقا باعتبار انا عشت عدد لا متناهي من المرات من قبل، وهو دائما متشابه، عندئذ فان أفعالي ومواقفي ستكون كما كانت عليه دائما. مستقبلي سيكون قدرا محتوما. لكن هذا لا يحتاج ان يجعل المرء جبريا fatalistic . هناك فرق بين الحتمية determinism والجبرية fatalism. في الاولى، كل ما اقوم به نشأ بسبب معين، وطالما تبقى الاسباب ثابتة فسوف لن يكون بوسعي ابدا ان أعمل خلافا لما اقوم به حقا. هذا لا يعني انا موجّه. لا يعني انا ليس لدي قوة او تأثير. اهدافي وارادتي هما ذاتهما جزء من العوامل المسببة لمواقفي واختياراتي وسلوكي. اما فكرة الجبرية، فانا اكون فيها دمية يائسة المصير، وليس لدي اي وسيلة ابدا. يبدو ان التفسير الحتمي يعمل افضل هنا. انه ليس المصير الذي يشكل المستقبل، وانما القوانين اللامتغيرة للكون. اعتمادا على المعرفة التي جلبها لي الشيطان، انا استطيع اتخاذ القرارات حول الكيفية التي اريد ان تسير بها حياتي مثلما انا أعمل دائما، لكي أتأكد انها حياة تستحق العيش .

مشكلة الزمن

لو توقفنا عند هذا الحد قد تكون المحصلة مقنعة. لكن هناك فكرة تبدو تسير بالضد من الاتجاه الذي سلكناه حتى الآن. دعنا نعيد التفكير في مدى صحة العود الأبدي. هناك نتيجة هامة تترتب على صحة الفكرة لم يستطلعها نيتشة، والتي تبدو تبطل التفسير السابق. ان الطريقة التي نمارس بها الوقت تشكّل فهمنا للحياة. كل قيمنا واهدافنا، الطريقة التي نتصور بها المتعة والمعاناة، الكسب، التعلم، البناء، التقدم، التضحية، الانجاز، التحسين، الخسارة، الانحلال، كله يعتمد على مفهوم الزمن المتدفق الى الامام، الذي يبرر فيه الحاضر او المستقبل للماضي . لم يعد هناك اي قبل او بعد. في العود الابدي، فقدان شيء ما ينطوي على ايجاده مرة اخرى، الموت ينطوي على الولادة، التجربة تتضمن الجهل او النقاء. اذا كنا حقا نأخذ العود الابدي كمسلمة، فهل سنكون قادرين على عمل أي معنى للحياة؟ هل ستكون لدينا أية قيم؟ هل سيكون هناك شيء ما افضل من الآخر؟

نحن هنا نكون في مأزق. هل العود الابدي فكرة تمنحني سببا جيدا لكي أجعل بقية حياتي شيئاً يستحق العيش والحب، ام انها ببساطة تجعل كل شيء بلا معنى؟

 

حاتم حميد محسن

............................

المصادر:

1- Nietzsche Past and Future, Eternal Recurrence, Philosophy Now April/May 2020

2- Wekipedia,The free encyclopaedia

 

 

علي رسول الربيعيدافع ج. ل. ماكي بشكل مشهور عن ما أسماه "الشكية الأخلاقية" في الميتا-أخلاق، ووصف وجهة نظره  أو سماها بـ "نظرية خطأ"، لأن "الإيمان بالقيم الموضوعية مبني على الفكر الأخلاقي واللغة العاديين."[1] ومن الأفضل اعتبار الأخلاق العادية كنوع من "النظرية الشعبية" التي تبين أنها خاطئة. إن القيم الأخلاقية – طبقاً لهذه النظرية- ليست في الحقيقة موضوعية، بل إبداعات ذاتية. على الرغم من أن مصطلح "نظرية الخطأ" يرتبط عادةً بـ ماكي، فمن المهم أن ندرك أن وجهة النظرهذه تصف بدقة موقف عدد من الفلاسفة أو وجهات نظرهم، كنيتشه مثلأً، الذين يعتقدون أن الأخلاق هي اختراع إنساني، لكنهم يسلمون بأن هذا ليس هو الكيفية التي تقدم فيها الأخلاق نفسها لمعظم الناس.

يقدم ماكي عددًا من الحجج  تأييدأ لوجة النظر هذه.[2] فيدعي:

أولاً: تظهر الأخلاق على أنها ذاتية  فتعطي تفسيراً جيداً للنسبية والتغيرات التي نراها في المعتقدات والممارسات الأخلاقية.

ثانياً: كما يقول- ستكون القيم الأخلاقية الموضوعية "غريبة  أو متفردة" بمعنى أن لها وجودها وأطوارها الخاصة ولاتشبه اي شئ موجود أخر، وليس لها  أساس في العالم كما هو موصوف من قبل العلم، ويزعم ماكي حتى لو كان لهم جذور في الحقائق العلمية، فأنه من الصعب أن نرى كيف يمكن لهذه الحقائق الموضوعية أن تكون محفزة بشكل جوهري.

ثالثًا: يعتقد ماكي أنه من الصعب أن نرى لماذا يجب أن تقع وتتبع القيم الأخلاقية كما في الخصائص الطبيعية للعالم.

رابعا: من الصعب معرفة كيف يمكن معرفة هذه القيم الموضوعية حتى لو كانت حقيقية. وأخيراً، يدعي ماكي أن التفسير المختزل للمعتقدات حول القيم يقوض أي ادعاء بالموضوعية؛ حتى إذا لم تكن هناك قيم موضوعية، فيمكننا سرد قصة مقنعة حول سبب اعتقاد الناس بوجودها، مما يجعل من غير المقبول فرض أي قيم موضوعية فعلية لتفسير مثل هذه المعتقدات.

كيف يستجيب المدافع عن نظرية الألهية لهذه الحجج؟ ألاحظ أن المدافع  عن نظرية الأوامر الالهية قد يرغب في التعاون مع المدافعين عن وجهات نظر أخرى، بما في ذلك وجهات النظر العلمانية، للرد على  بعض حجج ماكي. يمكن القول، على سبيل المثال، لا تقوض النسبية موضوعية الخير من خلال القول بأن النسبية ليست كاملة (وهناك أيضًا قدر جيد من التوافق بين الثقافات البشرية المتنوعة حول قيمة أشياء مثل الصدق، الصداقة، والضيافة، وما إلى ذلك)، وكذلك من خلال الجدل بأن "التنوع في المعتقدات الأخلاقية متوافق مع الموضوعية الأخلاقية، على حد سواء. لا يحتاج المرء إلى إنكار الحقيقة الأخلاقية الموضوعية "لمراعاة" التنوع الموجود، على اساس قد يكون لدى  بعض الثقافات فهم أفضل للحقيقة الأخلاقية من البعض الآخر، وقد يكون بعض البشر داخل ثقافات معينة في وضع أعلى من الآخرين في تلك الثقافات . فلا يجب أن تكون التبصرات أو الأفكار الأخلاقية موزعة بالتساوي تمامًا حتى تكون حقيقية. مثل هذه الحجج لموضوعية الخير ضد النسبية هي معروفة ومتداولة بين النفعيين (على الأقل بين أولئك الذين يرفضون وجهة نظرذاتية أو تفضيلية للخير)، و"العاطفيين"،وعلماء الطبيعة الأختزاليين، الكانطيين، ومنظري القانون الطبيعي، ويمكن أن ينظم المدافعين عن نظرية الأوامر الالهية الى هذا المجموعة.

أرى أنه من المثير للاهتمام بدلاً من مجرد انتقاد موقف ماكي أن ننظر في حججه، المعاد وضعها في سياق، يمكن اعتبارها فيه تقدم دعماً لنظرية الأوامر الإلهية. حجة الغرابة أو الفرادة المذكرة سابقا، على سبيل المثال، يمكن أن ينظر إليها على أنها تقطع طريقتين. إذا اعتقد المرء، كما فعل ماكي ، أنه ينبغي فهم العالم بطريقة طبيعية، فإن القيم والخصائص الأخلاقية الأخرى قد تبدو أجنبية أو غريبة حقًا. فللتركيز على الخصائص الأخلاقية (أو المتعلقة بالواجب والالتزام كمفاهيم أخلاقية) التي هي شاغلي الرئيسي، كيف يمكن للمرء أن يعتقد أو يفسر وجود التزامات أخلاقية حقيقية إذا كان الكون يتكون من جسيمات دون ذرية مكونة بطرق مختلفة فقط ؟ بينما لا تبدو القيم أو الالتزامات غريبة في  الكون الالهي، ففي مثل هذا العالم أساس كل الواقع الملموس هو كائن أخلاقي خير محض، وبالتالي ليس من المستغرب أن يكون العالم الذي خلقه الله تكون فيه الخصائص الأخلاقية "عميقة" وليست مجرد ظواهر سطحية. ويمكن إبداء ملاحظات مماثلة حول الحجة الإبستيمولوجية (المعرفية) التي يطرحها ماكي. إذا اعتقدنا أن البشر هم نتاج عملية تطورية غير موجهة ليس لها غايات في أفق  الحياة والعالم، فمن المؤكد أنه قد يبدو من الغريب أن البشر لديهم قدرات إدراكية تتيح لهم معرفة وفهم الخير والشر، والصواب والخطأ.[3] ومع ذلك، حتى عندما يقبل المرء التفسير العلمي للبشر كنتاج لعملية تطورية، تبدو الأمور مختلفة في عالم ثيولوجي- ايماني. فمن المعقول في مثل هذا العالم، أن نفترض أن الله قد خلق البشر ومنحهم مهمة أخلاقية. أن تكون إنسانيًا هو أن تشارك في رحلة، والهدف من الرحلة يتطلب التحول الأخلاقي. إذا كان هذا صحيحًا، فليس من المستغرب أن يتطور البشر بطرق منحتهم القدرات على تمييز ما هو صالح وما هو شر. في الخلاصة، إن حجة الغرابة التي يتبناها ماكي فعالة ضد وجهات النظر الميتا-أخلاق الطبيعية فقط. إن كل من الخصائص المعيارية والقدرات المعرفية البشرية لفهم مثل هذه الخصائص أمر متوقع إذا كان الله قد خلق العالم وابقاه.

ومن المثير للاهتمام أن ماكي نفسه يقدم رسمًا تخطيطيًا للدور الذي قد يلعبه الله في الأخلاق والذي يوازي بشكل وثيق  للتفسير الذي قدمنا عن نظرية الأوامر الالهية.[4] وقد كنا ناقشنا في  دراسة سابقة ( منشور في  صحيفة المثقف)  اعتراض أيوثيفرو القياسي على نظريات الأخلاق التي  تربط جذر الأخلاق بالله، يقترح ماكي  في هذا السياق أنه يمكن حل المعضلة التي يطرحها هذا الاعتراض إذا "فككنا أوفصًلنا" الصفات الأخلاقية ورأيناها مرتبطة بالله بطرق مختلفة.  يقول ماكي، قد نعتقد أن الله قد خلق البشر بطريقة تشير الى أن "هناك نوعًا واحدًا من الحياة هي الأنسب لهم، وأنها وحدها ستنمي قدراتهم الطبيعية ومن خلالها فقط يمكن أن يجدوا الرضا الكامل والأعمق".[5] تعني مثل هذه الحقائق و المواقف المتعلقة بالازدهار البشري ضمناً أن "قواعد  معينة من السلوك والتصرفات هي الأنسب والأكثر ملاءمة للحياة البشرية. ويبدو أن ماكي يأخذ في ألأعتبار نظرية القانون الطبيعي التي توفر سندا لنظرية الأوامر الالهية.[6]

ثم يواصل ماكي في الإشارة إلى أن أوامر الله قد تضيف بُعدًا جديدًا مهمًا لهذه الصورة: قد يطلب الله من البشر أن يعيشوا بهذه الطريقة المناسبة، وقد يفرض عليهم الطاعة للقواعد ذات الصلة. وهذا من شأنه أن يضيف عنصرًا أرشاديا موضوعيًا إلى الحقائق  في الواقع بطريقة غير غامضة تمامًا، وهي أوامرً صادرًاةعن سلطة محددة بالمعنى  الحرفي.[7]

بالطبع كان ماكي نفسه ملحدًا ولم يعتقد أن هذا التفسير صحيح، لأنه بالنسبة له ليس هناك إله يخلق نظاماً يرتيب وينمي الخير أو يقدم الأوامر التي توفر قوة ممهدة  لقواعد حول كيفية عيش متأصل فيه الخير. ومع ذلك، من المهم، كما أعتقد، أنه يعترف بأن مثل الرأي الذي يقول بوجود اله وأحكام الهية هو راي متماسك، وأن يصادق على أنه إذا كان هذا صحيحًا، فإن "المعضلة التي يمثلها اعتراض إيثيفرو سوف تنهار.[1] أيً يمكن للمرء أن يقول إن ماكي يقدم حجة مفادها أنه إذا كان هناك إله فإن نظرية الأوامر الالهية ستكون وجهة نظر قوية ومعقولة.

يمكن للمرء أن يرى أيضًا الطريقة التي توفر بها نظرية الخطأ نوعًا من الدعم غير المباشر لـنظرية الأوامر الالهية من خلال النظر في آراء نيتشه. أعلن نيتشه "موت الله"، وبالتالي قد يبدو حليفا للمدافع عن نظرية الأوامر الإلهية للألتزام الأخلاقي وذلك لأن نقد نيتشه للفلسفة الحديثة يأتي ، وخاصة الفلسفة الأخلاقية الحديثة من اقتناعه بأن النظام الأخلاقي الموضوعي، ولا سيما النظام الذي يعطينا التزامات لإظهار التعاطف مع الآخرين، سوف يتطلب وجود الله كأساس له معبرا عن ذلك في رايه :

تمتد كذبة "النظام الأخلاقي العالمي" عبر تطور الفلسفة بالكامل، وحتى الفلسفة الحديثة. وجواب السؤال ما معنى "النظام الأخلاقي العالمي"؟ هو أن هناك إرادة واحدة لله وثابته الى الأبد  فيما يتعلق بما يفعله البشر ومالا يفعلونه؛ ويمكن أن تقاس قيمة الفرد اي فرد من الناس بالمقدار الذي يطيع به الله.[8]

إن الأعتقاد بأن الله اساس الأخلاق (كما تم تصوره في الغرب)، ادى الى أن يقدم نيتشه نقدا قاسياً للأخلاقيين العلمانيين في عصره، الذين يعتقدون أنهم يستطيعون التمسك بأخلاق موضوعية بدون الله. والملاحظة التالية حول النفعية هي نموذجية في هذا السياق: تنقد النفعية أصل التقييمات الأخلاقية، لكنها تصدقها مثلما يفعل المسيحيون. كما لو أن الأخلاق يمكن أن تنجو عندما يكون الله الذي يفرضها غير موجود، أن الله  ضروري للغاية إذا كان الإيمان بالأخلاق هو الأساس.[9] يؤكد نيتشه هذه النقطة مشيرا الى أنه : "عندما تتخلى عن الإيمان المسيحي، فإنك تسحب البساط من تحت حقك في الأخلاق المسيحية أيضًا. [10]  لايعني نيتشه بالأخلاق المسيحية مجرد الأخلاق التي يدافع عنها المسيحيون، فمن وجهة نظره، إن الآراء الأخلاقية التي دافع عنها الأخلاقيون العلمانيون الأوروبيون في عصره ، بما في ذلك الماركسيون، هي في الأساس أشكال من الأخلاق المسيحية.

من الواضح أن نيتشه، مثل ماكي، كان ملحدًا وكان مجرد صديق لنظرية الأوامر الإلهية للأخلاق. فمن وجهة نظره، جذور معتقداتنا حول التزاماتنا الأخلاقية هي أوهام، أنها كاذبة تماماً. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك غير القادرين أو غير الراغبين في التخلي عن الإيمان بالالتزامات الأخلاقية الموضوعية والراغبين في أخذ إمكانية وجود الله بجدية، يقدم نيتشه شهادة "شهادة غير ودية" تتطلب الألتزامات الأخلاقية الموضوعية الله ولا يكون لها معنى إلا إذا كان الله موجودًا. هنا أود فقط أن أشير إلى أن نيتشه يبدو مؤكدا  للأدعاء الشرطي القائل: لا يمكننا أن نفهم مثل هذه الالتزامات إلا إذا وجد الله.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[*] كنا قدمنا عرضا لهذا في مقال في صحيفة المثق وكذلك في دراستنا:  الربيعي، علي رسول، كيف يضمن الله الأخلاق،  مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد69-70، 2018، 140- 158.

[1] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong (London: Penguin Books,1977), pp. 48-9.

[2] للأطلاع على حجج ماكيMacki ، انظر الفصل الأول ، والملخص الذي يقدمه في الصفحة. 49.

[3] قدمت  Sharon Street حجة متطورة مفادها: يتعارض التفسير التطوري للنشوء البشري مع الواقعية الأخلاقية.  أنظر: "معضلة الداروينية لنظريات القيمة الواقعية".

Street, Sharon, "A Darwinian Dilemma for Realist Theories of Value," Philosophical Studies 127 (2006), 109--66.

وقدم David Enoch ردًا على Street من منظور طبيعي. أرى ربما يجعل السياق الإيماني رد اينوك اقوى بكثير.

Enoch, David, Taking Morality Seriously: A Defense of Robust Realism (Oxford: Oxford University Press, 201I).

[4]   د. الربيعي، علي رسول، كيف يضمن الله الأخلاق،  مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد69-70، 2018، 140- 158.

د. الربيعي، علي رسول،الأوامر الالهية والقانون الطبيعي والفضيلة الأخلاقية، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد، 71-72، 2020، 170-191.

[5] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong,  pp. 230-2.

[6] د. الربيعي، علي رسول،الأوامر الالهية والقانون الطبيعي والفضيلة الأخلاقية، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد، 71-72، 2020، 170-191.

[7] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong,  p.231.

[8] Friedrich Nietzsche, The Anti-Christ (published with Twilight of the Idols), ed. Michael Tanner (London: Penguin Books, 1990), section 26.

[9] Friedrich Nietzsche,The Will to Power, trans. Walter Kaufmann and R. J.Hollingdale (New York; Random House,1968), p.147. Passage is from Book II, part II, section 253.

[10] Friedrich Nietzsche,The Antichrist, section l O.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (7)

إن العلاقة بين الملك والنظام السياسي بالنسبة لابن خلدون تنبع من كونها علاقة عضوية متماسكة. من هنا قوله بأن "الملك هو الدولة"[1]. والملك هو السلطة والسلطان بوصفها مظاهر تاريخية للدولة والنظام السياسي. فالسلطان هو أيضا السلطة أو نمط النظام السياسي. وهذان بالنسبة لابن خلدون كلّ واحد بسبب طبيعة النظم السياسية والدولة آنذاك التي تتوحد فيها السلطة والنظام السياسي والدولة. أما صيغتها الملموسة فيمكنها أن تتخذ ما سبق وأن جرى الإشارة إليه عن أنماط السياسة (الشرعية والعقلية والمدنية). وليست فكرة السلطان بوصفها نموذجا للسلطة والنظام السياسي سوى الصيغة التاريخية التي لازمت تطور فكرة ونظام الخلافة الإسلامي، ومن ثم هي الصيغة المدنية للخلافة أو الصورة الواقعية للغلاف التقليدي أو "الشرعي" للخلافة.

ووراء كل هذه الصيغ المتنوعة والمختلفة من حيث أساليبها وغاياتها، يكمن القاسم المشترك بينها ألا وهو سعيها لتحقيق فكرة الخير وقيمه، ولكن كل بطريقته الخاصة. فهو يبدو هنا كما لو انه يكرر الفكرة الجوهرية التي وضعها افلاطون عن ماهية السياسة وحقيقتها بوصفها فضيلة عملية وحكمة عقلية، وكذلك الحال بالنسبة للدولة. غير إن ما يميز موقف ابن خلدون هنا هو نظرته إلى كافة هذه الجوانب بمعايير فلسفته للتاريخ والدولة والحضارة. فقد سعى هو لإضفاء الصفة الإنسانية على طبيعة الملك. انه يؤنسن الملك والسياسة بعد إضفاء الطابع البشري الطبيعي عليها. فالملك طبيعي للإنسان بسبب طابعه الاجتماعي. والإنسان، حسب ابن خلدون، أقرب إلى الخير من الشر. فالخير يكمن في أن الملك والسياسة إنما له بوصفه إنسانا، بينما الشر هو نتاج الغريزة الحيوانية فيه. بمعنى إن كل ما هو عقلي خير، وكل خير عقلي. وهي نتيجة مبنية على اساس تأمل التاريخ الفعلي للوجود الإنساني، مع أنها فكرة معتزلية خالصة.

إن كون الملك تجل للخير يستند عند ابن خلدون على موقفه من أن صفات الخير تتناسب مع الملك والسياسة، أو كما قال إن "الخير هو المناسب للسياسة"[2]. ووضع هذه الفكرة الجوهرية في أساس رؤيته للنظام السياسي وقيمته بالنسبة للدولة والتاريخ على السواء. لكن معنى الخير بالنسبة لابن خلدون يرتبط بمهمة ووظيفة السياسة بالنسبة للوجود الإنساني. من هنا تناوله لماهية الملك والحكم السلطان من خلال تناول العلاقة بين الحاكم والمحكومين وأهمية السلطان. إذ اعتبر "إن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه، من حسن شكله وقوته وعلمه وما شابه ذلك، وإنما مصلحتهم فيه من حيث اضافته إليهم. فإن الملك والسلطان من الأمور الاضافية". وهنا نقف أمام فكرة مهمة وعميقة، تقوم في ربط ابن خلدون فكرة وضرورة الدولة والحكم ليس بالإنسان الفرد أيا كان نوعه، بل بضرورته الطبيعية من اجل تنظيم الوجود البشري وتذليل الطبيعة الحيوانية فيه (الغريزة)، بوصفها المقدمة الضرورية للتجمع البشري والعمل والعمران، ومن ثم والانتقال من البداوة إلى المدنية والحضارة.

وحدد ذلك بدوره موقفه مما دعاه بضرورة الاعتدال في السياسة ونقد الاستبداد وتقاليده. ففي نقده لتقاليد الاستبداد، اعتبر ابن خلدون أساليب البطش والإفراط فيها والترهيب البحث عن عورات الناس وما شابه ذلك يؤدي إلى فساد الحكم. وذلك لأن انتشار أساليب الإكراه يؤدي بالناس إلى استعمال أساليب الكذب والخديعة وغيرها من أصناف الرذيلة بحيث تصبح من صفاتهم. أما نتيجتها فهي خذلان الحكام في الحالات الصعبة مثل الحرب[3]. لهذا نراه يعتبر الاهتمام بالرعية ومداراتهم ومستوى معيشتهم أصلا كبيرا في ثبات الحكم وازدهاره. وادخل فكرة ونموذج الاعتدال باعتبارها الصيغة العقلانية لفكرة الخير السياسية. من هنا اعتباره الاعتدال في شخصية الحاكم ضرورية، انطلاقا من أن أفضل الفضائل هي الاعتدال والوسطية. لهذا اعتبر إن الاذكياء وذوي العقول الكبيرة لا يصلحون، كالأغبياء، لإدارة شئون الحكم. فإفراط عقولهم يجعلهم بعيدون عن الناس والتعامل معهم على قدر ما فيهم من ذكاء ومعرفة. وليس في هذا الحكم تجن على الواقع أو العامة، لكنه يحتوي على نقد مبطن أو غير مباشر لفكرة الفلاسفة عن أن الفيلسوف هو الحاكم الأفضل. فالعامة هي عامة على الدوام. وقد أسس ابن خلدون واستنبط أغلب احكامه النظرية والعملية من خلال تأمل حياة رجال الحكم والدولة وما يناقضها. وكشف عن مضمون الفكرة المذكورة أعلاه على مثال موقف عمر بن عبد العزيز من زياد بن ابي سفيان، الذي استغرب عزله، فسأل عمرا "لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أم لخيانه؟" فأجابه عمر: "لم اعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن احمل فضل عقلك على الناس".

إن كون الخير مناسب للسياسة هو التعبير العملي الدقيق للحكمة التاريخية والفعلية للفكرة السياسية، التي وضعها ابن خلدون ضمن سياق الفكرة الهادية أو المنهجية الضرورية بالنسبة للعمران وديموته، من ثم ديمومة الدولة ونظامها السياسي. وشكلت هذه المقدمة النظرية منطلق تفسيره للتاريخ السياسي والفكرة السياسية الإسلامية وعلاقتها بالدولة ونظامها السياسي. فعندما تناول معنى الخلافة والإمامة، فإنه انطلق من فكرته عن أن السياسة والفكرة السياسية ضرورية لتنظيم الوجود البشري. فبدونها حرب وفوضى. من هنا "وجوب الرجوع إلى قوانين سياسية مفروضة يسلم بها الكافة وينقادون إلى أحكامها" كما كان ذلك عند الفرس وغيرهم. ووضع هذه المقدمة العامة في تناول ما اسماه بأنواع هذه القوانين السياسية. ونعثر في موقفه هذا على رؤية منهجية عامة حاول من خلالها الكشف عن ظهور وتنوع أنماط الفكرة السياسية والنظام السياسي. فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية، وإذا كامن مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا الآخرة. ذلك يعني، إن ابن خلدون يفرز نوعان من السياسة: العقلية والشرعية، أو الدنيوية والدينية. ولم يضع أحدهما بالضد من الآخر بقدر ما انه أشار إلى تجارب الأمم التاريخية وكونها جميعا تندرج ضمن سياق الفكرة السياسية وضرورتها بما يتوافق مع تجارب الأمم نفسها. وأشار هو إلى ذلك بدقة تامة عندما اكد على أن "الكلام في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع... إنما نتكلم في ذلك على مقتضى طبيعة العمران في الوجود الإنساني"[4].  وفي مجرى تعميمه لتجارب الأمم بصدد أنواع الملك أو طبيعة النظام السياسي العام نراه يفرز ثلاثة أنواع، وهي كل من الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة. ولكل منه مهماته وغاياته ووسائله. واعتبر مهمة الملك الطبيعي حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة؛ ومهمة الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار؛ أما مهمة الخلافة فهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الآخروية والدنيوية الراجعة إليها، استنادا إلى فكرتها الجوهرية عن أن كل مصالح الدنيا من أجل الآخرة.

وجعل ابن خلدون من دراسة وتحليل تاريخ الفكرة السياسية للخلافة موضع اهتمامه الأساسي. ومن خلالها حاول الكشف عن منهجه الفلسفي التاريخي والبرهنة عليه تجاه فكرة الدولة والنظام السياسي وتطورهما وانحلالهما بما في ذلك في مجال العمران أو الثقافة والحضارة.

وانطلق من المهمة الأولية هنا والمتعلقة بتحديد حد وحقيقة وشروط الإمامة والاختلاف حولها. فمن الناحية الشكلية والأولية البسيطة ظهر مصطلح الإمام من إمامة الصلاة، أما الخلافة فمن خلف النبي في أمته الدينية والسياسية. وبما أن الناس لم تترك فوضى في عصر من الاعصار، من هنا استقرت فكرة الخلافة بوصفها قوة روحية وسياسية بحيث حصلت على إجماع دال على وجوبها ونصب الإمام. أما الاختلافات فقد جرت حول ما إذا كانت الإمامة أمر وجوبه بالعقل أم بالشرع. وعموما إن فكرة الإجماع نفسها هي بأثر الإدراك العقلي. بينما قال بعض المعتزلة بأن وجوبه لا بالعقل ولا بالشرع، كما هو الحال عند الأصم وبعض الخوارج، الذين قالوا، بأن الواجب عندهم هو إمضاء الشرع. وفي حال بلوغه لا يحتاج البشر والأمة الى إمام وخليفة. أما الشيعة فقالوا أن الإمامة هي ركن من أركان الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي اغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام ويكون معصوما من الكبائر والصغائر. واعتبر ابن خلدون هذه الفكرة فاسدة ومحمولة على التأويل ولا علاقة لها بالعقل والواقع. كما انه لا شيء يدعمها غير وجود أو انعدام العصبية. اضافة لذلك إن الشرع، كما يقول ابن خلدون، لم يذم الملك السلطان والإمامة، بل ذم خروجها عن الحق[5]. من هنا يمكن فهم وجهة نظره عن أن المقصود بالشرع هنا هو الإجماع. بمعنى النظر إلى فكرة الإمامة والخلافة على أنها فكرة سياسية بحت، ومحكومة من حيث قوتها وفاعليتها وإمكانية بلوغها بأثر العصبية أولا وقبل كل شيء، أي بأثر القوة الاجتماعية والنفسية (الروحية والأيديولوجية). من هنا يمكن فهم موقفه مما يسمى بشروط الإمامة، أي تلك الصفات الضرورية بالنسبة للإمام أو الخليفة لإدارة الدولة وشئونه. لهذا نراه يركز على أربع صفات اساسية وهي العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء من بين تنوع واختلاف المواقف بهذا الصدد. بينما اعتبر ما يسمى بشرط النسب القرشي مجرد حالة طارئة ولا علاقة عضوية له بالإمامة والخلافة. وذلك لأن الصفات العامة الأولى ضرورية، بينما النسب القرشي هو نتاج حادث عرضي ألا وهو "حادثة السقيفة". ذلك يعني، إنها ليست صفة ذاتية للإمامة، بل حالة سياسية عابرة. لهذا نرى تلاشيها واضمحلالها حالما اضمحلت العصبية القرشية والعربية وجرى الاستعاضة عنها بالأعاجم. بعبارة أخرى، إن مبدأ أو قاعدة أو فكرة القرشية هي من حيث الجوهر قاعدة العصبية، كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فإن العصبية هي مقدمة الإمامة. وهذه بدورها النتيجة المنطقية المترتبة على مسار الفكرة الفلسفية والتاريخية لابن خلدون في النظر إلى الإمامة باعتبارها قضية سياسية واجتماعية صرف. وذلك لأن حقيقتها مرتبطة بفكرته عن ماهية وفاعلية العصبية في نشوء واستتباب الدولة وضمورها[6].

ووجد في ما اصطلحت عليه الثقافة الإسلامية وفكرها السياسي والتاريخي عن انقلاب الخلافة إلى ملك الميدان والحركة التي تتكشف فبها صيرورة الدولة والنظام السياسي بأثر فاعلية وجوهرية العصبية ومسار العمران. إذ يتناول ابن خلدون هنا الحركة التاريخية التي رافقت التحول النوعي الكبير في فكرة السلطة والنظام السياسي. فهو ينطلق بهذا الصدد من مقدمة عامة تقول، بأن "الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود"[7]. ففي هذه العبارة المقتضبة نرى ملامح مكونات إحدى أهم وأعمق الأفكار السياسية التاريخية. ومنها يمكن اشتقاق واستنباط الفكرة القائلة، بأن العصبية ضرورية أيضا لانتصار الديانات والشرائع. وبدونها لا يتم ذلك. أما ذم الإسلام للعصبية الجاهلية، فإن المقصود به هو ذم جوانبها السلبية وليس ما فيها من قوة وحمية لنصرة الحق، كما وضعها في العبارة القائلة، بانه "إذا كانت العصبية في الحق وإقامة امر الله فأمر مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع، اذ لا يتم قوامها الا بالعصبية"[8]. وفي هذا الاستنتاج نعثر على تأسيس عميق ودقيق للفكرة السياسية كما هي انطلاقا من الواقع والضرورة. لهذا نراه يقف من حيث الجوهر إلى جانب معاوية بن ابي سفيان حالما التقى به عمر بن الخطاب وهو بهيئة أبهة هائلة. وعندما انكر عليه عمر هذا السلوك، اقنعه معاوية بأنه في صراع مع الفرس والبيزنطيين، وهذا يحتاج بدوره إلى هذه المظاهر لكسر هيبة ملوكهم.

وطبق هذا الأسلوب تجاه كل مظاهر وحوادث التاريخ السياسي العربي الإسلامي حتى عصره. معنى انه نظر إلى الأحداث والصراع المتنوع حول الإمامة والخلافة (حول السلطة) باعتباره صراعا سياسيا، وانه أمر ملازم بالضرورة لصيرورة الدولة والعمران. ومن ثم لا معنى للتعامل معه بمعايير الرؤية الاخلاقية والوازع الديني وما شابه ذلك. من ها نظرته إلى الصراع التاريخي المشهور بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان بمعايير فلسفته التاريخية والسياسية. من ها تفسيره إياه وكذلك نتائجه من هذا المنطلق. إذ نراه يشير قبل التطرق إلى هذه القضية من مقدمات نظرية عامة تقول، بأن الانتقال من البداوة إلى المدينة والعمران وانتشار وتوسع الملك زمن الخلافة الأولى كشف عن حالات الثراء الفاحش عند الصحابة. وقدم امثلة على ذلك من خلال تناوله وجرده لثروات عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. واعتبر ذلك عملية طبيعية تلازم الملك بالضرورة ولا يمكن تذليلها، إلا حالما تبلغ غايتها. وبالتالي، فان الصراع بين علي ومعاوية هو اجتهاد سياسي كل منهما يرى الحق في ما يقوم به، مع إن علي كان على الصواب. وعندما انفرد معاوية لاحقا بالملك، فإن مساره كان طبيعيا بفعل تأثير العصبية وانتصاره فيها. وقد فهم بنو امية هذه الحالة وعاضدوها. وبدونها لتفرقت كلمتهم وخسروا. وإن تقليد يزيد ابنه للخلافة كان بأثر العصبية وتأثيرها لكلي لا تنفرط الوحدة العصبية. وهو المسار الطبيعي الذي أدى لاحقا إلى ما آلت اليه الأمور في مسار الملك والدولة، أي إلى الضعف والتحلل. ذلك يعني، إن تحول الخلافة إلى ملك أمر طبيعي وضروري. من هنا قوله:"ذهبت معنى الخلافة ولم يبق إلا أسمها، وصار الأمر ملكا بحتا، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها... وأسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب. والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض. ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب"[9].

من هنا يتضح، بأن مسار الخلافة، شأنه شأن كل مسار للدولة يتعرض مما تتعرض له من صعود بالعصبية وتكامل لها ثم تلاشيها واضمحلالها، وبأثر ذلك اضمحلال الدولة، أي سقوطها التاريخي. وهي عملية اقرب ما تكون بالنسبة لفلسفة ابن خلدون التاريخية والسياسية إلى قانون صارم وحتمي بقدر واحد. من هنا تتبعه لظهور وتطور الخلافة. فقد أدى تطو الدولة إلى التباس معنى الخلافة، بمعنى تأرجحها بين تأثير الفكرة الأخلاقية الإسلامية ومبادئها العامة وبين تكامل الدولة بمختلف مؤسساتها وازدياد الثروة وتطور العمران. ومع كل خطوة كبيرة بهذا الاتجاه يأخذ الملك بالإنفراد حيث "افترقت عصبيته من عصبية الخلافة". ذلك يعني إن الخلافة حالة أولية للملك ذات نظام سياسي خاص له عصبيته الذاتية (العرب والدين). بينما تحولت لاحقا إلى ملك مخلوط ببقايا وشكل الخلافة الظاهري. ثم تحولت إلى ملك خالص (نموذج وفكرة السلطان). الأمر الذي يعني بالنسبة لابن خلدون إن الخلافة الأولى ليست نموذجية بل مرحلة وحالة معينة وخاصة لصيرورة الدولة. وبالتالي لا قدسية فيها. وهي الحالة التي حاول الكشف عنها على مثال نمو الثروة الفاحشة عند الصحابة والتابعين، بوصفها الحالة الأولية للانتقال من العمران البدوي، بوصفها حالة العرب في الحجاز، إلى العمران الحضاري بوصفها فكرة الدولة.

وتتبع ابن خلدون نمو هذه الحالة والتحولات التي جرت داخل بيتها السياسية من خلال تحليل المفاصل الأساسية فيها وهي كل من ظاهرة ومؤسسة البيعة أولا والتوريث لاحقا. فمن حث مفهومها ليست البيعة سوى "العهد على الطاعة". وقد كانت في البداية تجري عبر مصافحة بالأيادي، ولاحقا بالإكراه. والتاريخ السياسي الإسلامي في أغلبه هو تاريخ البيعة بالإكراه، والاستثناء الوحيد فيها هو مبايعة الخليفة علي بن ابي طالب. وهو السبب الذي يفسر إنكار الولاة جميعا للفتوى القائلة بسقوط يمين الإكراه. إذ وجدوا فيها تهديدا لشرعية الحكم، كما يقول ابن خلدون[10]. أما فكرة التوريث أو ولاية العهد، فقد ارتبطت بصعود الأموية. وفسر ابن خلدن هذه الحالة بوصفها المرحلة الملازمة لصيرورة الملك - الدولة. واعتبرها حالة طبيعية مرتبطة بحالة العصبية القرشية وقوتها وهيمنتها آنذاك. من هنا قوله، بأن توريث معاوية كان مرتبطا بإسناد "عصابة قريش وأهل الملة وأهل الغلب. وسكوت وحضور اكابر الصحابة دليلا على ذلك". ذلك يعني، إن التوريث، بالنسبة لابن خلدون، ليس رذيلة أو خطأ. ولا معنى بالتالي لجعل فترة حكم الخلفاء الراشدين أمرا ملزما كما يستنتج ابن خلدون. فاختلاف الأزمان والأجيال بالنسبة له يغير هذه الحالة. فخلافة الراشدين هي حالة أولية لم تبلغ حالة الملك. ففي زمن الخلافة كان الوازع الأكبر هو الدين، بينما لاحقا أصبح الوازع الأكبر هو السلطان والعصابة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "العصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح. ولكل واحد منها حكم يخصه"[11].

وبأثر هذا الاستنتاج تناول ابن خلدون مختلف مظاهر ومؤسسات الدولة الناشئة، وتتبع مختلف مظاهرها كما لو انه يرصد تطور الحضارة العربية الإسلامية وخصوصية مكوناتها وإرثها الثقافي من خلال موشور الفكرة التاريخية السياسية. فهو يتناول على سبيل المثال قضايا ولاية العهد أو التوريث[12]، و"الخطط الدينية" أو دور الدين في السياسة من خلال توحيد الجماعة والأمة وربطها بقواعد روحية وعقائدية وعملية شرعية مثل الصلاة والقضاء بوصفه فريضة، وأحكام القضاء وكيفية تطورها وانتقالها من مهمة الخلفاء إلى استقلالها اللاحق والذي يمكن تتبعه من خلال كتب الأحكام السلطانية، وكذلك مؤسسة الشرطة والحسبة والسّكة[13]. ثم يتناول القضايا المتعلقة بالألقاب مثل الخليفة والإمام وأمير المؤمنين والجدل حولها[14]، ثم تناول ألقاب السلطان ومراتب الملك، وكشف عن كيفية تغير وتبدل الوظائف والسلوك في كل شيء على مقتضى العمران[15]، ثم مختلف جوانب وظائف ديوان الأعمال والجبايات، بحيث نراه يتناول أصل كلمة الديوان عن الفارسية التي نطق بها كما تنقل الروايات كسرى في إحدى ملاحظاته لسلوك الكتاب عنده، فاطلق عليه كلمة ديوانه وتعني المجانين. ثم جرى حذف الهاء، ويقال أنها تعني الشيطان لسرعة نفاذ ما يكتبونه. باختصار لقد تحول "المجانين" إلى أهم الموظفين في الدولة! وجرى تطبيق مهمات الديوان في زمن عمر بن الخطاب ثم تطور من الحساب إلى الجباية التي دخلت فيها مختلف مصادر الثروة التابعة للدولة في مجرى الانتقال من البداوة إلى الحضر كما يقول ابن خلدون، أي من خلافة الراشدين إلى الملك الأموي وبالأخص زمن عبد الملك[16]. ثم تناول الكتبة والكتّاب، والشرطة، وقيادة الأساطيل، والرايات والأبواق والبيارق ورتب السيف والقلم والشارات والختم التي يتخذها الملوك[17]، والفساطيط والمقصورة للصلاة والدعاء والخطبة وكثير غيرها[18].

إن كل هذه الشروح والواقف المتعلقة بمختلف مظاهر الدولة وتطورها في مختلف المجالات تسعى للبرهنة على أن كل ذلك مرتبط بالعمران، أي بالتطور التاريخي الطبيعي لجماعات والأمم والدول والثقافة. لهذا نراه يشدد على أن ما يكتبه ليس تفصيل الأحكام الشرعية بهذا الصدد، بل ل-لكشف عن المسار التاريخي للعمران في بنية الدولة ومؤسساتها ومراتبها وأشكالها، كما في قوله: "إن الكلام في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع. إنما نتكلم في ذلك على مقتضى طبيعة العمران في الوجود الإنساني"[19]. من هنا موقفه وحكمه التاريخي السياسي القائل، بأن تاريخ الخلافة ودولها ونظمها السياسية في نهاية المطاف يعيد أو تكرر أو يحذو حذو النعل بالنعل ما هو مميز لظهور الدولة وانحلالها.

فانتقال الخلافة في مجرى تطورها من الصيغة أو الهيئة الدينية - السياسية إلى السياسية يعني تطبعّها بالضرورة بطبائع الملك. وطبائع الملك هي كل من الإنفراد في المجد، والترف، والدعة والسكون[20]. وهي طبائع تستمد مقوماتها من طبيعة العمران نفسه. ومن ثم تكمن فيها أجنة الانحلال اللاحق للدولة وموتها، أو ما اسماه ابن خلدون أحيانا بحالة الزحزحة التي تسبق سقوط الدولة. ولا تحدث هذه الزحزحة التي تكلم عنها ابن خلدون قبل أن تبلغ الدولة مرحلة النضوج. فتطور الدولة ونضوجها يعادل معنى الموت، كما هو الحال بالنسبة لكل وجود طبيعي! غير أن هذا الاستنتاج لا يستند في منظومة ابن خلدون الفلسفية عن التاريخ إلى معطيات الطبيعة والإنسان (الحيواني)، بل يستنبطها من الآلية الداخلية لظهور وتطور الدولة على مثال مختلف نماذجها وتواريخها، كما نراه على مثال تجارب الدول في اليونان والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم. وذلك لأن استحكام طبيعة الملك، كما يقول ابن خلدون، يؤدي بالدولة إلى الشيخوخة والهرم. وعندما يقارن ذلك بحياة الإنسان وعمره، فإنه لم يقصد بذلك مقارنتهما الحرفية أو انه يضع علامة مساواة بينهما، بقدر ما انه يشير إلى شكل ومظهر المقارنة الممكنة بهذا الصدد. وبما أن الدولة من الناحية المجردة تمر بأطوار أربعة أو أجيال أربعة أشبه ما تكون بحياة الإنسان، من هنا عادة ما يكون عمرها بحدود مائة وعشرين سنة. وتعادل هذه الفترات هيمنة العصبة وانحلالها ومن ثم دولها الخاصة كما هو الحال بالنسبة للخلافة الأموية والعباسية.

إن هذه الخاتمة الحتمية من وجهة نظر ابن خلدون تكمن في آلية ونتائج العملية الطبيعية المرافقة لاستحكام ما اسماه بطبيعة الملك التي ترافق انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة. واعتبر "هذه الأطوار طبيعية للدول"[21]. فالملك يؤدي إلى توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وزركشتها. وقدم ابن خلدون كمثال زواج وعرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل استنادا إلى ما اورده المسعودي والطبري. وهي أقرب إلى الخرافة من حيث سعة الإسراف والترف وفيها. إذ ما جرى تبذيره يكفي لبناء مدينة عظيمة أو دولة جيدة بمقاييس العصر آنذاك. وإذا كانت هذه الظواهر ليست سلبية على الدوام، إذ ينزع ابن خلدون في تفسيرها منزعا واقعيا وعلميا، بوصفها حالة طبيعية ملازمة للعمران الحضري المتطور.، من هنا يمكن فهم تقيمه إياها بصورة إيجابية، على الأقل في مراحلها الأولى، بوصفها قوة دافعة للإنتاج والتطور، والذي يجد تعبيره المناسب في زيادة عدد السكان، واشتراكهم في العمل الاجتماعي، وتحسين شروط الحياة وما شابه ذلك. غير أن تطورها وازدياد كميتها والإفراط فيها يؤدي إلى انحلال الدولة وسلطتها السياسية والقيم والعقائد. وإن كل ذلك يجري على مراحل أو أطوار حصرها ابن خلدون في خمس هي كل من طور الظفر بالبغية (الاستيلاء على الملك)؛ وظهور الاستبداد (الإنفراد في الحكم، وظهور المؤسسات وقوى القهر من جيش وشرطة)؛ والفراغ والدعة (الزركشة والافراط في الزينة، والذي يدعوهة ابن خلدون "بآخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة"؛ والقناعة والمسالمة (التقليد في الحكم وضمور ومن ثم إنعدام الاجتهاد والبحث)؛ والإسراف والتبذير (الهرم والهدم).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص233

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص113.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص149.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص186.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص151-152.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص153-154.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص159.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص160.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص164.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص165.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص167.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص166-172،

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص173-179.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص179-182.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص187-192.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص192-193.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص198-211.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص 212-214.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص186.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص131-132.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص135.

 

 

زهير الخويلدي"لا يمكنك التغلب على الطبيعة إلا بطاعتها"[1].

ولد فرانسيس بيكون في لندن عام 1561. أصبح محاميًا بالتدريب، حارسًا لأختام الملك جيمس الأول، لكن تمت إزاحته من منصبه في عام 1621 بسبب الفساد. ثم تحول إلى البحث العلمي وتوفي عام 1626.

الغريب هو كيفية تمكن فرانسيس بيكون من تجسيم وعده الذي أعلن فيه بأن الطريق التي تسير عليها العلوم لازالت عقيمة ولا يبدو الوعد له قيمة ما لم يدر ظهره للفلسفة الماضية بشكل كلي لكن إذا كان الأمر بهذه الكيفية قد يجد المرء صعوبة في ضمان إمكانية المعرفة وبيكون نفسه قد يسقط في الريبية ويجب إعادة تأويل طموحه نحو التجديد وإعلان القطيعة مع فلاسفة الماضي القدامى والوسيطيين على حد سواء.

لقد اعتمد بيكون على استراتيجية خطابية تهدف إلى منع المرء من الاكتفاء بالمعرفة الجاهزة ودفعه إلى البحث عن معرفة جديدة عبر تغيير المنهج القديم بآخر جديد والاقتناع بأن التقدم يجب أن يكون مهمة لا نهاية لها ولا يمكن تحديد الطريقة التي ينبغي إتباعها بصورة قبلية من اجل إنتاج معارف علمية جديدة. ولذلك يكتفي بيكون ببعض الإشارات والتوصيات التي يتسنى له التخلي عنها عند التقدم في البحث لأن المرء لا يمكنه أن يتوقع أنه يتقدم وأنه بصدد تحقيق المزيد من الاكتشافات ولا أن يقول ما ستكون عليه المعرفة في المستقبل وبهذا المعنى كان الهدف الأساسي من فلسفة بيكون هو تحرير عملية الاكتشاف.

العلم يجب أن يأخذ نهجا واقعيا. يقدم فرانسيس بيكون منطقًا جديدًا في Novum Organum بالإضافة إلى برنامج العلوم الطبيعية. إنه يسلط الضوء على الحاجة إلى معرفة أسرار الطبيعة، أي تنظيمها، من أجل النهوض بالعلوم الإنسانية ولاحقًا إتقان السيطرة على الطبيعة من خلال تفسير الظواهر والتحكم فيها.

فرانسيس بيكون هو رائد الأسلوب التجريبي في العلوم الطبيعية. لقد رأى أنه يجب على الإنسان اكتشاف النظام الطبيعي للأشياء لتوسيع معرفته وتدعيم قوته في العمل. من هذا المنطلق اعتمد على المعرفة العلمية التي تستند إلى الملاحظة والتفكير معا وذلك لأن أدوات العقل واليد ضرورية في البناء المعرفي. كما أصر بيكون من وجهة نظر منهجية على دور الحدس المدعم، والذي ينبني على توسيع جملة من الملاحظات في بعض الحالات المعينة ووضعها في نوع معين من القاعدة العامة. بعد ذلك نجده يجعل منهج الاستقراء القاعدة التي من الممكن الانطلاق منها في صياغة القوانين العامة من الملاحظات.

يتطلب تأسيس العلم الجديد التحرر من الأوهام التي تضلل الذكاء البشري. يؤكد بيكون أن الإنسان لا يستطيع أن يبحث عن المعرفة العلمية دون أن يحرر عقله أولاً من عقبات معينة، "الأوثان".

 "هناك أربعة أنواع من الأوهام التي تحاصر الفكر الإنساني". من أجل التوضيح، قدم بيكون أسماء مميزة: من جنس الأول بأوهام القبيلة، وأخرى أوهام الكهف، والثالثة أوهام الساحة العامة، ومن جنس الرابع أوهام المسرح ".

- تحدد أوهام القبيلة أولاً الكسل الطبيعي للروح الإنسانية، لا سيما ميلها إلى التعميم بطريقة مسيئة من الحالات المواتية للتحيز الأولي - مثل الظاهرة المعرفية في أصل الخرافات مثل علم التنجيم.

- بعد ذلك، تتوافق أوهام الكهف، التي سميت باسم قصة أفلاطون، مع ثقل العادات والتقاليد التي تسجن الفكر الإنساني.

- أوهام المكان العام هي أنها شكل من أشكال السجن العقلي، والتي تشكل الأحكام المسبقة، في بعض الأحيان مشوشة أو غير واقعية، والتي تحمل معها اللغة المتداولة.

- أخيرًا، تستمد أوهام المسرح من المكانة المسببة للعمى للنظريات الفلسفية الأكثر شهرة، والتي تمثلها كل من نظريات أفلاطون وأرسطو.

يعيد بيكون تركيز العلم على الخبرة والكفاءة التقنية ويعلن تقدم العلم من خلال الملاحظة. بيكون هو واحد من أوائل المفكرين الذين يثبتون الفضيلة الإيضاحية والعلمية للتجربة. عند القيام بذلك، أراد استبدال المنطق الاستنتاجي (من العام إلى الخاص) لمنهجيات أرسطو بمنطق استقرائي جديد (من الخاص إلى العام). لذلك يجب على رجل العلم السعي لتجميع وتصنيف الحقائق وبالاشتغال على الفرضيات المبنية على الملاحظات، والتي يجب بعد ذلك اختبارها في مبارزة (فرضية ضد الفرضية المعاكسة).

يستفيد هذا العمل من عمليات التحقق المتعاقبة من الديناميكية الجماعية للمجتمع العلمي، حيث يمكن للجميع تكرار التجربة. ومع ذلك، يجب أن يتم تنفيذها دائمًا بدقة: كل التجارب دون خطة أو نية دقيقة ليست كافية للحصول على قيمة علمية. يقول بيكون: "إن أفضل برهنة، هي إلى حد كبير بعيدة عن التجربة، طالما أنها تتمسك بالشيء الذي يتم تجربته". وبالتالي، يشترط الفيلسوف أن تكون التجربة العملية أو النظرية كاملة الصلاحية التجريبية لاختيار وسيلة معينة ونهاية محددة. يكون المنهج التجريبي عمليا مثمرا عندما يحدث تأثيرا على الواقع ولما يتمكن من تحسين حياة الإنسان؛ ويتحول الى نظرية شاملة عندما يكون له تأثير على العقل البشري الذي يتقدم العلم المشرق القادر على استيعاب الطبيعة.

العلم يبحث عن المعرفة من أجل الكفاءة التقنية. يقول بيكون إنه لا ينبغي أن يظل نظريًا، لأن مهنته هي بالضرورة عملية وميدانية: الغرض منه هو ممارسة القوة على الطبيعة. من وجهة النظر هذه، ينتقد البعد التأملي البحت، أي أن يقول دون اهتمام فيما يتعلق بالعالم الحقيقي، خطب فلاسفة العصور القديمة، الذين حبسوا حكمتهم في الكلمات في كل شيء والأعمال العقيمة. لذلك يجب فهم المعرفة كوسيلة لتحقيق الكفاءة التقنية. إنها بالتحديد مسألة اكتشاف خصائص الطبيعة من أجل إعادة إنتاجها في أجسام معينة. "علم الإنسان هو مقياس قوته، لأن تجاهل السبب هو عدم القدرة على إحداث التأثير. هكذا ينتصر المرء على الطبيعة فقط عن طريق طاعتها؛ وما يصعب على التأمل، يحمل اسم السبب، ويصبح قاعدة في الممارسة. يبدأ الفيلسوف من مبدأ أن كل خاصية للطبيعة (على سبيل المثال، الكثيفة، الساخنة، الباردة، الثقيلة، الضوء، وما إلى ذلك) هي تعبير عن جوهر؛ الآن، من خلال أن يصبح سيد هذا الجوهر، سيصبح الإنسان سيدًا للعمل المبدع الذي ينتج عن ذلك ؛ هذا هو السبب في معرفة قوانين الطبيعة ضرورية لإنتاج الخصائص في الإرادة. لذلك يقارن بيكون العالم بالعالم الكيميائي الذي يحول المادة.

لكن لماذا اختار بيكون المراهنة الجذرية على المنطق الاستقرائي؟ وماهي قيمة المعرفة التجريبية؟

خلاصة القول أن بيكون جعل من الانفصال عن الماضي أهم شرط لتحرير الاكتشاف العلمي وأراد تطهير المعرفة من الجدل العقيم والمناقشات الخاطئة التي أضرت بها، وخاصة من تراث أرسطو وأفلاطون. يجعل المعرفة أعلى مهنة للإنسان. إن المعرفة تعطي قيمة أخلاقية وسياسية وتلهم الشكوك المفيدة وتجعل المظاهر تنمو. قارن بيكون، قبل ديكارت، المعرفة بالشجرة التي ستكون فلسفتها هي الجذع. كما رأى أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى الفيزياء والميتافيزيقيا. يعرّف الأخيرة أي الميتافيزيقا بطريقة جديدة: إنها تدرس المبادئ أو البديهيات المشتركة التي تعتمد عليها العلوم المختلفة بدورها.

من جهة ثانية يؤمن بيكون بالمعرفة من خلال التجربة ويجعل من التجربة طريقة رائعة للمعرفة. كما يتمثل الهدف أولاً وقبل كل شيء في إعداد الإنسان قائمة يجرد فيها كل ما يعرفه بالملاحظة، مع الحرص على التجارب المنعزلة، التي ستأتي عن طريق الصدفة، أو التي لن يكون لها سوى فائدة فورية. من المستحسن تمييز التجارب التي "تستخلص النتيجة" وتسمح باختراع تجارب أخرى جديدة. كما يميز بيكون بين الاستقراء والتجريب. في الاستقراء العادي، ننتقل من الملاحظة إلى المبادئ الأخيرة الأكثر عمومية، بينما، في الاستقراء التجريبي، يجب أن نتقدم خطوة بخطوة، من خلال التمشي التدريجي، وليس نحو الأفكار العامة، ولكن نحو المبادئ التي تتيح للفكر من أن يمسك بطبيعة الأشياء".

من جهة مقابلة يجب أن تقوم التجربة أيضًا بتصحيح الخطأ الذي لا مفر منه الذي تسببت به الحواس، ولكن لهذا يجب تنقيته مسبقًا. في هذا الإطار انتقد بيكون الأوهام ورفض المفاهيم الخاطئة التي يتم تدريسها ودعمها ويسمي هذه الأفكار "بالأوهام" أو الأصنام . اذا كانت الأوهام الأولى متجذرة في طبيعة الإنسان وكان الإنسان أولاً وقبل كل شيء يتصور رغباته وليس وفقًا لقواعد الكون واذا كانت الأصنام الثانية متأتية من الكهف – وهو المكان الرمزي للظن عند أفلاطون – ويغمره الخطأ والظلام واذا كانت الأوهام الثالثة صادرة عن الساحة العامة فإن الأوهام الرابعة تنحدر من المسرح وهي مكرسة من قبل التبجيل الذي أُنجز لأعمال الماضي: خرافات، وقصص خيالية، تزدهر على بعض الملاحظات المجزأة. إن قلة البيانات وكذلك الميل إلى التطور الفلسفي بشكل سريع، ومزج اللاهوت معها، وخلق السفسطة، والتجريبية الساذجة والخرافة. على هذا الأساس يرفض بيكون التجريبية الأرسطية التي تسعى نحو معرفة الأسباب التي تتحكم في ظواهر الطبيعة. بهذا المعنى لا يهتم بيكون فقط بأسباب الظواهر، فهو ينتقد كل السببية ويبتعد عن النظرية الأرسطية للأسباب الأربعة، وعن الأسئلة التي تطلبها وهي كالآتي: "ما هي هذه الظاهرة؟" "،" ما هو شكلها؟ "،" ما هو السبب الفعال لها؟ "،" لأي غرض تحدث؟ ".

كما يرفض بيكون فكرة السببية الغائية، ويؤكد أن السببية الرسمية غير مجدية، ويذهب إلى حد النظر في البحث عن السبب المادي والسبب الفاعل ويقول بعدم الجدوى من الخوض فيهما. لقد رفض بيكون المخطط التوضيحي الكامل لأرسطو ورأى بأنه لا يزال هناك فقط طبيعة بسيطة قيد الفحص وأوصي بإتباع الطريقة الحقيقية من أجل تشكيل دراسة استقصائية واحدة وعامة حول طرق نقل المعرفة التجريبية. غاية المراد من استخدام المنهج التجريبي أن اكتشاف المعرفة الجديدة يتطلب أيضًا أن يقوم الفيلسوف بالبحث والتحقق من المعلومات الواردة من الواقع وحساب المعطيات وقياس ما تعلمه من التجربة لتحديد المعلومات وبمجرد تجميع هذه الجملة من الملاحظات الخاصة، فإنه من الضروري ترتيبها وتنسيقها.لكن كيف عمل بيكون على التمهيد لقيام الفلسفة التجريبية على أسس معرفية صلبة؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.................................

المصادر:

 فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017.

  • Novum Organum (1620), édition PUF, Paris, 1986,
  •  Essais de morale et de politique (1597)
  • De la dignité et de l’accroissement des sciences (1623)

هامش

 

 [1] Francis Bacon , Novum Organum, édition PUF, Paris, 1986,p.101.

 

 

صلاح الدين اشرقيمقدمة: لقد تعرض الدرس اللساني إلى مجموعة من التحولات، حيث تعطلت الكثير من الأطروحات التي كانت تُعتمد بوصفها أساسا معرفيا لحل الإشكالات التي عرفتها العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم اللغوية الأدبية بصفة خاصة، لذا كان من الضروري البحث عن بدائل معرفية تُواكب المستجدات التي طرأت في مجال العلوم الإنسانية التي عانت كثيرا من الجُمود الذي فُرض عليها من قِبل مجموعة من المفاهيم المنطقية الثابتة التي أغفلت الكثير من الجوانب في الخطاب، أبرزها الطابع التفاعلي الذي يمتاز به.

وبناءً على ما سبق، ظهرت تصورات جديدة تستحضر أبعادا أخرى في الخطاب، مثل: السياق، والذات، والقصد وغير ذلك من العناصر التي تمنح الخطاب بُعدا تداوليا تواصليا، وما يجب الإشارة إليه هنا الاتجاه الذي برز مع الفلاسفة التحليليين  لا نقصد هنا الفلسفة التحليلية في مراحلها المتقدمة، بل المقصود " الفلسفة التحليلية الجديدة "  التي درست الخطاب في التواصل، ومن أبرز رواد هذا الاتجاه الجديد في الفلسفة التحليلية، "أوستين" الذي اقترح أطروحة جديدة تُعتبر من الأطروحات الأولى التي أحدثت انعطافا في مسار الدرس اللغوي، وهي " نظرية الأفعال اللغوية " التي نظرت إلى اللغة من زاوية مغايرة، إذ ربطت اللغة بمستخدميها.

 إرهاصات أولية:  انعطاف الفلسفة التحليلية:

لقد اهتمت الفلسفة التحليلية في مراحلها المتقدمة بإشكال عام وهو المتعلق ب " فلسفة اللغة " التي تعتبر مؤسس الفلسفة التحليلية، غير أن مختلِف النظريات التي قاربت اللغة نظرت إليها من زاوية منطقية صورية، وقد نتج عن هذا " التوجه المعرفي " نتائج سلبية، أبرزها جعلُ اللغة مثل المنطق الرياضي دورها ينحصر في " وصف الأشياء " فحسب، وفي هذا التصور انتزاع للخاصية الجوهرية التي تميز اللغة، وهو التفاعل والتواصل من جهة، ومن جهة ثانية عزل اللغة عن الخطاب وبذلك تبدو اللغة غير قادرة على احتواء هذا الخطاب، لذلك كان من الضروري " تطوير " هذه الفلسفة من خلال ابتكار نظريات جديدة تدرس اللغة بما هي تحقق في الواقع أي في التواصل باستحضار أبعاد مقامية سياقية، وكذلك الأخذ بنظر الاعتبار العلاقات التي تربط المتخاطبين بالأقوال التي ينتجونها، وقد ظهر هذا النوع الجديد من الدراسات في الفلسفة التحليلية مع " أوستين " الذي يعتبر أحد أبرز رواده، ومن أهم ما سعت إليه الفلسفة التحليلية الجديدة " تجاوز " التصور القائل بنموذجية اللغة، بمعنى وجود نوع واحد من اللغة، وتم تعويض هذه الفكرة ب " التعدد اللغوي "، وبما أن هذا الاتجاه الجديد يؤمن بالتعدد اللغوي، فإنه من الطبيعي سيتم إدراج اللغة العادية ضمن الدراسة والتحليل، بل إن هذا النوع من اللغة هو الأكثر خضوعا للتحليل في الدرس التداولي عامة، وفي نظرية الأفعال اللغوية خاصة، وانطلاقا من هذه الانعطافات التي طرأت على الفلسفة التحليلية، ظهرت نظرية الأفعال اللغوية من خلال رائدها أوستين كرد فعل طبيعي لتلك المُستجدات.

 نظرية الأفعال اللغوية (أوستين):

لقد أسس أوستين نظرية الأفعال اللغوية العامة من خلال نقده لموقفين اثنين، وهما:

 الموقف الفلسفي التقليدي الذي نظر إلى اللغة من زاوية ضيقة، إذ حصر وظيفتها في " وصف " حالة شيء ما، أو إثبات واقعة عينية  انطلاقا من معيار الصدق والكذب، وقد أغفل هذا الموقف أنواعا أخرى من الجمل، مثل: (الاستفهام، الأمر...) واعتبر أن جميع الجمل خبرية وعليه فهي وصفية بالدرجة الأولى.

 الموقف النحوي التقليدي الذي أشار على وجه مطرد أنه ليست جميع الجمل تفيد بالضرورة الخبر أو تنتج أحكاما، بل هناك جملٌ تفيد الاستفهام والتعجب والأمر...، لكنهم لم يربطوا هذه الجمل بقائليها وبالأفعال الناتجة عنها، لأنهم تناولوا هذه الجمل في ذاتها وهذه هي طبيعة النموذج الوصفي حيث يعزل الظاهرة عن التحقق، ولم يكتف أوستين بنقد هذين الاتجاهين فقط، بل اقترح " بديلا معرفيا " يتمثل أساسا في اعتباره اللغة ليست وسيلة للوصف ونقل الخبر فحسب، وإنما هي أداة لبناء العالم والتأثير فيه، وعليه تحولت اللغة مع أوستين من مطابقة الواقع ووصفه كما هو، إلى البحث عن ما نفعله بالتعابير التي ننطق بها وكذلك البحث عن سياقات الكلام أو استعمالاته.

 الملفوظات الإنجازية:

من أهم اقتراحات أوستين في نظرية الأفعال اللغوية ما أسماه ب  " الجمل الإنجازية " وتعتبر هذه الجمل بمثابة بديل معرفي لتلك الأفكار التي كانت سائدة في الموقفين التقليديين الفلسفي والنحوي، حيث كان يُنظر إلى الجملة على أنها خبرية تصف الأشياء فقط، في حين أن أوستين يذهب عكس هذا التوجه ويرى أن العبارات المُتلفظ بها "لا تصف ولا تُخبر بشيء ولا تثبت أمرا ما على وجه الإطلاق، ومن ثمة فهي لا تدل على تصديق ولا تكذيب"  فالنطق بالجملة  في نظر أوستين  هو إنجاز لفعل أو إنشاء لجزء منه، مما لا يعني أننا (...) نصف بقولنا شيئا ما على وجه الضبط، فما فعله أوستين هو إخراج الملفوظات من الأفق الضيق الذي وُضعت فيه والمتمثل في " وهم الوصف " وتحويلها إلى جُمل إنجازية تُحيل على فعل معين، وقد قدم أوستين بعض الأمثلة لتجاوز المغالطة الوصفية، وهي:

 نعم أقبل أن تكون هذه المرأة زوجتي الشرعية.

 أترك هذه الساعة ميراثا لأخي.

 أراهنك على أن السماء ستمطر غدا

ويرى أوستين أن هذه الأمثلة لا تُحيل على وصف المتكلم لحال قيامه بالفعل، أو إثبات كونه قائما بذلك الفعل، بل إن النطق بالجمل السابقة يعني إنجاز فعل معين، غير أن السؤال الذي يمكن أن يُطرح هنا هو، هل التلفظ بشيء ما يترتب عنه بالضرورة إنجاز فعل ما، أو بعبارة أخرى، هل يعني قول شيء ما إنجازه؟ وقد حاول أوستين الإجابة عن هذا الإشكال من خلال تمييزه بين الجمل الإنجازية وظروف الإنجاز أو " الاستعمالات الإنجازية "، ويولي أوستين للتلفظ دورا مهما في الإنجاز، إذ يعتبر النطق بالألفاظ يشكل الحدث الرئيسي في إنجاز الفعل، لكنه لم يقف عند هذا الحد بل رأى أن المناسبات التي حصل فيها التلفظ يجب أن تكون ظروفا مناسبة للفظ ومخصوصة له، وعليه يقول أوستين، " حتى أتزوج على الطريقة المسيحية، فإنه يلزم أن لا أكون قد سبق لي أن تزوجت بامرأة لا تزال موجودة على قيد الحياة "، وبشكل عام فإن أوستين وإن كان يمنح النطق بالألفاظ قوة إنجازية، بمعنى مجرد النطق بقول ما يعني إنجاز الفعل، إلا أنه لم يغفل ما يتعلق بسياقات التلفظ أو استعمالاته.

 الوصف / الإنجاز:

لقد عَمِدَ أوستين إلى ترسيخ ثنائية وصف / إنجاز، حيث فصل بينهما انطلاقا من مجموعة من المحددات أبرزها، أن الجُمل الوصفية تلك التي تصف حدثا أو حالة معينة دون فعل فهي تقف عند الوصف فقط ولا تتعداه إلى إنجاز الفعل، أما  الجمل الإنجازية فتجمع بين القول والفعل  بمعنى أنها ذات قوة إنجازية تتجاوز الوصف إلى الفعل، وقد ميَّز أوستين بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية من خلال مجموعة من القواعد تنقسم إلى ما هو مقامي وما هو مقالي، فأما القواعد المقالية تتمثل في الجانب الشكلي للخطاب، فحتى نكون بإزاء جملة إنجازية:

 يجب أن تكون الجملة مشتملة على فعل من النوع الإنجازي

 يجب أن يكون زمن الفعل هو زمن التلفظ أي الحاضر

 يشترط في الجملة أن تكون مبنية للفاعل

 يجب أن يكون قائل الجملة المتكلم المفرد

وأما المعايير المقامية فقد حددها أوستين في ثنائية صدق / كذب، التي تخص الجمل الوصفية، حيث تكون الجملة صادقة إذا كانت المطابقة بينها وبين ما تصفه، وتكون كاذبة إذا لم تحصل المطابقة بينها وبين الموصوف، فشرطها الأساس هي المطابقة، فمثلا قولنا: الجو صحو هذه الجملة  بحسب معيار الصدق والكذب  صادقة إذا كان الجو في الواقع صحوا بالفعل، وتكون كاذبة إذا لم يكن الجو كذلك، أما الجمل الإنجازية فإنها لا تخضع  في نظر أوستين  إلى معيار الصدق والكذب، فهي لا تصف، ورأى أن المعيار المناسب للجمل الإنجازية هو، نجاح / فشل، وقد ميَّز أوستين في هذا المعيار بين الجمل الإنجازية ذات القيد القوي والجمل الإنجازية ذات القيد الضعيف، فالأولى تخضع في إنجازها لعادات ثقافية محددة، مثل: " أنت طالق " هذه الجملة تكون ناجحة إذا كانت مناسبة للعادات الثقافية المعروفة في مثل هذه المواقف، إذ يجب أن يكون المتلفظ بهذه الجملة الزوج وأن يكون ذلك أمام عدلين، أما الجمل الإنجازية ذات القيد الضعيف فإنها لا تخضع لمحددات ثقافية عرفية، ومن أمثلة هذا النوع من الجمل الإنجازية: " أوصي بما أملك من مال لابني الأكبر " فهذه الجملة ناجحة إذا كانت الوصية مكتوبة على الطريقة المألوفة والمتعارف عليها داخل الجماعة اللغوية، وعليه فإن هذا الشرط لا صلة له بأي قيود ثقافية، فشرطها شكلي فقط.

لقد حدد أوستين بعض الشروط التي يجب مراعاتها لضمان نجاح الفعل وهي:

 يجب أن تكون هناك مؤسسة متعارف عليها، وأشخاص مشاركون في عملية التواصل اللغوي، داخل سياقات معينة.

 يتعين أن تكون الظروف ملائمة والمشاركون مقبلون على ما وافقوا عليه لكي يتم إنجاز ما تَنص عليه تلك المؤسسة.

 يجب أن يتم إنجاز الفعل من قِبل جميع المشاركين بصورة صحيحة.

 يتعين أن تتوفر لدى المشاركين نية إنجاز الفعل

فهذه هي الشروط التي وضعها أوستين لضمان نجاح الفعل، أما إذا لم يتم التقيد بهذه الشروط فإن الملفوظات الإنجازية تكون فاشلة، وقد قسَّم أوستين الجمل الإنجازية الفاشلة إلى نوعين: الخلل والإخفاق، فالخلل ناتج عن عدم الالتزام بالقاعدتين الأوليين مما يؤدي إلى فشل الفعل، أما الإخفاق فينتج عن خرق القاعدتين الأخيرتين مما يؤدي إلى الإساءة لفحوى المؤسسة، ومشروع أوستين في البداية تركز حول ترسيخ ثنائية وصف / إنجاز، حيث ميز بين الجمل الوصفية التي تكتفي بالوصف ولا تتعداه إلى إنجاز فعل ما، أي أنها لا تحمل " قوة إنجازية "، وبين الجمل الإنجازية التي تجمع بين القول والفعل، كما تجاوز أوستين أيضا معيار الصدق والكذب الخاص بالجمل الوصفية، بمعيار آخر وهو، نجاح / فشل، واعتبر أن معيار الصدق والكذب لا يمكن تطبيقه على الجمل الإنجازية لأنها لا تصف فعلا ما أو تثبته بل هي إنجاز للفعل، فعندما نتلفظ بكلام ما فإننا نكون بإزاء إنجاز فعل معين وهذه هي الفكرة الأساسية لدى أوستين التي تجاوز من خلالها الجمل الوصفية.

 إعادة النظر في ثنائية وصف / إنجاز:

بعد أن فصل أوستين بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية بتقديمه مجموعة من الأدلة التي دعَّم بها اقتراحه، عاد بعد ذلك إلى مراجعة هذا الإجراء الذي قام به، حيث انتقد المعايير التي وضعها للتمييز بين الوصف والإنجاز، فقد اتضح له أن تعويض صدق / كذب ب نجاح / فشل غير فعَّال، لأنه  وبحسب  أوستين بإمكان توظيف معيار النجاح والفشل لتقويم الجمل الوصفية، وكذلك يمكن أن نطبق معيار الصدق والكذب على الجمل الإنجازية، وهذا التصور شكل مرحلة تطور أو " انعطاف " في نظرية الأفعال اللغوية لدى أوستين، حيث إن ثنائية الوصف والإنجاز التي ألحَّ عليها أوستين في المرحلة الأولى لم تعد قائمة انصرمت، ولم يكتف أوستين بالتخلي عن وصف / إنجاز، بل اقترح تصورا بديلا يتمثل في إدراجه جميع الجمل اللغوية ضمن وصف وتنظير عام شكل ما سمي ب " نظرية الأفعال اللغوية "، فالجمل المتلَفَّظ بها هي جملٌ إنجازية بامتياز، غير أن هذه الجمل تنقسم إلى ضمنية وصريحة :

 فالأولى (الضمنية) لا يتم التصريح فيها بالفعل المنجز، مثل قولنا: (المستشفى ضروري)، فهي في جوهرها تشير إلى فعل معين لكنه مضمر أو غير مُصرح به، وعليه فهي عبارة صريحة في القصد أو الإعلان عن العزم  وليست صريحة من جهة الإنجاز الفعلي أو الواقعي.

والثانية (الصريحة) يُصرَّح فيها بالفعل المنجز، نحو: (أحذرك من أن السماء ستمطر) فهذه الجملة يظهر فيها الفعل بشكل واضح.

بعد أن انتقد أوستين المعايير التي وضعها للتمييز بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية، استدرك هذا الأمر من خلال اعتباره الجمل التي نتلفظ بها جملٌ إنجازية بالدرجة الأولى، وقد قاده هذا التصور إلى القول بأننا عندما نتلفظ بكلام ما نكون بإزاء إنجاز الفعل، ومن ثمة فإن المتلفظ بأية جملة تنتمي إلى اللغة الطبيعية يقوم بأصناف ثلاثة من الأفعال اللغوية:

 فعل القول: يتشكل من ثلاثة أفعال فرعية، (الفعل الصوتي، الفعل التركيبي، الفعل الدلالي).

 الفعل الإنجازي: وهو الذي يقوم به المتكلم في تلفظه، ويرتبط بالقيمة التي تعطى للكلام.

 الفعل التأثيري: ويُقصد به الأثر الذي يُحدثه الكلام في المُخَاطب .

وانطلاقا من هذا الاقتراح البديل الذي قدمه أوستين انتقلنا إلى نظرية الأفعال اللغوية العامة، إذ أصبح كل تلفظ هو إنجاز للفعل يخضع للأفعال الثلاثة التي ذكرناها آنفا، وعليه فإن نظرية أوستين لم تأخذ منحى أفقي، أو بمعنى أوضح فإن بداية مشروع أوستين تختلف عن نهايته، حيث طرأت على نظريته تغييرات منحتها قوة ونضجا نظريا ومنهجيا أيضا.

 خاتمة

لقد بدأ أوستين نظريته من خلال انتقاده لموقفين، هما: الموقف الفلسفي التقليدي، والموقف النحوي، إذ من خلال هذا الانتقاد أسس نظريته المسماة ب: " نظرية الأفعال اللغوية "، وقد كان هاجس أوستين في البداية هو التمييز أو فصل الجمل الوصفية عن الجمل الإنجازية كما سماها، فالجمل الوصفية لديه تكتفي بوصف الأشياء انطلاقا من مدى مطابقتها للواقع، وبذلك فهي تخضع لمعيار الصدق والكذب، أما الجمل الإنجازية فهي على عكس ذلك، حيث تتضمن قولا وفعلا، بمعنى أنها ذات قوة إنجازية، وقد ميَّز أوستين هذين النوعين من الجمل انطلاقا من مجموعة من المعايير، أبرزها تخصيص معيار الصدق والكذب للجمل الوصفية، أما الجمل الإإنجازية فقد خصَّصَ لها ثنائية أخرى، وهي نجاح فشل، غير أن أوستين سيعدل عن هذا التصنيف في مرحلة لاحقة، إذ اعتبر أن معيار نجاح فشل يمكن أن يُطبق على الجمل الوصفية أيضا، وأن معيار صدق / كذب يمكن أن نُقوِّم به الجمل الإنجازية، وعليه فقد خَلُص في مرحلة ثالثة من نظريته إلى تصور شامل أو إلى "نظرية الأفعال اللغوية العامة"، حيث رأى أن المُتلفظ بأية جملة تنتمي إلى لغة طبيعية فإنه يقوم بثلاثة أنواع من الأفعال، وهي: (فعل القول، وفعل الإنجاز، والفعل التأثيري)، ويمكن القول إن أهم خاصية ميزت نظرية أوستين، هو " التَّجاوز " حيث كان في كل مرة ينقد فكرة ويأتي ببديل لها.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه - المغرب

.........................

الهوامش

1)  الاستلزام الحواري في التداول اللساني: من الوعي بالخصوصيات النوعية للظاهرة إلى وضع القوانين الضابطة لها، العياشي أدراوي، دار الأمان، الرباط، ط1، 2011م، ص: 74

2) نفسه، ص: 75

3) نظرية أفعال الكلام العامة: كيف ننجز الأشياء بالكلام، أوستين، ترجمة، عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، 1991م ص: 13

4)  الاستلزام الحواري، ص: 77

5) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 16

6) نفسه، ص: 16

7) نفسه، ص: 16

8) الاستلزام الحواري، ص: 79

9) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 19

10) الاستلزام الحواري، ص: 82

11) نفسه، ص: 82

12) نفسه، ص: 83

13) نفسه، ص: 84

14) نفسه، ص: 85

15) نفسه، ص: 85

16) نفسه، ص: 85

17) التداولية: أصولها واتجاهاتها، جواد ختام، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، سنة، 2016م، ص: 89

18) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 87

19) الاستلزام الحواري، ص: 86

 

علي محمد اليوسفتصدير: حين سعى العديد من الفلاسفة تخليص الفلسفة من مستنقعها الميتافيزيقي التجريدي التي غرقت فيه قرونا طويلة فهم قاموا بنفس الوقت تحاشي عدم رميها في مستنقع الايديولوجيا السياسية المبتذلة المعاصرة كما يراد لها اليوم.

الوجود والصيرورة

اذا كان تعبير هيراقليطس كل شيء في الوجود محكوما بالصيرورة، فلماذا تحكم الصيرورة الاشياء التي هي موجودات الوجود وتكويناته المادية ولا تحكم الوجود ذاته كمفهوم ميتافيزيقي لامحدود لامتناهي لا يمكن أدراكه بكليته؟

للأجابة من المرجّح أنه لم يكن غائبا عن تفكير هيراقليطس أن الوجود كمفهوم ميتافيزيقي لا يحد بمحددات زمانية ولا مكانية أدراكية تعّينه كموجود أنطولوجي ولا مفهوم فلسفي – معرفي يمكن أدراكه بمنطق العقل المادي غير المجرد، ولا يمتلك الوجود كمفهوم حضورا ماديا كمثل باقي الموجودات الحسية في الطبيعة..

والوجود كمفهوم شمولي ميتافيزيقي تجريدي يختلف تماما عن موجوداته التي هي متعينات أنطولوجية مستقلة مادية أوخيالية مصدرها الذاكرة يمكن أدراكها والتعامل معها على أساس هذا التفريق أن الموجودات هي مكونات ومحتويات كل وجود مجرد لا يدرك عقليا الا بمحتوياته الموجودية انطولوجيا..

والمحتويات الموجودية لا ينوب أدراكها أو عدمه عن لا أمكانية أدراك الوجود كمتعيّن مفهومي لا انطولوجي ذي دلالة عقلية فكرية واضحة يمكننا معرفتها أبستمولوجيا كحقيقة واقعة كما هو الحال في تعاملنا الحسّي مع موجودات الوجود التي لا حصرلها.. ولا ينوب الوجود في تمثيله موجوداته بغير أستقلالية منها تمّثل الموجودات نفسها ولا تمّثل الوجود من خلالها وبها..

فالوجود مفهوم شمولي ميتافيزيقي مجرد غير محدود بخلاف موجوداته من الاشياء المحدودة المتعينة أدراكيا عقليا والتي هي بمجملها تكوينات الوجود ومحتوياته.. الوجود لا يدرك سوى بموجوداته فقط والا فهو مفهوم مجرد لا قيمة حقيقية يمتلكها في عالم الاشياء.

ويعّبر هيدجر عن عدم التفريق هذا بين الوجود والموجود حين يستعمل لفظة وجود بمعنى الرديف الذي يعطينا نفس معنى الموجود قائلا: (أن الوجود أي الموجود ترك كل الصيرورة خلفه اذا كان في الواقع قد كان في أي وقت مضى كان ممكنا أن يكون.. أن ما يعنيه الوجود بالمعنى الاصيل يقاوم أيضا كل عمليات الصيرورة ) 1، وسرعان ما سنرى تنازل وتراجع هيدجر عن صواب وصحة هذه المقولة التي هي مأخوذة عن هيراقليطس فحواها معنى الوجود يقاوم كل عمليات الصيرورة كونه مفهوما ميتافيزيقيا مجردا لا يحده الادراك والمعرفة..

وبخلاف رأي هيراقليطس عن تقاطع (الوجود) مع الصيرورة نجد هيدجر يرّوج لعبارة بارمنيدس (أن وجود (الموجود) يكون بالتضاد مع الصيرورة)2،

من الجلي الواضح أن بارمنيدس قال (وجود الموجود) يتقاطع مع الصيرورة ولم يقل (الوجود) يقاطع الصيرورة كما عبر هيراقليطس صحيحا عن ذلك..علما أن هيراقليطس هو الشهير بمقولته الصيرورة تحكم كل الموجودات بما هي متعينات مادية غير ثابتة متطورة على الدوام ولم يقل تحكم الوجود بما هو مفهوم ميتافيزيقي شمولي غير ممكن تحديده ماديا بالزمان والمكان الا من خلال موجوداته المكوّنة له..

ونخلص من هذا رغم الاختلاف الكبير بين الفيلسوفين الذي يرى أحدهما العالم بتكويناتها جميعها وعلاقاتها البينية في الطبيعة ومع الانسان تحكمه الحركة والصيرورة والتغيير (هيراقليطس).. ويرى الآخر بارمنيدس العكس من ذلك أن عالم الاشياء من حولنا يحكمه الثبات المطلق في كل شيء بدءا من الموجودات وليس انتهاءا بالوجود الميتافيزيقي لكل ما هو وراء الطبيعة..

لكن الشيء الذي يدعو للانتباه جيدا أن كليهما يعتبران (الوجود) كمفهوم تجريدي لا أنطولوجي هو غير موجوداته التي تكون مدركة ماديا عقليا.. فالوجود لا ينوب عن موجوداته في أدراكها كمتعينات موجودية لها أستقلالية تامة عن الوجود حتى وأن أنضوت تحت عنوانه الاسمي فقط كقولنا موجودات الوجود..فالموجودات التي هي الاشياء من حولنا في العالم محكومة بالصيرورة والحركة والتغييرحسب هيراقليطس، أو على العكس يحكمها الثبات حسب (بارمنيدس) وهنا يتضح معنا أن الوجود المجرد من تكويناته وموجوداته لا يطاله التغيير والحركة والصيرورة كمفهوم مثالي ميتافيزيقي لغوي مجرد خال من مضمون الحياة من غير محتوياته الموجودية التكوينية كما لا يحكمه الثبات أيضا لأنه غير متعيّن موجودا فيزيائيا مدركا خارج أدراك موجوداته فقط ..

لذا يكون الوجود المجرد كمفهوم بما هو تعبير خال من المعنى وميتافيزيقي لا يكون ولا يستمد قيمته المعرفية الا من خلال معرفة موجوداته أنطولوجيا.. وخطأ بارمنيدس الذي يعتمده هيدجرأنه لا يقّر أن الموجودات متعينات أنطولوجية واقعية تحكمها الصيرورة كما يحكمها العدم حتما.. على خلاف الرأي الفلسفي المجمع عليه أن الصيرورة تقاطع الوجود من حيث كونه مفهوما ميتافيزيقيا تجريديا لا يدرك انطولوجيا ويقاطعه العدم أيضا لنفس السبب..

فالعدم يفني ويعدم موجودات متعينة حيّة ولا يعدم مفاهيم مجردة مثل الوجود أو الماء أو الهواء أو النار وغيرها.. والصيرورة فعالية لا تعمل الا من خلال موجودات واقعية مدركة حسيا أيضا تمتلك حضورها المادي ولا تعمل مع مفاهيم مجردة ، لذا فالصيرورة الحياتية والعدم الافنائي لا يطالان الوجود كتجريد معرفي بل يطالان الموجودات الحيّة المدركة واقعيا التي هي موجودات الوجود المدركة المستقلة ماديا عنه في انفراداتها الموجودية التكوينية له..

واضح من هذا أن الصيرورة مجال أشتغالها ليس الوجود بما هو مفهوم ميتافيزيقي مجرد لايدرك خارج متعيناته الموجودية، وأنما الصيرورة تشتغل على موجودات مادية متعيّنة أدراكيا كمواضيع أنطولوجية معرفية واقعية توجد من حولنا التي تكّون بمجموعها الوجود.. ولا صيرورة تحكم الوجود الذي هو تجريد أدراكي ومفهوم غير محدود الاحاطة والالمام به كمصطلح متحقق في وجود أنطولوجي متفق عليه كي يمكن أدراكه ومعاملته بالصيرورة التطورية التي تطال وتحكم موجودات الوجود المادية ولا تحكم الوجود غير المتعين أدراكه ماديا.

بتعبير هيدجر (الوجود كل متماسك من الحضور) 3،لا يمكننا تفسيرمعنى هذه العبارة الا في الذهاب الى أن الوجود في حضوره المتماسك المدرك لا يكون بغير تجليّات ومدركات موجوداته التكوينية المتماسكة كمواضيع واشياء واقعية أو كمواضيع للادراك العقلي خياليا..

والوجود بالمعنى الميتافيزيقي لا يمتلك حضورا حقيقيا متمايزا مجردا أدراكيا عن مجمل مكوناته من الموجودات كأنطولوجيا متناثرة لاشياء واقعية عديدة متنوعة.. موجودات الوجود هي الاشياء العديدة المختلفة والمتنوعة التي يكون وجودها بأستقلالية مادية تامة عن الوجود في أكتسابها الحضور المدرك المتماسك حسب تعبير هيدجر.. وكان من الممكن أن تكون عبارته صحيحة هو قوله الوجود بموجوداته كل متماسك الحضور.. فالوجود حضوره المادي كموجود بلا موجوداته هو أستحالة وجودية أدراكية للعقل..عندما نقول (وجود القلم) فهذا لا يترتب عليه أن الوجود أصبح ماديا باضافة القلم له بل القلم هوشيء موجود مادي واقعي يدرك حتى لو لم نضف له كلمة وجود..

هل نستطيع الجزم القاطع أن هيراقليطس في فهمه الصيرورة والتغيير في الموجودات وبالتضاد مع بارمنيدس صاحب نظرية ثبات العالم بمحتوياته كانا كليهما أكثر دقة من هيدجر في التعبير عن فهمهما أن الصيرورة تغييرمستمر يطال الموجودات المادية في وجودها ولا يطال الوجود في تجريده المفهومي الميتافيزيقي؟؟

قول هيراقليطس كل شيء في حالة تغيير مستمر، يقصد به تغيرات الاشياء كموجودات أنطولوجية متحركة ولم يقل ويقصد الوجود كمفهوم مطلق ميتافيزيقي غير محكوم بالتغّير والصيرورة،بما هو مفهوم تجريدي وليس بما هو مدرك موجود أنطولوجيا كالاشياء في وجودها المادي المستقل كينونة..

وتشّبث بارمنيدس بمذهبه الثابت عن الوجود بما هو مجموع مكوناته من الموجودات وليس كمفهوم غير متعيّن فيزيائيا حاله حال الزمان والمكان والماء والهواء والنار وغيرها التي هي كلها مفاهيم تجريدية وليست متعينات مادية يحكمها الادراك المباشر كون تعبير الوجود شموليا مجردا عن محتواه في متعينّات لا تحمل غير تجلّي صورة واحدة من التجريد اللغوي في الذهن وأدراكها ليس أكثر من لفظ لغوي بخلاف لفظة وجود التي هي من دون تجليّات آثارها موجوديا ماديا لا قيمة ولا معنى مادي لها.. ولا تمتلك دلالة حقيقية واقعية نعيشها. فماذا توحي لنا لفظة وجود من تجريدها عن المضاف لها؟ وجود ماذا أو أي شيء؟ لكن عندما نقول وجود كتاب فالفهم يكون أن الكتاب امتلك وجوده ولا يمتلك الوجود وجوده باقترانه بالكتاب. فالكتاب موجود مادي في الذهن التصوري سواء اقترن بلفظة وجود أم لم يقترن.

ولا تفهم تلك المفاهيم المجردة من المعنى الانطولوجي المحدد للفظة (وجود) وأنما تفهم بما تحويه وتشتمله تلك المفاهيم من محتوى لخواص وأستعمالات وعلاقات بغيرها من موجودات الاشياء الاخرى التي بها تعرف تمايزاتها عن غيرها.. وبخلاف هذا الرأي نجد هيدجر ينعت الوجود وليس الموجود بالتالي: (الوجود تتعين حدوده من خلال شيء آخر، ومن خلال هذا التعيّن يمتلك تحديده وتعريفه)4. الوجود في أعتباره مطلقا لامحدودا يتعذر علينا تحيده بمطلق بآخر هو جزء منه ولا يتمايز عنه كي يتسنى لنا تحديده بمثله من وجود كلاهما واحد مطلق وجودي.. ولا نجد حاجة التذكير أن هيدجر يستخدم لفظة وجود وهو يقصد بها الموجود.

الموجودات وليس الوجود هي المتعينات الانطولوجية القابلة للادراك المتضاد مع غيرها بالمقايسة المقارنة بالنوع وليس الوجود الذي يحتويها فلا تتوقف معرفته وأدراكه بأختلافه عن شيء آخر كون الوجود مفهوم شمولي ينطبق معناه اللفظي على أصغر الاشياء وأعقدها بما يجعل من تفريق الوجود بتضاده مع وجود آخر لا يتسنى الا من خلال تمايز واختلاف موجودات كل وجود مع غيرها من موجودات تماثلها ماديا وليس مع وجود تتعين حدوده من خلال شيء آخر كما عبر عنه هيدجر في عبارته الخاطئة السابقة.فالوجود بعكس الموجودات لا يتعين انطولوجيا ادراكيا ولا تحده حدود والا أصبح موجودا وليس وجودا.. بهذا التفريق بين لا متناهي الوجود ومتناهي الموجودات تكون أمكانيتنا تحديد الموجودات كونها متناهية في أمكانية أدراكها من قبلنا وليست مثل (الوجود) في مطلقه اللانهائي غير المحدود الميتافيزيقي الذي لا يمكننا أدراكه لاننا لا نعرف ماهو وماذا يحتوي وما هي محددات وجوده الانطولوجية..

بعبارة ثانية الوجود مفهوم شمولي كلي غير قابل للتجزئة على صعيد الادراك المثالي المجازي له.. كما لا يمكننا مقايسة أثبات حضوره موجودا متعينا من خلال مقارنته بشيء آخرمن نوعه لأن الوجود هوكل شيء ولا شيء في وقت واحد وهو الوجود الميتافيزيقي وهو الآخر الوجود الواقعي لموجوداته أي لمكوناته في وقت واحد..

فالوجود مفهوم كلي واحد ميتافيزيقي لا يقبل القسمة على نفسه ولا على التجزئة كما هو الحال مع موجوداته المادية المكوّنة له التي يمكننا أدراكها مقسّمة مجزأة كونها أشياء يمكن أدراكها وليست مقولات ميتافيزيقية يجمعها لفظ وتعبير لغة واحدة خال من محتواه المادي التي هي محتوياته الموجودية من اشياء.. طالما كان الوجود مفهوما مطلقا غير متعيّن انطولوجيا يصبح فهمه كموجود مادي يدركه العقل مستحيلا كونه مفهوما وليس شيئا ماديا أو موضوعا محددا.

هذا الفهم يعطينا مؤشرا واضحا أننا يجب التعامل مع الوجود كونه لا يمتلك تعّينه الانطولوجي الا من خلال مجموع وكليّات مكوناته ومحتوياته من الاشياء والموجودات وليس من خلال فهم أمكانية تحديده كمفهوم شمولي بالمقارنة مع موجودات لا تجانسه وجودا من حيث أن الوجود مفهوم لا يمكننا تحديده بأية وسيلة معرفية مدركة عقليا مثلما يجري سريانها على الموجودات كانطولوجيا تدرك محدداتها عقليا ولا ينطبق هذا على الوجود كمفهوم ميتافيزيقي مطلق غير محدود بمعنى مادي ولا يمتلك غير اللفظ المجرد في الدلالة عليه..

فمفاهيم مثل الزمان أو المكان أو الماء أو الهواء أو النار أو الضوء لا تعطي معناها ألا بمعرفة مقصود محتوياتها التكوينية لتلك المفاهيم في زمن ومكان معين، ودراسة علاقاتها وأستعمالاتها وأهميتها ليس للانسان وحده وأنما للطبيعة بمجملها كوجود شمولي وتبقى تلك المفاهيم مرموزات لغوية وعلامات من التعبير مجردة لا قيمة ولا مدلول تعرف به بغير معرفة محتوياتها وعلاقاتها بالانسان والموجودات الاخرى المكوّنة لها وادراكها.. أما التعبير عنها كألفاظ عمومية لا تخرج عن كونها الفاظا لغوية مجردة لا يكتمل معناها الا بدلالات ما تحويه من خصائص موجودية تكوينية فيزيائية لوجودها التجريدي.. فالوجود المجرد هنا يمكن تشبيهه أنه (شكل) لا يفهم ماذا يعني من دون الوقوف على معرفة تداخل مضمونه بما يحتويه.. فلا موجود من دون شكل ولا موجود بلا مضمون، وفصل الشكل عن مضمونه محال.. كما أن ادراك الشكل خال من مضمونه محال كذلك محال أدراك مضمون لا يؤطره ويحويه شكل.. وبهذا المعنى يكون الوجود شكلا لاشياء يحتويها هي مكوناته المادية المدركة.

هيدجر ومعنى الوجود بذاته

أنه لمن الغريب حقا أن نجد هيدجر يحاول أضفاء مسحة مادية على الوجود الميتافيزيقي عندما يعتبر كلمة (الوجود) يتطابق مدلولها اللفظي مع مدلولها المادي ويعتبر هيدجر (الوجود بذاته) ليس كما نفهمه في معناه الظاهراتي في الوجودية ومنهج الفينامينالوجيا، وأنما بمنهج هيدجر الفلسفي الخاص به الذي يحاول أثباته أن الوجود بذاته ليس الوجود غير المدرك ماهويا المجمع عليه فلسفيا كمصطلح معروف، وأنما هو الوجود المدرك مباشرة بمحتوياته الداخلية وتكويناته من الاشياء المادية بما فيها الماهوية.. والموجود بذاته هو وجود متعين يمكن أدراكه ماهويا على حد تعبير هيدجر.. هنا هيدجر يردد نفس المنطلق المادي الماركسي في أعتباره ماهية الشيء هي مجموع صفاته الخارجية المدركة حسيا ولا وجود لماهية محتجبة خلف هذه الصفات..

وهذا من وجهة نظر هيدجر التهكمّية دليل كاف في أثبات دمغ وعدم دقة عبارة نيتشة قوله الوجود كلمة لا تحمل دلالتها المدركة المتعينة وهي خالية من المعنى وفارغة في حقيقتها التي يحاول هيدجر دحضها رغم أنها تمثّل الحقيقة بعينها خارج تفكير هيدجر المنغلق الذي يحاول تجيير المفاهيم الفلسفية لمنظوره الخاص به رغم عدم توفر أسباب هذا التجيير المقنعة..

الذي يراه هيدجر أن الوجود بذاته هو جضور واقعي متعيّن أنطولوجيا يمكن أدراكه، وهو رأي يخالف كانط والوجودية والماركسية وفلاسفة عديدين من تيارات فلسفية مادية أخرى غادروا مناقشة الشيء بذاته معتبرينه مفهوما ميتافيزيقيا معّلقا هو أقرب للمعنى الافتراضي منه للوجود المادي الواقعي فهو لا يدرك ولا يمكن معرفته أبتدعه كمصطلح فلسفي كانط وأخذه عنه هوسرل في منهج الفينامينالوجيا وأعتبراه كانط وهوسرل أنه وجود أفتراضي معياري لا يمكن أدراكه ماهويا ويكفي معرفة الصفات الخارجية له..

وبضوء نظرية الوجود بذاته الهيدجرية نجبر الذهاب الى تقسيم الوجود بذاته الى نوعين :الاول هو الوجود بذاته الذي تحاشاه هيدجر الذي يمثل المحتوى الماهوي (ماهية الوجود بذاته) التي من غير الممكن تعيين هذا النوع من الوجود كمدرك عقلي وكينونة معرفية يمكن بلوغها أو الاستدلال بها كونها لا تمتلك وجودا أنطولوجيا متعينا يمكننا معرفته وأدراكه لا بالحس ولا بالعقل خياليا كموضوع مستمد من الذاكرة.

أما النوع الثاني فهو الوجود بذاته حسب الفهم الهيدجري الذي يرى فيه هو ذلك الوجود المدرك بمحتوياته من الاشياء والمكونات المادية له بضمنها الماهية والجوهر..

وهذا الخطأ يقودنا مجبرين توضيحه في مثال قولنا وجود بناية او مؤسسة أو فندق وغيرهما،فهي دلالات تعبيرية لغوية مجازية لمعاني تكتسب الوجود التجريدي بلفظ اللغة لمعناها قبل بحثنا أكتساب موجوداتها في وجودها المتعين أدراكيا كواقع حقيقي ماثل في معرفتنا.. وتكون تلك الموجودات ليست وجودا بذاته طالما يتيّسر لنا أدراك ومعرفة محتوياتها التكوينية لها.. وتبقى لفظة بناية وغيرها تجريد معرفي لا يعطي معناه خارج فهم مكوناته ومحتوياته ومن أي الاشياء يتكون كي تعرف خصوصيته في مجمل علاقاته بالحياة والانسان..

أن حل هذا الالتفاف على المفهوم المصطلحي المجمع عليه فلسفيا والذي يخالفه الفهم هيدجر(الوجود بذاته) الذي ليس له معنى يمكننا تفنيده، أننا حين نقول بناية فندق فهو (وجود مجرد) لكن يصبح موجودا حقيقيا حين يصبح معنا متاحا معرفة اسمه وموقعه وهيكلية بنائه ومحتوياته من الموجودات والاشياء العديدة المختلفة التي لا يشكل أحداها منفردا بل محتوياتها مجتمعة وجودا بذاته لبناية الفندق، و تبقى مكونات البناية موجودات مادية يمكننا أدراكها حسّيا أنفراديا والتأكد من وجودها المادي وتبقى لفظة فندق لفظة تجريدية ومفهوم لغوي مطلق لا نستطيع معرفتها كوجود بذاته وأنما كموجودات تكوينية مادية لها تحتويها في داخلها تتمايز بها عن غيرها من مئات البنايات.. الوجود بذاته هو المفهوم اللفظي المجرد عن مكوّناته المادية التي يمكن أدراكها.. ولا يمكن للوجود بذاته الأبانة والكشف عن نفسه في توفر الادراك المعرفي له وأثبات أنه وجود حقيقي يدرك.. فهو وجود أفتراضي لشيء يمكن أن يكون موجودا أولا موجودا.وتبقى جميع الوجودات مفاهيم لفظية مجردة لا رصيد لها في الواقع العياني بلا موجوداتها التكوينية لها.

والأهم من ذلك أن بناية فندق تبقى موجودا واحدا من بين عدد لامتناه لا يمكن أحصاؤه من البنايات التي تعرف موجوداتها التي يحتويها الوجود كمفهوم غير محدود الدلالة ولا يمكننا الاحاطة بمعرفته لفظيا ولا معرفيا أدراكيا في وجوب تطابق معنى اللفظة بمدلولها المقصود غير المدرك.. فالوجود مجاز لفظي للدلالة على شيء لا ندرك ماهية محتوياته وتكويناته ولا يمكن معرفة ماتعنيه أية لفظة مادية لشيء من غير معرفة مكوناته وعلاقة الانسان بها.

العودة الى هيراقليطس وبارمنيدس

وبالعودة الى مفهومي هيراقليطس في الصيرورة والتغيير المستمر، وبارمنيدس في ثبات الاشياء في الوجود، نجد صواب ماذهب له هيراقليطس وأثبته العلم أن كل الاشياء في حالة من الصيرورة الدائمة وهو يفرق بين الموجودات التكوينية للوجود وبين الوجود كمفهوم ميتافيزيقي تجريدي غير محدود لا يدرك، وبذلك يلغي هيراقليطس أن يكون للوجود كيانا ماديا مستقلا يدرك خارج مدركات موجوداته التي يحتويها، والوجود يتشتت ويتلاشى كيانه في تعدد وتبعثر موجوداته المكوّنة له.. وما يدرك منه هو موجوداته فقط.

أما العكس من ذلك فأن بارمنيدس يؤكد الوجود كيانا قائما بذاته من خلال الثبات الذي يحكمه بغّض النظر عن أدراكنا موجوداته الثابتة داخله وهي وجهة نظر فلسفية لا يدحضها أن الاشياء والعالم دائبة الحركة وفي تغيير مستمر وحسب بل لأن الوجود لا يوجد كينونة مادية من خلال ثبات موجوداته، والقول بذلك نظرة مثالية غير واقعية بداياتها كما وجدناها عند بارمينيدس لا غيره..

الوجود المجرد كمفهوم ليس كيانا ماديا مثله مثل الموجودات التي يحتويها ويكون أدراكها متاحا منفردا لوحدها.. كلمة وجود لا تعيّن ولا تحدد موجودية الشيء أو الاشياء ، فهي موجودة قبليا كاشياء سابقة في وجودها المادي المتعيّن قبل وصفنا لها بكلمة وجود التي هي تعبير مجازي لفظي لا يعني أن موجودات الاشياء أصبحت موجودة عند أقترانها بلفظة وجود والا لما كنا أستطعنا أن نفهم كلمة شيء تعني شيئا موجودا ماديا ولا كنا أستطعنا أن نطلق على الشيء والاشياء لفظة شيء بمعنى موجود..

وينحاز هيدجر الى بارمنيدس الذي يلغي أن يكون هناك تعارضا متضادا بين الصيرورة والوجود كما يرى هيراقليطس تلك الحقيقة، ويرى هيدجر وجوب التسليم بأن لا وجود لمثل هذا التعارض بين الفيلسوفين، وهما يقولان نفس الشيء فالصيرورة حسب تعبير هيدجر تطال الوجود كشيء طبيعي تماما في حقل الفلسفة وتاريخها.. ولو لم يقل هيراقليطس بما جاء به بارمنيدس لما كانت له تلك الشهرة على حد تعبيره.. لذا يقترح بضوء نجاحه في هذا الدمج الافتعالي بين رأيين مختلفين متوازيين لا يلتقيان لفيلسوفين متعاصرين تقريبا أن نتجاوز هذا التنوع بالافكار والمذاهب والتعقيد في تاريخ الفلسفة، وأن يكون ثمة فلسفة واحدة كافية جدا بدلا من هذا التنوع والتعدد الذي لا فائدة منه.. 5

موضعة الوجود

ينسب لفلاسفة الاغريق قولهم الواضح الصائب (الموجود هو الصحيح الحقيقي بقدر ما هو موجود، فالحقيقة والصحيح على هذا النحو هو الموجود) 6

من الواضح الذي لا لبس فيه أن فلاسفة الاغريق القدامى فهموا (الوجود) كمطلق لا نهائي ولا يمكنهم تحديده بتفريقه عن (الموجود) الذي هو مدرك انطولوجي متعين بمواصفات فيزيائية يمكن ادراكها.. وأعتبروا الوجود يكون واقعا أنطولوجيا فيزيائيا متحققا في تحقق مجمل مدركاته من الموجودات وأعتبروا الموجود الحقيقي بقدر ما يكون مدركا عقليا في وجوده الانطولوجي المتعّين.. وهذا ما لا ينطبق على الوجود أن يوجد بذاته في التجريد كمفهوم بمعزل عن موجوداته المدركة الحقيقية..

أما موضعة الوجود التي يرغبها هيدجر على طريقته أنما تقوم على المرتكزات الهيدجرية الاربع التالية :

- تتعين حدود الوجود من خلال اربعة جوانب هي (الوجود والصيرورة) و (الوجود والظهور) و(الوجود والتفكير) و(الوجود والواجب) وهذه الجوانب متداخلة بالاندماج الذي تمتلكه ضرورة الوجود . 7

- وبناءا على تلك التضادات الاربع التي تبدو لاول وهلة مثل نمط الصيغ لا تنبثق ولا تقوم صدفة وتجد طريقها من خلال اللغة ورموز الكلام. وتعتبر ذات أهمية حاسمة وفاصلة (لتاريخ الغرب).8

- أن هذه التمايزات بقيت سائدة ومسيطرة ليس فقط في وسط الفلسفة الغربية التي ظل مستغلقا عليها سؤال الوجود. 9

- النظام الذي تدرج من خلاله عناوين التمايزات الاربعة يزودنا بذاته بأشارة أو علامة الى النظام الذي من خلاله ترتبط هذه العناوين فيما بينها داخليا والى النظام التاريخي التي تتشكل من خلاله.10

من خلال هذه التنويعات الاربع التي يحددها هيدجر في محاولته سحب الوجود من عالم الميتافيزيقا الى عالم المدركات ضمن مبحث الفلسفة، نجده يحاول الذهاب أبعد في محاولته سحب الوجود كمفهوم ايديولوجي سياسي وأسقاطه على التاريخ كمبحث يهم فلسفة التاريخ أكثر منه مبحثا فلسفيا قائما بذاته أبستمولوجيا.. وبالذات تحديدا المعني به عند هيدجر التاريخ الاوربي تحت قيادة الهيمنة الالمانية النازية..

أن بول ريكوركان دعا الى ضرورة تضمين الفلسفة وتطعيمها بجرعة ايديولوجية كي لا تكون الفلسفة تجريدا محضا لا فائدة عملانية مباشرة منه لكن ليس بالمعنى الفلسفي الذي ذهب له هيدجر في محاولته أنقاذ وتلميع تاريخ المانيا المحتضر نازيا وبعث الحياة فيه من خلال أسقاط الوجود كمبحث فلسفي شائك عالق على التاريخ السياسي الحديث تحديدا.. دعوة ريكور التاويلية في تطعيم الفلسفة بجرعة ايديولوجية أنما سببها فزعه مما ذهبت له البنيوية وبعدها التفكيكية في أعتمادهما مفهوم التحول اللغوي الذي ركن مباحث الفلسفة في متاهة اللغة في الغائها الانسان من مركزية الحياة..

لذا فمناقشة هذا الترابط الافتعالي بين الوجود كمفهوم فلسفي متعالق حسب رغبة هيدجر مع السياسة كايديولوجيا لا قيمة حقيقية فلسفية له سنتجاوزه لسبب انه يمثل اشكالية تاريخية مستمدة من الماضي ثبت خطأها القاطع في أندحار النازية الالمانية أربعينيات القرن العشرين.. فقد كان سبق لهيجل أن حاول مناقشة هذا الاسقاط الفلسفي – السياسي على واقع حال (بروسيا) في المانيا المجزأة عصر ذاك في القرن التاسع عشر وفشل بذلك في محاولته أبتداع مثالية الروح المطلق الذي يهتدي بالعقل في صناعة صيرورة التاريخ في تصاعده الخّطّي المحكوم بقوانين الديالكتيك التاريخية أي في تجريد هيجل لمنهجه في الديالكتيك من ماديته التي حاول فيورباخ تدارك أستحضارها في منهج أيضا مثالي تصوفي في أسقاطه التأريخ الطبيعي على نشوء الاديان في حياة الانسان في مؤلفيه الرائعين(أصل الدين ، وجوهرالمسيحية)، مؤكدا أهمية التأريخ الانثروبولوجي الاسطوري البدائي في نشأة الاديان وعلاقة الطبيعة والانسان بتصنيع معتقداته الدينية الاسطورية،..

بمجيئ ماركس وضع حدا لديالكتيك هيجل المثالي ومادية فيورباخ الصوفية.. أذ سحب تاريخ الفلسفة الى واقع الانسان انثروبولوجيا اقتصاديا سياسيا في تقسيمه الطبقي الاجتماعي الذي يوزع الغنى والفقرعالميا بأجحاف مزري بعيدا عن نزعة التدين المادية التي زرع بذورها فيورباخ بما من شأنه نسف مادية التاريخ القائمة على التفاوت الطبقي لدى ماركس الذي يرى لا أهمية للدين في تطور حياة الانسان تاريخيا انثروبولوجيا ومن هنا كان هجوم ماركس على مادية فيورباخ الصوفية.. لذا نحاول التركيزهنا على مناقشة محددات الوجود التي أدرجها هيدجر كمبحث فلسفي لا علاقة تربطه ضرورية بالسياسة والتاريخ السياسي حصرا..

الجوانب الاربعة التي أدرجناها سابقا نقلا عن هيدجر التي تجعل من الوجود ضرورة وجودية حاضرة حية تستلهم التاريخ حسب أجتهاده نعيد قراءتها نقديا وهي كالتالي :

- علاقة الوجود بالصيرورة وناقشنا بتفصيل خطأها في سطور سابقة من هذه المقالة، فالوجود يقاطع الصيرورة ولا يلتقي معها بأي نوع من العلاقة الترابطية، كون الوجود مفهوما ميتافيزيقيا مجردا لا يمتلك واقعية انطولوجية يمكن أدراكها ويمكن للصيرورة التحكم في تلك الواقعية .. فالصيرورة كما مر بنا ذكره تشتغل وتحكم موجودات الاشياء في وجودها المادي ولا تشتغل على مبحث الوجود كمفهوم ميتافيزيقي مطلق غير متعيّن ولا مدرك ماديا..

- الثانية التي هي علاقة الوجود بالظهور كما ذكره هيدجر أنه وجود حضوره مرهون بالحاجة له متجاهلا حقيقة أن الوجود لا تحكمه فيزيائية الموجودات الواجب حضورها كظاهرة محددة معروفة يمكن ملاحظة صفاتها وتاثيراتها وعلاقاتها بغيرها ومجالات توظيفها معرفيا أذا احتاج الامر ذلك..

فالظهور والغياب لا يحكم الوجود بما هو مفهوم كما يحكم الموجودات بما هي واقع مادي مدرك، والغياب والحضور سمة خاصة تحوزها الموجودات كمتعينات فيزيائية مادية لها حضور واقعي في الحياة والعالم من حولنا.. ويبقى الوجود فارضا حضوره من خلال ميزته أنه مفهوم لا تدرك أهمية حضوره عن أهمية غيابه علما أن الوجود دائم الحضور بالطبيعة كمعطى غير محدود لا يخضع الى تنظيرات فلسفية تستقدم ظهوره أو تأجيله بالغياب حسب الحاجة..

- الثالثة الوجود والتفكير حتى العقلي والفلسفي لا يجعل من التفكير محايثا سببيا في تحويله الوجودالميتافيزيقي الى واقع انطولوجي والوجود لا يمتلك هذه الخاصية المادية أساسا.. فالتفكير ممكن له تحديد الوجود ومناقشته كمفهوم تجريدي معرفي فقط... وتكون الافكار عاجزة أن تمنح الوجود حضورا أنطولوجيا واقعيا ولا حتى أن تجعل منه ايديولوجيا سياسية يكون بمقتضاها حاضراوجودا.. فالوجود قيمة ناجزة من الحضور المفهومي الميتافيزيقي، ولا يكتسب التاريخ من خلاله وبه قيمة من حضور الوجود المجازي على أنه ملهم التاريخ، فالتاريخ واقع اسطوري - عقلي أكتسب حضوره الدائم كصيرورة لأحداث ووقائع كانت متحركة بأستمرار، وبهذا المعنى يكون التاريخ محكوما بالصيرورة التي تقاطع الوجود تماما فيكون الوجود والتاريخ وجودان متقاطعان من حيث المعاني المختلفة ومحمولاتهما المتباينة لكل منهما كحامل موجودات تطالها الصيرورة ولا تطال الوجود كمفهوم دلالي مجازي يحتويها، وهو ما ينطبق على التاريخ أيضا.. فالتاريخ حكمته الصيرورة التطورية في الماضي ولا يشترط أنسحاب فعل الصيرورة بتأثيرها على التاريخ الحاضر والمستقبل غير الناجزين.. فالصيرورة لا تدرك في حضورها الآني المؤقت كحاضر الا بعد أن تكون أصبحت الصيرورة تحقيبا مزامنا لماضي الاشياء في وجودها..

- أما الرابعة الوجود والواجب التي هي بحسب هيدجر تمتلك خاصية متفردة وأهمية حاسمة فاصلة لتاريخ الغرب ويقصد اوربا بالذات، فنجد في أسقاط الوجود كمعطى فلسفي مفهومي على التاريخ بشكل مفتعل لا يمكن جني والحصول منه على مبتغى تحقيق صلة له بتوثيق أن الوجود المتحصّل عن طريق الاسقاط التنظيري سياسيا له كمادة فلسفية لا يكون لاعبا أساسيا في صنع تاريخ مغاير حسب الرغبة الشخصية لهيدجر..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

... ... ... ... ... ... ... ..

الهوامش:

1- مارتن هيدجر، مدخل الى الميتافيزيقا، ت: د. عماد نبيل ص 104

2- المصدر السابق ص 104

3- المصدر السابق ص 105

4- المصدر السابق ص 101

5- المصدر السابق ص 106

6- المصدر السابق ص 112

7- المصدر السابق ص 101

8- المصدر السابق ص 102

9- المصدر السابق ص 102

10- المصدر السابق ص 102

.

 

علي رسول الربيعيسنتناول تحت هذا العنوان:

- استكشاف مقدار الحرية التي نحتاجها لفهم الأخلاق

- كيف يتحدى الاختزال الحجج الأخلاقية

- كيف عالج الفلاسفة قضية الحرية والحتمية.

أي نوع من الحرية؟

لا أحد يتمتع بحرية تامة في فعل أي شيء قد يرغب فيه. الحرية محدودة بطرق مختلفة:

قد أقرر أنني أرغب في إطلاق نفسي في الهواء وأنشر ذراعي وأطير. ربما حلمت بفعل ذلك. قد يكون لدي شغف بأفلام سوبرمان، وأشعر أنه بطريقة ما يجب أن يكون ممكنًا. لكن جسدي المادي، وسيظل دائمًا، عاجزًا عن التغلب علىهذا القيد لا بد لي من اللجوء إلى التكنولوجيا.

- قد أرغب في أن أكون فنانًا أو موسيقيًا أو لاعب جمباز مشهور وموهوب للغاية، لكن حريتي محدودة مرة أخرى. قد لا يكون من المستحيل ماديًا تحقيق هذه الأشياء، لكن الأمر يحتاج إلى مثل هذا المستوى من الخبرة والتدريب والقدرة الطبيعية، مما يجعل فرصي في تحقيق ما أريد مقيدة بشدة.

- قد أرغب في الذهاب إلى لندن واستعراض نفسي عارياً أمام قصر باكنغهام. ليس هناك قيود جسدية تمنعني ولا تتطلب مهارة كبيرة، لكن من المحتمل أن يتم اعتقالي.

حرية الارادة

حرية الإرادة قضية تتدخل في المياتفزيقا والأخلاق والدين ايضا . وفيها مشكلات معقدة سأتناول ذلك بتفصيل تعقيده وتحليل تركيبه لكني أرتأيت أن ابدا بمقدمة تبسيطية للقارى غير المختص حتى تكون التفسيرات والشرح لاحقا مفهوما ومبسطا.

من المهم التمييز بين الحرية بشكل عام وحرية الإرادة. فقد ألقي نظرة على خيارات مختلفة، وأعتقد أن لدي حرية الاختيار بينها. قد يقول شخص يعرفني عند سماع قراري للقيام بفعل ما: "علمت للتو أنك ستختار القيام بذلك !" هل من الممكن أن تكون إرادتي حرة، وأن أتمكن من تقييم جميع العوامل المعنية والوصول إلى خيار حر حقيقي، ويمكن لشخص آخر في الوقت نفسه أن يتنبأ بدقة بما سأفعله؟ (ولن يكون هناك أي فائدة من تغيير رأيي في اللحظة الأخيرة، لأنه يمكن توقع هذه الأشياء أيضًا).

هناك شيء مزعج للغاية بشأن الأشخاص الذين يقولون أنهم يعرفون بالضبط ما ستختار القيام به بحرية. هذا لأننا في لحظة الاختيار نعيش الحرية. قد تكون الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر قابلة للتنبؤ بها تمامًا، ولكن معظم البشر مقتنعون بأنهم ليسوا كذلك.

أنظر في حالات القتل التالية:

 1 - يقوم أحد اللصوص بإطلاق النار على موظف مصرف وقتله أثناء غارة للسرقة.

2 - يقتل الزوج أو الزوجة شريكها بعد سنوات من الاستفزاز والحزن.

3- شاب يغتصب ويقتل فتاة لم يلتقي بها من قبل بسبب دوافعه الجنسية العنيفة.

4 - مريض نفسي، خرج بشكل غير حكيم من مستشفى آمن للعيش في المجتمع، ويقتل شخصًا دون سبب واضح، ولا يحاول إخفاء الجريمة، ولا يظهر أي ندم عند القبض عليه واتهامه بالقتل.

لقد قتل الأربعة جميعهم إنسانًا آخر. ولكن هل جميعهم مذنبون بنفس القدر بالمعنى الأخلاقي؟ هل لدى أي منهم تنازلات حقيقية لتخفيض تهمة القتل العمد إلى تهمة القتل الخطأ، على سبيل المثال؟

1 - من المفترض أن لص المصرف يختار بحرية حمل سلاح. حتى لو كانت فعل اطلاق النار ناتج عن دهشته من حركة مفاجئة لموظف المصرف، على سبيل المثال، لا ينتقص ذلك بشكل كبير من الرأي القائل بأن فعله كان القتل، لأنه مارس حرية الإرادة في تقرير حمل سلاح محشي.

2 - مع القتل المنزلي، قد يكون هناك عنصر كبير من الاستفزاز. إذا حدث القتل في هذه الحالة، خاصةً أثناء جدال محتدم، يمكن القول إن الضحية ساهمت في الوضع الذي تسبب في الجريمة، أو أنه (إذا استفزت بما فيه الكفاية) وقعت الجريمة أثناء يكون الشخص المعني مختل أو مضطرب مؤقتا. وقد يتم اتهامه بالقتل الخطأ على أساس تناقص المسؤولية.

3- القضية في قضية القتل الجنسي هي واحدة من حرية القاتل أن يقرر ما إذا كان سيعمل وفقا لدوافعه الجنسية أم لا. إذا كان يمكن إثبات أن الحالة هي أن الشخص لا يسيطر على نفسه في مواقف معينة، فإن التقارير النفسية ستكون بمثابة أدلة ذات صلة لتقديمها إلى المحكمة.

4- لا يتحكم السيكوباتي في أفعاله، ولا يستجيب للموانع الطبيعية والقيود العقلانية التي تنطبق على أولئك العقلاء.

من المؤكد أن السيكوباتي ليس حرًا في اختيار كيفية التصرف. ولكن ماذا عن الشخص الذي لديه رغبة جنسية لا يمكن السيطرة عليها؟ أم الزوج المحرض؟ في كل حالة علينا دراسة العوامل الشخصية والنفسية والاجتماعية.

لنفترض أنه تبين أن هناك المزيد من التخريب في مناطق البطالة المرتفعة. هل هذا يعني أن العاطلين عن العمل هم أقل قدرة على اختيار ما يفعلونه بحرية؟ هل الضغوط الاجتماعية تكفي لتبرير التصرفات التي يمكن أن يعتبرها الآخرون خطأ أخلاقيا؟

المواقف المتطرفة، الضغط على شخص، لدرجة أنه يشعر أن كل الحرية في اختيار ما يجب فعله لم تعد متاحة امامه. على عكس السيمكولباثي الذي يدرك تمامًا تداعيات ما يتم فعله، لكن الحاجة إلى التصرف بهذه الطريقة بالذات لأنه واقع تحت انفعال ساحق. هذه خسارة للحرية، لكنها ليست حرية الإرادة. والمثال المتطرف على ذلك هو أن الموت هو البديل الوحيد لمسار معين من الفعل.

أحد الأمثلة المثيرة للاهتمام بشكل خاص على الطريقة التي يمكن بها تقييد الحرية هو الابتزاز أو أخذ الرهائن.

في حالة الابتزاز، قد تكون هناك ثلاث حالات أخلاقية مختلفة تتعلق:

- يحاول المبتز تقييد حرية ضحيته، وهو في حد ذاته عمل غير أخلاقي.

- قد يُطلب من الشخص المبتز القيام بشيء يعتبره خطأ أخلاقيا.

- لكن الشخص الذي يتم ابتزازه قد يتصرف أيضًا خوفًا من كشف بعض الأفعال الأخرى من ماضيه إذا لم يمتثل لمطالب الابتزاز - قبول المسؤولية عن هذا يخلق معضلة أخلاقية ثالثة.

وبالتالي، فإن لضحية الابتزاز ثلاثة خيارات:

- الاعتراف بأي عمل سابق يهدد المبتز بالكشف عنه.

- النشر العلني للابتزاز، والذي قد يتضمن أيضًا قبول الفعل الذي يتم ابتزازه من أجله.

- يفعل ما يقوله المبتز.

عندما يؤثر أخذ الرهائن أو الابتزاز على حياة الآخرين، فقد يكون الضغط للامتثال لمطالب الابتزاز أكبر، كما هو الحال في الحالة التالية.

الابتزاز، سواء كان تنوعًا عاطفيًا أو بدنيًا، هو محاولة تغيير ما يتوقع من الشخص القيام به وفقًا لإرادته الحرة. لا يزال الشخص الذي يتم ابتزازه حراً في اختيار ما إذا كان يجب أن يتوافق مع متطلبات المبتز أو لا، ولكن الآن هناك عوامل جديدة جذرية يجب مراعاتها.

في الحالة المذكورة أعلاه، إذا لم يكن هناك أي تهديد، مدير السوبرماركت في وضع يمكنه من تحقيق التوازن بين فائدة الحصول على مبلغ كبير من المال مقابل احتمال السرقة المتجره، وإحساسه بالصدق والولاء لشركته. في مثل هذه الظروف، ربما يختار عدم السرقة. ومع ذلك، إذا كان الاختيار بين وفاة الزوجة والأطفال من جهة، والسرقة من الشركة من ناحية أخرى، فعندئذ - حتى إذا تم القبض عليه، ولومه واودع بالسجن لفترة طويلة - فقد يحكم عليه انه قام بالشئ الصحيح الذي يجب القيام به.

بشكل عام، نحن بحاجة إلى أن ندرك أنه لا يوجد شخص حر تمامًا، لأننا جميعًا نتصرف ضمن قيود جسدية أو عاطفية أو اجتماعية أو قانونية أو سياسية. من ناحية أخرى، لا تزال مثل هذه القيود تتوق إلى نطاق حرية الإرادة. إذا قمنا باختيارات، إذا قررنا ما إذا كان علينا الامتثال لقاعدة ما أم لا، فإننا نمارس ما يبدو أنه حرية شخصية. السؤال الأساسي هو ما إذا كانت تجربة الحرية حقيقية أم وهمية. وإذا كان من الوهم - إذا كان يمكن إثبات أن كل شيء مصمم وقابل للتفسير- فهل يأخذ ذلك كل المسؤولية الشخصية؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (5)

التاريخ بالنسبة لابن خلدون هو العلم حول المجتمع الإنساني. انه ليس تاريخ الملوك والأفراد والجماعات والأديان والعقائد، بل تاريخ العمران. وبهذا يكون ابن خلدون قد نقل فكرة التاريخ إلى الميدان الواقعي بمختلف مكوناته ومستوياته ومساره التاريخي. ومن ثم نقل هذه الفكرة إلى مستوى الرؤية النظرية ومن بعدها إلى مستوى الرؤية الفلسفية. واشتق مصطلح "العمران" الذي يعادل معنى القوة الفاعلة في الصيرورة التاريخية للأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم والدول وإبداعهم المادي والروحي، أي المصطلح الذي يحتوى على كل المكونات الجوهرية للوجود الإنساني. من هنا حديثه عن إن حقيقة التاريخ هو "خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم"[1].

ذلك يعني، إن التاريخ بوصفه علما هو خبر عن الاجتماع الإنساني بوصفه عمرانا، أي أن حقيقة الوجود الإنساني بالنسبة لابن خلدون مرتبط بحالة العمران التي ترتقي به من مصاف الحيوان إلى مصاف الإنسان. وبالتالي، فإن التاريخ هو أيضا صفة ملازمة للوجود الإنساني وإبداعه النوعي.

تحتوي الفكرة التي بلورها ابن خلدون عن إن التاريخ هو العمران على أبعاد كبيرة وعميقة بصدد فهم محددات التطور التاريخي للوجود الإنساني. وذلك لأنها تفرّق بين الزمن والتاريخ. فالأحداث ومجراها وما شابه ذلك هو زمن. بينا تتحول إلى تاريخ في مجرى العمران، أي في مجرى البناء والإنتاج والتطور العلمي والعملي والحفاظ عليه بهيئة بشر وعوائد. ولا يعني ذلك سوى الحفاظ على تراث الأسلاف الثقافي، أي على مجمل الانجازات الكبرى للثقافة التاريخية وتجارب الأمم في إبداعها.

فالعمران بالنسبة لابن خلدون هو ليس البناء والإنتاج فحسب، بل ومعنى تشكيل المجتمع الإنساني وقدرته على حفظ النوع واستمراره. وبهذا المعنى يصبح العمران حاجة وضرورة حياتية. عندها تصبح فكرة الإنسان بحد ذاته الأساس الجوهري في فكرة العمران، أي انه يتكلم عما يمكن دعوته بالعمران البشري. وانطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن ميزة الإنسان عن سائر الحيوانات هو اختصاصه بخواص منها العلوم والصنائع[2]. ذلك يعني، إن الصفة الجوهرية للإنسان التي تميزه عن عالم الحيوان هو تمكنه من الصنائع والعلوم، أي القدرة على الانتاج والتفكير. ووضع هذه الفكرة في أساس مقارنته بعمل الحيوانات الأخرى. فعندما قارن بين ما اسماه بالعمل الالهامي المميز للنحل والجراد، وبين الفكر والروية المميزة للإنسان، فإنه توصل إلى أن التمايز والخلاف الجوهري بينهما يقوم في أن تفكير الإنسان ليس معزولا عن عمله غير المتناهي وتطوره العمراني (الحضاري). حيث نعثر على بلوغ الفكر والروية، كما يقول ابن خلدون "في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه"[3]. وبالتالي، فإن امتلاك الإنسان لطرق ووسائل العيش والعمل بمستويات وأساليب مختلفة مرتبط بافتقاره للغذاء في حياته وبقائه. بمعنى إن الإنسان قادر على البقاء في حال قدرته على انتاج غذاءه فقط. وإذا كان الحيوان يواجه الطبيعة بقدرات وأطراف خاصة به، فإن الإنسان أكثر كمالا وقوة بفعل فكره ويديه وآلاته، بوصفها امتدادا للبدن. فاليد مهيئة للصنائع. وبخدمة الفكر والصنائع تحصل للإنسان الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح وغيرها[4]. وهذا كله مرتبط بالفكرة العميقة التي بلورها ابن خلدون عن أن "الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة"[5]. بعبارة أخرى، إن حقيقة الإنسان في صيرورته التاريخية الثقافية التي تجعل منه إنسانا بالمعنى الدقيق للكلمة كل من تجاربه الثقافية وبأثر العادة والتقاليد وليس بأثر طبيعته التي لا تختلف عما هو مميز للحيوان. وبالتالي، فإن حقيقة الإنسان تقوم في كونه كينونة ثقافية حضارية صرف.

وضع ابن خلدون هذه الحصيلة في أساس فكرته وتفسيره عن العمران البشري. فهو ينطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن العمران ضرورة حياتية. وانه يرتبط بالاجتماع البشري ارتباطا عضويا. وإن الذي يحدد طابع هذا الاجتماع ومقدماته هو ظروف الناس المادية وتركيبتهم بوصفهم كائنات حية. فالاجتماع الإنساني (العمران) يقوم من وجهة نظر ابن خلدون بأثر الضرورة الحياتية، أي بسبب الحاجة لاستمرار وجودهم الإنساني وصيرورته الدائمة. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى وجوده الذي يستلزم الغذاء من اجل ديمومته واستمرار النوع. ففي موقفه هذا وتفسيره لهذه الظاهرة الضرورية للوجود الإنساني، تضمحل وتتلاشي الأفكار اللاهوتية والدينية، وعوضا عنها تأخذ بالتأطر فكرة علمية وواقعية دقيقة تقول، بأن القوة والمقدمة الملازمة والجوهرية بهذا الصدد تقوم في علاقة العمل والإنتاج، بوصفها علاقة انتاج اجتماعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء الضروري لوجوده. إذ "لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ". وكل هذا يحتاج "إلى ادوات والآت لا تتم الا بصناعات"[6]. بل حتى في حالة كون هذا الإنسان يأكل أكله دون أن يعالجه، فهو يحتاج في تحصيله إلى أعمال أخرى كالزراعة والحصاد والدراسة، وهذه الأعمال بدورها بحاجة إلى الآت متعددة وصنائع"[7]. فالإنسان يصنع الآلة ويستخدمها في نشاطه. والآلات هي امتداد لليد البشرية. وعندما يؤكد ابن خلدون، مستندا إلى آراء جالينوس حول أهمية الأعضاء للإنسان الفرد، فإنه يتوصل إلى استنتاج اجتماعي مفاده، إن "الواحد من البشر لا تقاوم قدرته واحد من الحيوانات العجم ولاسيما المفترسة منها. فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة. ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المتعددة للمدافع لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها. فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته"[8]. وليست هذه الحصيلة سوى التدقيق والتحقيق المباشر للموقف أو المبدأ العام الذي قال به عن الترابط العضوي والضروري بين اليد والآلة والفكر بالنسبة للاجتماع الإنساني.

أما تأسيس فكرته العامة والخاصة عن "العمران البشري"، فقد استندت إلى مقدمتين، الأولى نظرية عامة تتعلق بمضمون العمران، والثانية تتناول علاقة العمران بالجغرافيا[9]. فاختلاف العمران بأثر الجغرافيا (الأرض) بالنسبة لابن خلدون أقرب إلى الحقيقة الجلية. لكنه تأثير يقترن بما يمكن دعوته بفضاء الوجود العمراني. من هنا اهتمامه بالدور الذي تلعبه الجغرافيا في العمران. واعتبر ذلك من الأمور الجلية في حياة البشر ونمط حياتهم وبشرتهم وأمزجتهم وما إلى ذلك. بحيث نراه يفرد لهذه الجوانب ما يقرب الخمس وثلاثين صفحة[10]. ثم يفرد ثلاث مقدمات أخرى لدراسة تأثير الهواء (الجو) في ألوان البشر وأخلاقهم وأبدانهم[11]. لكنه توصل في مجرى دراسة أثر الأرض والمناخ إلى أن قوة الإنسان وذهنه ولونه وصفاء بشرته مرتبط بنوعية الاغذية. فمثلما نجد الحيوانات تتباين في أشكالها بفعل تباين الطبيعة، فإن ذلك يجد انعكاسه في الإنسان أيضا[12]. بمعنى أن الطبيعة تتحكم بمظاهر الوجود بما في ذلك الإنساني. وذلك لأن الإنسان حيوان وابن الطبيعة. غير إن هذا الاستنتاج يمس ظاهر ومظاهر الأثر الطبيعي في طبيعة الإنسان ومن ثم العمران. أما الجانب الباطن لهذه الظاهرة فيقوم في تحديد الصفات والآثار المعنوية للوجود الإنساني وقيمه. من هنا قوله بأن البلادة من التخمة، والحسن من الاعتدال. ومن ثم يمكن تطبيق ذلك أو رؤيته في أخلاق الناس على العموم. وبأثر ذلك توصل إلى استنتاج عميق من الناحية العقلية والأخلاقية يقول، بأن من "يهلك في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعهود السابق، لا الجوع الحادث واللاحق"[13].

إن استعمال ابن خلدون لمصطلح العمران عوضا عن الاستعمال الشائع لمصطلح المدنية السائد عند الفلاسفة يعكس دقته في التعبير والرؤية. إضافة إلى المضمون الجديد الذي يتضمنه هذا المصطلح. إذ وضع في أساس فكرة العمران بوصفه القوة الدافعة للتطور الإنساني مفهوم "وسائل العمل" وأدواته، ودورها الحاسم بالنسبة لفكرة العمران نفسها. فالإنسان لا يمكنه القيام بشيء دون إنتاج وبدون آلات كما يقول ابن خلدون. فهي المقدمة الأولية والضرورية والجوهرية بالنسبة للوجود الإنساني والعمران البشري. الأمر الذي يجعل من العمران فكرة تحتوي على معاني القوة الابداعية للرقي الإنساني، والمدنية، والثقافة، والحضارة. بمعنى جمعه إياهم جميعا تحت مظلة العمران. غير أن المعنى الذي يرتقي إلى مصاف الرديف الفعلي لمعنى العمران هو الإبداع الثقافي المادي والروحي، أي انه يعادل معنى الصيرورة النشطة في الوجود الإنساني وتطوره. وهو استنتاج مبني على أساس ما وضعه ابن خلدون من جوانب ثلاثة في صلب معنى أو مقدمة فهم ظهور وتطور العمران وهي كل من الكينونة الاجتماعية للإنسان (الإنسان كائن اجتماعي)؛ والطابع الضروري والطبيعي للاجتماع الإنساني؛ وإن الاجتماع هو العمران. وهو المنهج الذي ميز رؤيته التاريخية عن غيره ممن سبقه.

إن العمران بالنسبة لابن خلدون، هو أحوال الناس ومستوى تطورهم، والدولة والسلطة والنظام السياسي (الملك)، ومراتب تطور الدول، وطرق الحصول على وسائل العيش، والصناعة والزراعة. من هنا حديثه عن العمران البدوي والعمران الحضري، والذي يطابق فيه بين العمران الحضري والمدنية. من هنا يمكن التوصل، إلى أن أحد معانى العمران يعادل معنى الثقافة في اللغة المعاصرة، والعمران الحضري يعادل معنى الحضارة. ذلعن، أن العمران يشكل المعنى الجوهري في فلسفة التاريخ الخلدونية. وفيه ومن خلاله يجري الكشف عن مهمة علم التاريخ وفلسفته. وهي الفكرة التي يمكن استمدادها من آراء وأحكام ابن خلدون عن أن صحة أو سلامة الحقائق التاريخية المعروفة تقوم في مدى مطابقتها للواقع. فهو المحك الذي يبرز الصحيح من الخطأ أو الحق من الباطل. أما ميدانه فهو العمران، والذي يقصد فيه ابن خلدون مختلف جوانب الوقائع والحقائق ذات الأهمية بالنسبة للتاريخ والعقل النظري. إذ إنها تبلغ هذا المقام حالما تكون جزء من العمران، أي من التاريخ الحقيقي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان أو الاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته، وبمقتضى طبعه، ما يكون عارضا لا يعتد به، وما لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان لنا ذلك قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق والكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه"[14].

لقد حاول ابن خلدون البرهنة على ضرورة المعيار الحق والصحيح الذي ينبغي للمؤرخ الاعتماد عليه، أي كل ما يتطابق مع كمية ومنظومة القواعد والمبادئ الضرورية التي تعادل معنى المنهج الضروري لفلسفة التاريخ. وهي قضية كان ينبغي لها أن تثير العقل النظري عند القدماء في مختلف الحضارات السابقة، إلا انه لم ير منها شيئا، ولم تصل إليه، كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فإن ما يضعه هنا هو من إبداعه الذاتي الخالص وقريحته العلمية. ومن ثم أصالة ما في فكرته أو فلسفته للتاريخ، رغم "أن العلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون"[15]. وينطبق هذا على حصيلة الفكر اليوناني. إذ أن إلقاء نظرة على ما في كتبهم بهذا الصدد يشير إلى أنهم نظروا إلى فن التاريخ بوصفه ثمرة، وأن هذه الثمرة هي الأخبار وتصحيح الأخبار، كما يقول ابن خلدون. من هنا مناقشته للمناهج أو الأفكار الكبرى الثلاث بهذا الصدد وهي كل من الفكرة الدينية، والسياسية (الوضعية الدنيوية)، والفلسفية.

فالفكرة الدينية التي يمثلها الفقهاء تستند الى "أن البشر متعاونون في وجودهم، فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع". و"أن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع". بمعنى أنها تشدد على أولوية الحاكم والوازع.

أما الفكرة الدنيوية (السياسية) فيقدمها على ما هو مشهور في الثقافة الإسلامية آنذاك على نموذج بهرام، مستندا إلى ما أورده المسعودي في تاريخه عن حكاية البوم والتي تقول:"ايها الملك! إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه. ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عزّ للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة الا بالعدل...". بمعنى تركيزها على أولوية العدل. أما على نموذج انوشروان، فإنها تشدد على هذا الترابط يالشكل التالي: "الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج،، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل".

أما الفكرة الفلسفية كما نراها عند ارسطو في كتابه (السياسة) فيجري عرضها بالشكل التالي:"العالم بستان سياجه الدولة. الدولة سلطان تحيا به السنّة (قانون الحياة). السنّة سياسة يسوسها الملك. الملك نظام يعضده الجند. الجند أعوان يكفلهم المال. المال رزق تجمعه الرعية. الرعية عبيد يكنفهم العدل. العدل مألوف وبه قوام العالم، والعالم بستان...". وقد انتقد ابن خلدون آراء ارسطو بصدد التاريخ، رغم ما في كتاب (السياسة) نفسه من آراء يمكنها أن تخدم في هذا المجال، إلا أن ما فيه حسب عبارة ابن خلدون "غير مستوفي، ولا يعطي حقه من البراهين"، وذلك لأن مفاهيم ارسطو تدور في حلقة مفرغة، لا يمكن الاستناد إليها وعليها في ما يخص تفسير التاريخ والعمران فيه.

ولم يقف ابن خلدون عند هذا الحد بل يتعداه في تناول مختلف النظريات والمواقف والآراء في مجرى اشاراته إلى الكتب الموسوعية التي حاولت الاجابة على القضايا المتعلقة بالتاريخ من حيث كونه علما أو فنا أو إشكالية، كما هو جلي في موقفه من كتاب ابو بكر الطرطوشي (سراج الملوك). وذلك لأن جميع هذه الكتب، كما يقول ابن خلدون "لم تصب الشاكلة، ولا استوفت المسائل، ولا أوضحت الأدلة. إنما بوبت الباب للمسألة ثم استكثرت الأحاديث والآثار، ونقل كلمات الحكماء"[16].

يحتوي مصطلح وفكرة العمران على جوانب إضافية وفرعية مهمة من اجل فهمه بوصفه فكرة منظومية، منها تفريقه وتدقيقه لمفاهيم العمران البدوي، والأمم الوحشية، والقبائل، وتقسيم العمل الذي يتناول بالأساس مهنة الفلاحة والرعي، وفائض الانتاج. فهي المفاهيم المفصلية الأولية لإدراك حقيقة العمران بوصفه ظاهرة تاريخية ثقافية ملازمة وموافقة للوجود الإنساني.

ينطلق ابن خلدون من أن البدو والبداوة درجة ضرورية وطبيعية في تطور الإنسان ونوعية تعامله مع الطبيعة. وفيها وضمنها تولد وتعيش القبائل و"الأمم الوحشية". وهذه بدورها ليست أحكاما قيميية بل مفاهيم اجتماعية وثقافية. من هنا فكرته عن أن البداوة هي الدرجة الأولية والضرورية للعمران أو للمدنية والحضارة. أما فكرة "فائض الإنتاج" فإنها تتحول إلى المعيار الأكبر لمستوى التطور الثقافي والحضاري وأسلوب العيش. فازدياد الثروة أو "الثروة الزائدة عن الضروري" حسب عبارة ابن خلدون هو الذي يحدد مدى الابتعاد عن البداوة.

وجعل ابن خلدون من مفهوم "فائض الإنتاح" المفتاح المنهجي لرؤيته عن التاريخ والحضارة. إذ يشكل الإنتاج المقدمة التي على أساسها بنى ابن خلدون فكرته عن طابعه الجوهري بالنسبة لبناء صرح تعايش البشر وعلاقاتهم، وكذلك نمط حياتهم. فاختلاف حياة الأجيال يتحدد أساسا بأساليب عملهم وبطريقة حصولها على وسائل العيش. بل ونراه يؤكد على أن هذه العلاقات التي تنشأ بين الناس تحددها الضرورة الحياتية نفسها. وذلك لأن "اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نِحَلهم في المعاش. فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه قبل الحاجي والكمالي"[17]. فالقائمون على الزراعة والرعي كما يقول ابن خلدون "تدعوهم الضرورة ولابد إلى البدو، لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع"[18]. بعبارة اخرى، حالما يتحدث ابن خلدون عن انعكاس الضرورة الحياتية بأثر شكل الإنتاج، فإنه يحدد هذا النمط ويستخرجه من أرضية وأسبقية الطبيعة ومستوى التطور. فالعلاقات الجماعية بين البدو يحددها مستوى تطور الإنتاج ومقدار الفائض الشحيح فيه. لكنها علاقة قابلة للتغير بالارتباط مع زيادة الإنتاج. وهي الأفكار التي وضعها في تقريره عن أن "اختصاص هؤلاء البدو أمرا ضروريا لهم. وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم في القوت والسكن والدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك".

تتبع ابن خلدون العملية الضرورية في تطور الإنتاج الاجتماعي. واعتبر انتقال المجتمعات البشرية من حالة نوعية إلى أخرى عملية اجتماعية اقتصادية حضارية. ولا يحدث هذا التحول ما لم تبلغ القوى المنتجة حدا معينا تتجاوز فيه خضوعها المباشر للطبيعة، أي من دون أن تنتج فائضا عن حاجتها، بحيث تبرز معها إمكانية مناسبة ووقت اضافي لتطوير الإنسان والمجتمع، مع ما يترتب عليه من تفاضل المجتمع وتخصصه، بوصفها مقدمات ظهور الحضارة. وكتب بهذا الصدد قائلا "إذا اتسعت الأحوال بالنسبة هؤلاء المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة"[19]. وقد استفاض نسبيا بصدد هذه القضية في أحد فصول (المقدمة) تحت عنوان "في أن من طبيعة الملك الدعة والسكون"، حيث أوضح فيه، بأن الحصول على الملك يؤدي إلى توحيد القوى صوب المسكن والمأكل والفنون والعلوم. ولا تعني الدعة والسكون ضمن مفاهيم ابن خلدون الكسل والخمول، على العكس، إنها تعادل معنى النشاط الحضاري الأرقى. فهو الأسلوب الذي يتطابق مع ظهور الحضر (بدو الأمس). انه الشكل الحضاري العملي الذي يلازم تطور الاقتصاد والقوى الاجتماعية ذاتها في عملية تطورها التاريخي.

غير أن ابن خلدون لا يضع علامة مساواة بين البدو - الضروري والحضر - الكمالي، رغم دقتها العلمية، بل يشير إلى أصل وجذر ومقدمة وأولوية الضروري على الكمالي. فالحضارة استمرار للبداوة ولكن على نحو أرقى. وأفرد لهذه القضية أحد الفصول النظرية في (المقدمة) ووضعها في صورة بيانية استنادا إلى البيت الشعري القائل

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها   فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر.

وقرر هنا وحدد استنتاجه بهذا الصدد قائلا بأن "البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما، لأنه أول مطالب الإنساني الضروري. ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها"[20]. وليس هذه الاستنتاج سوى الصيغة العامة التي تحدد فكرة الترابط التاريخي والانتقال العضوي في المسار التاريخي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص27.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص 32.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص32.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص99.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص35-38.

[10] ابن خلدون: المقدمة، انظر ص38-65. المعلومات التي يقدمها ابن خلدون عن جغرافيا العالم تكشف عن مدى تطور ودقة الرؤية الجغرافية في علوم الثقافة الإسلامية آنذاك.

[11] ابن خلدون: المقدمة، انظر الصفحات 65-73.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص70.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص71.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص30.

ابن خلدون: المقدمة، ص30.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص31.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص95.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص95-96.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

 

 

زهير الخويلدي"إنه في الخيال أنني أحاول أن أبذل قصارى جهدي وأن أقيس قدر استطاعتي"1[1]

يعتبر الخيال من الطرائق الجديدة في المعرفة التي اتبعها الفلاسفة ويُعَدُّ بول ريكورهو واحد منهم إلى جانب أفلاطون وأرسطو وأبيكتات وديكارت وسبينوزا وكانط وجان بول سارتر وكارل يونغ وغاستون باشلار وجلبير دوران وكاستورياديس الذين اهتموا بأدوار التمثل والتصور والترميز والتخيل اجتماعيا.

لقد منح بول ريكور الخيال أدوار مهمة ليس فقط في المجال الاستيطيقي والانشائي وانما أيضا في المجال الألسني والدلالي وسدده وفق قصدية فنومينولوجية وأدرجه في التأسيس الأنطولوجي. لقد ظل هذا المفهوم الاجرائي حاضرا بقوة في كل النصوص الريكورية منذ البدايات الى حد الخواتيم وتجول به من حقول الارادة والرمزية والتاريخ والتأويل الى حقول اللغة والاستعارة والسردية والسياسة والإيتيقا والذاكرة والاعتراف والمجتمع والاقتدار والحرية والحياة والفعل واعتبره ليس مجرد وسيلة لإعادة تشكيل الواقع بخلاف ماهو عليه بل أداة للتدخل فيه وتطويره. لقد ساعد التعويل على الخيال والمخيال بول ريكور في تمثله للواقع بصورة مختلفة وإحداث المنعطف الافتراضي للفكر الفلسفي بالتفكير في الممكن والاحتمالي وإدخال مفهوم المخيال في المباحث الاجتماعية والعلوم السياسية والأدب والرسم والسينما والمنتجات السمعية البصرية. كما تفطن إلى المزايا التي يوفرها الخيال بالنسبة للتاريخ والذاكرة على الصعيد الفردي وفي المستوى الجماعي وبالتالي تعامل مع الخيال من حيث هو ملكة فردية ومع المخيال بوصفه ملكة جماعية وكذلك انتبه الى المراوحات بين المعطى والمبني وبين واقع الانعكاس والقدرة البنائية وتساءل عن إمكانياته في استجلاب ابتكارات جديدة ومعطيات متنوعة إلى الفعل البشري. لكن ما الفرق بين الخيال والمخيال؟ وما علاقة التخيل  بالواقع الافتراضي والعوالم الممكنة؟ بأي معنى يمكن اعتبار الخيال الملكة والموضوع الذي يسمح بتتبع وحدة العمل الفلسفي لريكور؟ هل المخيال يؤدي وظيفة شاعرية للكلام أن يسمح للذات بالتحول؟ لماذا يقحم ريكور مفهوم الخيال الاجتماعي ضمن الزوج المفهومي الايديولوجيا واليوتوبيا؟ وما المقصود عنده بالخيال السردي؟ وهل يسير على نفس درب الخيال الرمزي؟ وماهي الأدوار التي يؤديها في المسارات الاستعارية وقوة اعادة التشكيل السردي؟ من أي جهة يتدخل الخيال في الخطاب؟ ووماذا يفعل الخيال للواقع المعطى؟ وكيف يتدخل في عالم الحياة؟ ومتى يمكن التعويل علي الخيال في مجال الفعل البشري؟

ما يمكن المراهنة عليه ليس التعامل مع ملكة المخيال بوصفها تفكيرية في النموذج المعرفي الاختتامي بل التعويل على الخيال من حيث هو الملكة التأليفية القادرة على أعادة تشكيل الوساطات السردية اللازمة.

1- الخيال والمخيال  بين التحدي والاستجابة:

لقد قلل أفلاطون من قيمة الخيال eikasia ولقد حدده بكونه معرفة بالصور ولكنه اعتبره انتاج للمظاهر الخادغة ووضعه في أقل درجات المعرفة بالنظر لذمه للمحسوس واهتمامها بالمعقول2[2]. ثم واصلت الرواقية هذه النظرة السلبية حيث اعتبر أبيكتات الخيال مرض للنفس يضع الانسان خارج ذاته ويمنعه من استعمال عقله بالرغم من تمييز ادراكات الخيال عن الادراكات الحسية3[3]. اذا كان اللفظ اللاتيني imaginato يشير الى ملكة تكوين الصور فإن المعنى العام للخيال يدل على ملكة تكوين الصور من المدركات السابقة التي يقوم بها الفكر بتأليفات ويؤدي وظيفة أصلية. في الأزمنة الحديثة كان ديكارت أول من اهتم بأهمية الخيال حيث اعتبره ملكة تمثل للواقع بشكل حسي ولما كان متصلا بالجسم بصورة أساسية فهو يتحول الى مجال للخطأ والغلط ويدفع العقل الى الحياد عن طريق الحقيقة والافراط في الأهواء والتفريط في قواعده والوقوع في الزلل4[4]. أما كانط فهو يميز بين الخيال التكراري5[5] الذي يكتفي باعادة انتاج صور الادراكات الحسية ويمد الفكر بالحدوسات التجريبية السابقة والخيال المبدع6[6] الذي يحوز على قوة خلاقة للصور تسبق التجربة وتقوم بعرض أصلي للمواضيع وبين الخيال المتعالي من حيث هو ملكة تأليف تضمن الربط بين الحدوسات الحسية والمقولات الذهنية بواسطة الشامات التي تعمل على الجمع بينهما7[7]. من جهة أخرى يقوم الخيال في الحقل الاستيطيقي بدور محوري فهو ملكة تعبير من خلال التمثلات الحسية مثل الصور والأشعار على انتاج العبرقية من خلال لعلب حر منسجم للملكات، وتتجلى قوة الخيال في ديناميكيته وابداعيته وبالتالي لم يعد ملكة ثانوية وفرعية كما كان سابقا8[8].

اذا كان سارتر قد رأى في الخيال وظيفة غير واقعية للوعي تجعله يشهد على التعالي والحرية التي تدل على الكائن لذاته بواسطة ملكة النفي والتجاوز للمعطى9[9] فإن غاستون باشلار قد خالف التقاليد السابقة واعتبره ملكة تحريف الصور المتأتية من الادراك، أي الملكة التي تحررنا من الصور الأولى10[10].

اذا كانت الصورة منحدرة من اللفظ الاغريقيeikon واللفظ اللاتيني imago فإن المخيال ينحدر من الألفاظ الاغريقية Fantastikon وFantasiaوFantasma ويرجع أيضا دلاليا الى الألفاظ اللاتينية res fictae وimaginarius ويحيل على ما يوجد في الخيال من تمثلات لا تحوز على أصول في الواقع وانما هي مستعدة لكي تتحول الى اللاواقع. فإذا كان المخيال في ماهيته يقوم بانقاص المدرك ويتضمن انتاجات الخيال الابداعي ويغير المظهر ويبدل الواقع ويسمح بانبثاق عوالم لاواقعية مع باشلار11[11] فإن كارل يونغ وجلبير دوران اعتبراه حاضنة رمزية ولغة أصلية للرغبة واللاوعي ومخترق بواسطة مقصد تواصلي عاطفي يحتوي على ماهية استعارية ويتضمن بعدا كونيا ويترتب عن ذلك وجود رمزية عامة للمخيال تتعالى على الذاتية الفردية12[12]. بيد أن الخيال عند بول ريكور هو هذه القدرة على ربط الصلة بين التجربة والانتظار وهو كذلك هذا التوتر الضروري لتحريك التاريخ والذي يسمح بالوصل بين انتظارات متجهة نحو المستقبل وتقاليد موروثة من الماضي ومحاولات للبدء منفذة في الحاضر. ان الخيال هو منبت من الصور الحسية يدركها المرء اما بصفة فردية أو بصفة جماعية حينما يولد ويعيش في مجتمع معين. لكن هل الخيال هو أمر معطى أم هو عملية انتاج وابتكار؟ وماهي الشروط التي تجعله خيالا خلاقا؟

2- منزلة المخيال في الفلسفة السردية:

من هذا المنطلق يمكن تقسيم الفلسفة الريكورية حسب الشارح ميكئيل فاوسل الى ثلاثة أروقة13:[13]

- الرواق الأول: الكلام والعالم le langage et le monde

ينقسم هذا الرواق من جهة أولى الى اشكالية التأويل والفهم ويبحث في الذات المؤولة وكيفية فهمها لذاتها من خلال النصوص وعبر الوسائط الرمزية ويكشف عن محدودية التحليل البنيوي وينتصر الى حدث الكلام في مقابل بنية اللغة. من ناحية ثانية تبرز ثنائية الفنومينولوجيا والهرمينوطيقا وأهمية الطريق الطويل الذي سلكه ريكور لكي يتفطن الى الضمنيات الفنومينولوجية للهرمينوطيقا والعلاقة الجدلية بين التفسير والفهم وأهمية فعل القراءة. لكنه في مقام ثالث يركز على الاحالات الى الكلام ويدرس المرور من الخطابة الى الشعرية ويعدي بعدا أنطولوجي للاستعارة بالتركيز على المعنى ومنزلتها في الخطاب الفلسفي وعلاقتها بالتشابه ومصادرة الاحالة ومسألة الرجوع الى الأثر والمعنى من الوجود في العالم ومن شغل النص.

الرواق الثاني : هو الذات الساردة أو قصص الذات le sujet du récit

يتكون هذا الرواق أولا من معنى السرد في اطار الاهتمام بالصلة بين الفنومينولوجيا والتاريخ وأهمية الحبكة التاريخية في اجتماع الخيال العلمي بالتاريخ ويسلط الضوء على الحقيقة التاريخية في اطار تلاقي بين التواريخ. بعد ذلك في مستوى ثان تأتي ثنائية السرد الشعري والخطاب الانجيلي والجوء الى فن السرد من أجل التمييز بين الاعتقاد والنص والعمل على وصف التجربة الدينية وتسمية الله. غير أن الأهم هو تحديد طبيعة الذات التي يتجه اليها المشروع الفلسفي عند بول ريكور في مستوى ثالث والرد على التحدي السيميولوجي (علم العلامات)، هذا الى جانب الاستفادة من الرجة الهائلة التي أحدثها سغموند فرويد وعلم النفس التحليلي الذي أوجده. لقد ارتبط البحث في الذات بالخوض في مفارقة الهوية السردية ومسألة الانيةipseité  وغيرية الغير والإثبات الأصليAffirmation originelle  وتجربة الاقرارAttestation .

الرواق الثالث: يرتكز على الانتقال من الفعل الى الاقامةde l’action à l’institution

يتحدث بول ريكور هنا على المستطاعcapacité  الاتيقي ويبحث أولا عن شروط امكان الانتقال من الشر الى الأمل ويعثر عليها في الحرية باعتبارها خاصية اناسية فريدة وفي تأويلية رمزية الشر والقدرة على الاختيار الحر بعقلنة الإثمculpabilité  والذنب من خلال الاتيقا والدين والغفران والتصالح بواسطة الاعتراف بالعزويةimputation  وتحمل مسؤولية الأفعال.

ينتقل ريكور بعد ذلك وفي مستوى ثان الى الاهتمام بالعادل بين الشرعيlégal  والحسن ويدرس الفوارق بين الأخلاق والإتيقا ويبحث عن القاعدة الذهبية للحياة الجيدة وعلى الصعيد العملي ويضعها موضع مساءلة ويقوم بالتمييز بين اتيقا المحبة واتيقا القاضي ويحاول تحديد تجربة الحكم القضائي والتفريق بين العدالة والانتقام vengeance ويضع الصفح في مكانة مرموقة وعلو اتيقي ويخوض أيضا في مسألة الاستحقاق ومن هي الذات التي تمتلك أهلية بالحق.

في نهاية المطاف يركز ريكور ثالثا على تجربة الفعل ويفكر في المفارقة السياسية ويكشف عن أزمة في المشروعية légitimité ويخوض في التقاطع بين الإيديولوجيا واليوتوبيا ويركز على مهمة المربي السياسي في الحياة المجتمعية ويثمن دور المبادرةinitiative  الفردية والذاكرة المأمورة Obligée ويحاول الخروج من القبضة الهيجلية بالعودة الى كانط وأرسطو واسبينوزا وبطرح مشكلة الحرب والسلم وإمكانية أن يفعل الانسان غير العنيف في التاريخ14[14]. اذا انطلقنا بالتحديد من فكرة مساهمة الخيال في اعادة بناء معنى التجربة الانسانية فإننا نعثر على بينة واضحة وبرهان ساطع على وجود وحدة موضوعية وفكرة ناظمة في فلسفة بول ريكور. لعل الطابع غير المباشر للتحقيق الفلسفي الذي قام به ريكور لا يتعلق فقط بالمنهج ولا بفكرة التناهي التى زلزلت عرش الذاتية وإنما أيضا بوساطة انتاجات المخيال في الفكر الريكوري منذ التأويل الرمزي للشر الى حد التحليلات حول الذاكرة والوعد والصفح والاعتراف والنسيان. إن هذا التنصيص على أهمية المخيال نجده  بشكل واضح وبدئي في الفنومينولوجيا. هذه الأخيرة ليست مجرد منهج ينضاف الى مناهج فلسفية أخرى على غرار الهرمينوطيقا والفلسفة التأملية والتحليل البنيوي أو النحوي وإنما هي تشكل أفق كل مشروع فلسفي وكل تجربة فكرية. في الواقع لا يقترح ريكور فلسفة للمخيال تمكن الوعي من القدرة على التحرر والتخلص من العالم باحالته الى العدم مثلما فعل سارتر بل يجعل من المخيال الثيمة الفلسفية بامتياز أسوة بهوسرل الذي  جعل من "التخيل fiction يكون العنصر الحيوي للفنومينولوجيا"15[15]. لقد أخذ ريكور منهج التنوعات الخيالية وأسند له وظيفة انقاص الحقيقة التجريبية التي يقصدها وبلوغ ماهيتها. من هذا المنطلق يمثل المخيال استثمار الممكن وينتمي بحق إلى مسار البحث عن الحقيقة. المخيال ليس مجرد منطق واهم  بل هو قدرة وصفية للتنوع والدليل على ذلك أن شيئا معينا من العالم وهب نفسه للرؤية من خلال منتجات المخيال. المناسبة الثانية التي اهتم بهار يكور بنظرية المخيال كانت في فلسفة الإرادة 1950- 1960 حينما فكر لا فقط في تناهي الإرادة الإنسانية واعتباره فعل الإرادة غير قادر على خلق لا لامكانية وقوعه في الشر بل أثناء حديثة عن شعرية الإرادة وتمحورها حول القدرة الخالقة للوعي. يرفض ريكور تصور المخيال خارج إطار ممارسته الملموسة وينصص على ضرورة التفكير في المخيال من جهة حقيقته المتعينة والتعامل معه كبعد تكويني للذاتية Subjectivité . هذا الأمر ظهر بوضوح في كتابه الأخير مسار الاعتراف 2004 حينما اعتبر قدرة الذات على الاعتراف بالآخرين والتعرف على ذاته من خلال ترحيلها إلى الخيال. الغريب أن ريكور لم يخصص له سوى نصا واحدا هو " الخيال في الخطاب وفي الفعل" في كتاب "من النص إلى الفعل" وهو استعادة للاسم السحري لشعرية الإرادة.  هنا يتحول الخيال إلى مكان تلتقي في عدة أسئلة ومأوى للشر والاستعارة والزمن والسرد والذاتية والذاكرة. كما يساءل ريكور المخيال وينظر في الخيال في سياق معين ومن جهة أثره خطابا وعملا. في هذا المقال الذي كتبه عام 1976 أشار ريكور الى ثلاثة نقاط حول الخيال والمخيال:

1 - اعادة الاعتبار الى المخيال يعود الى تحرير الصورة واثبات الصلة بين الخيال واللغة. وبالتالي لا يتعامل مع الخيال كمعطى نفسي ولا يعتبر الصورة شيئا يتكون ذهنيا بل ينظر الى وظيفة الخيال خارج اطار نظرية الصورة كإدراك ضعيف.

2-    اذا كان المخيال كلاما فإن الصورة ليست فقط احساسا بل أيضا احالة ومرجعا وإن ما يطرح في انتاجات المخيال من وجهة نظر المقتضى الفنومينولوجي للوصف الذي يتبناه ريكور هو مسألة عالم بأسره  حتى وان كان في شكل تخيلا.

3-    المخيال هو تجربة بنائية وتكوينية للفعل والتي نتبينها في حرية الخيال الذي يمكن أن تكون خيالا للحرية. بناء على ذلك ليس الرمزي بعدا ثانويا للممارسة بل هو العنصر الذي يجعل الفعل في نفس الوقت ممكنا ومعقولا.

هكذا يكون الخيال ما يصبح بواسطته المعنى مفهوما compréhensible والعالم مقالاdicible  والفعل مطبقاpraticable . وتبعا لذلك يشكل كل من المعنى والعالم والفعل القدرات الثلاثة للخيال التي تعتني بها فلسفة ريكور.

أ- الخيال والمعنى l’imagination et le sens :

ربما تعود السمعة السيئة للخيال والتشويه النسبي الذي تعرض له في الفلسفة المعاصرة الى الوضع المتدني الذي تحتله هذه الملكة في نظرية المعرفة وارتباطه بالصورة والتصوير.

في حين أن الصورة التي تسمى بالاغريقيةeikon  وباللاتينية imago هي أقل من الاحساس ومن المفهوم، فهي ليست البداهة المباشرة للمدرك ولا دقة المصور غير المتعلق بالمحسوس.

هذا النقد البسيكولوجي لملكة الخيال يتأسس على النقد الأنطولوجي للصورة التي تعود جذورها الى فكرة المحاكاة imitation. ان الخيال هو مرتبط بالغياب الذي يحدثه في قلب الوجود وذلك لأنه يسمح لشيء معين غائب بالظهور في الحاضر ويعيد انتاج واقع الشيء بشكل يشوه حقيقته.

من جهة ثانية يتطرق ريكور الى مشكل تعدد المعاني polysémie ويهتم بتنوع تعريفات الخيال ويذكر تمييز الاغريق بين الخيال بوصفه نسخة واعادة انتاج eikon والخيال بوصفه phantasia أي خلق مصورcréation imagée ويرى أن هذا التمييز موجود في اللغة الألمانية بين phantasia وEinbildung . هكذا يعني الخيال في الآن نفسه عمل اعادة الانتاج وومضات العبقري ويمكن للمرء أن يرتاب من وحدة ملكة تعني في نفس الوقت الاظهار الاعتباطي للأشياء الغائبة والقدرة التخييلية على تشكيل كائنات غير موجودة والميل الى منح الوجود الى أمر زائف. لعل المجهود الفلسفي الريكوري ينصب حول نقطة الرد على هذا النقد المزدوج من ناحية بسيكولوجية وأنطولوجية الذي يرفض الخيال ويعتبرها قوة تضليل وخداع وملكة غير مهذبة. لقد عمل ريكور منذ الكتابات الأولى على توجيه الأنظار من بسيكولوجيا الصورة حاول بلورة الخيال عن طريق الكلام الحي ورأى أن الصورة المتخيلة تسمح بالتفكير والفهم علاوة على الرؤية والإدراك الحسي. في رمزية الشر 1960 يقترح ريكور هرمينوطيقا الاعتراف aveu   التي ترفض الوعي الآثم  الذي لا يقدر على الوصول سوى في الكلام الذي يقوله وحسب. بينما الكلام هو رمزي من هنا وهناك والشر الذي يعبر عنه في الدنسsouillure والذنبpéché  والاثمculpabilité  لا يقع تلفظه مباشرة وانما بواسطة الممثالة والتخييل والتشبيه والتناسب. كما أن الوعي بالخطأ هنا ليس مشهدا تنتشر فيه الصور والتصورات الضعيفة والمفاهيم التقريبية وإنما يصرح مباشرة بخيال رمزي الذي يضع على مسافة نقدية من ذاته. من هذا المنطلق يضع الخيال نفسه على ذمة الخطاب في سبيل أن ينقطع عن كونه مضاد للحق ليصير المثل الذي يدخل الاضطراب على التمييز بين الحق والباطل. في هذا الصدد تقبل الانتاجات الخيالية التأويل لمعنى لا يمكن التعبير عنه بوسائل أخرى غير التخييل Fiction . على هذا الأساس نظر ريكور الى قيمة التحليل النفسي في كتابه في التأويل. محاولة حول فرويد 1965 في منح الحلم والتوهم حقيقة نفسية  أكثر حتى من مخيال الدافعPulsion .

هكذا لا يقتصر الخيال على زخرفة الرغبة بل هو الذي يشكل منبع كل الرغبات ومصدر الذاتية نفسها وذلك حينما ينخرط في البعد الرمزي. كما أن المعنى الذي يجب على التحليل أن يعيد تكوينه ليس التعبير عن رغبة لاواعية بل هو المعنى المعيش للرمزي الذي يتلازم مع تجليه الخيالي. لكن كيف يمكن أن نعطي هذه القدرة في اعطاء المعنى الى الخيال ونحن نتعامل مع شيء يتهرب من كل معنى؟

في كتاب الاستعارة الحية الذي ظهر الى العموم سنة 1975 يوقع ريكور مفهوما جديدا هو الابداع الدلاليInnovation sémantique  لكي يصف به شغل الاستعارة أو المجاز ويرفض أن تكون مجرد شكل أسلوبي ويرى أنها أثر عن الخطاب يحمل الصورة الى المعنى واحالة غريبة وتحميل مشوه بالقياس الى كونه ينطبق على حد من المحمولات غير المناسبة وتنتج صدمة دلالية بالنظر الى كونها حدث داخل الكلام. بيد أن هذا الحدث ينبثق في صورة تقوم بتقريب عالمين دلالين متعارضين ويظهر ذلك حينما يقوم الشاعر بإحداث تمفصل بين المعنى والمحسوس. بناء على ذلك يمنح الخيال داخل الاستعارة معلومة غير منشورة ويبرهن بكون مهمته لا تقتصر على انتاج الأوهام بل وأيضا على توجيه الأفهام وذلك عن طريق شعرية القول وإعادة الاعتبار للمحاكاة. ألم يقل أرسطو في كتاب الشعر: "أن نقدم استعارة جيدة يعني أن ندرك التشابهات بشكل جيد"16[16]؟

والحق أنه لا يوجد قطيعة بين علم النفس والسمينوطيقا لأنه لا توجد هوة بين الخطاب والمخيال. هذه النتيجة يطورها ريكور في كتابه الكبير "الزمان والسرد" الذي ألفه من سنة 1983 الى سنة 1985 حين يعثر على المخيال التكويني imaginaire constiturif  ويسمي هذه العملية تشكيل الزمان بواسطة السرد الأدبي والسرد التاريخي. اللافت للنظر أن هذا الكتاب المسمى الزمان والسرد مبني من مفارقة أساسية حول طبيعة الزمان يذكرها أوغسطين من جهة النفس وكان أرسطو قد أثارها من جهة الكون. هكذا يجب القيام بدورة بواسطة السرد لكي يفهم المرء الزمان بما أن السرد يتمفصل على الزمان ويتيح له بأن يعطي للتجربة الانسانية شكلا معينا. كما أن التشكيلconfiguration  هو تركيب خيالي للتجربة الزمانية. على هذا الأساس يعيد ريكور الاعتبار للسرد في علم التاريخ والأدب ويجعل الذكاء السردي على رأس مشروعه الفلسفي.

ان الزمان الذي يأمل الفيلسوف فهمه هو الزمان المروي والمقصود هو أن السرد يعطيه منظورية لا يمتلكها عند التجربية العارية للوعي، زد على ذلك يطرح الخيال السردي شيئا آخر مغايرا لمضاعفة الواقع بما أنه يساهم في تصميم الوقائع التي تنير الشكل الزمني للتجربة.

لعل هذا التفكير في البعد الدلالي للخيال ينخرط في الاتجاه الكانطي خول النزعة التخطيطية. اذ ينتج الخيال داخل الاستعارة تحميلا جديدا وداخل السرد يدرك تمفصل الزمان مع أطر التجربة الانسانية. هكذا يعطي  الخيال الابداعي في الحالتين عند كانط وريكور صورة الى المفهوم ويشكل الوسيط الضروري لكي يتم تأويل المعنى وفهمه. من جهة أخرى يظل النقد الريكوري للبنيوية بعيداعن المحاولات التي تدرج المعنى ضمن الأنساق الرمزية الصورية وذلك لما تعانيه من نقص في عملية التخطيط schématisation. كما أن الهرمينوطيقا التي يحاول أن يجددها في هذا الكتاب ويعيد تعريفها لا تعني شيئا آخر غير تأويل شغل الخيال - بوصفه هذا الفن المخفي داخل أعماق النفس الانسانية- بالانطلاق من انتاجاته في القصيدة والسرد.

المفارقة التي تظهر هنا في آخر الكتاب تتمثل في أن الخيال يخططshématise  الزمان في حد ذاته داخل التخييلfiction  ويسمح في نفس الوقت بتقديم ترجمة حسية للذاتية في صورة الهوية السرديةidentité narrative. هذه الفكرة الجديدة المسماة الهوية السردية يتخذها ريكور كتاب "عين الذات غيرا" Soi même comme un autre الذي ظهر سنة 1990 وتختلف عن الهوية الشخصية وعن الهوية الثقافية.

غاية المراد أن ريكور يراجع الاتجاه المتمرد iconoclaste  الذي يميز الفلسفة المعاصرة ويتضرع الى المعنى الأيقوني ويبقي على  حضور منقوص للصورة في مقابل يلفت الانتباه الى قدرة التخييل ويسرع الى ابرام مصالحة في الفلسفة بين المحاكاةmimésis  والتوهم phantasia، طالما أنه لا توجد مراوحة بين الخيالimagination  الذي يعيد انتاج الواقع والمخيال imaginaire  الذي يعيد ابداعه وبما أن معنى الواقع هو مباشرة مودع في الصور17[17].

ب- عالم متخيلimaginé  وعالم مستعادretrouvé  :

الخيال عند ريكور لم يعد قوة تضليل وخداع والآن ينبغي البرهنة أنه لم يعد أيضا مبدأ الوهم. وما تقوله المقاربة الثانية هو أن الخيال لا يقتصر على تحريف الحقيقة بل يتعدى ذلك نحو اثارة مشكل التمييز بين الواقع واللاّواقع وذلك بتمكين غير الموجود من الظهور. بناء على ذلك نمر من مشكل المعنى الى مشكل الاحالة ونبحث عما اذا كان ما يقوله الخيال هو لشيء معين.

اللافت للنظر أن جواب ريكور عن هذا المشكل هو ثابت ويتمثل في أن الخيال يساهم في تحييد الواقع ويتيح أيضا امكانية تشييد احالات جديدة وادراك العالم في يوم غير معلوم وبشكل مختلف.

على هذا الأساس لا تكون اللغة الشعرية امبراطورية داخل امبراطورية بل لغة استثنائية تحيط بالكلام وبالتالي هناك كثافة véhémence  أنطولوجية للخطاب وبعبارة أخرى ثمة انتقالية transitivité للكلام تمنع كل بقاء في الفهم الذاتي. على هذا النحو تم التعامل مع الهرمينوطيقا بوصفها وثنية المعنى وعند ريكور تشهد صراع التأويلات وبالتالي توليد معان متعددة. دون أن ننسى أن الهرمينوطيقا عند ريكور هي فنومينولوجية بمعنى يتعلق الأمر بفعل الفهم بالقياس ما يسمح به الوصف وبالتالي يككون العالم هو أفق الكلام. لكن ما يعطى لللغة من قيمة يتم منحه الى الخيال أيضا. كما أن ريكور ظل وفيا لمصطلح هوسرل عن الانحرافات variations  بما أن الخيال يحوز على وظيفة يوتوبية وهي ملكة تسمح للذات بأن تنعتق من الواقع المدرك عاديا وبالتالي يعلق الخيال ديننا الخاص من خلال وصف داخلي ويكون أحسن مضاد للأفكار المقبولة بشكل مبتذل. بيد أن وظيفته لا تتوقف عند هذا الانسحاب بل هو يؤدي وظائف أخرى بحكم ارتباطه بالكلام والجانب النفسي ولذلك فهو لا ينتج صور فحسب وإنما أيضا معنى. لكن قدر المعنى أن ينحل في إحالة وتبعا لذلك يكون الخيال قدرة على إعادة الوصف الواقع فهو يقول الأشياء بطريقة مغايرة ويبتعد عن اقتطاع جزء من العالم ويحول إدراكنا ويزيد من رؤيتنا.  فماهو العالم الذي يوجد في أفق الخيال؟ أليس هو عالم الحلم الذي أخذ مكان العالم اليومي أم أنه العالم المستعاد بعد أن خضع العالم الواقعي لعملية التحييد الشعري ؟ ماذا لو كان يفيدعالم الحياة ؟

يثبت بول ريكور اصطباغ فكره بالفنومينولوجيا في كتاب جماعي شارك فيه عام 1986 عنوانه في مدرسة الفنومينولوجيا. ولكنه أصر على أصالة هذا الاتجاه عنده حينما بين أن الفنومينولوجيا لا تقوم بتحليل مباشر للإدراك بالانطلاق من العالم الراهن بل بمساعدة نظرية في الخيال والكلام الشعري. ويتمثل الأمر في القيام بخطوة إلى الوراء عن العالم المتصور نحو العالم المدرك وذلك عن طريق عملية يجريها الخيال باستثمار الكلام الشعري. هذا الأخير يتصف بكونه حر بالمقارنة مع القواعد النحوية ويقترب من اللغة العادية ولذلك فهو يسمح بمباشرة العالم بشكل مختلف. خير مثال على ذلك هو تحيل ريكور للاستعارة في مستوى دلاليتها ومن جهة إضافتها إلى الإحالة العادية إحالة من درجة ثانية واستدعائها القارئ لكي يرى الشيء كما لو لم يعهده من قبل وتشيدها لمعنى غير مألوف. لعل شجاعة ريكور تتمثل في إقراره بأن الإنتاجات الأدبية للخيال تسمح بتطوير إدراك الأشياء وتجعلها تقوم بوظيفة الكشف والإظهار للماهيات والجواهر.  بطبيعة الحال لا يبدع إن المخيال بكل تأكيد المتشابهات ولا يشيدها في عالم وهمي وإنما على خلاف ذلك يسمح بظهور الأشياء في يوم جديد ويعيد تنظيم الإدراك وفق معايير مغايرة عن قواعد المنطق الصوري. على هذا الأساس يوجد ريكور على مسافة قريبة من ميرلوبونتي الذي يشير الى أن من يرى هو في الحقيقة يرى بواسطة مبدأ لا يراه أي يدخل إلى قلب الكينونة المستترة. هذه الأخيرة هي التي تحيط بالمرئي وتعطيه عمقه الضروري وتمثل ما يسمى باللاّمرئي وتتمثل مهمة الخيال في اكتشافه ومنحه إلى الإدراك من أجل توضيحه والتعبير عنه بلغة المفهوم.

هكذا يوجد عالم النص في أفق المنطق الداخلي للنص. بناء على ذلك يستعمل ريكور في كتاب الزمان والسرد مفهوم اعادة التشكيل refiguration لكي يستكمل نظرية التشكيل الخيالي configuration imaginaire . لا يتدخل الخيال هنا في تكوين الزمان بواسطة السرد بل يشتغل أثناء تجربة القراءة ويثير الانتباه الى عوالم غريبة ويفتح قارات جديدة من المعنى. أن نقرأ هو أن نجسد مقصد الحقيقة الحاضرة في عبارة أو تخييل وذلك بأن نحسن الاصغاء لما يريده النص من قول. كما أن القارىء يجسد هذا المقصد عن طريق الخيال ويسمح بالالتقاء بين العالم المتخيل للنص والعالم الخاص لمن يقرأ وهذه المقابلة هي نوع من التقاطع ويسميها ريكور اعادة التشكيل وهي الحركة التي تعطي الى القارىء احالة الى النص ببناء العالم الذي يحمله. في الواقع أن نقرأ نصا معينا وأن نطلع على ما يتضمنه من صور شعرية ومعان وأفكار هو أن نتخيل عالما غير مألوف. لقد استعمل ريكور هذه النظرية حول تأثيرات واقعة المخيال في السرد لكي يرد على مزاعم ابستيمولوجيا التاريخ الوضعية وكشف الحقيقة الأنطولوجية للتاريخ الماضي.

في هذا الصدد يميز ريكور عندئذ بين التاريخ ومجرد نسخ المعطى ويعيد اظهار الماضي عن طريق الخيال التاريخي الذي يتبارى مع الوقائع في السرد ويعيد طابع الأحداث عبر القراءة.

يتموقع ريكور على نفس المسافة التي تفصل بين الواقعية التاريخية التي ترى وجوب قول التاريخ الأشياء كما حدثت بالفعل في الماضي والمذهب التخييلي الذي يدعي أن الماضي لا يوجد الا في السرديات المتعددة التي أنتجها كما هو عند بول فاين. أما عند ريكور فإن الخيال هو وسيلة للمعرفة بما كان. وهذا الأمر نجده واضحا للعيان في القسم الثالث من الزمان والسرد وفي كتاب الذاكرة، التاريخ، النسيان، وعبر عنه بمصطلح التمثيلانية représentance والتي قصد بها العلاقة بين السرد التاريخي والمرجع الذي يحيل اليه وجعلها تفترق عن التمثلreprésentation لأن الخيال التاريخي لا يظهر نسخة مطابقة للماضي بشكل تقريبي بل هو يمسك بهذا الماضي وينتج أثرا في حاضر القراءة ويتناول القارىء مجموعة الصور التي ترمز الى الماضي ويحرص على حكيها بطريقة مختلفة ومتنوعة مثلما يفعل المحلل النفسي مع أعراض المرض الذي يمسك بالرغبة المكبوتة ويساعد المريض على التحرر منها بتحليلها ومعرفة أسبابها ودواعي عملية الكبت. أما المؤرخ فلكي يشكل  الماضي يجب أن يستعمل الوثائق والأراشيف والنصب التذكارية. غاية المراد أن ريكور ينقد أوهام الاحالة والمرجع والاحداثية ويستميت في القول بأن الخطاب هو حمال لتأثير من الواقع حتى وان كان عالم النص مخربا بالمقارنة مع الحقيقة المدركة. في حقيقة الأمر بالنسبة الى ريكور إن " ما يحمله الخطاب الشعري الى الكلام هو عالم ما قبل موضوعي حيث نعثر على ولادة سابقة، ولكن نسقط فيها امكانياتنا الأكثر خصوصية"18[18]. على هذا النحو تذهب الأطروحة التي يدافع عليها بعيدا حيث العالم المدرك هو منذ الوهلة الأولى عالم مؤول وهذا الوجود المؤول ليس متضايفا مع المفهوم الذي يتمثله بل مع الصورة التي تتشكل حوله أو يشكلها بنفسه.  تبعا لذلك يكون تطعيم الفنومينولوجيا بالهرمينوطيقا وزرع الهرمينوطيقا في الفنومينولوجيا أمرا ضروريا داخل منظورية حيث يظهر العالم حسب معناه المطروح في الاستعمالات الرمزية والشعرية والتخييلية للكلام. على خطى هيدجر يسير ريكور حيث يصغي الى أنشودته :" نحن نرى ما نقوله عن الشيء"19[19].

لكن أليس ما نراه من الشيء عندما نقوله هو في الحقيقة ما كنا قد تخيلناه عنه؟

ث- الخيال في الفعل l’imagination dans l’action

يترتب من التحليل السابق أن الخيال ينتج معنى ويفتح الانسان على عالم أصلي ولكن دوره لا يتوقف عند هذا الحد بل يمكن أن يصبح مكونا جوهريا من مكونات ملكة الفعل. على هذا الأساس بذل ريكور جهدا كبيرا في سبيل تشييد أنثربولوجيا أخلاقية متمحورة حول فكرة الإنسان بوصفه كائن فاعل ومعذب وواجه النزعة البنيوية المعادية الإنسانية بتأكيده على فكرة الانسان القادر بديلا عن فكرة الإنسان الآثم أو الإنسان الخطاء ويعد فعل التخيل أحد القدرات المميزة له. بيد أن السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يمكن أن نفهم هذا النماءpromotion الإتيقي للمخيال؟

يبدو أن الخيال هو الذي يشكل الفعل في مرحلة أولى بمعنى أنه هو الذي يُخبِرُهُ ويضعه في اطار  ويسمح له في مرحلة ثانية في بعض الاستعمالات أن يعيد تشكله عبر استعمال الرموز والسرد. ويترتب عن ذلك عدم وجود فكر لا يعتمد على الرمز وذلك لأنه لا توجد تعبيرات خالصة وغير إديولوجية للبراكسيس وأفعال البشر هي متمفصلة مع التمثلات والمشاريع والقواعد والمعايير. إن الفعل هو غير مفصول عن الخيال الذي يستبق الدروسcours، وان الذات لا تقدر على امتحان حوافزها واللعب مع الممكنات في المخيال وتصطبغ بالأنا أريد الذي يعلن عن قدرتها على الفعل. وكما ذكر ماكس فيبر ان التصرف البشري لا ينال درجة النشاط إلا إذا أعطى معنى لمن يفعل وأصبح شيئا اجتماعيا.  على هذا النحو تهتم هرمينوطيقا الفعل بتأويل معنى التصرف. غير أن هناك مفارقة تتمثل في أن الفرد يتعلق بما يريد فعله وقصده وفي نفس الوقت يتفق مع نسق القواعد التي يجعلها تشتغل ضمن العالم الرمزي الذي يطوره. يترتب عن ذلك أن الخيال يعني هنا القدرة التي تتيح ادراك الامكانيات التي وفرها المجتمع. أنا أفعل باندراجي داخل عالم رمزي لم أختره. من هذا المنظور تثمر المماثلة بين الفعل والنص وتشبه الدلالة الاجتماعية للحركة الى دلالة الجملة داخل النص. ان الفعل الانساني هو فعل رمزي بمعنى تعبره توسطات خيالية. ولهذا السبب يمثل الرمز الطريق المفضل للدخول الى الإتييقا. كما التحقيق في الوعي الآثم يبدأ بدراسة رمزية الشر. وحتى ان لم تكن الذات سيدة أفعالها فإنها تفكر في الفعل بمساعدة الرموز المتاحة في ذاكرة اللغة. أن يبدأ المرء في الفعل هو أن يواصل الفعل داخل تراث كان قد هو بدروه قد وضع بنفسه أسباب فعل. تبعا لذلك ليست الاتيقا الريكورية متمركزة حول مفهوم القانون ولا حول مفهوم العقل العملي الذي حقق استقلالا ذاتيا حيث يجب معارضته مطالب الرغبة الحسية. بل لا  يمكن لريكور البقاء أصلا عند حدود مصطلح الواجب ولذلك نراه يسعى الى بلورة مفهوم الحرية حسب الرجاء أو الأمل liberté selon l’espérance ويعني بهذه العبارة المستحدثة حرية حسب ما يعد به المرء وكل ماهو غير مفصول عما يلزمه من فعل.ان وعود الفعل هي اختراق الخيال للمعيار ولكي يفعل الانسان فهو مطالب بتمثيل المستقبل الذي يحلم به وهذا نما يقتضي احداث تغييرات في الحاضر. لكن هل ثمة ملكة تغيير أكبر من الخيال؟

عندما أسس ريكور في عام 1960 مفهوم اللاّعصمة Faillibilité عبر تأويل أساطير أصل الشر في التراجيديا وفي الإنجيل فإنه نَصَّصَ على القدرة الخاصة التي يتمتع بها الخيال لكي يفتح على إمكان غير معهود. فالأسطورة مثلا تبلور الخطأ كحدث يحصل في التاريخ الفردي. من هنا يعطي للشر امكانية الوقوع في عالم الانسان وجوازه في التاريخ ويبرر ذلك بأن الخطأ ليس شكلا من القدر وإنما لحظة في تاريخ الحرية. وبالتالي لا يمكن تصور عدم اقتراف الانسان للخطأ. لقد ترتب عن ذلك اصرار ريكور على الخروج من قبضة هيجل وفي كتابه الثلاثي الشهير الزمان والسرد وذلك حينما رفض فلسفة التاريخ التي أعلنت على انتصار زمن السرد وشكوى الضحايا. في السياق أن نتخيل هو أن نتخيل تاريخا مختلفا عن التاريخ الذي حدث والتشكيك في مشروعية الواقعة التامة وأن نمنح الى الخيال بعدا اتيقيا خاصا به وخاصة انهاء التمييز والعنف بالمصالحة. هكذا يرسم السرد الفريد دربا مختلفا عن مسار التاريخ الرسمي ويفضل حقل الامكانيات على مسرح يبدو مغلقا، ويؤدي المخيال في هذا الفيض دورا بارزا حيث لا يكتفي بإعطاء معنى للممارسة بل يعيد تشكيلها تماما على طريقة التراجيديا الأرسطية التي تعيد خلق الفعل في نفس الوقت الذي تقوم بمحاكاته. في كل الأحوال ينير السرد الفعل الانساني وشروطه في يوم جديد. على هذا الأساس يحبذ ريكور مرة أخرى القراءة حيث تذوب الذات في العالم الذي يقترحه النص. إن فعل القراءة هو تجربة الغيرية التي بواسطتها نتمرن على تجريب الاقامة في عوالم غريبة عن ذواتنا نفسها. لكن اذا كان التخييلfiction  يسمح بادراك العالم بشكل مختلف فإن القارىء يتم استدعائه نحو تنسيب الآراء الذاتية ويقع تهيئته قصد تخيّل أنماط أخرى للفعل. غني عن البيان أنه مهما كان العالم المتخيل جيدا أو سيئا المهم أنه ينتمي الى عالم مغاير والجوهري أنه يظهر كإمكان ويتجه نحو فرض جوازه على العالم الواقعي. في النهاية يشكل المخيال مكونا للحياة الجماعية ويسمح بإزاحة العقبات التي تفصل بين السياسة والإيتيقا ويقرب بين القوة والحق. لعل الدرس الذي قدمه ريكور في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1970 تحت عنوان " الايديولوجيا واليوتوبيا" هو تناوله كموضوع للبحث مجموعة من أشكال المخيال الاجتماعي، واقراره على خلاف الاستعمالات الماركسية بأن الايديولوجيا ليست التعبير المعكوس والزائف عن الممارسة العينية بل بالأحرى انتاج للمخيال تكون مهمته السماح للممارسة الفردية بالاندماج في السياق الاجتماعي. هكذا حينما يتعلق الأمر بذات فاعلة فإنها تبرر فعلها بالإحالة الى عالم رمزي من القواعد والقيم المفروضة من طرف التقاليد والتراث. والسبب أن الذات ليست الأولى التي تفعل ولا تقوم بذلك بشكل مفرد وخارج كل مؤسسة بل توجد تقاليد جماعية ومشتركة للفعل.

هذه الوظيفة الادماجية للايديولوجيا تناظرها وظيفة subversive تجاوزية استشرافية لليوتوبيا وتتمثل في تنسيب الانتماء الى العالم الاجتماعي بواسطة القدرة على الخلق بواسطة المخيال الجماعي. على هذا النحو يعارض ريكور بين التبرير الايديولوجي والقدرة الكشفية التي توجد لدى اليوتوبيا وتسمح لها بإظهار امكانية أخرى للعالم وتمثل دعوة الى تغيير العالم الذي نحيا فيه. كما أن المهمة النقدية التي ينخرط فيها ريكور تزيل التعارض بين الايديولوجيا واليوتوبيا وترتكز على التنوعات الخيالية حول قدرة التاليف التي تحوز عليها السرديات التي تعيد الاعتبار للحدثان وتقصد الزمان الراهن. عبر هذا الطريق نصل الى القناعة الأكثر عمقا لدى ريكور وهي أن " الوعي كائن في عالم رمزي يسبقه ولكنه وعي بكل شيء وقادر على تجريب الحرية في المخيال. لو أمكن للخيال أن يحتل مركز هذا التفكير فلأنه يكشف عن المفارقة في هذا الوضع. ان الذات تتخيل في لغة رمزية ويعزم على مواجهة السرديات التي يلم يؤلفها وذلك بضمان شرط الانتماء الى عالم خيالي. لكن نفس القدرة على التخيل تسمح بتطوير ادراكات الذات وتقييماتها بادراج الممكن في عالم يبدو مغلقا وهذا شرط الانتماء الى عالم حيث يشترط الانتماء الذاتي وشرط عدم انتماء الذات ويتوقف انتماء الذات الحرة على قدرتها على اعادة خلق حياتها بشكل مختلف"20[20]. فكيف ترسخ مفهوم المخيال ضمن الفلسفة السردية؟

خاتمة:

" لقد علمنا ريكور بأن الخيال يلعب دورا مركزيا"21[21]

يمكن إعادة تشكيل وحدة الفلسفة الريكورية عن طريق الفكرة الناظمة التي تطرح مسألة التخيل في إطار المنعطف الاستيطيقي وما تمخض عنه من حركة ابداعية جمالية تجلت في عدة آثار. في الواقع تتمثل خاصية ريكور في تعامله مع الخيال ليس ككلية نفسية، بل كقوة دلالية: اذ يرى بأن الاستعارة والسرد يجعلان من الممكن تصور الواقع بخلاف ما هو عليه، وبالتالي تخيله. إن  الصورة ليست أقل من الإدراك ولا أقل من المفهوم، إنها الأداة التي تتيح التعبير عنهها. لقد قام ريكور بتأكيد هذا الترويج للخيال إلى رتبة البعد العملي في نظرية للإيديولوجيا واليوتوبيا22[22]. إن التخيل هو بالأساس عملية لغوية في المقام الأول، لكنها عملية لا تزال لها مقصد فنومينولوجي، حيث يحدث فيها التفمصل الفنومينولوجي الهرمينوطيقي، بما أن الهدف باختصار هو السماح لأنفسنا بالوصول شعريا إلى معرفة الحياة أو العالم المحسوس الذي يقوم المخيال بمهمة تكوينه. كما تبدو اللغة الشعرية في هذا الاستخدام التخيلي للغة الذي يمكن أن يعلمنا المزيد عن ماهية الإنسان وما هو عليه العالم ولذلك ينبغي الاشادة بقوة الاستعارات وبالقراءة التي تحول النص إلى حدث. لكن ماهي المنزلة المعرفية والوجودية للعالم المتخيل؟ وإلى أي مدى يمكن للعالم الذي يرسمه الخيال أن يستمر؟ أي عالم يمكن للقارئ فيه أن يعرض كل إمكانياته التخيلية وقدراته العملية؟

لم يعد مجرد عالم خيالي، عالم وهمي بالمعنى الخاطئ للمصطلح، ولكنه عالمًا يتنافس مع العالم الواقعي، ولقد تولد عن هذه المنافسة بينهما طرق جديدة للإدراك والفهم ومسارات مختلفة للفعل. يمكن الاستنجاد بالخيال حسب ريكور بغية إيجاد حل للتردد القائم بين الطابع الكوني للمقصد الايتيقي والخصوصية التاريخية للقرار وتخطي النزاعات الناتجة عن تطبيق المعايير نفسها على وضعيات جزئية بالتعويل على الطابع الخلاق للايتيقا الشاعرية وجعل الخيال قوة مبدعة للفعل23[23]. إذا كانت كل من الايديولوجيا واليوتوبيا تعبيرتين رمزيتين من تعبيرات الخيال الاجتماعي فإن الخيال هو انتاج متواصل للدلالات والسرديات ويستمد منه الفكر المصادر الرمزية ويستند عليه الإنسان بغية الإندراج في النظام الاجتماعي وترتكز عليه المجموعة البشرية للتموقع التاريخي24[24]. أما الخيال السردي فهو الذي يسمح ببناء وسائط رمزية بين التراث المادي والراهن الواقعي عبر امتلاك تقاليد الحياة الجيدة وتكوين مواقف أساسية وقناعات موزونة وتعليم استعدادات إيتيقية. ان مشروع شاعرية الوجود سمح بالإشارة إلى الروابط المتينة بين الخيال والحياة الروحية وتأثر القارئ للبعد الشاعري من الخطاب وتملك الذات رمزيا قدرات تأويلية بوساطة الخيال السردي. هكذا يصبح الخيال هو المكان الذي تلتقي وتتقابل فيه التمثلات والعروض التي تسمح بالإلهام الأساسي للإنسان وتحويل الذات وتساعد على ابداع الكينونة وطريقة جديدة للوجود في العالم25[25]. علاوة على ذلك تعمل الوساطة التخيلية عبر التخطيط الاستعاري على حشد الفكر الموسع لكي يقوم بخدمة الخيال السياسي وينعش الإحساس بالصالح المشترك عن طريق الفاعلية الشاعرية ويساعد على تخيل أشكال جديدة من التضامن والتآزر بين الأفراد والجماعات وعلى ممارستهم للتآخي26[26]. لكن إلى أي مدى يؤدي تتابع الخيال الذي يجب اتخاذه بواسطة سلطة الحب إلى التغلب على العنف وتجنب الحروب وتمتين تلاحم الروابط الاجتماعية وتدعيم السلام الأهلي؟

  

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.......................................

الإحالات والهوامش:

[1] Ricœur (Paul),  du texte à l’action, essais d’herméneutique, t.II, édition du seuil, 1986,p225

[2] Platon, le Sophiste, in  Œuvres complètes, Pl Gal, t, II, 263d- 264b, p330-331.

La république, t. I ; li ;VI, 511a, p1100.

[3] Épictète, Entretiens II, in les Stoïciens, PL Gal, pp929-932.

[4] Descartes René, Méditations métaphysiques, in Œuvres, PL Gal, Méd. VI, pp318-319.

Les passions de l’âme, art.211,p794.

[5] Imagination reproductrice

[6] Imagination créatrice

[7] Kant Emmanuel, Anthropologie du point de vue pragmatique, édition Vrin, Paris ,1964, réédition 2008 , partie 1p47.

Critique de la raison critique,  1781, traduit par Tremesaygues et B. Pacaud, édition PUF, Paris,1965 p150-153.

[8] Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, traduit par Alexis Philonenko, édition Vrin, Paris,1979, §35, p122.

[9] Sartre J. Paul, l’imaginaire, édition Gallimard, Paris, 1940, réédition, collection folio essais, Gallimard,1986, pp23, 29,232.

[10] Bachelard Gaston, l’eau et le rêves, éditions Corti, Paris, 1965,pp23-24.

La terre et les rêveries de la volonté, éditions Corti, Paris, 1965, p3-4

L’air et les songes, éditions Corti, Paris,1965, pp118-119.

[11] Bachelard Gaston,  Poétique de l’espace, édition PUF, Paris, 1957, pp16-17.

[12] Jung Carl, les types psychologiques, éditions Georg et Cie Genève , p310sq

Durand Gilbert, les structures anthropologiques de l’imaginaire, édition Bordas,

[13] Ricœur (Paul), Anthologie, textes choisis et présents par Michael Foessel et Fabien Lamouche, éditions Points, 2007.431p.

[14] Michael Foessel, Penser l’imaginaire,

[15] Husserl Edmond, Idées directrices pour une phénoménologie, §70, Traduction de Paul Ricoeur, Paris , Gallimard, 1950.p.227.

[16] Aristote, Poétique, 1459 a.

[17] Michael Foessel , in Ricœur (Paul), Anthologie, op.cit. p.14.

[18]  Ricœur (Paul), la métaphore vive, Paris, Seuil, 1975. Reed, Points- Essais, 1997. P.87.

[19]  Martin Heidegger, Prolégomènes à l’histoire du concept de temps, GA 20, Francfort –sur-le- main, 1979. p.75.

[20] Michael Foessel , in Ricœur (Paul), Anthologie, op.cit. p.22.

[21] Alain Thomasset, l’imagination dans la pensée de Paul Ricœur, in revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80, pp525-541.

[22] Michael Foessel, Action, normes et critique, Paul Ricœur et les pouvoirs de l’imaginaire, in revue Philosophiques, volume41, Numéro 2, Automne 2014, pp241-252.

[23] A. Marcel Madila Basanguka, éthique et imagination chez Paul Ricœur, in Revue d’éthique et de théologie morale, 2005, 1, N°233,pages 113 à 134.

[24] Anne Dujin, l’imaginaire des inégalités, in Revue esprit, septembre 2018, N°447, p38.

[25] Alain Thomasset, l’imagination dans la pensée de Paul Ricœur, in revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80, pp525-541.

[26] Monteil Pierre-Olivier, Raviver le sens du lien social par la médiation de l’imagination. Schématisme métaphorique et jugement politique selon Paul Ricœur, in Revue philosophique de Louvain, Tomme 112, N°1, Février 2014, pp75-96

المصادر والمراجع:

Ricoeur (Paul), la métaphore vive, Paris, Seuil, 1975. Reed, Points- Essais, 1997.

Ricœur (Paul),  du texte à l’action, essais d’herméneutique,t.II, édition du seuil, 1986.

Ricœur (Paul), Anthologie, textes choisis et présents par Michael Foessel et Fabien Lamouche, éditions Points, 2007.431p.

Aristote, Poétique, 1459 a.

Platon, le Sophiste, in  Œuvres complètes, Pl Gal, t, II, 263d- 264b.

Platon, La république, t. I ; li ;VI, 511a, p1100.

Épictète, Entretiens II, in les Stoïciens, PL Gallimard.

Husserl Edmond, Idées directrices pour une phénoménologie, §70, Traduction de Paul Ricoeur, Paris , Gallimard, 1950.

Martin Heidegger, Prolégomenes à l’histoire du concept de temps, GA 20, Francfort –sur-le- main, 1979.

Descartes René, Méditations métaphysiques, in Œuvres, PL Gal, Méd. VI.

Descartes René, Les passions de l’âme, art.211.

Kant Emmanuel, Anthropologie du point de vue pragmatique, édition Vrin, Paris ,1964, réédition 2008 , partie 1.

Kant Emmanuel, Critique de la raison critique,  1781, traduit par Tremesaygues et B. Pacaud, édition PUF, Paris,1965.

Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, traduit par Alexis Philonenko, édition Vrin, Paris,1979, §35.

[1] Sartre J. Paul, l’imaginaire, édition Gallimard, Paris, 1940, réédition, collection folio essais, Gallimard, 1986.

Bachelard Gaston, l’eau et le rêves, éditions Corti, Paris, 1965.

Bachelard Gaston, La terre et les rêveries de la volonté, éditions Corti, Paris, 1965.

Bachelard Gaston, L’air et les songes, éditions Corti, Paris,1965.

Bachelard Gaston,  Poétique de l’espace, édition PUF, Paris, 1957.

Jung Carl, les types psychologiques, éditions Georg et Cie Genève , p310sq

Durand Gilbert, les structures anthropologiques de l’imaginaire, édition Bordas,

Revue esprit, septembre 2018, N°447.

Revue philosophique de Louvain, Tomme 112, N°1, Février 2014.

Revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80.

Revue Philosophiques, volume41, Numéro 2, Automne 2014.

Revue d’éthique et de théologie morale, 2005, 1, N°233

 

 

علي رسول الربيعيستبدأ هذه  المقالة في توضيح طبيعة السياق الذي يتطلب التسامح. نقطة الانطلاق هي توصيف الحداثة الذي ينطلق من النظرية الكلاسيكية الحديثة للعلمنة ويستند إلى البحث الحالي حول الحداثات المتعددة. بسبب عودة الدين أو حضوره القوي في الساحة العامة  حديثًا أو أقل في بضعة عقود اخيرة، لم يعد بإمكاننا وصف التسامح على أساس نظرية العلمنة فقط. سيقود هذا  الىى تعريف الصراع والتسامح داخل حدود المجتمع مابعد- العلماني. ستأخذ المقالة المكون الفلسفي لمفهوم التسامح من أرسطو وكانط، بمعنى أن التسامح ليس مجرد فضيلة ضرورية في المجتمع الحديث، بل هو أيضًا مفهوم معياري قائم على احترام القانون. أخيرًا، تخلص المقالة  إلى أنه يجب اعتبار التسامح مبدأً للعدالة في مجتمع لا يتطلب احترام حقوق الآخرين فحسب بل ثقافاتهم أيضًا.

تغيًـر سياق التسـامح

لقد تغير سياق النظر الى التسامح كحل للنزاع السياسي. قدم لنا جون راولز المنظور الأكثر تطرفًا وبعدًا عن التسامح عندما صاغ العبارة، "يجب أن تطبق الفلسفة مبدأ التسامح على نفسها".[1] كان لدى رولز عند تقديم هذه الأطروحة، وجهة نظر تخطيطية- صورية جدًا لتطور أشكال العلاقة بين الدين و السياسة من زمن الإصلاح البروتستانتي فلاحقاً.

لقد كان يُنظر الى أول أشكال  التسامح، في سياق الانتقال أو تجاوز أن يكون هناك إطار شامل تم فيه اعتبار الدين والسياسة كوحدة واحدة، كطريقة حياة ترغب  فيها الجماعات الدينية التوصل إلى اتفاق سياسي تلقي به السلاح ويجنبها الحرب . لقد كانت مسألة وقت فقط حتى تجد جماعات ذات أشكال مختلفة من الأعتقادات الدينية تمثيلا سياسيا في ثقافة ناشئة بدأت تتعلم كيف تتسامح مع التعددية.

أدى قبول التعددية على من ناحية  ووبلورة تصور موحد للشرعية من ناحية أخرى،الى  فتح الطريق أمام أشكال من الدستورية التي من شأنها أن تفتتح تقسيم العمل والمجالات بين السياسي والديني مما يؤدي بدوره إلى القدرة على قبول تعددية التعبير الديني وفي الوقت نفسه إيجاد فكرة موحدة على مستوى السياسة. يلعب التسامح دوراً قوياً في عملية فصل التعبير الديني والممارسة عن التبرير السياسي. فيمكننا من هذه العملية التاريخية التمييز بين طرائق التسامح الأقوى والأضعف.

انبعاث الدين

أريد اشير أبتداء  تحت هذا العنوان الفرعي الى أنني في مايتعلق بتحليل عودة الدين وفكرة مجتمع ما بعد- العلمانية، بشكل خاص لمقالات يورغن هابرماس التي كانت تحت عنوان: "عودة الدين - تحد لتفسير علماني للحداثة؟" و"مجتمع ما بعد العلمانية" - ماذا يعني ذلك؟ ".

توقع راولز ما الذي سيكون محوريًا في أي نقاش حول التسامح والصراع، أيً كيفيًة استيعاب عودة الدين. وافترض، في الوقت نفسه، مخططاً من وجهة نظر تاريخية غربية وثقافية أمريكية. لم يفسر العقل العمومي من الجانب الإيجابي،  وهو العقل العمومي  السياسي عنده،  بعبارات علمانية بحتة. بالنظر إلى التمييز  الذي يقيمه بين ما يطلق عليه  "الموقف الشامل" و"الموقف السياسي العلماني"  فأن الأخير يمكن أن يكون شاملا كأيًة موقف ديني، اي يمكن  أن يكون موقفاً شاملاً. ومن ثم، فإن وجهة النظر العلمانية لايمكنها  تتجنب عبء الاضطرار إلى ترجمة وجهات نظرها إلى لغة و مصطلحات يمكن أن يفهمها المواطن المتدين. لم ير راولز مهمة الفيلسوف السياسي أن يكون إلى جانب العلماني، بل كان على طريقة فيتجنشتاين يفضل ترك الأشياء كما هي.

الحداثة والعلمنة

على الرغم من أن عمل رولز قد يكون استثناءً، فقد تم ربط مفهوم التسامح في الفكر الغربي بشكل عام بمخطط يربط التحديث بالعلمنة. بالتأكيد، يمكن إيجاد أمثلة تاريخية  قوية على هذا الربط. لقد أكدت التطورات الكبيرة في العلوم الطبيعية والاجتماعية خيبة الأمل من عالم  يظهر به منظور محوره الإنسان يحل محل نظرة العالم الأكثر إلهية. يمكن للمرء أن يجد أمثلة  ابتداءً من ماكتبه لوك في رسالته حول التسامح حيث بدأت المؤسسات الدينية تفقد السيطرة على مجالات القانون والسياسة والتعليم والثقافة والعلوم. وكما يتضح من ماكتبه ماركس حول المسألة اليهودية، الى ماحصل عندما نشـأت الدولة العلمانية  حيث بدأ الدين في الهبوط إلى المجال الخاص. تنتصر، في هذا السيناريو، وجهة النظر العلمانية على الدين والتسامح كنوع من الاعتراف بحدود المعتقد الديني من جهة وهيمنة الخطابات العلمانية من ناحية أخرى. لكن عودة الدين بقوة الى المجال العام قد غيرت كل ذلك. فبينما يمكن للمرء أن يرى تقدم نموذج العلمنة وتطوره في أوروبا الغربية وأستراليا ونيوزيلندا، فقد كان يحصل  توسع  للدين في الساحة العامة  في بقية العالم. يشكل  التوسع التبشيري والتطرف الأصولي والاستخدام الجديد للدين كقوة للنزاع والعنف في العالم العلامة المميزة لتوسع الدين في العالم اليوم. هناك الكثير مما يمكن قوله بخصوص العلاقة بين العلمنة والتحديث، إلا أنه رغم هذا  لم تعد العلمانية قادرة على الحفاظ على الموقف المنتصر الذي كانت عليه في الماضي القريب.

من الحداثة إلى الحداثات المتعددة: ما بعد المجتمع العلماني

يمكن وصف  هذا الوضع الجديد بالنسبة لأولئك الذين عاشوا  في ظل دولة علمانية بأنه ما بعد-علماني. لايتعلق هذا المصطلح - ما بعد علماني – الذي استعيره من  هابرماس، فقط  قيمته الوصفية للماضي القريب، بل يشير أيضًا إلى نوع الموقف المعياري الذي يجب على المواطنين أن يتخذوه  تجاه بعضهم البعض في هذا السياق الحالي إذا كان  المطلوب أنجاز الاستقرار ليس فقط على مستوى المجتمع الوطني  ولكن على الساحة الدولية أيضاً. أستعير هذا ليكون المشروع الذي كان يعمل رولز عليه في كتاباته الأخيرة. إن تلك الفلسفة التي عليها أن تطبق مفهوم التسامح على نفسها، أسفرت عن إعادة تشكيل مشروع الفلسفة السياسية. فيجد المرء في قلب أعمال رولز اللاحقة مشكلة التوفيق بين التعددية والعدالة العالمية. إن القضية الأساسية لتنمية مجتمع ما بعد -العلمانية ليست مجرد تطوير مبادئ مختلفة للعدالة لمشهد وطني ودولي، بل هي محاولة أن تكون منفتحة على شرعية المجتمعات الأخرى ومطالبات كل منها بالعدالة ومحاولة للعثور، في الوقت نفسه،على المعايير التي ستعمل على المستوى الدولي.

لا يمكن للمرء، في مجتمع ما بعد العلمانية، أن يعتمد على أيًة مجتمع، وأيًة حضارة، كانت شاركت في التجربة التاريخية ذاتها التي تمثلت في أطروحة التحديث / العلمنة.

لا يؤدي هذا الافتراض بالضرورة إلى فكرة صدام الحضارات ولكنه يخلق مساحة كبيرة للاختلاف. بدلاً من ذلك، فإنني أراعي المنظور الذي طوره إيزنشتات[2] وآرنسون من بين أمور أخرى، أي أنه على الرغم من أن الحداثة ظاهرة مشتركة إلى حد ما، إلا أن هناك طرقًا مختلفة تكيفت بها المجتمعات والثقافات والحضارات. وفقا لأرنسون[3] "لا يمكن أن يكون هناك العديد من الحداثة إلا إذا كانت هناك مكونات متعددة من الحداثة - الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، وما إلى ذلك - تتكشف وفقًا لمنطقها الخاص وقادرة على تكوين مجموعات مختلفة في بيئات مختلفة. " يمكن أن تكون الاختلافات كبيرة، ليس فقط على المستوى الوطني ولكن على المستوى الإقليمي أيضًا. ستكون الحداثة، من وجهة النظر هذه، هي المجال المشترك الذي تلتقي فيه الحضارات المختلفة مع بعضها البعض. هذا يعني أن على الحضارات والثقافات أن تتعامل مع تفسيرات مختلفة للحداثة. وهذه التفسيرات المختلفة للحداثة قد تتصادم في بعض الحالات مما يقود الى  النزاع والعنف. ومع ذلك، ستتوافق العدالة العالمية، وهي كلمة الكود للاستقرار الدولي، بطريقة أو بأخرى مع هذا الحداثات المتضاربة. وعند هذه النقطة، المطلوب أن يكون التسامح بحد ذاته مبدأ للعدالة العالمية.

تعريف التسامح[4]

يفتح تفسيري  للحداثة  الذي يفصل  بين مفهوم العلمنة  والتحديث الطريق لمفهوم التسامح الذي لا يتطلب مجرد تكييف ممارسة المواطن المتدين للعلمانية. يمكن للمرء أن يكون أكثر دقة حول فكرة التسامح. فكما اقترحت  أعلاه،  أن يمكن اعتبار التسامح،  العنصر الأكثر الأكثر ترتيبًا أو وتهيئأ لاتفاقً يسمح للأطراف المتعاقدة بالتعايش بسلام، إما إلى أجل غير مسمى أو حتى يتم التوصل إلى تسوية نهائية يمكنني تعريفها بشكل سلبي على أنها تسامح دون احترام. هذا، بالطبع، هو تعريف مفاهيمي خالص لن يفعل الكثير لضمان الاستقرار السياسي في الواقع. إن أمثلة الترتيبات أو الاتفاقات  التي تسمح للأطراف المتصارعة بالتعايش بسلام، إلى أجل غير مسمى أو الى أن يتم التوصل إلى تسوية نهائية من خلا معاهدة يبرمها الطرفان. وهذا يفترض مسبقًا وجود قاعدة يجب احترامها. وهنا يمكن أن يتضمن التسامح فكرة الاحترام. فقد يكون أن "تسمح" بوجود الآخر دون إعطاءه تلك الحقوق المتساوية الأخرى. وأبرز مثال على ذلك هو تسامح الأقلية  مع الأغلبية كما في فرنسا في القرن السادس عشر مع مرسوم نانت أو الترتيب المعقد الذي صاغته الإمبراطورية العثمانية بنظام الدخن حيث تم التسامح مع المسيحيين الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس واليهود وتمنحهم التمثيل في النظام القانوني دون منح حقوق متساوية كاملة. بينما بنموذج التسامح الذي يتضمن ويضمن الأحترام كما صاغه  وفسره  والتزر ثم راولز[5] يعبر عن الوضع المثالي حيث يوجد نظام قانوني، وتمثيل قانوني لجميع الفئات، واحترام لحقوق الإنسان الأساسية.

يوجد نموذج ثالث للتسامح في التعريف الكانطي للحق، والذي يتضمن في الأساس مفهوم الاحترام الذي يستند إلى مفهوم محدد للقانون. تتضمن فكرة كانط  عن موضوع التشريع الذاتي على فكرة المساواة داخلها بمعنى أن مفهوم الحرية يستلزم فكرة أن لكل شخص الحق المتساوي في ممارسة الإكراه السياسي على الآخرين بما يتماشى مع القانون الذي أنشأه النظام السياسي. وقد صاغه كانط  كما يلي:

الحق هو تقييد حرية كل شخص بحيث يكون متوافقًا مع حرية كل شخص آخر، وبقدر ما يكون ذلك ممكنًا وفقًا للقانون العام؛ والحق العام، و هو مجمل القوانين التي تجعل مثل هذا التوافق الشامل ممكنًا.[6]  إن هذا من شأنه أن يؤدي إلى التسامح باعتباره اعترافًا متبادلًا حيث يتم الجمع بين الافتراض الأخلاقي المؤلم فيما يتعلق بالكرامة أو القيمة التي لا تضاهى لكل فرد مع الاعتراف السياسي الأساسي بالقوة المتبادلة للإكراه.

التسامح كمبدأ للعدالة العالمية

أبتداءَ أريد  تحديد نوع مفهوم التسامح الذي يتناسب مع عالم يتشكل من خلال حداثات متعددة سياسيا. فأقوم، هنا، بالتمييز بين الشامل والسياسي الذي قال به راولز لأول مرة. على الرغم من أن مثل هذه الفكرة تتطلب اعترافًا متبادلًا، إلا أنها لا تحتاج إلى أن تستند إلى  فكرة أو مفهوم شامل للعقل. يكفي أن نتصور أن الأشخاص لديهم القدرة على أن يكونوا عقلانيين. وتعني المعقولية هنا ببساطة أن لدى المواطن القدرة على التمييز بين الشامل والسياسي والقدرة على تصور مواقف شاملة أخرى على أنها معقولة دون مشاركته الإيمان بمواقفها. يمكن، في هذا السياق، اعتبار التسامح فضيلة (أرسطو) يمارسها أولئك الذين يشاركون في تسيير العملية السياسية. تتطلب وجهة النظر هذه عن  التسامح، وعلى قدم المساواة، أن تُمارس هذه الفضيلة على أساس احترام (كانط) الشخص الآخر والموقف الشامل المعقول للآخر. وبهذا المعنى، يعد التسامح مبدأً للعدالة العالمية لأنه يمنح شرعية لآراء الآخرين دون الاضطرار إلى قياس هذا الاعتقاد على أساس أو بعض الافتراضات المتعلقة بالعلمنة.

تعود الفكرة الخلفية لمفهوم التسامح هذا  الى فكرة رولز عن "واجب الكياسة"؛[7] والتي تعني أنه يتحمل الأفراد في الديمقراطية مسؤولية ان يترجموا دياناتهم وأفكارهم العلمانية الشاملة إلى خطاب يمكن فهمه من قبل الآخرين الذين لا يشاركونهم أو لا يتبنون  وجهة نظر شاملة بعينها. يفترض هذا بشكل أو بآخر أنه في كل موقف شامل، هناك خطاب سياسي مناظر أو مطابق تم دمجه في هذا الموقف بمرور الوقت. يمكن صياغة لغة ممارسة واجب الكياسة على نطاق عالمي على أساس ومقياس العقل العمومي. إما مسألة ما إذا كان يجب أن تكون متطابقة مع ما يحدث بالنسبة للعقل العمومي في المجتمعات الديمقراطية، فتلك مسألة أخرى. إن المطلوب  هو أن يكون التواصل على المستوى الدولي بمثابة خطاب عام لا يخدم فقط كنوع ثالث من الخطاب إلى جانب الخطابات الدينية من جهة والخطابات العلمانية من ناحية أخرى. يفترض أنه يتوسط في الصراع المحتمل الذي يظهر في سياق الخيارات البديلة أو المختلفة للحداثة. نستطيع أن نطلق على هذا تسمية العقل العمومي أو ربما نستعمل مصطلح قدمه عبد الله  النعيم مؤخراً: العقل المدني،[8] وهو أنه من الممكن على أساس دولي مترابط بناء إجماع متداخل حول المسائل ذات الاهتمام السياسي الدولي. إن تحقيق نوع من التوافق في الآراء هو آخر أمل لنا. والأً البديل هو تصور السياسة كمعركة مستمرة بيننا وبينهم، الأمر الذي سيؤدي، في الواقع، إلى صدام الحضارات. وعليه، في هذا السياق، المطلب والهدف أن يعمل التسامح كمبدأ للعدالة العالمية.

الخلاصة

بدأت بالقول إن سياق النظر في التسامح كوسيلة لمواجهة تحدي الصراع السياسي قد تغير. وبالنظر إلى الصعود الأخير للدين، لم يعد بالإمكان تصور التسامح باعتباره نهاية لعملية طويلة بدأت بوعي ديني وتنتهي بعلمانية. وبالتالي، لم يعد بإمكاننا التفكير في التحديث باعتباره مرتبطًا بالعلمنة. الحداثة نفسها هي مصطلح جامع. وبالتالي، فإن نطاق التسامح قد تغير. يجب على المرء أن يعترف بأنه لا توجد طريقة صحيحة واحدة لتصور الحداثة. وفي هذا السياق، نواجه تحديًا في توسيع مفهوم التسامح لدينا ليشمل جميع المواقف الدينية والعلمانية المعقولة. لا شك أن هذا موقف متفائل في عالم الصراع العنيف. ومع ذلك، لا يزال يتعين تطويره   من خلال الخطابات اللقانون الدولي.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1996), p. 10.

[2] Shmuel Eisenstadt, "Multiple Modernities: A Paradigma of Cultural and Social Evolu­ tion:' ProtoSociology 24 (2007) .

[3] Johann Arnason, "East Asian Modernity Revisited" http://hdl.handle.net/1959.9/471228.

[4] للاطلاع على واحدة من أفضل مناقشات  عن التسامح

Rainer Forst, Tolerance in Conflict. Cambridge, Cambridge University Press,2016.

[5] Michael Walzer, On Toleration (New Haven:Yale University Press, 1997);

جون راولز، قانون الشعوب، ترجمة ناطق خلوصي، بيت الحكمة، بغداد،2006

[6] على المثل: قد يكون ذلك صحيحًا من الناحية النظرية، ولكن ليس له أي فائدة عملية،

in Perpetual Peace and Other Essays (Indianapolis: Hackett, 1983), p. 72.

[7] Rawls, Political Liberalism, p. 217.

[8] Abdullahi Ahmed An-Na'im, Islam and the Secular State (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2008).

الترجمة العربية: عبد الله النعيم، الإسلام وعلمانية الدولة،، دار ميريت، القاهرة، 2010

حول مسألة التسامح والعقل المدني يكتب: "هل هذا النموذج من تأسيس السياسة العامة والتشريع حول العقل المدني يحرم ظلما أولئك المسلمين الذين يؤمنون بوحدة الإسلام والدولة (نموذج الدولة الإسلامية) من الحق في العيش من خلال قناعاتهم" ؟ ... الإجابة الأساسية هي أنه نظرًا لأنه لا يحق لأي شخص أو جماعة انتهاك حقوق الآخرين، فإن القضية تتعلق بموازنة المطالبات المتنافسة. في رأيي، فإن الوساطة الناجحة لهذه المفارقة الأساسية في الحياة الاجتماعية كلها ستسعى لإنشاء عملية تفاوض، حيث يجد كل جانب من جوانب القضية العملية مفيدة بما فيه الكفاية لرغبته في العمل مع الآخرين في حمايتها وتنفيذها " (ص94).

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (4)

إن فلسفة التاريخ عند ابن خلدون هي الرؤية المنهجية العامة عن التاريخ ومساره الفعلي في الوجود الإنساني. أما علم التاريخ فهو تحقيق الرؤية الفلسفية أو مبادئ النظرية العامة. وبالتالي شكلت بما في ذلك استنتاجاتها الحصيلة النظرية التي وضع ابن خلدون على أساسها علم التاريخ ونظرية التاريخ. فعلم التاريخ أو فن التاريخ بالنسبة له هو "ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل"، أما نظرية التاريخ أو فكرة التاريخ، فهي "أس المؤرخ"، حيث يقوم بذكر "الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار".  بمعنى إن النظرية العامة للتاريخ خلافا لتأريخ الأحداث تقوم في تأسيس الرؤية النظرية العامة والمجردة عن أحوال الوجود الإنساني التاريخي وتباين مراحله. إضافة إلى رؤية آفاق هذا المسار التاريخي. ومن خلال هذه الرؤية حاول تفسير المسار التاريخي للأمم والدول سواء عبر تحقيق ما في النظريات والآراء السابقة له أو من خلال تفسيرها ودمجها في نظريته عن التاريخ.

لقد سعى ابن خلدون للكشف والبرهنة على أن رؤيته العامة التاريخية والعلمية والفلسفية قادرة على هضم مختلف الآراء ولكن من خلال نفيها في منظومته العلمية. ومن الممكن اتخاذ موقفه من أثر الجغرافيا والمناخ في تاريخ الوجود الإنساني والحضارة (التاريخ العام) نموذجا لذلك. ففي موقفه من الفكرة المناخية الطبيعية، التي تتناول أثر المناخ في تاريخ الوجود الإنساني والحضارة، نراه ينطلق من إقراره بأن للمناخ أثر كبير في صيرورة العمران. ومن ثم يلعب دورا لا ينبغي الاستهانة به بالنسبة لنشوء المدنية والحضارة، وكذلك أشكالها ومستوياتها. فالأقاليم المعتدلة، وبالأخص الإقليم الرابع (الأكثر اعتدالا) هي المجال الجغرافي الطبيعي الذي نشأت فيه أغلب الحضارات الكبرى، كما انه ميدان التاريخ الفعلي انطلاقا من فكرته القائلة، بأن التاريخ هو صيرورة الدولة والحضارة. وبالتالي، فإن أثر المناخ والجغرافيا وإنعكاسهما جلي في العلوم، والصنائع، والمباني، والملابس، والأكل، والفواكه، بل حتى في الحيوانات" كما نراه في اجسام وألوان الناس، بل وفي أخلاقهم ودينهم[1].  ذلك يعني، إن ابن خلدون يؤكد ما في الفكرة الجغرافية الطبيعية من أثر بالنسبة للوجود التاريخي للبشر. فهو جلي في كل ملامح الوجود الإنساني والطبيعة. وقد تتبع على مثال الحضارة الإسلامية ظهور وتطور مختلف العلوم والصنائع وكذلك أشكال وهيئة الملابس والمباني ونوعية الغذاء والمطبخ وكثير غيرها، أي كل تلك المكونات التي تشكل أساس الحضارة الإنسانية ومظهرها. وبالتالي ادخل هذا النوع من التفسير بوصفه احد مظاهر الأثر الطبيعي للحضارة، انطلاقا من أن الحضارة والوجود الإنساني بالنسبة له حالة طبيعية، أي مرتبط بالطبيعة بوصفها المقدمة الضرورية للوجود الإنساني نفسه. وتوصل بأثرها وعلى خلفية منهجه العلمي والفلسفي في النظر إلى التاريخ، إلى أحكام عقلانية وإنسانية عميقة. إذ نعثر، على سبيل المثال، في رؤيته هذه على تفسير واقعي وعقلاني للأسود والأبيض في ألوان البشر بأثر الطبيعة والمناخ. ومن ثم ينفي في فكره هذا ومنهجه التصورات الأسطورية والدينية حول حام وسام وما شابه ذلك من تفاسير لا علاقة لها بالرؤية العلمية. ونفس الشيء يمكن رؤيته في موقفه وتفسيره لتأثير الهواء في أخلاق البشر. فهو يشير إلى واقع بعض الصفات الخاصة بما اسماه بخُلق السودان (الأفارقة) مثل الخفة والطيش وكثرة الطرب، بوصفها صفات ناتجة عن الأثر الطبيعي والطبيعة. وعليها بنى استنتاجه النافي لجميع صيغ التأويل والتفسير المنافية للرؤية العلمية والإنسانية. واعتبر أن لهذه الأخلاق مقدمات في الطبيعة الجغرافية والمناخية ولا علاقة لها بالعرق. والتفسير الطبيعي لذلك يقوم في أن "طبيعة الفرح والحزن هي نتاج انتشار الروح الحيواني أو انقباضه"[2]. وكل ذلك يجري بأثر السخونة. وليس مصادفة أن يغنّي الناس في الحمامات. بمعنى انه نتاج "بخار الروح في القلب". ووضع هذه الفكرة في موقفه المعارض والنافي للتصورات العنصرية بهذا الصدد كما كان الحال بالنسبة لآراء جالينوس، التي نقلها المسعودي والكندي حول ما يسمى "بضعف أدمغة السودان". وعلّق ابن خلدون على هذه الفكرة قائلا: "كلام لا محصل له ولا برهان فيه"[3]. كما قدم ابن خلدون أمثلة كثيرة بهذا الصدد للبرهنة على أن تفسير الظواهر الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها مما هو ملازم للوجود الإنساني يفترض البقاء ضمن حيز الرؤية العلمية التي بلور مبادئها وقواعدها التي سبق وأن جرت الإشارة إليها أعلاه. وكان هذا بدوره أساس ما يمكن دعوته بنظرية التاريخ عند ابن خلدون.

انطلق ابن خلدون من أن التاريخ "هو فن من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال". بمعنى انه يحتوي على توثيق تجارب الأمم في مسارها التاريخي أو تطورها وارتقاءها. وبالتالي، فإن التاريخ بالنسبة له لا ينعزل عن وجود الأمم وتعاقب الأجيال، أي أن وجودها هو وجوده. فهو يبلور هنا للمرة الأولى في الفكر التاريخي المنهج القائل بالفكرة المجردة وارتباطها الوثيق بالوجود التاريخي. ومن ثم رمي كل ما لا علاقة له بالواقع والتاريخ الفعلي لوجود الأمم والأجيال. وإذا كان التاريخ يبدو في ظاهره كما لو انه أخبار الأيام والدول كما نعثر عليه عند هزيود و(أيامه) وعند هيغل وفكرة الدولة وكثير غيرهم، فإنه بالنسبة لابن خلدون هو مجرد جانب خارجي فيه. أما باطنه أو حقيقته فتقوم في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق".

إن حقيقة علم التاريخ بالنسبة لابن خلدون تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري، أي أولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة هي تلك التي جرت الإشارة إليها أعلاه. إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، أي إلى الأسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الحقيقة وفعلها في الوقائع التاريخية. ووضع هذه المقدمة النظرية العميقة في أساس موقفه النقدي تجاه ما اسماه بعدم مراعاة المؤرخين ممن سبقه "لأسباب الوقائع والأحوال"، كما أنهم "لم يرفضوا الترهات". وحدد ذلك بدوره موقفه النقدي من البنية التقليدية في البحث، بوصفها أولى المهمات الجوهرية لعلم التاريخ.

فالتاريخ بالنسبة لابن خلدون ليس الماضي، بل الفكرة المجردة التي تتأمل المستقبل. من هنا حديثه عما اسماه بالأجيال الناشئة. والقضية بالنسبة له لا تقوم في تقديم "صور مجردة عن موادها" كما حاول المؤرخون القدماء القيام به، بل استيعاب ما يمكن دعوته بالعملية التاريخية في أدق تجلياتها وذروتها في نشوء الدولة وصيرورتها التاريخية والثقافية. وضمن هذا السياق يكون ابن خلدون أول من وضع فكرة الترابط الجوهري والضروري بين الحضارة الدولة (سبق هيغل). فالدولة بالنسبة له هي بداية ونهاية العمران، أو الصيرورة الثقافية للإنسان والجماعة والأمة والدولة.

استنبط ابن خلدون فكرته عن التاريخ من الوجود الإنساني الطبيعي وتطوره الطبيعي الثقافي بوصفه صيرورة حضارية. ومنها توصل إلى بلورة فلسفته التاريخية وفلسفة الثقافة والحضارة. الأمر الذي اعطى لطريقته في البحث وتأسيسها مستوى جعلها تحتوي أيضا على ما يمكن دعوته بفلسفة الرؤية المستقبلية. وفي هذا أيضا تكمن احد الجوانب الرفيعة في فلسفته التاريخية. فالقيمة الكبرى لإبداعه بهذا الصدد تقوم في تعميمه لتجارب الفكر والفكرة التاريخية العربية الإسلامية، ونقلها إلى مستوى الفلسفة في الموقف من التاريخ، أي إبداع فلسفة للتاريخ لها أصولها الواقعية الخاصة وثمرتها النظرية العامة. فقد عمم ابن خلدون أربعة جوانب أساسية في فكرته هذه، وهي تاريخ الأحداث؛ وتاريخ الأفكار؛ وتاريخ الرؤية القديمة؛ ومستقبل الرؤية التاريخية والتاريخ المستقبلي.

ووجد في هذا المنهج مقدمة وأسلوب الرؤية الواقعية والعلمية ومن ثم تذليل مختلف الصيغ التقليدية والتقليد. غير أن التقليد الأعمى الذي تناوله وتكلم عنه ابن خلدون لا ينحصر في تقييمه واستنتاجه عن أن الرؤية التقليدية والتقليد لا يمكنهما رؤية الجديد، رغم انه يعطي لهذه المقدمة صفة العامل الحاسم. لقد نظر إليها بصورة ملموسة بوصفها ضعف أو انعدام الاستيعاب والفهم لمجريات تطور المجتمع وأسس وجوده المادية الفعلية. ووضع هذا الاستنتاج والفكرة في عبارة "الجهل بطبائع الأحوال في العمران"[4]. وأضاف إلى هذا الجانب المعرفي والمنهجي أثر المصالح الاجتماعية والأفكار السياسية والعقائد. من هنا قوله، إن الكذب حالما يتطرق للخبر، فإن له "أسباب تقتضيه"، ومن بين أبرزها، كما يقول اين خلدون هو كل من "التشيع للآراء والمذاهب"، و"كون النفوس مولعة بحب الثناء"، و"الناس يتطلعون الى الدنيا وأسبابها من جاه وثروة"[5].

لقد بلور ابن خلدون طريقته في البحث التاريخي من خلال ما اسماه بالدخول "من باب الأسباب على العموم إلى الأخبار على الخصوص... واعطي لحوادث الدول عللا وأسبابا". فمن الناحية المنهجية والنظرية المجردة نراه يضع الفكرة الفلسفية المبرى القائلة بالانتقال في دراسة التاريخ من العام إلى الخاص (والتي سيقول بها لاحقا هيغل وماركس وغيرهم). لكن ما هو جوهري هنا هو التأكيد على أن التاريخ بالنسبة لابن خلدون ليس محلا للنزهة أو الاحتراف الفكري المحكوم بنفسية الإمتاع والمؤانسة، بل لاستقاء العبرة منه، أي وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وبهذا يكون هو أول من جعل التاريخ فكرة مستقبلية. فالتاريخ بالنسبة له ليس دراسة أحوال الملوك والأمراء، بل دراسة مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية. وأشار بهذا الصدد إلى انه "لم يترك شيئا في أولية الأجيال والدول، وتعاصر الأمم الأول، وأسباب التعرض والحول في القرون الخالية والمِلَل. وما يعرض في العمران من دولة ومِلَة، ومدينة وحلة، وعزة وذلة، وكثرة وقلة، وعلم وصناعة، وكسب واضاعة، وأحوال متقلبة مشاعة". ذلك يعني، انه لا يدرس الواقع كما هو فحسب، بل ويشير إلى ما هو كامن، أي إلى ما هو "منتظر" ومحتمل. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، بأنه "لم يترك لا بدو ولا حضر، وواقع ومنتظر إلا واستوعبته جملة"، أي كل ما هو موجود ومحتمل. وهنا نعثر على ملامح الفكرة المستقبلية. ذلك يعني انه يدرس الواقع كما هو، وكذلك ما هو كامن في الوجود التاريخي وما هو "منتظر"، أي مستقبلي.

إن الحصيلة العامة والأولية لما سبق طرحه تكشف عن فلسفته الخاصة في النظر إلى التاريخ، أو فلسفة التاريخ الخلدونية. وذلك لأنه يبحث عن علل الأحداث والظواهر وتفسيرها وفحصها بمعايير الفكرة السببية. وجعل من العلم القوة الوحيدة القادرة على انجاز هذه المهمة. من هنا وضعه لأولوية العلم على البصيرة (العقل). وانطلق في موقفه هذا من أن "الناقل، إنما يملي وينقل، بينما البصيرة تنقد الصحيح... أما العلم فهو القادر على أن يجلو صفحات الصواب ويصقل". إننا نقف هنا أمام منهجية المستويات المتنوعة والمترابطة: الفحص ثم البصيرة (العقل) ثم العلم (المجرد). وهي درجات لكنها متوحدة في منظومته الفكرية والفلسفية عن التاربخ. فهي المستويات التي تؤسس لماهية وحقيقة علم التاريخ.

فالتاريخ السابق لابن خلدون في أحسن أنواعه لا يتعدى كونه نقلا وإملاء للأحداث سواء عبر معايشتها المباشرة أو نقلها من بطون الكتب. وهو مستوى مهم في التدوين التاريخي لكنه يبقى في نهاية المطاف مجرد تدوين لا غير. أما حقيقة التاريخ فهي من نوع آخر. كما أنها المهمة الجوهرية لعلم التاريخ. فالأخير هو الحصيلة النهائية للنقد العقلي والتمحيص العلمي. فالعقل، كما يقول ابن خلدون، ينتقد الصحيح، أي يكشف ما فيه من دقة وحقيقة، وذلك لأن النقد هو تحديد وفرز الأصيل من المزيف. وفي مجال التاريخ هو فرز الحقائق عن غيرها مما هو نتاج التقليد أو الخرافات والأساطير والعقائد والمصالح بمختلف أنواعها. أما العلم فمهمته إجلاء صفحات الصواب وصقلها، حسب عبارة ابن خلدون. بمعنى جعلها أكثر نقاء ووضوحا. ولا يمكن بلوغ ذلك دون العلم، أي تنقية الرؤية التاريخية من كل الشوائب التي لا علاقة لها بالعلم بوصفه أسلوب ومنهج التحليل والنقد المبنيين على أساس المنطق والتدقيق الخالص.

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص65.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص68.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص69.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص28.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص27-28.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (3)

إن ما يميز إبداع ابن خلدون بهذا الصدد هو نظرته إلى التاريخ بوصفه فكرة، وإن التاريخ هو الإنسان. وهي فكرة لم يسبقه إليها أحد. فقد سعى ابن خلدون للكشف والبرهنة على أن كل ما يجري في التاريخ والوجود الإنساني ذو مصدر طبيعي. ومن ثم تفسيره ضمن سياق ما يسميه بالوجود الإنساني. وبالتالي نعثر عنده وفي نظرته إلى التاريخ باعتباره فكرة ثقافية وأصول طبيعية، على ما يمكن دعوته بالوحدة المرنة والواقعية لعلاقة الطبيعي (الزمن الساري) بالماوراطبيعي (الحضارة). ومنها يمكن استخلاص العبرة الضرورية بالنسبة لاستمرار وتنظيم الوجود الإنساني.

ودفع ابن خلدون هذه الحصيلة إلى مداها الأوسع والأعمق عندما جعل من فكرة التاريخ علم التاريخ. حيث نظر إلى التاريخ بوصفه فنا. لكنه فن "عزيز المذهب، جم الفوائد، وشريف الغاية. إذ انه يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياساتهم". بمعنى تناوله تاريخ الأمم والملوك والمصلحين، أو تاريخ الأمم والنخب الفكرية والروحية. والأولوية لتاريخ الأمم.

فالتاريخ الصحيح بالنسبة لابن خلدون يعادل معنى السليمة والدقيقة والعلمية لمجرياته. كما انه الفن الذي يستند في رؤيته عن التاريخ إلى "أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني". ومن ثم فهو الوحيد القادر على تخليص المرء من الوقوع في الأخطاء والزلل. ووضع هذه المقدمة المنهجية في تمحيص أخبار الماضي ونقدها، أي تنقيتها من شوائب الأوهام والمصالح والخرافات. وتناول عدد من الأخبار المشهورة والكبيرة وكيفية نشرها في كتب التاريخ.

فقد تناول على سبيل المثال ما هو مشهور عن جيوش بني اسرائيل التي قادها موسى، والتي بلغت حسب هذه المصادر حوالي ستمائة ألف مقاتل. وعلّق ابن خلدون على هذا الرقم قائلا، بأن افتراض وجود هذا الرقم يجعل من الصعب القتال بينها لكثرة أعداد البشر وصغر مساحة الأرض، وكيف يمكن وصول الصفوف الخلفية إلى القتال، أي كيف يمكنهم أن يقتتلوا جميعا ويكون الفوز فيه لطرف على آخر. والحاضر الذي نعيشه ونعرف القتال فيه يكشف عن ضعف بل استحالة وجود هذه الأعداد. إذ الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء كما يقول ابن خلدون. وعندما قارن هذا الرقم بأعداد جيوش الفرس التي كانت آنذاك من بين أقوى وأوسع جيوش العالم، إلى أن عددها في معركة القادسية لم يكن أكثر من مائة وعشرين ألفا.

وعندما تطرق إلى ما هو سائد ومنتشر في كتب التاريخ عن تفسير الآيات القرآنية عن (إرم ذات العماد) من تفسير كلمة "إرم" على انها مدينة جرى بناءها في غضون ثلاثمائة سنة، وأن شديد وشداد ابني عاد بن عوص بن إرم، وكيف استتب الملك للثاني بعد موت الأول، وانه بنى هذه المدينة بعد إن سمع بالجنة وما فيها، وأراد أن تكون شبية بها. واعتبر ابن خلون هذه الحكايات مجرد خرافات وهذيان. واستنبط حكمه هذا على ما اسماه باقتضاء صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد. انها صفة إرم، وعملوا العماد على الأساطير، فتعين أن يكون بناء، بينما كان المقصود هي عماد الخيام.

المثال الثالث هو قصة البرامكة، التي فسر أسبابها بالضد مما هو سائد من تفسير عبر إرجاع كل ما فيها إلى قصة العباسة مع جعفر بن يحيى. ولم يتجاهل ابن خلدون الجوانب النفسية والتقليدية حول المعارضة والإثارة المحتملة آنذاك من تزويج العربية للأجانب (الفرس في الحالة المعنية) بسبب واقع التفرقة والاستعلاء وما إلى ذلك من قيم نفسية وأخلاقية، إلا انه حال البحث عن جذر القضية وأسبابها الفعلية، وجدها أولا وقبل كل شيء في الأسباب الاقتصادية والسياسية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن نكبة البرامكة كانت نتاجا "لاستبدادهم على الدولة واحتجابهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يحصل عليه. فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه".

لقد كانت آراءه وتفسيره ونقده لمختلف نماذج التأريخ لأحداث الماضي تستند إلى منهج خاص وجد تعبيره في الفكرة الفلسفية المنهجية القائلة، بأن من الضروري أن "يرجع الإنسان إلى أصول، وليكن مهيمنا على نفسه، ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته. فما دخل في نطاق الإمكان قبله وما خرج عنه رفضه. وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق، فإن نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدا بين الواقعات، وإنما مرادنا الإمكان بحسب المادة التي للشيء. فاذا نظرنا أصل الشيء وجنسه ومقدار عظمه وقوته اجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحوالنا وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه" . إننا نقف هنا أمام ما يمكن دعوته بفلسفة النظرة الواقعية والعلمية لأحداث التاريخ ومآثره وآثاره وقيمتها الحيوية بالنسبة للعقل النظري في تأمله لتجارب الماضي والاعتبار بها.

ووضع ابن خلدون هذه المقدمة الفلسفية في أساس رؤيته العلمية والواقعية تجاه التاريخ. ففي الصيغة المذكورة أعلاه نراه يربط فكرة الأصول والرجوع إليها، وضرورة التفريق بين الممكن والواقع، والتوفيق بين الرؤية العقلية والوجدان، والتفريق بين الإمكان المجرد والإمكان الفعلي أو الواقعي المناسب لحقائق الأشياء نفسها. إننا نقف هنا أمام رؤية ترتقي إلى مصاف المنظومة المنهجية في التعامل مع التاريخ بوصفه فكرة ومسارا طبيعيا ملازما للوجود الإنساني. فوحدة الأصول ورباطة الجأش العقلية تعني الالتزام الدقيق بتحقيق المبادئ المنهحية الكبرى في الموقف من تفسير أو تأويل أحداث الماضي والحاضر، وكذلك في استنباط الاحتمال المستقبلي، أو ما اسماه ابن خلدون بتمييز الممكن عن الممتنع. وبما إنهما كلاهما استنتاج عقلي من هنا تفريقه بين ما أسماه بالإمكان العقلي المطلق أي المجرد وغير المتناهي، والإمكان بحسب المادة التي للشيء، أي الإمكان الواقعي. وحصيلة هذه الرؤية الفلسفية المنهجية هي وحدة المقدمات الضرورية للحكم العقلي والعلمي على الماضي والحاضر والمستقبل بوصفه تاريخا، أي إبداعا ملازما للوجود الإنساني وصيرورة الثقافة وعمرانها المدني في الدولة والحضارة.

لقد سعى ابن خلدون إلى إرساء أسس الرؤية العقلية النقدية. وحقق ذلك من خلال الكشف عما اسماه بخرافات وهذيان الروايات التي تملئ كتب التاريخ، وتصوراتها وأحكامها ونوعية عرضها واستعراضها للأسباب والمقدمات. وبالمقابل، أو استكمال للرؤية النقدية، حاول إرساء ما يمكن دعوته بالأسس أو القواعد الضرورية بالنسبة للبحث التاريخي. ويمكننا استخراج ست قواعد كبرى أساسية مما وضعه بهذا الصدد وهي كل من:

1- الالمام بقواعد السياسة والتنظيمات السياسية، أي بالجانب العملي منها؛

2- معرفة اختلاف الأمم من حيث نمط حياتها وأسلوب عيشها، أي الجوانب الثقافية والاقتصادية؛

3- رؤية واقع التطور التاريخي الثقافي، ومن ثم النظر إلى الأحداث ضمن سياقها التاريخي ومستوى تطور الأمم؛

4- الإحاطة بالفرق والمدارس الفكرية والعقائدية والروحية المهيمنة والمعارضة؛

5- مقارنة الأحدث التاريخية من خلال البحث عما هو مشترك بينها، وبالتالي رؤية أسباب وأشكال الإختلاف، أو ما وضعه بعبارة "الإحاطة بالحاضر ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، وما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف"؛

6- دراسة أحوال الدول والنظم الفكرية ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها "حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادث، وواقفا على أصول كل خبر" حسب عبارة ابن خلدون.

ومن حصيلة هذه القواعد أو المبادئ المنهجية النظرية والعملية يمكن للمؤرخ عرض "خبر المنقول على ما عنده من القواعد". من هنا تتضح معالم وحدود الرؤية المنهجية الجديدة التي بلورها ودققها وحققها لاحقا بالنسبة للمؤرخ تجاه الموقف من التاريخ، أي المهمة الأساسية والجوهرية للمؤرخ. أما النتيجة النهائية المترتبة على كل ذلك فتقوم أولا وقبل كل شيء في وضع وتأسيس المنهج العام والمبادئ العامة التي ينبغي الاستدلال بها على حوادث الماضي ومقارنتها بالحاضر من أجل عبرتها للمستقبل.

ان المبادئ الكبرى أو القواعد الضرورية بالنسبة للبحث التاريخي التي بلورها ووضعها ابن خلدون في ما جرت الإشارة إليه أعلاه لا تمس في الواقع سوى الأساليب أو الوسائل. أما الصيغة الجوهرية المعبرة عن منظومته الفكرية أو فلسفته التاريخية فتقوم في تتبع حالة ونوعية التغير والتبدل الذي يحدث في المسار التاريخي للدول والأمم. فقد بدأ ابن خلدون وانتهى في مجال التاريخ بفكرة محددة وضعها في العبارة التالي:"إذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث". لقد وجد في التاريخ ومساره الطبيعي عملية دائمة من التغّير والتبّدل بوصفه جزء من صيرورة الوجود الإنساني بشكل عام والعمران الحضاري بشكل خاص. فالتاريخ نفسه يكشف عن ظاهرة التغيّر والتبّدل الدائم. بعبارة أخرى، إن ابن خلدون يقر ويثبت إحدى الأفكار الجوهرية التي أبدعها الفكر الفلسفي عن أن الوجود هو حركة دائمة، وأن كل شيء عرضة للتغير والتبدل ولكن من خلال نقلها إلى ميدان الوجود الإنساني. ففي هذا الموقف نعثر على أجنة فكرة التقدم في الوجود الإنساني ولكن من خلال حصرها بفكرة الدولة والعمران الحضري كما هو جلي في ظهور وانقراض الدول والأمم. ونظر إلى هذه الحالة باعتبارها "سنّة الله في الوجود". وهذه بدورها ليست إلا الصيغة اللاهوتية المجردة للمحتوى الفلسفي القائم في الطابع الموضوعي لقانون وجود الأشياء والظواهر. ومع ذلك، فإن هذه الصيغة كانت أقرب ما تكون إلى فكرة تابعة أو ثانوية وليست تأسيسية في فلسفته عن التاريخ. فما هو جوهري عنده بهذا الصدد يقوم في الاعتراف بوجود ثلاث ظواهر كبرى وأساسية وهي كل من حالة الانتقال النوعي من حال إلى آخر؛ وتبدل وتغير العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والروحية في التاريخ؛ وأن التاريخ ليس طريقا معبدا أو مستويا، بل هو استمرار وتعرج وانقطاع واتصال كما نراه في تاريخ الدول والأمم.

لقد بلور ابن خلدون هذه الأفكار بصورة دقيقة عندما أبرز ما اسماء بما هو خفي في التاريخ، أي أن ما يجري على سطحه من مظاهر وحالات هي تعبير عن واقع التبدل الفعلي في تاريخ الأمم بمختلف مجالات وميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والروحية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار ومرور الأيام. وهو داء شديد الخفاء، لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة. وكل ذلك يجري لأن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونِحَلِهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاجا مستقرا، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، والانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدولة".

اننا نقف هنا امام رؤية دقيقة وواضحة فيما يتعلق بالتغير "الخفي"، أي الذي يجرى ما وراء الأحداث والظواهر العابرة بطريقة كمية متراكمة تؤدي في نهاية المطاف إلى انقلاب نوعي في كل نظاهر الوجود الانساني(وهي الفكرة التي سيقول بها هيغل وماركس لاحقا). بمعنى، إن التحولات التي تجري في المسار التاريخي عادة ما تتسم بالبطء الظاهري. وهو أمر طبيعي بالنسبة لابن خلدون كما انه يتوافق مع مسار التاريخ السالف. من هنا توكيده على أن هذا التحول يفترض المرور بحقب أو مراحل تاريخية. وهو تحول حتمي لابد منه، انطلاقا من أن مصادر رزق البشر وأفكارهم لا تدوم على نمط واحد. بمعنى، إن الحياة الاقتصادية التي يرتبط بها تطور الإنتاج والمدنية والحياة العلمية والفكرية هي عملية دائبة. بل اعتبرها أمور بديهية يمكن رؤيتها في كل مظاهر الوجود الإنساني. غير أن لهذه البديهية مقدماتها عند ابن خلدون في عاملين أساسيين وهما كل من أسلوب الحصول على الثروة (الإنتاج)؛ والتمايز التدريجي والتغير الكمي المتراكم الذي يؤدي إلى تحول نوعي أو قفزة نوعية.

ونعثر على هذه الفكرة في قوله أو استنتاجه التالي:"الشائع في تبدل الأحوال والعوائد هو أن عوائد كل جيل تابعة لعائد سلطانه. والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر، فلا بد وأن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم، ويأخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم. مع ذلك يقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول. فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة. ثم لا يزال التدرج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة". ذلك يعني، انه وجد في التغيير والتبدل التاريخي في حياة الدول والأمم انقطاعا في مسارها الجزئي أو الخاص، وتراكما في التجارب العامة للمسار التاريخي. إننا نعثر عنده على ما يمكن دعوته بحالة أو آلية الأخذ والإبداع أو التراكم التاريخي في تجارب الدول والأمم أو ما اسماه بعوائد الأجيال والدول السابقة. وهنا يضع ابن خلدون فكرة التأثر والاستمرار في الإبداع الثقافي. ذلك يعني، انه نظر إلى التاريخ الإنساني باعتباره مسارا واحدا قابلا للتقطع والاستمرار، من خلال الاضافة المستمرة التي تصنع تاريخا عالميا مجردا وآخر ملموسا لما يمكن دعوته بالحضارات الجزئية كما نرى تحقيقها عنده في فكرة التاريخ والعمران.

وجعل ابن خلدون من هذه الفكرة مقدمة لنقد التقليد من جهة، وإلزاما بالنسبة للرؤية الواقعية والمستقبلية من جهة أخرى. فعدم استيعاب وفهم ظاهرة التغير والتبدل، تؤدي في نهاية المطاف، بالأخص في مجال الممارسة العملية، إلى الوقوع في أوهام التقليد، ومن ثم مخالفة متطلبات الواقع ومستلزمات التطور. وأورد ابن خلدون بهذا الصدد مثلا في الموقف من حالة وشخصية وأثر ونمط فعل القضاة ومن ثم قواعد القانون والحق. فعندما ينظرون إلى ما كانوا عليه في الماضي بما في ذلك مراتب الرياسة وقواد الجيش وما شابه ذلك، فإنه عادة ما ترمى في وساوس الهمم إلى مسعاهم صوب هذه الرتب، لاعتقادهم بأن الأمور هي كما كانت. بمعنى أنهم "لا يفطنون لما وقع في رتبة القضاة من مخالفة العوائد".

لقد أدرك ابن خلدون وحدد معالم علم التاريخ والفكرة التاريخية من خلال التركيز على القانون الجوهري الفاعل في مجراه، ألا وهو قانون التغير والتبدل. وعلى الرغم من انه حدد الأطر الجغرافية والتاريخية بمنطقة محددة وهي المغرب (العربي)، لكنه اعتقد بإمكانية تطبيقه على المشرق العربي. وهو استنتاج وفكرة عميقة بقدر واحد. إذ نعثر فيها على إدراك دقيق لحدود الفكرة الفلسفية عن التاريخ الثقافي والحضاري. انه أراد الكشف عنها في منطقة محددة وثقافة محدد لكنها تحتوي من الناحية المجردة على قوة الاستعمال في أماكن أخرى.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..................

1-  ابن خلدون: المقدمة، ص144.

 

محمد كريم الساعديمن يتطلع الى الدول في زمن الأزمات يكتشف حقيقة البناء الذي قدمته الحضارة الإنسانية للمجتمعات وكيفية نهضت هذه المجتمعات بالتكاتف والتعاون في تأسيس أنظمة في الظاهر هي قادرة على إيجاد التمدن والتطور والحضارة في القرون الماضية الى الوقت الحاضر، لكن في الفترات والاخيرة تعرضت هذه المجتمعات ودولها الى هزات اقتصادية وصحية كشفت حقيقة هذه الانظمة القائمة على الافكار التي يعتقد أنها متطورة ومنها النظام الرأسمالي والليبراليات المتقدمة التي أوصلت الأنسان بسبب جريانها خلف التوسع والتطور التقني مبتعدة عن الإنسانية التي يجب أن تكون هي الأساس وليس التطور الذي يبعد الأنسان عن مكانه الحقيقي بين المخلوقات على هذا الكوكب . لقد تم التركيز على كل ما هو يضر بإنسانية الأنسان في جوانبه الروحية مقابل التركيز على مباهج الدنيا ومادياتها، لذلك تطورت الأزمات في دول العالم المتقدم ووصلت الى مرحلة الانغلاق التاريخي في أطاره الإنساني، وهذا ما يوجد في أغلب الشعوب تطوراً وسعادة ظاهرية كما يظن البعض، هذا التطور التقني الهائل الذي أضر بالبيئة والأنسان معا، وهنا يشير الفيلسوف الألماني (إدموند هوسرل) صاحب الفلسفة الظاهراتية، في كتابه (أزمة العلوم الأوربية الفينومينولوجيا الترانسندنتالية) الى هذه الأزمة قبل قرن كامل مما نحن فيه اليوم بالسؤال الذي طرحه:" لماذا لم يظهر أبداً في هذا الجانب طب علمي، طب للأمم وللجماعات فوق الوطنية؟ إن الأمم الأوربية مريضة، أوربا ذاتها توجد، كمل يقال، في أزمة . ليس ثمة أي نقص في من هم هنا بمثابة محترفي العلاج الطبيعي .بل إن سيلاً من اقتراحات الإصلاح الساذجة والمبالغ فيها يكاد يغمرنا . لكن لماذا فشلت علوم الروح التي عرفت تطوراً خصباً،"(1) .

ونحن نتساءل أيضاً، هل أن الأنسان قد فقد جزءا من البناء الروحي المكمل للجانب الفسيولوجي في ظل أزمة هذه العلوم ؟ وما هي طبيعة الأنسان التي جعلته فريسة سهلة للأمراض في ظل الانهيار الصحي والنفسي الحاصل في العالم ؟، فالأنسان العالمي الذي يريده التقدم التكنولوجي أن يكون عبداً للألة، والرأسمال، وللأنظمة التي قولبته في مجال عمل صارم حتى ساعات متأخرة من يومه، مما أنعكس سلباً على عدة جوانب في حياته منها:

- البعد الانساني: الذي فقده لصالح العمل دون أي رحمة في ظل أن الفرد يعمل حتى ينتج ويكون قادر على المشاركة في بناء المجتمعات الجديدة، لكن قد نسي إنسانيته في ظل هذه القوانين الصارمة .

- البعد الفسيولوجي: تراجع على مستوى الصحة البدنية بسبب ساعات العمل الطويلة، جعلت من جسده ضعيف وعرضة للأمراض وأرض خصبة لأي انتكاسة صحية أو وبائية على مستوى العالم ,

- البعد الاجتماعي: قد ضعفت الروابط بين ابناء العائلة الواحدة بسبب أرتباط أفرادها في العمل المستمر حتى ساعات متأخرة من اليوم، وعندما يصل الى سن التقاعد يكون قد فقد الكثير من الحميمية الروحية التي فقدها في التزامات العمل والإنتاج في أيام شبابه .

- البعد الأخلاقي: الذي أصبح مبني على وفق قوانين العمل الصارم، وليس على وفق التكافل والتواصل والرحمة .

كل هذه النقاط وغيرها من أجل أن تصل الحضارة الى أنسان دمية، له مواصفات ترتبط بعصر التكنولوجيا على حساب انسانيته التي ضحى بها بموافقته أو من عدمها، إذ لابدّ أن يخضع من أجل الرفاهية المزعومة التي تبعد الإنسانية لصالح التقنية الحديثة وهذا هو الأنسان الأخير، على وفق فكر الفيلسوف والمنظر الأمريكي (فرانسيس فوكوياما) في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) إذ يرى الآتي " إلا أنه على وجه الإجمال كان قرن السلام وقرن تزايد الرفاهية لم سبق له مثيل . فكان للتفاؤل إذاً سببان أساسيان: السبب الأول يكمن في الاعتقاد بأن العلم الحديث قد يحسن الحياة الإنسانية بمحو المرض والفقر . والطبيعة، وهذا الخصم القديم للإنسان سوف يجري السيطرة عليها بواسطة التقنية الحديثة بحيث تضطر الى خدمة أهداف سعادته .أما السبب الثاني فهو أن الحكومات الديمقراطية سوف تستمر في الانتشار في المزيد من البلدان "(2) . وفي هاتين النقطتين السابقتين قد حصل ابتعاد عن الأهداف المعلنة لها، فالتقنية قد جعلت من الأنسان بإنسانيته تابع لها، من اجل أن يحقق أفضل ما يريده رأس المال من هذه التقنية، لذا فقد وظف الأنسان لها، ولم يوظفها لصالح الأنسان، وفي النقطة الثاني قد حقق الانتشار فعلاً في مناطق الارض الأخرى لكن على حساب شعوبها، فالأنظمة الديمقراطية في الغرب التي يسيطر عليها نظام الرأسمالي قد انتجت انظمة دكتاتورية، أولاً ثم أنظمة قائمة على الصراعات القوميات والاديان والطوائف، ومن خلال هذه السيناريوهات، تدهور وتراجع الانسان الآخر في الشرق الأدنى والأوسط وافريقيا وامريكا اللاتينية وأمريكا الجنوبية، تراجعت فيها الإنسانية لصالح للدكتاتوريات التي أغرقت بالصراعات والقمع، ومن ثم بالتقاتل بين أبنائها لصالح مصلحة الغرب وسياساته التي انكشفت سياساته المخادعة في ظل الأزمات العالمية ومنها الحروب الكونية والاوبئة والامراض التي كشفت حقيقة الاستثمار في الانسان لصالح التقنية في الغرب والدول المتقدمة، وفي الأسلحة والحروب من أجل تسويق تقنيتها الى دول العالم الثالث أو الدول التي اصبح فيها الانسان هو أداة رخيصة بيد الدكتاتوريات أو الصراعات الدينية والمذهبية والقومية الساذجة التي تسوق لها السلاح بتقنياته المتقدمة التي من المفترض أن تحيي أمولها المدفوعة من الدول المتأخر الانسان ما فوق الوطني حسب تعبير الفيلسوف (أدموند هوسرل) أصبح تقتل هذا الانسان، من أجل بقاء مصالحها الضيقة، وهي لم تحقق الانجازات على المستويات الاقتصادية والزراعية والصحية وغيرها.

فالإنسان في كل من العالمين المتقدم والمتخلف هو تكّون بطريقتين مختلفتين على وفق ازمة العلوم العالمية هما:

1- إنسان التقنية الحديثة الذي أصبح عبداً للتقنية ومالكيها من الرأسماليين العالميين، وهذا الانسان فقد ثلاثة مقومات (إنسانية، واجتماعية، وفسيولوجية ) .

2- أنسان العالم المتخلف والذي ساعدت على تخلفه ايضاً الرأسمالية وتقنيتها الحديثة، بإيجادها أنظمة دكتاتورية كمرحلة أولى، انهكته في حروب وصراعات وقمع . وفي خطوة ثانية اوجدت له أنظمة ثانية قائمة على الاثنيات المتصارعة في دول قابلة للتقسيم، وبالتالي هذا الانسان لا حول له ولا قوة في ظل هذه الهيمنة من جهة، والصراعات الداخلية من جهة ثانية .

إذن، ما طبيعة الانسان الذي نطمح اليه، والذي يمكن أن يحقق انتصاراً على كل الظروف التي يواجهها في هذا المرحلة. أن الانسان الذي نعتقد به، هو الذي يجب أن يعيد إنسانيته في ظل هذه الظروف،فهو القادر على بناء حضارته الروحية والنفسية على وفق التوزيع العادل للثروات في الدول، وتقديم الإنسانية على كل شيء، وخصوصاً إذا ما نظرنا الى أن جميع الأديان السماوية والوضعية وجدت الأجل الانسان ومن أجل النهوض بقيمة الروحية والمادية على حد سواء بعيد عن الاستغلال، وخصوصاً إذا ما وضعنا أمامنا مواثيق الامم المتحدة التي تنادي بالتعايش السلمي، وحق التعلم والتعليم، وحق الحياة لكل فرد على هذه الارض، يجب أن نحصل على نظام دولي لا تكون فيه تراتبية والبقاء للأقوى، بل يكون البقاء لكل أنسان قادر على الحياة على هذه البسيطة . أنسان ينعم بثرواته الطبيعية، لا يجعل من الطبيعة عدو له، بل يحيها على وفق الاستثمار الامثل لها، الانسان الذي توضع كل رؤوس الاموال لخدمته، وكل التقنيات من أجل اسعاده، يكون قادر على تطويعها لخدمة الانسانية جمعاء . لكن هل القلة من اصحاب رؤوس الأموال تسمح بذلك ؟، وهل الانسان قادر على استرداد قوته البدنية وعلاقاته الاجتماعية، وسمته الانسانية في ظل هكذا ظروف؟ . وهل يستطيع العالم على ايجاد انسان ثالث، بين إنسان التقنية وإنسان التخلف؟

 

أ. د محمد كريم الساعدي

...........................

الهوامش

1- إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوربية الفينومينولوجيا الترانسندنتالية، ترجمة: د إسماعيل المصدق، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008، ص518.

2- فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د فؤاد شاهين وأخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993، ص38.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: هذا التداخل التعقيبي كتبته بضوء عرض الباحث الفلسفي القدير العراقي المغترب حاتم حميد محسن لكتاب ثلاثة باحثين سورين اوفركارد، وباول جلبرت، وستيفن بيوود في أجابتهم عن تساؤل ما بعد الفلسفة : post philosophy

overgard ، Paul Gilbert and Stephen Buewood soren

المنشور على موقع المثقف اذار 2020.. ولتوضيح عنونة مقالتي هذه أقول لا يمكن القول اليوم في أدبيات الفلسفة الغربية أن ما بعد الحداثة لا يكون وليس حداثة حتى في حال تغيير الخطاب الفلسفي كمضامين ومباحث وقضايا مختلفة كذلك لا يمكن القول ما يعقب ما بعد الفلسفة لا يكون غير الفلسفة كمنهج ومفاهيم ونوضح ذلك في السطور القادمة.

كتاب ما بعد الفلسفة د. محمد جديدي

قبل أطلاعي على مقالة الباحث حاتم حميد محسن الذي اشار فيه عرضيا الى الفيلسوف الامريكي ريتشارد رورتي، لم أكن على علم أن الدكتور الباحث محمد جديدي الجزائري كان أصدر منذ عام 2010 كتابا بعنوان (ما بعد الفلسفة  - مطارحات رورتية ) نسبة الى الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي صاحب مصطلح ما بعد الفلسفة.

وعن طريق التعريف بكتاب دكتور جديدي على موقعي امازون وموقع البيان الالكترونيين حصلت على هذا الاقتضاب السريع دونما أطلاعي على الكتاب قراءة كاملا، أذ أعتبر الكاتب جديدي ريتشارد رورتي الفيلسوف المجدد الاشكالي المعاصر في دأبه بعث الفلسفة الذرائعية الامريكية عالميا بلباس جديد أختاره حديثا لها، ورورتي فيلسوف يساري أراد أيقاظ الذرائعية من سباتها وجمودها بخطاب يعبّر عن الفلسفة بخطاب لا فلسفي ، في مشهد ثقافي شاعري ميتافلسفي، ميتاديني، وما بعد حداثي.

ورغم ذلك حسب تأكيد دكتور جديدي أنه منذ عصر كانط تحولت الفلسفة الى فرع أكاديمي، أحدث تحولا في مفهموم الفلسفة ووظيفتها وصارت الجامعات تعج بأساتذة فلسفة وليس فلاسفة، كما يجد جديدي صعوبة الامساك بموقف رورتي من نهاية الفلسفة كون تصريحاته من جهة أولى لا تعلن عن موت الفلسفة بل أنها تؤكد أستمرارها. (انتهى الاقتباس بتصرف).

أود التنبيه أني لا أناقش في هذه المقالة أفكار كتاب محمد جديدي لأني لم أطلع عليه وأقرأه، ولا أعتمد ايضا من بحث الدكتور حاتم حميد محسن غير عنونة المقالة التي جاءت منقوصة (مابعد الفلسفة) واكملتها بكلمة (فلسفة) التي وردت عرضا في مبحثه المنشور وتمت أشارتي له، وعبارتين أو ثلاث أقتبستها عنه أشرت لها  في متن المقال. وأبدأ بملاحظة سريعة فهمتها من فقرات التعريف بكتاب الباحث جديدي، أن ما طرحه رورتي الفيلسوف الذرائعي المجدد تحت عنوان (ما بعد الفلسفة) أنصرف فيه عن مناقشته مفهوم ما بعد الفلسفة تماما في الانتقال الى معالجة قضايا تخص الادب والانسانيات والعلوم الطبيعية وعلوم اللغة والانثروبولوجيا وبعضا من قطوعات تاريخ الفلسفة مركزا على أسماء فلاسفة منذ ما قبل التاريخ وصولا لديكارت ونيتشة وكانط وليس انتهاءا بفلاسفة البنيوية والتفكيكية وفلاسفة علوم اللسانيات واللغة مختارا منهم قطوعات الاستشهاد بما يخدم غرضه في أخراج الفلسفة من ميدان الفلسفة الى ميدان (اللافلسفة) كسرد لا يمتلك خصوصية نوعية تماما مثلما فعل التوسير في مهاجمة المادية التاريخية في تجريدها من كل مراحل تاريخ الانسان انثروبولوجيا..أي أن التوسير حاول كتابة ماركسية جديدة بلا ماركس وكتابة مادية تاريخية بلا تاريخ أنساني... كذلك حاول رورتي خلق ذرائعية جديدة بأسم ما بعد الفلسفة بلا منطق وخطاب فلسفي يوّضح مستقبل الفلسفة.

أراد رورتي تحت وطأة أخلاصه الشديد لميراثه ومرجعيته الفلسفية في الذرائعية تجريد الفلسفة تاريخيا من خصائصها النوعية كسردية منطقية متفردة نوعيا عاشت طويلا لم تحتوها سرديات الاديان ولا الميتافيزيقا ولا الايديولوجيا ولا االانثروبولوجيا ولا مدارس الفنون بل كانت هي الرافد والمعين الذي أستقت منه هذه الاجناس التعبيرية الكثير من مفاهيمها عن الفلسفة... لذا كان لجوء رورتي الى معالجة أجناس سردية بعيدا عن منطلقات تاريخ التجديد في الفلسفة الى عملية تعرية الفلسفة من ملابسها دونما جدوى تحت شعار أورده دكتورجديدي في كتابه (التعبير عن الفلسفة بخطاب لا فلسفي )..أي أراد رورتي أيقاف قطار الفلسفة في أيجاد فلسفة وقوف نهائية عولمية لا تقوم على مواضعات الفلسفة المعهودة..

هنا لا أريد تحميل قطوعات رورتي من تاريخ الفلسفة ما يلائم طروحاته أكثر مما تحتمل لكني أجد فيها طالما كان ماثلا أمامنا رغبة وهدف رورتي بعث الذرائعية عولميا وأقفال مستقبل تقادمها الزمني، في محاولته تماما مجاراة عولمة فوكوياما في محاولته أيقاف قطار التاريخ عولميا أمريكيا ولا من تاريخ يعقب الانسان العولمي الاخير الذي بلغته الرأسمالية.. نجد هذه المحاكاة التي بدأها فوكوياما تاريخيا أستنسخها رورتي على صعيد الفلسفة بأسم الحفاظ على بقاء الفلسفة بدون خطاب فلسفي، وخارج أن تبقى تعبيرا سرديا منطقيا بميزات من نوع خاص لم تستطع جميع محاولات جعل الفلسفة علما طبيعيا ملحقا ولا فرعا من الرياضيات النجاح عبر عصور طويلة...الفلسفة منطق سردي نوعي خاص جدا لا يمكن دفنه حيّا بحجة لا بأس من الابقاء عليه كهامش تعبيري متحفي لا يمت للفلسفة وحياة الانسان بصلة. علما أن جوهر الفلسفة كسردية نوعية يكمن في تاريخانيتها كون الفلسفة تاريخا تراكميا نوعيا، فماذا يتبقى من الفلسفة في أخراجها عن مستقبلها التاريخي؟ حين تكون خطابا تاريخيا خارج الفلسفة؟

الفلسفة ومفترق طرق

لقد تنبأ العديدون من الفلاسفة على أمتداد عصور تاريخ الفلسفة، أنها ضرب مركزي معرفي منطقي سردي في علوم الانسانيات يمتلك خصوصية نوعية متفردة من ضروب السرديات الاخرى الادب، الدين، الايديولوجيا، علوم الانسانيات في مرتكز التاريخ. وتسير تدريجيا نحو أستنفاد قمة تألقها الحضاري وصولا الى مرحلة الشيخوخة المبكرة أمام التقدم العلمي بمتواليات رياضية من التسارع الموازي لتراجع الفلسفة عن مجاراتها العلم، وربما كان آخر تحذير خطير صدر عن عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنج قبل وفاته معلنا فيه أنه لا مستقبل حقيقي للفلسفة في موازاة تقدم العلوم الطبيعية التي سوف تحكم قبضتها على مناحي الحياة حتى المجال الكوني غير الميتافيزيقي الذي شغل الفلسفة قرونا طويلة وعلاقته بالانسان....وهو رأي يحتمل الكثير من النقاش كونه صادرا عن عالم بالفيزياء الكونية وليس عن فيلسوف.

أمام هذه الحقيقة التي ليست جديدة في عمرها الزمني فلسفيا نجد أنه جرت محاولات عديدة في وجوب جعل الفلسفة ضربا من الرياضيات كانت بداياتها منذ أفلاطون حين كتب عبارته الشهيرة على مدخل الاكاديمية الفلسفية التي أقامها لا يدخل علينا من يجهل علوم الرياضيات وأعقبه عديدون على أمتداد عصور تاريخ الفلسفة في تأكيدهم أن يكون للفلسفة منطقها الرياضي والعلمي من بينهم في العصور الحديثة ديكارت وهوسرل وهيوم وبراتراند رسل، ولعل أبرز من ختم ربط الفلسفة بالعلوم الطبيعية جاستون باشلار وغيره عديدون لا تحضرنا اسماؤهم.

لكن خلاصة القول يمكننا أجماله أن ما بعد الفلسفة كمفهوم جديد معاصر سيكون هو الفلسفة ذاتها كنوع أو تجنيس من التعبير النوعي السردي وليس غيرها تماما حالها حال ما يجري مثلما يخلف الحداثة ما بعد الحداثة سيخلف الفلسفة ما بعد فلسفة كنوع من التعبيرالانساني الذي ينأى بنفسه عن لغة العلم وسرديات الميتافيزيقا وأجناس الادب والتاريخ والايديولوجيا محتفظا بحرصه التعبير المتفرد عن الحياة والوجود كاملا بفهم شمولي تنفرد به الفلسفة ولا يجاريها فيه كل ضروب الابداع الفكري الثقافي والفني.. وكما لم تستطع ما بعد الحداثة اليوم دفن الحداثة كذلك لا يمكن لما بعد الفلسفة دفن الفلسفة بكل ميزاتها النوعية.

لو نحن أخذنا قليلا جانبا خارج نطاق تعالق الفلسفة مع علوم الانسانيات والسرديات الكبرى بدءا بالدين والتاريخ والميتافيزيقا وليس انتهاءا بالايديولوجيا السياسية وفلسفة اللغة الحديثة وعلوم اللسانيات أنما نجدها في حقيقتها الجوهرية تمثل هروبا الى أمام في عجز تسديد الاستحقاقات التي يمكن أن تحسب على الفلسفة في موازاة سيرها السلحفاتي البطيء أمام تقدم العلوم الطبيعية المتسارع، والثورة العظمى المفزعة التي أطلقها التقدم العلمي في أختراع تكنولوجيا الفضاء والتحكم بالجينات الموّرثة وتشطيرالذرة واختراع الانترنيت والحاسوب وعوالم الاتصالات والعالم الافتراضي وأنكفاء المطبوع الورقي (الكتاب) في تراجع تداوليته القرائية بما لم يشهده منذ تاريخ أختراع اللغة والكتابة قبل مئات العصور.

أن مأزق أنحسار العلوم الانسانية هو ليس مأزق مستقبل الفلسفة بل مأزق جميع ضروب المعرفة الثقافية ما كان منها متسّيدا قرونا طويلة قمة العطاء الثقافي عالميا على أنه أبداع معرفي ثقافي تداولي مكتوب ومطبوع ربما يأتي في مقدمتها حاليا أحتضار الشعرعالميا – عربيا (لا أقصد هنا ما يهمنا عربيا نوعين من الهبوط مما يسمى شعرا الاول شعر وكلمات الاغاني التي أوصلت اللغة العربية الفصحى للحضيض، والثاني الشعر الشعبي التعبوي الذي يهدم صرح وحدة اللغة العربية الفصحى التي هي القسمة المشتركة الوحيدة الباقية التي تجمع الامة العربية ولو لم يكن القران مكتوبا بالعربية الفصحى التي يتعامل بها مليار وسبعمائة مسلم لاندثرت العربية الفصحى وحلت محلها اللهجات العامية التي لا يفهم فيها اللبناني المغربي ولا يفهم العراقي المصري أو الليبي وهكذا)، حتى الفنون التشكيلية التي لا تستعين الكتاب تعبيرا لغويا فنيا كتابة لها بل تعتمد مساحة وكتل وفراغات اللوحة والالوان والتقنية الجمالية خارج منطوق اللغة التداولي المباشر هي الاخرى بدأت تحتضر في أبتداع فن اللامفهوم الذي تجاوز السريالية في غرائبيته الخارقة لكل مألوف والعودة الى البدائية بالفن واللجوء الى تسويق نوع من الفنتازيا المقرفة الجارحة للذائقة الجمالية لدى المتلقي حين يصل ذوق المتلقي وأصحاب مزادات الصالونات الفنية عالميا أن تباع لوحة فنان بأكثر من مئة الف دولار هي صورة حذاء مرفوع من بقعة مليئة بالاوساخ والقذارة والاوحال العالقة به وبأمثال هذا النوع من الابتذال الفني بأسم الفن خرج مفهوم الجمال في فن التشكيل أن يبقى عرفا ومفهوما متفقا التعريف به على أنه ذائقة روحية سامية.

هل ما بعد الفلسفة ما بعد بديهية؟

بالتاكيد أننا نتداول تعريف ماهو بديهي هو ما ليس ليس بحاجة لبرهان يؤكد حقيقته البديهية الصادقة وليس كل قوانين الطبيعة التي تحكم الانسان والوجود بحاجة البرهنة على صحتها بعد أكتشاف الانسان لها. وأكتشافها من قبل الانسان لا يعني خلقها بل يعني أنها موجودة فاعلة تحكم حياتنا والطبيعة والكوني حتى قبل أن يكتشف الانسان متأخرا لها ويعي أهميتها في تنظيم الطبيعة وحياة الانسان والكون.

يعبّر الراديكاليون الشكاك عن عدم وجود سبب (للاعتقاد بأن البديهية هي مصدر موثوق للدليل على شيء) نقلا عن مقالة الباحث حاتم محسن المشار لها.

في البحث عن معنى أن تكون الفلسفة ما بعد بديهية شأنها شأن الحداثة وما بعد الحداثة..ماذا نعتمد حين تكون الفلسفة مفهوما شموليا يستوعب مدارس الحداثة وما بعدها ولا تستطيع الاخيرة أستيعابها. الفارق الصعب تجاوزه هنا أن الفلسفة تاريخ معرفي انثروبولوجي رافق الانسان في وجوده منذ عشرات العصور بل الاف السنين على العكس من نظريات الحداثة وما بعد الحداثة فهي حصيلة تاريخية انثروبولوجية تمثل على حد تعبير أحد الفلاسفة المعاصرين الحداثة وما بعدها هي النتاج المتأخر للرأسمالية الامبريالية..أي أنهما(الحداثة وما بعد الحداثة) مراحل تاريخية متقدمة حضاريا تخللتها قطوعات من التاريخ (النوعي) الانساني بخلاف تاريخ الفلسفة فهو تاريخ ثابت تقريبا يتغيّر تراكما و نوعيا بطفرات لا تتجاوزفيه التطور المعرفي البطيء ،لذا الفلسفة  تتطور بطفرات نوعية بطيئة لا كما يتقدم العلم الطبيعي ويتطور بقفزات نوعية متسارعة زمنيا بل تتطورالفلسفة تاريخيا كعلم من علوم الانسانيات التي يغلب التراكم الكمي في تاريخها على الكيف لأن الفلسفة هي دوما قراءة في تاريخ ماض لها وليست قراءة في مستقبل تنبؤي أمامها كما هي مسيرة العلم في استشرافه فتوحاته المستقبلية الطموحة.

متى تكون البديهية حقيقة مطلقة؟

البديهية كحقيقة موضوعية هي أجماع كلّي عن شيء تمت البرهنة عليه في حيازته أسباب منح ثقة الاخرين بحقيقته الموضوعية المكتفية ذاتيا في البرهنة على صدقيتها.. وأصبحت هذه الحقيقة البديهية بمرور الوقت والتداول مسّلمة ممكن الاستدلال بها معرفيا دونما الحاجة الى توفير أسباب دحضها غير المتاحة حاضرا دوما. وتمتلك الاقرار الكافي الأجماعي على عدم الحاجة الى تفنيدها بعد معاملتها بموثوقية ثابتة زمنا طويلا وترحيلها الى مستقبل مفتوح النهايات..

والبديهية بهذا المعنى لا تكتسب صدقيتها بحكم العادة والتكرار (سبب ونتيجة) متلازمتان على الدوام بل بحكم أن البديهية حاضرة دوما كحقيقية معبّرة عن شيء صادق دائما في منطق العلم والتداول العلمي الموثوق بها.علما عدم وجود بديهيات تعتمدها الفلسفة بيقين قاطع لا يكون مصدرها العلم، فالفلسفة لا تنتج حقائق الاشياء بل تنتج مناهج استدلالية لمفاهيم تفسّر الحياة ووجود الانسان والظواهر الطبيعية والاشياء. والفلسفة لا تلتقي العلم بالتجربة بل تلتقي به بالمنهج الابستمولوجي.

البديهية المتفق عليها أجماعيا أنما هي مصطلح محدود عن شيء معين سبب ونتيجة لشيء أكتسب حقيقته البديهية وليس مفهوما غامضا شموليا يحتمل ما لا يمكن الاحاطة به من الشكوك التي تلازمه، ولا تحتاج البديهية سببا أو أسبابا تجعلها تكتسب موثوقيتها البديهية في كل مرة نحتاج الاستدلال بها أو محاولة التشكيك بصحتها، فالبديهيات ليست قضايا تفكيرية دوغمائية تخلع حقيقة التسليم بها في مصادرة أسباب تحققها البديهي الحاضرة بل هي  تمتلك أسباب الوثوقية المطلقة بصحتها البرهانية المتطاولة زمنيا في المستقبل.

فقولنا المعادلة الحسابية 1+1=2، هي بديهية لا تحتاج برهان صحتها اليوم ولا غدا ولا بعد مئات السنين فهي حقيقة مطلقة اكتسبت اليقين القطعي وليست حقيقة نسبية في كل زمان ومكان جديد تحتاج فيه براهين صدقية تؤكد بديهيتها. وهي لا تحتاج سببا برهانيا لها في تداوليتها اليقينية القطعية حاضرا ومستقبلا، ومثل ذلك عندما نقول الارض كروية فهي لا تحتاج براهين تؤكدها غير التي اكتسبتها علميا فيزيائيا منذ عصر كوبرنيكوس وغير ذلك مثلا مع قانون الجاذبية قبل نيوتن او مكونات الذرة وعلاقاتها البينية فيما بينها داخل الذرة قبل أنشتاين وعديد من علماء فيزياء الذرة والكون وهكذا فهذه حقائق علمية أكتسبت البداهة القطعية ولا يتوفر ما يدحضها لا حاضرا ولا مستقبلا.فكل هذه الحقائق البدهية كانت موجودة كقوانين ثابتة تحكم وجودنا وحياتنا الارضية قبل أكتشافها وتثبيت صحتها من قبل علماء أفذاذ عباقرة أخذت مجالها التطوري بما سبقها من منجزات غيرهم سبقوهم..

من المهم التفريق أن ما هو بديهي ثبتت صحته البرهانية العلمية لا يطاله الشك لأنه لم يعد فكرة تنظيرية مجردة تحتاج البرهنة على صحتها، الشك الذي يراود ويلازم ماهو بديهي على صعيد الفكر النظري وارد جدا لكنه لا ينطبق على حقائق علمية أكتسبت المسلمات البديهية بالبرهان القطعي التجريبي عليها كقوانين فيزيائية وعلمية..فبديهيات العلم حتى وأن كانت في بعضها نسبية فهي تختلف كليا عن مسلمات الفكر التجريدي غير البرهاني في نسبيته المفتوحة النهايات..

فالنظرية لا تمتلك حقيقتها البدهية المطلقة قبل البرهان التجريبي العلمي عليها. ونجد الفلسفة البراجماتية أعتمدت هذا الاختلاف بين النظرية المجردة والنظرية المثبتة صدقيتها برهانيا حين ربطت كل ما هو ناجح تجريبيا يكون نافعا مجتمعيا. وبذلك تكون الفلسفة الذرائعية العملية أبعدت مجال الشك عن النظريات التي أكتسبت برهانها التصديقي العملاني في صوابها وضرورتها في حياة الانسان. وبذلك أستبعدت البراجماتية في معاملتها جميع الافكار التي تمتلك نسقها التنظيري الاقناعي المنطقي على صعيد الفكر المجرد لكنها تفتقد التطبيق العملاني بالحياة خارج عدم صدقية تحقيقها المنفعة العامة.

لذا فالبديهية لا تصادر ما هو مدرك حقيقي ثبت برهانه، أو هي لا تحتاج الى برهان سببي مكرريلازم أعادة نفسه باستمرار..وحين نقول البديهية صادقة في حاضرها فليس ذلك نابع من حقيقة أن معظم بديهيات الحياة التي نعيشها هي معطى طبيعي لا تحتاج تأكيد حقيقتها في توّفر الاسباب البرهانية الاقناعية على بديهيتها الموجودية كحقائق نتعايش معها لا يمكن التشكيك الجدي بصحتها..كي لا يرتد التشكيك بها كبديهيات طبيعية لم تعد بحاجة الى براهين على التشكيك بوجودنا نحن البشر الذي حسمه ديكارت في عبارته انا افكر اذن انا موجود، وهنا يمثل الكوجيتو منتهى اليقين وليست بدايته في المعطى الطبيعي للانسان كموجود هو جزء من الطبيعة التي ليست هي الاخرى بحاجة براهين على تأكيدها كمعطى وجودي غير ميتافيزيقي بغض النظر عن الاستفهام العقيم عمن أعطى وأوجد (الطبيعة) ومكوناتها من ضمنها الانسان...

حين نقول البديهية صادقة في حاضرها مشكوك مستقبلا في صحتها،فالصحيح أن الشك لا يلازم ماهو بدهي حاضرا ولا يلازمه مستقبلا، حيث أن البديهية التي تمتلك حقيقتها الثابتة اليقينية القطعية برهانيا حاضرا لا يمكن الشك في عدم حقيقية صدقها مستقبلا والا أنتفت عنها ملازمة البديهة الصادقة في حاضرها قبل صدقها في مستقبلها.. فالمعادلة الرياضية س×ص= س ص لا يمكن أن تكون صحيحة اليوم في حاضرها وباطلة خاطئة ومشكوك بها مستقبلا..أو حقيقة أضلاع المثلث ثلاثة ومجموع زواياه الثلاث 180 درجة.فهذه حقائق بديهية قد اكتسبت صحتها الرياضية القطعية الصائبة الثابتة في كل زمان ومكان ولا مجال بطلانها مستقبلا..وهكذا نقول عن بديهية مركزية الشمس وكروية الارض ودورانها حول نفسها وحول الشمس أو نظام الجاذبية فتلك حقائق بدهية لا تحتاج البرهنة مجددا عليها وليس واردا الشك بها بعد الف عام ويزيد من الآن.ليس بسبب أكتشاف الانسان لها والبرهنة عليها وأنما لانها هي بديهيات كمعطى ميتافيزيقي موجود كقوانين تحكم الطبيعة والانسان والكوني وتعمل في الطبيعة والحياة بمعزل عن أرادة الانسان كحقائق ثابتة وقوانين مطلقة معرفية حتى قبل أكتشاف الانسان لها قبل الاف السنين ومعرفته بها وتسخيرها لخدمة حياته منذ وجدت الحياة على الارض.

البديهية بين العلم والفلسفة

بدءا نقر أنه لا يوجد بديهيات قطعية التسليم بها بالفلسفة كما هي بديهيات ومنجزات العلوم الطبيعية...  معظم بديهيات حقائق الفلسفة المنقوصة التي تحمل بذور شكوكها معها أنما يكون مصدرها منجزات العلوم الطبيعية وعلوم الرياضيات والهندسة وفيزياء الكون ليس بالمنطق والمنهج العلمي وأنما بمنهج الاستعارة الفلسفية لبعض منجزات العلوم الطبيعية، ولا تمتلك الفلسفة بديهيات قطعية يقينية يسترشد العلم بها بل العكس دوما تسترشد الفلسفة ببعض يقينيات العلم الناجزة.

ما تتفوق العلوم الطبيعية به على الفلسفة هو قدرتها على (أعطاء قول عن شيء ما، يكون ذو معنى محدد ومهم للعالم) على حد تعبير الباحث حاتم محسن في مقالته المشار لها.

ولو نحن أستعرنا هذا التعبير العلمي الى لغة الفلسفة نقول العلم الطبيعي بنتائجه المختبرية البرهانية والتطبيقية هي نقطة تنتهي برأس سطر،لا تحتاج بعده براهين أضافية لاعطائها مصداقية الاخذ العلمي المسّلم بها..في حين حقائق الفلسفة النسبية غير اليقينية بمجملها بالقياس العلمي المقارن فهي تمثل نقطة رأس سطرتحتاج براهين بعدية أضافية وتفسيرات جديدة لها على الدوام..الفلسفة تعتمد براهين المنطق العقلي لتمرير مصداقية حقائقها التنظيرية في وقت العلم يحتاج براهين العقل التجريبي لتثبيت صدقية حقائقه كقوانين فاعلة دائميا تحكم حياتنا في كل مستجداتها في كل زمان ومكان وفي جميع الظروف.

فالبديهة الفلسفية أي حقيقتها الصادقة لا وجود مطلق لها على خلاف الحقيقة العلمية، وحقائق الفلسفة تلازمها النسبية والنهايات المفتوحة على أحتمالات الصح والخطأ..الحقائق العلمية محدوديتها تكمن في أستحصالها برهانها الحقيقي في مسألة محددة لذا تكون شبه ثابتة تطاول الزمن ،على العكس من الفلسفة التي تعالج مفاهيم كلية جامعة تتجاوز التحديد في المفاهيم والقضايا التي تتناولها الى المطلق التعميمي...وتكون نسبيتها في ملازمة الشك وعدم التصديق بها منذ ولادتها وحتى زمن الاستغناء الممكن عنها. كما أن النظم الطبيعية والفيزيائية التي تحكمنا قوانينها والمتيسر لنا القبول معرفيا بها في تفسير ظواهر الحياة الحياة وموجوداتها ومحدودية الانسان في وجوده وقدراته أنما هي في المحصلة تكون آنية حاضرة نعيشها في حياتنا ولا ترتقي لزمن مستقبلي نتوقعه كما هو الحال مع منجزات العلوم.

العلوم الطبيعية ومنجزاتها العملانية التطبيقية تلجم جموح الفلسفة وتوقفها عند حدود لا يمكن للفلسفة تجاوزها بالبرهان على صدقية الاشياء وأثباتها كحقائق وقوانين تحكم الحياة وتلازم الانسان طويلا لعدم أمكانية تجاوزها بسهولة وفترات زمنية متسارعة يستطيعها العلم وتعجز الفلسفة عنه.

سلاح الفلسفة الذي يربك العلم هو الشك في قطعية التسليم بوجود حقائق غير نسبية مطلقة في كل شيء يخص الانسان والطبيعة وما يتفرع عنها من تخصصات تحسب للعلوم وليس للفلسفة..القطيعية الشكيّة الملازمة للوجود الانساني قديما أن مقياس كل شيء الانسان فقط كم ذهب له بروتاغوراس كوجود مطلق الكمال لم تعد صادقة في عصرنا بل الانسان مقياس كل شيء كوجود محدود القدرة والامكانيات ومحدودية فهمه وأستيعابه لحقائق وظواهر الحياة المعقدة المتغيرة باستمرار اليوم..وقصور أمكانية معرفة الانسان كل شيء على أنه يقين قاطع. وهذا المقياس الانسانوي يصدق على قضايا علمية ولا يتماشى مع أخرى علمية ايضا يمكن لمستقبل العلم دحضها وتفنيدها..

مستقبل العلم ومستقبل الفلسفة

الانسان كموجود نوعي قسمة مشتركة تتوزعها أبعاد ومجالات متعددة لا حصر لها، لكنها في المحصلة النهائية لا يمكن أستفراد أحد هذه الابعاد بمصادرة الابعاد الاخرى في فهم الانسان وفهم الحياة.. آخذين بكل الاهتمام الانسان كوجود ومعطى حيوي بلغ شأوا متقدما جدا في تقدمه العلمي والحضاري بما أصبح متعذرا جدا تسييج وجوده الطوعي المتكيف أن يكون انسانا في بعد واحد يحتكره العلم لا غيره ولا معه.كما من الخطأ الفادح التعويل على أن مستقبل الفلسفة كفيل بحل معضلات الانسان المستعصية التي يعيشها في مرحلة ما بعد العلم الافتراضية حيويتها في تقدمها المتسارع دوما على حيوية الفلسفة فلم ولن يشهد مستقبل الانسان أن تقود الفلسفة حياة الانسان لا في أسبقيتها على العلم ولا حتى بالسير في الموازاة معه وتاريخ البشرية يؤكد هذا كحقيقة مستقبلية ثابتة. فالفلسفة في مستقبل ما بعدها هي الفلسفة في حاضر ما قبلها لا يتغير طموحها القاصر أن لا تقود هي العلم بل الحقيقة تشير لقيادة العلم لها مستقبلا كما في حاضرها وماضيها من قبل.

العلم بمستطاعه أعطاء حلول لمستقبل الانسان بما تعجز عنه الفلسفة مستقبلا لكن هذا لا يمنع اصطدام العلم بجدران أبعاد فلسفية للانسان روحية ضميرية اخلاقية عاطفية نفسية لا يقوى العلم تلبيتها، وتبقى تلك الاحتياجات الانسانية خارج استغلاقات العلم التي تتعامل مع الانسان في بعده العلمي التقني الهائل فقط. الفلسفة بعد انساني لا يمكن للعلم مصادرته مستقبلا ويلغي بذلك أن الانسان وجود بلا حدود ولا متناهي من ناحية النهايات المفتوحة لوجوده المتطورعلى الدوام لكن ليس التطور وحيد الجانب الذي يبتغيه التطور العلمي  حاضره ومستقبله.

لا يجد الانسان ثقة مطلقة في مستقبل العلم أن لايحد طموحه ويحتويه بما يمليه عليه العلم بعيدا عما يرغبه الانسان هو أملاءه على الحياة التي يقودها العلم. صحيح أن العلم لم يوجد بالتضاد مع طموحات الانسان التي يفتقدها العلم لكنه يصبح عائقا أمام العديد من القضايا التي يجدها الانسان يقودها العلم في غير صالحه ومستقبل سعادته.

يشير ريتشارد رورتي قوله (الفلاسفة يقترحون صورا وأستعارات بدلا من أدعاء الحقيقة، ويشير العديدون الى ذكاء رورتي في تعبيره من حيث الاستعارات ليس فيها محتوى ايماني ادراكي). نقلاعن الباحث حاتم حميد محسن .

رورتي يقر بحقيقة لا يمكن للفلاسفة الافلات منها تلك أنهم حالمون بينما علماء الطبيعة يقظون بما فيه الكفاية وأكثر من اللازم. وبقيت مشكلة الفلسفة مع العلم مشكلة الروح بالجسد عند الانسان، من حيث ارادة فرض التعالي الروحي على مقتضيات ما يرغب أشباعه الجسد من غرائز. ويجد العلم معضلته في أنه غير مباح ولا مقبول محاكمة رغائب الجسد وافصاحاته الروحية  بمنطق العلم..الفلسفة تقف عاجزة أمام العلم الذي يجدها عبئا عليه ليس مسؤولا أن يتحمّل أوزارها.. وأمام جموح العلم المستقبلي هذا سيجد العلم أن حصيلة نجاحاته المتحققة هي في صناعته (روبوت) أنسان محشو بنشارة منجزات تقنية آلية ذكية يقوده بها العلم وربما يأتي اليوم الذي يعجز الانسان قيادة الذكاء العلمي المصنّع من قبله ..

مقولة رورتي الخاتمة

يطلق رورتي مسألة على جانب كبير من أهمية الوقوف عندها والتعقيد الفلسفي، والتي أطلقها بموازاة أيمانه القطعي بالفلسفة الذرائعية الامريكية التي لا يرغب مقاطعتها في أمور اساسية جوهرية..مفادها: (ما هو صادق ليس بالضرورة أن يكون مطابقا للحقيقة..The truth is not the fact) نقلا عن الباحث حاتم حميد محسن.كي لا نشغل انفسنا في الاستطراد نجد أن الحقيقة عند رورتي ليس أن تكون صادقة بل أن يكون صدقها نافعا، والصادق عرضي على الجوهر الذي هو حقيقة الشيء وهذه الاخيرة تكون عرضية ايضا على جوهر ولا قيمة لها ما لم تكن حقيقة نافعة في التطبيق.فليس مهما أن تكون الحقيقة مرتهنة بصدقيتها بل بمنفعتها..

أذن اصبح معنا حسب رورتي أن الصادق ليس حقيقيا في كل الحالات، كما أن الصدق ليس بمستطاعه الاحاطة والالمام بكل الاشياء، فما يبدو لنا صادقا لايكون حقيقيا من دون أمتلاكه وحيازته برهان حقيقته المرتهنة براجماتيا بمرجعية المنفعة الثابتة كمقياس لصدق الاشياء وصدق حقيقيقتها أيضا.والصدق حالة نسبية تحكم الفكر والمادة على السواء في نسبيتها، لذا يكون الصدق  بحكم نسبيته محكوما بالتغيير والتبديل والصيرورة على الدوام أمام ثبات أن الحقيقة النافعة ليس في صدقها بل في تعبيرها تحقيق منفعة الجميع فهي تكون غير نسبية مستقرة في المدى ما بعد المتوقع والمنظور..

هنا لا نغفل عند مقارنتنا الصدق والحقيقة كون كل حقائق الحياة هي نسبية وليست حقيقية مطلقة ومن غير هذا الفرز بين نسبية الصدق مع نسبية الحقيقية نقع في خطأ أعتبارنا أن ماهو صادق يكون حقيقيا أيضا لشيء واحد تجمعهما النسبية الافتراضية أو النسبية القائمة حضورا. فالصادق هو موقف متغّير على الدوام في حين تكون الحقائق ثابتة نسبيا على الدوام، فما نعّبر عن صدقه في زمان ومكان معين لا يلزم منه أن يكون حقيقيا صادقا نافعا يمكن التسليم به بشروط وظروف أخرى...

 

علي محمد اليوسف /الموصل.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (2)

أيا كانت الصورة التي تتلألأ أمام أعيننا حالما نتأمل وندرس ونحلل وننتقد ما وضعه ابن خلدون وأسس له في الموقف من التاريخ بشكل عام، فإننا نقف أمام ثلاثية فكرة التاريخ، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الحضارة، وما يرافقها من ثلاثية "التاريخ الطبيعي والماوراطبيعي" أو العمران البدوي والعمران الحضري، و"ديمومة الولادة والموت الملازمين لصيرورة العمران والدولة" و"حتمية الموت الحضاري"، بوصفها خاتمة "الموت الجميل". ووراء كل هذه الاكتشافات الكبرى التي جرى تأسيسها استنادا إلى التاريخ الواقعي للإنسان وأبعادها الماورائية تكشف عن الإدراك الفلسفي العميق لحدود التاريخ في مجرى العمران، وديموته في الإبداع الإنساني، والغاية البعيدة التي تلتمع وراء الوجود بوصفها معاناة الثقافة نفسها التي لا يحكمها المنطق المجرد. لكنها تحتوي في إعماقها على "عبرة" ينبغي الاتعاظ منها وبها من أجل مستقبل أفضل مبني على أسس الحق والعدالة، والرؤية الإنسانية الواقعية والعقلانية.

فقد احتوت فكرة التاريخ وفلسفته عند ابن خلدون على توحيد التفسير العقلي والواقعي للتاريخ ورؤية آفاقه من خلال دراسة نشوء الدولة وانحلالها. ومنها وبأثرها تبلورت عنده فكرة العبرة أو فلسفة العبرة، بوصفها الرحيق السياسي لتأمل التاريخ ودراسة مساره الفعلي والقوانين المتحكمة فيه. ومن ثم احتوت فكرة العبرة عنده على مستواها النظري والعملي، أي مستواها الفلسفي التاريخي والسياسي المستقبلي. إذ نعثر عنده على ما يمكن دعوته بالتأسيس الفلسفي السياسي والحضاري للعبرة. ومن ثم تحتوي على كل ما أراد ابن خلدون قوله. وليس اعتباطا أن يضع هو نفسه فكرة العبرة في صلب عنوان كتابه عندما اطلق عليه أسم (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب....). لقد أراد استخلاص العبر المتنوعة في تاريخ الأمم التاريخية الكبرى ومن عاصرها من خلال دراسة بدايتها ونهايتها في الدولة (الملك) والحضارة (العمران).

ففي مجال العبرة السياسية نراه يتوصل إلى فكرة مفادها، بأن اختلاف الأمة وقتالها فيما بينها فيما مضى "رحمة لمن بعدهم لكي يقتدي كل واحد منهم بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله"1 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على اندثار الدول والحضارات، بمعنى إنه يجد فيها "رحمة" للعقل النظري في تأمل الماضي من اجل رؤية مستقبله، من ثم اتخاذ ما يراه مناسبا لتلافي السقوط، رغم ما في المسار التاريخي نفسه من قوة تقهر أكبر العقول ذكاء وأشد الإرادات عزيمة.

إننا نعثر عنده وفي كل ما كتبه واستحصله من نتائج مجردة كبرى على أسلوب جلي حينا ومستتر حينا آخر لكنهما يلتقيان في الحصيلة، ألا وهي إن تأمل ودراسة تجارب الأمم التي يمكن تتبعها بما في ذلك في متون الكتب التاريخية والأدب والفلسفة والأديان، ينبغي أن تهدف إلى صنع الأحكام السياسية منها. الأمر الذي يكشف عن أن تاريخ العبر بالنسبة له هو التاريخ الإنساني ككل. غير أن ما يميز ابن خلدون بهذا الصدد هو تتبعه لمسار الصيرورة التاريخية للفكرة السياسية، والواقع السياسي، ومن ثم التجربة السياسية. من هنا تتبعه ورسمه وتفسيره للمسار التاريخي للمؤسسات والأفكار والقيم والعقائد وليس لتاريخ وسيرة الأشخاص أيا كانوا.

انه يتناول الفكرة السياسية ضمن سياق فكرته عن العمران، أي عن التطور الحضاري للأمم. من هنا، على سبيل المثال، نفيه ورفضه للفكرة التي حاولت أن تجعل من النبي والنبوة قيمة ما فوق تاريخية ولابد منها بالنسبة لبناء النظام السياسي الاجتماعي الأفضل. إذ نراه يشدد على عدم وجوب النبوة في ميدان العلاقات الاجتماعية السياسية. وذلك لأن تجارب الأمم تكشف عن أن "الوجود وحياة البشر قد تتم من دون النبوة"2 . وعندما يتكلم عن أثر المناخ في حياة البشر، فإنه يشير إلى أننا لم نسمع بخبر بعثة النبوة (الرسالة) إلى المناطق التي تتسم بظروف مناخية قاسية (الأقاليم الشمالية والجنوبية). كما أكد على أن التاريخ يكشف عن أن النبوة تظهر في المناطق المعتدلة. بل ونراه يشدد على أن الله يختص بالنبوة أكثر الناس كمالا في خلقهم وأخلاقهم. ذلك يعني، إن قدرة النبوة على العمل والفعل تفترض قدرا من التطور الحضاري. وبدونه تصبح عديمة الفاعلية والتأثير، أو على الأقل أنها عاجزة عن إرساء أسس النظام الاجتماعي والسياسي الأمثل. بعبارة أخرى، إن النبوة بوصفها فكرة متسامية تفترض قدرا من التطور الثقافي والمعرفي. وإن النبوة قضية بشرية صرف. انطلاقا من أن الله لا يمكن أن يغفل بشرا دون آخر لاعتبارات خلقية وأخلاقية. كما يمكن تأويلها بطرق أخرى، إلا أن الجوهري فيها يبقى هو تأثر فكرة النبوة وارتباطها بالمناخ دون أن يرجعها إليه. وينطبق هذا في الواقع على كل القضايا والظواهر التي تناولها ضمن هذا النطاق.

ففي موقفه من الحرب ومذاهب الأمم فيها، ينطلق ابن خلدون من أن الحرب "أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل. وسبب هذا الانتقام في الأكثر أما غيرة ومنافسة، وأما عدوان، وأما غضب لله ودينه، وأما غضب للملك"3 . ففي فكرته هذه وتصنيفه نعثر على أربعة أصناف من الحروب، وهي: حروب الغيرة والمنافسة التي عادة ما تميز حروب العشائر والقبائل المتجاورة؛ وحروب العدوان التي أكثر ما تكون بين من اطلق عليهم ابن خلدون اسم "الأمم الوحشية"؛ وحروب الجهاد (غضب لله والدين)؛ واخيرا حروب الغضب للملك، إي الحروب التي تشنها الدولة ضد الخارجين عليها. ووضع الحرب الأولى والثانية تحت صنف البغي والفتنة، بينما اعتبر الثالثة والرابعة من "حروب الجهاد والعدل"4 . ذلك يعني إنه افرز ما يمكن دعوته بالحروب الظالمة والحروب العادلة. ومع انه اعتبر الحرب بحد ذاتها "انتقام" أي لا عقلانية ومدمرة بطبيعتها، إلا أنه وجد فيها ضرورة وعدلا حالما تكون فتنة مخربة لوحدة الدولة وقوتها. ذلك يعني، انه لم ينظر إلى الحرب بمعايير القيم الأخلاقية، رغم انه لا يلغيها، ولكنه نظر اليها باعتبارها جزء من المسار التاريخي الطبيعي للبشر بشكل عام والدولة بشكل. وبما أن الدولة بالنسبة له هي ذروة الاجتماع الإنساني وأساس الحضارة، من هنا أهميتها المافوق أخلاقية، أو بصورة أدق، أنها الصيغة المنِّظمة والضرورية لفاعلية الأخلاق بشكل عام والسياسية بشكل خاص. من هنا استنتاجه للفكرة السياسية العميقة والمستنبطة من تأمل التاريخ الواقعي عن أن حروب ما قبل العمران لا تصنع غير الدمار والفساد. ومن ثم لا قيمة فيها ولها بالنسبة للتمدن والثقافة والحضارة. على عكس الثالثة والرابعة بشكل خاص، أي تلك الحروب التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة الدولة والقضاء على الفتن الداخلية، بوصفه الشرط الضروري للعمران المدني.

وعموما يمكننا رؤية استنباطه للعبر بمختلف أصنافها، التاريخية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وكثير غيرها. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية جباية الضرائب والغرامات، فإنه ينطلق من ضرورتها بالنسبة للدولة. غير انه حالما يتأمل التجارب التاريخية بهذا الصدد يتوصل إلى استنتاج يدعوه بالصفات السيئة لهذه الظاهرة. إذ نراه يشدد على أن ازديادها المستمر عادة ما يكون ليس للاستثمار في العمران بل لتلبية مصاريف البذخ والمتعة. الأمر الذي يؤدي مع مرور الزمن إلى الكساد. وذلك لأن هذا النوع من الجباية كما يقول ابن خلدون يفسد الاعتمار. بينما أقوى "الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين"، بمعنى تقليل الضرائب والغرامات5 . والشيئ نفسه يستنتجه من علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي. فنراه من جهة يدعو إلى تدخل الدولة من خلال تنظيم الحياة الاقتصادية، كما يدعوها إلى دعم الملكية الخاصة والحفاظ عليها لما لها من أثر في تنمية النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه نراه ينتقد سلوكها المخالف لهذا الاستنتاج. وتوصل بهذا الصدد إلى فكرة سياسية اقتصادية وحضارية عميقة تقول، بأن تدخل الدولة ومنافستها للتجار والفلاحين يؤدي بالضرورة إلى إفساد الاقتصاد. وذلك لأن الدولة تمتلك من الموارد ما يكفي لخنق المتنافسين، بينما المنافسة بين القوى الاجتماعية الاقتصادية الضرورية للاقتصاد والاجتماع والعمران ومن ثم للدولة نفسها. ليس هذا فحسب، بل نعثر على استخلاص العبر من التاريخ في مختلف الميادين وتجاه جميع القضايا الكبرى والحساسة بالنسبة للدولة والحضارة، أي للتاريخ بوصفه فكرة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

  ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص173.

  ابن خلدون: المقدمة، ص34.

  ابن خلدون: المقدمة، ص213-214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص221.

 

زهير الخويلدي"أنا أكون لأني قادر على الوفاء بالوعد"1[1]

يبدو من الجهل القول بأن بول ريكور لا يعرف السياسة من جهة التفكير والممارسة، فهو قد ترأس قرابة عقد كامل الحركة المسيحية الاشتراكية من سنة 1958 إلى سنة 1969 التي انتمى إليها روكار ميشيل، كما أنه تدخل في الحرب التي اندلعت بين المدرسة الجمهورية والمدرسة الكاثولوكية واقترح جملة من الحلول الجريئة والمبتكرة ولكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ثم انه قد ترأس الفدرالية البروتستانتية للتعليم وتم تعيينه من أدغار فور الوزير الأول عميد كلية نانتير وبعد موافقة غير مباشرة من شارل ديغول وهي مسؤولية سياسية تحملها في وزارة التربية ولقد قَبِلَ هذا التعيين ضمن منظور تخيلي للمؤسسة ودورها في حوكمة الادارة واصلاح الجامعة2[2]. إن التردد المنهجي الذي وجد فيه بول ريكور نفسه بين الهرمينوطيقا والفنومينولوجيا وبين فن القصص السردي والمعرفة التاريخية لا يمكن تخطيه وفهمه إلا بالاعتماد على الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية التي تجمع بين التأويل والوصف وبين النقد وإعادة التشكيل وبين تفكيك اللاّمعنى وإنتاج المعنى حول العالم. كما أن تناول مسألة الوعد عند السارد الفاعل لا تخلو من مغامرات تخترق الأنساق ورهانات تضرب في الآفاق لما يقتضيه الكلام عن الوعد من استدعاء للمستقبل على حساب الحاضر والاستنجاد بحكم الحارس والتعويل على الضمير تحليا بالمسؤولية وتعبيرا عن الالتزام طلبا لشهادة الآخر الموعود أمام فعل الواعد. والحق أن الكل يرغب في الاعتراف من الكل ولا أحد يقتدر على تحقيق الرغبة من طرف واحد بشكل تام، والمفارقة تكمن عندما تتسبب العدالة نفسها من حيث هي ممارسة قانونية ذات أرضية سياسية في تأخير الاعتراف وتكرس الازدراء والتفاوت والتهميش وتُبقِي الحقوق الديمقراطية مجرد وعود وأقوال. لكن يمكن التمييز بين وعود مكتوبة ووعود شفوية وبين وعود صعبة التحقيق ووعود سهل المنال وبالتالي التشبث بالوعود هو نوع من الحلم اليوتوبي والسخرية من الوعود هو تعبير عن وعي تاريخي وحس ناقد. في الواقع ان الوعود الأكثر صلابة هي المرتبطة بالقناعات الوثوقية مثل وعود الدين والايدولوجيا والعلم والأعراف بينما الوعود الأقل صلابة تبقى مجرد ظنون وتخمينات مثل الوعود الاقتصادية والسياسية والعاطفية، ولذا يتراوح قطع الوعد بين الاتفاق على موعد والالتزام بالعهد وإبرام العقد والوفاء للحب. بهذا المعنى تكون وظيفة الهرمينوطيقا النقدية هي الحكم والتمييز بين وعود تأسيسية مصيرية يفترض أن يتم الوفاء والالتزام بها ووعود ترقيعية التفافية يجب كشف حيل السلطة في نطاقها وبؤر الرغبة في لغتها.

يراهن هذا المبحث على فهم الايتوس السياسي المعاصر ضمن المنعطف القانوني للرد على التوتر القائم بين الديني والمدني عبر تأويل الوعد لكي يكون ممرا آمنا من العدالة إلى الاعتراف عبر وساطة السرد.

القسم الإشكالي:

كيف يحترم المرء الوعد الذي قطعه على نفسه؟ ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر لكي ينجز ما وعد ويصبح حرا وينعت بالمصداقية ؟ وإذا امتنع عنه ذلك أليس عدم الوعد أفضل من وعد لا يتحقق؟ هل يعد المرء بالكثير من أجل تحقيق القليل؟ ما وجاهة التباطؤ في قطع الوعود من أجل الحرص على الوفاء بها؟ ألا يمثل الإخلاف بالوعود رذيلة وخروج عن الأخلاق المروءة؟ ماهو العقاب المناسب للإخلاف بالوعد؟ أين يمكن تنزيل الصفح أو الغفران في هذا السياق؟ وأي قيمة للوفاء بالوعود مع الأعداء؟ أليس من البلاهة الإكثار من الوعود دون تجسيم ووفاء؟ وبأي معنى يكون من أعطى وعدا بمثابة من قيد نفسه بالالتزام به؟

لكن من يعد من؟ بماذا يعد؟ أي ماهو موضوع الوعد؟ ولماذا يقدم وعودا؟ ومن أجل ماذا؟ وماهي الوسائل التي يعتمدها؟ أي بماذا تقطع الوعود؟ وماهي التبعات الحاصلة عن الالتزام بالوعود أو عن الإخلاف بها؟ وهل النقص في الاعتراف ناتج عن التلاعب بالعدالة أم إساءة استخدام الذاكرة والتنكر للوعود المقطوعة؟ وكيف يحوز تسجيل الوعد على الحدود الرابطة بين الهوية السردية والهوية الإيتيقية على مشروعيته؟

بيد أن التحدي الأول تفرضه الصلة بين الوعد من حيث هو قيمة أخلاقية ومبدأ معياري يستخدم في تنظيم العلاقات بين الأفراد والمجموعات والهرمينوطيقا من حيث هي نظرية في تأويل النصوص المكتوبة والأقوال الشفوية الموروثة والأعمال الرمزية التي تندرج ضمن الفن والتاريخ والدين والحياة وأيضا بوصفها تجربة لغوية تهدف إلى استخلاص المعنى وفهم الحياة البشرية ومعرفة غير المعروف فيها.

التحدي الثاني يفترضه استدعاء الفلسفة السياسية بغية النظر في قيمة إيتيقية والتأكيد على فكر سياسي مختلف والتركيز على الزوج المفهومي المتكون من الاعتراف والعدالة والأول من أجل علاج الازدراء والتأكيد على الكرامة والمشاركة والثاني من أجل الحد من التفاوت والاقتراب من المساواة والإنصاف.

التحدي الثالث هو المخاطرة التي تقوم بها الفلسفة عندما تقدم وعودا وتتناول من جهة المبدأ مسألة الوعد وذلك للخطورة التي يكتسبها هذا المفهوم وما يترتب عن الإخلال به من تداعيات سلبية وتبعات مجهولة، إذ يفترض تسلسل للوعود إلى ما لا نهاية أي وعد قبل الوعد المتعهد به ووعد آخر بعده ضمن علاقة الأنا بالآخر والنحن بالهم، وهناك وعود على مستوى الأقوال تريد أن تتحول إلى أفعال ملموسة ووعود مكتوبة تنتظر التحقق بإخراجها من دائرة الافتراضي الممكن إلى دائرة الواقع المتعين، بالإضافة إلى وعود دينية مبلغة يتم التخلي عنها عبر مسارات للعلمنة والتحديث ويتم استبدالها بوعود سياسية وحقوق مدنية3[3].

فما الفرق بين الوعد بالمعنى الإيتيقي والعقد بالمعنى السياسي؟ وهل يتم التخلص من الشراكة الاقتصادية والميثاق الديني؟ وكيف يمكن الاستفادة من الانعطاف الإيتيقي في الدراسات الفلسفية في الوفاء بالوعود؟ ما قصة الوعود التي لا نجد لها أثر في الواقع؟ ألا يتنزل الوعد ضمن التلازم التداولي بين القول والفعل بحيث لما يتم التعهد قولا فإن الوفاء يكون فعلا؟ولما لا يلتزم بها من قطعها على نفسه ولا تعرف طريقها؟ ماهي الوعود التأسيسية التي تميط الهرمينوطيقا عنها اللثام باشتغالها على الموروث الديني؟ والى مدى تتعرض الفلسفة للمساءلة عندما تطرق باب الوعد؟ وماهو الخطر الذي يمثله الوعد على الساحة السياسة؟ وهل المطلوب هو سياسة خالية من الوعود أم يفترض أن تلتزم السياسي بالوفاء بالوعود التي تعهد بها؟ وبأي معنى يشيد كل من الاعتراف والعدالة (التعارف العادل) الطريق الملكي نحو مجتمع غير شمولي؟

يمكن تجاوز هذا التباين الظاهر بين المصطلحين بالانتباه إلى وجود خيط رابط رهيف بين هرمينوطيقا الذات والقدرة على الوعد وبالتفكير في المفارقة الأولى التي تدعو إلى الاحتراس من إطلاق الوعود دون تروي وبينة من القدرة على الوفاء بممارسة تأويل الوضعية ومعرفة فضاء التجربة وفهم أفق الانتظار.

الإشكالية المركزية: هل حركة الوعد التي يقطعها الإنسان على نفسه هي شكل من أشكال التمثل الذاتي للذات أم أنها استجابة للذات نفسها في المستقل واستجابة للذوات الأخرى و العلاقات المستقبلية معها؟

في هذا السياق يتنزل سؤال ما الإنسان؟ الذي طرحه كانط، في إطار بحثه عن تعريف نقدي للفلسفة الكونية، في نهاية سلسلة الأسئلة التمهيدية: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟ وما الذي يجوز لي أن آمل؟، هذه الأسئلة الثلاثة ليست وحدها القادرة على التمهيد للسؤال الحاسم ما الإنسان؟ بل يجب ألا تبقى أسئلة ثلاثة متنوعة وأن يظل الجواب مقيد بالضرورة بسلسلة من المراحل التمهيدية (المعرفة والأخلاق والدين) وإنما يمكن التركيز على السمة الحاسمة التي يتضمنها الضمير أنا je في كل واحدة من هذه اللحظات الثلاثة: أنا أعرف، أنا أفعل، أنا آمل. يتحقق كل ذلك عن طريق البناء غير المباشر والتطوري لمعنى أنا الذي تتحرك ضمنه مصادر الفلسفة الأنثربولوجية بقسميها التحليلي اللغوي والفنومينولوجي التأويلي4[4].

والحق أن "الجواب السالب للسؤال حول من أنا؟ يحيل ليس فقط إلى السلبية بل أيضا إلى عري السؤال في حد ذاته"5[5]،هنا يجب استبدال أنا بالشخصية التي تكون في صورة محايدة من أجل التعبير عن الذاتSoi نفسها التي يمكن وصفها تخيليا. لعل السؤال الفلسفي من أنا؟ (qui suis-je ? ) يفيد السؤال: من يقدر على ماذا؟ Qui peut quoi ? الذي تم طرحه في اللاحق لتعديل الأسئلة التالية: من يريد ماذا؟ (qui veut quoi ?) من يقدر على الكلام؟ من يقدر على الفعل ؟ من هي الذات التي تقدر على تحمل تبعة أفعالها بالمعنى الأخلاقي؟ ومن يقدر على الوعد؟ (qui peut promettre ?) هل من الممكن توضيح القدرة على الوعد من خلال دراسة الأسئلة التالية من حيث هي تمثل خيطا ناظما: أي نوع من الفعل يتضمنه الكلام عن فعل الوعد؟ ومن يطرح أسئلة مليئة بالوعد؟ وأي رابط يمكن أن تشييده بين الوعد وفعل قطع الوعد؟ وماذا يعني التصريح بالمسؤولية تجاه الوعود؟ والى أي مدى تتحقق المسؤولية فرديا وجمعيا؟

في هذا الإطار ينطلق الجواب الذي يضعه ريكور قيد للاختبار من فكرة الإنسان بلا صفات:l’homme sans qualités،القول بأني لا شيء ينبغي أن تحافظ على شكلها المفارق: لاشيء يعني أنه لاشيء بالفعل يمكن إضافته إلى الأنا، فمن هو الأنا عندما يقال عنه أنه لا شيء؟ انه بالتحديد ذات محرومة من نجدة الهوية mêmeté 6.[6] لقد تم المرور من أنا مَن يريد Je suis celui qui veut إلى أنا مَن يقدر Je suis celui qui peut، فالوعد إذن هو حركة أو فعل يتم استكماله بواسطة فاعلين من الناس هم الواعد والموعود والشاهد عليهما.

القسم المفهومي:

1- الوعد promesse هو الإخبار عن عمل أمر معين في المستقبل وهو من الأمور التي لا يفعلها سوى الأوفياء من الناس الذين يخلصون النية ويتخلصون من النفاق ويتحلون بالالتزام. بذلك يسمح الوعد بأن يقوم الأنا بإخبار شخص ما بأنه سيقوم بعمل ما في المستقبل من أجله، ويعتبر الوفاء بالوعد من الأخلاق الحميدة التي يجب التحلي بها. لكن الخطورة أن يكون عناد الإرادة عند تصلب الأنا هو المرض الخفي للوعد. لقد اقترن الوفاء بالوعد باحترام المواعيد واستيفاء العهود وأداء الأمانات إلى أهلها وتقدير كرامة الإنسان. من الناحية الاصطلاحية الوعد الصادق هو كلام الشرف والتواصي بالحق والتناصح بالصبر والالتزام بالتطبيق وتحمل المسؤولية. فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بتقديم الوعود والإصرار على تحقيقها وبالتالي هو قادر على تقديم الوعود والاتجاه نحو الوفاء بها ولكن عندما تذهب وعوده سدى ويفشل في الالتزام نظرا لكثرة العراقيل وتزايد الرغبات والموانع فإنه يعزف عن التصريح بالوعود لتفادي الإخلاف والوقوع في الكذب والنفاق.

2- الاعتراف reconnaissance : المحنة التي لا يمكن التعرف عليها من طرف الكل وما لا يمكن الاعتراف به épreuve de méconnaissable ،غير أن الذات القادرة على الاعتراف soi capable de reconnaissance، قد تحقق المعجزة الصغيرة في الاعتراف إذا ما كان تعيين الهويةreconnaissance-identification يغادر المعروف من الذات وقد يبلغ مستوى عال بالاعتراف بغير الذات عينا Reconnaitre soi-même comme un autre.

3- العدالة justice : التركيز على فاعل العدالة: العادل، وعلى واجب العدالة، والإنصاف هو العدالة التوزيعية7[7]، والاقتراب من فكرة دوائر العدالة عند مايكل والزر بالقول بوجود حالات متعددة تطبق فيها العدالة وفق وضعيات مخصوصة والتقليل من أهمية القواعد العامة والقوانين الكلية ومراعاة الروابط الاجتماعية والنظام الرمزية التي تتقاسمه المجموعات والمنطق الداخلي الذي تدرك به كل مجموعة انتمائها للكل8[8]. لقد كشف ريكور عن وجود علاقة قرابة بين المبدأ الثاني للعدالة عند رولز حول التوازن المعقول والقناعات الأكثر أهمية ووصية الحب والتي ساعدته بأن يجازف بإظهار الشكل المتخفي لتقديرها النفعي9[9]. كما يسعى ريكور إلى تأكيد الفعل التعاضدي للحب والعدالة وذلك بتوجيه مسار الأخلاق لا إلغائها من أجل تصحيح مسار السياسة بإعادة قاعدة العدالة ضد ميلها النفعى باستخلاص المضمون المعياري للحب واعتبار التعريفات التراثية الدينية الثلاثة : النظرة المتساوية والتضحية بالنفس والمعاملة بالمثل صورا للحب تسبق العدالة. هكذا يحاول ريكور إيجاد توازن في الحياة اليومية على الصعيد الفردي والقانوني والاجتماعي والسياسي قابل للممارسة يصل إلى حد الإدماج الثابت بين الرأفة والسخاء في القانون الجنائي وقانون العدالة الاجتماعية ولقد تحفظ على وجود نظرية تداولية للعدالة10[10]، ورأى أن تكون العدالة الوسيط الضروري للحب بينما لا يستطيع الجب أن يدخل دائرة الممارسة والأخلاق إلا تحت مظلة العدالة11[11].

 

 

 

4- الهرمينوطيقا Herméneutique :l’art de comprendre

تكمن الهرمينوطيقا في نظرية أو فن الترجمة، والتأويل: لرسالة، أو حلم، أو أعراض لأمراض، أو قانون، أو علامة، أو نص. تتطلب هذه الملكة التأويلية للنصوص نظرة ثاقبة مثل تلك التي يتم بها تأويل خريطة. دعونا نسمي هذه الملكة معنى الاستفهام في النص والتفريق بين أسئلته، أي الملكة التي تمكن الذات من تخيل وجهات نظر مغايرة لوجهة نظرها الأصلية وتتصور أسئلة أخرى مختلفة عن السؤال الخاص بها. فكر الرمز، علم التأويل، التأويلية، منهج التفسير، الفلسفة التفهمية، فن الفهم. يجمع من خلال فلسفة التأويل بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود وبين الارتياب والإقرار وبين العوالم الرمزية وعالم النصوص وبين فهم الذات والمنعرج اللغوي وبين الإبداع الدلالي والتحبيك السردي وبين حكمة التعقل ونظرية الفعل. في الواقع البحثي والمعرفي ليست الهرمينوطيقا عند ريكور هي التفسير الديني exégèses bibliques وإنما تتناول مسألة التأويل بشكل دائري بين التفسير والفهم وتهتم بالأسس والغايات التي تتضمنها النصوص والعلامات النفسية. بهذا المعنى الهرمينوطيقا في البداية اهتمت بتحليل للرموز ثم تناولت بالدرس مختلف الاستعارات وبعد ذلك عرجت على تحليل القصص التاريخي والادبي وتأويل السرديات وعلى إثر ذلك انتقلت إلى نقد الأحداث التاريخية وتعقل الأفعال البشرية والظواهر الذاكرية والتجارب السياسية.

القسم التحليلي:

الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد:

لم يبلور بول ريكور تحليلا فلسفيا مرموقا (على شاكلة الوصف الفنومينولوجي أو التجربة التأويلية) عن مبحث الوعد إلا في المؤلفات التي كتبها بعد عام 1990 زمن"عين الذات غيرا" باعث هرمينوطيقا الذات وحينما دون سيرته الفلسفية ورحلته الوجودية بأسلوب شيق ضمن كتاب "مسار اعتراف"عام 2004. صحيح أن الكتابين تناول نفس المبحث: الوعد promesse وضمن نفس ورشة الهوية الشخصية، ولكن الاختلاف كان بينا في طريقة المعالجة والسياقات والرهانات حيث جعل ريكور في الكتاب الأول مفهوم الوعد في تعارض مع الطابعcaractère وفي الكتاب الثاني وضعه وجها لوجه مع الذاكرةmémoire .

-  التحليل الأول: الوعد والطبع:

الوفاء بالوعد هي النظرية الخارقة التي أبدعها ريكور في كتاب "عين الذات غيرا" وذلك عندما حرص على ربط إثبات الإنية وتحقيق كينونة الموجود بامتلاك القدرة على الوفاء بالوعد والالتزام بتنفيذ الأقوال. وإذا كان المرء يشهد الكثير من التغيرات منذ طفولته إلى كهولته مرورا بزمن الشباب فإنه يقوم بتطوير عدد من طباعه وعاداته وأذواقه في مأكله وملبسه ويذهب إلى حدود استبدال مواقفه السياسية والأخلاقية. وقد يتاح له تغيير ملامح وجهه من خلال عمليات التجميل ويمكنه أن يغير كل شيء من ذاته إلا كيانه، إذ كيف يشتغل في هذه الظروف من اجل المحافظة على شيء معين فيه يمكنه من التمييز بين الحق والباطل؟ ومن أنا في هذا التنوع بحيث يمكن الاعتماد عليّ ؟ وكيف أكون أصون ذاتي وسط التغيرات التي أحياها؟

ما يحافظ على هوية الذات متماسكة وسليمة بالرغم من تغيرات الزمن هو إعطاء وعود عن طريق الكلام، لأن عملية التصريح بالوعد من خلال القول هو التعهد بالالتزام به في فترة لاحقة والوفاء بصورة ملموسة في المستقبل من جل الغير الذي قلت له ذلك12[12]، فالغير لا يمكنه التصرف إلا عبر الوعد الذي تعد به الذات13[13].

على الرغم من التغيرات، فإن الذات تظل قادرة على الوفاء بوعده لعدة أيام وأعوام وعلى طول حياتها وحتى في ظل غياب الغير الذي كانت قد قدمت له وعدا بالكلام من أجل الالتزام بالمبدأ وإرضاء الضمير. فالهوية لا يمكن تصورها دون أن تحرز على دوام زمني مقبول. لهذا انصبت كل مجهودات ريكور حول تحيين نموذجين من الدوام في الزمان يختص بهما شكلان من الهوية الشخصية يشار إليهما بالعينه والذاته. بطبيعة الحل الهوية العينية هي هوية تطابقية عددية تتحرك وفق نموذج الطبع بينما الهوية الذاتية هي هوية مركبة من العديد من الأبعاد وتغير جملة من المتغيرات وتجد في الوعد رمزها الإبداعي والمحرك الذي تفجر به قدراتها على الخلق والتطور والتجديد وإعادة تشكيل الذات والتوجيه نحو المستقبل وفق اختيارات سديدة.

اللافت للنظر أن مصطلح الطابع سجل حضوره منذ الكتابات الأولى بول ريكور وخاصة أطروحة فلسفة الإرادة من خلال قسميها: الإرادي واللاإرادي والإنسان الخطاء، ولقد تم تصويره في صورة معارضة لقطب آخر، إذ كان قد شكل البعد المتناهي من الشخصية وطبيعته غير المختارة وبالتالي كان قد رسم حدودا لشكل من الهوية هو تحديدا الهوية العينية وكان قد تسبب في بقاء الذات هي عينها. في هذا المقام نجده قد صرح: " هذه الجوانب المختلفة للتناهي –منظور، حب الذات المنبثق من الذات، الإدمان والقصور- تجتمع كلها في الطبع...إن الطبع هو الانفتاح المتناهي لوجودي، مأخوذا ككل."14[14] أما في كتابه "عين الذات غيرا" فإن ريكور يعيد تأويل مفهوم الطبع بما يسمح له بربطه بالاستعدادات المكتسبة والرموز الثقافية وذلك لكي يقوم بإزالة خاصية الثبات التي يتصف بها وينزع عنه الاستقرار وينسب ما يسمه من بعد كلي.

- التحليل الثاني: الوعد والذاكرة:

في القطب المقابل يوجد الوعد، ومعه أصبح بالإمكان اقتران الفعل بالقول تصديق لعبارة أوستين : أن أقول هو أن أفعل"، وبأكثر دقة: أن أعد هو أن ألتزم في الغد بانجاز ما قلت اليوم بأني سأفعله. بيد أن إمكانية الوفاء بالعهد المقطوع عند الكلام المعطى تشير إلى استمرارية في الزمان لنوع آخر من صيانة الذات حيث تظل في تجردها تصارح نفسها بالتغير والتبدل عوض أن تطابق مع الهوية العينية للأشياء. على هذا النحو يقوم ريكور بحجز مصطلح الإنية ليمنحه للهوية الذاتية التي لا تقبل أن يتم اختزالها في الهوية العينية. لكن لا يمكن اختزال مشكل الوعد في قضية صيانة الذات من خلال حفظ كيانها من التغير وإنما يتم منح هذا القول إلى آخر، أي كل قول معطى هو مقيل إلى آخر وبالتالي يحقق منفعة الآخر. إن هذه البنية الحوارية هي التي تحفظ الوعد من المخاطر التي تستهدف والتي نبه منها كل من نيتشه ودريدا.

إن الوعد بماهو التزام بالمستقبل يصلح غير المتوقع ويتفادي الطارئ والمفاجئ والمداهم ويمكن أن يصير حسابا أو برنامجا يكشف من خلالهما عن إرادة صلبة وعنيدة والوسيلة الوحيدة التي تجنبنا هذا الخطر هي قلب نظام الأولوية بين الذات الواعدة ومنفعتها. إن الالتزام تجاه الغير يسبق ويؤسس الالتزام بإتمام الفعل. من هذا المنطلق يتحرك الوعد ضمن مطلبين أساسيين: الأول هو ضمان استمرارية الإنية عبر محافظة الذات نفسها على هويتها بالاستجابة لمطالب الآخر، والثاني يشهد على انجاز الإنية عبر وساطة الغيرية. في "مسار الاعتراف" يعمل ريكور على جعل الذاكرة تساهم في بقاء الهوية العينية دون أن تتناقض مع الدور المسند في السابق إلى الطبع ولكن يشير إلى أهمية البعد الزمني للطبع والزمانية الخاصة بالوعد. إذا كان الطبع هو الموضع الذي يترسب فيه الماضي الشخصي وتحرص الذاكرة على صيانته من التلاشي فإن الوعد يهتم بمعاصرة كل مبادرة تجعل من المستقبل أمرا ممكنا وتتيح إمكانية ولادة ثانية للذات عينها.

من المعلوم أن الوعد عند ريكور يعد إلى جانب الذاكرة وبدرجة أقل الصفح أحد الأقطاب التي تعول عليها الذات من أجل أن تصل الهوية الشخصية إلى مرتبة الاعتراف بذاتها وبالتالي يمثل الوعد هنا البعد الزمني للاعتراف بالذات ويتأسس في ذات الوقت على تاريخ الحياة للذات والتزاماتها تجاه المستقبل لمدة طويلة. لكن إذا ظهر تعارض واضح للعيان بين الهوية العينية la mêmetéوالهوية الذاتية l’ipséité كيف يتم إيجاد واسطة بينهما؟ وكيف يتسنى للهوية الشخصية التي تتميز بالدوام في الزمان أن تعيد تشكيل نفسها بالاستقطاب لغيرها وبالانفتاح على العالم والتطور تحت تأثير التجارب والاستفادة من تغيرات التاريخ؟

يعهد بول ريكور إلى مفهوم الهوية السردية القيام بهذه المهمة ولكن هذا النمط من الهوية من حيث هو نمط سردي يجد في صورة الشخصية البارزة personnage الأسلوب المناسب لانجاز الذات على أحسن وجه. على خلاف مفهوم الطبع الذي تعود الأدب الكلاسيكي على تعريفه بكونه تصور الذات لنفسها وفق نموذج المماثل يقوم ريكور بتوظيف مفهوم الشخصية التي لا تتحدد بماهو كائن فيها بل بما تقوم بفعله في الحال. عندما تشترك الشخصية في الحبكة بطريقة نوعية من جهة وتنخرط في سلسة من الأسباب والنتائج بطريقة مغمورة وحاملة معها ماضي موروث وطبع معين تتفرد به فإن السرد يحوز على القدرة التي تمكنه من منحها مبادرة من أجل الشروع في القيام بسلسلة من الأحداث وانجاز أفعال من جهة أخرى. إذا كانت الذات هي التي تقوم بالفعل فإنها تغوص في نسيج يفيض عليها ويسبقها ولكن يسمح لها بأن تمزق هذا النسيج وتخرج لكي تشيد شيئا آخر، فيمثل "السرد تاريخ هذا المرور من الواحد إلى الآخر"، ويكون ليس فقط تاريخ هذا الانتقال بل الموضع الوحيد الذي جرى فيه والشرط الوحيد الذي يجعله ممكنا. إذ كيف يمكن تجميع الحياة التي تتكون من فترات متقطعة وعناصر المتعددة وتجارب مشتتة في أمر واحد سوى السرد؟ ألا يمكن للشخصية التوسط بين قطبي الدوام في الزمن لجلب حل سردي للهوية الشخصية؟ وهل يمكن التعويل على الوعد في عملية ثبت الهوية الذاتية والالتزام بالعدالة؟

تحتل ظاهرة الوعد مكانة أساسية في المشروع الفلسفي عن ريكور الساعي إلى بناء هرمينوطيقا للذات، ولقد وضعه في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان" في قرابة مع مفهوم الشهادةTémoignage أين نجده يقول:" إن الوعد قبل أن يكون وعدا هو وعد المحافظة على الكلمة وبالتالي يتفادى الوعد الذي يعد نفسه. فما الفرق بين la promesse de tenir parole و la promesse elle même promise؟

هذه هي الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد كما قدمها بول ريكور في قسم كبير من مؤلفاته، فكيف يمكن قراءة عمل فني يصف ما يحدث عندما يضع عدد من الممثلين تخيليا وسط حبكة شخصية تقطع على نفسها وعد ويكون ذلك هو فعلها الأول؟

الرهانات العملية: تقاطع الاعتراف والعدالة: في التعارف العادل بين الإنية والغيرية عن طريق الوعد. لقد بحث مؤلف الإنسان الخطاء من خلال فلسفته السياسية والقانونية عن منزلة العادل في المدينة وانتبه إلى أن أزمة المشروعية التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تجد طريقها إلى الحل والانفراج وأن المطلوب هو إعادة تثمين السياسي عن طريق الاهتمام بمسألة الحق ومحاولة التأليف بين قدرات الذوات على استهداف الخير المشترك والأخذ بعين الاعتبار الوضع الهش الذي يكون عليه الأشخاص وتعرض المؤسسات إلى إمكانية التعطيل وإيجاد تقاطعات بين التوجهين من أجل ممارسة الحكم واتخاذ القرار الذي يؤول العادل في الوضعيات الخاصة ويقوم بتوزيع ما يستحقه كل واحد حسب حكم القاضي ومطلب المواطن بما يسمح بإعادة بناء رابط اجتماعي متين في مدينة مابعد صناعية ملتهبة15[15].

لقد صاغ ماكس فيبر مجموعة وعود العالِم عبر إتقان التركيب بين التفسير والفهم في دراسة الظواهر الإنسانية بغية توخي الفردانية المنهجية التي تلازم الحياد الأكسيولوجي على الصعيد الإيتيقي وترد الكيانات الجماعية إلى إنشاءات متفرعة عن تفاعلات بشرية وتقف على تلاشي سحرية العالم وطالبة الخلاص والإنقاذ من المعقولية التاريخية التي لا تزال تمثل أداة تحرر وفعلا مقاوما للإغراء العدمي الذي تمثلته النظريات النقدية 16[16]. بيد أن حارس الوعود حسب أنطوان غربون الذي قدم له ريكور يظل متمسكا بالمؤسسات القانونية للدولة الديمقراطية من أجل مواجهة التناقض الصارخ بين أزمة الشرعية التي تقلص نفوذها على الحياة العامة وظلم العدالة التي قوننت الحياة العامة والخاصة قصوويا وارتكبت الكثير من التعسف والقسوة17[17]. لكن ما طبيعة المؤسسات العادلة؟ وكيف انتقل ريكور من مفهوم العدالة إلى معنى العدالة؟

تدبير المؤسسات العادلة:

"لا يقلل معنى العدالة أي شيء من الاهتمام. انه يفترضه الى درجة أنه يتمسك بالأشخاص الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. من ناحية أخرى، تضيف العدالة الى الاهتمام بقدر ما يكون حقل تطبيق المساواة هو الإنسانية جمعاء"18[18]

لقد تحدث فلاسفة السياسة عن الدولة المدنية وعن عقل الدولة الكلي في مقابل عقول الأفراد الجزئية وعن العدالة ولكنهم لم يولوا عناية كبيرة ما عدى قلة منهم بمسألة المجتمع المدني وعن مؤسساته وبالخصوص الأسرة والشغل والشرطة ونظام الحاجات ودورها التوسطي الضروري للمرور من جزئية الفردي الى كلية الدولة من زاوية تحقيق المنفعة الاجتماعية والاقتصادية19[19]. بهذا المعنى يعتبر بول ريكور فيلسوف الإيتيقا التي تقدم وعدا للمواطنين بأن يعيشوا في حياة جيدة ومستكملة مع الغير أو الآخر في المؤسسات العادلة وأن تتوزع العدالة السياسية على مجموعة من الدوائر ولكنه أضاف جملة من الملاحظات النقدية حول صفات العادل والعلاقة بين الرئيس والفيلسوف وقام بالتمييز الإجرائي بين خصائص المؤسسات العادلة والمبادئ المعتمدة والتطبيقات الممكنة20[20].

لقد ركز ريكور على دور المؤسسات في استهداف العدالة وبحث عن استمراريتها في أداء دورها ومحافظتها على اشتغالها الناجع وآدائها لوظيفيتها وفرق بين الجيد والعادل ووضع بين الحياة الجيدة والمؤسسات العادلة وسيطا ضروريا هو الحياة المشتركة للذات مع الآخرين ومن أجلهم.

لكن ماهي العلاقة بين النظرية والممارسة أثناء تطبيق القوانين المنظمة من طرف المؤسسات لكي تكون عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وألا يجب أن تخضع الممؤسسات للحوكمة الجيدة؟

يقوم ريكور بوضع الحدود التي تتوقف عندها التصورات الإجرائية21[21] لدولة الحق أين يتم تثبيت المعضلات التي تعاني منها الديمقراطية ويحاول تنظيم المواجهات بين التصورات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضن المؤسسات دون أن يبلغ حلا نهائيا حولها. من المعلوم أن البديل المقترح من طرف بول ريكور عن التصور الإجرائي هو التجاوز النوعي من خلال اليوتوبيا ضمن الاطار الديمقراطي للعادل المفهوم كمساواة دون التخلي عن الكفاح من أجلها. ماذا ينبغي أن يفعل الكائن البشري لكي يعيش حياة جيدة؟ وماذا يجب أن يستهدف لكي يحيا جيدا؟

في الواقع من يريد من السياسي العادل أن يبلور له حياة جيدة ينبغي أن يعيش في مؤسسات عادلة وأجهزة ناجعة وأن يكون إنسانا قادرا على الكلام والفعل والوعد والاختيار والمبادرة وعلى العزوية ويجب أن يحرص على تقدير الذات واحترام المؤسسات وأن يعمل على دوام هذه المؤسسات. كما تتمحور السياسة العادلة عند ريكور حول دائرة الاهتمام بالغير والعناية به ومواساته والاشتياق إليه والتعاطف معه والتأثر به والتواصل معه ومؤازرته عند الضرورة وتقديم العون له عند الحاجة والارتباط به ومع غيره في علاقات شائكة ومعقدة في الحياة الاجتماعية من الولادة إلى الوفاة والتحول إلى رهينة الآخر ومتقبل سلبي أمام حضور الغير دون امتلاك أي قدرة ايجابية. بطبيعة الحال لا يقدر الإنسان أن يعيش حياة جيدة وهو في حالة عزلة ومنطوي على ذاته ولا تجمعه علاقات مع غيره ولا ينتمي إلى جماعة تاريخية ولا يشكل جزاء من البنيات الاجتماعي للعيش المشترك. من هذا المنطلق تساعد الإيتيقا من خلال مجموعة من القواعد الذهبية الكائن الإنساني على التمتع بالحياة الجيدة والمستكملة وذلك باستهداف معنى العدالة وعدم الاكتفاء بمفهومها النظري وشكلها القانوني وبمحبة الخير للغير على نفس منوال محبة الخير للذات والتضامن معه ومساندته عند الشدائد. على هذا الأساس تقف المؤسسة السياسية على نفس المسافة الفاصلة بين الأنا والآخر وتتميز بالحياد والموقف المتوازن من القوى المتصارعة وتتعامل بالتعاطف والمحبة والشفقة والتآزر. إذا كانت فكرة العدالة تفور الإطار القانوني لاحترام الغير من حيث هو مواطن فإن معنى العدالة يمنح الأرضية الإيتيقية للرأفة بالغير من حيث هو شريك والإحسان إليه من حيث هو صديق. بعد ذلك ينتقل ريكور بحذر شديد من سياسة المواجهة والتناظر بين الأنا والآخر في الفضاء المدني إلى سياسة التكامل والتآزر بين المتجاورين في نفس المجال المدني والمتقاسمين لنفس الفضاء العمومي22[22].

بعد ذلك يعود الى نقد هيجل لكانط في فكرة لااجتماعية الاجتماعي ويعتبر الفعل الأخلاقي بين الأشخاص دون عالم وبلا مجتمع فارغا وغير ناجع ويقوم بتثمين فكرة الأخلاق الاجتماعية23[23] وما تتوفر عليه من شيم ومكارم وأعراف وتقاليد تنظم العلاقات بين الأفراد في الجماعة التاريخية ويعتبر عالم الأنفس الطيبة هو عالم الإرادة الحسنة التي تريد فعل الخير المجرد ولكن ذلك الخير الفاقد للطابع الكلي وبالتالي يقوم الإنسان بفعل الخير دون أن يتمكن البتة من بلوغه بشكل متعين. لقد أرجع هيجل الأخلاق الى المجتمع ضمن علاقة الفرد مع غيره من الأفراد ومن أجل الآخرين في مجتمع مليء بالرغبات والممارسات والشيم العينية وفي عالم تنظمه جملة مؤسسات سياسية اجتماعية أين تتجسد الأفعال وتتخطى عتبة الجزئي والخاص والعيني لكل تعانق الكلي والكوني. لقد راهن ريكور على دور دولة الحق في بناء مؤسسات عادلة وشركات خاصة تشتغل في الإدارة والخدمات وتنظم الجوانب العمومية على غرار مؤسسات التعليم والصحة والقضاء. لقد ساند ريكور هيجل في تعويضه المبدأ الأخلاقي بالأخلاق الاجتماعية ولكنه تساءل عن عدم قدرتها على منع صعود النازية وكشف عن قوة الأخلاقية في المقاومة وتكنها من تأسيس فكرة معينة عن الإنسان العادل خارج إطار النسق السياسي الشمولي الذي اقترن مع الكارثة النازية. إذا كان هيجل يحيل العدالة إلى المجتمع فإن ريكور يفضل إحالتها إلى المؤسسات الشرعية من حيث هي شبكة تنبض بالحياة والفعل ومجال نشاط الفرد الإنساني من حيث هو ذات قادرة على بناء علاقات مع الأشخاص لا على قاعدة المحبة والصداقة حيث يغيب التبادل وتحضر الهدية وانما على قاعدة التوزيع المتوازن والتكامل الحقيقي حيث تتشكل صورة كل واحد ليس بوصفه أي كان وانما من حيث هو الشريك في النسق التوزيعي والذي يكون المستلم للقسمة العادلة24[24]. هل يمكن تأسيس مؤسسات عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة في دولة انطلقت في البناء الديمقراطي؟

تزايدت الشكوك حول علاقة المؤسسات الدستورية والسياسية بالعدالة وظهرت نزعة ريبية إزاء صوابية المؤسسات وفقدت الثقة في بلوغ دولة ديمقراطية قد تبتعد عن القانون وتقع في العنف. في هذا الصدد يفسر بول ريكور الهشاشة الكبيرة التي تتصف بها العلاقة البيذاتية وصعوبة تشييد حياة جيدة مع الآخرين ومن أجلهم بالتنبيه إلى عوامل كثيرة وأسباب عديدة على غرار طغيان النزعة الفردية وفقدان النزعة الاجتماعية وتزايد أشكال الانقسام والتنازع وتراجع التعاونية والقدرة على التفاهم. لقد أثر التعقيد الذي يتصف به المجتمع المعاصر على شروط التواصل وفرص الحوار وإمكانية إيجاد نقاط ارتكاز مشتركة وابرام تسويات بين المواطنين ودفع المستقبل إلى طرح أسئلة شائكة على المهمشين وتحميلهم مهام عويصة ليست من مشمولاتها وبالرغم من إقصائهم قواعد اللعبة. لقد أيد ريكور فكرة المجتمع الذي يتكون من ثقافات متعددة التي نادى بها تايلور ونقد النزعة الكونية المجردة عند هابرماس ورولز التي لا تعرف سوى بالمواطن الذي يقدم الحجج وليس الناس الذين يعيشون حياة طبيعية ووينتمون الى جماعات تاريخية ولهم عادات وتراث رمزي25[25]. غني عن البيان أنه يتعذر بناء مؤسسات عادلة لا تراعي الثراء الذي تتصف به الهوية الثقافية للأفراد على مستوى المضمون والقناعات الدينية والممارسات الاجتماعية التي يقوم بها المواطنين بصورة عادية. كما يقر ريكور بوجود مشكلة فيما يخص الكلي المجرد الذي يزعم إمكانية إلغاء جميع الفوارق بين الهويات وكل الاختلافات القائمة بين الجماعات ويتفطن الى كون التمفصل الفعلي ليس بين الكلي والجزئي بل بين الكلي المجرد والتاريخي ويبرز بصورة لافتة في التعارضات السياسية والاثنية. لقد جعل من قضية الهوية ومبدأ الاختلاف في مواجهة النزعة الكونية ودفع بالنقاش المواطني والجدل العمومي والانخراط في أفعال تواصلية في اتجاه بلورة رؤى متعددة حول المعايير والقيم التي تحدد دوائر الانتماء إلى الجماعة التاريخية26[26].

يطرح بعد ذلك معضلة الأولوية بين العادل27[27] والجيد28[28] وينتصر للعادل على حساب الجيد لأن الكائن البشري يمكنه معرفة العادل وتعريفه بسهولة أكثر من الجيد لأنه لا يتوقف على المساواة. على هذا الأساس يفرق بين توجهين حول مفهوم العادل:

-  التوجه الآدابي الذي فتحه كانط من خلال قاعدة الأمر القطعي التالي: افعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر ليس كوسيلة وإنما دائما أيضا كغاية في ذاتها.

-  التوجه الغائي الذي دشنه أرسطو من خلال توجيه الفعل البشري نحو الاكتمال والإتمام والذي اقترن في التفكير الأخلاقي المشترك بتحصيل السعادة من حيث هي فكرة قريبة.

إن قوة التوجه الآدابي تكمن في كليته وطابع المجرد وتنزهه عن المنفعة والراهنية التاريخية أما قوة التوجه الغائي فهي ترتكز على فكرة المعنى التي تتعلق بالوعد بالسعادة الذي يسبق السلوك29[29].

إذا كانت العدالة من حيث المبدأ هي إعطاء كل ذي حق حقه فإن غياب التوافق حول دلالة صفة الجيد بالنسبة للسلوك يؤدي إلى رفض التكافؤ بين مبدأ العدالة من حيث هي مساواة وتجربة الجيد مثلما وقع الابتعاد عن المماثلة بين مثال الخير عند أفلاطون والخير الإنساني كماهو عند أرسطو. على هذا الأساس يشير ريكور إلى القوة الدائمة والمقنعة التي تتصف بها علاقة العدالة والمساواة ويعتبر المساواة قيمة توجيهية في حياة المؤسسات بينما تعتبر الصداقة قيمة تضبط العلاقات بين الأشخاص الى جانب الشفقة والرأفة وحسن المجاورة والكرم وحسن الضيافة والجود والتآزر. لكنه يتساءل عن الأسباب التي جعلت المساواة تتحول إلى معيار رئيسي في كل المؤسسات في المجتمعات الديمقراطية ويقوم باستعادة أرسطو الذي عدها قابلة للقياس الكمي وليست سديمية. فإذا كانت الحياة الجيدة هي غاية العدالة وإذا كان مبدأ العادل الذي يطمح إليه الإنسان متماهي مع المساواة فإن هذه القيمة لا تضمن من جهة صعوبة التطبيق للناس بلوغ حياة جيدة بنفس الكيفية. إن المشكلة لا تكمن في السعادة من حيث هي هدف من الحياة وإنما تتعلق بالتبعات الضرورية التي تنتج عن هذه الحياة وبالمعيار الذي يحدد السعادة والذي يتراوح بين الإفراط في الذهاب إلى حد أبعد من تساوي الظروف دون توفر ضمانات ودون العمل على إزالة الفوارق وأشكال التمييز ودون التفكير في طريقة جيدة يمكن اعتمادها بغية التوزيع المرضي والمقبول للخيرات والفوائد. بناء على ذلك لا تفضي العدالة من حيث هي مساواة إلى الحياة الجيدة ولا إلى السعادة كخير وإنما قد يتعرض المرء عند مقابلته للآخر لألام التفاوت والظلم والمس من الكرامة والحط من القيمة وحتى عندما يتم الحكم لفائدة الضحايا وتنصفهم العدالة فإن آلامهم ومعاناتهم لم تمحى تماما30[30].

بطبيعة الحال يعتقد ريكور أن بناء دولة الحق يجعل التعايش ممكنا بين أفراد وجماعات تبدو جملة رغباتهم ومصالحهم متعارضة ولكنه يعترف ببقاء شرائح عديدة وكثيرة من المجتمع مهمشة ومقصية. لهذا يرفض الحديث عن رغبة الحياة المشتركة بين المواطنين في ظل غياب التوافق حول الخير في مجتمع تعددي وإجماع حول الحقوق المتساوية بين الأفراد المتزاحمة والمجموعات المتنوعة التي يمكن أن تخوض حروبا من أجل نيل حقوقها وتحول التنافس والتزاحم إلى تنازع وتصادم31[31].

الحل الأنثربولوجي الذي يقترحه للحد من هذه الغيرة الاجتماعية بين القوى المتصارعة هي المصاهرة ضمن علاقات القرابة من حيث هي تبادل رمزي تحكمه منظومة تقوم على المساواة وتسعى لكي تردم هذه القطيعة الأنثربوجية وتقلل من الخسائر والأضرار وتجعل من كل حرية مكتسبة طريقا نحو التقدم.

لكن هل يمكن اعتبار التباين حول العادل والجيد هو تباين عرضي وعابر أم عميق وأساسي؟

يحاول بول ريكور الخروج من هذه الورطة من خلال تفكيره في عبور التباين وتخطي الثنائية وذلك بالرجوع إلى مسألة الإنسان القادر على تجاوز الإقصاء والازدراء وتفادي التمييز والكف عن الانطواء والبحث عن المشترك وصنع التوافق وتدار النقص في المناصرة والمآزرة وتكثيف التعاون وذلك بالتعويل على المؤسسات التي تسعى باستمرار نحو معنى العدالة وتطوير المساواة غير الكافية32[32].

لكن ماذا يجدر فعله تأويليا في المؤسسات العادلة مع مساواة تكون ضرورية وغير كافية؟

يستنجد ريكور بالإيتيقا ويضع المحبة في المكان الذي كانت تحتله المساواة عند محاولته تأسيس العدالة ويؤكد على أن المحبة يمكن أن تستعيد المساواة حيث لا تكون موجودة ولا معطاة بل إنها تعمل على إذابة التوتر الذي كان قائما بين العادل والجيد من جهة المبدأ وتعتمد على منطق الوفرة المفرطة والزيادة عن الحاجة والجود والعطاء المبنى على الإيثار ونكران وتفضيل الغير وحب العدو بدل منطق التكافؤ الشكلي والتساوي الذي يفترض تبادل شيئين لهما نفس القيمة. فإذا كانت المحبة متفوقة على العدالة من جميع الجوانب فلأن العادل يحدث تعارضا بين المشروع والجيد من ناحية ويظل في حالة تعارض مع الجيد لما يفضل المحبة اللامتناهية من ناحية أخرى. لقد رجح ريكور خيار القاعدة الذهبية التي تربط بين المحبة والعدالة على الأوامر التي تدعو إلى تجنب الذات الفعل بالغير كل ما ترفض أن تفعله بنفسها على غرار الكذب والظلم والسرقة والقتل وعَوَّلَ على صياغة المقصد الإيتيقي وذلك بمنح الحصة الضامنة معه الحياة الجيدة ومن أجله33[33]. فإذا كانت المؤسسات العادلة تشهد توترا غير قابل للحل بين العادل والجيد فإن الاستنجاد بوجهة نظر المقصد الإيتيقي ومقارنة العدالة بالمحبة قد يساعد العادل على التخلص من البعد الماهي والاقتراب من الجيد ليس بالمعنى المطلق وإنما في مستواه التاريخي وضمن الوجود الإنساني.

البرنامج الذي يمكن أن تبلوره المؤسسات العلمانية الجمهورية التي تستهدف الوجود العادل هي الجمع بين العدالة والمحبة لكي تحصل على الجيد بحق وتستعيد المساواة حيث كانت غير معطاة. لكن ماهي الوسائل التي تمكن من زيادة قدرة المؤسسات العادلة على جعل الحياة الإنسانية جيدة؟

يصرح ريكور:" إن الدمج بثبات، خطوة بخطوة وبدرجة إضافية الشفقة والكرم في قواعدنا - القاعدة الجنائية وقاعدة العدالة الاجتماعية - مهمة معقولة للغاية، وإن كانت صعبة ولا تنتهي"34[34]. من هذا المنطلق ليست التيولوجيا بل الفلسفة هي التي يجب أن تميز الخلاف السري بين منطق الإفراط في الوفرة الذي تتحرك ضمنه المحبة ومنطق التكافؤ والتعادل التي تحتكم إليه العدالة المنصفة. يؤكد الشارح أوليفي آبل هذا الاقتران بين المحبة والعدالة ضمن كتابه الوعد والقاعدة الذي اشتغل فيه على إشكالية التعارض بين الشرعي والجيد وطالب فيه بالاستنجاد بالمحبة اللامتناهية بغية إصلاح المساوئ التي تقع فيها قاعدة العدالة عند حرصها على تطبيق المساواة أمام القانون35[35]. إن الفلسفة التي تدور حول الحق هي القادرة على المجاهرة بقولها من أجل الإنسان القادر ورفض أن تكون المشاركة مقتصرة على الحياة الفردية الجيدة التي يرغب فيها معظم الأنانيين أصحاب المآرب الضيقة وإنما واجب التواجد مع كامل الحقوق في المؤسسات العادلة مهما كان نوعها36[36]. لكن إلى أي مدى يتوقف بناء المؤسسات العادلة على اتخاذ قرارات صائبة من طرف المواطنين؟

القرار السياسي الصائب:

" قابلت بول ريكور، الذي أعاد تربيتي في الحقل الفلسفي"37[37]

لقيت الأفكار السياسية لبول ريكور الترحيب والقبول من جهة الخطاب الرسمي ومن جهة النضال الاجتماعي والحقوقي وخاصة بحثه المتواصل على الحياة الجيدة والديمقراطية التشاركية ودفاعه على التعددية واعتماده على الوساطات بغية إبرام المصالحات وإرادة العيش المشترك. لقد عثر عمونيال ماكرون لدى أستاذه ريكور على ثلاثة أفكار أساسية يمكن اعتمادها في الحقل السياسي: الفكرة الأولى هي جميع أشكال التمثيل والتمثيلية في السياسي، الفكرة الثانية تتعلق بموضوع العنف والشر في السياسي وشروط التقليل منهما، أما الفكرة الثالثة فهي التي تجعل منه واحدا من أهم الفلاسفة في أوروبا الذين دعوا إلى التعقلية من خلال التروي والمداولة والتدبير وضرورة الاحتكام إلى التعقل قبل الشروع في بناء فعل سياسي غير سديد وغير موزون38[38]. في هذا السياق يبحث ريكور في خصائص الحكم السياسي العادل ويقارنه بالحكم المعرفي والحكم الأخلاقي والحكم الجمالي ولكنه يزيد عن ذلك بتوقفه عند امتلاك السياسي القدرة على اتخاذ التدبير المناسب والقرار السديد بالتعقل والحيطة والحذر واضطلاعه بمسؤولية تدبير القرار السياسي الصائب وتحمل تبعاته. والحق أن أول شروط امتلاك القرار هو احترام إنسانية الإنسان الآخر ومنحه التقدير التام وربط العدالة بتقبل آخرية الآخر والذهاب إلى ابعد من علاقة التناظر معه ومواجهته والدخول في علاقة تعاون وتضمان تنبني على المحبة والصداقة والشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاهه ومؤازرته. فهل ينظر بول ريكور للسياسة الطبية وينادي بأن يكون القرار السياسي على غرار القرار الطبي؟

من المعلوم أن السياسة العادلة عند ريكور هي تلك التي تصدر قرارات صائبة وتحرص على الاهتمام بالمؤسسات العمومية وتحسن حوكمتها وتخلص المواطنين من المعاناة والآلام وتعالجهم من الأمراض وتقيهم من الأوبئة والآفات الاجتماعية كالعوز والحاجة والفقر والحرمان والكبت. كما تعمل على ردم الهوة الفاصلة بين المطالبة بالحريات الفردية اللامحدودة وتحقيق المنفعة الفردية والسلامة الشخصية والمحصول الربحي المقبول من جهة والمحافظة على المساواة في التوزيع العمومي للعلاج وإرساء قاعدة التضامن في منظومة الصحة العمومية من جهة ثانية39[39]. مثلما يكون الطبيب على ذمة المرضى ويضع جميع معارفه وخبراته تحت تصرف المؤسسات الصحية العمومية ويتحمل ميسؤولية الكاملة في تشخيص الأمراض والقيام بعلاجهم وإيقاف الآلام والتوجيه نحو الأدوية الضرورية للتخلص من المعاناة والعذاب يعمد السياسي الحاذق أيضا الى التعقل الحذر والروية الكافية إلى اختيار وسائل ناجعة وقرارات صائبة للخروج بالمجتمع من الأزمة ويعالج الملفات العالقة بالحكمة الضرورية والإصلاحات الجذرية ويقوم بفض النزاعات بالطرق السلمية ويخلق حوله مناخا من التأييد الشعبي والقبول الطوعي بغية بلورة تنمية ناجعة. والحق أن الكفاءة الفردية لوحدها قد لا تكون كافية لكي يتم إصدار قرار سياسي مناسب وموفق وإنما يجب أن يصدر القرار عن المؤسسة السياسية العادلة بعد أن يتم عرضه ومناقشته بشكل ديمقراطي حر داخل هيئات دستورية وأن يكون نابعا من تفاهم المتفاوضين والتزامهم المبدئي به. ربما الأشياء التي تحدث داخل المؤسسات السياسية وتمنعها من إصدار قرارات جيدة وحكيمة هو التنازع بين المحبة ازاء الواحد والعدالة إزاء الكل، أي التوتر بين المصالح الشخصية والفئوية والالتزام ببلوغ المصالح المشتركة والجماعية والذي يفضي إلى قرارات جائرة وحوكمة فاسدة أو سوء حوكمة40[40]. على ماذا تقوم السياسات العمومية؟ هل على خدمة قلة من الأفراد أم على مصلحة الجميع؟

يُعَوِّل ريكور بالأساس على وساطة المؤسسات العادلة التي تقدر على مساعدة المواطنين على بلوغ الحياة الجيدة في بيئة اجتماعية تجمع بين المحبة والعدالة وبين التساكن والتعاون والتكامل. بيد أنه يشترط الابتعاد عن منطق الإكراه والضغط والإقصاء والتمييز والاحتكار الفردي والفئوي في تشييد المؤسسات وعمله وذلك للتبعات الوخيمة والمخلفات السلبية التي تترب عنه وخاصة التنازع والافتراق والتعطيل وفي مقابل ذلك يدعو إلى الالتزام بالحكمة العملية والحوار العقلاني والحوكمة السديدة وتوجيه القرار نحو رؤية إيتيقية منفتحة وربطه بالموقف النزيه واللاّمتحيز. غاية المراد حسب ريكور هو توفير ثلاثة شروط بغية ميلاد حوكمة حسنة وخالية من الفساد والأخطاء ولكي ترى قرارات سياسية صائبة النور وتلامس أرض الواقع ومرحلة التنفيذ:

 الشرط الأول هو توفر مؤسسات عادلة، الشرط الثاني هو توفر مقررين أكفاء وعادلين، الشرط الثالث هو أن تسمح المؤسسات للمقررين المكلفين بأن يقوموا بمهامهم على أحسن وجه وأن توفر لهم الإمكانيات والدعم اللازم والإحاطة الممكنة ليتجاوزوا مرحلة التنظير نحو مرحلة التطبيق41[41]. بهذا المعنى يكون القرار صائبا حسب ريكور إذا ما كان التأسيس صلبا ومستندا على قواعد متينة وركائز وجيهة في مستوى المؤسسات والأشخاص وإذا ما جرت علاقة انسيابية وتفهمية بينهما.

يعود ريكور الى مفهوم عناصر التميز42[42] عند ماكنتاير التي تساعد الفاعل السياسي في التغلب على الفشل والتعثر وتمنحه القدرة على الفعل والإضافة والنجاح ولكنه يصفها بأنها خاصيات محايثة للممارسة43[43] ويقترح حيازته على مبادئ عامة في القانون وإتباعه لتوصيات في الممارسة الحسنة وذلك بالحرص على تشجيع الاستثمارات الاقتصادية المسؤولة وتقوية برامج التنمية المنصفة بما يضمن التقسيم العادل للثروة والسلطة والمعرفة والصحة وما يبقي على استمرارية الخير العام. كما يرتبط القرار السياسي الصائب بحسن التصرف في الموارد والأوقات والثروات والمواقف الصعبة ويشترط التوفيق في اختيار الأولويات باعتماد سياسة التروي وأسلوب المداولة ورصد الاعتمادات المالية للاستجابة لمجموعة المطالب الاستعجالية ولجملة الاحتياجات الضاغطة44[44]. هكذا يتحول السياسي الى حكم محايد في لعبة الطلبات المتنافسة في وضعيات اجتماعية معقدة ضمن ظروف سياسية صعبة ويعمل على تحديد سلم الأولويات في نسق الحاجات الضاغطة بالنسبة إلى المجتمع ويضبط الزمن المناسب للرد على مختلف الطلبات وفق جدول زمني واضح. بهذا المعنى تتحرك نظرية القرار الصائب ضمن سياسات الاعتراف بالغير ولعبة الممكنات في المسارات التقريرية المتبعة في مداولات الفاعلين وتترك فرص للمراجعة والتعديل وفق نظام الأوليات. كما يمكن للقرار السياسي أن يستأنس بالحكم الأخلاقي شريطة أن لا يتعدى الخطوط التي تقسم بين المسموح به والمدافع عنه في المناطق المعتدلة التي تقاوم كل نزعات التطرف والغلو والتفويت. والحق أن القرار الصائب حول تحديد الحق في الوضعيات المعقدة التي تشهد جملة من الاحراجات الحادة والمضيقات هو عدم تجاوز الحدود الفاصلة بين المسموح به والمحظور بعد ضبطها بدقة بالغة وتفادي المخاطرة وكل أشكال المقامرة والمساومة والمغامرة التي لا يمكن تقدير نتائجها بالعقل. لعل الرهان الذي يجب الحرص عليه يتكون من قسمين: الأول هو وضع قواعد مضبوطة بدقة ويكون الغرض منها توجيه الفاعل أثناء الاختيار نحو الأحسن، أما القسم الثاني فيتمثل في وضع قواعد إجرائية جيدة تحرص على التركيز والحوكمة وتستهدف إصدار قرارات سياسية عادلة وصائبة45[45]. هكذا ينبني القانون الذي يتم التوصل اليه بخصوص الهدف من الحياة أساسا على القواعد العميقة والقواعد الإجرائية في ذات الوقت ويقتضي وجود أصحاب قرار صائب وتوفر أكفاء عادلين في التقرير يقدروا على تحمل مسؤولية الحكم واحترام الأشخاص وحراسة الوعود والوفاء بالمواثيق.فكيف يمثل فن القيام بالتسويات وصناعة التفاهم المستعصي هو العملية الإجرائية الممكنة للحوكمة الجيدة؟

خاتمة:

" يبدو لي الخطر، في هذه الأيام، أكبر بكثير من تجاهل تقاطع الأخلاق والسياسة على الخلط بينهما"46[46]

يعد ريكور فيلسوف المؤسسات العادلة وحكيم القرار الصائب ولكنه يضطر الى الاشتغال على الزوج المفهومي للمحبة والعدالة بين أن اصطدم بالاحراجات والصعوبات التي يثيرها الزوج المفهومي للعدالة والصداقة وتعذر منح كل واحد الحصة المستحقة واستحالة العدالة كمساواة47[47]. في المجمل لا يكمن الإشكال في استهداف حياة جيدة ولا في الوجود مع الآخرين ضمن الإطار القانوني والاجتماعي ولا في الإحساس بمشاكلهم ومعايشة قضاياهم والتآزر معهم والتضحية في سبيلهم بل في تشييد مؤسسات عادلة تفعل قيمة المواطنة وتؤسس لتشاركية حقيقية معهم وتمنحهم حقوقهم بالتساوي وتشركهم في الحياة العمومية وإصدار القوانين المناسبة للمصلحة المشتركة. كما يمكن حسب ريكور بلورة جملة من القدرات الأساسية من تلاقي الفطري والمكتسب وتكون القاعدة الصلبة للإنسانية وتؤشر الهوية الشخصية بواسطة زمانية تكوينية على أن الشخص يصنع تاريخه الذي يعيشه. فالإنسان قادر على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد وعلى الانتساب لأفعالهimputabilité وعلى الوعد. وبهذا تقر الذات بقدرتها على الشهادة بأنها ذات مسؤولية وليست محايدة على الصعيد الأخلاقي والسياسي. إذا كانت العزوية هي قدرة أخلاقية صريحة تتيح للفاعل البشري التمسك بكونه الفاعل الحقيقي لأفعاله مهما كانت القوى العضوية والفيزيائية التي تعارضه أو تساعده وبذلك تسمح له بتحمل تبعات هذه الأفعال فإن الوعد هو ممكن على هذه القاعدة الأساسية التي تجعل الذات ملتزمة على صعيد القول على القيام بالفعل الذي تعهدت به في المستقبل ويحرص الوعد بذلك على الحد من الطابع المباغت الذي يصطبغ به المستقبل وخطر الخيانة والإخلال ويمكن أن تستمر الذات في وعدها بأن تقدم وعودا حول الوفاء بالوعود. في هذا السياق يجب التذكير بأن كل قدرة على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد تناظرها أنماط من الهشاشة والعجز واللاقدرة incapacité هي العطوبية ولذلك يميز ريكور بين العزو والعزوية . العزوimputation هو حكم يحمل على شخص من حيث هو القائم بفعل قابل بأن يكون معيرا أخلاقيا على أنه حسن أو قبيح .أما فكرة العزوية imputabilitéفهي أكثر جذرية لأنه تعبر عن قدرة الفاعل على الخضوع إلى حكم العزو وتحميله بالتالي تبعة أفعاله وذلك لكونه المسؤول الفعلي عن إتمام هذه الأفعال. بعد ذلك يبحث ريكور عن القدرة في جعل الذات تنتمي إلى نظام رمزي عال أي القدرة على الاعتراف بالحاجة إلى التعاون مع المجموعة التي تتقاسم معه وتتشارك نفس النظام الرمزي واعترافهم به وكذلك القدرة على تنزيل أفعاله وفق قاعدة العدالة وما يترتب عن ذلك من القدرة على الاعتراف المتبادل. إن هذه القدرات الأساسية التي يسعى الكائن البشري إلى التعبير عليها وحيازتها وتجسيمها في الواقع والتي تتعلق بالكلام والفعل والسرد والعزو لا تتضمن طلبا من الغير بالاعتراف به أو العكس، غير أن القدرة على الوعد تستدعي شاهدا يكون مقررا ويقوم باستقبال هذا الوعد وتوثيقه وتسجيله ومتابعة تنفيذه وإتمامه. لكن بالرغم من أن الوعد يسعى إلى فعل الخير للغير من حيث هو غائية إلا أن ذلك لا يتم إلا بالابتعاد عن الانتقام وتجنب الإيذاء وإحداث الضرر واقتراف الشر تجاه الغير من جهة الوعيد والتهديد والتحرش. كما إن وجود الغير ضروري للحديث عن المضمون الإيتيقي للوعد وعن الاعتراف بالمعنى القوي للكلمة في ظل اشتراط التشارك والتكامل عبر تخليص الرابط الاجتماعي من الاحتقار والازدراء وهضم الحقوق. بيد أن طلب الاعتراف ليس مجرد رغبة قابلة التحقيق من خلال الوجود الاجتماعي والقانوني والسياسي وإنما يقترن بالصراع ومواجهة العنف المسلط من المؤسسات والكفاح ضد أشكال اللاّعدالة والظلم والتمييز والسعي إلى تقدير القيمة الشخصية ضمن مجتمع عادل يحقق حياة جيدة ويتم فيه تبادل للإعتراف بين الذوات وبين الشخصيات وبين الثقافات وتقل مظاهر الفوارق وأشكال التفاوت وتتدعم في جسور التجاور وتجارب التقارب48[48]. في خاتمة المطاف يتحرك الوعد في السياسة العادلة ضمن دائر خير السلم المدني ويبتعد عن شر الحرب المدمرة ويجعل من التعاقد بين المتنافسين سدا يحول دون الوقوع في مستنقع العنف وشراك اللاتسامح ويستند على قواعد الحجاج من أجل الحصول على القناعات الأكثر وزنا ودقة في فن التسويغ. فإذا كانت المؤسسات السياسية ظالمة فإنها تسعى إلى قطع العلاقات بين الأشخاص وزرع الخوف والكذب والحزن والشر بشكل منهجي ووفق برمجة وتخطيط ويفقد الناس ثقتهم في قول أصدقائهم واذا صارت المؤسسات السياسية عادلة فإنها تزرع الرأفة والمحبة والمودة والبر بين الأشخاص وتقوى درجة الثقة وحسن المجاورة وتراهن على النزاهة والصراحة والشفافية وتبادل الاحترام لتشكيل فضاء مواطني تعددي ومفتوح يقوم على تحمل المسؤولية والمشاركة والمصلحة العامة. مجمل القول أن مطلب معرفة الإنساني في الإنسان يتوقف على الاعتراف من الإنسان بالإنسان، ولكنه لا يتم الاعتراف به بصورة كونية وبالانتماء إلى العائلة البشرية إلا عندما ينتفي الصراع ويتوطد السلم بشكل دائم ويعم الأمان والحماية لكل فرد ضمن كل مجموعة ويتشكل الرابط الاجتماعي وفق قاعدة الحلم وتتغلب الصداقة السياسية49[49] على مجتمع المواطنين. بأي معنى يمكن تنزيل الفعل السياسي عند عمونيل ماكرون في الفلسفة السياسية لبول ريكور وخاصة علاقة السياسي بالفيلسوف احراجات الذاكرة وطلب الصفح ومفارقات السياسي وجدلية الإيديولوجيا واليوتوبيا؟50[50] وهل تتماشي السرعة في اتخاذ القرار مع الزمن الطويل الذي تستغرقه النقاشات العمومية بين القوى السياسية المتنافسة؟وماهو المنوال التنموي الناجع للخروج من الأزمة؟ فهل يحقق اعتماد الصداقة والمحبة الاعتراف الذي وعد به الإنسان غيره في ظل استعصاء العدالة المنصفة والتعارف العادل؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

..............................

الاحالات والهوامش:

[1] Voir Ricœur (Paul), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990. réédition Points essais, Paris, 2015 ,

[2] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017, pp47-48.

 [3] Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

[4] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013. p306.

[5] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p375.

[6] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p374.

[7] Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Fevrier, 1988.

Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

[8] Paul Ricœur, le juste1, éditions Esprit, Paris, 1995, la pluralité des instances de justice, p121-142.

[9] Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008, p41-

[10] Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995, après Théorie de la justice de John Rawls, pp99-120.

[11] Paul Ricœur, Amour et justice, op.cit.p42.

[12] Ricœur Paul, Soi-même-comme-un autre, op.cit .p57.

[13] Ricœur Paul, Soi-même-comme-un autre, op.cit .p195,.

[14] ريكور (بول)، فلسفة الارادة، الانسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100

[15] Voir Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

[16] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, les promesses du monde de Pierre Bourtez ,pp173-180.

[17] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, le gardien des promesses d’Antoine Garapon,pp181-192

[18] Ricœur (Paul), Soi-même-comme un autre, édition ,op.cit.p236.

[19] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 017, N°439, p43.

[20] Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

[21] Procédurale

[22] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p45.

[23] Sittlichkeit

[24] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p46.

[25] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

[26] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

[27] Le juste

[28] Le bon

[29] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p48.

 

[30] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

[31] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

[32] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

 

[33] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

[34] Ricœur (Paul), Amour et justice, op.cit.p42.

[35] Abel Olivier, Paul Ricœur, la promesse et la règle, Edition Michalon, coll. le bien commun, Paris, 1997, p118.

[36] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p51.

[37] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

[38] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

[39] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p52.

[40] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

[41] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

[42] Etalons d’excellence chez MacIntyre.

[43] Biens immanents à la pratique.

[44] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p54.

[45] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p55.

[46] Paul Ricœur, Du texte à l’action, éditions du seuil, Paris, 1986, pp405-406.

[47] Paul Ricœur, penseur des institutions justes, in revue Esprit , Novembre 2017, N°439,pp40-72.

[48] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, capacités personnelles et reconnaissance mutuelle, op.cit pp445-451.

[49] Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

[50] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017, pp47-57.

المصادر والمراجع:

باللسان الفرنسي:

Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition seuil, Paris, 2014. Introduction

Paul Ricœur, Soi même comme un autre,, éditions du Seuil, Paris, 1990,.

Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008, p41-

Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995.

Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001.

Ricœur Paul, Parcours de la reconnaissance, éditions du seuil, 2OO4.

Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Février, 1988.

Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

Revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017,

Revue Esprit, Novembre 2017, N°439.

 ريكور (بول)، فلسفة الإرادة، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100.

-مداخلة قدمت في مدرسة الدكتورا، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 09 أفريل، تونس، يوم 14 فيفري، 2018.