زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

تمهيد: "الإيتيقا الفكرية موضوع كلاسيكي ولا يزال قليل الدرس"

يخوض باسكال أنجل في مسألة العلاقة بين المعرفة والقيم وبين الابستيمولوجيا والكسيولوجيا أثناء مراجعته لكتاب روجر بوفيه ومحاولته تقديم رد على الأطروحة التي تربط الإيتيقا بالتيولوجيا اللاهوتية  ويدعو إلى إعادة التفكير في نظرية المعرفة باعتبارها أخلاقًا فكرية من اجل اختبار تبرير معتقداتنا،لكنه يرى حياة الفكر أيضًا، مثل كل أشكال الحياة، محملة بالقيم. لها فضائلها ورذائلها، ويعود حول هذا الموضوع الى أرسطو الذي كان يعتقد بأن هذه الحياة منظمة بشكل جيد ويشيد كذلك بفضيلة التواضع عند توما الأكويني. كما ينقد تساءل المؤلف عما هو صواب الاعتقاد والادعاء بمعرفة. بالنظر إلى نظرية المعرفة كجزء من الإيتيقا، والتي تتعلق بالحياة الفكرية، فإنه يتساءل عن شرعية المواقف الفكرية وكذلك قيمتها، مؤكداً أن الفسق موجود في الفكر، كما في الحياة العملية، يدعونا إلى جعل الفضائل شريان الحياة. فماهو رد أنجل على هذا التصور؟

الترجمة:

"نحن نعيش في عصر أخلاقي للغاية: نستهلك " الإيتيقا " وندين ونلوم ونراقب في كل وقت، خاصة الفنانين والكتاب والمثقفين. لكن هل ننتقدهم بسبب كتابتهم كتبًا باطلة أو لعرض أعمال شنيعة للجمهور؟ على الاطلاق. يتم انتقادهم بسبب مواقفهم السياسية والاجتماعية، أو ماضيهم الجنسي. لم نعد نتذرع، كما في صحيفة تحرر للكتاب المتعاونين، بـ "الحق في ارتكاب الأخطاء". أليس من المستغرب ألا يكون الكاتب أو المفكر مسؤولاً أولاً عن عمله في عالم العقل؟ ولكن ما هو المجال المناسب للإيتيقا الفكرية؟

 هناك ما لا يقل عن ثلاث وظائف محتملة. وفقًا للأول، هذا ليس سوى الأخلاق نفسها: إذا كان المثقف أمينًا ومتواضعًا، أو على العكس من ذلك غير أمين ومتغطرس، فإنه لا يختلف بمعنى ما عن فرد عادي. ووفقًا للثاني، فإن الإيتيقا الفكرية هي فقط مراعاة المعايير الخاصة بالعمل الفكري، وهي "قواعد الممارسة الجيدة". وفقًا للثالث، هناك تشابهات، لكن لا توجد علاقة منهجية بين التقييمات الفكرية والتقييمات الإيتيقية.

لفحص هذه الأسئلة، عليك حل مجموعة كاملة من الأسئلة المتشابكة: ما هو التقييم الأخلاقي؟ ماهو التقييم الابستيمولوجي؟ كيف نحصر مجال العقل؟ كيف نميز التقييمات النظرية من التقييمات العملية؟ ما هي المفاهيم المعيارية المناسبة: المعيار، القاعدة، الواجب، الخير أو الشر، الفضيلة أم الرذيلة؟ هل الأعراف والقيم فردية أم اجتماعية؟ اعتمادًا على كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، ستكون هناك أنماط مختلفة من الإيتيقا الفكرية، بما في ذلك الاستجابات المتشككة أو العدمية، والتي تخبرنا أنه عندما يتعلق الأمر بالإبداع الفني أو حتى العلمي، فكل شيء مباح.

يرد روجر بويفيه بالدفاع بحزم عن الأخلاق الفكرية للإلهام التومي: الحقيقة هي خير العقل، الذي يتحقق في ممارسة بعض الفضائل، تلك التي يقوم عليها التقليد المسيحي: التواضع، المثابرة والرصانة والاستوديو والحكمة، ضد الرذائل مثل الغطرسة والكسل الفكري وضيق الأفق، وعلى رأسها الفضائل اللاهوتية والإيمان والرجاء والمحبة. وفقًا لهذا الموقف، ترتبط الفضائل والرذائل الفكرية ارتباطًا جوهريًا، والأخلاق الفكرية جزء فرعي من الأخلاق، وهي مسألة حساسية للقيم المعرفية وليس مراعاة الالتزامات والقواعد. نهاية الحياة الفكرية والأخلاقية هي تحقيق العقلانية الطبيعية للإنسان. إذا أردنا أن نكون قادرين على مدح الفضائل وإلقاء اللوم على الرذائل، فإن ممارسة قوانا الفكرية يجب أن تكون نتاج دافع يجعل العملاء مسؤولين ويجعلهم يرغبون في الخير والحقيقة. وفقًا لـبويفيه، ليس من الضروري أن يلتزم العملاء بالمعايير الخاصة بذلك.

يعبر روجر بويفيه عن هذه المواقف بحيوية ووضوح. لكن تأكيداته غالبًا ما تكون محيرة. بادئ ذي بدء، هل نظرية المعرفة للفضائل هي حقًا نظرية المعرفة؟ تقليديا، تهتم نظرية المعرفة بشرعية المعرفة ومصادرها وحدودها. وفقًا لبويفيه، تم اختزال هذا البحث إلى تقنية المعرفة، إلى علم الحالات التي يحبها الفلاسفة التحليليون، أو إلى نصائح صارمة من المتشددون المعرفيون غير القادرين على فهم ما يجعل وحدة الحياة الفكرية. لكن نظرية المعرفة تتعامل مع جميع أنواع الأسئلة الفلسفية حيث يبدو أن فضيلة الفاعلين ودوافعهم لا مكان لها. هل هناك دوافع للإدراك أو الاستنتاج أو حتى الفهم؟ تتدخل هنا فكرة الفضيلة، وهي التصرفات المعرفية اللازمة لتكون هذه القدرات موثوقة. لكننا لا نرى كيف يجب أن يكون الذات المدركة فاضلة بمعنى أن لديه الدافع للبحث عن الحقيقة. تمتلك الحيوانات أيضًا تصورات ومعتقدات، وقد شاركوا مثلنا في هدية المعرفة الإلهية، لكننا لا نعتبرهم قادرين على الفضيلة أو الرذيلة. الفضيلة ليست ضرورية للمعرفة.

لا يكفي أيضا. ليس من دون استفزاز، يؤكد بويفيه أن جان دارك، عندما سمعت أصواتًا واعتقدت أن رئيس الملائكة قد طلب منها طرد الإنجليز من فرنسا، لم تكن ترتكب خطأً معرفيًا أو أخلاقيًا: كان لها كل الحق في الإيمان التي كانت تؤمن بها، لأنها كانت متواضعة فكريًا وفاضلة. إنه يعارض بشكل مباشر مقولة ويليام كليفورد: "من الخطأ، في كل مكان ودائمًا، تصديق أي شيء بدون سبب كافٍ" (أخلاقيات الإيمان، 1877، مترجمة في لا أخلاقية المعتقد الديني، أغون، 2017). ولكن إذا كان بويفيه محقًا، فمن الأفضل قراءة الأسطورة الذهبية أو تقليد يسوع المسيح من قراءة الأسس المنطقية للاحتمالية لكارناب. لقد قيل أن المعيار الأساسي للاعتقاد هو تصديق الاقتراح إذا وفقط إذا كان صحيحًا. يرى بويفيه أنه من الخطأ اعتبار هذا المبدأ معيارًا معرفيًا. ووفقًا له، يجب أن يُنظر إلى هذا على أنه تعبير عن محبة الحقيقة، التي يمكنها وحدها حقًا توجيه أحكامنا. لكن إذا حكمت أن 2 + 2 = 5 خاطئ، وبالتالي فأنا لا أوافق على هذا الاقتراح، فأين يأتي حب الحقيقة؟ بالتأكيد أكثر بكثير من المنبع من تشكيل هذا الحكم، في شخصية فاضلة ومنفتحة على الحقيقة. لكن يمكنني أن أكون، مثل بيكاسين، شخصًا مستعدًا جدًا للترحيب بالحق وتجنب الخطأ، ومع ذلك لم أخترع الماء الفاتر وغالبًا ما أرتكب الأخطاء.

ومع ذلك، يميز بويفيه بحق بين مسألة التقييم المعرفي وقيمة المعرفة. لكن عندما يخبرنا أن إيتيقاه الفكرية هي نظرية المعرفة، فإنه يميل بشكل منهجي إلى الخلط بين الحق والخير. بالتأكيد، أكد توما الأكويني أن الحقيقة والخير يتحولان: الحقيقة جيدة، والخير هو الصحيح. لكن هذا لا يعني أن الخير هو المعيار، ولا يعني حتى تعريف الحقيقة. ليس لدى بويفيه سوى الازدراء لمهمة تعريف المعرفة التي يشارك فيها جزء من نظرية المعرفة المعاصرة. إنه يتبنى استجابة الفلسفة المنطقية للتحدي المتشكك: هذا التحدي مثير للسخرية، ولا يتعين علينا الإسهاب فيه. لكننا لا نرى كيف يمكن لعرض نهايات المعرفة أن يحل محل تحليل هذه الفكرة. يتضح هذا الاستيعاب في الفصول الأخيرة من كتابه، عندما يجادل، بعد ألفين بلانتينجا، أن التبرير الوحيد الممكن لمعتقداتنا يكمن في الاعتراف بعمل الفاعل الإلهي، وهو يسميها "نظرية المعرفة الخارقة للطبيعة" (ألفين بلانتينجا، الإيمان المسيحي المبرر، مطبعة جامعة أكسفورد، 2000).

هناك الكثير لنتعلمه من قراءة كتاب بويفيه باعتباره جدول أعمال للإيتيقا الفكرية، وأولئك الذين يأسفون لما حدث في حياة العقل اليوم لا يمكنهم إلا أن يصفقوا. لكن ليس بالضرورة أن يكون لديهم نفس التشخيص لماهية خيانة رجال الدين. سوف يجازفون بالنصائح: أليس من المفيد تطبيق الإيتيقا الفكرية، بما في ذلك الشكل التوحيدى المعتمد هنا، على المنتجات الدينية؟ هل المؤمنون محصنون من الخطأ والفجور والغطرسة الفكرية عندما يسلكون طريق الإيمان بدلاً من العقل الجاف؟ بغض النظر عن استعدادهم لهذه الطريقة، ألا يخاطرون بالوقوع في الخطيئة المعرفية؟ خشي الأب لانتين من أناتول فرانس "فضول وفخر وسوء جرأة الروح وحتى الفضائل التي فقدت الملائكة بين أفراد النخبة". وقال، "على غرار القديس توما الأكويني وجميع الأطباء العظام، يجب أن تحظى العلوم والفلسفة بالتقدير في المدارس. نحن لا نحتقر العلم دون ازدراء العقل. لا يحتقر المرء العقل دون ازدراء الانسان. لا يحتقر المرء الإنسان دون الإساءة إلى الله " (أناتول فرانس، دردار البريد الالكتروني، سلسلة، مؤلفات غاليمار، مكتبة بلياد "، ص. 763).

كان يمكن للسيد برجريه أن يجيب: ما الذي يضيفه تأسيس الإيتيقا، سواء أكان يتعلق بالحياة العملية أم بالعقل، إلى محتوى الإيتيقا نفسها؟ الخوف من العقاب الإلهي، من التدحرج في العالم السفلي؟ التأمل فيما هي الحياة الجيدة والفكر الحقيقي عندما يتحقق في الفاعل الإلهي؟ البحث عن أساس نهائي للقيم؟ هل الملحد محكوم عليه أن يكون فكريًا شريرًا أو غير مبالٍ بالتمييزات الأخلاقية؟ المشكلة الحقيقية هي أن تعرف، أن نتحدث مثل هيوم، ما إذا كانت هذه أسسها العقل أو المشاعر. يخبرنا العاطفيون أنهم لا يستطيعون الاستناد إلى الأول لأنهم يشكون في أن وراء الرد العقلاني يكمن الولاء لنظام إلهي ثابت. هم مخطئون. يمكننا أن نكون أخلاقيين بدون الله كما يمكننا مع الله، ونحترم الحقيقة تمامًا. وسيكون القديسون أبرارًا في عالم بدون الله كما يفترض أن يكونوا في عالم معه. " فإلى أي مدى يساعد ريبية ديفيد هيوم التي استنجد بها أنجل على التحرر من التيولوجيا اللاهوتية في المجال المعرفي وتخليص الإيتيقا العقلية من الرواسب الميتافيزيقية؟

 

كاتب فلسفي

............................

الرابط:

https://interventions-democratiques.fr/notes-de-lectures/lethique-intelectuelle-une-epistemologie-des-vertus

المصدر:

Roger Pouivet, L’éthique intellectuelle. Une épistémologie des vertus. edition Vrin, Paris,2020.

 

 

 

محمود محمد علييؤكد تولمن أنه بعيداً عن حجّتِي التي توازي بين هذين الشيئين المضللين، فقد بذلت جهدا لأوضح الفروق بينهما في كل جانب. (والكتاب يحتوي فصول منفصلة نتعامل بشكل منفصل مع المشكلات والنظم والمهن) . وبعيدا عن التسليم بمرجعية أي علم رئيسي أو مؤسسة، فبالمثل بذلت جهدا لتوضيح أنشطة وأحكام العلوم الإنسانية سواء كأفراد أو جماعات، فهي دائما ممكنة المراجعة العقلانية . لذا فقد شعرت ببعض الشك – ولا أقول ضيقا – عندما وجدت أن استعراض إمري لاكاتوش غير الكامل لكتابي الفهم الإنساني تجاهل ذلك التمييز، بل وتغاضي عن موقفي بكامله كمثال آخر للفاشيستية –  النخبوية .

ويتساءل تولمن :" لماذا لم يكن إمري لاكاتوش قادرا علي إداك مناقشتي للعلاقة بين النظم (بمحتواها الفكري) والمهن (بأنشطتها الموسساتية) علي ما هي عليه : أي الأساس لتحليل وظيفي للنقد العقلاني في العلم . وطبقا لفرضي الأول، فإن أي أحد يوسع من المحتوي الفكري للعلم لكي يتضمن التطبيق والقضايا – وبذا يوسع نطاق النقد العقلاني – هو مذنب في نظر إمري لاكاتوش لكونه يقع في حبائل النزعة النفسانية –الاجتماعية الأثمة . إلا أن ذلك مجرد سوء فهم من رياضي . فأي تحليل للنقد العقلاني في العلم الطبيعي هو إقرار بالعناصر الجديدة التي أصبحت ذات صلة . ففي اللحظة التي ندع فيها فلسفة الرياضيات من أجل فلسفة العلم الطبيعي يجب أن نعترف بعناصر التطبيق وأن نناقش الاعتبارات التي تؤثر علي تقييمها العقلاني . وبأخذ مطالب النقد العقلاني في الاعتبار وإعطاءها قدر الاهتمام والاحترام الذي تستحق فيجب علينا ألا نجد من منظورها وتطبيقها علي أمور ومسائل المنطق القضوي، ولكن يجب أن نسمح للعالم الثالث باحتواء كل هذه العناصر التي يمكن الحكم عليها نقديا بالمعايير العقلانية . ولو كانت النتيجة هي تحويل العالم الثالث من عالم شكلي للوجود يتكون فقط من قضايا وعلاقات قضوية إلي عالم مادي يتكون من عناصر لغوية / رمزية وعناصر لغوية / عملية، فليكن ذلك إذن .

ويصف تولمن ذلك بانه سوء فهم بسيط، لكنه يمثل دلالة كبيرة في هذه الفقرة، حيث يظهر أولاً أن استعمال إمري لاكاتوش لعبارة " الأنشطة الاجتماعية" و "القيمة المدفوعة" بدلا من مصطلحاتي "إجراءات " و "مثمرة" . وثانياً  في مساواته الواضحة بين تساؤلات العالم الثالث بالتساؤلات حول القضايا وامكانية إثباتها، مباعدا بين القضايا وإمكانية إثباتها وبين الإجراءات وفوائدها، وهنا في هذه الطريقة يري لاكاتوش أنها ليس لها مكان في العالم الثالث . لذا فإن إصراري علي إعطاء التطبيق غير اللغوي للعلم قدراً من الاهتمام يوازي الأهتمام بالقضايا المصاغة صياغة لغوية يبدو أنه يمثل له إهانة لمزاعم العقلانية المنطقية والعالم الثالث .

ولا يزال لاكاتوش في نظر تولمن محتفظاً بسوء فهم في جعبته نحوي، ولذلك لم يتردد في أن يتهمني بأنني عدو للعقلانية، كما أنني برجماتي ونخبوي وفاشيستي أدعم التاريخية والاجتماعية والنفسية . إلا أنه بذلك كان يلتمس القضية الفلسفية الأساسية ؛ بمعني هل للاجراءات وثمراتها مكان في نطاق النقد العقلاني مثلها مثل القضايا وامكانية اثباتها . ولاكاتوش يري بوضوح أن الإجراءات ليس لها هذا المكان، بينما نري نحن العكس . ومن وجهة نظري فهي نوع من النقد العقلاني يجب أن نهتم به، فمثلا : فيما يتعلق بالفائدة الفكرية للإجراءات التفسيرية في العلم يجب علينا أن نفحص الخطوات الاستدلالية بشكل علمي، وبعيدا عن كون التطبيق ينطوي علي نوع مناهض للعقلانية في فلسفة العلم، فإنه يمثل طريقا وسطاً مهما يمكن عن طريقه الدفاع عن مزاعم العقلانية ضد كل من ضيق الأفق المتمثل لدي المناطقة الصوريين والرياضيين، ولاكاتوش ليس من ذلك براء , وكذلك مبالغات أصحاب النزعة التاريخية والنسبوية , مثل توماس كون في بداياته (.

وفي السياق نفسه يفسر لنا تولمن شكلين من أشكال النزعة التاريخية فيوضح أن لديه فرض ثاني يثبت مصدر عدائية لاكاتوش تجاه فلاسفة العلم الذين أخذوا علي نحو جاد  بتاريخ وممارسة العلم . وهذا الفرض الثاني يرتبط باعتقاد لاكاتوش , بأننا جميعا ملتزمون بشكل ردئ بأحد صور التاريخية . وكما سأوضح فإن التناقضات في استعمال لاكاتوش لمصطلح التاريخية تغطي علي القضية الأساسية عند تلك النقطة . (دفاعات أخري موازية يمكن الرد بها علي باقي اتهاماته) . وبدلاً من أن  يقدم لاكاتوش تعريفاً واحداً واضحاً للتاريخية يمكن أن يقبله دون جدال كل من كون وبولاني وتولمن، ويمكن له أن يبعد نفسه عنه بشكل واضح، فنحن نري عنده علي الأقل موقفان مختلفان من التاريخية لكل منهما دلالات مختلفة للتحليل العقلاني للميثودولوجيا العلمية . وبمجرد أن نري ذلك التمييز فسوف نري أن الموقف الذي دافع عنه كون في الطبعة الأولي من بنية الثورات العلمية , هو موقف تاريخي أقوي وأكثر إثارة للاعتراض أكثر مما يمكن أن أفعل أنا أو بولاني . إنه بالمعني الوحيد ذو الصلة، فإن موقف لاكاتوش النهائي هو موقف تاريخي مثل موقفي أو موقف  بولاني .

ويتجاهل هذا التمييز أو يتغاضي عنه، إلا أن لاكاتوش افترض أن أي شئ ضد توماس كون يخدم الغرض نفسه ضد بولاني وتولمن أيضا. فلم فعل   هذا ؟ إن السبب الأساسي يعود بنا مرة أخري للنقطة السابقة : أي استغراق لاكاتوش الرياضي في القضايا وامكانية إثباتها وإنكاره للمناهج وإثمارها وفوائدها في نطاق النقد العقلاني علي حد سواء .

ويشير تولمن إلي أن الشكل المختلف جداً من التاريخية يمكن توضيحه بملامح من موقف توماس كون المبدئي . فقد كان توماس كون قد قال بداية بأن العلماء الطبيعيين الذين يعملون من خلال إطار من نماذج مختلفة لن يكون بينهم شئ مشترك لمقارنة المزايا العقلية والفكرية لوجهات نظرهم . وخلال فترة هيمنته العلمية فإن النموذج يفرض قوانين للحكم والنقد علي العلماء الذين يعملون في نطاقه ولو بشكل مؤقت، ولأولئك الذين يعملون خارج نطاقه في المقابل فإن هذه القوانين ليس لها علاقة بهم . والأمر مطروح للتساؤل ما إذا كان كون أراد فعلا أن يتخذ ذلك الموقف الذي أتخذه في الطبعة الأولي من كتابه . وكما يقول لاكاتوش نفسه : " يبدو أن كون مشتت حول التقدم العلمي الموضوعي، وأنا ليس لدي أي شك في أنه كعالم وباحث مخلص فإنه سيبغض شخصياً النسبوية، ولكن نظريته يمكن تفسيرها علي أنها إنكار للتقدم العلمي وتأكيد علي التغير العلمي أو إنها إدراك للتقدم العلمي لكنه تقدم مدعوم بالتاريخ  وحده .

وتلك النظرة الأخيرة حول التقدم الذي يؤيده التاريخ الفعلي وحده هي تلك التي يري لاكاتوش أنها تاريخية بشكل ضار . كما أنني (كما يعلم هو) أقول بأن التغير المفاهيمي يبدأ بإنكار هذا الشكل بالذات من أشكال التاريخية .

ويطرح علينا تولمن سؤالاً  رئيسياً: إذا كان إمري لاكاتوش يعلم جيدا أنني أشترك معه في موقفه المعارض للنسبوية التاريخية عند كون فلماذا إذن يجمعني عامدا أنا وبولاني مع كون ويدعي أننا غير قادرين علي الهروب من تاريخيته مهما حاولنا جاهدين ؟ وهذا السؤال مقارنة باتهامات لاكاتوش لنا بالنخبوية، وباقي الاتهامات الأخري هو أقل بلاغة وبيانا .

ويري تولمن أن أي شخص يقبل بذلك الموقف التاريخي القوي فأنه حتما سيقبل أية أشكال قوية أخري من المواقف الأخري . وبناء علي ذلك فإن أي عالم أو مؤسسة تتبني أفكارا سلطوية تحت ظل متغير معين فسوف يكتسبون سلطة مطلقة في الحكم علي القضايا العلمية، ومثل تلك النتيجة محل نقد، مثل أن تكون " نخبوية " أو " فاشيستية" ... إلخ . والبديل هو شكل أضعف من التاريخية لا يتضمن تلك السلطة سواء لدي أي عالم أو جماعة أو فترة زمنية . وكل ذلك يؤكد حقيقة أن في العلم الطبيعي كما في غيره فمعايير الحكم العقلاني تمر بتطور تاريخي . لذا فالأحكام المقارنة للكفاية العقلية في العلوم المختلفة في مراحل تطورها المختلفة سوف تكون ملائمة وذات صلة فقط إذا أخذت بعين الاعتبار هذا التاريخ المعياري .

ويتساءل تولمن هل النزعة التاريخية الوحيدة في " الفهم الإنساني " هي ذاتها التي قدم لها لاكاتوش بانتصار علي أنها الرؤية الأساسية والنهائية حول الرياضيات في "براهين وتفنيدات"؟ : وهذه الرؤية نقطة تحول في النقد الرياضي والذي كان له أثر تغيير مفهوم الحقيقة الرياضية ومعايير الإثبات الرياضي وأنماط النمو الرياضي . وبهذا المعني فإن لاكاتوش في المرحلة الأولي يتخذ موقفا تاريخيا في فلسفة الرياضيات : وبالنظر للميثودلوجيا الرياضية، فإن الآراء التي قدمها في "براهين وتفنيدات"؟ حول النقد الرياضي تربط آرائي حول النقد العلمي بالتطور التاريخي للعلم الطبيعي .

ويبدو في نظر تولمن أن تاريخية "براهين وتفنيدات" ؟ أقوي من تاريخيته . والصفحات الختامية للاكاتوش تصف الثورات الرياضية بشكل متقارب لآراء كون، وإذا لم نقرأ ما بين السطور عند لاكاتوش ونفحص ما تنطوي عليه بدقة فربما نتهم فلسفته الرياضية بنفس الهرطقة التي يجدها في فلسفة توماس كون العلمية . ( ألا يقول إن الرياضيين يقبلون بثورة النقد الرياضي وقبولهم هو نقطة تحول في تاريخ الرياضيات . أفلا يعني ذلك أن قبولهم هو كل ما يهم ؟ وكيف يمكن للمرء أن يكون نخبويا وفاشيستيا أكثر من ذلك ؟ إلا أن هذه الاتهامات ستكون غير منصفة . فالقراءة المتأنية لنصوص لاكاتوش توضح أن هذه الثورات في النقد الرياضي تدع مجالا للإمكانية الحكم العقلاني اعتمادا علي احتواءها أو عدم احتواءها علي تمديد للمفهوم بشكل عقلاني أو لاعقلاني . ومثل تلك الثورات الرياضية تأخذ مكاناً لأسباب خاصة بها . والسؤال الرئيسي للجزء المتعلق بـ "الفهم البشري " يتطابق مع السؤال عن نقاط التحول في التغير العلمي : ما هي الأسباب الملائمة حينما يؤدي التغير في الاستراتيجيات الفكرية إلي تغيرات في معايير النقد العلمي، وبالتالي إلي تعديل مفهوم الحقيقة العلمية ومعايير الدليل العلمي وأنماط النمو العلمي .

وفي تقريره لمرحلة لاكاتوش الوسطي (التي أطلق عليها لاكاتوش 2) يري تولمن أنه كان بطيئاً في تطبيقه للتحليل التاريخي الكامل علي العلم الطبيعي وهو التحليل الذي قدم له في الرياضيات . فلم كان ذلك؟ ولماذا تردد في إعادة تطبيق استنتاجات "براهين وتفنيدات" علي العلم الطبيعي بكل ثرائه ومن ثم يبرر التحليل التاريخي للمعايير المتغيرة للنقد العقلاني في العلم ؟ يمكنني أن أجيب علي هذا السؤال من نص فعلي من أبحاث لاكاتوش المبكرة في فلسفة العلم .

ومن ناحية أخري يصف تولمن الاستقبال الشعبي والأثر الفكري لـ" بنية الثورات العلمية "، وذلك الشكل غير العقلاني من التاريخية الذي قدمه في تلك الطبعة الأولي بأنه رد لاكاتوش علي عقبيه ؛ إذ يقول :  ولسنوات (كما أذكر) كان لاكاتوش مضطرباً بشأن "براهين وتفنيدات" وشارف علي التبرأ منه . وأؤلئك الذين استحسنوا هذا العمل ونصحوا لاكاتوش بإعادة طبع سلسلة من المقالات كدراسة مستقلة جعلته في حيرة بسبب تردده .وإذا وضعنا آراء لاكاتوش إلي جانب نظرية توماس كون الأولية ولاحظنا أوجه الشبه السطحية بينهما فسندرك سبب قلقه . ماذا لو كانت آرائه حول أثر الثورات الرياضية علي المفاهيم النقدية للحقيقة والإثبات والمعقولية كان لها المحتوي اللاعقلاني نفسه في آراء كون حول آثار الثورات العلمية؟ وبمواجهة تلك المخاطر من السهل أن نري لماذا إتخذ موقفا دفاعيا يستثني به نظريته عن العقلانية العلمية من أية إتهامات ممكنة بالتاريخية أو النسبوية وفي هذا الجانب فإن آراء بوبر حول العالم الثالث وحول معيار التمييز للتمييز بين العلم الجيد والعلم السيئ تقدم خطاً دفاعيا أكثر أمناً . ولكن لاكاتوش يري عكس ذلك، حيث يؤكد أن تاريخ العلم الذي يبدأ من وقائع أمبيريقية سيصبح تاريخاً ساذجاً، تاريخاً للمحاولة والخطأ، ولن يميز العلم عما سواه من المعارف غير العلمية، وهو سيصبح كذلك تاريخاً لنظريات مشتتة أكثر منه لتجمع نظري واحد  .

ويستطرد تولمن قائلاً :  وفي المرحلة الثالثة (لاكاتوش 3)، نجد أنه يرفض معيار التمييز عند بوبر علي أساس أنه غير مرن بشكل مبالغ فيه ويسلم بميثودلوجية العلم الطبيعي التاريخية النسبوية التي أقرها من قبل في الميثودوجية الرياضية، وفي تلك المرحلة النهائية يسلم بفرضية بولاني حول أهمية " الحالة التشريعية " في ممارسة الحكم العلمي، حيث يتمتع بقدر كبير من الصحة . ورغم كل تعليقاته الإضافية حول الحاجة لموازنة "حكمة المحكم العلمي والحالة التشريعية " في مقابل الوضوح التحليلي لقانون الفيلسوف التشريعي . وإنتهي إلي إنكار الآراء القائلة بأن :" فلاسفة العلم هؤلاء الذين يسلمون بأن معايير العلم العامة ثابتة، وأن العقل قادرا علي التعرف عليها بشكل بديهي .

وفي السياق نفسه يري تولمن أن معايير لاكاتوش للحكم العلمي كانت عرضة لإعادة النظر والتعديل في ضوء النقد الفلسفي والخبرة العلمية التي كان من الممكن أن أحتاجها أنا وبولاني . هل كان إرتباط لاكاتوش المهني بـ " إيلي زاهار " الذي أعانه علي الرجوع لهذا الموقف ؟ أم هل فعل ذلك وحده ؟ هذا سؤال أخر . وفي الحالتين  كلاهما – كما قلت في مؤتمر Ucla – إن من دواعي سروري أن أرحب بعودة لاكاتوش للمشاكل الحقيقية .

ويتساءل تولمن : ما الذي نعنيه بهذا ؟ ويجيب قائلاً : دعونا نوضح هذه النقطة باختصار شديد ؛ فبمجرد التزام لاكاتوش بالمرحلة الثالثة (لاكاتوش3) – ومجرد قبوله بعنصر من الحالة التشريعية والنسبوية التاريخية في معايير الحكم العلمي – لم تستطع كل تعليقاته ومؤهلاته أن تعينه علي تأجيل بعض الإشكاليات الأساسية والتي تطرأ لكل من يقبل بتلك النسبية التاريخية . فماذا مثلا عن مشكلة المدي البعيد ؟ ما الذي يجب أن نقوله عن إمكانية أن أحكامنا العلمية الحالية وحتي معاييرنا الحالية في الحكم سوف يعاد النظر فيها أو تتغير في وقت لاحق لأسباب نابعة من الاستراتيجيات الفكرية المستقبلية والتي لا يمكننا التنبؤ بها في الوقت . يجب أن نضع جانبا سخرية إمري اللاذعة حول هيجليتي وكذلك احتكامه لتعليق " ماينارد كينز Maynard Keynes المعروف القائل بأنه علي المدي البعيد سوف نموت جميعا، ورغم إنكار لاكاتوش لشرعية مشكلة المدي البعيد في استعراضه لــ " الفهم الإنساني"، إلا أن ما قاله لم يخلص من الصعاب، لأننا يمكن أن نسأله: كيف يتسني لنا رؤية التضارب المحتمل في النقد العقلاني بين الآراء العلمية الأكثر تدقيقاً والتي تعكس أفضل حالة للحكم العلمي في المرحلة الراهنة للعلم وآراء العلماء لقرون قادمة والذين تقوم أحكامهم علي الخبرة العملية والاعتبارات النظرية .

وهنا يري تولمن أن الحاجة ماسة لإعادة تقييم استراتيجي في منهجنا، فكيف يمكن أن نبرر رهاننا علي ذلك عندما نفعل أو أنه نستبق بأحكام علماء المستقبل حول مدي فائدة هذه البدائل الاستراتيجية (ميثودولوجيا بديلة مثلاً) التي تواجهنا اليوم.  ربما لا يعتبر لاكاتوش هذا السؤال منطقيا، لكنه يصلح (لاكاتوش3) كما يصلح لــ " الفهم الإنساني" .

والسؤال الثاني الذي يسأله تولمن: كيف أمكن لإمري لاكاتوش أن يتجاهل ما تنطوي عليه آراءه عن الميثودولوجيا العلمية . وعند هذه النقطة (أعتقد أننا) يجب أن نعود لفرضي الأول : أي أن لاكاتوش مثل كارل بوبر يقبل بعناصر محددة في عالمه الثالث، وأي أحد يفهم هذا العالم علي أنه مجموعة قضايا وعلاقات شكلية بينها دون ذلك فيمكنه أيضا أن يراها خالدة أو لا زمنية : مستثناه من التغير التاريخي وخارج النطاق التجريبي . وانطلاقا من وجهة النظر اللازمنية هذه فإن النقد الفلسفي هو مجرد نقد منطقي يعني بإمكانية التأييد والإثبات والاحتمالية والقابلية للتكذيب للقضايا، كما تعني بالاستدلالات التي تربط بينها . ولكنه مجرد قبول الإجراءات وباقي عناصر التطبيق في العالم الثالث، فإن صفته الزمنية والتاريخية لا يمكن إخفاؤها. ومشكلة المدي البعيد تواجه أولئك الذين يجدون نطاق العالم الثالث بقضايا فرضية منطقية بشدة  كما تواجه أولئك الذين يقرون بالإجراءات كأشياء شرعية في التقييم العلمي . وحتي لو نظرنا فقط للمحتوي الفرضي بالنسبة لعلم حالي في ضوء معاييره الداخلية للصحة والإثبات والصلة، فإن الناتج يمكن أن يعطينا فقط صورة عن العالم الثالث كما نفهمه الآن . ورغم الصفة الرياضية أو المنطقية الشكلية لعلاقاته الداخلية فإن مجمل هذا العالم سيكون موجود تاريخياً مثل عام 1975م أو حتي كان ذلك . إلا أن كثير من القضايا والاستدلالات التي تبدو قائمة علي أساس جيد وفي موقف عقلاني جيد اليوم فسيختلف بطرق شتي عن الموجودة في العالم الثالث الذي سيعرفه علماء المستقبل ( لنقل) في عام 2175م . ولذا فبمجرد دخول الحالة التشريعية والنسبية التاريخية في الميثودولوجيا، فإن مشكلة الأحكام التاريخية المقارنة للعقلانية تصبح لا مفر منها . والادعاء بأن العالم الثالث هو عالم المنطقية وحدها هو مجرد تأجيل لتلك اللحظة التي سنواجه فيها هذه الحقيقة .

وفي نهاية المطاف يعبر تولمن عن مدي أسفه لرحيل إمري لاكاتوش المبكر من المشهد الذي حرمه من فرصة مناقشة هذه النقاط معه شخصياً، كخصم محترم وودود سيظل يفتقد جدية عقلة ومتعة ذمه .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

حاتم حميد محسنفي التأملات (3) يعرض ديكارت عقيدته في ان الانسان عبر الاستدلال المنطقي والتفكير النقدي يمكنه إثبات وجوده ووجود الله. اما باسكال في كتابه (pensees) يؤسس وجود الله على رهان او "مقامرة" ويؤكد ان هناك الكثير من الفوائد من الرهان على الايمان بالله - بصرف النظر ان كان موجودا ام لا – قياسا بعدم الايمان به ابدا. السؤال هنا لايتعلق بما اذا كان الله حقا موجود ام لا، وانما السؤال هو اي الفيلسوفين اكثر اقناعا في حجته بوجود الله. البعض استنتج ان حجج ديكارت السببية والانطولوجية في وجود الله (1) لم تكن فعالة في الإقناع مقارنة بحجة باسكال. سنحاول باختصار التطرق الى خلفية كلا الفيلسوفين وتوضيح عملهما ومدرستهما الفكرية بالاضافة الى حججهما في وجود الله.

ديكارت (1596-1660) المعروف بـ "ابو الفلسفة الحديثة" كان فيلسوفا ورياضيا فرنسيا اثناء عصر التنوير في اوربا. كان مولعا بالرياضيات والهندسة والموسيقى وفنون اخرى (Skirry,’Rene Desccart,1.Life)). هو كتب التأملات أشهر كتبه حينما كان في هولندا. اثناء تلك الفترة، كان من الشائع للفلاسفة عقلنة وجود ما يحيط بهم من الوجودات والأشياء الحية عبر إعتبار لله والانجيل هما المصدر في ذلك. هذا كان يُعرف بـ "المدرسية" او "المدرسية الارسطية" Aristotelian Scholasticism، وهي الفلسفة المتحفزة بتعاليم ارسطو مع التأثير الكبير لاوربا القرون الوسطى المسيحية.

أراد ديكارت الخروج عن هذه التقاليد الفلسفية  وأصر بدلا من ذلك على اننا يجب ان نستعمل حواسنا لنقرر ما اذا كنا انفسنا موجودين وكذلك الاشياء الاخرى . هو لم يتفق مع العقيدة المدرسية في  فكرة الصفحة البيضاء القائلة ان كل شخص وُلد ومعه "سجل نظيف" وانه بحواسه وحدها يمكنه فك شفرة وجود الاشياء التي حوله بما فيها الله.

حجة ديكارت المضادة هي ان أحاسيس الأفراد تفشل في كل مرة وان هناك "شيطان" او "عفريت" باستمرار يخدع حواسنا، بحيث يجعلنا جاهلين بالحقيقة. نحن قد نخطئ الإصغاء لما يقوله شخص ما، او لا نسمعه ابدا،  نحن ننسى الأشياء دائما، وان الاشياء من مسافة بعيدة دائما ما تبدو أصغر حجما وعندما نقترب منها نكتشف حجمها الحقيقي. لذلك، نحن يجب ان نشك دائما بحواسنا .

ديكارت كان "مشككا راديكاليا"، وهي مدرسة فكرية عُرضت اولا في التأملات (1) حيث يجب فيها على المرء استعمال العقل بدلا من الاعتماد على الحواس لإكتشاف حقيقة الاشياء ووجودها. عندما  يشك الناس بشيء، هم يجب ان يفترضوا ان ما يشكّون فيه هو زائف، ومهمتهم هي إثبات ما قيل كحقيقة (Stoothoff,Des’sDilemma,294). ديكارت يستعمل المجاز في هذه النظرية مقارنا اياها بإلتقاط التفاح من سلة معينة ثم إجراء تحليل عميق لكل تفاحة والتأكد من انها ليست فاسدة كي لا تفسد المجموعة كلها، لأن فكرة سيئة واحدة قد تلوّث الأفكار الجيدة ايضا (Rose,The Cartesian Circle,86-87).

في التأملات (2)، يجيب ديكارت على سؤاله هو عن كيفية التأكد من وجودنا: في قوله "انا افكر، اذاً انا موجود"،  اي، حينما يتأمل الانسان في وجوده فهذا برهان على انه موجود فعلا. هو يؤكد هذا لنفسه بالقول انه لو كان بامكانه الشك، عندئذ فهو وجود مفكر، اذا كان بإمكانه التفكير، فهو موجود 00(Rose,Thecartesian circle,87).

اخيرا، في التأملات (5)، يستعمل ديكارت العقلانية التي استعملها في أعماله السابقة في (مبادئ الفلسفة) ليقرر وجود الله. ديكارت يؤمن بان كل الأشياء تأتي من شيء، وهذا يُعرف بمبدأ الكفاية السببية. في تأملاته السابقة، هو أبقى  تركيزه على العالم المادي – الذي هو يشير  له بـ "الواقع الموضوعي" – ويستخدم عقله لتقرير الوجود المادي، بما فيه وجوده. الآن، ديكارت يحوّل انتباهه الى ما هو اكثر من مجرد مادي ويريد العثور على "الجوهر اللامتناهي" لكل الاشياء المادية التي يشير اليها بـ  "الحقيقة الاساسية".

 بالنسبة لديكارت، الحقيقة الاساسية هي ضمن مقياس او ميزان، يجسد مستويات تلك الحقيقة، في ذلك المقياس "جواهر" تُعرّف كأشياء لا تعتمد في وجودها على أي أشياء أخرى، مما يجعلها مصدر مكتف بذاته. في النهاية السفلى للمقياس هناك السمات الرئيسية للجواهر(2) التي تعتمد على "جوهر متناهي" والذي بدوره يعتمد على "جوهر غير متناهي".

السمات الرئيسية هي جزء من الجوهر وهي خاصية معرّفة له، انها شيء ما يجعل الجوهر على ما هو عليه. الـ mode هي  الطريقة المقررة للسمات الرئيسية، جميع طرق الجسم هي طرق مقررة لكينونة التمدد،  أمثلة على طرق الجسم تتضمن التربيع، او كينونة 2 انش ضرب في 2 انش، او كون الشيء موحدا. جميع طرق الذهن هي طرق مقررة لكينونة التفكير، كالتصور او الاعتقاد بتناول اللحم هذه الليلة . في المستوى المتوسط هناك الجواهر المتناهية. هذه ستكون "الجسم" او المادة الفيزيقية للجوهر. وفي القمة هناك الجوهر اللامتناهي. وكما يشير الاسم، هو جوهر السمات اللامتناهية، وهو أصل جميع الجواهر المتناهية والطرق التي تأتي منها.

باستخدام مستويات الحقيقة الرئيسية، يبرر ديكارت وجود الله (Skirry,Rene Descart,5.God:The causal Argument). في هذا التجلّي، يقول ديكارت هناك ثلاثة جواهر لهذه الحالة: الجسم (المستوى الادنى)، الذهن (المركز)، الله (أعلى مستوى). الجسم هو الطريقة، انه مادي ويتجسد في واقع موضوعي، الذهن (ليس الدماغ، طالما الدماغ هو مجرد جزء من الجسم) هو الجوهر المتناهي الذي يسمح له بالتفكير واستخدام عقلانيته. اخيرا، هناك الله الذي يمثل الجوهر اللامتناهي لهذا الثالوث من الحقيقة. يوضح ديكارت ان الله يجب ان يكون جوهر لامتناهي لأن عالمنا مملوء بالجواهر المتناهية، مع ذلك، الجواهر المتناهية التي تكوّن الحقيقة السابقة يجب ان تأتي من جوهر لامتناهي. ديكارت يستنتج بان هذا الجوهر اللامتناهي هو اله، جاعلا اياه الكائن الاكثر حقيقة في الوجود. اذا كان الله جوهر لامتناهي لكل الاشياء الواقعية، هذا يضع الله في أعلى مستوى من الحقيقة.

 ديكارت يطرح الحجة السببية على اساس اذا كان تأثير الجوهر المتناهي موجودا، فيجب ان يكون هناك جوهر لامتناهي بنفس المستوى من التأثير. وبعبارة مشابهة، اذا كانت هناك حرارة تسخن الماء، فان الحرارة يجب ان تأتي من جوهر فيه تلك الكمية من الحرارة، وان شيئا ما بدون حرارة كافية سوف لن يسخّن الماء . هو يستمر بتطبيق هذه الفكرة على افكاره ويعلن ان الله هو وحده الجوهر اللامتناهي الذي يمكن ان يملأ رأسه  بمثل تلك الافكار.

يستمر ديكارت في برهانه الانطولوجي (الانطولوجي هو فلسفة الميتافيزيقا) ليؤكد بان الوجود تام لأنه من الافضل ان يوجد بدلا من ان لا يوجد، واذا كان الوجود ذاته تاما عندئذ يجب ان يكون هناك جوهرا تاما يُنتج هذا الوجود التام، وان ذلك الوجود التام هو الله. طالما ان الله وجود تام، فان الله سوف لن يخدع ديكارت، بل سيعطيه عقلا وعقلانية لهزيمة حيل الشيطان في الشك (Skirry,Rene Descartes).

الآن وبعد توضيح طريقة ديكارت في التفكير، سوف نحاول عرض حجة مضادة لادّعائه.  سوف نوضح بالتفصيل لماذا تلك الطريقة ليست مقنعة بما يكفي، سوف نشير الى المغالطات اينما وُجدت في ادّعاءاته.

في الرد على حجة  ثنائية الجسم-الذهن، يعتقد البعض ان هذه الحجة ليست صحيحة. انه من المستحيل لأي مخلوق ذو حواس التفكير لو لم يكن لديه دماغ او شيء مساوي للدماغ، والذي يعتبره ديكارت مجرد جزء من الجسم (mode). ايضا، الجرح المؤذي للدماغ  ثبت انه يضر بأذهان الناس وتفكيرهم. هذا يمكن احيانا ان يؤدي الى فقدان الذاكرة او الى خسارة في الذاكرة  ويمكنه ايضا ان يغيّر جذريا شخصية الفرد (Campell,why my sister’s personality changed since Her Traumatic Brain Injury?). العلماء خلال تلك الفترة لم يكونوا على اطلاع بعلم الاعصاب كما هم اطبائنا اليوم، لكن هذه الحقيقة المؤكدة في ضرر الدماغ  تبطل ثنائية الجسم-الذهن التي عرضها ديكارت.

ثانيا، ان حجة انا افكر اذاً انا موجود  هي معيبة عند تطبيقها على طريقة إعداد ديكارت الخاص للنظرية. القول "انا افكر اذا انا موجود"، يعني لكي ننتج افكارا، يجب ان يكون هناك مفكر. غير انه، ماذا لو ان "الشيطان"الذي ذكره ديكارت كان يلعب حيلة اخرى معه؟ ماذا لو ان هذا العفريت هو منْ يجعل ديكارت يعتقد انه ينتج افكاره وكلماته الخاصة؟ كيف يمكن القول انه  لا يحلم بانه مفكر يخلق افكاره؟ عند تلك النقطة،  لم يُهزم الشيطان او العفريت بالعقل.

ثالثا، من الصعب الاعتقاد بوجود مستويات مختلفة من الحقيقة. كيف يكون بالإمكان ان يكون شيء ما "اكثر حقيقة" من شيء آخر فقط بسبب انه جوهر لامتناهي او متناهي؟ الحقيقة ليست على مقياس،  انها توجد في ثنائيات مثل الحياة والموت. انت لا يمكن ان تكون "الى حد  ما ميت" ولذلك انت لا تستطيع ان تكون "الى حد ما موجود" .

اخيرا، هذا يقود الى البرهان السببي والانطولوجي لله، طالما براهين ديكارت السابقة كلها تقود الى هذا الموضوع. هذه تسمى مغالطة المنطق الدائري، او في حالة ديكارت، الحلقة الديكارتية(3). وحيث ان الاستنتاج ينبثق من المقدمة التي يطرحها في حجته، الله هو الجواب لكل الشكوك التي كان ديكارت يتأمل فيها .هنا مثال:

سؤال: كيف يعرف ديكارت ان الله تام وخيّر؟

الجواب: لأن الله أنعم عليه بقدرة التفكير والعقل.

سؤال:كيف يعرف ان تفكيره مؤكد؟

الجواب: لأن الله التام والخيّر، يمنحه اليقين.

اخيرا، سننتقل الآن الى حجة باسكال في وجود الله. كان باسكال (1623-1662) احد الفلاسفة الفرنسيين   الى جانب ديكارت. وكما في ديكارت كان باسكال رياضيا وفيزيائيا مسيحيا. باسكال كان  يسمى برجماتيا. البرجماتية هي مدرسة في الفكر يمكن فيها حل معظم المواقف  بحلول بسيطة، توضيحات باسكال للسبب الذي يدفعنا لوجوب الاعتقاد بالله هي أقصر بكثير من توضيحات ديكارت.

يعرض باسكال في كتابه pensees، رهانه الشهير في سبب اعتقاد المرء بالله. اذا انت تؤمن بوجود الله وانه حقيقي فأنت سوف تستفيد من أبدية الحياة بعد الموت. واذا كان الله غير موجود لكنك تعتقد به، عندئذ وان كانت هناك خسارة، لكنك ستكون أفضل في رهانك على الايمان لأن لأديان تعطي الناس الهدف (pascal’s wager,250-251).

من جهة اخرى، هناك عامل آخر لو انت لا تؤمن في الله. اذا انت لا تؤمن بالله، وهو حقا موجود، ستكون هناك لعنة او خطيئة أبدية لروحك في الحياة الاخرى. ولكن اذا كنت لاتؤمن بالله وهو غير موجود، عندئذ انت سوف لن تستفيد في أي شيء أكثر من عدم ايمانك .

باختصار، يصف باسكال انك كونك متدين يعني انك تمتلك كل شيء ولن تخسر شيئا، بينما لو كنت لاتؤمن فانت تخسر كل شيء  ولاتربح اي شيء. غير ان هذه النظرية لها عيوبها سنوضحها كالتالي:

ان باسكال لا يتطرق للعديد من الأديان الاخرى في العالم ويركز فقط على الدين المسيحي الغربي . في العالم هناك أديان قديمة وجديدة  تضم  الاف الآلهة التي يمكن ان نضع ايماننا بها. أي اله يريدنا باسكال عبادته؟ هل هذا ينطبق فقط على المسيحية ام على الاديان الابراهيمية الاخرى كالاسلام واليهودية؟ اذا كان شخص ما مسيحي ويعتقد بوجود الله، ماذا لو كان خاطئا وان الالهة  الرومانية الستة هي الهة العالم الصحيحة؟ هل ستُلقى روحه في النار بسبب عدم ايمانه بالالهة؟ واذا كان شخصا ما ملحدا هل سيقاسي بعد الحياة بسبب عدم ايمانه او بسب عدم طاعته للاله الصحيح؟ ان عدم الوضوح في الاله الذي نؤمن به يترك مجالا واسعا للخطأ في هذه الحجة. باسكال ايضا يرتكب خطأ حين يخبر الناس ان الاديان لاتكلف شيئا عدا الايمان.  في جميع الاديان هناك عادات ملزمة. في اليهودية يجب الالتزام بطعام الكوشر وعدم العمل ايام السبت. في المسيحية يجب الذهاب للكنيسة كل يوم احد، ودفع ضريبة العشرية واحيانا تحمّل التقشف. في الاسلام يجب تناول طعام حلال والابتعاد عن الكحول وممارسة الصلاة خمس مرات باليوم.

واخيرا في رهان باسكال عند النظر للاديان الاخرى هناك الثنائية الزائفة او مغالطة الابيض والاسود. هذا الرهان يعتمد على الخوف عند محاولة اقناع الناس بالايمان بالله، لأنه اذا انت لا تؤمن فانت ستخلد في النار.

نستنتج ان رهان باسكال اكثر فاعلية في اقناع الناس بوجود الله قياسا بحجة ديكارت السببية. باسكال اتخذ اتجاها اكثر برجماتية وهو بدلا من استعمال العقل في الإقناع، هو يستعمل المجاز في المقامرة  وإبلاغنا بالمحصلة  لو كنا نؤمن او لم نؤمن. ومع وجود بعض القضايا الشائكة في الرهان، لكنه يبقى معقولا. الأديان قد لا تربح الأفضل بدون تكاليف او تضحية، لكن المكافأة ستكون عالية في النهاية.

 

.........................

الهوامش

(1) الحجة الانطولوجية في وجود الله تؤكد على ان الله موجود بناءً على ان الوجود يعود لفكرة الله. ديكارت لم يكن الاول في صياغة مثل هذه الحجة. في القرون الوسطى الفيلسوف القس انسلم عرض صيغة شهيرة للحجة الانطولوجية، وكذلك فعل افلاطون في حوار(فيدو). غير ان بريق الحجة الانطولوجية خفت كثيرا بعد ان اوضح عمانوئيل كانط انها تنطوي على مغالطة منطقية خطيرة. الحجة الانطولوجية تتعامل مع الفعل الوجودي (to be) كخاصية مثل اي خاصية اخرى، أي بمعنى خاصية يمكن ان يمتلكها شيء ما او لا يمتلكها. في الحقيقة، ان الوجود كخاصية هو فريد من نوعه، طالما ان الشيء اذا لم يوجد   فهو لايمتلك اي شيء. انه فقط غير موجود.

(2) طبقا لديكارت كل جوهر له سمة رئيسية تقرر ما هية ذلك الجوهر. طالما هناك فقط جوهران في العالم وهما الذهن والجسم، فهناك فقط سمتان رئيسيتان موازيتان لهما وهما الفكر والتمدد. الربط بين الجوهر وسمته الرئيسية هو قوي جدا. الجوهر لا يمكن ان يوجد ولا يمكن تصوّره بدون سمته الرئيسية. الجسم بدون تمدد او الذهن بدون تفكير لا يمكن ان يكون متماسك منطقيا.

(3) الدائرية الديكارتية هي نقد لحجة ديكارت عرضه (انتوني ارنولد) ويتخذ الشكل التالي:

A- برهان ديكارت في مصداقية التصورات الواضحة والمتميزة كمقدمة لوجود الله الغير مخادع.

B- برهان ديكارت في وجود الله يفترض سلفا مصداقية التصورات الواضحة والمتميزة.

وهكذا فان جدال ديكارت يكون دائريا. قاعدة الحقيقة (التصورات الواضحة والمتميزة) مشروطة بوجود الله، لكننا نستطيع فقط معرفة وجود الله بكوننا قادرين على تصور هذا بوضوح وتميز. في الحجة الدائرية تكون المقدمة ضمن الاستنتاج. في حالة ديكارت، المقدمة لديه تتضمن استنتاجا لأن قاعدة الحقيقة مشروطة بوجود الله. المشكلة الثانية التي تبرز هنا كيف نستطيع معرفة المبادئ الاساسية المطلوبة لكي نمتلك معرفة.

 

محمود محمد علييتساءل تولمن: فما سبب هذا التغير؟ هو أن استجابة لاكاتوش للجدل العام الذي أثارته نظرية توماس كون للثورات العلمية وخصوصاً للمواجهة المباشرة بين كون وبوبر في لقاء كلية بدفورد . ومنذ ذلك الوقت وبدأت ميثودولوجيا لاكاتوش في برامج البحث العلمي في التشكل سريعاً، وخصوصا فيما يتعلق بالتطور النظري في العلوم الفيزيائية . وبلغت هذه المرحلة ذروتها في الصورة المعدلة التي بحثها لاكاتوش لدى كلية بدفورد والتي على إثرها تم نشر" النقد ونمو المعرفة" والتي فيها بحثه المسمى التكذيبية وميثودلوجيا برامج البحث العلمي سنة 1970 .

وفي تلك المرحلة المتوسطة، يؤكد تولمن أن المصطلحات نفسها  التي استخدمها لاكاتوش لتصنيف برامج البحث العلمي بقيت كما هي، كما بقيت المصطلحات نفسها شبه المنطقية، والتي وضعها لتصنيف مناهج بديلة في الكشف الرياضي : أي الاستقرائي  - التجريبي والتكذيبي ... إلخ . وبعيداً عن هذا التغير من الرياضيات إلى الفيزياء، فإن الشئ الجديد في هذه الأبحاث، هو عدائية لاكاتوش للتاريخية بكل أشكالها، وأيضاً التأكيد على الوظائف النقدية للعقل والعالم الثالث والعلم على حد سواء . (وكلا السمتين، تأييد لاكاتوش لبوبر في معارضته لنظرية البراديم عند كون، وكذا النسبية التاريخية التي تفرضها رؤى كون المبكرة  سوف ينتقلان بنا إلي المرحلة التالية) .

3 ـ المرحلة الثالثة وهي أبحاث لاكاتوش في السنتين الأخيرتين، والتي نشرت ضمن Jerrusalem paper and the UCLA Copernicus paper))، وفي تلك الأبحاث نجد بدايات تغير أخر . ودوافع هذا التغيير الثاني تأتي من التركيز على الاستراتيجيات الفكرية الفعلية الممثلة في برامج البحث النظري المتغيرة في الفيزياء والفلك على مدى الثلاثة قرون الأخيرة . ولا يمكننا التمييز بدقة بين الأهداف والغايات الفكرية المختلفة التي أدت بفيزيائي مثل جاليليو ونيوتن أو ماكسويل أو أينشتين للسعي وراء خطوطهم الفكرية الخاصة بهم، إذا طبقنا المصطلحات الشبه منطقية وحدها . فالاختلافات في الاستراتيجية الفكرية بينهم لم تكن فقط اختلافات صورية ـ فالرجل فقط يلعب دوراً استقرائياً والآخر تكذيبياً والثالث إقليدياً وهلم جرا، وليس مستقلاً . والاختلاف بين أفكارهم واستراتيجياتهم كانت نتيجة لاختلاف الغايات التجريبية للكفاية التفسيرية والاكتمال النظري. ولذا فنجد في أبحاث لاكاتوش الأخيرة وخصوصاً التي أعدها مع إيلي زهار Elie Zahar . نجد أن لاكاتوش يتبنى مفهوما أشمل وأكثر استقلالية عن الاختلافات الجوهرية بين برامج البحث المتنافسة . (وهذه هي النقطة التي اعتقدت عندها أنني أرى فرصة حقيقية لإنتقاله للوضع الذي تتطابق فيها برامج الأبحاث المختلفة مع الاستراتيجيات الفكرية المختلفة بالمعنى الحقيقي للكلمة) .

ويذكر تولمن أنه على الرغم من هذه التغيرات فى اهتمامات إمري لاكاتوش إلا أن هناك أشياء معينة فى وجهات نظره أضحت بلا تغيير . فلنفترض أننا وضعنا نص من كتاب " براهين وتفنيدات " إلى جانب كتاباته المتأخرة، ولنفترض مثلا أننا قارنا النسخة الأخيرة لبحثه عن " تاريخ العلم وإعادة بناءاته العقلانية والتى عرضها فى القدس فى يناير 1971 ثم  أعيد نشرها بعد تعديلها فى 1973 والتى استهلها لاكاتوش بالقول: " إن فلسفة العلم  بدون تاريخ العلم خواء وتاريخ العلم بدون فلسفة العلم عماء وانطلاقا من مقولة كانط هذه فيعني هذه البحث بتوضيح كيف يجب أن يستقى تاريخ العلم من فلسفة العلم والعكس بالعكس " وعودة إلى مقدمة كتاب " براهين وتفنيدات " نجد أن  الفكرة نفسها يتم تطبيقها هذه المرة على الرياضيات  في ظل سيطرة الشكية فلا نجد بداً من إعادة صياغة ما قاله كانط : إن تاريخ الرياضيات بدون إرشاد من الفلسفة يصير أعمى . بينما فلسفة الرياضيات إذا أدارت ظهرها إزاء تاريخ الرياضيات صارت خاوية . وبالمثل يؤكد لاكاتوش الكلمات نفسها لبحثه في فلسفة العلم الذي نشره في (1973) هي اقتباس واضح في بحثه الذي نشره (1962) عن " الارتداد اللانهائي في فلسفة الرياضيات  ":

دعني أذكر قارئي بنكتتي المفضلة والمعروفة بأن تاريخ العلم و (الرياضيات)  هو كاريكاتير لإعادة صياغته . وإعادة الصياغة تلك هي كاريكاتير للتاريخ الفعلي. وأن بعضاً من تاريخ العلم و(الرياضيات) هو أيضاً كاريكاتير للتاريخ الفعلي وإعادة بناءاته العقلية  .

ونجد أن تولمن يري  كل المهام الفكرية التي اهتم بها إمري لاكاتوش منذ عام 1965 حول فلسفة العلم مع كثير من المصطلحات التي استخدمها لتوصيف الميثودولوجيا العلمية كلها ببساطة أعيد تطبيقها على إجراءات العلم الطبيعي وهي أفكار وضعت أساساً لمناقشة الميثودولوجيا الرياضية وفلسفة الرياضيات .

ومن المثير للاهتمام  كما يري تولمن - أن الاتجاه التطوري للاكاتوش نحو مشكلة بوبر المتعلقة بمعيار التمييز ومعايير الحكم العلمي . وخلال تلك المرحلة الوسطى تطور" لاكاتوش2 " بعد أن عبث بفكرة بوبر في أن للفلاسفة إلتزام راسخ ومعايير ثابتة للتفرقة بين العلم واللاعلم والعلم الجيد والعلم السيئ من خلال التجربة الفعلية للعلم الطبيعي وخصوصاً الإصرار على أن العلم يجب أن يلتزم بمعايير عقلانية بعينها في حججه والتي هي المنج النهائي لعمله . إلا أن لاكاتوش في أبحاثه النهائية الأخيرة آمن بأن الفلاسفة من أمثال بولاني لا يتفقوا مع اتهاماته المبكرة . فمثلاً في عام 1973 في مراجعته لورقة  القدس يمكن بوضوح أن نتفق مع إستنتاج بوبر القائل : يجب أن يكون هناك سلطة دستورية غير قابلة للتغيير قانوناً (باستخدام معيار التمييز) للتفرقة بين العلم الجيد والعلم السيئ . على أنه غير استقرائي . وعلى العكس فموقف بولاني المضاد أي أنه يجب ألا يكون ويمكن ألا يكون ـ هناك الحالة التشريعية إطلاقاً . فقط الحالة التشريعية هو ما يبدو به شئ كثير من الحقيقة .

وحتى الآن نجد أن كل القوانين التي طرحها فلاسفة العلم الاستقرائيين ثبت أنها خاطئة في ضوء ما حكم به أفضل العلماء . وحتى اليوم لا تزال المعايير العلمية التي يطبقها العلماء هي معيار للقوانين الفلسفية الجامعة . لكن لا يزال التطور المنهجي متأخراً فيما يتعلق بالعلوم المتقدمة . ليس إذن من العجرفة أن نقول بأنه إذا خالف نيوتن أو آينشتاين علمياً أياً من قوانين بيكون أو كارناب الاستقرائية فإن أمر العلم يجب أن يعاد النظر فيه من جديد . وأنا أعتقد أن الأمر كذلك  .

ويرى تولمن في هذه المرحلة الأخيرة (لاكاتوش3) فإن ميثودولوجيا برامج البحث كانت إذن تاريخية تماما كما هو الحال عندي أو عند بولاني . فلما إذن السخط حول نخبويتنا وفاشستيتنا المخربة كما يزعم لاكاتوش وما إلى ذلك تلك هي المشكلة فحسب .

ويتعجب تولمن أنه من سخرية القدر، حتى هذه التنازلاتِ النهائيةِ لسلطة العلماء فإن الحالة التشريعية يمثل فقط عودة لموقف إمري لاكاتوش فيما يتعلق بالرياضيات . وفي ذرورة الحديث الذي يشكل معظم " براهين وتفنيدات" يصر علي أن " الحالة التشريعية " المعروف قد يحدث تغيرات جذرية في الاستراتيجية الفكرية في تاريخ الرياضيات أيضاً .

ولذا يرى تولمن أن لاكاتوش منذ البداية منفتح علي فكرة أن مفهوم الحقيقة ومعايير الإثبات وأنماط النمو الرياضية يجب تحليلها وتطبيقها بطرق تأخذ في الاعتبار تطورها التاريخي، وأيضا فكرة أن القبول التاريخي للتغير في أفكار الحقيقة والإثبات والنمو لدي الرياضيين العاملين هو أمر أساسي لفلسفة الرياضيات، ولو أن هذه المواقف ليست تعبيراً عن التاريخية أو النخبوية التي اعترض عليها بعد ذلك بعض فلاسفة العلم الأخرين – فربما كان من حقنا أن نسأل – فما هي إذن ؟

ثم ينتقل تولمن إلي الحديث عن محتويات العالم الثالث موضحاً أن هناك سببين جعلا لاكاتوش يفرق بشدة بين موقفه الأخير وبين موقفي وموقف بولاني .وفي هذا الجزء من البحث سوف أتساءل حول الموازنة – أو انعدامها – بين فلسفة الرياضيات وفلسفة العلم الطبيعي : وخاصة لأن تجربته المباشرة قاصرة علي مجال الرياضيات، فلاكاتوش يخطئ الفهم عندما يفرط في تبسيط مكونات العالم الثالث، بحيث يصبح (لدي كل مؤيدي بوبر) المحتوي الفكري والمناهج والناتج لأي نظام عقلاني كل إعادة وتقييم ونقد، ثم في الجزء الأخير سأواصل توضيح كيف أن مثل هذا التبسيط المبالغ فيه جعله يعتقد أن كل هذه المواقف في فلسفة العلم والتي تلحق أهمية بالغة بتطبيق العلماء هي عرضة للاتهام بالنسبوية التاريخية، مثلما هو الحال مع الطبعة الأولي من " بنية الثورات العلمية" لتوماس كون .وفي المقابل سأقول بأن الحصول علي وصف للتطبيق العلمي أمر سهل المنال بما في ذلك كل ما يتطلبه من عقلانية مؤيدو نظرية العالم الثالث والتي كنتيجة تتحاشي وصمة النسبية والتي لا تواجه أية اعتراضات أو صعوبات لا تنشأ بنفس القوة حول موقف لاكاتوش النهائي ؟

ويبدأ تولمن بمقارنة الرياضيات والعلم الطبيعي قائلاً: إن فيلسوف العلم الذي يتكسب من عمله كعالم طبيعي دائما ما يجد نفسه في تناقض مع الزملاء الذين يتناولون الموضوع من جانب الرياضيات أو المنطق الرمزي . وقد ناقشت هذه الظاهرة في موضع ما من مؤلفاتي : فمثلا لو قلنا إن برنامجاً فلسفياً عاما للوضوح من خلال البديهية التي كانت رائجة بين فلاسفة العلم التجريبين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ويستقي ذلك المنهج معقوليته من شيئين مختلفين مربكين : أي سعي هلبرت للبديهية كهدف أو غاية للرياضيات وسعي هيتز النفعي بها كوسيلة للتغلب علي التناقضات النظرية في الميكانيكا كفرع من الفيزياء . ومثال ذلك كتاب " أسس علم الحساب " لفريجه أدي بالفلاسفة في فترة ما بين الحربين أن يطالبوا بمثالية أكبر وثبات في تحليلهم للعلم أكثر مما تسمح به الطبيعة الفعلية للعلوم الطبيعية . ورغم إنكارهم المعلن للوضعيين فإن كل ما يتعلق بها لم ينجح كل من بوبر ولاكاتوش في الابتعاد تماماً عن هذه السمة للموروث الفيييني . وفي حالة لاكاتوش خاصة فخبرته كرياضي يبدو أنها صرفت انتباهه عن ضرورة ذلك الابتعاد .

وفي رأي تولمن هناك سمتين للرياضيات الخالصة تشترك فيهما مع أي علم طبيعي إلي حد مشكوك فيه بشدة :

1- إن المحتوي الفكري لأية نظرية نسقية في الرياضيات يمكن تحديدها بدرجة عالية من التقريب بنسق من القضايا يمكن أن نعبر من خلاله عن ذلك المحتوي . ومن هذا المنطلق الرياضي فإن ذلك النسق هو نسق قضايا مع ارتباطها بالتطبيق – فمثلا الإجراءات العملية التي نحدد بها نموذجاً فيزيائياً محددا للكيانات المشار إليها في النسق، حيث النقاط عديمة الابتعاد والمثلثات متساوية الأضلاع وسرعات الضوء المتماثلة أو أياً كانت هي عناصر خارجة عن النسق . فمثل هذه الأمور التطبيقية ليس لها أثر مباشر علي صحة النظام الرياضي محل التساؤل باعتباره جزءً من الرياضيات .

2- في بعض فروع الرياضيات (إن لم يكن كلها)، فالمعالجة الأكثر مثالية أمر ممكن : أي أننا يمكن أن نتخيل مواقف يمكننا فيها أن نفكر في الشكل الحالي لنسق رياضي علي أنه شكل نهائي وحاسم . عندما طور فريجه تحليله المنطقي للحساب مثلاً قال بنهائيته . وكان يمكن (كما يزعم) لفلاسفة الرياضيات أن تجريد الحساب من الإضافات الخارجية التي حجبت مفاهيمه في شكلها الخالص عن أعين العقل . وهذه الحركة الأفلاطونية كان لها أثر فصل الحساب عن تاريخه، ولم يعد هناك مساحة للنظر للمفاهيم الحسابية كمنتج تاريخي يمكن مقارنته بما هو قائم . والسؤال الوحيد الذي سمح لنا فريجه بطرحه هو : هل هذا التحليل صحيح ؟ فإما أنه علي صواب في وصفه للشكل الخالص للمفاهيم الحسابية معتبرا إياها من مكونات العالم الثالث أو أنه كان علي خطأ؟  وبدلاَ من أن يري نظريته توصف بأنها تحسين مؤقت سوف يستبدل في المستقبل بتغير مفاهيمي أخر مع تطور الرياضات فهو لا يرجو سوي أعلي الحدود وأقصاها .

ويري تولمن أن الفلاسفة الذين اعتادوا العمل في المنطق الصوري والرياضيات البحتة ربما يعتقدون أن الكيانات والعلاقات التي من شأنها الحكم بشروط عقلانية – والتي هي أساس مكونات العالم الثالث غير التجريبي عند بوبر (وأفلاطون) – تشكل القضايا والعلاقات المنطقية بينهما . إلا أنها تبقي موضع شك في أمرها حول فيما يتعلق بما إذا كان هذ1الاعتقاد قائماً علي أساس أم لا . وحتي في العلم الطبيعي الذي يمكن صياغة نظرياته في شكل رياضي، فإن المحتوي التجريبي للعلوم يمتد إلي ما هو أبعد من حدود تلك النظريات الرياضية . فمثلا الطريقة التي تحدد بها النماذج التجريبية الفعلية للكيانات التي تناقش في أية نظرية – عكس الموقف في الرياضيات البحتة – هي مشكلة داخلية في العلم المناظر : هي في الواقع مشكلة تعتمد عليها صلاحية ومعقولية النظرية العلمية . (فالحالة العقلانية للفيزياء المعاصرة تقوم علي وجود الالكترونات الفعلية بطريقة لا تقوم عليها الحالة العقلانية للهندسة التي لا تحاول اكتشاف نقاط أبعاد الحياة الواقعية تجريبياً) . وفي حالة أي علم طبيعي تجريبي ليس من المنطقي أن نفترض شكله الحالي، هو في الوقت نفسه شكله النهائي والحاسم، فمثلاً : حتي في " الكيناماتيكا Kinematics (وهو علم الحركة المجردة – فرع من الديناميكا)، فإن العلاقات التي تبدو قادرة علي أن تكون بديهية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تغيرت نتيجة لتطور نظرية النسبية . وبالمثل فالطريقة الوحيدة لتحويل الميكانيكا العقلية لفرع من الرياضيات البحتة هي الابتعاد عن أية علاقات تجريبية .

ويلاحظ تولمن أن هذين الاختلافين بين الرياضيات والعلم الطبيعي لهما معاني مهمة بالنسبة لشكل ومضمون " العالم الثالث " والذي يلعب دورا مهما في نظريات كارل بوبر وإمري لاكاتوش .ولو أن المحتوي الفكري لأي علم طبيعي لا يتضمن فقط قضايا ولكن براكسس praxis، ليس فقط العبارات النظرية theoretical statements ولكن أيضا الإجراءات العملية للتطبيق التجريبي فلن يستطيع العلماء ولا الفلاسفة أن يقصروا أنتباههم العقلي والنقدي علي التعقيل الصوري formal idealization لنظرياتهم . فمثلاً تمثيل تلك النظريات علي أنها تتكون فقط من أنساق من القضايا والاستدلالات في شكل رياضي منطقي . وعند بعض فلاسفة العلم فإن هذا محير ومربك، فهم معتادون علي معاملة النقد العقلاني علي أنه مسألة ذات صدق صوري أو صرامة منطقية وما شابه ذلك بحيث إن ظهور أي جانب تطبيقي قائم علي التغيير التاريخي هو بالنسبة لهم أمرا يمثل لاعقلانية، وبالتالي يهدد العقلانية علي الساحة .وعندما يزعم ميشيل بولاني أن جزء من التطبيق معروف ضمنيا وليس مصرحا به تزداد شكوكهم .

بيد أن تولمن يري أنه قد  حان الوقت لمواجهة تلك الشكوك والرد عليهم بأنهم أساءوا الفهم . فما هو معروف في العلم الطبيعي لا يري في المصطلحات النظرية والقضايا وحدها . فالإجراءات التطبيقية التي تمنح تلك الأفكار النظرية صفة تجريبية تمثل مكونا لا غني عنه في العلم، ومهما كانت هذه الاجراءات ضمنية في الممارسة العملية، فهذا لا يعني أنها ليست عرضة للنقد العقلاني .

وفي الحقيقة، يرد تولمن الهجوم المضاد  قائلاً :"  فبعيدا عن عدم قدرة فلاسفة العلم الذين يميلون تاريخيا إلي فهم أهمية النقد العقلاني أو ربط أنفسهم بالنسبويين، فكثيرا منهم يعي تلك الأهمية ويحترمها إلي حد بعيد . وما يميزني أنا وبولاني عن بوبر ولاكاتوش هو إصرارنا علي النقد العقلاني يجب تطبيقه ليس فقط علي كلمات العالم، بل وعلي عمله أيضا – ليس فقط علي قضاياه النظرية ولكن علي تطبيقاته التجريبية أيضا – وأن قانون النقد العقلاني ذلك لا يحوي فقط حقيقة " الصدق العقلاني والصحة الاستدلالية، ولكن أيضا الكفاية أو عدم الكفاية العلمية للأنواع الأخري "  .

ولذلك فإن تولمن يؤكد علي أنه إذا ما احتفظنا بالصورة البوبرية للعالم الثالث، فعلينا أن نتبع طريقة بحيث نوسع من منظورها وأبعادها، فحيث إن المحتوي الفكري للعلم الطبيعي يتضمن مصطلحاته اللغوية وقضاياه وإجراءاته غير اللغوية والتي منها أفكار ذات صلة تجريبية وتطبيقية، فإن نموذج العالم الثالث يجب أن يفرد مساحة للتطبيق الأساسي للعلم الطبيعي بجانب قضاياه واستدلالاته ومصطلحاته وحقائقه، وبالرغم  من أن بوبر يري أن العالم الثالث من إبداع الذوات العارفة، إلا أنه يعتقد أن هذا العالم مستقل عن هذه الذوات ويولد مشكلاته الخاصة . وتنتمي المعرفة العلمية إلي هذا العالم، إذ أنها معرفة بدون ذات عارفة .

ويستطرد تولمن فيقول :" يرفض لاكاتوش التسليم بذلك . فبالنظر لخلفيته الرياضية ينكر كل تلميح للتطبيق علي أساس أنه تسليم بعلم النفس التجريبي  وعلم الاجتماع التجريبي . وبذلك فهو يغالي في الاستهزاء برؤي خصومه ويسفه أفكارهم، ويمكن لميشيل بولاني أن يدافع عن نفسه دون مساعدتي، لذا سأتحدث هنا عن نفسي فقط " .

ومفهوم التغير المفاهيمي في المجلد الأول من الفهم البشري في نظر تولمن قائم علي التمييز، حيث الضمنيات النقدية التي يصر عليها بوبر عندما يفصل بين العالم الثالث وبين العالمين الأول والثاني (المادي والعقلي) للحقيقة التجريبية : أي الفرق بين النظم Disciplines والمهن Professions  . فأي شئ يتعلق بالعلوم يعتبر نظاما  Discipline هو عرضه للنقد العقلاني بما في ذلك الأجزاء المتعلقة بالمضمون الفكري التي تبدو عملية أكثر منها قضايا . وفي المقابل فإن المعاملات المؤسساتية Institutional Transactions التي تجسد أنشطة العلم تعتبر مهنا عرضة للنقد، لكن بشكل غير مباشر من خلال التساؤل حول مدي اشباعها للاحتياجات الفكرية في النظام المفترض أن تدعمه .وبشكل عام ليس هناك صعوبة في التمييز بين تطبيق العلم وبين سياساته . وتبقي مسألة التطبيق فكرية أو منهجية ومسائل الساسيات دائماً مؤسساتية أو مهنية ... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي أواخر عام 1974، توفي أمري لاكاتوش علي إثر حادث سيارة مروع (167)، وفي عام 1976، أقامت جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية مؤتمراً لفلسفة لاكاتوش، وذلك تأبيناً له علي رحيله المبكر من الساحة الفلسفية، وقد أشرف علي هذا المؤتمر ثلاثة من كبار فلاسفة العلم المعاصرين والعاملين بقسم الفلسفة بتلك الجامعة، وهم " بول فييرآبند " و " وراتوفسكي Wartofsky "، و " ر. س . كوهين R.S.Cohen، وقد دعي لحضور حفل المؤتمر " ستيفن تولمن "، ولقد ألقي تولمن في هذا المؤتمر بحثا بعنوان رئيسي" التاريخ والبراكسيس والعالم الثالث History , praxis and the third world "، وجاء العنوان الفرعي " غموض في نظرية الميثودلوجيا عند لاكاتوش Ambiguities in Lakatos of Methodology، وقد نشر هذا البحث ضمن مجموعة من الأبحاث في كتاب ضخم بعنوان " مقالات في ذكري إمري لاكاتوش Essays in Memory of Imre Lakatos.

وفي هذا البحث يرد تولمن علي الانتقادات التي وجهها لاكاتوش في مقالته " فهم تولمن " قبل وفاته، وقد قسم تولمن المقالة إلي أربعة عناصر:-

العنصر الأول : مدخل شخص Personal Introduction وفيها يشجب تولمن الحدية التي واجهها من لاكاتوش في مقالته " فهم تولمن.

العنصر الثاني : وجاء بعنوان " الاتساق والتغير في التطور الفكري للاكاتوش Consistency and change in Lakatos's Development "، وهنا يفند تولمن ابستموجيا لاكاتوش في ميثودلوجيا برامج الابحاث عبر مراحلها التاريخية ويقارنها بفكرة "الاستراتيجيات الفكرية لديه intellectual Strategies " .

العنصر الثالث : محتويات العالم الثالث The contents of The third world . وفيه يوضح تولمن مبررات رفضه لمشاكل العالم الثالث وأسباب تمسكه بما يدور بالفعل داخل الممارسة العلمية، وذلك من خلال تحليل الممارسة اللغوية العلمية الفعلية .

العنصر الرابع : وعنوانه " شكلان مختلفان من التاريخية Two variants of historicism وفيه يرد تولمن علي مزاعم لاكاتوش حول النزعة الذاتية – التاريخية بأنه يحدد هوية وصفات تلك النزعة.

وسوف نحلل تلك العناصر بشئ من التفصيل، ثم نعقب عليها، وذلك علي النحو التالي:

يبدأ تولمن مقالته بقوله :" هذه الورقة تلفت انتباهنا إلي الصعوبة التي ينطوي عليها تفسير كتابات إمري لاكاتوش حول الميثودولوجية وفلسفة العلم، كما تبرز بعض المعالم التي تعيننا في التغلب علي هذه الصعوبة، والمشكلة مثار الجدل تحظي بشئ من الاهتمام بالنسبة لي شخصياً، حيث إنها (فيما اعتقد) تشكل اختلافات جوهرية صارخة في الرأي وقعت بيني وبين لاكاتوش في إحدى اللقاءات العامة منذ نوفمبر 1973، وهي مشكلة بعثت بداخلي دوافع خاصة لمحاولة حلها بطرق شتي، حيث إنني ولاكاتوش كنا قد طرحنا قضايا في فلسفة العلم بشكل متوازن .

ثم يتساءل تولمن قائلاً : ما هي الحجج المتعلقة إذن بفلاسفة العلم ذوي التوجه التاريخي مثل "ميشيل بولاني" وتوماس كون وأنا (شخصيات فكرية مختلفة في الفكر والتوجه غاية الاختلاف)؟ وما الذي أثار غضب لاكاتوش حين قلنا إن رائعته في " ميثودولوجيته عن برامج الأبحاث methodology of research programmes  قريبة الشبه بمناقشتي للاستراتيجيات الفكرية intellectual Strategies في العلم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن الدور الرئيسي الحاسم الذي منحه للتغير التاريخيhistorical change  والأحكام العامة التي أصدرها حول الرياضيين، قد برزت في نتيجة واحدة من الدراسات الرئيسية لكتاب لاكاتوش المسمى "براهين وتفنيدات" ؟

ويشرح تولمن نقاط التشابه بين منهجيته ومنهجية لاكاتوش :-

1- إن أفكار لاكاتوش حول برامج البحث يمكن بسهولة معادلتها خارج ِأسوار مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن ومعادلتها بوجهات نظري حول الاستراتيجية الفكرية، وكلا الرؤيتين قد وضعتا لتناول السؤال التالي نفسه :

كيف أن التعرف علي توجهات التجديد النظري في العلم هو شئ مثمر وخصب وعقلاني بشكل أو بأخر في هذا العلم الطبيعي أو ذاك في تلك اللحظة من تاريخه ؟

2- وأكثر من هذا أن الرؤيتين كليهما تتطلبان من فيلسوف العلم أن يبدأ بتصوير وصفي دقيق للسمة التي يكون عليها البرنامج أو الاستراتيجية المتجسدة في طور معين من التطور النظري (مثلاً : تحليل نيوتن للقوي الرئيسية والنظرية الموجية للضوء في القرن التاسع عشر , أو رؤية داروين لأصل الأنواع , وبالإضافة إلي ذلك فإن أي من الرؤيتين تخضع لبرنامج أو استراتيجية أو براديم ناجح حالياً أو أي مرجعية حقيقية من حيث الأساس , بل علي العكس نجد الرؤيتين كليهما يظهران كيف أن التوجهات التنظيريةdirections theorizing القائمة يمكن أن تخضع للاختبار النقدي كي يتضح إلي أي مدي هي ناجحة أو مثمرة أو تقدمية .

ويؤكد تولمن أنه وضع يده علي نقطة الخلاف بينه وبين لاكاتوش قائلا:" إن نقطة الخلاف الرئيسية بيني وبين لاكاتوش تكمن في رؤيتنا لمصدر وصف هذه المعايير النقدية في إصدار الأحكام، ففي واحدة من مراحل فلسفة العلم عند لاكاتوش بدأ بوضوح أنه منجذب لفكرة أن هذه المعايير ربما كانت خالدة ولا علاقة لها بالتاريخ , فمثلا يمكننا استنباط قوانين كلية universal canons للتفريق بين التوجهات التقدمية progressive والتوجهات الرجعيةreactionary للتغير العلمي كنظائر لمعيار التمييز Demarcation criterion عند كارل بوبر، إلا أنه تخلي (كما سنري عن تلك الفكرة بحلول عام 1973، ولا تزال رؤيتي المضادة والمخالفة هي أننا علي هذا المستوي نتوجه للبحث عن ماهية الشئ المفيد والمثمر (ولنقل) بمكانيكا الكوانتم أو الكوزمولوجيا الفيزيائية أو فسيولوجيا الخلية أو علم المحيطات في هذه المرحلة أو تلك من تطور العلم ويبدو أن ذلك أثار غضب إمري لاكاتوش، وقد إعتاد لاكاتوش أن يتهم هذه الرؤية بأنها قاصرة علي النخبة بشكل مفرط – حيث تتشابه مع الستالينية Stalinism (لانسنج 1972) أو أنها مشابهة لرؤية ديرشتورمر Dersturmer (مؤتمر كوبر نيقوس 1973 ) أو أنها تصدق علي فكرة " شرطة الفكر " عند فيتجنشتين (في مقالته عن فهم تولمن) .

ويتعجب تولمن بشدة من موقف لاكاتوش، والذي بموجبه استفاد لاكاتوش من فكرة التغير المفاهيمي التي طبقها تولمن في العلوم الطبيعية، حيث أخذها الأول وطبقها في الرياضيات وبالذات في كتابه " براهين وتفنيدات " .

ومن جهة أخري يعيب تولمن علي الموقف السلبي الذي أخذه لاكاتوش إزاء تأثره بفيتجنشتين فيقول :"... وفي بعض الأوقات كل ما يمكن أن نخرج به هو أن رفضه لأي شئ يتعلق بلودفيج فيتجنشتين التقطه بالعدوي من خلال ارتباطه بكارل بوبر وليس مجرد فضول تاريخي – صدي متأخر لفيينا القديمة : أشياء منسية بعيدة .. ومعارك بعيدة . وحيث إنني تعلمت دروس فلسفية مهمة من كل من فيتجنشتين وبوبر وكولنجوود، فأنا لا أري فلاسفة فيينا منعزلين في صراع دائم .

وأعتقد أن تولمن علي حق حين وصف لاكاتوش أنه إلتقط بالعدوي النقد العنيف لفيتجنشتين، والذي أخذه الأخير عن بوبر، فموقف لاكاتوش من فيتجنشتين يكاد يشبه موقف كارل بوبر الذي كان قد انتقد فيتجنشتين أثناء نقده للوضعيين المناطقة مؤكدا أن الوضعيين يسيرون في متاهات التحليل اللغوي والبحث عن الدقة بهدي رائدهم فيتجنشتين الذي شبه الميتافيزيقيين بفراشة دخلت في زجاجة وأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق الخروج من الزجاجة لينتهي الزن الميتافيزيقي إلي الأبد، لكن بوبر يري أن فيتجنشتين هو الذي دخل الزجاجة يزن ولم يستطع الخروج منها لأنه نسي أن اللغة وسيط للتعبير، ربما هدفاً من تحليلاته إلي الوضوح إلي تلميع النظارات اللغوي كي يحظي برؤية واضحة للعالم . غير أنه أمضي العمر كله في هذا التلميع ولم يستفد منه، فاندفع في ممارسة التحليلات بطريقة مملة مللاً عقيماً لا يطاق، شأنه في هذا شأن نجار أمضي العمر كله في صقل أدواته وشحذها ببعضها البعض، وفاته أن يستخدمها في صنع شئ مفيد .

كما يوضح تولمن بعض الالتباسات التي غمضت علي لاكاتوش فيما يتعلق بفكرة النخبوية والتاريخية والاجتماعية والفاشيستية عنده ( أي تولمن) وعند بولاني، وفيها يرد تولمن علي لاكاتوش فيقول :" .. فتلك تحليلات غير مرضية، فكما يري إمري لاكاتوش هناك مبادئ اتفقنا عليها خطأ أنا وميشيل بولاني وتوماس كون فكلنا ملتزمين بالنخبوية والتاريخية والاجتماعية والفاشيستية، والجميع فشل في التمييز بين الأنشطة المادية (العالم الأول) و(العالم الثاني) الحكم العقلي للعلماء العاملين انطلاقا من العلاقات القضوية في (العالم الثالث) والتي في ضوءها يتم تقييم هذه الأنشطة والأحكام .

ثم يتساءل تولمن فيقول : كيف يتأتي إذن لإمري لاكاتوش أن يفسر ويؤول هذا التعارض بين الأنشطة والمعتقدات للعلماء والعلاقات القضوية للعلم بالشكل الذي قام به ؟ وما هو مصدر وجهة النظر تلك في تطوره الفلسفي ؟ وكيف يمكننا الجمع بين الأشياء التي قالها في بحوثه الكلاسيكية عن العلم مع الموقف التاريخي والنخبوي الذي اتخذه في كتابه " براهين وتفنيدات " ولو استطعنا الإجابة علي هذا السؤال بشكل مقنع لاستطعنا أن نضع حداً للشكوك الشخصية حول موقف إمري لاكاتوش المعارض لكتابي " الفهم البشري " وأبحاثي الأخرى المتعلقة بنفس الموضوع .

وأما فيما يتعلق بالاتساق والتغير في التطور الفكري للاكاتوش، فيقول يقول تولمن :" إن القضية الأساسية التى سأطرحها تتعلق بتلك العلاقة الأخيرة : أى العلاقة بين كتاب " براهين وتفنيدات " والذى يعتبر دراسة لاكاتوش المبدئية حول فلسفة الرياضيات وبين الرؤى حول فلسفة العلم الطبيعى والميثودولوجيا العلمية، والتى قدمها لاكاتوش فى منتصف وأواخر ستينات القرن العشرين، وكما سنرى فهناك تطابق فى وجهات النظر عنده حول هذين الموضوعين وأحيانا تبدو أحدث وجهات نظره حول العلم الطبيعى وكأنها نسخة من رؤاه حول الرياضيات – لكن هناك أيضا اختلافات بائنة فيما يتعلق بالمعاير الأساسية للحكم .

ثم يقسم تولمن حجة لاكاتوش عن الميثودولوجيا فى العلم والرياضيات لثلاثة مراحل تاريخية آملا أن يبين مدى ثبات واستمرارية وجهات نظره من خلال كتاباته بدءا من كتابه " براهين وتفنيدات وصولاً إلى آخرها :

1 – المرحلة الأولى وتبدأ بكتاب " براهين وتفنيدات " من الفترة 1963 إلى 1964 والتى تغطى نفس التفسيرات التى حصل عليها لاكاتوش من جامعة كمبرج " سنة 1961 " وأيضا أبحاث قدمها للمجلس المنعقد لجمعية أرسطو ورابطة العقل فى عام 1962 حول " الإرتداد وأسس الرياضيات ".

ويؤكد تولمن أن فى هذه الأبحاث يركز لاكاتوش انتباهه على ميثودولوجيا التغير النظرى فى الرياضيات . فالعالم التجريبى والعالم الإستقرائى المتمسكين بالنزعة الاقليدية يشغلون أنفسهم ببرامج البحث بتلك المرحلة حيث تمثل البرامج بالنسبة لهم تقدم فكرى فى الرياضيات والناس الذين خضع عملهم فى دراسة متأنية منه هم كانتور Cantor وكوتيرا Couturat وهلبرت Helbert وبروورBrouwer  . كما أتى على ذكر , جاليليو , ونيوتن كفيزيائيين رياضيين : إن أكثر ما كان يهمه هو الجدل المعاصر الدائر بين كل من كورت جودل Kurt Godel وتارسكي Tarski وجنتزين Gentzen واستيجموللر Stegmuller وما بعد الهلبرتية post Helbertians ومنذ عام 1965 نجد أن لاكاتوش يلعب دوراً مختلفاً من مؤتمر كلية بدفورد Bedford بلندن في صيف ذلك العام نجد أن:

2- المرحلة الثانية، وهي مجموعة من الأبحاث عن فلسفة العلم الطبيعي بدءً من عام 1965 وحتي1970 قد انتقلت من التركيز علي الرياضيات إلي الفيزياء والفلك... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيمفاهيم الخير العام والتصميم الدستوري

تحتل الاعتبارات الأخلاقية عند الجمهوريين مثل روسو مكانة مركزية في الحياة الجمهورية. فقد رأى روسو أن الغرض من ذلك هو السماح للناس بالعيش في حرية التي عرّفها العيش في ظل قوانين هم يشرعونها. وضع بيتيت، بعد روسو، غاية المساواة الليبرالية في المقدمة بوصفها الحد من الهيمنة، ويحث على أن تلعب الدور المركزي في توجيه التصميم المؤسسي. إذا كانت الاعتبارات الأخلاقية هي الهدف من العيش في جمهورية، فمن المنطقي التمييز، كما فعل روسو، بين المعايير العامة التي يمكن أن تربط الأشخاص على قدم المساواة والمعايير المحددة الموجهة لأشخاص أو مجموعات معينة. يعتقد روسو أن الأول هو مجال التشريع بشكل صحيح بينما ينتمي الأخير إلى القضاة أو المحاكم. لهذا السبب، كان الجمهوريون الذين تبعوا مونتسكيو ولوك يميلون إلى تأييد الفصل الوظيفي بين السلطات الذي يتتبع التمييز  بين العام والخاص. وقد دعا الجمهوريون الذين أيدوا فكرة الضوابط والتوازنات إلى نشر الضوابط للحفاظ على السلطات المنفصلة مؤسسياً.

تلعب المؤسسات، في كل هذه الآراء، دورًا فعالًا إلى حد ما بالنسبة للصالح العام. وأكد ماديسون1  في هذا السياق في- الفيدرالي-  في حينه إن الدستور قد وضع للشعب، ونجد  الكثير من الناس يؤيدون مثل هذه الفكرة اليوم. أعتقد أن الوصفة الدستورية المتوقعة لهذا الرأي هي ابتكار إجراءات تمنع التغيير المؤسسي، مثل مطلب أغلبية عظمى أو مطلقة أو حتى توفير حق النقض التوافقي للعديد من المشاركين في السلطة. بالإضافة إلى الاختلاف حول محتوى المصالح المشتركة، اختلف الجمهوريون أيضًا حول ماهية مشكلة التدخل التي تمنع تحقيق تلك المصالح.2 

ولكن إذا كان لا يمكن الاعتماد على الوطنية، فقد ابتكر الناس أحيانًا أدوات مؤسسية لمنع تركيز السلطة في أيدي شخص واحد أو عدد قليل ، لترتيب الدستور للتخفيف من هذا التهديد. وقد كان لدى جمهوريي عصر النهضة مثل مكيافيلي وهارينغتون وسيدني مجموعة مماثلة ولكن أكثر تحديدًا من المخاوف بشأن تركز السلطة، وحاولوا ابتكار وسائل مؤسسية للحد من الملوك أو المغتصبين، معتبرين إياهم تهديدًا للحريات الجمهورية. اتخذت الكثير من توجهات مقاومة الحكم المطلق، شكل جهود لتأسيس قضاة مستقلين أو دور للبرلمان في التشريع.

كان أنصار الإصلاح الجمهوري قلقون، في الآونة الأخيرة، بشأن ما يبدو تهديدًا أكثر تجريدًا: الليبرالية، التي يُنظر إليها على أنها مصدر للمزاعم الأيديولوجية المتنافسة حول الدور المناسب للحكومة في الحياة العامة والخاصة وبشكل أساسي مع حثها على حماية الأفراد من مطالبات الدولة بطرق يبدو أنه لا يشجع الانتباه إلى المصالح المشتركة. تشبه معارضة الليبرالية في بعض النواحي القلق القديم بشأن فقدان الفضيلة المدنية. يبدو أن الآثار المؤسسية الرئيسية لهذا القلق كانت، أولاً، محاولة للحد من الاعتماد المفرط على الحقوق القابلة للتنفيذ قضائيًا، وثانيًا، محاولة لجعل القضاة يجبرون البرلمان على تقديم تبريرات تستند إلى الأسباب للقوانين التشريعية. من الواضح  تفرض هاتان النقطتان مطالب مختلفة تمامًا على القضاة- حيث تطالبهم أن يكونوا أكثر سلبية أو أعتدال من ناحية، وتطلب منهم أن يكونوا أكثر شدة في مراجعة القوانين من ناحية أخرى.

الاستنتاجات

ليس من المستغرب من وجهة نظر دستورية، تأييد الجمهوريين "حلول" مؤسسية مختلفة لمشكلة الحكومة. تميل الجمهورية الحديثة (والليبرالية الحديثة) في تصور مجتمع مكون من أفراد لديهم اهتمامات متنوعة ومتغيرة ، إلى قبول نظرية إجرائية للقانون تسمح بتغيير قانوني سريع ومرن ولا تميز بشكل حاد بين القانون والسياسة العامة. القانون هو كل ما يسنه التشريع (أو تطبقه المحاكم). من الواضح أن هناك استثناءات مهمة لهذا الاتجاه ، لذلك لا أقصد التأكيد على أنه أكثر من مجرد نزعة.

دعمت الجمهورية على المستوى الدستوري، مفاهيم مختلفة لفصل السلطة. أراد الجمهوريون فصل المؤسسات والمناصب لمنع حكم الطبقة المهيمنة وتعاظم السلطات الاستبدادية في يد رجل واحد.أيدوا الفصل الوظيفي للسلطة القضائية عن سلطات صنع القانون وسلطات إنفاذ القانون، وأصروا على الفصل بين تطبيق القانون وسن القانون. علاوة على ذلك، اعتقد الجمهوريون أن "الضوابط والتوازنات" الدستورية ستنظم العلاقات بين الأنظمة الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع. يبدو أن الجمهوريين يرون الضوابط والتوازنات كعناصر لتصميم مؤسسي يمكن ترتيبها بشكل عقلاني للحفاظ على سلطات منفصلة وظيفيًا.

تلتقط وجهت النظر الجمهورية سمات مهمة ودائمة لأي مجتمع. تتكون المجتمعات من أفراد يمثل كل منهم مصدر مميزًا للقيمة ؛ لكن نمط اهتمامات الناس وفرصهم منظم أيضًا، إلى حد كبير، من خلال عوامل اقتصادية مستقرة نسبيًا تميل إلى إنتاج وتثبيت تقسيم للعمل. المصالح الطبقية هي حقائق بنيوية واقعية في أي مجتمع وتميل إلى أن تكون مستقرة نسبيًا حتى في العالم الحديث، حتى لو كانت منظمة بشكل غير كامل أو غير واعية بذاتها. بطبيعة الحال، المجتمع الحديث أكثر مرونة وتنوعًا من معظم المجتمعات التقليدية. لكن لا تلغي هذه التعددية حقيقة أن الأغنياء والأقوياء يميلون إلى امتلاك مصالح وفرص مختلفة عن الآخرين. أخشى أن تكون الجمهورية، من نواحٍ عديدة ، قد فقدت رؤية هذه الحقيقة الأساسية - الحقيقة المرنة للانقسامات الطبقية - وتميل إلى تطوير نوع من نظرية عن الفردانية يشبه الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية التي تقوم على نوع من الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية. قد يكون هذا شيئًا جيدًا أو سيئًا؛ لا اعرف. لكنها خسارة لوجه من التفكير الجمهوري ويبدو أنه من المجدي أن نعلق عليها.

لا يفعل الناس شيئًا بشكل مباشر في البيئة الحديثة حيث تضع النخب كلاً من السياسات والقوانين دون أي إجراء مباشر ليحظى بقبول شعبي على الإطلاق. وهنا لايعني أن الناس العاديين قد وافقوا على قانون يحكمهم تحديداً. نظرًا لعدم وجود أي مشاركة شعبية مباشرة في صنع القانون، يجد الفلاسفة المعاصرون صعوبة في الاتفاق على طبيعة الالتزام السياسي. ويجدون أنه من الضروري التساؤل عما إذا كان لدى الناس العاديين التزام عام بطاعة القانون، أو ما إذا كان الالتزام يمتد فقط إلى قوانين مبررة محددة. بقدر ما يتم الرد على هذا السؤال بشكل جيد، هناك معنى مجرد، قدمه الفلاسفة، حيث يتمتع كل شخص بكرامة دستورية.

لكن المكتسب كان وضع الفرد في المركز كمصدر للقيمة ومصدر لطلب التبرير. لقد اعترفت النظريات الليبرالية بشكل مميز بهذه المركزية وقدمت مبررات، من حيث المبدأ، للاستجابة لهذا المطلب. لكن العجز  في النظريات الليبرالية هو أنها لا تركز على الصراعات البنيوية المزمنة بين الأغنياء والقليل من الأقوياء، والأغلبية من الناس، الذين ليسوا كذلك. علاوة على ذلك، لا تبني النظريات الليبرالية هياكلها المؤسسية على قوة الأغلبية، على نفوذ الذي قد يكون لديها  على الأغنياء والأقوياء. يجب ترتيب المؤسسات، بالنسبة لليبراليين  بحيث تُحترم حقوق كل شخص، بغض النظر عن مدى ضعفه. لكن بالطبع يكون كل فرد، في المجتمع الحديث، ضعيفًا وليس في وضع يسمح له بالمطالبة بالحقوق أو الاعتراف. يبدو لي أن الجمهورية الحديثة قد قطعت شوطًا طويلاً لقبول هذا الوصف.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

 Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

Millar, F. (1998). The Crowd in Rome in the Late Republic. Ann Arbor: University of Michigan Press.

Nippel, W. (1995). Public Order in Ancient Rome. Cambridge: Cambridge University Press.

Pettit, P. (1997). Republicanism. Oxford: Oxford University Press.

Rousseau, J.J. (1997). The Social Contract and Other Later Political Writings. Cambridge: Cambridge University Press.

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

Sunstein, C. (1985). ;'interest Groups in American Public Law." Stanford Law Review 38: 29-87.

Sunstein, C. (2009). "The Enlarged Republic -Then and Now." New York Review of Books 56 (March 28-April 8): 45-8.

Tocqueville, A. de (2000 [1840]). Democracy)' in America. Eds and trans. H. Mansfield and D. Winthrop, Chicago: University of Chicago Press.

Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

هوامش

  1- Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers.

  2- Ferejohn, J. and F. Rosenbluth (2006). "Republican Liberalism.

 

 

علي رسول الربيعيالجمهورية الحديثة: تبدأ الجمهورية الحديثة من مقدمات مختلفة عن الصيغة الكلاسيكية للجمهورية بثلاث طرق. أولاً، إنه مبني على أنطولوجيا اجتماعية مختلفة وبالتالي نظرة مختلفة للصراع الاجتماعي. ثانيًا، حتى وقت المؤتمر الدستوري الأمريكي، تطور الفكر الجمهوري الحديث في الغالب كإيديولوجيا معارضة وواحد كان في البرية السياسية لفترة طويلة جدًا، بدءًا من منفى مكيافيلي ومرورًا بالجمهوريين الإنجليز حتى وقت رسائل كاتو. ويبقى هذا جانبًا من جوانب الفكر الجمهوري المعاصر. إلى الحد الذي كان فيه الجمهوريون ينظّرون حول تصحيح شرور النظام القائم، أو التنظير حول جمهورية مثالية، فقد تحرروا إلى حد كبير من ترسيخ وصفاتهم بإحكام على القضايا العملية المتعلقة بكيفية عمل المؤسسات أو ارتباطها بالمجتمع. يمكنهم التحدث عن المصالح المشتركة أو عن الناس، كما لو كانت هذه وحدات طبيعية وغير منقسمة، ويمكنهم بالتالي التخلص من النزاعات الداخلية. ثالثًا، يميل الجمهوريون المعاصرون إلى إظهار نفور عميق من أي شكل من أشكال الحكم المباشر أو الشعبي الذي يمتد بعمق عند المحافظين الكلاسيكيين الى شيشرون.

يجادل بأن هذه السمات الثلاث تعاونت لإحداث تغيير رابع - تحول في طبيعة ومحتوى المفاهيم الجمهورية للقانون. كانت القوانين في النموذج الكلاسيكي معنية بمبادئ العدالة، والعلاقات الأساسية بين الطبقات، وتنظيم السلطة. تم تنفيذ الجوانب اليومية للسياسة بطرق أخرى من قبل القضاة التنفيذيين إلى حد كبير. لكي يكون الشيء قانونًا وليس أمرًا قضائيا او قراراً، يجب أن يفي بنوع من الاختبار الموضوعي من نوع ما.

سأجادل أنه عندما جاء الناس لقبول الفصل الوظيفي بين السلطات، على سبيل المثال، التمييز بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعندما بدأوا يعتقدون أنه لا يمكن الوثوق بالناس حقًا لممارسة أي من هذه الوظائف بشكل مباشر، أصبح من الطبيعي تفويض الصلاحيات إلى الممثلين وتطوير نظرية إجرائية للقانون. يصبح القانون بعد ذلك ما يؤكده التشريع كقانون، ويجب على القضاة تطبيق القانون الساري من الناحية الإجرائية. توجد المفاهيم الإجرائية في نظريات اصدار الأوامر في القانون التي تبدأ مع هوبز، و يمكن تتبعها أيضًا في الأشكال الحديثة للوضعية (حيث تصبح السلطة التشريعية أكثر توزيعًا مؤسسيًا).

يصف باسكوال باسكينو عالم ما بعد هوبز الحديث بأنه مجتمع بلا صفات - وهو ما يعنيه بدون أنظمة اجتماعية - ولكنه يتألف بدلاً من ذلك من أفراد ذريين. هذا لا يعني عدم وجود صراع. عادة ما يكون الصراع في هذا العالم الجديد غير مرئي أو كامن - نادرًا ما يحدث القتال الصريح عندما تكون القوى المتصارعة غير متكافئة للغاية - ولكنه إلى حد ما بنيوي ومتجذر في الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن لكل فرد اهتماماته الخاصة. يغيّر هذا ما يُعتبر مبررًا مناسبًا لمؤسسات الدولة وأفعالها. يجب تبرير إكراه الدولة لكل شخص وليس للفئات أو الطبقات الاجتماعية. لكن من المهم أن نرى أن هذا التحول أساسي لطبيعة الجمهورية: فليس الأفراد عمومًا في وضع يسمح لهم بتهديد أو إجبار الدولة على تقديم تنازلات مؤسسية بالطريقة التي تستطيع فيها  الفئات- الطبقات الاجتماعية القوية والموحدة. لا تعتمد الدولة الحديثة على الطبقات الاجتماعية بنفس الطريقة للدفاع عن نفسها، أنها تحتاج إلى تجنيد عدد كافٍ من الأشخاص والموارد للقيام بذلك. يجب حث الأفراد، الذين لديهم مصالحهم الخاصة، على خدمة الأغراض العامة، وترك الأمر لكل منهم لتقرير مقدار أي عبء عام يريد تحمله. من الصعب تنظيم الأفراد المعاصرين لمتابعة المصالح  الفئوية أو الطبقية ولو بشكل مؤقت. يمكن أن تحجب المصالح الخاصة رؤيتهم لما يشتركون فيه مع الآخرين وتحد من استعدادهم للتعاون.

وفقًا لوجهات النظر الحديثة، فإن السعي وراء المصلحة الخاصة ليس مجرد مصدر إزعاج يعيق متابعة المشاريع المشتركة، ولكنه مصدر مهم ومنفصل للقيمة يجب موازنته مع المصالح العامة أيضًا. دفع هذا الجمهوريين إلى ابتكار نظريات تعترف بالمصالح الفردية وتسعى إلى تحقيق التوازن بينها وبين المطالب المعيارية للسعي المشترك. كان على الليبراليين، بدءًا من هوبز، إفساح المجال للمصالح المشتركة (في الأمن الشخصي، والممتلكات، والدفاع، والأمن الاقتصادي، والخيرات البيئية، وما إلى ذلك). لا يزال  يميل الجمهوريون المعاصرون إلى مقاومة الفرض أو الوصفة الليبرالية المتمثلة في حماية الأفراد بحقوق قانونية قابلة للتنفيذ بشكل صارم، معتقدين أنهم يشكلون عائقًا أمام السعي المشترك، لكنهم قطعوا شوطًا طويلاً في إدراك قيمة المساعي الفردية أيضًا.

كان روسو وماديسون يكتبان من وجهات نظر مختلفة جدًا (لكن من منظور جمهوري بشكل واضح)، عن إمكانية تضارب المصالح الخاصة كحقيقة أولية ينبغي أن توجهنا في التفكير في أي المؤسسات يجب أن تكون لدينا وما يجب أن تفعله. دافع روسو عن جمهورية صغيرة يكون فيها تنوع التفضيل محدودًا بشكل طبيعي بحقيقة أن الناس يعيشون كجيران. كان يفضل الاحتفاظ بالسلطات التشريعية لدى الجمعية الشعبية كما في روما وفي الجمهوريات الكلاسيكية الأخرى. ورأى أن الحاجة إلى تبرير إكراه الدولة تتطلب أن يلعب المواطنون دورًا مباشرًا في سن القوانين الوضعية التي يخضعون لها، وليس تفويض هذا الاختيار لممثلين منتخبين. ووصف المؤسسات والممارسات التي من شأنها تسهيل صنع قوانين جيدة (أو على الأقل مبررة) في الجمعية التشريعية. سمح للقضاة بقدر كبير من السلطة في الوقت نفسه : كان على القضاة تقديم مقترحات تشريعية ومراقبة جدول أعمال الجمعية. وكان عليهم توجيه سياسة المدينة التابعة للتشريع. وهكذا، فإن الجمهورية التي وصفها روسو بالكاد كانت ديمقراطية ولكنها تشبه الممارسات الكلاسيكية في روما: سيكون هناك تصويت على القوانين، لكن الأقتراحات ستأتي من المسؤولين الحكوميين وأي حجج في الجمعية ستتم من منصة الجمعية، ومن قبل القضاة وليس من قبل المواطنين العاديين. علاوة على ذلك، لم يضع أي قيود حقيقية على كيفية اختيار القضاة، وبالتأكيد تصورالوراثة والتعيين والانتخاب على أنها احتمالات.

اتخذ ماديسون بشكل أساسي النهج المعاكس لإدارة المصالح المتضاربة، والذي كان يعتقد أنه لا مفر منه في أي اقتصاد سياسي حديث. لم يكن يأمل ولا يرغب في إطفاء المسعى الخاص. لقد دافع عن جمهورية كبيرة ومتنوعة يكون من الصعب تشكيل الأغلبيات فيها وغير مستقرة داخليًا، وجادل بأنه ستتم حماية الحريات في هذه الجمهورية الجديدة "المركبة" بشكل كاف ضد المطالبات العاجلة للجماعة الصغيرة المعارضة. كان يعتقد أنه في مثل هذه الحكومة ستكون هناك حدود للضرر الذي يمكن أن تحدثه أغلبية معينة. علاوة على ذلك، رأى أنه يمكن تقديم تبرير كافٍ للقواعد القسرية للأفراد دون مشاركتهم المباشرة في صنع القوانين أو حتى الانتخابات؛ في الواقع، كان قلقًا من أن المشاركة الشعبية المنتظمة في السياسة الدستورية أو العادية خطيرة بشكل عام. لذلك، كان على استعداد لإبعاد كل من القانون والسياسة عن النخب المنتخبة، والاحتفاظ بالضمان المجرد للشعب بالسيادة الشعبية. من الواضح أن وجهات نظر ماديسون أقرب بكثير إلى التفكير الليبرالي وأصبحت تبدو أقرب لأن الأمريكيين قبلوا فكرة الحماية القضائية للحقوق.

من الجيد أن نتذكر، مع ذلك، أن المعارضين لدستور ماديسون- أولئك المعروفين باسم "المناهضين للفدرالية"- كانوا جمهوريين أيضًا.[1] وافق العديد من المناهضين للفيدرالية على الحاجة إلى إصلاحات دستورية. ومع ذلك، كانوا يعتقدون أن الحكم الجمهوري - وخاصة التشريع - يجب أن يظل قريبًا من الشعب إذا كان الهدف منه تجنب الاستبداد. هذا يعني أن الأمة الجديدة يجب أن تتكون من جمهوريات كونفدرالية صغيرة، بدلاً من حكومة جديدة قوية مفروضة على الولايات. لم يصر المناهضون للفدرالية على الحكم الشعبي المباشر بالطبع، لكنهم اعتقدوا أن الانتخابات يجب أن تكون متكررة، وأنه يجب إجراؤها في دوائر انتخابية صغيرة جدًا بحيث يكون النواب مسؤولين أمام الشعب. واعتقدوا أن السلطة التنفيذية لا يجب أن توضع في رجل واحد ولكن يجب أن تكون جماعية، وأن هيئات المحلفين الشعبية يجب أن تستمر في لعب الدور الأساسي في إنفاذ القانون.

نميل إلى التفكير، في الوقت الحاضر، في هؤلاء الأشخاص على أنهم  بسطاء التفكير خسروا صراع الأفكارضد ماديسون وهاملتون. ولكن كما يجادل المؤرخ جوردون وود، وكما رأى توكفيل، فإن الأرستقراطيين الفدراليين سرعان ما خرجوا من السلطة ليحلوا محلهم شخصيات محلية أكثر شعبية وغالبًا ما تكون متشددة - رجالًا يشبهون المناهضين للفدرالية خلال المناقشات حول التصديق على الدستور.[2] لعب ماديسون نفسه دورًا مهمًا في هزيمة الفيدرالين بعد بضع سنوات من التصديق، حيث تعاون مع توماس جيفرسون لإخراج الفدراليين من مناصبهم في أول حملة انتخابية عامة. تقدمت الجوانب غير الديمقراطية للتجربة الدستورية الأمريكية بسرعة من ذلك الوقت فصاعدًا.[3]

تشير الأولوية التي يوليها الجمهوريون للصالح العام إلى أن يجب على الدستور الجمهوري أن يرتب مؤسساته الحكومية بطرق تضمن متابعة هذا الصالح بشكل آمن وموثوق، وأن يتم حل القرارات المتعلقة بالسياسات العامة والقوانينعلى أساس الاعتبارات المتعلقة للمصالح المشتركة. مرة أخرى، اختلف ماديسون وروسو حول كيفية القيام بذلك: بينما كان كلاهما مهتمًا بالحد من الضرر الذي يمكن أن تحدثه الفصائل والأحزاب للمصالح المشتركة، اعتقد ماديسون أن أفضل طريقة لتنظيم التشريع هي مشاركة ممثلين منتخبين شعبيًا في عملية تشريعية مع مجلس شيوخ أكثر نخبوية، وتوقع أن يكتشف ويصقل ويوسع الرأي العام حول المصالح المشتركة.[4] اعتقد روسو أنه من الأفضل إبقاء الجمهورية صغيرة ومتجانسة بحيث يمكن للمواطنين أنفسهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيقبلون أو لا يقبلون المقترحات القانونية التي يطرحها القضاة ويتداولونها ضمن عملية تشريعية منظمة بشكل مناسب. كان إطاره المقترح يمثل كلاسيكية جديدة ويشبه إلى حد ما الممارسات الرومانية وربما أكثر تشابهًا مع المؤسسات الأثينية في القرن الرابع.[5]

يبدو أن كيفية تحقيق الأهداف المشتركة تعتمد على مفهوم ما للصالح العام وبعض الأفكار حول كيفية تحديدها ومتابعتها بشكل موثوق. يمكننا تخيل ثلاثة بدائل. الأول، على المرء أن يتعامل مع جوهر الخير العام؛ والثاني يتعلق بالقدرات والمهارات المناسبة للاعتراف بالصالح العام وتحقيقه؛ والثالث يتعلق بالترتيبات المؤسسية التي تجعل من المرجح أن أول اعتبارين سوف يصطفان بشكل مناسب.

رفض العديد من الجمهوريين المعاصرين بعد روسو  وجهة النظر الكلاسيكية القائلة بوجود صراع بنيوي مزمن بين الأغنياء والفقراء يجب أن ينعكس في أي ترتيب سياسي مستقر. بالنسبة لروسو، يتماشى الرفض مع فكرته القائلة بأن كل شخص لديه الإرادة العامة كجزء من مصالحه الخاصة وأن المصالح الطبقية هي مجرد تعصب فئوي وليس لها دور معتبر في التشريع. إن إضفاء الطابع المؤسسي على الصراع الاجتماعي غير مقبول على هذا النحو. أدرك ماديسون أن الطبقات، كفصائل،  وجودها حتمي في مجتمع حر، لكن اعتبرها مصدر إزعاج في الغالب، وأعتقد أنها كانت معادية لإضفاء الطابع المؤسسي عليها بالطريقة التي كان بها الرومان. على أي حال، كان يعتقد أن المؤسسات الوطنية الأمريكية ستوفر بيئة تكون فيها تلك المصالح الفئوية عاجزة إلى حد ما.[6]

 

 د. علي رسول الربيعي

...................................

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay

 هوامش

[1] كان لديهم رؤية كلاسيكية وخوف أكثر بكثير من الحكومة الوطنية الجديدة التي اقترحها ماديسون، ورأوا أنه من المحتمل أن يهيمن عليها الأرستقراطيين (الذين هيمنوا على اتفاقية فيلادلفيا) الذين سيجمدون المقاطعات.

[2] Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

[3] م، ن .

[4] Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

[5] Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (the Age of Demosthenes.

[6] يعتبر طرح روسو أصليًا وغريبًا من بعض النواحي. لقد قبل وجهة النظر الحديثة أو ما بعد هوبز بأن المجتمع يتكون من أفراد، ورفض في هذا الصدد الاعتراف بالصراعات العميقة في المجتمع. لقد اكد على ذلك من خلال الإصرار على مبدأ التعاقد من مرحلتين حيث يتعين على الناس الموافقة بالإجماع على تشكيل دولة ثم يوافقون لاحقًا، من خلال شكل من أشكال التصويت بالأغلبية، على القوانين التي ستُلزم الجميع. تتيح له هذه العملية ذات المرحلتين الافتراض أنه لا توجد انقسامات داخلية عميقة وأن الجميع يشتركون في مصالح مشتركة في القواعد المجردة التي يمكن أن تكون أساس القانون الملزم. وبمجرد قبول ذلك، تبدو وصفاته المؤسسية للتشريع مقنعة. لم يقبل معظم الجمهوريين الحديثين هذه المناورة مفضلين التعامل بطريقة أو بأخرى مع مجتمع متنوع به صراعات عميقة وربما لا يمكن التوفيق بينها.

 

محمود محمد علييبدأ لاكاتوش المحور الذي ذكرناه في نهاية المقال السابق بقوله:" دعنا أخيراً نركز إنتباهنا علي تولمن نفسه وأعلموا أن دعواي هي أن تولمن ينتمي بشدة للموروث النخبوي، بيد أن تأثير فيتجنشتين عليه ومحاولته تجنب إشكاليات فيتجنشتين يدعونا إلي القول بأن نخبوية تولمن من نوع خاص " .

ويري لاكاتوش أن تولمن  " قد ورث  برجماتيته عن فيتجنشتين، وأن الخطأ الرئيسي لكل فلاسفة العلم عند تولمن هو التركيز علي العالم الثالث فالتساؤلات المنطقية حول القضايا وقابليتها للاحتمال أو قابليتها للإثبات والتأييد  أو قابليتها للتكذيب، وليس علي تساؤلات العقلانية المتعلقة بالمهارات والأنشطة الأجتماعية – المفاهيم والنظم – وقيمتها المدفوعة –المكاسب أو الخسائر العملية التي تجلبها .

ويستطرد لاكاتوش فيقول "... بالنسبة لتولمن فالتساؤلات الاسكولائية المثمرة قد تعد نتيجة تسلسل منطقي لمجموعة من المقدمات والتساؤلات المتعلقة بالعلاقة بين القضايا – يجب أن يحل محلها تساؤلات حول ما إذا كانت أفعال المرء ملائمة في ضوء المعلومات المتاحة . والاستدلال الصحيح ليس واحدا يمكن أن تتمثل من خلاله النتيجة في علاقة " عالم ثالث" معينة للمقدمات ولا حتي واحدا لا يمكن فيه للإنسان العاقل إلا أن يؤمن بالنتيجة إلا إذا أمن بالمقدمات . بل قيام الفعل فيه علي المقدمات التي تكون ملائمة مثلاً الفعل الناجح . وطبقاً لتولمن فالمنطق ليس علم الفكر، لكنه علم فن الفكر " .

وهذا النص يوضح لنا لاكاتوش من خلاله أن تولمن في كتابه " الفهم    الإنساني "، قد بدأ بتطوير الجانب البرجماتي من فلسفة فيتجنشتين، وهو الجانب الذي يرتبط بدراسته للحجاج غير المنطقي في خمسينيات القرن العشرين، لذا نجد لاكاتوش يقول إن الاستنتاج الشرعي لا يرتكزعلي علاقة موضوعية داخل العالم الثالث بين المقدمات والنتائج.... بل يرتكز بالأحري علي مدي موائمة ونجاح الفعل المؤسس علي المقدمات .فوفقاً لتولمن هنا يشدد علي أنه  لا يكون المنطق علماً للفكر، بقدر ما يكون علم فن الفكر .

ويبرر لاكاتوش موقف تولمن في ذلك حيث يقول :" ... وبالنسبة لتولمن فإن التساؤلات حول الصدق الكذب والتأييد والتعزيز والتكذيب ...الخ، القضايا يجب أن يستعاض عنها بتساؤلات عن الكفاية والأثار العملية وقوة وقيمة بقاء المفاهيم أي المهارات . كل هذا يمثل برجماتية بسيطة وخالصة " .

من جهة أخري يري لاكاتوش كذلك أن تولمن قد حاول أن يحفف من حدة ذاتيته الواضحة باللجوء إلي النزعة التاريخية (وهي نزعة سلطوية في نهاية الأمر)، أو مفهوم دهاء العقل الهيجلي، بمعاونة الدارونية الاجتماعية، فالدارونية الاجتماعية سوف تدعم من ناحيتها فكرة عدم المساس بالألعاب اللغوية، وترك الوضع علي ما هو عليه، لأن الانتخاب الطبيعي هو الذي يحكم حركة التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخري، فإن الوصول إلي الحقيقة أو الثقة في قدرة النخبة العلمية علي الاختيار الصحيح، يحكمه دهاء العقل الهيجلي الذي يؤمن حركة التاريخ وحتي لو كان أحكام العلماء تعارض العالم الثالث، فإن الدارونية ومبدأ البقاء للأصلح بالذات، يمنعنا من التدخل في أحكامهم، ذلك أن نمو المعرفة العلمية، هو نمو حيوي وبرجماتي.

وعلي هذا النحو، يفسر تولمن نمو المعرفة العلمية : فتحقق نتائج بعض النظريات العلمية بعد وقت طويل من نشرها، هو حكم من التاريخ علي صحة النظرية العلمية، وبناء عليه، يفسر تولمن نجاح الثورة الكوبرنيقية بعد تحقق نتائجها، بعد عام 1687 ! فنسق كوبرنيقوس Copernicus  ظل يصارع بصورة داروينية، حتي كتب له البقاء في عام 1687، وذلك بمعاونة دهاء العقل الهيجلي . وكما يتعقب العالم الدارويني صفات الجماعات المتخلفة في صراع البقاء، فإن تولمن يتتبع بدوره هو الآخر صفات النخبة العلمية عبر تاريخ المعرفة العلمية، وهي الصفات التي تم انتخابها، علي مدار نمو وتطور المعرفة العلمية، مما يجعلها، هي الصفات الخاصة بتلك الكائنات البشرية النخبوية.

ويوضح لاكاتوش ذلك بالتفصيل فيقول :" إن التعارض والتغير يخلقان صعوبات للبرجماتي . فلو وجد أناس مختلفون أن مناهج تفسيرية مختلفة تمنحهم فهما، فإن البرجماتية يبدو أنها تقودنا لشكل من الذاتية والنسبوية الثقافية . وقد حل فيتجنشتين  هذه المشكلة بتأسيسه لشرطة الفكر للحد من الخوارج والمهرطقين في كل جماعة . لكن التغير المفاهيمي عند تولمن – طالما أنه ليس عنيفاً – ليس فقط ممكنا، بل أحياناً مرغوب.

وهنا يري لاكاتوش أن " هذا إختلاف تولمن الرئيسي مع فيتجنشتين، فتولمن يحل شرطة الفكر القاسية الفيتجنشتينية، لكن ليس فقط علي حساب تقديم – لا ننكر أنه ألطف –لكن بالكاد أكثر قبولاً – دهاء العقل . ودهاء العقل التولمني يعي الصراع الدارويني للبقاء علي الأقل خلال منهج علمي ملائم البناء . فتلك المتغيرات المفاهيمية التي تبقي هي الصحيحة . وحتي أساتذة العلماء لا يمكنهم قبول أي مفهوم قديم لأن دهاء الفكر يفرض عليهم قيداً خارجياً موضوعياً .وإذا قام العلماء بالشئ الخطأ فهناك ألية هيجل لتصحيح الذات ستظهر افتقارهم للحكم، لذا فعلي المدي الطويل – حقيقة إلي نهاية الأمد – فإن العقل سيسود.

كما يري لاكاتوش أن تولمن – علي عكس فيتجنشتين  المتشكك –  " فالمحتمل صحيح والبقاء الانتقائي هو معيار التقدم . والفصل الأخير في المجلد الأول من كتاب تولمن " الفهم الإنساني" بعنوان " دهاء العقل " والجملة الأخيرة يبدو كأن هيجل قد كتبها بنفسه : وشئ واحد يمكن قبوله الآن . بالنسبة لتلك " الإجراءات العقلانية" التي ألزمنا أنفسنا بها تستمر في استنفاد نفسها علي مدي التاريخ المقبل . ونفس الرأي للتجرية التاريخية التي سماها المفكرون القدامي " دهاء الفكر " سوف تعاقب علي المدي البعيد كل أولئك الذين – سواء عن علم أو عن جهل – يستمرون في اللعب طبقاً لاستراتيجيات عتيقة لا تتوائم مع مستجدات العصر .فقد طبق تولمن الدارونية الاجتماعية علي العلم :الأصلح هو من يبقي .والسؤال، ما الذي يمنح الأفكار العلمية ميزة، وكيف تفوق منافسيها ؟ يمكن طرحه باختصار في الصيغة الداروينية " ما الذي يمنحها قيمة البقاء؟ "

وهنا يؤكد لاكاتوش إن التحول في مشكلة تولمن يجعل من الفلاسفة المميزين أمثالي كثيرين . " ليس للفيلسوف أن يفرض أحكامه علي العلم. ويسترسل في القول إن " الفيلسوف لا يجب فقط أن يحلل المعايير التي تحدد ما إذا كانت المتغيرات العلمية ذات جدوي " أو " إن الراسخ في العلم هاما ثبت أنه راسخ . وما يمكن تبريره هو ما كان له مبررات ". وهكذا فالفيلسوف يجب ألا يضع معاييرا لنفسه، فهو مسموح له فقط بحليل معايير العالم . لكن ذلك بالتأكيد يحوله من فيلسوف إلي مؤرخ وصفي –وعندئذ ستكافئ الجمعية الملكية خدماته المتواضعة" .

وهنا يذكر لاكاتوش أن " المرء يعجب لم يستمر تولمن في الحديث عن فيلسوف العلم، في حين أن الفيلسوف مسموح له فقط بالتسجيل والوصف،وعلي الأكثر أن يحلل معايير العالم . إن هذا بالتأكيد عمل المؤرخ الاجتماعي . والجملة التالية هي سمة عبادة تولمن للتاريخ : إن المؤرخ لا يستطيع نقد العلماء القدامي لعدم قفزهم مباشرة لرؤي عام 1960. هل هذا يعني أننا احتحنا لعصور الظلام لننقل من أرشميدس لجاليليو ؟( إن هذه بالطبع نظرة هيجلية كاثوليكية) . وتولمن ملتزم بهذا حيث من وجهة نظره أن كل التغير داخل المجتمع العلمي – هو تقدم وسرعة التقدم الحقيق هي ضرورة سرعته " .

ويتقدم تولمن  كما يقول لاكاتوش للكشف عن  " المبادئ الحقيقية للعقل الموضوعي المعياري في مجلده الثالث مناقشاً البيئة الوصفية الخالصة للمفاهيم في المجلدين الأولين . لكن إذا كان تولمن يؤمن حقا بدهاء العقل الهيجلي، فإن مجلده الثالث لا يحتاج للكتابة . ولو كان التقدم يضمن دهاء العقل فإن وصف التغير هو وصف للتقدم ".

ويتساءل لاكاتوش لكن ماذا لو كان هناك خلاف في الوسط العلمي حول التغير المقترح ؟ وماذا عن الخلاف الطويل بين النيوتونيين والديكارتيين ؟ أو الخلاف بين أينشتين وبور ؟ واحد فقط من هذه الأحزاب سيكون علي حق  . وإجابة تولمن هي أنه في مثل هذه الحالات حيث تختلف التوجهات الاستراتيجية الجديدة وحدة التاريخ سوف يقرر . وهو هنا يأتي بالاستراتيجية التاريخية البالية : المدي البعيد . وقد إتضح للجميع في عام 1687أن كوبرنيقوس كان علي حق وأن معارضيه كانوا علي خطأ . واتضح في القرن العشرين للجميع أن النيوتونيين كانوا علي صواب فيما يتعلق بالديناميكا وأن الديكارتيين كانوا علي خطأ . ثم اتضح للجميع أن بصريات نيوتن كانت خاطئة . واليوم فقط اتضح أنه بينما نظريات نيوتن الديناميكية تمتعت بسيادة فكرة شرعية حتي عام 1880 أو بعد ذلك فإن تأثير البصريات كان بالفعل يتضاءل وبحلول عام 1800 لم تمثل سيادة البصريات أكثر من سيادة عقل عظيم علي عقول اقل . وبالرجوع إلي المبادئ والبصريات لتوضيح نظرية واحدة للتغير العلمي يجب أن ندرك أنها تعمل كنماذج مقياسية بمعان مختلفة للمصطلح . لكن هل مقدمة تولمن عن الإدراك المتأخر تحل المشكلة؟ فبرنامج البحث المنهزم ربما في مرحلة مستقبلية يستعيد مكانته . وعند تلك النقطة فحكم التاريخ سينقلب علي عقبيه . كيف لنا أن نعرف إذا كان الإدراك المتأخر متأخر كفاية؟ ويبدو أن تولمن كان لا بد أن يؤمن بأن العقلانية الحقة، تظهر فقط في المدي البعيد المنغلق، يوم القيامة حين نموت جميعاً .

ويتعجب لاكاتوش قائلاً " ... وإذا كان الأمر كذلك فإعادة بناء التاريخ مستمرة التغير . ومجلد تولمن الثالث حقيقة الذي يحتوي التقييم المطلق لا يمكن كتابته قبل فناء الجنس البشري، وذلك حتما ليس عام 1976 كما أعلن تولمن . وإذا كان تولمن يعني أنه في ضوء التكشف النهائي للعقل، يمكن للمرء أن يفسر أي أجزاء من الأفعي ( الأفعوانية أو أي شئ حلزوني) يصعد للأعلي وأيها تلتف فقط فإنه طبقا لهذه الرؤية يجب أن ينتظر المرء حتي نهاية التاريخ الإنساني . وفقط عند نهاية التاريخ – دولة هيجل البروسية – يمكن للشخص العادي أن يدرك أخيراً أي أهداف أو غايات، كان غاية في الفظاعة علي مدي التاريخ . ودهاء العقل كما اعتادوا أن يقول جورج لوكاش في أكثر أوقاته تفاؤلاً يصل قمة الجبل عن طريق الطرق الملتوية، لا عن طريق مباشر. ويمكن للمرء أن يصل لفهم حقيقي للتاريخ حقاً فقط عندما يصل للقمة . وكما أري فتولمن يتفق مع هذا : لو أخذنا علي عاتقنا أن نفهم بالضبط وبالتفصيل (مغامرة إنسانية كاملة) ... فيجب إذن أن نكون في موضع (أول) فهم ما يعنيهم (أي المعنيين بذلك المشروع أو المغامرة )، كإنجاز فكري أو تطور نظري وإلي أي مدي – في ذلك الموقف تحديداً – كان لهم المبررات في تطبيق مبادئ الحم ومعايير الاختيار التي قاموا بها . وبينما النضال الداروني بين المفاهيم يستمر فربما نشعر بالضياع في متاهة كافكا وربما نفقد القدرة علي رؤية الطريق العامة أو الغاية المحددة . لا أن العلم عقلاني من أجل هذا كله . ويمكن إدراك هذا عند النظر للوراء علي القمة التي سيكون عندها كل شئ مبرر وعقلاني لكن ذلك فقط بإدراك متأخر . فالفهم النهائي التفصيلي مثل بومة مينيرفا التي تطير بعد المغيب .

وهكذا يري لاكاتوش أنه عند نهاية التاريخ " سيتضح أي التغيرات العلمية كان تقدما علميا . لكن يبدو إذن أن تولمن لن يستطيع كتابة مجلده الثالث (أو أي تاريخ معياري للعلم) قبل نهاية التاريخ . وهو يحاول الخروج من تلك المعضلة بتقديم نموذجه النخبوي الخاص . وطبقا لتولمن فالنخبة المتميزة لديها خط ساخن لدهاء العقل . والخط ليس كاملا ولا يستطيعون التنبؤ بالمستقبل دون خطأ، لكنه جيد . فالمجلس الأعلي للقضاء، يمكن أن يخمن بشكل عقلاني " .

ثم يؤكد لاكاتوش أن " نخبوية تولمن تتطابق مع تعريفي، فطبقاً له ‘ن الأحكام المفاهيمة، من مسائل " نظام السوابق " وليس الدستور أو السوابق وليس المبادئ . وهكذا فإن هناك نخبة لديها معرفة ضمنية متحيزة تقود طرقها للقمة . وسلطة النخبة ليست ضرورية فقط في الحالات الغامضة حين تنادي بإعادة التوجيه الاستراتيجي . ولكن أيضا في المشاكل الصغيرة التكتيكية – حيث تقدم التغيرات في نفس سياق النماذج التفسيرية (وأنا أري أن هذه تتفق مع التغيرات الابداعية عندي في ذات المنهج البحثي). وحتي في مثل تلك الحالات الواضحة – فإن الاختيار بين المتغيرات المفاهيمية، يتطلب موازنة المكاسب والخسائر، ومن ثم اللجوء لإصدار الأحكام التي تنتمي لأولئك العلماء الذين يقوم موقفهم السيادي علي معدل خبرتهم ... في الوصول للمعني لسمات الطبيعة ذات الصلة .

إلا أن وجود دهاء العقل والنخبة التي تتميز بالقدرة علي الوصول لأساليبه كما يري لاكاتوش، فإن العضو في هذه النخبة يمكن أن يعطي نصيحة عقلانية دون الإفادة من الأدراك المتغير . وقد عرف جاليليو أن كوبرنيقوس كان علي حق حتي لو لم يكن هناك دليل جازم علي ذلك في ذلك الوقت . ولو كان مؤرخ العلم عضواً في هذه الصفوة ذاتها فربما يكتب أيضا بنفس الشكل التاريخ العقلاني التولمني . وحكم النخبة ليس ذاتياً طالما أنه يخضع للقيد الخارجي لدهاء العقل أو في ضوء الديكارتية البائدة فيدي الله الكريمة المعينه ترشده .

ويري لاكاتوش لو كانت النخبة قادرة علي تلمس التطور فمن المهم أن نعرف من هم الأنبياء – فلا يجب أن ننخدع بأنبياء مزيفين . وهكذا مثل كل النخبويين يميز تولمن اشخاص وجماعات وليس إنجازات . وحيث إن تولمن براجماتي، فهو يري أن العلم نشاط ومن المهم أن نعرف من يعمل بطريقة علمية ممن لا يعمل . وهكذا فإن منطق نخبويته يدفع تولمن لتبني النزعة النفسانية والاجتماعية . رغم حقيقة أن هذين المنهجين أنكرهما فريجة وهوسرل وأنصار دائر فيينا منذ زمن بعيد، إلا أن تولمن يعتنقهما بتقدير شديد،  وأوضح ما قاله تولمن عن التزامه بالنزعة النفسانية هو تقييمه لفيتجنشتين :" إن شخصية فيتجنشتين لهي تعبير عن وجهة نظر شخصية غاية في التفضيل رغم عدم اللفظ بها والمشكلة بالنسبة لخصوم فيتجنشتين اللندنيين أمثال بوبر وجيللنر كانت أنهم حكموا علي نتاج فيتجنشتين الفكري بالنظر فقط إلي كتاباته دون النظر إلي كاتبها : إن الرجل الحقيقي والفيلسوف الحقيقي (وبالتالي فلسفته) غاب عنهم وبالتالي لم يدركوه .

لكن العلم عند تولمن كما يري لاكاتوش نشاط اجتماعي كيوموني . وأكثر ما يعنيه هو تمييز الجماعات العلمية لا الشخصيات العلمية . وبذلك فهو يتبع موروث فيتجنشتين وبولاني وتوماس كون الذي يري الجماعة العلمية كمجتمع مغلق . وتولمن يعطي خمسة معايير مترابطة لأن في اصطلاحه الجديد " المشروع العقلاني" يشكل منهجا محكماً :

1- الأنشطة المعنية تتشكل حول توجه نحو مجموعة نماذج جامعة مقبولة محددة وواقعية.

2- تلك النماذج الجامعة تفرض متطلبات علي كل من يلزمون أنفسهم بالسعي المهني لأنشطة المعنية .

3- ما ينتج من مناقشات يفرض منهجية علي نتاج العقل في سياق الحجج المؤيدة ووظيفتها هي إظهار مدي الابداع المنهجي قياساً علي هذه المتطلبات الجامعة ومن ثم تطور من المفاهيم والتقنيات القائمة .

4- ومن أجل ذلك تنشأ المنتديات المهنية من خلال مناهج الإنتاج العقلي المعترف بها وتوظف لتبرير الاجماع علي المناهج الجديدة .

5- وأخيراً نفس الأفكار الجامعة تحدد معايير الكفاية باللجوء للحجج الموضوعية لتأييد تلك الابداعات .

وهنا يعلق لاكاتوش أن الصورة هنا لمجتمع دون بدائل جوهرية، حيث يستطيع المرء تطوير لا إحلال المفاهيم القائمة، وهو مجتمع تقوم عضويته علي قسم بالولاء لمناهج بعينها الالتزام بالنماذج الجامعة وحيث المنتديات المهنية وحدها يمكنها الحكم علي ما تنطوي عليه هذه المناهج للحالات الخاصة . وفي هذا المجتمع المغلق يسمح بالتقييم النقدي والتعديل فقط إذا قام بها حكام أكفاء، فالرجل العادي لا حول له ولا قوة والنخبة ذاتية الخلود .

وأخيراً ينتقد لاكاتوش نظرية تولمن في التغير والنمو العلميين في أربع نقاط رئيسية كما يلي :

1- بما أن التاريخ في تغير دائم، وأي برنامج متدهور في لحظة من لحظات التاريخ قد يصير في لحظة أخري متقدماً، والآن الحم النهائي لعقل التاريخ لا يمكن معرفته إلا في نهاية التاريخ – وهذا أمر يقره تولمن – فإن تاريخ التغيير العلمي لا يمكن كتابته في أية لحظة من لحظات التاريخ، اللهم إلا في نهاية التاريخ، وهذا أمر نابع أيضاً من نسبية فيتجنشتين والتي يقرها تولمن .

2-  وكذلك يري لاكاتوش أن الشروط التي يضعها تولمن لتمييز النخبة العلمية الأصيلة، لا تمنع إدراج جماعات أخري ضمنها، مثل جماعات اللاهوت الكلاسيكي والماركسية السوفيتية، والمعارف التي تزعم أنها علمية، بل قد تتفوق تلك الجماعات علي الجماعات العلمية، نتيجة لتقديمها تفسيرات أشمل  كما أشار بوبر من قبل في سياق نقده للتحليل النفسي والماركسية .

3- ولقد أشار لاكاتوش إلي أن فلسفة تولمن تفترض بصورة ضمنية، معياراً موضوعياً للتمييز المعرفة العلمية عما دونها من معارف أخري . ويدعم لاكاتوش حجته تلك بالتأكيد أن تولمن مضطر – علي الأقل – إلي افتراض، ولو بصورة حدسية، معيار لتمييز المعرفة العلمية . فالمرء لا يمكن أن يدرس تاريخ العلم، دون وجهة نظر معينة بصدد تعريف العلم .

4- كذلك فإن لاكاتوش يري أن نخبوية تولمن في التغيير تدعم موقفها بنماذج قليلة من تاريخ العلم، أي أنها تفتقر إلي التدعيم التاريخي المناسب بصورة تاريخية، أو ميتاميثودلوجيا Metamethodolgy. فتولمن يكتفي، بصورة رئيسية، بتحليله للثورة الكوبرنيقية، علي افتراض فشل التراث التبريري في تفسيرها . ولكن لاكاتوش يلفت نظر تولمن إلي التقدم الميثودولوجي الذي قدمته ميثودلوجيا برامج الأبحاث العلمية في تفسير الثورة الكوبرنيقية .

ويختتم لاكاتوش ورقته عن فهم تولمن بقوله :" وأنا اتفق مع تولمن في أنه لا معيار تميزي مطلق وأنا أقبل باحتمالية خطأ المعايير التمييزية، كما أقبل بها في النظريات العلمية . فكلاهما خاضع لمنهج وقد وضعت معاييرا ليس للحكم علي منهج علمي بأنه أفضل من أخر . ولكنني لا أستبعد استنتاج فيتجنشتين من احتمالية خطأ الفروض باستبعادها . أنا لا أخشي : أنا لا أنتقل من الفروض الواضحة للمهارات غير الواضحة للحكم علي العلم أو العمل به . إذا فعل ذلك هو الدخول ببرجماتية جديدة من الباب الخلفي للتبرير بمساعدة دهاء العقلي الهيجلي . أنا أريد توضيح ذلك في العلم وفلسفة العلم، حيث يمكن للمنطق بعين النقد وأن يساعد علي تقييم نمو المعرفة وتطوير تولمن للفهم الإنساني لا علاقة له بالمنطق حيث إن المنطق جزء من الفرض الأفلاطوني الذي يدينه بشدة .  وذلك لإيماني بأنه دون منطق استدلالي لن يكون هناك منطق استدلالي لن يكون هناك نقدا حقيقياً ولا تقييماً للتطور . لذا فأنا اتمسك بالنقد البوبري قديم الطراز ونمو المعرفة ولا أستطيع الاقتناع بالتولمانية أو استبدال ذلك بالفهم الإنساني التولماني – إنه غير ناقد بالنسبة لعقلي ومتشابك ومتشوش .

هذا هو النقد الذي قدمة لاكاتوش للعقلانية العلمية عند تولمن، وقبل أن أقيم هذا النقد، أود أن أؤكد من خلال قرائتي لنقد لاكاتوش أنه يكن يهدف إلي نقد تولمن بقدر ما كان يهدف إلي هدم النزعة الذاتية – النخبوية بزعامة فيتجنشتين، فجاء نقده لتولمن ذريعة لذلك، ويمكن البرهنة علي ذلك  من خلال بعض الباحثين الذين أكدوا هذا الرأي :-

1- أن الورقة التي كتبها لاكاتوش والتي تسمي " فهم تولمن " أكد معظم الباحثين أن لاكاتوش لم ينشرها أثناء حياته، بل نشرها الأستاذان جون ورال وجريجوري كوري John  Worrall and Gregory Currie في المجلد الثاني من أوراق لاكاتوش الفلسفية والتي حرراها معا . وللأسف الشديد هما قد نشرا تلك الورقة علي جزئين مستقلين : الأول باسم " مشكلة تقييم النظريات العلمية : ثلاث مقاربات The problem of appraising theories :three approaches أما الجزء الثاني أو الورقة الثانية فلقد مشرها في المجلد نفسه تحت عنوان " فهم تولمن" .

2- إن تقسيم تلك الورقة علي جزئين قد ضلل العديد من قراء لاكاتوش، فهذه الواقعة لم تسمح لهم بمتابعة تطور فكر لاكاتوش الميثودلوجي .

3- أن لاكاتوش بشهادة بعض الباحثين قد قام بمراجعة ورقة التقييم " ( التي تتضمن معظم نقد لاكاتوش للنزعة الذاتية –النخبوية ) حوالي أربع مرات، وهو في كل مرة لم يكن راضيا عن التعديلات التي يقوم بها، لدرجة أنه لم ينشر تلك الورقة في حياته علي الأطلاق، أما من نشرها فهما محررا أوراق لاكاتوش "جون ورال وجريجوري كوري "، وهما قد نشر آخر تحوير قام به لاكاتوش لتلك الورقة .

يقول محررا تلك الورقة عنها " إن تلك النسخة التي بين يدي القارئ هي الأطول والأخيرة  ومع ذلك فهي ليست تامة بصورة نهائية . فلقد ظل لاكاتوش غير راضي عن بعض جوانبها . فهو قد أراد أن يضع عمل تولمن في سياقه العام من تاريخ مشاكل الابستمولوجيا . وعلي العكس من ذلك، فإن تاريخ تلك المشاكل هو الذي استحوذ علي معظم المخطوطة الرابعة من العمل الحالي، وهو الأمر الذي لم يرضي لاكاتوش عنه، لأنه لا يلائم مراجعة نص عمل تولمن ".

4- تثير ملحوظة المحررين أنتباه دارسي لا كاتوس الجاد، وتضعه إما في موقف الرفض أو القبول لها،ووفقا لقراءة مشروع لاكاتوش الميثودلوجي، لذا لا بد من التعليق النقدي عليها مع بعض الباحثين :

أ- نوافق المحررين علي أن لاكاتوش غير راضي عن تلك الورقة، وإلا لماذا لم ينشرها !

ب- كذلك نواقفهم علي رغبة لاكاتوش في وضع عمل تولمن في سياقه العام، فتلك طريقة لاكاتوش في قراءة أفكار الفلاسفة، يضعها في سياقها من تاريخ الفكر .

ج- إلا أننا نختلف مع المحررين في سبب عدم رضا لاكاتوش عن تلك الورقة فالسبب لايعود إلي عدم الموائمة الكمية بين دراسة سياق مشكلة تولمن جهة ودراسة عمل تولمن نفسه من جهة أخري، كما أراد أن يثبت المحرران ذلك، بل إلي عدم تطبيق الميتاميثودلوجيا كما ينبغي علي الذاتية النخبوية .بمعني أن لاكاتوش كان علي دراية أن نقده الميتاميثودلوجيا للذاتية النخبوية هو نقد قاصر بصورة رئيسية .

وبالتالي فإن ورقة التقييم لا تهدف إلي نقد تولمن بصورة رئيسية، بقدر ما تهدف إلي نقد الأساس الذاتي للنخبوية، فلاكاتوش يتخذ من مناسبة كتابة نقد لعمل تولمن فرصة لتقديم هذا النقد . وبناء عليه، يكون تولمن هو مقوم من مقومات " ورقة التقييم "، أي  أنه حالة يجب نقدها نتيجة لنقد الأساس الذاتي- للنخبوية، وأعني فيتجنشتين، فنقد فيتجنشتين يتعادل ونقد تولمن في الكم والمحتوي .

ومن ناحية أخري، فإن لاكاتوش يقرر أن فهم تولمن هو فهم لفيتجنشتين بصورة أولية . وعلي ذلك يقول لاكاتوش "إن الفهم التولمني .... هو مصطلح فيتجنشتيني تقني ". ومع ذلك فإن هذه الورقة المنشورة لم تقدم عمل النخبوية علي أنه برنامج بحث ميثودلوجي، يشكل عمل فيتجنشتين نواته الصلبة، أما عمل تلامذته ومنهم تولمن فيشكل الحزام الواقي لذلك البرنامج، كما رأينا من تعديل تولمن لبعض نقاط الضعف الفيتجنشتينية . ويبدو أن الكشفيات الإيجابية لهذا البرنامج، تقوم علي تأكيد حقيقة أن الفلسفة ليس لها دور اللهم إلا محو دورها، واستعادة الصحة العقلية للمتفلسفة، بواسطة عمليات التحليل اللغوي . مرة أخري نكرر أن لاكاتوش لم يضع النقد علي تلك الهينة، ولكنه إعادة بناء لنقده، نزعم أنه كان يريده أن يكون علي هذا النحو . ومهما يكن من أمر فسوف نتابع رد تولمن علي انتقادات لاكاتوش .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علييري بعض أساتذتنا المعاصرين، أن مساهمة فيتجنشتين في الفلسفة تشكل تدبذباً بين آراء "رسل (1872-1970) "وآراء" جورج مور G. Moor ( 1873-1958)، فهو يبدأ في المرحلة المتقدمة علي أساس من أراء رسل، وينتهي في آرائه المتأخرة مناصراً لمور . فنظريته عن اللغة كما وصفها في " رسالة منطقية فلسفية" تقوم علي أساس التحليل الميتافيزيقي الذي وضعه رسل . أما فلسفته المتأخرة كما بدت في كتاباته ؛ وبالذات كتابه " بحوث فلسفية " فهي تبتعد عن نظريته الأولي التي وضعها في " الرسالة "، لأن هذه النظرية الأولي كانت تستلزم نسقا ميتافيزيقياً، فرفضها، ورجع أساساً إلي موقف " مور " . وباختصار، فقد كان في الطور الأول "رسليا" مع حبكة لغوية، أما في الطور الثاني فقد كان "مور" معبراً عنه في حدود لغوية .

ولقد توصل فيتجنشتين في آرائه المتأخرة إلي الاعتقاد بأن طريقة توضيح المشكلات الفلسفية لا يتحقق بترجمتها إلي اللغة الصورية، بل بالأحري، بالإشارة إلي أن الإرباك الفلسفي لا بد من إظهار الاستخدام الصحيح للمفاهيم الأساسية التي تشكل الحديث في الفلسفة، وتوضح الطريقة التي يمكن أن تجعل استخدام الفيلسوف لهذه المفاهيم استخداماً خاطئا .

لهذا بدأ فيتجنشتين بتصوير الملامح الفعلية للحديث اليومي خلال منهج معروف اليوم بأسم " ألعاب اللغة Games – Language ؛ حيث يشبه فيتجشتين اللغة في هذه الحالة باللعبة – أو هي لعبة بالفعل – نستخدم فيها الألفاظ، كما نحرك البيدق مثلا في لعبة الشطرنج، إلا أن الإنسان أثناء لعبة الشطرنج لا يكون حرا في تحرك البيدق حسبما يريد، بل يحركه وفقا لقواعد اللعبة التي تسمح بتحريكه علي نحو معين وتسمح بتحريك قطعة أخري من قطع الشطرنج علي نحو آخر.

وهذا ينطبق علي اللغة، فنحن نستخدم الألفاظ وفقا لقواعد معينة، وقد أوضح فيتجنشتين هنا كيف تستخدم اللغة في استعمالها العادي من قبل المتكلمين العاديين بها، وكيف يمكن أن يؤدي التوسع في هذا الاستعمال إلي صعوبات فلسفية . وعلي ذلك، فإنه بدلاً من محاولة اكتشاف معني مفاهيم معينة خلال التحليل بالمعني الذي استخدمه رسل، تكون مهمة الفيلسوف هي توضيح مغزي هذه المفاهيم بالإشارة إلي الطريقة التي تستخدم بها في الواقع . لهذا قيل أن فيتجنشتين كان مسئولاً عن ذلك القول المشهور المميز لنشاط فلاسفة اللغة العادية : " لا تسأل عن المعني، بل اسأل عن الاستعمال ".

ومن ثم فإن كافة الاصطلاحات والمفاهيم والقواعد والتعبيرات اللغوية ... لا تصبح كذلك، إلا لأنها " ألعاب – لغوية "، يقتضي فهمها وممارستها معايشة نفسية واجتماعية للمجتمع الذي يمارسها ويستعملها، وهو الأمر الذي الذي يتجاهله الفلاسفة المرضي – من وجهة نظر فيتجنشتين – لذا فهم يبتدعون الفلسفة وفلسفة العلم واحدة من تلك البدع .

وهنا نصل إلي نقطة هامة وهي نظرة فيتجنشتين إلي الفلسفة بوصفها نشاطا علاجيا، فليس من شأن الفلسفة أن تبحث عن إجابات من نوع خاص لتقدم تفسيراً لنوع خاص عن" الوقائع " التي لا تفسرها العلوم الوصفية . فليس هناك شئ من قبيل المسائل الفلسفية أو المشكلات الفلسفية من حيث هي كذلك، فما يبدو لنا مسائل فلسفية أو مشكلات فلسفية إنما هو أمر ناتج عن سوء فهمنا لـ" منطق  لغتنا " . ولا بد أن ينظر المرء إلي الشخص الذي تقلقه مشكلة فلسفية علي أنه شخص يعاني من نوع التصلب العقلي أو يعاني من عقدة نفسية راسخة تسيطر علي فكرة نمط لغوي معين . وحين يتكشف له مصدر هذه العقدة أو السيطرة عن طريق التحليل، وحين يدرك المريض ذلك الأمر، ويعرف طبيعته فإنه يتوقف عن الرغبة في الحديث "لغوا" ولا يعود راغباً في وضع أسئلة لا يمكن أن تكون لها إجابة، وتكون إجابة المرء علي الأسئلة الفلسفية ببيان أنها ما كان يجب أن تثار.

وهكذا يتمتع الفيلسوف الجيد، عن أن يضع أسئلة ليست لها إجابة أو يثير مشكلة لا حل لها، إذ ينبغي أن تكون معالجة الفيلسوف لمشكلة ما شبيهة بمعالجة المريض أو كما يقول مرة أخري ما غرضك من الفلسفة ؟ - هو أن تبين للذبابة الطريق الذي يخرجها من الزجاجة .

ويري بعض الباحثين أن فلسفة فيتجنشتين تشكل نقداً عنيفاً للمدرسة التبريرية التي يرتكز عليها فكر لاكاتوش، فرفض فلسفة العلم هو رفض لمشكلة التقييم، والتأكيد علي أن العلم والمعرفة العلمية يقتصران فهمها علي الجماعة العلمية وحدها . ولا عجب أن فيتجنشتين يستنفد صفحات طويلة من كتابة " بحوث فلسفية " من أجل نقد فكرة بناء لغة شخصية . ذلك أن الإيمان بوجود تلك اللغة يعني الموافقة علي شرعية التبريرية، سواء في اللغات الصورية التي حاولت بناءها في الربع الأول من القرن العشرين، مثل لغة التركيب المنطقي عند " كارناب " أو حتي في لغة بعدية للعلم تميزه عما دونه من معارف مثلما فعل " بوبر" و" لاكاتوش " .

وبالتالي فإن نقد لاكاتوش لنخبوية فيتجنشتين هنا سيتمحور حول تأكيد تدعيم فيتجنشتين للنزعة النسبية ومن ثم السلطوية . والحقيقة أن نقد فلسفة فيتجنشتين بالذات ذو أهمية بالغة، إذ أن فلسفته كانت بمثابة النواة الصلبة لكثير من الفلسفات النسبوية، وعلي راسها فلسفة " توماس كون "و "بول فيرآبند " و "ستيفن تولمن " . ومن أجل نقد فلسفة فيتجنشتين، فإن لاكاتوش ينتقي مجموعة من المفاهيم الرئيسية في فلسفة فيتجنشتين والتي تعد مقومات رئيسية لفلسفته، ولا يتم فهمها أو بناءها إلا بها، مبينا مدي ضررها علي البحث العلمي . ويمكن أن نعد تلك المفاهيم النواة الصلبة للبرنامج النخبوي، وهذه المفاهيم هي :

- اللعبة اللغوية

- المفهوم

- الفهم

- الأسئلة الحدية

يري لاكاتوش أن مفهوم فيتجنشتين عن " اللعبة – اللغوية " يربط فلسفة فيتجنشتين المتأخرة بفلسفة فيتجنشتين المبكرة، ذلك أن كليهما نخبوي سلطوي . فلقد أكد فيتجنشتين المبكر أننا ننظر للعالم من خلال إطارنا المفاهيمي، الذي يتم التعبير عنه بواسطة اللغة، وهو الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلي فلسفته المتأخرة أو مفهومه عن " اللعبة – اللغوية" . فمجمل الألعاب اللغوية التي يتعلمها تشكل رؤيته ووجوده في العالم، لذا فهي عبارة عن مهارات اجتماعية يلزم تعلمها لتأطير العالم أو لفهم تأطير جماعة معينة للعالم . وعلي هذا النحو تصبح المفاهيم، بما فيها المفاهيم العلمية، مجرد " ألعاب – لغوية "، أي مهارات وتقاليد علمية تتوارثها الجماعات العلمية وحدها .

وبناء عليه تصبح فلسفة العلم جزءً من علوم الإنسان التي تدرس " المهارات " اللغوية - الاجتماعية " لدي جماعة العلماء . فالأسئلة العميقة بخصوص فعاليات الحياة العلمية الحقيقية يجب أن تسبق الأسئلة المصطنعة التي هي أشبه بالظلال، بخصوص صدق أو كذب القضايا .

وعلي هذا الأساس يقوم تحليل لاكاتوش لإدراك فيتجنشتين وتولمن للفهم العلمي . فالفهم العلمي، كغيره من الفيتجنشتينية هو فهم لتقاليد و" عادات اجتماعية – لغوية " علمية، دون الحاجة إلي فهم الأسس الموضوعية والعقلانية لهذه التقاليد والعادات، ذلك أن بعض الشكوك مصرح بها، لكن الشكوك الأخري بصدد الأسس تبين أن الشخص الشاك لا يفهم اللعبة، بل وغير قادر علي تعلمها، وقد يصل الأمر إلي إعتباره مشوش الذهن .

وهكذا يبدأ الارتباط الواضح بين فلسفة فيتجنشتين من جهة، والسلطوية من جهة أخري في الظهور الصريح . إن المرء أو العالم لا يمكنه أن يوافق أو لا يوافق بل إما أن يفهم أو لا بفهم، وفي الحالة الأخيرة يبدأ في الشك ومحاولة التغيير . ومن هنا يتم نبذه خارج الجماعة العلمية بواسطة تلك الأخيرة . هذا الوضع يطلق عليه لاكاتوش " شرطة الفكر " .

يأتي الآن دور الأسئلة الحدية : إن الأسئلة الحدية في فلسفة فيتجنشتين، هي الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها من داخل أطر الجماعة اللغوية، ويدل سؤالها علي عدم فهم قواعد " الألعاب – اللغوية " للجماعة المعنية .

ويؤكد لاكاتوش الدور السلطوي الهام الذي تلعبه الأسئلة الحدية، فبواسطتها يرفض أصحاب السلطة أو النخبة العلمية الإجابة علي الانتقادات التي توجه إليهم، علي اعتبار أنها استفسارات عن أسئلة مشروعة أو لا قياسة. وهكذا يمنح فيتجنشتين الأداة اللازمة لأصحاب النزعة الذاتية، من أجل أن يرفضوا الأسئلة الموضوعية، مثل ما العلم؟، وما معايير قبول أو رفض النظريات العلمية، علي اعتبار أنها أسئلة حدية تعبر عن عدم فهم لعبة العلم.

وينتهي لاكاتوش من تحليله للأسئلة الحدية لدي فيتجنشتين، إلي التأكيد أن عقلانية المعرفة العلمية ستصبح عقلانية جماعة معينة، وليست عقلانية تاريخية موضوعية في العالم الثالث، يقول لاكاتوش :" إن العقلانية تتباين من قبيلة إلي أخري، ومن لعبة لغوية إلي لعبة لغوية أخري، ومن مجتمع إلي مجتمع إلي آخر، والمجتمعات متعدد ... بل في المجتمع الواحد هناك ألعاب لغوية متنوعة، ألعاب تظهر تباين مفاهيمي، علي حد وصف تولمن، ففي المجتمع الغربي، علي سبيل المثال، هناك لغة أخلاقية ولغة علمية ولغة تجارية ولغة دينية إلي آخره .

وليس معني نص الفقرة السابقة كما يري بعض الباحثين، أن لاكاتوش يرفض وجود تنوع اللغات، فهو أمر تثبته التجربة، ولكنه يرفض الوقوف عند حد تأكيدها وعدم الصعود منها إلي اللغة الموضوعية، لغة العالم الثالث . فإذا كانت لغات فيتجنشتين لا قياسية، فإن لغة العام الثالث هي علي النقيض لغة قياسية . وعلي أية حال فإن عقلانية فيتجنشتين تؤدي إلي العزلة السيمانطقية للجماعات اللغوية بين بعضها البعض بصورة رئيسية، ومن ضمنها الجماعات العلمية سواء في الحاضر أو الماضي . فكل جماعة لغوية سيكون لها قواعدها المستقلة التي تتصارع وتتنافر وتتعاند مع قواعد الجماعات المختلفة، بصورة لا تقبل التصالح.

ويبدو أن شرطة الفكر سوف تمنع فيتجنشتين من تفسير التغير، وأوله التغير العلمي . والحقيقة اتي لا حظها لاكاتوش، هي أنه نتيجة لنخبوية وسلطوية فيتجنشتين، فهو نفسه سيدعو إلي رفض التغير، فهو ضد الحرب بصورة متعصبة، ونتيجة لهذا فهو يدعم نسبيته الثقافية بالعنصر التقييمي العلاجي والسلطوي . فحين يتوقف الفيلسوف عن بناء لغته الموضوعية الخالصة، والتي تثير حروب الألعاب اللغوية ستتخلص الفلسفة من مشاكل عقيمة وعلي رأسها مشكلة الاستقراء . وهكذا فإن فيتجنشتين لا يرفض العالم الثالث فحسب، بل يحول اشكالياته بدورها إلي اشكاليات ذاتية (بناء لغة خاصة)، منتهيا إلي عدم القدرة علي تفسير التغير العلمي بصورة موضوعية، وبذلك يقدم الأسس الفلسفي للاقياسية المعرفة العلمية لدي توماس كون وفيرآبند أو الفلسفات النخبوية – الشكية علي وجه العموم .

ولا شك أن النقد الذي يوجه لاكاتوش إلي فيتجنشتين يعود إلي أمرين، الأول، السلطوية، والثاني، عدم القدرة علي تفسير التغير العلمي ويبدو الأمر الأول وكانه معلق في الهواء ! فأين نقد لاكاتوش للسلطوية ؟ وما هي مبررات رفضها؟ وخصوصاً وأن النواة الصلبة في برامج الأبحاث العلمية، يمكن أن ينظر إليها علي أنها مكون سلطوي في فلسفته ! سنترك الإجابة علي هذا التساؤل فيما بعد حين تكتمل رؤيتنا لنقد لاكاتوش للنخبوية لدي تولمن . أما الأمر الثاني، فتبدو أكثر قبولاً ففلسفة فيتجنشتين تتجاهل بالفعل التغير المفاهيمي وهو الأمر الذي حاول تولمن تداركه، عندما تجاوز شرطة الفكر الفيتجنشتينية التي تمنع التغير المفاهيمي، وهو التغير المشاهد بالعيان، لذا فأفكاره ستشكل الحزام الواقي، الذي سيحاول الدفاع عن النواة الصلبة للبرنامج الذاتي – النخبوي لدي فيتجنشتين، وذلك بتعديل آليات الشرطة، أو نبذها علي أقصي تقدير.

إن تولمن كما يري لاكاتوش يرفض بصراحة مشاكل العالم الثالث علي اعتبار أنها مشاكل ميثودلوجية، وبالتالي فإن فلسفة لدي تولمن تعول وتحلل علي ما يدور بالفعل داخل الممارسة العلمية،وذلك من خلال تحليل الممارسة اللغوية العلمية الفعلية، وكذلك دراسة أنواع الحجج التي لا يمكن أن يعبر عنها المنطق التقليدي أو المنطق الرياضي المعاصر، وبعيدا عن ماهية تلك الحجج، فإن رفض تولمن للمنطق، لا يعني إلا الارتماء في أحضان النزعة الذاتية أو السيكولوجية، تدعيماً لمواقفه النخبوي . ومرة أخري بعيداً عن تلك الحجج التي حاول دراستها في خمسينيات القرن العشرين، فلقد حاول تولمن في " الفهم الإنساني " أن يفسر التغير المفاهيمي وضمنه التغير العلمي، هادفاً تجاوز القصور الميثودولوجي في فلسفة فيتجنشتين، والذي أدي إليه عدم القدرة علي تفسير التغيير العلمي بسبب شرطة الفكر ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعييُعتقد أن النظرية السياسية للجمهورية لها تأثيرات ذات سمة مميزة على القانون وخاصة بالنسبة للمؤسسات والممارسات الدستورية. من المفترض أن تسعى الجمهورية إلى تحقيق المصالح المشتركة لمواطنيها، ولهذا السبب عارض الجمهوريون حكم  مجموعات ضيقة مثل الملكية أو الأوليغارشية، والتي من شأنها أن تميل إلى متابعة أهداف أضيق.[1]عارض الجمهوريون الديمقراطية في أوقات سابقة، وخاصة الديمقراطية المباشرة من النوع الذي تمارسه في أثينا - على أساس أن الأغلبية هي شكل من أشكال الحكم الاستبدادي أو الخارج عن القانون.[2] كما يميل الجمهوريون أيضًا إلى التشكيك في الليبرالية بسبب تركيزها على المصالح الخاصة بدلاً من المشاريع العامة وإهمالها للواجبات والمصالح المشتركة أو العامة. لكن يجادل كثير من الجمهوريين، في الوقت الحاضر، بأن الجمهورية تتطلب التزامًا بأنواع معينة من المؤسسات "الديمقراطية" والممارسات التداولية، ويرون أن بعض أشكال الديمقراطية تتفق مع ضمان حماية ليبرالية قوية للحرية الفردية.

يقول فيليب بيتيت، على سبيل المثال، أن القانون، رغم أنه يجبر ويكره، الاً أنه يمكن أن يكون محررًا للأفراد عن طريق الحد من هيمنة البعض على الآخرين، ويمكن أن يزيد مقدار الحرية التي يتمتع بها الأفراد في المجتمع. علاوة على ذلك، يجادل بأنه يمكن ترتيب النظام القانوني دستوريًا، بحيث يحد من هيمنة المسؤولين الحكوميين مع السماح له بالسلطة والغرض الكافيين لمنع الجهات الفاعلة من السيطرة على الآخرين. يفضل الجمهوريين الحكم بالقانون بدلاً من المرسوم وإذا تم استخدام المراسيم، فيجب أن تنظم بقانون لأن ذلك يوفر طريقة للحد من الهيمنة، طبقاً لبيتيت. يجادل بيتيت أيضًا بأن البنية السياسية للجمهورية سيكون لها العديد من الجوانب الديمقراطية التي تجسد  بطرق مختلفة، مبدأً "التنافس" الذي يضمن أن السياسات العامة حساسة لآراء المواطنين (وليس مصالحهم فقط). تبدو آراء بيتيت المميزة للغاية من نواحٍ عديدة، نموذجية للنزعة الجمهورية الحديثة في افتراض أن الجمهورية والليبرالية والديمقراطية متوافقة أساسًا.[3]

اعتقد المفكرون الحديثون، في وقت سابق، أن القانون سوف يعزز خاصة إذا كانت القوانين جيدة كما يجب  من الناحية الموضوعية أو الصحيحة. اعتقد روسو أن القانون يمكن أن يزيد من حرية المواطنين، إذا سن من قبل الناس أنفسهم باستعمال الإجراءات المناسبة. بينما لم يستعمل روسو لغة عدم الهيمنة الأ أنه جادل بأن الأشخاص الذين يعيشون تحت قوانين خاصة بهم لن يتنازلوا عن أيً  حرية أساسية لهم لأنهم سيحكمون ذاتياً: لن تعبر القوانين التي تعكس الإرادة العامة عن أوامر غريبة  لأنها تجسد مصلحة كل شخص، وهكذا، فإن الأمر بموجب القانون هو أمرًا ذاتيًا، أيً ناتج عن إرادة هؤلاء الأشخاص. يمثل كلاً من روسو وبيتيت رغم أختلاف وجهات نظرهم اختلافًا كبيرًا في العديد من النواحي  جانبًا رئيسيًا من سمات الجمهورية الحديثة، من حيث أن القانون والمؤسسات القانونية لها ما يبررها فيما يتعلق بالحفاظ على الحرية الفردية أو تعزيزها بغرض تحقيق القيمم على المستوى للفرد.[4]

أفترض أن السمة الرئيسية للحكومة الجمهورية هي التزامها بمتابعة المصلحة العامة- المصلحة المشتركة لمواطنيها. يلزم هذا الجمهوريين بمشروعين. أولاً، بشكل إيجابي، أنهم ملتزمون بالحاجة إلى تمكين حكومة "شعبية"- تأتي فيها السلطة من المواطنين للحكم نيابة عنهم - قادرة على متابعة مصالحهم المشتركة بشكل فعال. ثانياً، يحتاج الجمهوريون إلى الحد من مختلف أنواع الفساد التي يمكن أن تتداخل مع السعي لتحقيق المصالح المشتركة، والحد من الإغراءات والفرص المتاحة للمسؤولين والمواطنين لوضع الاهتمامات والمصالح الخاصة  على الاهتمامات والمصالح العامة. لذلك، أراد الجمهوريون عمومًا أن تكون الحكومة قوية وذات كفاءة بينما يتم كبح جماحها من استبداد مواطنيها.

لقد أيد الجمهوريون العديد من أنواع مختلفة من المؤسسات لتحقيق هذه الغايات: استخدام الانتخابات لشغل المناصب العليا، وقيود المدة لكبار المسؤولين، إلى جانب السيطرة الشعبية على عملية صنع القوانين، وفي بعض الأحيان السلطة التنفيذية الجماعية أو الجماعية. ويعتقد أن كل هذه الممارسات تشجع على اختيار المسؤولين الأكفاء مع فرض قيود على قدرتهم على إساءة استخدام المناصب العامة. دعا الجمهوريون الآخرون إلى سلطة تنفيذية قوية وموحدة، وسن القوانين في المجالس المنتخبة، وسياسة دستورية لفصل بعض السلطات الحكومية عن الأخرى - مثل فصل السلطات القضائية والتشريعية، على سبيل المثال، باعتبارها منفصلة عن السلطة التنفيذية – وبناء  آليات، ولاسيما التوزيع الواسع لصلاحيات الفيتو، لتحقيق الاستقرار أو حماية الفصل بين السلطات. وقد طالب العديد من الجمهوريين أيضًا بتأسيس هيئة استشارية أو تداولية تقع في مكان ما في الحكومة - كمستشار للسلطة التنفيذية أحيانًا أو كنوع من السلطة التنفيذية الجماعية، وأحيانًا كهيئة تشريعية - لإعطاء نوع من الاستقرار أو العقلانية لـ القوانين.

لقد جادل بعض الجمهوريين بأن يجب ألا ينص الدستور على حماية صارمة وقابلة للتنفيذ قضائياً لحقوق موضوعية محددة، لأن يجب أن يكون أي حق خاص غير قابل للتنفيذ في ضوء السعي لتحقيق الأغراض العامة. لا يعني هذا أن الجمهوريين غير مهتمين بالحقوق؛ لكنهم يشككون في إمكانية ضمان الحقوق بشكل فعال من خلال الحماية القانونية الصارمة. يعتقد الكثيرون أن الحقوق الجوهرية ستكون محمية بشكل مناسب في نظام دستوري جيد، وإن الدستور بحد ذاته هو ميثاق حقوق أو شرعة للحقوق. ومع ذلك، فقد دعم الجمهوريون منذ الرومان في كثير من الأحيان بعض الحقوق الإجرائية المحددة لتقييد المسؤولين عن الاعتقالات التعسفية والاحتجاز والإعدام والتي تتطلب محاكمات منظمة قانونًا.[5]

تبني المجتمع الحديث تقسيم وظيفي للسلطات. فعادة ما يتم تفويض السلطات التشريعية إلى المجالس المنتخبة؛ الهيئة الاستشارية جزء من الهيئة التشريعية؛ السلطة التنفيذية موحدة. وربما الأهم من ذلك، أنيكون  القضاء مستقلاً عن الأجزاء الأخرى من الحكومة، ومن المفترض أن يمنح كل مواطن مكانا محايدًا للطعن في تطبيقات القانون. وبعبارة أخرى، لم يعد هناك "اعتراف" دستوري بمصلحة شعبية مقابل مصلحة أرستقراطية. الأفراد فقط، كمواطنين غير متمايزين، لهم وضع دستوري. إن الطريقة الرئيسة التي يتعامل بها الأفراد مع الدولة هي من خلال أوامرها القسرية، وكما جادل مونتيسكيو، فإن هذا يجعل المحاكم عنصرًا مركزيًا في الحفاظ على قاعدة غير استبدادية.[6] يمكن للمرء أن يجادل بأن إجراءات المحكمة تتضمن جانب ديمقراطي أساسي، على الأقل إذا كانت أبواب المحكمة مفتوحة حقًا لأي شخص. في المحكمة يكون للشخص فرصة الإصرار على اعتراف الدولة بحقوقه الخاصة كشخص اعتباري وتبرير ادعاءاتها. ويكون لدى الشخص في المحاكم، إلى الحد الذي يتم فيه الحكم على القضية بنزاهة، بعض الاحتمالات للمشاركة في الحكم. بالطبع، لا يتحدى معظم الناس الإكراهات التي يخضعون لها، وعادة ما يصعب على الفقراء الوصول إلى المحاكم. لكن وجود قضاء محايد هو دافع قوي للجهات الحكومية للتفكير في تأثير القوانين على الفراد، وتعديل القواعد القانونية المقترحة في ضوء ذلك.

يعتقد الجمهوريون الحديثون أن الأفراد وليس الطبقات الاجتماعية هم الذين يجب إعطاؤهم الأولوية. تقود الأنطولوجيا الفردية الجمهوريين إلى تقديم وصفات أو افتراضات مؤسسية مماثلة تقريبًا للنظريات الليبرالية وهذا ما قد يفسر الجدل حول كيفية فهم بعض طروحاتهم. لنأخذ، على سبيل المثال، الجدل حول ما إذا كان يمكن فهم جيمس ماديسون (أو لوك، أو كانط، أو مونتسكيو في هذا الشأن) وإلى أي مدى يمكن فهمه على أنه مفكر جمهوري أم مفكر ليبرالي.

تعتمد الوصفات المؤسساتية الجمهورية على طبيعة الصالح العام المؤكد في النظرية الجمهورية المعينة - المصدر الرئيسي للتوجيه المعياري للمواطنين والمسؤولين- وفي هذا الصدد لا تُنسب حقًا إلى الجمهورية نفسها. أنا أزعم أن المفهوم الجمهوري للصالح العام يعتمد جزئيًا على الأقل على ما يُنظر إليه على أنه أكبر خطر أو يهديد للجمهورية. وهل هذا الخطر هو الغزو؟ أو فساد النخب أو العامة؟ أم هو تهديد الشعبوية أو حكم الغوغاء، أو تآكل الروح العامة والاستعداد للتضحية؟ نظرًا لاختلاف الجمهوريين اختلافًا كبيرًا في مخاوفهم وبالتالي في مفاهيمهم عن الصالح العام، يتوقع المرء منهم أن يحثوا على اختلاف أنواع المؤسسات القادرة على النهوض بمفهوم معين وتكون قوية ضد أنواع الفساد التي قد تتعرض لها. في الواقع، اعتمادًا على مفهوم المصالح المشتركة، يمكن للأفتراضات الجمهورية أن تقترب أو تحيد عن الليبرالية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

Millar, F. (1998). The Crowd in Rome in the Late Republic. Ann Arbor: University of Michigan Press.

Nippel, W. (1995). Public Order in Ancient Rome. Cambridge: Cambridge University Press.

Pettit, P. (1997). Republicanism. Oxford: Oxford University Press.

Rousseau, J.J. (1997). The Social Contract and Other Later Political Writings. Cambridge: Cambridge University Press.

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

Sunstein, C. (1985). ;'interest Groups in American Public Law." Stanford Law Review 38: 29-87.

Sunstein, C. (2009). "The Enlarged Republic -Then and Now." New York Review of Books 56 (March 28-April 8): 45-8.

Tocqueville, A. de (2000 [1840]). Democracy)' in America. Eds and trans. H. Mansfield and D. Winthrop, Chicago: University of Chicago Press.

Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

 [1] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press. Chapter 11.

[2] Ferejohn, J. and F. Rosenbluth (2006). "Republican Liberalism." Presented at the Yale University Political Science Department.

[3] Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in the Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

[4] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome.

[5] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

[6] أنظر:

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: يبني المفكر عبد الرحمن بدوي مفهوم تحقق الذات ماهويا في الفلسفة الوجودية من منطلق تصوفي فلسفي يرتكز على افكار سورين كيركارد الوجودية الدينية، بمعنى هويعالج التحقق الماهوي للذات في الفلسفة الوجودية غير الالحادية المؤمنة دينيا بمعزل عن ادراك العالم الخارجي جدليا. فتكون العلاقة الحقيقية بين الذات الانسانية ونفسها هو غاية كل مطلوب.الذات في الوجودية عند سورين كيركارد هي نوع من التطهير الارسطي القائم على الروحانية الدينية..

في الفلسفة الوجودية نجد بدوي يعتبير أن الماهية والذات والانا هي تعبيرات فلسفية ثلاثة عن معنى واحد ولا تفريق بينهما، ويؤكد هذا الفهم بالاستناد الى عبارة كيركارد (الانا هي صلة تتصل بنفسها، او بعبارة اخرى، فان الانا ليست صلة بين معنيين وانما هي عودة الصلة لنفسها) 1. حيث تفهم الوجودية أن الصلة التي تربط الانا بذاتها الماهوية هو عودة الصلة لنفسها...بمعنى وعي الذات لنفسها لا يخرج عن وعيها لذاتها انغلاقيا منكفئا على ذاتها وليس بالمقارنة الجدلية بين الانا والموضوع عندما يكون الادراك متبادلا بين الاثنين في وعي الذات للشيء الذي تدركه بنفس جدل ان الشيء يكسب الذات حضورها الحي الفاعل بنفس آنية اكتسابه هو الادراك الأنوي لهذا الحضور. الذات قاصرة دوما أن تكتسب وعيها بذاتها بالارتداد المنكفيء في معرفة نفسها بنفسها دونما تدخل طرف ثان هو موضوع ادراك وعي الذات له. الذات بلا موضوع تدركه حتى خياليا تصبح ذاتا غير متحققة الوجود السوي عند الانسان.

ماهية الذات وتحققها الوجودي هنا لدى كيركارد الذي اقام بدوي عليه تاكيده له هو الانكفاء الذاتي الذي يدور حول مركزية اغتراب الأنا عن نفسها ومحيطها، وليس كما يذهب له هوسرل، هيدجر، وسارتر أن تحقق الذات تكون ضمن عالم. وعي الذات لا يكون حقيقيا ما لم يكن وعيا قصديا تسعى الذات تحققه ادراكيا كما دعى له برينتانو لاول مرة. بمعنى الذات في حقيقتها موضوعا لغيرها بنفس أن يكون ذلك الغير موضوعا لها. وهو ما لا يقبل به بدوي معتبرا تحقق الذات هو في علاقتها بنفسها وليس علاقتها بموضوع خارجي يدنسها ويخرجها عن طهارتها وبكارتها في نص عبارته.

ماهية الذات في الصوفية

يمضي بدوي في تفسيره معنى الذات بالوجودية عند كيركارد المؤمن لا غيره من فلاسفة الوجودية الملاحدة أنه المرادف لما تفهمه الصوفية الدينية في المسيحية تحديدا. ويستعير عن القديسة تيريزا قولها( انا وحدي مع الله وحده) 2، التي يفسرها بدوي فلسفيا انا وحدي مع ذاتي وحدها. بمعنى هذه الازدواجية الذاتية المنكفئة على نفسها في تعبير القديسة تيريزا لا تمثل أي نوع من تجربة صوفية حينما تعتمد الذات وحدانية منفصلة عن موضوعها الذي هو الله الذي تعبّر عنه مجازيا بذات تشاركها وحدتها المنعزلة. بمعنى تعبيرها انا وحدي مع الله وحده، ليست تعبيرا بما يكفي الافصاح عن تجربة صوفية حتى تلميحا، كون الذات الالهية اذا تتساوى في الوجود حتى الافتراضي بمعنى الماهية الواحدة غير المنفصلة عن الذات الانسانية عند ذاك تفقد خاصية التصوف الاتحادي الحلولي ادراكها الذات الالهية لنفسها هي، وليس ادراكها المخلوق انسانا يحاول مساواة ذاته ماهويا مع الخالق الله في بعض صفاته. في اعتبار الصوفية وجود الانا ذاتا مكافئا الوجود الالهي ببعض الصفات ولا يبقى هناك تجربة صوفية. بانتفاء التعالي الذاتي الالهي عن دونية الموجود الارضي. كذاتين مختلفتين بالماهية والصفات.

من المهم التذكير أن الصوفية الدينية في المسيحية كتجربة ما فوق لاهوتية(حلول ذاتي في ذاتية الله) تناقض اللاهوت المسيحي غير الصوفي من حيث أن المسيح هو ابن الله الذي ولد من صلبه، أي هنا لاهوت المسيحية يقر باندغام وتلاحم ماهية اللاهوت الالهي مع ماهية ناسوت المسيح الارضي رغم اختلاف الماهيتين الالهية والذاتية الانسانية التي لا يمكن تصورها الادراكي بين الاثنين في معايير العقل النقدي بل في معايير الاعجاز الديني القائم على نوع من التلفيق الميتافيزيقي. من حيث ان الماهية الالهية في مقاييس العقل لا يمكن ان تلتقي مع ماهية انسانية لا تجانسها الصفات ولا الجوهر في كل شيء.

ولو لاحظنا جيدا عبارة تيريزا قولها انا وحدي مع الله وحده، فهي تقر بخلاف اللاهوت المسيحي أن الله اله ماهوي قائم بذاته له كينونة وماهية لا يمكن تصورها او الاحاطة بها كما لا يمكن لماهية الانسان الاتحاد او الحلول بها صوفيا اكثر من التماهي الروحاني الطقسي التعبدي الذي يجعل من الانسان مغيبا عن وعيه الادراكي الحسي لما حوله وليس اقترابه من الذات الالهية اتحادا صوفيا.. بمعنى الذي يدرك ذاته الناسوتية وحده لا يدرك الله وحده يلازمه الحضور معه الارضي في صومعته.

ومن الخطأ تمرير أن تيريزا القديسة في قولها هي مع الله وحده، انما هي تقول اني اصبحت جزءا او ذاتا حلولية بالله. وانما ارادت التعبير عن صوفيتها المتجردة عن كل ما يحيط بها من عالم واشياء وموجودات مادية ماخلا  التضرع لله فقط. وهي مختلية في نشوة تعبدها الصوفي الذي لا يرى في الوجود غير عظمة الله ترافقها وتأنس لها وهي في كامل وعيها الانفصالي عن ماهية الله وحتى عن صفاته اللاهوتية التي تكون مدركة بما تعنيه كصفة يدركها المخلوق وليس ما تعنية كجوهر وماهية لا يعيها ولا يدركها المخلوق..صفات الخالق التي يحاول الصوفي ادراكها هي نفس الصفات الخيّرة التي يحملها المتصوف عن الله،. ولا يمكنه ادراك غيرها في تجربته الصوفية الانجذابية.

هذا الفهم الصوفي المسيحي لا يلتقي مع صوفية الاسلام، من حيث أن هذه الاخيرة لا تفهم الحلول الصوفي ولا الاتحاد غير الماهوي الذي يفرق بين ماهوية نورانية الهية لا تدرك مع ماهية انسانية معينة كموجود وذات لا تدرك شيئا يقع خارج مدركات الطبيعة العقلية ضمن تداخل مكاني زماني، فالتفسير الذي يذهب الى أن تيريزا قصدت انها وحدها مع الله الذي هو ذاتها غير صحيح. كونها وحدّت بين ذاتها وذات الله من حيث الماهية وهو مرفوض تماما في صوفية الاسلام.

فالله ماهية لا تدرك وصفاته الكينونية لا تدرك ايضا الا في تجلياتها المعجزة بمخلوقاته والانسان والطبيعة. الذي عمد الانسان الى جعل كل ما هو مدرك صفاتيا ارضيا من خير لا ينتهي هو من الله وحده. وما على الانسان سوى الاقتداء بتلك الصفات لأن في ذلك مرضاة الله وكسب ثواب آخرته.

الذات الصوفية تكون في كل الاحوال الدينية تجربة اغترابية نفسية متعالية عن فهم وتجربة البشر العاديين في ممارستها الطقوس العبادية الصوفية بما لا يمكن التعبير عنه بلغة الناس العاديين، كما أن كل تعبير لغوي في وصف التجربة والحالة الصوفية يفقدها قيمتها الحقيقية المتعالية. التجربة الصوفية هي أغتراب ذاتي يتمحور حول نفسه ويفتقد صفة التعبير اللغوي عنه. بمعنى هي تجربة انفرادية لا يمكن ادراكها ولا التعبير عنها تعميما حتى من لدن الصوفي صاحبها الذي يعمد عدم الافصاح عن تجربته لغويا الا بما لا يفهمه سوى القلة القليلة من الناس في لغة ملغزة ومشفرّة.

صحيح أن اولى درجات عبور الوجود المادي صوفيا انما تكون بدايتها هو في عبور الصوفي درجة متقدمة عن غير المتصوف الديني نحو مراتب من الذاتوية الماهوية المنفصلة اغترابيا تماما عن ادراك المحيط الواقعي وعالم الاشياء. لتكون ذاتا فاقدة لجوهرها الانساني الماهوي في جموحها الوصول الاتحاد بذات الهية متعالية الادراك ولا تمتلك كل ما هو مدرك انساني من صفات وماهية. بل تصبح ذاتية المتصوف هي تعالي صفاتي ماهوي لا يمكن ادراكه بوسائل العقل المحكومة بقوانين تحكم الانسان في الطبيعة منها الادراك الزماني المكاني المتداخل للعالم الخارجي وما يحويه من تكوينات. صفات الذات الالهية المتعالية هي صفات اللاهوت المكتوب من قبل رجال الدين بما يستوعبه الوعي الانساني العقلي ضمن محدوديته. وما لا يدركه العقل من صفات لاهوتية ارضية لا وجود لها في صفات الهية لا يعرفها ولا يستطيع ادراكها..الصفات التي يدركها عقل الانسان المحدود هي الصفات التي يراها العابد في معبوده.

لا يتطرق عبد الرحمن بدوي الى أن التجربة الصوفية لا تقترب ولا تلتقي المفهوم الفلسفي لها على انها اغتراب ذاتي، وليس تحقق ماهوي في الاتحاد بماهية لا تجانسها لا بالصفات ولا بالماهية ولا في كل صفة يمكن ان يدركها العقل الانساني. بل كان تركيز اهتمامه منصّبا على أن الذات هي ماهية لا علاقة خارجية تربطها بغيرها من موضوعات العالم الخارجي والا فقدت الذات خصائصها الوجودية وفقدت طهارتها وبكارتها حينما تتموضع ادراكيا بموضوعات وموجودات العالم الخارجي المدنّس.

تموضع الذات الوجودي

يعتبر عبد الرحمن بدوي الوجود الماهوي للذات لا يكون وجودا متحققا حقيقيا من غير امتلاكه عزلة مكتفية بذاتها يمنحها تطهيرا ارسطيا من الدنس الموجود في الموضوعات والاشياء المحيطة بها. ولا بد لي من اقتباس هذه العبارات المطولة كي اتمكن الرد عليها. بما يفهمه ويستوعبه القاريء.

يقول بدوي" الذات في حالة الوجود الماهوي هو عزلة كاملة، وقد غلق من دونها كل الابواب وكل نافذة لا تفتح على ذاتها وتعكر صفاتها وفض لبكارتها.. والوجود الحقيقي اذن هو الوجود الذاتي، اما الوجود الموضوعي بين الموجودات والاشياء والحياة على غرار الحياة هو وجود زائف مشتت وضلال وتزييف للذات الحقة، عندما لا اكون مالكا لذاتي، بقدر ما تكون الاشياء مالكة لي. بل انني اكون ملكا للموضوعات فانيا فيها فاقدا ذاتي بها وفي هذا يقوم سقوطها" 3

هذا التعبير الذي يسوقه المفكر بدوي لا يستقيم ولا ينسجم مع الفهم الوجودي الفلسفي للاسباب التالية:

1- الذات المنغلقة على نفسها هي ذات تمتلك حقيقتها النظيفة غير المدنسة  في ادراكها التواصلي التموضعي بموضوعاتها الخارجية حسب بدوي والذات لا تمتلك حقيقتها الوجودية الا في ذاتيتها المجردة عن الموضوعات والاشياء، في حين يعتبر اقطاب فلاسفة الوجودية برينتانو وهيدجر وسارتر، أن ايجابية تحقق الذات انما يكون في وجود اصيل يحتويه عالما يحكمه بالضرورة الوجودية الطبيعية جدلا تفاعليا معها،  ولا يكون وعي الذات حقيقيا صادقا من غير قصدية تلازمه تسعى لها الذات كي تكون موجودا – في – عالم. حسب تعبير هيدجر،أي تكون الذات موجودا ضمن محيط انساني يجانسها الصفات  غير الماهوية، ووجود طبيعي لموجودات لا حصر لها لا تجانسها الصفات والماهية التي هي موضوعات الادراك العقلي للعالم الخارجي بما يحتويه.

2- كيف يمكن لذات أن تعي وجودها الحقيقي في انعزالها التام عن المحيط وموضوعاته المدركة كما يرغب بدوي، فالذات بلا تحقيق تموضعي ادراكي للاشياء والموضوعات هي ذات لا معنى لها ولا وجود حقيقي تمتلكه في اثبات وجودها.

الذات في تحققها بوجود مدرك اصيل لا يكون متحققا من غير اندماج الذات في عالم جدلي يتقاذفها تستطيع به ومن خلاله توكيد كينونتها الذاتية المتمايزة بالماهية والصفات عن باقي موجودات الطبيعة. موضوعات المحيط لا تجرّد الذات ماهيتها الادراكية ولا تستهدفها بالضياع والضلال المدنس الذي اشار له بدوي. الوجود الاصيل الحقيقي للذات انما يكون في ادراكها وموضعتها بالاشياء. وليس خارجيا في الابتعاد عنها خوفا من التدنيس وفقدان الطهارة.

3- الذات بخلاف تعبير بدوي لا تفقد خصائصها الذاتية الماهوية في تموضعها اللغوي بالاشياء، الذات تجريد غير متجانس لا بالخصائص الصفاتية الخارجية ولا الماهوية، مع موضوعاتها المدركة من قبلها لذا أمر أن تفقد الذات اصالتها الجوهرية في تموضعها ذاتيا بمدركاتها غير وارد.

فالماهية الادراكية لا تستطيع الانفكاك ولا الانعزال عن محيطها الذي به وحده يتعيّن وجودها الحقيقي، فالذات كما تدخل في علاقة جدلية بموضوعاتها فهي تكسب تلك الموضوعات ادراكها وتكتسب منها وجودها الحقيقي الاصيل.لا تدرك الذات نفسها من غير ادراكها لموجودات الاشياء والموضوعات في العالم الخارجي بالمغايرة غير المتجانسة. والذات تعي وجودها في مغايرتها الاشياء التي تدركها ولا تستطيع تلك الاشياء ادراكها. وهذه هي القصدية التي نادى بها اقطاب فلسفة الوجودية بلا استثناء ماعدا سورين كيركارد الذي اراد فهم تحقق الذات في تقريبها من الدين. واستبدل بدوي لفظة الدين بلفظة اكثر تجريدا ميتافيزيقيا هي الروحانية.

4- لا يمكننا ادراك وجود ذاتي حقيقي اصيل لا يتموضع بمدركاته في تعبير اللغة عنه، كون الذات تعبير لكينونة لا تدرك منعزلة عن موضوعات ادراكها. بل تكون مدركاتها هي التعبير الاصيل عنها. وكل عزلة تفرض قسرا على الذات يعرضها الى اغتراب وجودي سلبي منكفيء على نفسه لا تاثير له ولا قيمة يحملها. الذات تحقق نفسها وجودا انطولوجيا اذا صح التعبير ضمن علاقة جدلية تتبادلها مع العالم الخارجي من حولها.

هل اغتراب الذات سمة ايجابية؟

في تعبير بدوي" أن الصلة بين الذات ونفسها ليست صلة سلبية بل صلة ايجابية أذ تكون الذات في حالة امتلاك لنفسها وشعور تام بذاتها على نحو مقارب لما يقوله هيجل عن الروح الكلية"4

بدوي هنا في محاولته التنصل من حقيقة جوهرية مادية جدلية تحكم الذات الواعية لمدركاتها بقصدية فاعلة، يذهب الى أن عالم الذات لا يتعدى العلاقة بينها وبين وعيها لذاتها بمعزل عن تعالق هذه العلاقة الادراكية بعالم الموجودات. وهذه الاغترابية الذاتية المنكفئة على عالمها الجوّاني الخاص بها ليست علاقة سلبية بل هي ايجابية في تعبير بدوي.

بدوي يرفض الاقرار أن تموضع الذات حول نفسها هو سمة اغترابية سلبية، وهو يسعى الى الباس اغتراب الذات الذي هو انفصام شخصاني نفسي لمدركات الذات الاغترابي غير السوي بمعزل عن وعي الذات الايجابي... أن أي انفصال ذاتي عن مدركات المحيط والعالم الخارجي هو حالة سلبية تماما تضع الذاتية في دائرة الانكفاء على اجترار الذات بلا معنى ولا هدف. اغتراب الذات هو سمة شيزروفينية نفسية عصابية انفصامية حين تجعل الذات موضوعها الادراكي هو ذاتها نفسها على حساب تغييب مدركات العالم الخارجي والمحيط من حولها. بغير هذا الفهم يكون لدينا محاولة بدوي الباس الوجودية مفاهيم صوفية يستمدها من كيركاردغير منطقية فلسفيا في اقترابها من الروح الهيجلية الكلية. والمفهوم الوجودي للذات يتقدم كثيرا نحو الفهم المادي ويبتعد عن ميتافيزيقا التعبير اللغوي الذي يدعمه بدوي متاثرا بكيكارد.

الاغتراب والذات

السؤال متى يكون الاغتراب الذاتي سمة ايجابية وليست سمة سلبية؟ على ضوء أعتبار بدوي أن الذات لا تجد حقيقتها بغير الصلة التي تربطها بذاتها بعيدا عن كل مدرك خارجي. يكون كل اغتراب ذاتي عن مدركات المحيط هو بالحتم حصيلته اغترابا اجتراريا سلبيا لاقيمة حقيقية له. تكمن سلبيته حين يكون متمركزا حول الدوران في البؤرة الدائرية للذات المنفردة المنفصلة عن عالمها الخارجي. لذا تكون حالة اغترابية سلبية. وخير مثال هو ان منفصم الشخصية يعتبر ذاتيته في تغييبه العالم الحقيقي من حوله هو قمة النضج اذا كان يعي اصلا معنى انفصال ذاته عن مدركات المحيط الخارجي. حيث تكون ذاتيته تجد في لامعنى ادركها الوجود الطبيعي للناس هو ما يمثل وجودها الحقيقي الذي يفهمه الانفصامي هو لوحده ولا يفهمه غيره من الناس.

لكن الاجابة عن أمكانية أن تكون الذات ايجابية في اغترابها الفلسفي وليس النفسي قائما فالجواب نعم ممكن وعلى أعلى المستويات من ادراك اصالة الذات ضمن عالمها. حين تتحرر الذات من اغترابها الجواني الذي يحكمها ولا يحكمه المحيط خياليا، هنا تكون الذات تمتلك الحرية والارادة والاختيار في ادراك واستيعاب ما يناسبها وينمّيها ويطورها من موضوعات وظواهر طبيعية تحيط بها تتعامل معها خارج محددات الادراك المادي كونها مواضيع مستمدة من خيال الذاكرة وليس من عالم الموجودات الخارجية.. وحين تجد الذات التي كما قلنا تملك الحرية والارادة في الاختيار حسب نضجها الاستيعابي عندها تجد نفسها تصطدم باغترابها عن المحيط وعلاقاته غير السوية الصحيحة قياسا مع ما تحمله هي من نضج متفتح استيعابي، حينها تعمد الى الارتداد الذاتي المدرك عقليا من قبلها الى محاكمة نفسية جدلية أن ما يسود العالم المحيط بها لا يتواءم مع تصوراتها الصادقة، فتنكفيء على ذاتها ليس بأنغلاقها الاغترابي السلبي عن المحيط بل في نقدها الفكري لهذه الانحرافات التي لا تناسبها وتجد في المقاطعة معها هو تحقيق لاغترابيتها الايجابية.ولوجودها الحقيقي الاصيل الذي يبقي الذات تجد مسؤوليتها عن عالمها الخارجي.. وعن هذه الفعالية الاغترابية الايجابية للذات عن عالمها الخارجي تبتدع عوالمها المثالية البديلة تضخّها للمجتمع على شكل ابداعات في الادب والفنون ومختلف صنوف الابداعات الخيالية المستمدة من اخصاب المخيلة الذهنية بعاملين اثنين هما الواقع الرديء الذي أغتربت الذات عنه، والثاني هو منتجات التخصيب الابداعي للخيال المسيطر عليه ذاتيا كوعي مدرك يحده الزمان والمكان. هذا هو الفرق بين ان تكون الذات متمركزة حول الدوران في متاهة من الاجترار الذهني العقيم وبين الذات التي تغترب عن المحيط في عملية نقدية قصدية وتصحيح لانحرافات موضوعات مدركاتها في عالمها الخارجي.

هل الله ذاتا فلسفيا؟

هل بالامكان ادراكنا الذات الالهية بذواتنا البشرية المتعالقة بها حتى في التجارب الصوفية؟ حين يعبّر بدوي على لسان كيركارد( ان الله يتوسط الذات ونفسها كصلة لان الله ليس الا لاجل الفرد)5.، لا نعتقد هذا كافيا ان نأخذ مقولة كيركارد مسلمة حقيقية مطلقة نبني عليها، فالله ليس ماهية تتوسط بين الذات ونفسها كصلة، فالذات الانسانية مدرك عقلي بمواصفات وماهية بشرية لا تمت بادنى صلة يرغبها  المتديّن وهي غير متحققة في استحالة الاتحاد مع الماهية الالهية ولا حتى مع الصفات. ولماذا يكون الله صلة وسيطة خلقت من اجل الانسان ولا يكون العكس؟ الله ليس حقيقة وجودية بمقاييسنا البشرية وجدت من أجل الانسان وتحقيق رغائبه ممثلة في خالق تعبده المخلوقات، ولماذا لايكون الله ألها مهيمنا على مخلوقات أوجدها من أجل عبادته ولا ضرورة انسانية تلزمه بشيء يرغبه الانسان متحققا مدركا من قبله ويجده بالذات الالهية في سعيه نحوها.؟

الذات والماهية

رغم الاقرار المبدئي بحقيقة أن الذات والماهية هما من المفهومات المجردة التي لا يمكننا فهمها من غير تعالقها التمثيلي الافصاحي عن مواضيعها وموجوداتها. الا اننا نختلف مع بدوي أعتباره التموضع الذاتي في مدركاته" يعني انتقال الذات من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين في العالم وهو المسمى ب( الآنية)"6. من الملاحظات الواجب تثبيتها هنا هو أن ذات الانسانية ليست ماهيته. وانتقال الذات حسب تعبير بدوي من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين بالعالم واطلق عليه الآنية، يقودنا الى التاكيد أن الماهية ليست شيئا ولا موضوعا قابلا التموضع الانصهاري التذويتي داخل الاشياء المدركة عقليا، بما يجعل الذات تضيع في متاهة من الوجود الفاقد لخصائص الذات.

الذات لا تفقد هويتها في التموضع التشييئي بمدركاتها بل هي تكتسب وجودها المتحقق بهذا التموضع الادراكي. كما أن الذات ليست متعينا ماديا تخسر ذاتيتها في تموضعها بالاشياء الذي يكون هذا التموضع  هو عن طريق تجريد تعبير اللغة فقط. تموضع الذات في مدركاتها لا يكون بالمجانسة العضوية المعدومة بين الانسان ومدركاته. كما أن انتقالات الذات في مدركاتها وتمثلاتها التموضعية فيها لا يلغي التمايز الكيفي النوعي بين ماهية الذات عن ماهية مدركات العالم الخارجي. الذات والماهية كما ذكرنا سابقا هما جوهرين غير ماديين ولا يشترط بهما لا الانفصال ولا الاتصال الدائمي لكنهما ضرورين لادراكات العقل للاشياء تجريدا (لغويا) فقط.

كما يفهم بدوي أن فقدان الذات لماهيتها وخصائصها الادراكية " حين تكون الذات وجود – في – عالم، -عبارة هيدجر- وهذا يعني أن الذات اصبحت موضوعا كباقي الموضوعات، وتسقط الذات بوصفها ذاتا، وبهذا لا تستطيع الذات بين ذوات اخرى في العالم الا أن تفنى فيها."7. وثمة ملاحظات سريعة على هذا الرأي الخاطيء :

- هل الذات قيمة جوهرية لا تكتسب ماهيتها الحقيقية وخصائصها الجوهرية الا في الانعزال التام المنفصل عن كل ما هو موجود بالعالم كي تحتفظ بنقائها وبكارتها حسب تعبير بدوي.؟ وهنا يثار تساؤل لا يستطيع الا أن يحمل معه سذاجة الطرح هو ماذا تعني الذات وما هو واجبها في حياة الانسان وكيف تحقق ايجابيتها في الاغتراب الانكفائي على نفسها؟ اذا كان وجود الذات في عالم يفقدها سمتها وتتحول الى موضوع كباقي الموضوعات. ثم بأي وسيلة بعيدا عن تعالق الذات بمواضيعها يمكننا الاستدلال على أن الذات جوهر خفي لا يمكن ادراكه ماديا مثل باقي الاشياء والموجودات؟ وما هو مجال تحقيق الذات لذاتيتها غير المدنسّة؟

- هل من الممكن المتاح لنا عندما تكون الذات في عالم يفقدها تجريدها اللغوي في ادراكها الاشياء لتكون موضوعا مثل باقي الموضوعات هو الحل السليم في الحفاظ على نقاء الذات وعدم تدنيسها؟ الذات تبقى ليست موضوعا للادراك العقلي الا في متعيناتها التي تعبر عنها لغويا، سواء اكانت الذات منكفئة على نفسها اغترابية لا علاقة لها بالمحيط والعالم الخارجي، او كانت نزعة وعي  قصدية يحوزها الانسان دون غيره في الوصول المتحقق بمدركاته.

نجد من المهم الاستدراك أن الذات ممكن تحقيقها وعي ذاتيتها بمعزل عن التموضع الجدلي مع موجودات ومكونات العالم الخارجي، والذي نطلق عليه الوعي الذاتي، والرد على هذا الافتراض الخاطيء يتلخص بان الذات تعي ذاتها عندما تكون تمتلك موضوعا للتفكير به، وهذا الموضوع اما ان يكون ماديا موجودا في عالم الاشياء أو يكون خياليا مصدره الذاكرة. الذات بلا موضوع تدركه تفكيرا هو انوجاد افتراضي خاطيء.

- تموضع الذات في الاشياء ومواضيع ادراكها لا يجعل منها موضوعا قابلا للادراك. الذات جوهر ماهيته ادراك العالم والمحيط من حوله. والذات لا تذوب وتفقد خصائصا في مواضيع ادراكها. والا لما كنا وجدنا وسيلة كيف نميز بين الذات وبين الموضوع في تعالقهما الجدلي المادي. حيث يذهب البعض الى أن الذات والموضوع هما دلالة لمعنى واحد لشدة ارتباط تبادل وعي احدهما بدلالة الاخرجدليا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش:عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص43/2.ص44/ 3. ص44/4. ص45/ 5.ص 44/6. ص 44/7.ص 45

 

 

محمود محمد عليكان تأثير تولمن بفتجنشتين تأثيراً بالغاً –  سواء كان ذلك الأثر مترتباً علي فلسفته الأولي، والتي صاغها من خلال كتابه "رسالة منطقية فلسفية " والذي يتضح من تأثيره في جماعة فيينا وفلاسفة الوضعية المنطقية -  أو كان مترتباً علي فلسفته المتأخرة والتي صاغها في كتابه " بحوث فلسفية "، والذي يتضح بصورة جلية في فلاسفة التحليل اللغوي المعاصر سواء في إنجلترا ؛ وبالأخص في كمبردج وأكسفورد أو في الولايات المتحدة .ويعبر عن هذا المعني "هوايت" بقوله " في هذه الأيام نجد أن تأثير فلسفة فيتجنشتين قد بلغ ذروته في الدوائر الأكاديمية وخاصة بعد ظهور كتابه " بحوث فلسفية "، فهو حين كان لايزال حياً يمارس التدريس في كمبردج، نلاحظ أن تأثيره كان واضحا ومركزا فيها . ثم انتشر تأثيره بعد ذلك فأمتد إلي أكسفورد التي كانت تعتبر منذ فترة طويلة معقلا من معاقل التفكير الميتافيزيقي ... هذا ويتضح تأثير فيتجنشتين في جامعتي كمبردج وأكسفورد، في توجيه اهتمام الفلاسفة بهما – إلي اللغة العادية ".

كما يقول " ألفر آيرAlfred Ayer  ":" إن تأثير فيتجنشتين  يمكن أن يكون هو الصفة التي ساءت تفكير الفلاسفة المعاصرين من الذين يسمون بفلاسفة اللغة "، ويقول أيضاً " إنني أعتقد أن فيتجنشتين كان هو المسئول الأول عن إهتمام الفلاسفة بالسؤال عن كيفية استخدام الألفاظ في اللغة العادية ".

ويعبر " برود " عن هذا التأثير الذي تركه فيتجنشتين في الفلسفة الأنجليزية بقوله في مقدمة كتابه " العقل ومكانه في الطبيعة " عام 1925: " إنني سأرقب بعين الأبوة حركات أصدقائي من الفلاسفة الشبان وهم يرقصون علي الأنغام الجميلة التي تنبعث من مزمار فيتجنشتين ".

ولقد كان ستيفن تولمن واحداً من هؤلاء الذين كانوا ينتشون طرباً بفلسفة فيتجنشتين المتأخرة، فقد كان تولمن كما يري بعض الباحثين " من أكثر الطلاب بمدرسة كمبردج مواظبتاً علي حضور محاضرات فيتجنشتين، وأثناء إعداده لرسالة الدكتوراة كانت لا تفوته ندوه أو محاضرة يلقيها فيتجنشتين في كمبردج " ، ولم يكتف تولمن بذلك بل حاول أن يخلد فكر وفلسفة فيتجنشتين كما صاغها في فلسفته المتأخرة، فتقمص دور " مورتز شليك Murtiz Schlick  " الذي كانت بفضله قد تأسست " دائرة فيينا "، ليتجسد من خلالها فكر " الوضعية المنطقية القائم علي فلسفة فيتجنشتين المبكرة من خلال " رسالة منطقية فلسفية ". فحاول تولمن أن يؤسس " دائرة فيتجنشتين " في مقابل دائرة فيينا ليجسد من خلالها الفكر التحليلي- الأداتي القائم علي فلسفة فيتجنشتين المتأخرة، وبالذات من خلال كنابه "بحوث فلسفية ".

وقد بدأ تولمن يطبق هذا البرنامج في دراسة له بعنوان " لودفيج فيتجنشتين " كان قد نشرها في عام 1969، ثم حاول أن يختبرهذا البرنامج في كتابه " الفهم الإنساني " في عام 1972، ثم تمكن من تنفيذه في عام 1973 مع  صديقا له وهو" ألن جانيك"، فأخرجا معا كتاب " دائرة فيتجنشتين" لتتجسد بعد ذلك " فلسفة التحليل العلاجي " لتنطلق من أفاق " مدرسة كمبردج " إلي أغلب الدوائر الفلسفية العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما تلك الدوائر التي تشجب فكر الوضعية المنطقية .

بيد أن بعض فلاسفة العلم المعاصرين لتولمن والحانقين علي فلسفة فيتجنشتين والمتأثرين بالبوبرية، وبالأخص "إمري لاكاتوش " قد انتقدوا هذه الفكرة ؛ فنجده يكتب مقالة بعنوان " فهم تولمن Understanding Toulmin "، وفي هذه المقالة اتخذ لاكاتوش من نقد عقلانية تولمن ذريعة لنقد ونقض فلسفة فيتجنشتين المتأخرة.

وبصرف النظر عن نقد لاكاتوش لفيتجنشتين، فإن ما يهمني هنا هو نقد لاكاتوش لعقلانية تولمن، وقد استهل هذه المقالة بقوله " كتاب الفهم الإنساني للأستاذ تولمن هو الكتاب الخامس الذي يتبني التقليد الذي أخذه فيتجنشتين في فلسفته المتأخرة . فتولمن طبق هذه الفلسفة أولاً علي كتابه " مكانة العقل في الأخلاق سنة 1950، ثم في كتابه " فلسفة العلم " في 1953، ثم في كتابه "استخدامات الحجة" في  1958. وقد كانت الفكرة الأساسية تحذو نفس الفكر في الكتاب الذي صدر بعد ذلك وهو " البصيرة والفهم " والذي نشره تولمن في سنة  1961.

ثم يستطرد لاكاتوش فيقول:" بصراحة فإنني أعترف بأنني أحببت كتابات تولمن السابقة، وبالذات الكتب السابقة علي الفهم والبصيرة . وجون ويزدم قد كتب ذات مرة عن فلسفة تولمن: يستشعر المرء نفس الرسالة الفلسفية عند قراءة تولمن، وكذلك في حالة الفهم الإنساني، لكن المتاهة أكبر وأكثر تعقيداً في أوائل كتاباته . وأخشي أن هذه الرسالة لا يمكن ألا يكون إيصالها علي شكل ملخص   مصغر، ثم انتقاده بشده . وفي الحقيقة فإنه لإعطاء ملخص مصغر أو نقد حاد لعمل تمت كتابته في التقليد الفيتجنستيني يؤدي بالضرورة إلي الفشل . وما يجب علي فعله بدلاً من ذلك هو تحديد مشكلة واحدة رئيسية كانت تعني بها فلسفة العلم تقليدياً ثم محاولة رؤية موقف تولمن هذه المشكلة .

ولذلك يقسم لاكاتوش في هذه الورقة المحاور الأساسية لنقد العقلانية عند تولمن من خلال كتابه " الفهم الإنساني "، وذلك علي النحو التالي:

المحور الأول: المدارس الثلاثة للفكر حول المشكلة المعيارية لتقييم النظريات العلمية Three Schools of the Normative Problem of Appaising Scientific Theories، ويقصد لاكاتوش بتلك المدارس، المدرسة الشكية Scepticism والمدرسة التمييزية Demarcationism، والمدرسة النخبوية Elitism، ويشرح لاكاتوش كل واحدة من تلك المدارس علي حدة، ليصل في النهاية لي هذا السؤال: أين تصب عقلانية تولمن في المدارس؟ ويجيب لاكاتوش بأنها تصب في المدرسة النخبوية .

المحور الثاني: تولمن وشرطة الفكر الفيتجنشتينية  Toulmin and The Wittgensteinan Thought- Police، وفيه يشرح لاكاتوش كيف بدا تولمن في تطوير الجانب البرجماتي من فلسفة فيتجنشتين ثم كيف حاول أن يتجاوز شرطة الفكر الفيتجنشتينية التي تمنع التغير المفاهيمي، وهو التغير المشاهد بالعيان، وكيف أن أفكار تولمن ستشكل الحزام الواقي، الذي سيحاول الدفاع عن النواة الصلبة للبرنامج الذاتي – النخبوي لدي فيتجنشتين.

المحور الثالث: التركيبة الدارونية التي اقامها تولمن لفلسفة هيجل وفيتجنشتين Toulmin's Darwinian Synthesis of Hegel and Wittgentein  ، وفيها يبرز لاكاتوش كيف حاول تولمن أن يخفف من حدة ذاتيته الواضحة باللجوء إلي النزعة التاريخية أو مفهوم دهاءالعقل الهيجلي بمعاونة الدارونية الاجتماعية وكيف أن تلك الدارونية سوف تدعم من ناحيتها عدم المساس بالألعاب اللغوية عند فيتجنشتين.

وسوف نشرح الآن تلك المحاور بشئ من التفصيل ثم نكشف بعد ذلك ما هي توهجات لاكاتوش إزاء هذا النقد لعقلانية تولمن وهل كان لاكاتوش محقا في نقده لتولمن أم لا .

المحور الأول: المدارس الثلاثة للفكر حول المشكلة المعيارية لتقييم النظريات العلمية

1-  المدرسة الشكية، هي إحدي مدارس الفكر التي ترتد إلي التقليد اليوناني المتمثل في الشكية البيرونية  نسبة إلي " بيرون "، الذي يؤمن بوجود الإبستمية وينفي إمكانية وصول أية معرفة إنسانية إليه وهي الآن تعرف بالنسبوية الثقافية cultural relativism .

ويري لاكاتوش أن المدرسة الشكية ترفض مشكلة تقييم النظريات العلمية من أساسها وتعول علي أن المعرفة برمتها سواء علمية أو لا علمية هي مجرد اعتقاد، وبالتالي فالتغير العلمي لن يعبر عن أي تقدم موضوعي، بقدر ما سيعبر عن تغير في الاعتقاد، وهكذا يصير التغير العلمي مثله مثل أي تغير معرفي آخر، كما هو الحال في تغير وتبدل المعارف والمعتقدات الدينية مثلاً . أما الميثودولوجيا فهي الأخري مجرد اعتقادات تنسب العلمية لنفسها، ومن ثم فليس هناك مبرر للسؤال عن تقييم المعرفة العلمية عما سواها .وبناء علي ذلك لا يتبقي  للميثودولوجيا إلا الدور الطبي والأنثربولوجي اللذين أشار إليهما بول كارل فيرآبند إليهما ولاعجب فالصورة الأكثر إشراقا وأصالة لتلك المدرسة قد ترعرعت علي يد الابستمولوجيا الفوضوية Epistemological Anarchism .

2- المدرسة التمييزية، وهي المدرسة الثانية للفكر وهي تتنافس بشكل رئيسي مع الشكية التي كانت منشغلة بالحلول الوضعية لمشكلة التمييز بين ما هو علمي من جهة، وما هو غير علمي من جهة أخري . وتمتد جذور التمييزية إلي الدجماطيقية اليونانية المتمثلة في الفلسفة الرواقية . ولذا فإنني استخدم الدجماطيقية لكي نشير إلي  المعرفة الموضوعية – وأن الصواب والخطأ يكون محتمل، ثم التقليد الأولاني ويشمل " ليبنتز  Lebiniz (1646-1716)" و " بولزانو Bolzano " و " فريجه " الذين ينتمون لهذا التقليد .

وفي القرن العشرين تتمثل التمييزية لدي رسل وكارل بوبر . علاوة علي أعمال  "رودلف كارناب Rudolf Carnap (1891-1970)" المبكرة التي تنتمي للخط التمييزي الذي أفادني في منهجيتي في برامج الأبحاث العلمية . وفي التقليد التمييزي فإن فلسفة العلم تتمثل في مراقبة المعايير العلمية . والتمييزيون يقومون بإستعادة بناء المعيار الكلي الذي يفسر التقييمات التي يقوم بها العلماء العظام للنظريات أو برامج البحث المحددة، ولكن العلم في العصر الوسيط والفيزياء الجزيئية الأولية المعاصرة والنظريات البيئية المختصة بالاستخبارات يجب ألا تواجه ذلك المعيار . وفي هذه الحالات فإن فلسفة العلم تحاول أن تبطل الجهود المعتذرة عن البرامج المتفسخة .

ويختلف التمييزيون حول المعيار الكلي الذي يجعل التقدم دقيقاً، ولكن يتفقون علي عدة خصائص مهمة: أولاً – أنهم يؤمنون بالعوالم الثلاثة عند كل من فريجه وبوبر . العالم الأول هو العالم الفيزيائي والعالم الثاني هو عالم الوعي بالحالات العقلية وبالأخص الاعتقادات، والعالم الثالث هو العالم الافلاطوني المتعلق بالروح الموضوعية وهو عالم الأفكار . والتمييزيون يقومون بتقييم منتجات المعرفة مثل: القضايا والنظريات والمشكلات وبرامج البحث وكل ما يعيش وينمو في العالم الثالث (حيث تعيش منتجات المعرفة في العالم الأول والثاني).

3- المدرسة النخبوية : بعد أن استعرض لاكاتوش دور المدرسة الشكية والمدرسة التمييزية في عملية التقييم تساءل أين تتجسد عقلانية تولمن ؛ وبمعني أدق كيف يمكن تصنيف تولمن، هل يصنف ضمن المدرسة الشكية أم يصنف ضمن المدرسة التمييزية ؟ وأجاب بأنه يصنف ضمن المدرسة النخبوية  .

ولم يشرح لاكاتوش لنا تفاصيل ذلك  سوي أنه قفز فجأة لتوضيح معالم وملامح المدرسة النخبوية عبر تاريخها مؤكذا أن النخبوية في أبسط معانيها هي الأتجاه الميثودولوجي الذي يؤكد أن قبول النظريات العلمية هو قرار يعود إلي النخبة العلمية في نهاية الأمر،دون حاجة إلي معايير موضوعية . ويؤكد النخبويون إمكانية وجود وحدة للتقييم مثل الأنموذج المقياسي لدي توماس كون، وهم إذ يقبلون فكرة الموضوعية عن مضض وكذلك فكرة معيار عام للتقييم، إلا أنهم يعودون فيصورون هاتين الفكرتين بما يتوافق مع نزعتهم النفسية والذاتية – اللاعقلانية . فهم يقررون إمكانية تمايز المعرفة العلمية عن باقي المعارف الأخري، ولكن هذا ليس نتيجة لموضوعية المعرفة العلمية أو استقلااها الماهوي، فإذا كان هناك تمييزاً، فهو تمييز لأبعاد تشمل الموضوعية بداخلها والعكس غير صحيح . وتدخل تلك الأبعاد ضمن الأطر النفسية والأجتماعية والثقافية للمعرفة العلمية.

وعلي الرغم من إيمان النخبويين بوجود معيار للتقييم، فإنهم يعودون فيقررون أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد معيار شامل بسيط أو حتي فئة من المعايير، من أجل ضبط التقدم والتدهور العلميين . فلا يوجد إلا معيار لحالات بعينها أو معايير وقتية، والعلماء وحدهم هم الذين لهم الحق في الحكم علي القضايا العلمية سواء بالرفض أو القبول .

ويري لاكاتوش أن النخبوية ترتد إلي بعض اليونانيين ( ويقصد لاكاتوش النحلة الأورفية)، وفي العصر الحديث نجد من أعلام  النخبوية كل من " فرنسيس بيكون " و " ديكارت" وكلاهما إنتهي إلي أن قبول النظريات العلمية يتوقف علي الصحة الذهنية للنخبة العلمية . ثم اتخذت النخبوية صورتها المعاصرة علي يد كل من ميشل بولاني وتوماس كون .

ويري لاكاتوش أن هناك عدة إتجاهات أو نزعات فلسفية تؤيد  فكر النخبوية ، وهي: النزعة النفسية، والنزعة السلطوية، والبرجماتية، والمفاهيم التي يقصدها لاكاتوش من تلك النزعات، هي المفاهيم  الفلسفية العادية، والنفسية الميثودولوجية هي النزعة التي تؤكد المعرفة المغلقة، والسلطوية هي النزعة التي تؤكد المعرفة المغلقة علي أصحابها، أو المجتمع العلمي المغلق .

أما البرجماتية فهي تأكيد عملية المعرفة ويؤكد لاكاتوش أنه يجب علينا أن نفهم تلك المفاهيم، ومدي ارتباط النخبوية بها، فحسب نظرية العوالم الثلاثة، فإن النفسية الميثودولوجية، هي إتجاه أو نزعة تدرس منتجي المعرفة أنفسهم أي العالم الثاني . وعلي هذا فإن النخبوية النفسية هي النزعة التي تري أن قبول النظريات العلمية، يرتكز في نهاية التحليل علي الصحة النفسية للعلماء .

ويؤكد لاكاتوش أن ابستمولوجيا " ميشيل بولاني Michael Polanyi (1891-1976)" أكثر من بالغت في الجوانب النفسية والاجتماعية لمشروعية النظريات العلمية قبل " ستيفن تولمن "، حيث إن بولاني قد تجاوز مفهومي المعرفة الموضوعية والذاتية معاً، وذلك في سبيل ما يطلق عليه المعرفة الشخصية وملمحها الأساسي هو البعد المعرفي المضمر . فكل جماعة معرفية لها  قواعد معرفية مطمورة وغير مصرح بها بين الذوات الابستمولوجية، وحتي وإن كانت مدركة بصورة شخصية فيما بينهم وبالنسبة لبعضهم البعض . وهذا البعد المعرفي لا يمكن التعبير عنه بلغة كشفية علي طريقة " بوليا" أو بلغة نقدية علي طريقة بوبر أو حتي بأي لغة ذاتية . وبناء عليه فإن البعد المعرفي النخبوي والخفي أيضا هو الذي يحدد شرعية النظريات العلمية . وبما  أن الشخص الخارج عن الجماعة الابستمولوجية ( العلمية) لا يجوز هذا البعد المعرفي الشخصي المضمر، فمن ثم لن يستطيع الحكم علي منجزات تلك الجماعة المعرفية إلا عن طريق نخبتها والثقة الشخصية في تلك النخبة، مما يدعم نخبوية المعرفة العلمية وتقدمها.

إذن وفقاً لتحليل لاكاتوش، فإن النخبويين حين يؤكدون أهمية البناء السلطوي الخفي والمضمر الذي لا يمكن إدراكه إلا لأصحاب السلطة العلمية (النخبة)، في اتخاذ القرار العلمي، بين جماعات أو أفراد المجتمع الثاني، المشتركين في تشييد المعرفة العلمية، برفض أو قبول النظريات العلمية، فهم بذلك يتبنون الأفكار السلطوية التي يصفها لاكاتوش بأنها بغيضة . وهذه الأفكار السلطوية، ترتبط بدورها بالنزعة التاريخية التي تنظر للتاريخ بصورة شمولية، يحكم سيره ونموه مبدأ ميتافيزيقي أو مادي . إن النخبوية لا تتصف بالتاريخية إلا حينما تنظر بعين الجد إلي واقعة اختلاف النخبة فيما بينها، مثلما حدث بين ليبنتز ونيوتن . وتلجأ النخبوية إلي التاريخية لتفسير ذلك التغير العلمي، فهي تفيد إما من تاريخية هيجل أو تاريخية بقاء الأصلح الدارونية . وهكذا فإن إختلاف أو اتفاق النخبة يتم إما علي أساس دهاء العقل Cunning of Reason الهيجلي أو مبادئ النشوء والارتقاء.

وتصبح النخبوية برجماتية مذمومة حين تؤكد أن قبول القرار العلمي، يتم علي أساس منفعة أو برجماتية وهذا القبول بالنسبة للنخبة أو أعضاء العالم الثاني . فمساهمات أبناء العالم الثاني لا تنفصل عنهم، فالموضوعية والصدق ما هي إلا إشباع معرفي وبرجماتي للذات الفردية والاجتماعية . ويري لاكاتوش أن كثيراً من البرجماتيتين، حين يحاولون أن بستعيدوا الحقيقة المطلقة، يضطرون من جانبهم لتبني تصورات فلسفية نخبوية مكررة، مثل دهاء العقل الهيجلي أو بقاء الأصلح .

ثم يعقب لاكاتوش بقوله: " من كل ما سبق فإن النخبويون يعتقدون أن العلم يمكن أن يمثل تقدم حقيقي وإن كانوا يزعمون بأنه ليس هناك وسيلة للتقدم . بل لا يكتفوا بذلك القول بل يرون أيضاً أن تغير في العلم، وإنما يعني أن تكون من خلال دهاء الهيجلي للعقل والتقدم في العلم . إن ما يصح هو الصحيح أو علي الأقل بين علماء حقيقين أو جماعات علمية حقيقية والبقاء الانتقائي هو معيار التقدم . ولسوف نري من خلال ذلك التقليد الثالث ينتمي تولمن فتولمن ، وهو يقيم ويقدر الجماعات أكثر من النظريات، ويلجأ مرارا إلي صورة من المذهب التاريخي وهذه الصورة قد يعجز عن تفسيرها تفسيرا صحيحا . وكتاب الفهم الإنساني لتولمن ككل إذا ما تمعن المرء فيه يدرك أنه لم يكن واضحاً كل الوضوح وأنه يمثل تقليد باهت في الفلسفة المعاصرة، وهي فلسفة فيتجنشتين المتأخرة، وهذه الفلسفة هي التي يدور حولها هذا الحوار الذي يتوائم مع النخبوية التي أوضحها الآن " ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

حاتم حميد محسنفي هذه الأوقات الغامضة التي تشوبها الأمراض والاضطرابات السياسية، من الطبيعي ان نتسائل حول المستقبل وما اذا كان الماضي كما عرفناه قد ضاع دون رجعة. في مثل هذه اللحظات، فكرة ان المستقبل هو حقا الماضي، وان الماضي هو المستقبل، ربما تبدو فكرة مريحة. هذه الأحداث جميعها حدثت في السابق، وهي الآن تتكرر، لأنها تكررت بعدد لامتناهي من المرات. كل واحد منا عاش حياته من قبل، وسوف يعيشها مرة اخرى:"سوف لن يكون هناك شيء جديد فيها، وانما كل ألم وكل ضحكة كل فكرة ولهفة وكل شيء صغير جدا او كبير جدا في حياتنا سوف يعود لنا دائما في نفس التعاقب والتسلسل".

تلك الكلمات كتبها أشهر المناصرين لعقيدة العود الأبدي، وهو فردريك نيتشة (1844-1900) في كتابه العلم المرح (341). الباحثون لا يتفقون حول ما اذا كان نيتشه تعامل مع هذا الموضوع بجدية كنظرية كوزمولوجية. هو في الحقيقة لم يطرح حجة في ذلك عدى موافقته على الحتمية. لكن الحتمية تعطينا فقط فكرة عن مستقبل جُعل حتميا بفعل الماضي، وليس تكرار لامتناهي للماضي والمستقبل. لذا حتى عندما أطلق نيتشة على العود الأبدي "الأكثر علمية في جميع الفرضيات الممكنة" (الرغبة بالقوة 55)، هو لديه الكثير ما يقوله عن بعده السايكولوجي قياسا بالبعد الكوزمولوجي.

هو لم يكن ايضا الأول من تأمل هذه الفكرة المثيرة. هو نظر الى الخلف الى الرواقيين القدماء الذين كانوا انفسهم يأخذون الإلهام من هرقليطس احد فلاسفة ما قبل سقراط (c.535-475Bc).

كل من هرقليطس والرواقيين اعتقدوا ان هناك قوة دينية توجّه الكون والتي هي نارية بطبيعتها. في الحقيقة، أكّد الرواقيون ان العالم لم يكن أي شيء سوى "حريق هائل". الاله اصبح هو الكون كما نراه، متغلغلا فيه ليكون حاضرا فيزيقيا في كل جزء منه. أرواحنا مثلا، ليست الاّ اجزاء نقية من هذه النار الالهية. في نهاية الزمن، سوف يتحول الكون مرة اخرى الى اله، العالم ينتهي في نار لا في جليد .عندئذ سيحصل بالضبط نفس التعاقب من الأحداث التي تلعب دورها مرة بعد مرة. لماذا يجب ان يكون نفس التسلسل من الأحداث؟ لأن الرواقيين كانوا قدريين، يعتقدون ان نفس نقاط البدء سوف تقود دائما الى نفس المحصلات. كذلك، الآله بالنسبة لهم ذو رعاية، يضمن ان تاريخ العالم ينكشف بأحسن طريقة ممكنة، حتى لو كنا لا نستطيع دائما ادراك الحكمة وراء هذا التصميم.

هناك فلاسفة من ثقافات اخرى قديمة غير معروفة للرواقييين كانوا يطورون افكارا مشابهة. في الهند، النظريات الفلكية كانت تقوم على اساس ان مواقع النجوم تشير الى الأحداث التي تحدث هنا في الارض. طالما هناك وقت كافي للنجوم تعود فيه بالضبط الى نفس الترتيب، فان الاحداث التي تشير اليها يجب ان تكون مطابقة .

يجب الاعتراف ان هذا لن يحدث فورا. الفلكيون الهنود حسبوا طول دورة العالم والتي تعني يوم واحد في حياة الاله براهما بـ 4.32 بليون سنة، فيها يتحطم الكون في نهاية كل يوم. في هذه الرؤية، الزمن ذاته نُظر اليه كقوة مدمرة. ولكن بدلا من دورات متكررة بلا نهاية كتلك التي اقترحها الرواقيون، سيكون لبراهما مدى حياة طبيعي بعدة الاف من تلك الايام الطويلة جدا. في هذا النوع من هذه الرؤية الكونية المثيرة، ربما يبدو ان اهتمامات الانسان ستُختزل الى اشياء تافهة. ولكن وفقا لنيتشة فان فكرة العودة الابدية تعني امتلاك تأثير معاكس. اذاً ما الموقف الذي يعتقد نيتشة اننا يجب ان نتبنّاه لو اعتقدنا ان حياتنا متكررة الى عدد لا متناهي من المرات؟بالنسبة للمبتدئين، نحن ربما نختار إمضاء القليل من الوقت في مشاهدة التلفزيون .

يطرح نيتشة نتائج اكثر دراماتيكية من تلك. في (العلم المرح) نقتبس قوله ان التأمل في العود الأبدي يجب"ان يغيّرك كما انت او ربما يسحقك". بالنسبة له، انه يضغط علينا بالسؤال حول ما اذا كنا نقبل الحياة كما نعيشها، ونقبل بها الى ما لانهاية. اذا كنا كذلك، فسوف لن يكون بسبب ان حياتنا منشغلة فقط بأشياء جيدة: حالات السعادة والمتعة التي نرغب التمتع بها دائما. نيتشة ذاته كان يقاسي المرض والعذاب طوال حياته، لكنه لايزال يطمح للقول "نعم" للحياة كتجربة متكررة ابديا، حتى عندما أخبره صديقه Lou salome ان هذه العقيدة"تعني شيئا مفزعا"، اعتقد نيتشة انه بالإمكان الاستجابة للأمل بفرح لا حدود له .

كان هذا نفس الموقف الذي اتخذه زرادشت الذي وصفه نيتشة بـ"معلّم العودة الابدية". وهو الموقف الذي يحتضن العالم بكل عبثيته، مستخدما الفرح في حياة متكررة الى ما لانهاية متجسدة في تاريخ ليس له بناء سردي ولا هدف. أخبار زرادشت "الجيدة" عن العودة الابدية هي هنا في تعارض تام مع الفكرة المسيحية عن التاريخ بقوسه من السقوط والاستعادة. بدون بداية او نهاية، عالم نيتشة ليس فيه شيء يقدمه عدى وجوده مع معاناة ممتزجة حتميا مع متعه. وكما يذكر نيتشة في (هكذا تكلم زرادشت 4.19)"هل قلت مرة نعم لمزحة واحدة؟ عندئذ يا صديقي تكون قلت نعم ايضا لكل المصائب والمحن". انه تحدّي اكثر ازعاجا من القصة المريحة التي ذكرها الرواقيون في نظام العناية الالهية، لكنه بطريقة اكثر تفاؤلا.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتقديم: في كتاب المفكر الوجودي عبد الرحمن بدوي (الزمان الوجودي) يسعى الى اختراع ديالكتيك ثالث جديد يجمع بين المادية والمثالية التي يطلق عليها احيانا الروحانية، ويصادر كل التنظير الفكري الفلسفي حول الاختلاف بين المنهجين المادي والمثالي في الديالكتيك، والذي يحفظه لنا تاريخ الفلسفة ان ديالكتيك هيجل المثالي لا يلتقي ديالكتيك ماركس المادي، ولو كان العكس متحققا من هذا التباين والاختلاف لكنا وجدناه في موروثات فلسفية قبل اختراع عبد الرحمن بدوي ديالكتيك ثالث يجمع مابين المثالية والمادية من منظور وجودي لم نلحظه في ادبيات الوجودية الحديثة لدى اقطاب فلاسفتها المعروفين..

الراسخ المتداول هو حقيقة أن الديالكتيك يقوم على تضاد الظاهرة الموحدة داخليا بين قطبي الشد والجذب السلبي والايجابي، أو الواقعة المادية ونقيضها على ارض الواقع وعالم مدركات الاشياء والموضوعات في نفس النوع المادي المتجانس وليس الديالكتيك الذي يقوم على الفكرة المجردة ونقيضها في استحداث ظاهرة المركب الثالث الجديد على صعيد التنظير الفلسفي الفكري المجرد في انفصال ارتباطه بالواقع، وقد أخذ ماركس على هيجل واشياعه التصور المثالي القائم على ديالكتيك الفكرالمجرد وليس ديالكتيك الواقع بالمادة والحياة الاجتماعية وصولا الى التاريخ...والديالكتيك الذي لا يحمل تناقضه المادي في دواخله في تجانس طبيعي في وحدة الظاهرة، لا فاعلية له في عالم الموجودات والاشياء والمدركات، وعلى مستوى اكثر شمولية على مستوى التطور المادي للتاريخ الذي يقوم على التناقض الطبقي بين فئات المجتمع ومصالحها المتفاوتة بما اصطلح عليه تطور المادية التاريخية.

ديالكتيك الوجودية الثالث

من الغريب الذي لا يحمل مسوغات قبوله هو سعي عبد الرحمن بدوي اختراع ديالكتيك جديد مثالي يجمع بين ما هو مادي وما هو مثالي روحاني دليل قوله (الجوهر يصبح الذات، والمطلق يتعين روحيا مطلقا او صورة ، والروح ليست شيئا وراء الجسم ولكنها هي ايضا جسم، والواحد ليس من وراء الكثير، لكنه كثير في نفس الوقت ، وبهذا نقضي على النزعتين المادية والروحية ونرتفع الى نزعة مرّكب من الاثنين تقوم على فكرة التصور او الروح المطلقة في تعينها وتحقق مضمونها).1 يظهر تأثر بدوي بمفهوم الجدل عند هيجل المثالي وليس ماركس المادي في محاولته تلبيس جدل الوجودية نوعا من الليبرالية الديمقراطية الحديثة..رغم عدم الوضوح في الانتقالات اللغوية والربط بين التعابير غير المفهومة التي لا علاقة لها بجدل الديالكتيك الا اننا نثبت مايلي:

- الديالكتيك او الجدل منذ مذبحة ماركس مع هيجل كان مجال اشتغاله الحيوي المادي المنتج هو على صعيدي المادة والتاريخ، وليس هناك من جدل روحاني يلتقي المادي بأية صيغة كانت ولا بأي نوع من العلاقة الترابطية بين ما هو فكري مثالي مع ما هومادي تاريخي.

وعندما حاول فيورباخ دونما مغادرته المنهج المادي الخروج على ديالكتيك هيجل المثالي وفق نزعة روحانية دينية لقي معارضة قوية من ماركس، في تاكيده أن الجدل الحقيقي هو مادي في مواضيع الحياة وفي المادية التاريخية. وكل ديالكتيك يخرج عن جوهر المادية فيه هو ديالكتيك زائف لا يمكن تطبيقه على المادة والتاريخ والصراع الطبقي الذي لا معنى لديالكتيك لا يعنى بهذه التطبيقات الواقعية الميدانية في الحياة.

-  يذهب بدوي الى تقسيم الجدل الديالكتيكي الى نوعين سلبي وايجابي، والسلبي يمتاز حسب تحليله بانه يحمل تناقضات زائفة لا اهمية لها ولا ينتج عنها شيئا. اما الجدل الايجابي فهو يمثل التناقض الصادق بالتضاد (بين ما هو موجود وما هو لاموجود) 2. لا أعتقد ان قرأ أحدا أن يكون الجدل سلبيا زائفا اذا لم يكن معبرا عن متناقضات حقيقية، كون الجدل لا يوجد الا على صعيد الواقع والتاريخ فقط، ولا يوجد جدل يحمل الصفة السلبية لانه لا يقود الى تشكيل مركب ثالث جديد هو الظاهرة المستحدثة الناتجة عن الجدل الذي يكون او لايكون وليس هناك جدل زائف سلبي غير حقيقي وجدل ايجابي حقيقي يحمل سمات تناقضية صادقة ليست كاذبة. واين يوجد مثل هذا الجدل الذي يصفه بدوي قطباه الوجود واللاوجود.؟ كيف يكون الجدل واقعة حقيقية عندما يكون بين وجود ولا موجود؟ قطبا الديالكتيك هو تناقض متضاد داخل المجانسة الموحدة للشيء وللظاهرة، بمعنى ليس هنالك جدلا لا يقوم على المجانسة التناقضية داخل الشيء الواحد او الظاهرة الواحدة. كما أن سلبية الجدل الفكري مجال اشتغاله الفكر المثالي المجرد الذي يلغي مفهوم الجدل المادي اصلا..

- عندما نقول ديالكتيك مادي، فهذا يعني الاخذ بمبدأ وحدة تناقض الاضداد داخل الظاهرة المتجانسة نوعيا، فالتناقض الديالكتيكي لا يكون بين شيئين او ظاهرتين لا تجمعهما المجانسة النوعية.

الوجود المادي الديالكتيكي داخل الظاهرة الواحدة لا يناقضه الا وجود قطب جدلي آخر يجانسه المعايشة والارتباط به، فهل من المعقول والمنطقي ان يكون هناك تضاد جدلي بين موجود ولا موجود(عدم)؟ الجدل تناقض داخل النوع الواحد المتجانس في الاشياء المادية ذاتيا، يعتمل ويتطور بفعل عوامل ذاتية تهم خصائص النوع المادي وتوافر عوامل موضوعية خارجية ملائمة في تسريع التضاد الجدلي داخليا، الى ان يصل التناقض مرحلة البقاء للاصلح في تشكيل مرّكب الظاهرة المستحدثة الجديدة. والجدل طبيعة راسخة بالاشياء وليست رغبة افتعالية تحركها ارادة الانسان. الجدل لا يعمل تحت وصاية الانسان عليه، بل في استفادة الانسان من نتائج جديدة يستفاد منها .

- الجدل الديالكتيكي الذي يحاول الجمع بين ما هو مثالي بعيدا عن الواقع لايحقق أية نتائج يمكن التحقق منها حتى لو كانت على صعيد الروح المطلقة للتاريخ الماخوذة عن هيجل، ليس هناك روحا مطلقة للتاريخ هي بمثابة العقل المحرك للتاريخ كما ذهب له هيجل. الذي وصل به الاعجاب بنابليون كفرد يحمل كاريزما يمكنه بها تحريك تاريخ اوربا باكمله، ولم يحقق هذا الاعجاب شيئا يذكر على الصعيد الاوربي غير التطاحن الحربي والتنازع على الهيمنة والنفوذ وضم المستعمرات الاقطاعية تحت هيمنة الاقوى..

- الظاهرة او الموضوع او الشيء المدرك واقعيا ماديا هو الذي يكون مجال أشتغال الجدل عليه، وكل شيء يحمل تناقضه الجدلي بداخله كنوع، أي لا يمكن ان يكون هناك تناقض جدلي بين ماء وزيت مثلا لينتج لنا مركب ثالث لا نعرف ما هو؟، او يكون بين وجود متناقض مادي يقابله اللاوجود (العدم).. الديالكتيك هو تناقض داخل المجانسة الخاصة بالنوع المحدد.

الجدل يكون بين قطبين متناحرين تحتويهما وحدة المجانسة النوعية. هل من المعقول أن يكون قطب التناقض الجدلي بين الوجود مع اللاوجود؟ الجدل يحدث داخل الاشياء المتجانسة بالنوع ولا مجال ان يكون الجدل بين ماهو مادي مع ماهو روحاني حسب تعبير بدوي. ثم اذا كان المقصود تناقض الوجود مع اللاوجود ممثلا بالمركب او الظاهرة الجديدة الناتجة عنهما فهذا أمعان أكثر بخطأ التفكير.

المركّب الثالث الذي يتخلق عن تناقض جدلي لا يكون طرفا تناقضيا داخل جدل عنصرين متضادين والمرّكب الثالث هو ناتج غير متحقق ولا موجود الا بعد انتهاء صراع قطبي المتناقضين . لأن المركب الجديد هن (ناتج) التناقض الجدلي وليس عنصرا داخليا في عملية صراع الاضداد في وحدة مجانسة واحدة يكون غريبا عنهما. التناقض الجدلي يكون داخل العناصر المتجانسة بالصفات، وليس التناقض مع عنصر ثالث يكون ناتجا لتخليق جدلي مستقبلي وليس طرفا في التناقض الجدلي الذي ينتجه.

الجدل الحقيقي الذي يدعو له عبد الرحمن بدوي هو الجدل الزائف الذي يكون مجمل تناقضاته في التفكير الذهني وخارج الفكرة الواحدة المتجانسة موضوعيا من نوعها، ومن الخطأ القاتل اسقاط مثل هذا الجدل المفتعل ذهنيا على الواقع المادي وبذلك نكون جمعنا المادي مع الروحي حسب رغبة بدوي. وليس حسب تعقب ناتج التناقض الطبيعي الذي يقود لطفرة نوعية هي الظاهرة المستحدثة الجديدة التي يطلق عليها بدوي المرّكب الثالث.

- حين نقول الجدل تناقض نوعي مادي بمعنى يمتاز بميزتين هما اولا انه يتم داخل موضوع متجانس في النوعية المادية، وثانيا الجدل لا يعمل برغبة الانسان في اختراعه له، فهو اي الجدل تناقض طبيعي يتحدد بالنوع والاستقلالية الذاتية في موجودات وظواهر بعيدة عن رغائب الانسان، ولا يخضع الجدل الى وصاية الانسان وارادته، بل يمكن في استثناءات جدلية معينة يتدخل الانسان كعامل موضوعي في تسريع التناقض في الظاهرة على صعيد التناقض الطبقي مجتمعيا، كي ينبثق ويتخلق عنها المركب المستحدث الجديد الذي بدوره يحمل تناقضه الداخلي الى مدى وصول انحلاله وظهور المركب الثالث المستحدث الجديد وهكذا الى ما لانهاية له من التطور الدائم الذي يقوم على التناقض الذي يعقبه استحداث مركب جديد.. لذا الجدل لا ينوجد برغبة انسانية ولا يحقق نتائج يرغبها الانسان سلفا، فهو عملية طبيعية فيزيائية مادية بعيدا عن المؤثرات الخارجية باستثناء العوامل الموضوعية المساعدة في تسريع عملية الجدل وتعميقها.

- من المفروغ منه ان كل ظاهرة مادية بالحياة لا تتطور بغير تناقضها الجدلي الداخلي كنوع والتناقض المسمى جدليا لا يمكن اسقاطه من الفكر على تطور المادة بمعنى تداخل الفكر في التناقضات المادية، وكل جدل زائف يكون مجاله الفكر بمعزل عن الواقع في التفكير المجرد ولا قيمة مادية تترتب عليه.

- في الوقت الذي يفهم هيجل الديالكتيك على انه مسار تراكم كمي طبيعي لا تتخلله الطفرات النوعية، نجد كيركارد ذهب عكس ذلك في اعتباره الديالكتيك في جوهره وحقيقته يقوم على الطفرات الكيفية (النوعية)، وان مسار الديالكتيك الطبيعي هو مسار منفصل بقطوعات على شكل (وثبات قافزة نوعية) على الدوام تعجل وتسرّع في مسار التناقض الجدلي وتنقله الى مركبّات جديدة يحققها بالطفرات النوعية، وبهذا النقد لكيركارد لديالكتيك هيجل يكون ارسى وفتح المجال اما ظهور الجدل الماركسي الذي يقوم على ديالكتيك الطفرات النوعية في تطور التاريخ وتقدم الحياة والا يكون الديالكتيك فقد كل معنى له حين يكون مسارا طبيعيا لا تتخلله طفرات نوعية. والديالكتيك الذي ينتج عنه قفزة نوعية سببها وصول التراكم الكمي مرحلته الاخيرة التي يجب بالضرورة الحتمية الملزمة انتقاله الى ظاهرة نوعية جديدة ومغادرته صفة التراكم الكمي.

- حين سعى فلاسفة المادية ادانتهم ديالكتيك هيجل وتخليصه من عقدة الفكرالمجرد يعلو الوجود، في تماهيه مع ديكارت في انا افكر اذن انا موجود حيث " صار الفكر مضادا للوجود، وانه كلما زاد الفكر قل الوجود، وكلما زاد الوجود قل الفكر.. واذا نحن بدأنا مع هيجل من الفكر كي نصل الوجود فستكون النتيجة اننا لن نصل الى شيء كما برهن كانط على ذلك "3 .

الحقيقة الواضحة ان الجدل الديالكتيكي بالفكر المجرد هو جدل كاذب سطحي ولا يقودنا تحقيق شيء جوهري بالحياة، بينما يكون ديالكتيك الواقع مليء بالتوتر والتناقضات والتضادات التي تؤدي بنا الى معايشة تحولات وطفرات كيفية نوعية في التغيير المتواصل، والقول كلما زاد الفكر قل الوجود مصدرها انعزال الفكر عن الوجود حيث يكون الفكر هو الوجود ولا يكون تمثيلا تعبيريا عما يدور في المجتمع والحياة.

ديالكتيك الذات

في الفلسفة الوجودية نجد محددات متفق عليها في تخليص الذات من السلبية المطلقة بعد ان أغدقوا عليها مواصفات تكون بها ذاتا فاعلة غير الذات التي جعلها ديكارت عملية انتقال تموضعي فكري لها في الاشياء بدلا من سجن التجريد الذهني لها بالفكر دونما الانتقال من الفكر الى الواقع، اذ لا توجد الذات حسب ادبيات الوجودية الا في ملازمة الارادة مع حرية الفعل، والذات التي تجد نفسها مقيدة الارادة في حجب الحرية عنها تكون ذاتا هامشية لا قيمة حقيقية لها ولا قيمة تقدر منحها لغيرها.

ونجد المحددات الوجودية للذات الحقيقية التي وردت بتعبير بدوي الوجودية تنطلق من " الحرية تقتضي الامكانية، لان الحرية تتضمن الاختيار وكل اختيار بين ممكنات، فاذا كان جوهر الذات هو الحرية، فماهيتها تقوم اذن بالامكانية." 4

هذا التدرج التوصيفي الذي يبدا بالرغبة مرورا بالامكانية والحرية والتحقق والاختيار، هي مفردات انقاذ الذات من السلبية الى حالة السيرورة الحيوية التي تقوم على الاستقلالية والمسؤولية حسب اجماع فلسفي استعاره بدوي. وهذه المقومات التي تجعل من الذات قطبا في الديالكتيك الجدلي مع مواضيعها يعبر عنها كيركارد " ان الحرية ديالكتيك في منحيين هما الامكان والضرورة "5، ويفسر بدوي هذه المقولة بضوء الفهم الهيدجري الوجودي أن الضرورة هي الزام تحقق الامكانية على هيئة وجود - في- عالم.وان جوهر الذات هو امكانية ما تريد تحقيقه لها.

كما يفسر بدوي الوجود الماهوي للذات حسب الفهم الوجودي في القدرة الممكنة التي تمتلكها في تحقيقها لرغائبها ضمن عالم يمور ويعج بمختلف العديد من الموضوعات. تلازمها الحرية فيه بشكل مطلق فالذات التي تفقد حريتها انما تفقد سلسلة الترابطات المتعالقة بها بما يجعل منها ذاتا غير فاعلة ولا تمتلك حيوية الوجود.. كما يربط بدوي تحقق ماهية الذات بمقدار اشباع رغباتها بما تريده بحرية تامة ولم يميز بين تلك الرغبات. غرائزية أم مكتسبة؟.

أن الماهية الوجودية للذات لا تذهب الى هذا المعنى الاشباعي الغريزي لما ينتاب الذات من رغائب بيولوجية استهلاكية زائلة، بينما الماهية الذاتية عند الانسان هي جوهر ثابت يتم انشائه كبنية تحمل خصائص انفرادية عابرة لاشباع غرائز الجسد والنفس. الى ذات تتحمل مسؤوليتها المجتمعية ضمن عالم حسب تعبير هيدجر. والذات في انعزالها المنفرد تغادر حقيقتها الاصيلة في الوجود، وتكون نوعا من الاغتراب السلبي الذي يرى المشاركة بصنع الحياة مضيعة للوقت لا تنّجي الانسان من مصيره المحتوم بالموت والفناء.

الفهم الوجودي للذات والماهية

تذهب الفلسفة الوجودية فهم الذات هي المرادف المتطابق مع الماهية، وعندما نقول ذات نعني بها ماهية. وهذا الفهم يتبنى الطرح الذاتي عند ديكارت في ربطه الفكر بتحقق الوجود في الكوجيتو، كما تذهب الوجودية أن الامكانية المتحققة للذات في الحرية والارادة والاختيار والاشباع المادي والروحي، انما هي تثبيت لمعنى الذاتية الايجابية الاصيلة في تحقيقها لماهيتها.

طبعا هنا سوف لا نهتم بان هذا الفهم في تاكيد الذاتية في الوجودية واعتبارها تحقق الماهية، لا تمتلك مسوغات الحضور والاهتمام الفلسفي حين بلغت الذات اوج قمتها في الحداثة واستمرت لقرنين اكثر او اقل في بلوغ عصر التنوير وتقدم التكنولوجيا والعلوم قاطبة في القرن العشرين، لتاتي مابعد الحداثة ممثلة بالفلسفة البنيوية وما تلاها من فلسفات مثل التفكيكية والتاويلية والتحليلية والعدمية جميعها تمحورت حول مركزية فلسفة اللغة في انكار أن يمتلك الانسان ذاتا ولا ماهية جديرة بالبحث والدراسة فقد وصلت فيما بعد عصر الانوار الطريق المسدود الذي ركن الذات الانسانية والعقل في خندق الميتافيزيقا.

اذن كي لا نخرج عن صلب موضوعنا سوف نناقش ما تطرحه الوجودية حول الذات والماهية بنفس تعبيراتها المتزامنة معها وليس بتعابير ما وصلته فلسفة اللغة باعتبارها فلسفة العقل والمعنى هو الفلسفة الاولى في القرن العشرين، ونهمل النتيجة التي وصلتها اليوم.

الامر الواجب توضيحه أن تاكيد الذات لوجودها الحيوي الذي ارادته الوجودية تخليصا منقذا للذات وتخليصها من اختزالها الديكارتي في دوران تسييجها في  التفكير الذاتي المجرد الذي يمنحها الوجود لا بل تكون هي ماهية الانسان كما ذهبت الوجودية له.

الوجودية لم تميز أن توكيد ذاتية الانسان لا يعني توكيد ماهيته. الوجودية صحيح اخرجت الذات من سجن ديكارت الانفرادي الذي اختزل وجودها الحقيقي هو في التخارج الجدلي مابين الفكر والوجود. وأن وعي الذات الانفرادي كان ديكارت سبق الوجودية بتحققها بالفكرالمجرد في سبق تاريخي يحسب له بعد مجيء هيجل، وكل ما اضافته الوجودية انها اعتمدت مقولة برينتانو منبع الافكار الوجودية حين جعل من كل وعي ذاتي ينحصر بكينونة الفرد الانفرادية هو وعي زائف غير حقيقي ما لم يرتبط ب(قصدية) هادفة له على الاقل لتحقيق ذاتيته الحقيقية ولمجتمعه. وقصدية الذات في تحقق اصالتها الوجودية سرعان ما تلقفها هوسرل ومن بعده هيدجر وسارتر وجبرييل وصولا لفلاسفة امريكا المعاصرين جون سيرل وريتشارد رورتي.

هؤلاء الاخيرين طوروا القصدية الذاتية في الوجودية في تركيزهم دراسة اهمية الوعي المتعالق بالذات، التي رأت تحقق الذات في وجودها الاصيل انما يكون (في عالم) وهو تعبير هيدجر، ولم يعيروا ادنى اهتمام للماهية التي اعتبروها نسخة مصورة عن تحقق الذات بصفاتها المدركة. وبقيت اشكالية فهم الذاتية بمعزل عن الماهية مدار نقاش ترجع اصوله الى كانط حين قال لا تتعبوا انفسكم في البحث عن الماهية التي هي وجود بذاته لا يمكن ادراكه ومعرفته ، على خلاف من تحقق الذات فينامينالوجيا على انها وجود مكتف لذاته والاخرين ولا يشترط امتلاكه ماهية. حيث تكون معرفة افصاحات الذات عن الصفات الخارجية المدركة كاف كي لا نضيع الوقت في افتراضية البحث عن الماهية كموجود او غير موجود. وحتى الفلسفات المادية مثل الماركسية أخذت بهذا المنهج الفلسفي اعتبارها الصفات المدركة هي الماهية.حين انفرد سارتر في خروجه عن تعميم كانط والوجودية وقال أن مالا يمكن ادراكه لايعني عدم وجوده، وتبقى الماهية تصنيع ذاتي لكينونة انسانية تلازم الانسان طيلة حياته كان وحيدا بالساحة الوجودية. الذي يحمل حقيقة فهم الماهية فهما فلسفيا متفردا.

الذات المتحققة ضمن قصدية هادفة تكون اكتسبت وجودها الحيوي الفاعل بالحياة، وهذا التحقق الذاتي في عالم لا يعني أن ماهية الانسان أصبحت ذاتيته المفصحة عن نفسها بما تمتاز به الذات، الذات بالفهم الوجودي الفلسفي ومعه المادي ايضا ينظر للذات كمدرك في دلالات افصاحاته الخارجية بالحياة، وهو ما لا ينطبق على الماهية كونها ليست موضوعا مدركا، بل الماهية مخزون نوعي يدّخره الانسان كبنية نوعية خاصة. الماهية تخليق دائمي يرافق الانسان بشكل مستمر وهو جوهر لكينونة وجودية هي الانسان ولا يشترط ربط توكيد الذات لوجودها الاصيل في عالم نكون به وصلنا معرفة ماهية الانسان التي هي ليست افصاحاته الذاتية وأنما هي مدّخراته التي يعيها بالقدرة والامكانية والحرية والضمير ولا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها وحده فقط.

الوجود الاصيل المتحقق للذات ضمن عالم لا يمثل بالضرورة التبعية الماهية كمدرك، بل تبقى الماهية كينونة بذاتها، او موجود بذاته حسب تعبير كانط يصعب الاستدلال عليه معرفيا بخواص مدركات المنظومة العقلية للاشياء والواضيع. صفات الذات ليست منفصلة عن الماهية، وقد تشكل بعض ماهية الانسان وليست ماهيته كاملة تماما. الماهية هي الاحساس المتمايز المنفرد بعدم المجانسة مع الاخرين الذي تكون مجانستهم بالصفات المشتركة بينهم كنوع واردا. والماهية ليست مجموع صفات الشيء المدركة ولا حتى ذاتيته المتحققة في عالم من الوجود الاصيل. وتحقيق اصالة الذات لا تسحب معها تحقق اصالة الماهية.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 28

2- المصدر نفسه ص 10

3- نفسه ص35

4- نفسه ص 41

5- ننفسه ص 41 ايضا

 

علي محمد اليوسفجون لوك والدين

ينطلق جون لوك (1632 – 1747) من ضرورة الايمان الديني في تحقيقه شروط الحياة المجتمعية التي يجد الانسان فيها حقوقه مصونة ورغائبه الدنيوية محترمة لا يعاديها ولا يقاطعها الايمان الديني، ولوك يشترط في الايمان الديني ان لا يقوم على تخلي تطلعات الانسان الارضية وحرمانه منها من اجل نيلها في حياة الخلود ما بعد الموت. ويعتبر الايمان الديني ركيزة تماسك المجتمع اخلاقيا قبل اعتماده الايمان اللاهوتي ضمانة الانسان في نيل ثواب آخرته، واعتبر حق الحياة، والحرية، وحق التملك، حقوقا يجب ان لا تتعارض مع النزعة الايمانية اللاهوتية.

النزعة الايمانية عند جون لوك تضع اقدامها على الارض كضرورة حياتية تقوم على تسييد أخلاق الدين قيما مجتمعية والتزامات لا تفرضها الدولة كقوانين ملزمة، بقدر ماهي التزامات طوعية تقوم على مركزية الوازع الايماني الدفين عند الانسان المترسب في اعماق كل انسان يحكمه ويتحكم به الضمير الاخلاقي المجتمعي الذي يعبر متجاوزا سلطة القانون الوضعي الحكومي ليلتجيء الى طبيعة الانسان الارضية في نوازعه حب الخير والعيش بسلام ضمن مجتمع آمن يعرف الفرد حقوقه وواجباته كما يعرفها المجتمع ويمارسها بما يضمن حقوق الطرفين.

لوك هنا ينطلق من ان الانسان نزعة اخلاقية خيرية متأصلة فيه ليست فطرية تحب تحقيق الامن المجتمعي بضوابط النزعات الطبيعية التي يحملها الانسان، وهي نظرة ليست خاطئة تماما بقدر ماهي نزعة طوباوية تعبركل التطلعات الانانية المتاصلة بالانسان بنفس مقدار الايمان هو نزعة خير تتلبس الانسان بوازع ايماني اخلاقي يراقبه الضمير اليقظ. لوك لا يلغي العقل من الايمان الديني بقدر فهمه جوهر الدين يقوم على تنظيم الحياة المجتمعية اخلاقيا بما يحقق رغبة المجموع في حياة سعيدة.

اهمية العقل في الايمان الديني عند جون لوك مفهوما متقاطعا متناقضا منقسما على نفسه ففي الوقت الذي ينكر ما ينافي العقل التصديق به من معجزات، يؤيد امكانية تحقق الايمان العقلي بوسيلة الاستقراء الذي يقترب جدا بها من البرهان العلمي في تحقيق الايمان الراسخ بالخالق مجردا من معجزات الانبياء،مؤكدا الدين مستمد من طبيعة الانسان التي يحكمها الضمير الاخلاقي لا التي يزرعها اللاهوت الوضعي تلقينا دوغمائيا..جون لوك يتماشى مع الفهم الديني المثالي الذي ساد القرن السابع عشر وكانت بداياته الاولى على يد ديكارت الذي مارسه بحذر شديد خوفا من سلطة رجال الكنيسة المطلقة التي جعلت من محاكمة غاليلي موعظة لغيره. والايمان الديني العقلي الذي دعا له لوك غير محسوم مقارنة بوضوحه البائن لدى كل من سبينوزا ولا يبنتيز مع فارق جوهري كبيربينهما فكلاهما لا يعتبران الاستدلال العقلي لتحقيق الايمان الديني ينطلق من مفهوم تجريبي يقوم على التجربة والبرهان كما في العلم، فالايمان الديني سواء تحقق بالعقل البرهاني الوضعي، او بالاستدلال العقلي الميتافيزيقي فكلاهما سبينوزا وجون لوك رفضا استبعاد تحكيم العقل النقدي في قراءة اللاهوت الوضعي لكن كلا بطريقته الخاصة، فهما  ينكران ما يتعارض عقليا مع الايمان اللاهوتي الذي علينا تجاوزه وعدم الاخذ به، أي قاما بانكار المعجزات والطعن بها عقليا بعيدا عن أهمية التزام الانسان بالوازع الديني الاخلاقي الذي يقوم على ركائز الضمير اليقظ روحيا قبليا ويستبق تفكيرصرامة العقل في تحقق البرهان الايماني.

كلا من سبينوزا وجون لوك ارادا تسخير الايمان العقلي الديني على ارضية من وجود الانسان الطبيعي على الارض. فهما ادانا اللاهوت الوضعي في تكريسه اغتراب الانسان الديني في حياته الارضية بنسيان ما يعانيه على الارض من حرمان وفقر واجحاف في غمط حقوقه كي يكرس كل حياته من اجل الايمان الديني في تعويضه خسارته الارضية للحياة في جنان الخلد بعد الممات.

وفي الوقت الذي حثّ سبينوزا على اعمال العقل بوحدة موجودات الطبيعة ودقة تنظيمها بعيدا عن التفتيش فيما وراء الطبيعة، عمد جون لوك اعتبار الدين في حياة الانسان ضرورة حياتية تدعو لقيم الخير والتسامح بموجب عقد مجمتمعي عماده الاخلاق بالدين وليس الاخلاق الطقوسية في اللاهوت بما يجعل الدين فهما مقاربا لما كانت تبشر به ديانات ومذاهب القرون الوسطى. في وجوب زهد الناس بالحياة من اجل كسب الخلود بعد الممات، أي كانت ديانات القرون الوسطى تعدم تطلعات الانسان في ابسط مستلزمات الحياة مثل سد رمقه هو وعائلته من الجوع ولا يحصل عليه في التزامه التسليم المطلق لما يقوله اللاهوت الوضعي بالصبر.

وقد لاقت هذه الفلسفة الطبيعية المهادنة عند جون لوك مناوءة معارضة لها بشدة بدأها على حذر فرانسيس بيكون في أعلائه قيمة العقل والعلم في رفضه كل مايتنافى مع العقل حتى الايمان الديني، ليتسلمها ديفيد هيوم بخروجه التام عن كل ماهو ديني ويعلن الحاده على الملأ. ويوّرث نزعة الالحاد لكل من جورج مور وبراتراندرسل ووايتهيد واخرين من فلاسفة الانكليز الملحدين الذين وجدوا الاهتمام باللاهوت الديني مضيعة للوقت في الميتافيزيقا.

ديفيد هيوم والعقل الديني

ينطلق ديفيد هيوم(1711 – 1776) من تاكيده نزعة واهمية العقل في رفضه الدين كاملا ولم يجزيء هيوم الدين الى سلبيات وايجابيات ممكن الاستفادة منها، بخلاف جون لوك الذي رغم نزعته العلمية في رفضه كل ما ينافي العقل، كان يؤكد قدرة الاستدلال العقلي الوصول الى الايمان الديني بعيدا عن لاهوت تمجيد المعجزات، في حين رفض هيوم متماهيا مع جون لوك أن يكون الدين نزعة فطرية تلازم الانسان بالولادة، معتبرا الدين معرفة نوعية خاصة مكتسبة، كما رفض التسليم بالمعجزات كون التصديق بها منافيا العقل. دعى هيوم الى مسالتين منفصلتين صحيحتين تماما يتوجب توضيحهما هما:

- اصل الدين في العقل

- اصل الدين في الطبيعة

هيوم بهذا اراد الانفصال والتفريق بين اصل الدين بالعقل واصله بالطبيعة فهما دلالة واحدة عن معنى واحد هو الايمان الديني على الارض خارج وصاية لاهوت الدين المستمد من الارض ايضا وليس من السماء.، من حيث ان استدلال احدهما يقود للثاني هو العقل الانساني ومعجزة الخالق في الطبيعة. فنظام الطبيعة الذي يقوم على ثوابت قوانين عامة مذهلة يقود العقل التسليم بوجود فاعل متحكم بكل من الطبيعة والعقل بما لا يتعارضان بمقدار انهما بألاصل متكاملان ومتكافلان نحو بلوغ تحقق الايمان الغيبي بهما.

كان هيوم أجدر واكثر مقبولية بحثية عنده في هذا الفصل بين تجزئته العقل الديني الى مستويين من الايمان الديني المترتب عليهما، هذا الفصل الذي يفتح باب مناقشة ضرورة انفصال التدين الارضي اللاهوتي الوضعي، عن التدين الميتافيزيقي الالهي الذي يرى اننا لا يمكن ان نفهم تدين الارض من غير تعاليم السماء علما ان المصدرين واحدا هو قدسية الله المطلقة بالاسم واللاهوت الارضي الازدواجي بالتنفيذ القائم على مخاتلة رجال الدين التي يرفضها العقل. فلا قدسية الخالق بمطلق نواهيه قائمة ولا قدسية لاهوت الارض ونواهيه مجدية العمل بها.

نجد في تفريق هيوم بين ما هو ديني عقلي ارضي وضعي، وما هو ديني ميتافيزيقي سمائي انه " سعى الى تطوير نظرية وضعية في الدين حدد فيها ما هو اساسي وطبيعي في الاعتقاد الديني، من خلال تتبعه تاريخ الدين الطبيعي، الامر الذي يعني انه رفض التاريخ المقدس للدين. ونحّى جانبا التاريخ السامي فوق الطبيعي الذي تقدمه الكتب السماوية داعيا عدم تجاوز اية نظرية وضعية بخصوص نشاة الدين وتطوره. " نقلا عن محمد عثمان الخشت، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم".

تنبه هيوم قبل فيورباخ الى ان العقل يقود كلا من الطبيعة والانسان على انهما دلالة واحدة لما تم اختراعه انثرويولوجيا عبير التاريخ وأن الدين في معنييه الاثنين بما هو ايمان يقوم على عبادة مقدس معبود، وعابد مخلوق، وطقوس دينية تعبدية وضعية. انما ترجع الى اصل واحد هو تأمل عقل الانسان في الطبيعة ومعرفة حقيقته الذاتية من خلال تلك المدلولات المتوحدة كما وبها ايضا يدرك عظمة معبوده.

التفريق بين الدين القائم على تعاليم لاهوتية ارضية سمّاها هيوم وضعية، هو دين السماء الذي تم تنزيله على الانبياء كاملا جاهزا. والدين الوضعي الارضي الذي يقوم على كيفية معيشة الانسان الدينية بما يحقق حياة كريمة للانسان، كلاهما عابران متجاوزان العقل والطبيعة في الاستدلال الذي مصدره السماء وليس الارض. كون مايكتبه ويعمل به لاهوت الاديان الارضي ليس مستمدا حقيقة قدسيته من تعاليم السماء التي تريد للانسان الحياة الكريمة السعيدة على الارض وفي السماء معا، وبذلك اصبحت حصة التدين الارضي الوضعي جنة رجال الدين على الارض وجحيم الناس عليها. ولم يكن لقدسية السماء علاقة بسبب هذا الاجحاف ولا مانعا في ازالته وعدم تصديقه والعمل به.

نجد مع الاختلاف الجوهري في المنهج المادي الذي قاد فيورباخ الى الالحاد الذي اوصل قبله هيوم اليه، هو ان فيورباخ وجد الاله في الطبيعة هوعقل الانسان على  الارض، وانكر امكانية العقل معرفة الهه في السماء. لذا نجده اعتبر الانسان والطبيعة والله تعبيرات مختلفة في الدلالة عن معنى واحد اخترعه عقل الانسان واسماه الدين. وهو ما يؤكد ما سعى له هيوم تحقيقه قبله لكن ليس بهذا الوضوح المنهجي المادي القاطع الذي مارسه فيورباخ.

العقل الديني بين الشرق والغرب

ربما بدت لغة هذا العنوان الفرعي غريبة كون ليس هناك عقلا مطلقا يسم ويحتوي ديانات الشرق القديمة والحديثة عموما، وكذا الحال مع العقل الغربي الديني الذي يحتوي من اختلاف المذاهب الدينية ما لا يقل عن الشرق نتيجة حرية المعتقد وحرية التفكير الديني في الاختيار والارادة.

حين نتأمل نشأة الاديان في الشرق القديم عموما، والتي أصبحت في تطورها الانثروبولوجي حديثة في الشرق والغرب على السواء، نجد أهمية التركيز على تطورات الاديان في منطقة الشرق الاوسط وتحديدا في منطقة شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وفلسطين واليمن اكثر من الغوص والتوغل في جدوى الانهمام بنشوء الاديان في الشرق الاقصى الهند والصين واليابان وغيرها.

الشرق الاوسط الجزيرة العربية واليمن والعراق وايران وبلاد الشام وفلسطين وافغانستان هي مهد الديانات التوحيدية وحتى الوثنية قبلها، فالمشرق العربي تحديدا انجب اليهودية والمسيحية والاسلام، كما أن نفس هذه الرقعة الجغرافية انجبت الديانات الوثنية والاساطير والميثالوجيا المتداخلة في ما بينها في تعالقها الاسطوري الديني.

هذا اشّر لنا بوضوح أن عقلية الشرق الدينية هي عقلية  منتجة ومصدرة للاديان،بينما بقيت الشعوب الغربية القديمة غير منتجة للاديان بل مستهلكة لها. كما هو حالنا اليوم في استهلاكنا حضارة الغرب التي لم نساهم بادنى دلالة فيها، وبدايات هذا النزوع الاختلافي كانت اول بوادره جاءت بفترة فتوحات الاسكندر المقدوني لبلاد فارس والهند رجوعا الى بابل في الفترة المحصورة بين 334 – الى 321 ق.م سنة وفاة الاسكندرفي بابل التي سميت بالهلنستية. الذي راوده حلم مزاوجة التثاقف بين العقل الشرقي المولع بالروحانيات والصوفية مع العقلية الوثنية الرومانية التي كانت في حينها هي خلاصة الغرب الذي يعرف الدين الوثني ميثالوجيا في تعدد الالهة التي تقاسم بعض البشر بعضا من الصفات، وبالعكس ايضا. وكانت حملة نابليون على مصر 1801م لم يكن في وارد اهتمامها احياء قيم الدين لدينا بل الاهتمام بخلق تبعية أن نكون مستوردين للتدين منهم كما هم طوروه بعد ان كنا مصدرين له نحن لهم.

ما يهمنا ليس المعنى التاريخي المجرد دينيا ولا المعنى التاريخي الانثروبولوجي للانسان. بقدر أن هذا التفاوت التثاقفي انتج لنا العقليتين الديانيتين اللتين تتناقضان جذريا بين العقل المنتج المصدّرالشرقي وبين العقل المستورد المتلقي الغربي المستهلك.

أن الحقيقة التي اثبتها التاريخ الى يومنا هذا افرز لنا اصالة التدين العقلي الغربي المستهلك في حين كان المفروض تحقق اصالة التدين المشرقي كمنتج مصدّر  متّحكم باصالة الدين في معانيه الاخلاقية السامية هنا في الشرق، وليس العقلانية الغربية النقدية في تطويعها الدين لخدمة مقتضيات الارض قبل تضرع العقل رحمة تحقيق بعض احلام السماء في الارض.أن بداية هذا الافتراق كانت عندما حاول الشرق اعتباره ميتافيزيقا التدين على ارضه اكثر حقيقة جوهرية تأصيلية من نزعة العلمنة الغربية في فصلها الدين عن العلم ومقتضيات الحياة،عن ميتافيزيقا التدين في النهضة الغربية، التي اعملت العقل النقدي بما استوردته عن الشرق من اديان، فخرجت بذلك بحصيلة تحقيق اصلاح ديني ونهضة وتنوير. وسبب ذلك لم يكن سوى ارغام وتطويع كل شيء بالحياة الغربية لسلطة العقل النقدي فقط.

العقل الديني المشرقي ينطلق من الثوابت الميتافيزيقية منذ الف وأربعمائة عام  التي هي:

- الدين نزعة فطرية تولد ملازمة الانسان ولا تفارقه الا بالممات وليست قدسيتها مكتسبة من الارض كي يطالها النقد العقلي.

- الدين ميتافيزيقا لا يمكن للعقل النقدي الطعن بموثوقيتها الدوغمائية كما لا يمكن ممارسة النقد لبعض جوانبها.ما جعل متغيرات العالم من حولنا لا علاقة لنا بها سوى في منحيين استهلاكنا منتجات الكفرة من الاقوام، والحفاظ على قيمنا التي يستهدفنا العالم بها من خلال اضاعتنا لاصالة ديننا.

- عقلية التدين هي تجسيد لحالة شعورية ولا شعورية يوجب على شعوب تلك الامم الشرقية تسليمها لاجيال تتوارثها وفق ثوابت التحريم الذي لا يلتقيها النقد ابدا. ولا اهمية مؤثرة في تقدم الحياة والعلوم وتبدل الظروف التي هي مفسدة للاخلاق والدين معا.

- ان اللاهوت الديني الوضعي هو الصحيح الذي لا يطابق غيره تعاليم السماء مع انسان الارض. والانسان بلا دين وضعي مستمد من قوانين العقل لاقيمة حقيقية له.ولا حاجة لاعادة التذكير اننا نجد العقل الغربي المستورد للاديان بقضها وقضيضها وضع كل ثوابت الدين المستوردة امام اشكاليات النقد المصاحبة لها وهي:

- اين يقع العقل اليوم من الايمان الديني؟

- هل الايمان الديني يحمل قدسية بذاته ام هو وسيلة استدلال لقدسية تتجاوزه.؟

- كيف يمكن التوفيق بين العقل العلمي وميتافيزيقا الايمان الديني؟

عصرنة الدين/الاستحالة والتحقق:

اشكالية الديني المقّدس مع الارضي المدّنس، أصبحت اليوم هي اشكالية التقاطع أيّهما يقود الآخر، ولمن تكون الأرجحية في الأعتماد أو الأنقياد .؟!

أنها اشكالية التقاطع المفروض بقوة وسطوة الحياة المدنية المتحضّرة، وأن المأزق الذي يتقاذف الانسان العربي المسلم يتمثل اليوم في مواجهته اشكالية الديني في الحياة، في تساؤل اصبح اكثر مشروعية، هو كيف يستطيع هذا الانسان أن يجد او يبتدع في الدين (معاصرة) لاتتقاطع مع (ثوابت) الديني السماوي والفكر الوضعي الديني معا، وهذا الاخير الفكر الوضعي المؤدلج يمانع وبشّدة وبمختلف الطرق أن يخلي دوره في وصايته على الدين، أمام رغبة الانسان العربي المسلم سعيه جعل المعاصرة الدنيوية (دينا) آخر في الحياة، او مرادفا لدين المقدس المطلق يعيش معه ويوازيه .

أشكالية الروحاني الديني مع الارضي الدنيوي الذي تفرضه الحياة المعاصرة،في الانسان الذي يرغب فهم الدين عصريا هو بالضرورة الحتمية سيكون في مواجهة المتديّن المتطرف الذي يشهر سيفه على الدوام وفي كل الاحوال وبأبشع صور الهمجية والاجرام والتخلف، في محاسبة كل من يجرؤ على التساؤل او الاستدلال لمعان معرفية تخص انحرافات الدين المسيّس ايديولوجيا . وأن كل ممارسة تحمل صبغة الاسلام الديني يجب أن تخرج من تحت عباءة وهيمنة النص الوضعي المتطرف لايديولوجيا الدين السياسي، وفي الاجهاز على كل تطلع يروم جعل الدين خارج مجرى التقاطع مع مجرى الحياة المعاصرة علميا وحضاريا .

وأقصر الطرق لجعل الدين ثوابت، انتقامية جاهزة، تستمد منها وتتخلّق عنها ايديولوجيات سياسية متطرفة وغير متطرّفة، هو في ممارسة عصمة ما يراد أن يساق ويساس به المجتمع قطيعيا خرافيا، على وفق مسّلمات كاذبة متخلفة تنتزع منه تسليما خادعا. متقاطعة دينيا مع روحية العصر وتحديث المجتمعات العربية الاسلامية.

من هنا نجد أستحالة الجمع بين الرغبة في عصرنة الفكر الديني الى جانب عصرنة الحياة، وأن هذا التقاطع سيستمر لأستحالة خروج روحية العصر وتوقفها عن مسارها الطبيعي في التقدم الى الامام، امام استحالة اخرى تتوازى معها وتقاطعها ممثلة في ثبات وتخلف الفكر الديني الوضعي المؤدلج سياسيا. في تنحيته النقد العقلي بكل الوسائل والطرق والعنف.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعيالقاء نظرة عامة على المنهج  الذي كان سائداً في نظرية المعرفة في القرن العشرين يكشف عن دورها المتعلق بفقدان الهدف. لقد لعبت الفلسفة البراغماتية والتجريبية المنطقية بأفرعها  المختلفة في القرن العشرين أدوارأ لكنها مختلفة في هذا الفقدان لهدف المعرفة.

من الجدير بالذكر  طورت كلا من مدرستي الفلسفة  وسائل أختبارها  للمعرفة من وجهات نظرها عن العالم  (world-views )، من أجل تلبية الاحتياجات النفسية الملحة لعصرهما. وتجدر الأشارة إلى أن كليهما  يطلق على نفسه  تسمية "منهج" بمعنى "المقاربة" ( approach) أو "النظرة إلى العالم"، وعندما يتحدثان، ينظر كلاهما إلى المشاهد- وليس إلى منتج المعرفة.

كان يُعتقد أن البراغماتية، في مواجهة الاضطرابات التي نشأت في نهاية القرن التاسع عشر بتطور العلوم و"حقائقها" التي كانت متعارضة مع تلك الخاصة بالدين، قد قطعت العقدة الغوردية ( Gordian knot)، ايً قد فتحت الطريق بالنسبة لأولئك الذين كانوا في حيرة من أمرهم، فيقول الفيلسوف الأمريكي البرغماتي وليم جيمس: "المنهج البرغماتي هو في المقام الأول وسيلة لتسوية الخلافات الميتافيزيقية التي قد لا تكون نهاية لها".[1] عندما يكون أي نزاع خطيرًا، يجب أن نكون قادرين على إظهارأو كشف بعض الاختلافات العملية التي تأتي من جانب أو آخر يكون على صواب."[2] وكما نرى هنا، هذا هو موقف المراقب أو المشاهد من العبارات المتباينة حول الموضوع نفسه. تصوغ البراغماتية معيارها لتمكين المشاهد من كشف هذه الاختلافات العملية، فـالأفكار الحقيقية هي تلك التي يمكننا استيعابها والتحقق منها ومن  صحتها، وعندها تكون فكرة ما حقيقية. وأن تصبح حقيقة يعني ان تصبح هكذا من خلال الأحداث الفعلية. وإذا  توافقت النتائج  التي نضعها في الأعتبار مع الأحداث تلك هذا يعني أن أفكارنا تتفق مع الواقع"[3] ومن المهم أن نلاحظ هنا أن هذه الفكرة هي نتاج للعقل البشري أيضًا.

يتمثل الشاغل الرئيسي للتجربة المنطقية أيضًا في إيجاد طريقة للتأكد من تجنب الخطأ - وهو أمر لا يتحقق ابداُ، نظرًا لأنه يجب أن يعتبر جميع القضايا بمثابة فرضيات  في النهاية. أنها تطور معيار قابلية التحقق من المعرفة، وإمكانية تكذيبها لاحقًا- من وجهة نظرها للعالم، ونجد التعبير عن ذلك في بيان دائرة فيينا (كما تسمى)، أي في النص المقدم في عام 1929 من قبل موريتز شليك.[4] لا يتسم المفهوم العلمي للعالم كثيرأً بأطروحات الخاصة، ولكن بموقفه الأساس ووجهة نظره وتوجهه البحثي." أنه  يتميزاساساً بميزتين: أولاً، أنه تجريبي ووضعي: هناك معرفة من التجربة التي تستند إلى ما يعطى مباشرة. ثانياً، يتسم المفهوم العالم العلمي بتطبيق التحليل المنطقي. اذا تم إجراء مثل هذا التحليل على جميع المفاهيم، فسيتم ترتيبها في نظام مبسط، " يتم من خلاله تطبيق التحليل المنطقي  من خلال التصور العلمي للعالم. وهذا ما خططت التجريبية المنطقية لتحقيقه.

لا يزال، يتم تطوير في العديد من العلوم، سواء العلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية، العديد من "النماذج". شكّل بناء "النماذج" الشغل الشاغل في العلوم؛ واخذ مصطلح "نموذج" اهتماماً الا أنه  لا يزال يسوده ارتباك كبير، و يبدو أنه أحد المصطلحات، إن لم يكن الأكثر شيوعًا، في فلسفة العلم..ومع ذلك، فإن الحقيقة التالية التي أشار إليها حنة أرندت، في الستينيات، ما زالت بعيدة عن الانتباه:

تكمن المشكلة في أن كل مايبدو بديهية كأنها تصلح لاستنتاجات متسقة كما لو أن الشخص في وضع يمكنه من إثبات أي فرضية قد يختار تبنيها، ليس فقط في مجال التركيبات العقلية مثل التفسيرات الشاملة للتاريخ والتي تدعمها الحقائق بشكل متساوٍ، ولكن في العلوم الطبيعية أيضًا ... تميل الأنظمة التوليتارية  إلى إثبات أن الفعل يمكن أن يستند إلى أي فرضية وأنه في سياق العمل الموجه باستمرار سوف تصبح الفرضية  حقيقة، ستصبح حقيقة واقعية. بعبارة أخرى، فإن البديهية التي بدأ منها الاستنتاج: لا يجب أن تتوافق مع الحقائق كما هي معطاة في العالم الموضوعي في اللحظة التي يبدأ فيها الفعل؛ إن سيرورة الفعل، إذا كانت متماسكة، سوف تمضي في خلق عالم يصبح فيه الافتراض بديهيًا وجليًا بذاته. لا تختلف الأشياء اختلافًا جوهريًا في العلوم الطبيعية، لكنها تبدو أكثر إقناعًا لأنها بعيدة  معرفة الشخص العادي وشعوره الذي يرفض رؤية ما لا يمكن فهمه.[5][6]

يبدو أن ما تقوله حنة أرندت صحيح ليس بالنسبة للأنظمة الاستبدادية فحسب، ولكن لأي نظام اجتماعي وسياسي.

تبدو ملاحظاتها المتعلقة بـ "العلم المعاصر" مهمة للغاية أيضًا. ويبدو أن السمة المميزة لهذا العلم هي ما أسميه "فقدان الهدف" الذي نلاحظه سائدأً في معظم العلوم. يعتبر "العلم" من خلال فلسفة العلوم السائدة بمثابة نظام من الفرضيات أو النظريات - حيث يتم استخدام هذين المصطلحين كمرادفات. وفقًا لبوبر، على سبيل المثال، يعتبر العلم "نظامًا من الفرضيات، نظامًا للتوقعات غير المبررة: أي نظام من التوقعات التي نعمل من خلالها طالما تم تأكيدها، والتي قد لا نسميها صحيحة أو مؤكدة بدرجة أقل أو "محتملة.[7] وهكذا يتألف نشاط الباحث العلمي من تقديم الفرضيات أو أنظمة من الفرضيات، واختبارها بشكل منهجي؛ فما يتم تقديمه واختباره في التجربة من خلال الملاحظة والتجاربهي الفرضيات وأنظمة النظريات.[8] "النظرية" هي الشبكة التي نرميها من أجل الاستيلاء على "العالم" - من أجل عقلنته، وتفسيره، والسيطرة عليه ".[9] "الاستيلاء على العالم" يعني في المصطلحات البوبرية "إجراء تنبؤ قابل للأختبار تجريبيا."[10]

اليس هذا المفهوم للعلم، كما صاغه بوبر، متفقًا تمامًا مع ملاحظات حنة أرندت النقدية،  حيث لاتزال ملاحظاتها فيما يتعلق بـ "العلوم المعاصرة" مطابقة؟

وهكذا، فإن "الموضوعية"، التي كانت ذات يوم المثل الأعلى للعلوم، قد أعطت مجالًا لـ "صلاحية البيذاتية"، والتي شكلت االنموذج المثالي في "العلم".أصبح تطبيق الفرضيات أو النظريات الصالحة المفترضة - أو النماذج، أو المناهج للحالات الفردية، والتي بدورها "تثبت" أو "تؤكد" صحتها، "طريقة العلم". لا تنطبق هذه الملاحظة الأخيرة على التجريبية المنطقية فحسب، بل على النهج الديالكتيكي أيضًا.

ومع ذلك، تستمر "النظريات" أو النماذج المتعلقة بالقضية نفسها، في الزيادة، ويبدو أن جميعها مبررة للوهلة الأولى. لا يزال هذا الشكل من التعددية التي حظيت بالكثير من الثناء يترك الناس في حيرة من أمرهم، ويجعلهم يبدون من ناحية المعرفة كمبتدئين في الفلسفة.

أعتقد أننا ما زلنا غير مدركين بشكل كافٍ للعواقب الناجمة عن فقدان موضوع المعرفة في مختلف مجالات النشاط البشري؛ وكنتيجة بعيدة، أود أن أذكر، وأنا أدرك جيدًا، بالطبع، أنني قد أصدم  القارى هنا- المطلب العصري باحترام جميع الثقافات على قدم المساواة.

وهكذا، في القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في وضع موازٍ لموقف القرن العشرين: لدينا العديد من "الحقائق"، لكن هذه المرة "الحقائق  العلمانية" حول الموضوعات نفسها: نحن لدينا نماذج مختلفة لتشخيص وتفسير وتقييم وما إلى ذلك للأشياء نفسها.

ولكي نتعامل مع هذا الموقف - بدلاً من التشكيك في نظرية المعرفة السائدة - جعلنا التعددية شعارًا في عصرنا، معتبرين أنها علاج ضد الدوغمائية (العقائدية )، دون الاستفسار عن أمكان التعددية الإبستيمولوجية ( المعرفية).

يبدو أن ما بعد الحداثة هي محاولة لتبرير هذه التعددية - لإضفاء الشرعية على الحقائق باسم الحرية ، التي تعتبر بمثابة علاج لـ "  دوغمائيات السرديات الكبرى" للحداثة. ومع ذلك، وبسبب ما بعد الحداثة، وجدت العقائد أيضًا - بما في ذلك مختلف الأصوليات - الحرية في  الأنتشار. ومن الجدير بالملاحظة أن منظري الأصولية مفتونون بما بعد الحداثة. يبدو أن ما بعد الحداثة هي المظهر الأكثر تطرفًا لفقدان هدف المعرفة.

من أجل تسمية موضوعية للموقف، نحتاج إلى مفاهيم واضحة يمكن أن تكون نتاج تعريف فلسفي للحقائق الإنسانية وتصور مفاهيمي للأفكار.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................................

[1] William James, "What Pragmatism Means," The Moral Philosophy of William James, ed. John K. Roth (New York: T.Y. Crowell, 1969), p. 276.

[2]  المصدر نفسه .

[3] William James, "Pragmatism's Conception of Truth," in Roth, The Moral Philosophy of William James, p. 295.

[4]"The Scientific Conception of the World: The Vienna Circle, “in Empiricism and Sociology, ed .Otto Neutrath,chap.9,Vienna Circle Collection, vol. l (Dordrecht: D. Reidel Publishing Company, 1973), pp. 305-307.

[5] كارل، بوبر، منطق البحث العلمي، ترجم وتقديم ، د. محمد البغدادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2006، ص288 فما بعد

[6] Hannah Arendt, '"The Concept of History: Ancient and Modem," in Between Past and Future (New York: Penguin Books, 1978), pp. 87--88.

[7] كارل، بوبر، منطق البحث العلمي، ترجم وتقديم ، د. محمد البغدادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2006، ص288 فمابعد.

[8] المصدر نفسه.

[9] المصدر نفسه، ص 63.

[10] م ، ن ،

 

 

حاتم حميد محسنحاول الناس عبر القرون فهم أصل الحرية الانسانية. هناك من اعتقد ان الحرية الانسانية تنبع كحق اُعطي من الله. آخرون اعتقدوا ان الحرية تنبثق من قرارات يصنعها الناس كجماعة. وهناك ايضا من اعتقد ان الحرية تأتي من ثنائية مركبة من الدين والجماعة.

يقول الأكويني" من الواضح ان القانون الطبيعي لايعني أي شيء آخر عدى مشاركة المخلوقات الرشيدة في القانون الأبدي". الاكويني يركز على المخلوقات الانسانية الرشيدة بسبب مقدرتها على ممارسة الرغبة الحرة" ... الانسان اكثر حرية من الحيوانات بموجب رغبته الحرة التي اُعطيت له قياسا بكل الحيوانات الاخرى". وبينما هناك قانون صنعه الانسان، نجد هناك ما يصفه الاكويني بالقانون الأبدي، او قانون الله. ولذلك، فان الحرية الانسانية تتسع فقط بمقدار ما يسمح الله للرغبة الحرة بالتمدد. باستعمال هذا الفهم، يستطيع المرء القول ان الاكويني يعتقد ان القوانين لا تقيّد ولا توسّع حرية الانسان لأن حرية الانسان كما نُظر اليها وفق القانون، هي بالضبط ما يحدده القانون الالهي.

الفقرة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان تقول ان كل فرد له حقوق معينة ، حقوق في الحياة، الحرية، الحماية . ان عقيدة الاكويني تقرر ان القانون الابدي هو قانون الله، وان كل الحرية الانسانية تأتي من الله. ولذلك فان، الحياة، الحرية والأمن كلها هبة من الله وهو منْ يستردها .

يؤيد الاكويني الفقرة الثالثة من إعلان حقوق الانسان من منظور ديني،  اذا كانت هذه الحقوق رُسمت بواسطة الخالق فان الخالق هو فقط من يستردها. ولذلك، فان الانسان حر بحماية الحقوق الممنوحة له من الله، لكي لا يتدخل اي انسان في القانون الابدي.

هوبز يعلن "وبسبب ظروف الانسان،  التي هي ظروف حرب الجميع ضد الجميع، والتي بها كل شخص محكوم بعقله الخاص، وانه لاشيء يمكنه الاستفادة منه في حماية نفسه من الأعداء، يتبع ذلك، ان لكل فرد الحق بأي شيء ، حتى بشخص آخر". ولذلك، طبقا لهوبز، القانون سيقيّد حرية الانسان. هوبز يقول "... طالما يستمر هذا الحق الطبيعي لكل شخص بكل شيء، فلا آمان هناك لأي شخص للعيش ، وحيث تسمح الطبيعة للناس بالحياة". وكما في الفقرة 3 من إعلان حقوق الانسان، هوبز لم يؤيد الحق العالمي بان كل الناس لهم الحق في الحياة والحرية وحماية انفسهم. الطبيعة ذاتها لا تسمح بهذا لأن الطبيعة لا تتبع قانون الانسان. ولذلك، فان هوبز ليس فقط لا يتفق مع الفقرة الثالثة وانما هو لا يؤيدها . حسب وجهة نظره، الطبيعة لا يمكن ان تكون مقيدة بقوانين يصنعها الانسان.

الاكويني وهوبز لهما رؤيتان مختلفتان. الاكويني يشير الى قانون الله بينما هوبز يشير للطبيعة. قد يجادل البعض ان القانون الديني والطبيعة هما ذات الشيء، لكن الاكويني يعتقد ان الله فقط يستطيع منح القانون وحماية الحرية الانسانية. الطبيعة من جهة اخرى، ليس لها خطة الهية لأنها لا تدرك.

ان السعادة هي ذاتية، ما يجلب السعادة لشخص ما قد يجلب الحزن لشخص آخر.الواجب هو شيء يفهمه كل الناس حتى عندما لايشتركون بنفس المستوى من الالتزام بالواجب. السؤال هو هل يمكن للسعادة ان تؤدي الى الواجب ام ان الواجب يؤدي الى السعادة؟ هل الواجب والسعادة مترابطان بطريقة ما؟

كانط يقول "الواجب هو تسمية او تعيين لأي فعل يتقيّد به اي فرد بالتزام". الالتزام يحفز المشاعر، سواء كانت مشاعر سعادة او حزن او قناعة او اللافرق. كانط يستمر بالقول "لأن سعادة المرء هي وبلا شك غاية لكل الناس (بمقتضى حوافزهم الطبيعية)، لكن هذه الغاية لايمكن دون تناقض اعتبارها واجبا". كانط يعتقد ان السعادة ذاتها لا يمكن اعتبارها كواجب او التزام.

اعلان الاستقلال الامريكي يقول ان كل الناس لهم الحق في الحياة والحرية ومتابعة السعادة. ما هي الحقوق؟ هل هي واجب ام التزام؟ الحق، في سياق ما نوقش في اعلان الاستقلال يقترح ان كل الناس لهم الحق ليقرروا متابعة الحياة والحرية والسعادة، لكنهم غير ملزمين لمتابعة ذلك الحق. لا احد ينكر سعي الافراد في قراراتهم لمتابعة تلك الحقوق، ولكن في النهاية لا احد ملزم بمتابعتها ان لم يرغب بذلك. كانط يؤيد اعلان الاستقلال.

اما جون ستيوارت مل يقول "ان العقوبة الداخلية للواجب (1) مهما كان مستوى الواجب هي نفس الشعور في الذهن من حيث الألم او الشعور بالمخالفة للواجب،  وهي الاكثر اهمية في تشكيل شعور الفرد. هو يستمر في القول "فيما يتعلق بالحافز الديني، اذا كان الناس يعتقدون، في خيرية الله، ويرون ان ما هو جوهري هو الذي يؤدي الى السعادة العامة ، لذا يجب بالضرورة ان يعتقدوا ايضا ان السعادة تنال موافقة الله.

لو كل شخص يحوز على حق الحياة، والحرية و متابعة السعادة طبقا لتفسير مل، يجب على المرء ان يسأل ان كانت تلك الحقوق أقرت من جانب الله. كذلك يجب على المرء ان يسأل ان كانت تلك الحقوق واجبات، واذا كانت كذلك، هل هي تثير قلقا داخليا لدى الفرد يفشل فيه للوفاء بالواجب المذكور. اعلان الاستقلال يقول ان هذه الحقوق اعطيت لكل الناس من جانب خالقهم. لذلك، فان مل سيؤيد بيان اعلان الاستقلال.

الواجب يمكن ان يؤدي الى السعادة اعتمادا على الكيفية التي يختبر بها المرء واجباته ومسؤولياته. الواجب يمكن النظر اليه كعبء او كخير اعتمادا على الرؤية في كل حالة. كانط ومل كلاهما يعتقدان ان الواجب عالمي. لكن المشاعر التي يحفزها الواجب ليست كذلك.

ان الحق بامتلاك الملكية لايعتبره الكثيرون حقا. من السهل الحصول على الملكية ومن السهل التخلص منها في هذا العصر الحديث. الرغبات تلعب دورا في الحصول على الملكية، الاعلانات في كل يوم تلعب دورا في تلك الرغبات. هذه الرغبات تشحذ الاقتصاد وهي كانت كذلك منذ الف عام.

 يرى لوك ان "العمل في البداية اعطى الحق في الملكية"،  المرء يجب ان يعمل ليحوز على الملكية، وان هناك ملكية في العالم اكثر مما تستطيع البشرية حيازته. باستخدام قول لوك يمكن للمرء ان يرى هناك معادلة، الرغبة زائد العمل تساوي الملكية. اذا كان المرء يرغب بالملكية هو يجب ان يؤدي العمل للحصول عليها .

هيوم يقول " بالنسبة لكل الحيوانات التي يعيش معها الناس في هذا العالم، لا احد فيها ، مارست الطبيعة وحشية تجاهه اكثر مما نحو الانسان، في الرغبات والحاجات اللامحدودة والضروريات التي تحمّلها، وفي الوسائل الضئيلة التي اتيحت له لتخفيف تلك الضروريات". وهو ما يعني ان البشرية تحتاج الكثير والطبيعة لا تفعل شيئا لتخفيف الحاجة للملكية. اذا اراد الانسان تكوين مجتمع يجب عليه امتلاك ملكية لأن حيازة الملكية تجلب الاستقرار وان الاستقرار يجلب السلام. الانسان يرغب بالملكية والاستقرار والسلام.

الانسان يجب ان يمتلك الملكية لكي يبقى على قيد الحياة. ذلك يتضمن الملابس والمنزل والطعام والماء. الضروريات هي ملكيات. اذا كانت الملكيات ضرورة للحياة فمن المنطقي الاستنتاج اننا حين نمنع احدا من اكتساب ما يحتاج ليعيش، ذلك سيكون انكارا للحق. بالتأكيد كل فرد له الحق في الحصول على ما يحتاج ليعيش بدون عوائق.

 

حاتم حميد محسن

.................

الهوامش

(1) يحلل مل طريقتين يتحفز بهما الناس للقبول او ممارسة الفعل الاخلاقي وهما العقوبات الخارجية والعقوبات الداخلية. ان الخوف من العقوبة او من عدم موافقة الآخرين تشكل عقوبات خارجية، بينما الشعور الأخلاقي المغروس جيدا (الاحساس بالواجب) يولّد عقوبات داخلية. شعور الفرد بالواجب او الضمير يولّد اما عدم راحة من مخالفة الواجب، او الشعور بالذنب والحزن لو ان المرء خالفه فعلا. العقوبات الداخلية هي اكثر تأثيرا من الخارجية، طالما ان حوافز الناس النهائية للفعل هي تجسيد لشعورهم الذاتي.

 

علي اسعد وطفةيخاطب روسو الضمير قائلا:

«أيها الضمير.. أيتها الغريزة الإلهية، أيها الصوت السماوي الخالد، أيها الحاكم المعصوم الذي يفرق بين الخير والشر، أنت الذي تجعل الإنسان شبيهاً بالله، فتخلق ما في طبيعته من سمو، وما في أعماله من خيرية، لولاك لما وجدت في نفسي ما يرفعني على الحيوان إلا شعوري المؤلم بالانتقال من ضلال إلى ضلال، بمعونة ذهنٍ لاقاعدة له، وعقل لامبدأ له».

شُغل المفكرون منذ القدم بمسألة الضمير الأخلاقي، فتناولوه بالتحليل والتفسير، استكشافاً لما ينطوي عليه من أسرار، وما يكتنفه من تعقيد، وما يكمن فيه من خفايا. لقد أذهلتهم هذه القوة الأخلاقية الخفيّة التي تكمن في أعماق الإنسان، هذه القوة التي تمارس وظيفتها في توجيه السلوك أخلاقياً عند الإنسان، إذ تنهاه عن ارتكاب الرذائل ، وإتيان المعصية، وتصيّد الآثام، فتعمل على توجه الفعل الأخلاقي، وتحضّ على فعل الخير، ومن ثمّ تقوم بإصدار الأحكام على الأفعال التي يقوم بها الفرد، وأخيراً تعاقب الفرد بالتعذيب والتبكيت، عندما يرتكب معصية ويصيب شرا.

لقد تساءل الباحثون، على مرّ العصور، عن طبيعة هذه القوة الأخلاقية التي تفرض نفسها في كل موقف إنساني يتعلق بالفعل الأخلاقي، واحتاروا في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى القول: بأنها قوة نفسية، ووصفها بعضهم الآخر بأنها قوة روحية، وقيل عنها بأنها بأنها قوة عقلية خالصة، وتواتر الوصف بأنها قبس من نور إلهي، يكمن في أعماق الإنسان، فينهاه ويهديه ويعاقبه. وجميعهم يتفق على وجود هذه القوة ويصفون تعاقب حالاتها؛ فالضمير قد يضعف ويكبر وينمو ويضمحل ويصاب بحالات متعاقبة من التغاير في أحوال ضعفه وقوته، ولكنه مهما ضعف فإنه يبقى بصيصاً من نور أخلاقي خيّر، يضيء لصاحبه الطريق ويهديه إلى الصراط المستقيم. إنه أشبه بمحكمة داخلية تصدر أحكامها على كل فعل أخلاقي يخترق معايير الحق والخير والجمال.

فالضمير مركز إصدار الأحكام الأخلاقيّة المعياريّة على أفعال وتصرّفاته، ما تحّقق منها أو ما هو في طريقه للتّحقّق، ويتجلى بوصفه قوة تضرب وجودها في أعمق منطقة في الوجدان الإنساني لتقوم بإصدار الأحكام الأخلاقية العليا على سلوك الفرد فتوجهه إلى صراط الهداية الأخلاقية، فإن لم يكن عاقبته بعذاب الضمير وتبكيته وهو أشد ألوان العذاب الذي خبره الإنسان على مدى تاريخه الطويل.

لقد اجتهد المفكرون في تحليل طبيعة الضمير أو الوجدان، فحاولوا تعريفه والكشف عن طبيعته. ويمكننا في هذا السياق، أن نسوق عدداً من المحاولات التي عكفت على تعريف مفهوم الضمير، وتحديد أبعاده وطبيعته وتخومه.

وصف جان جاك روسو J.J.Rousseau الضمير:" بأنه صوت الروح"، ووصف الأهواء:" بأنها صوت الجسد»، ويخاطب روسو الضمير قائلا: «أيها الضمير… أيتها الغريزة الإلهية، أيها الصوت السماوي الخالد، أيها الحاكم المعصوم الذي يفرق بين الخير والشر، أنت الذي تجعل الإنسان شبيهاً بالله، فتخلق ما في طبيعته من سمو، وما في أعماله من خيرية، لولاك لما وجدت في نفسي ما يرفعني على الحيوان إلا شعوري المؤلم بالانتقال من ضلال إلى ضلال، بمعونة ذهنٍ لاقاعدة له، وعقل لامبدأ له»[1]. فالضمير كما يعرفه روسو هو قبس من نور إلهي يتغلغل في أعماق الفرد ليضيء الجوانب المظلمة فيها، فيرقى بالفرد إلى مرتبة الإنسانية، ومن غيره يفقد الإنسان جوهره الإنساني، ويتحول إلى مجرد كيان بهائمي لا قيمة له في سلم الارتقاء، فالضمير وفقاً لروسو يمنحنا جوهرنا الإنساني، لأنه ومض وجودنا الأخلاقي، بوصفنا كائنات خلاقة، ترتقي على ما غيرها في مملكة الكائنات الحيّة.

ويطابق فرويد بين الضمير و"الأنا الأعلى" وهو المنطقة الأكثر قدسية في الكيان السيكولوجي للفرد عند فرويد، فالأنا الأعلى هو المحكمة العليا في الكيان الإنساني التي تعنى بإصدار الأحكام الأخلاقية، وتوجيه الفعل الإنساني توجيهاً أخلاقياً، ينشد الخير والحق والجمال، ويرفض الباطل والشر والفساد.

ويقابل فرويد بين "الأنا الأعلى" وبين "الهو"، وإذا كان "الأنا الأعلى" كما يراه هو الضمير الأخلاقي، فإن" الهو" - وهي منطقة الغرائز والميول في الكيان النفسي للفرد- يمثل منطقة الشهوة إذ يعبر عن مطالب الجسد ويلبي الميول الطبيعية الغرائزية في الإنسان. وعلى هذا النحو، يتجلى الأنا الأعلى في صوت الحق والضمير والقيمة الأخلاقية، في الوقت الذي يعبر فيه" الهو" عن صوت الشهوة والرغبة والميل والعاطفة والهوى. والحياة الأخلاقية تكون – وفق فرويد- بالصراع الأبدي ما بين "الأنا الأعلى" وما بين "الهو" الذي يعبر عن منطقة الرغائب والميول والشهوات في الفرد، ويرى بأن هذا الصراع هو صراع بين الجسد وبين العقل، بل هو صراع بين النور وبين الظلام في الكيان النفسي للفرد.

لقد شكل مفهوم الضمير تحدياً أبيستيمولوجياً بالنسبة للمفكرين والباحثين، فعكفوا على تعريفه وتصنيفه، والفصل بين حدوده ورسم تخومه. وقد قدّم كل تعريف من هذه التعريفات إضاءة جديدة لبعض من معانيه ودلالاته، وشكلت الجهود المبذولة في تعريفه مجتمعة نوعاً من الأدب الفكري الذي لم يستطع أبداً أن يستنفد الثراء الأخلاقي الذي يتسم به مفهوم الضمير الذي شكل قضية فكرية نثير تساؤلات متجددة حول هذا الكيان الإعجازي بما ينطوي عليه من أسرار كبيرة.

والضّمير، في اللغة العربية، المستور المضمر الساكن في الأعماق. ويدلّ أيضاً على المضمر في النّفس، الموجود وجوداً خفياً لا يكشفه النظر، إنّهُ المستور من العواطف والنّوايا الّتي تظهر عند الحاجة أو الاستثارة. فالضّمير باطن الإنسان، وما يخفى في السّر، أو في السّريرة. والضمير في لسان العرب" السِّرُّ وداخِلُ الخاطرِ، والجمع الضمَّائرُ ". ويقابل كلمة الضمير العربية كلمة Conscience في اللغة الفرنسية، وتعني بأنها إحساس أخلاقي داخلي يمكن الإنسان من أن يكون شاهداً على نفسه أي على ما يقوم به من أفعال خيرة أو شريرة.

وقد جاء في المعجم الفلسفي لمراد وهبة بأن الضمير:".. خاصيّة العقل في إصدار أحكام معياريّة تلقائيّة ومباشرة على القيمة الأخلاقيّة لبعض الأفعال الفرديّة المعيّنة. وحين يتعلّق هذا الضّمير بالأفعال المقبلة فإنّهُ يتّخذ شكل صوت يأمر أو ينهى، وإذا تعلّقَ بالأفعال الماضية فإنّهُ ضمير التكلّم." [2]. ويلاحظ أن هذا التعريف يركز على الطابع العقلي للضمير حيث هو خاصية من خواص العقل ووظيفة من وظائفه وهذا التعريف ينسج إلى حدّ كبير مع التيارات العقلانية التي تنظر إلى الأخلاق بوصفها كينونة عقلية خالص كما هو الحال عند سقراط وكانط.

يعرّف ايمانويل كانت الضمير على انه عباره عن غريزه تقودنا الى الحكم على انفسنا في ضوء القوانين الاخلاقيه "   ويعرف لالاند A.Lalande الضمير « بأنه خاصة تمكّن الفكر البشري من إطلاق أحكام معيارية عفوية ومباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الأعمال الفردية المحددة»[3]. ويتضح أن لالاند يركز على الجانب العقلي في الضمير الذي يأخذ طابعاً عفوياً في سائر أحواله في إصداره لأحكامه الأخلاقية.

فالضمير وفقاً لأغلب التعريفات يتمثل في شعور غريزي بالخير والشر، إذ يمكن للإنسان أن يرجع إلى ضميره حينما لايجد متسعاً من الوقت، أو لا يتيسر له فحص القيمة الأخلاقية للعمل قبل الإقدام عليه فحصاً منهجياً. ويكون هذا بطريقة استفتاء العمق الوجداني الذي يقدم إجابات عفوية حول مصداقية الفعل الأخلاقي فيؤكد خيره ويحض عليه أو يستشعر شره فينهى عنه. وهذا ما يتوافق ورؤية أصحاب النزعة الحدسية والصوفية الذين ينظرون إلى الضمير بوصفه قوة فطريّة تدرك الخير والشّرّ حدسياً من غير خبرةٍ سابقة أو فحص أو تأمل، وقد أنكر الطّبيعيّون ذلك ورجعوا به إلى التّجربة، فقرنوا ما بين الحكم على أخلاقيّة الأفعال بنتائجها.

وفي سياق آخر، لم يكتف صاحب المعجم الفلسفي بالكشف عن طبيعة الضمير في تعريفه، بل تناول وظائفه وديناميات فعله، فعرّفه بأنه:" خاصّة يصدر بها الإنسان أحكاماً مباشرةً على القيم الأخلاقيّة لأعمال معيّنة، فإن تعلّقَ بما وقع، صاحبه ارتياح أو تأنيب، وإن تعلّقَ بما سيقع كان آمراً أو ناهياً "[4].

وفي هذا المقام يركز إيغور كون في معجمه الأخلاقي على تحديد الوظائف الأساسية للضمير، ويؤكد على وظيفته الرقابية التي تأخذ طابعاً ذاتيا، ويرى بأن فعالية الضمير مشبعة بالطابع الانفعالي الوجداني، حيث تتمثل وظيفة الضمير في:" مراقبة الذّات الأخلاقيّة، والصّياغة الذاتيّة المستقلّة لواجباتها الأخلاقيّة، ومطالبة نفسها بتأديتها، وإعطاء تقييم ذاتي لما قامت به من تصرّفات، وأحد تجلّيات وعي الذات الأخلاقيّ عند الشّخصيّة، وقد لا يتجلّى الضّمير في صورة إدراك عقلي لقيمة الأفعال الأخلاقيّة، فقط، بل وفي صورة معاناة عاطفيّة، كما في الشّعور بتأنيب الضّمير، أو في أحاسيس" راحة الضّمير" الإيجابيّة. وعليه، فإنَّ الضّمير هو وعي الشّخصيّة الذّاتي لواجبها ومسئوليتها تجاه المجتمع"[5]. فالضمير وفقاً لهذا التعريف يتميز بطابعه الذاتي ووظيفته تتمثل في المراقبة والمطالبة والتقييم والوعي والعقاب والإحساس بالسمؤولية الاجتماعية وذلك من أجل التوجيه الأخلاقي للسلوك الإنساني.

وبينما يركّز تعرّيف (كون) على الجانب الوظيفي للضمير، تؤكد الموسوعة الفلسفيّة السّوفيتيّة على الجانب العاطفي الوجداني، كما تؤكد على الجانب الاجتماعي المكتسب في تكوينه، فالضّمير وفق الموسوعة:" مركّب من الخبرات العاطفيّة القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقيّة لسلوكه في المجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه. وليس الضّمير صفةٌ ولاديّة، إنّما يحدّده وضع الإنسان في المجتمع، وظروف حياته، وتربيته. ويرتبط الضّمير ارتباطاً وثيقاً بالواجب، ويشعر المرء عندما يؤدي واجبه على نحو كامل بصفاء الضّمير، وفي الحالة المضادة أي عندما ينتهك الفرد الواجب فإنه يشعر بألم وخزات التأنيب. وعلى هذا الأساس فإن الضّمير يشكل قوّة دافعةٌ تعمل على تهذيب الفرد أخلاقيا" [6].

كثير المفكرين يؤكد على أن الحرية تشكل جوهر الضمير، فالضمير جوهر أخلاقي يقوم على مبدأ الحرية، ومن غيرها يموت، وتموت معه النفوس الأبيّة. فالحرية هي التي تمنح الإنسان الإرادة، ومن غيرها تتحول الحياة الإنسانية إلى بهائمية مظلمة. وفي هذا الأمر يقول الكواكبي:" الحرية أعز شيء على الإنسان إذ بفقدها نفقد الآمال، وتموت النفوس، وتتعطل الشرائع وتختل القوانين فالحرية هي أن يكون الإنسان مختاراً في قوله وفعلة لا يعترضه مانع ظالم([7]). وقد يكون أجمل القول في الحرية كامن فيما يقول القديس توما الإكويني عندما يقول بأن:" الإنسان الحرّ هو الذي يكون علة ذاته".

فالحرية تشكل جوهر الضمير الأخلاقي وعمقه، حيث يكون الضمير علة الفعل الأخلاقي وعلة نفسه، وتتجلى هذه العلاقة الأبدية بين الحرية والضمير في هذا التصور الذي يقدمه جون ستيورت مِل عندما يقول" إنَّ في حياة الفرد منطقة حرام لا يجوز للمجتمع أن يطأ ساحتها، هي موطن الحريّة الصّحيحة(...) ونعبّر عنها بحريّة الضّمير، والفكر والوجدان"[8]. وتعدّ هذه المنطقة المقدسة المحرّمة موطن الضمير الأخلاقي، حيث يكون الضمير هو السيد المطلق، إذ يستمد أحكامه من ذاته، ويتزود من الصفاء الأخلاقي الذاتي الذي يتميز به، فلا يهادن ولا يذعن، ولا يخضع إلا لأحكام الحق والعقل والواجب والفضيلة والقيمة الأخلاقية العليا. ويؤسس هذا للقول: بأن الضمير لا يستقيم إلا بالحرية، وعلى هذا الأساس يعرّف معجم علم الأخلاق الحريّة بأنها:" قدرة الإنسان على تحديد تصرّفاته بنفسه، تبعاً للرّؤية الّتي يتبنّاها، وقدرته على الفعل استناداً إلى قراره الذّاتي. وهي تعني أنَّ الإنسان حين يقوم بالتّصرّف، يختار (الاختيار) بين الخير والشّرّ، بين الأخلاقي واللاّأخلاقي"[9]. وهذا كله يعني أن الحرية تشكل وطن الضمير وجوهره، ومن غيرها، لا يمكن للإنسان إلا أن يكون عبداً صاغراً لغيره أو لملذاته وأهوائه الذاتية. ومع ذلك كله فإن الضمير كما يقول ثيودور درايزر لا يحول أبداً دون ارتكاب الخطيئة، ولكنه يمنعك من الاستمتاع بها.

وعلى هذه الصورة يتجلى الضمير بوصفه كياناً أخلاقياً، يتسم بالقدرة على توجيه الفعل الأخلاقي، بوصفه القوّة الأخلاقيّة التي تنطلق من ينابيع الحرية ومناهل العاطفة المشبوبة بالتوهج الإنساني الخلاق، إنه الضمير المنطقة الأكثر صفاءً ونقاءً في أعماق الروح وفي كينونة العقل، وبه يستطيع الإنسان أن يتماهى بجوهره الإنساني نبضاً بكلّ المعاني الأخلاقية والوجدانية السامية.

 

علي أسعد وطفة

.................................

هوامش الدراسة :

[1] - نقلا عن: أحمد ابو زايد، الضمير، الموسوعة العربية، المجلد الثاني عشر، http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=159404

[2] - وهبة، مراد، المعجم الفلسفي، طبعة ثالثة، دار الثّقافة الجديدة، القاهرة، 1979، ص247.

[3] - أحمد ابو زايد، الضمير، الموسوعة العربية، المجلد الثاني عشر،http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=159404

[4] - مدكور، إبراهيم، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربيّة، جمهوريّة مصر العربيّة، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983، ص، 110.

[5] - كون، ايغور، معجم علم الأخلاق، ترجمة توفيق سلّوم، دار التقدم، موسكو، 1984، ص 248.

[6] - لجنة من العلماء والأكاديميّين السّوفياتيّين، بإشراف، روزنتال .م، ويودين.ب، ترجمة، سمير كرم، الموسوعة الفلسفية، دار الطّليعة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1981، ص، 282.

[7] - محمد ابراهيم المنوفي، نحو فلسفة تربوية لمواجهة ظاهرة الاستبداد السياسي، دراسات تربوية، صادرة عن رابطة التربية الحديثة، المجلد العاشر، جزء79، صص(97-176)،ص109.

[8]- بدوي عبد الرحمن، موسوعة الفلسفةج1، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984.

[9] - زيادة، معن، الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربي، المجلّد الأوّل، الطبعة الأولى، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: هنالك معلومة فلسفية تداولية تذهب الى ان الكليّة بالصفات والجوهر ليس هي محصلة مجموع صفات اجزائها. وان صفات الكل المستحدث من تجميع اجزائه لا يشترط به التعبير عن مجموع صفات اجزائه التكوينية له. وهذا يعطينا قاعدة صلبة مبدئية نعتمدها هي أن الماهية ليست ناتج مجموع صفات الافكار المجردة.كما أن تجريد الافكارالصفاتية حول الشيء لا يمنحه ماهيته.

جون لوك والماهية

ويذهب جون لوك في التماهي الفلسفي مع ارسطو" أن الافكار البسيطة الخاصة بالاحساس والتاويل الذاتي هي المصادر الاساسية لكل معرفة بشرية، وأنه لاشيء بمنجى عن التغيير الا الله خالقها، ويضرب مثلا لذلك ان العشب الذي يتغذاه الحيوان يصبح لحم ضأن يتغذاه الانسان، (1) فاللفظة الشيئية لا تعطي معناها الحقيقي المستقل في الدلالة لمعناها كونها الشيء ولغة التعبير عنه هما حالة من الصيرورة الدائمية المستمرة بالتغيير.

كما يذهب جون لوك أن ماهية الشيء كجوهر هو ناتج صنع عملية تجميع افكار يختزنها الذهن ويتولاها التفكيربالتنسيق المنظم، لتصبح بعدئذ  جوهرا أو ماهية. هنا لوك لا يعطينا صفة الجوهر هل هو مادي أم هو مثالي لعدم امكانية الاستدلال الحسي المدرك له منهجيا؟ جون لوك يدخلنا بالاشكالية هل الجوهر موجود في الشيء المدرك أم هوأفتراض غير حقيقي تنوب عنه معرفيا مدركات صفاته الخارجية؟

من منطلق مقبول من الناحية النظرية بسبب عدم المجانسة بين ماهية الشيء كجوهر اكتسب تجلياته الثابتة، عن الماهية التي هي تجميع الفكر في الذهن المجرد الذي يقوم لاحقا بتخليق ماهو متعيّن مدرك بوسائل من التجريد الفكري الذي يتمثل في اللغة كجوهر. نجد لزاما علينا تاكيد أن الصفات لا تنوب التعريف عن الماهية ، وان تشكيلات الذهن التفكيرية التجريدية التصورية لغويا لا تصنع ماهيات يمكن ادراكها كمتعينات موجودية.

التساؤل الذي يلازم الماهية أو الجوهر الذي هونتيجة تصنيع التفكير الذهني له حسب جون لوك هو هل يكون جوهرا ماهويا يمكننا ادراكه ماديا؟ بمعنى كيف يمكننا تمرير مفارقة أن ينتج عن ماهو فكري تجريدي ما هو مدرك كجوهرمادي؟ أي وهنا المفارقة هل بمستطاع الفكر خلق موجودات ذهنية يترتب عليها ادراكنا الحسّي لها بما تعبر عنه اللغة لتلك الموجودات ؟، وهذه مفارقة عويصة لا يمكن حلها بالكلمات ولا بتجريد اللغة. كون تعالق ماهو فيزيائي بما هو لافيزيائي منتج عنه حسب لوك معدوما بما لا قدرة معرفية متوفرة كيف يحدث مثل هذا التعالق التخليقي بينهما في حال تحققه فعلا بين ماهيتين غير متجانستين لا بالجوهر ولا بالصفات؟.

لنتجنب الخوض في ماهية المادة غير العاقلة في استحالة تخليق الفكر لها كمادة تدرك بمواصفات مادية فتناقضهما المتضاد الصارخ بينها وبين الفكر التخليقي الذهني لا يمكن الموائمة بينهما ولا يتقبلان التسوية التلفيقية بينهما حينما نجعل من التفكير الذهني بماهية معدن مادي مثل الحديد يكون شيئيا لموجود مادي مستحدث بالفكر المجرد ذهنيا...

فماهية وخصائص الافكار التجريدية عاجزة عن خلق وايجاد مدركات عقلية لا يجانسها التجريد. وما ينتجه الفكر التجريدي يلزم وينتج عنه بالضرورة تجريد يجانسه وليس مادة تناقضه بالماهية والصفات. كما ان خاصية اللغة التجريدية تجعل من الافكار المعبّرة عن الاشياء فيزيائيا لا تتعدى قدرة توصيف الصفات الخارجية للشيء ويتعذرعلى اللغة والفكر تماما التنويه الى الماهية وخصائصها الذي اكتفت اللغة التعبير عن صفاته فقط. اللغة تعبير عن صفات خارجية وليس تعبيرا عن ماهيات غير مدركة.

ماهية الانسان معطى أم مكتسب؟

اذن لنركزمناقشتنا على مفهوم ماهية الانسان الاكثر مرونة من حيث أن ماهية الانسان حسب اتفاق العديدين بضمنهم الماديين هي مجموع صفاته الخارجية والا لما كان يدعى ماهية مستقلة أو متحدة مع صفاتها التكوينية لها، وهذا يترتب على أن الانسان وجود مواصفاتي يدرك وجوده بصفاته الخارجية فقط ولا يمتلك كينونة ذاتية خاصة به كنوع يمتلك جوهرا مستقلا.، ولا يمتلك جوهرا يعارض مواصفاته الخارجية أو يتناسق معها أو يندغم بها تداخليا؟ وهو ما يجب مناقشة اخطائه.

هنا لا يمكننا تمرير أن الانسان كينونة بلا جوهر لا يدركها العقل وليس بمستطاع التفكير الذهني خلق ذلك الجوهر ولا صنعه. فمثلا كيف يمكننا تمرير أن الانسان كينونة وجودية لا تمتلك ذاتيتها الماهوية الخاصة بها كنوع؟ الانسان كينونة ماهوية لا يمكننا ادراكها كليّة في ادراكنا الصفات الخارجية لهذه الكينونة الفارغة من جوهرها الماهوي حسب ما يذهب له البعض.

الصفات التي لا تحجب خلفها ماهية تكون صفات زائفة لا يمكن ادراكها. والانسان بلا ماهية هو كينونة فارغة لا وجود لها ولا يتعين وجودها بالصفات فقط. الصفات التي لا تحوي جواهرها الماهوية داخلها تكون صفات عابرة سطحية لا اهمية لها.

من الاقرار المسبق الذي لا يمكننا تجاوزه أن ماهية الانسان أو جوهره الكينوني الذاتي ليس ماديا،فالماهية عند الانسان هي كينونة كليّة لا يمكن ادراكها كصفات وابعاد بيولوجية – نفسية يمكن ادراكها في كليّة موجودية موحدة، والا اصبحت ماهية الانسان موضوعا مدركا للعقل من غير الفرد حاملها، أي تكون ماهية كل شخص موضوعا مدركا من قبل غيره من الافراد الذي يشاركونه بعض صفات النوع بيولوجيا ويختلفون معه بالماهية فلكل فرد ماهيته الخاصة به التي لا يدركها غير حاملها. فالماهية عند الانسان هي وعي ذاتي يعي كينونته الوجودية المتمايزة عن غيره بنفس وقت ادراكه الموجودات الشيئية وغير الشيئية من حوله.

ماهية الفرد ليست ماهية جماعية متجانسة بالنوع كخاصية مشتركة يشترك بها كل الناس وتحمل معها نفس الخصائص بالصفات، وانما الماهية هي تصنيع ذاتي انفرادي لا يدركه ولا يعيه سوى صاحبه، والماهية ثابتة في تلازمها الانسان على العكس من الصفات الدائمة التغيير والتحولات السيرورية. بفعل حقيقة الفرد وجود في مجتمع لا يعرف الثبات.

أذن نخلص الى أن جوهر الانسان غير (مادي) لأنه ليس مدركا للعقل ولا موضوعا متعينا لتفكير الذهن به. وهذا يقودنا الى مجاراة جون لوك بالخطأ الذي أعترضنا عليه قبل اسطر مقولته المستتنتجة منه أن الماهية هي تفكير الذهن المستمر في تخليق العقل لموضوعه المادي أو غير المادي الذي كان عدما قبل التفكير به كموضوع ادراكي ذهني مجرد. وانه لا وجود لعالم خارجي خارج ادراك وتصورات العقل له.

فكيف نوائم بين ماهية الانسان كمنتج ذهني لا يدركه العقل وبين من يرفض أن يكون للانسان ماهية تدرك بمعزل عن ادراك صفاته الخارجية التي هي ماهيته، ولا وجود تفريق يضع حدودا بين صفات الانسان وماهيته، فالصفات ثبات مدرك والماهية افتراض وجودي غير متحقق منه ادراكيا.ومن الخطأ القول أن ما يعجز العقل ادراك ماهيته يكون بالضرورة السببية لا يمتلك ماهيته.وعدم ادراك العقل لاشياء لا يعني عدم وجود تلك الاشياء.

الماهية والخيال

ربما يردنا أعتراض وجيه هو أن موضوعات الخيال عند الانسان هي ليست متعينات مادية يدركها العقل يقوم تفكير الذهن باستلامها من الذاكرة او من مصدر اللاشعور ويقوم بتخليقها كمواضيع قابلة للادراك العقلي كما في ابداعات الاجناس الادبية والفنية، فهي تخليق مادي بوسائل فنية مجردة وهي لاتحمل مواصفات موجودات المادة بما هي مدرك متعيّن بصفات المادة غير العاقلة؟ وبهذه الآلية تكون الافكار المجردة الخيالية لها قابلية تصنيع ما هو مدرك ماديا وهي قبل تفكير الذهن المجرد بها ليست تكوينا يدركه العقل تجريدا.. من المهم التنويه هنا أن اجناس ابداعات جماليات الفنون التشكيلية واجناس الادب هي افكار تخاطبية تعتمد تجريد اللغة كصفات توحي بها الوان ومحتويات اللوحة الفنية مثلا قبل أن تكون منتجا ماديا تداوليا كسلعة تباع وتشترى.

الادب والفن ليسا ماهيات مدركة بل هما صفات تكوينية يدركها كل متلق فاللوحة مثلا لا تحمل ماهية غير مدركة وكذا الرواية أو القصيدة. اللوحة مدرك صفاتي يحمل لغته التخاطبية التي تحجبها الصفات من ألوان وفراغات وخطوط وحجوم، ولا تحمل ماهية من الممكن افتراض وجودها من عدمه.

هل من المتاح لنا اعتبار لغة الكمون الخفّية في اللوحة هي ماهيتها؟ ولغة التعبير في الاجناس الادبية هي ماهيات تلك الفعاليات الفنية؟ احتمال وارد نحاول توضيحه اكثرلاحقا .. وقبل البدء نقول أن مجموع صفات الشيء لا يعني تحقق تكوين  ماهيته، واللغة التي هي عماد الاجناس الادبية ، واللغة المضمرة في جماليات اشكال التعبير الفنية لا تمثل ماهية للاشياء بل تمثل خصائص فنية لغوية اسلوبية من تعبيرات الفكر.اللوحة تحمل لغة ادراكية محتجبة خلف صفاتها والا ما كان للعقل البشري ادراكها جماليا. فادراك العقل للالوان والكتل والخطوط باللوحة لا يعني لغتها البائنة المدركة بل لغة الايحاء التاويلي التي لا يدركها العقل مباشرة في اللوحة ويتذوقها تأمليا ايحائيا فيما وراء اللوحة ممكن أن تمثل ماهيتها التي يدركها كل شخص بمعزل عن ادراك الاخر.

لعل العثور على جواب هذه الاشكالية توضحها السطور التالية بعدها. لكن جوابنا السريع هو ان الفكر الخيالي لا يخلق ماديات مواضيعه لأنه يبقى تجريدا بالذهن المفكر، فتفكير الخيال يعطينا مدركات صفاتية لمواضيع لا تمتلك ترجمتها التامة الحرفية على انها تحمل معها ماهيات وجواهر تحتجبها الصفات الخارجية في مواضيع الخيال. في حين ان ماهية كل كائن حي الذي يمتلك احساسا ادراكيا انما تكون موضوعا افتراضيا داخليا يتعذر ادراكه المباشر كما يجري الحال مع ادراكنا صفات الموجودات الخارجية وعجزنا ادراك ما تختزنه هذه الصفات بداخلها وفي احشائها من ماهيات جوهرية. بتعبير كانط الفينامينالوجي هو الوجود بذاته. الفلسفات المادية تذهب الى أن معرفة الصفات الخارجية المدركة هي ذاتها الماهية المختزنة المحجوبة خلف الصفات، ومن العبث التفتيش عن جواهر افتراضية لا يمكن التحقق الادراكي من وجودها. ومعرفة الصفات الخارجية للاشياء هي معرفة ماهياتها ولا فرق بين صفات الشيء وماهيته.لكن هذا يحمل الكثير من المناقشة.

هل ماهية الانسان مادة أم فكرا؟

الماهية أو الجوهر الانساني المترسّب في قاع الهوية الذاتية، أنما هو بنية تكوينية يصنعها الانسان بنفسه باستقلالية انفرادية وليست معطى فطريا ولا هبة الهية. عليه تكون الماهية عند الانسان تراكم خبرة معرفية يستمدها الفرد على شكل افكار مدركة منبعثة عن مؤثرات خارجية تحيط به. وهي ليست مادة بمعنى اتاحة ادراكها بمتعينات وابعاد مستقلة انطولوجيا فيزيائيا.

من المهم تفريقنا أن الافكار تجريدات لغوية لافيزيائية محددة بصفات مدركة وبامكانها تخليق (مواصفات) متجانسة معها بالتجريد، ويتعذر عليها خلق (ماهيات) لا يدركها العقل لا بالانسان من غير نوعه ولا بالموجودات من غير نوعها ايضا. حتى في حال توافر المجانسة الصفاتية بين الفكر كتجريد وبين الماهية الناتجة عنه كتجريد مطابق له غير مدرك. رغم الاقرار أن ماهيات الاشياء لا تطابق صفاتها الخارجية مطلقا. والا لما كان هنالك سببا في التفريق بينهما على صعيد المصطلح.

من الامور التي تجعلنا نرتاب في الفلسفات المادية حين ترى بالصفات الخارجية المدركة ماهية كافية ولا اختلاف بينهما لأنه لا وجود لاحداهما بالانفصال عن الاخرى. نقول ما يجعلنا نرتاب الاخذ بهذا الاستنتاج وهو صحيح في جاهزيته هو كيف يمكننا التحقق من عدم وجود ماهيات تحتجب خلف الصفات الخارجية للاشياء لا يمكننا ادراكها..؟ أن عدم ادراك الشيء لا يلغي وجوده الحقيقي ولا وجوده الافتراضي. عليه يكون الخطأ في النظرة المادية أنها تجد في مدركات الصفات الخارجية للشيئ هي ماهيته المتحققة عنه، وليس هناك ماهية طالما يعجز العقل ادراكها ومعرفتها. وبهذا تلتقي المادية بالمثالية في انهما يتفقان على أن ما لا يدركه العقل لاوجود ضروري له ولا اهمية لادراكه.

الماهية تصنيع فيزيائي مجرد غير مدرك تخلقه توصيفات الذهن الفكرية المجردة المتداخلة مع الخبرة الواقعية للمحيط. وليست الماهية التباسية غامضة بسبب عدم امكانية العقل ادراكها النابع من طابعها التجريدي كونها حصيلة افكار مجردة، وليست حصيلة عناصر مادية في بنائها الماهوي عند الانسان.

مثلا حين نقول ضمير نقصد به ماهية وجودية داخل الانسان لا يمكننا ادراكها لكننا نستدل على دلالاتها المادية وغير المادية الناتجة عنها، علما أن الضمير لوحده منفردا لا يمثل الماهية الكليانية للانسان. ومن المتعذر اكثر البحث كيف يتشكل ضمير الانسان بنفس تعذر وقوفنا على كيفية تشكل الماهية عند الانسان.؟ وماهي العناصر التي تتكون منها؟ لاننا لا نستطيع ادراك ماهية الحقيقة بالادراك، ومثله الزمن، المكان، الحب، العاطفة،الوعي، الهواء، وغيرها من مفردات (مفاهيم مطلقة) تلعب دورا ماهويا نافذا في حياتنا لكنا لا نستطيع تحديد وجودها ولا معرفة تكويناتها بذاتها كنوع بخصائص منفردة..

الماهية الانسانية تبقى تجريدا فكريا لمدركها العقلي ولا تكون موضوعا ماديا يمكن أدراكه. وفي حال اقرارنا أن الماهية مادة هي ناتج مدركات فكرية انما نكون اقتربنا من وحدة متناقضات المثالية بالضد من المادية .. المادية تجعل من صفات الشيء المدركة خارجيا هو ماهيته الداخلية التي لا تدرك ايضا، وليس هناك من جواهر تحتجب خلف صفات عصّية على الادراك. وبمعنى مقارب تلتقي المثالية معها، لكن يبقى التساؤل الذي تستعصي الاجابة عليه من الطرفين المادي والمثالي، أن عدم ادراك الماهية لا يعني ولا يلغي احتمال وجودها بالاشياء كجواهر أو امكانية البرهنة على ابطال فرضية وجودها برهانيا سببيا بمنطق يقبله العقل.

والمادية تذهب الى أن تراكم الخبرة المعرفية يتخلق وينبثق عنها ماهية من نوعها تشترك معها بالصفات وتجانسها الادراك الذي هي جوهر ماهوي ايضا. وقانون الجدل المادي الديالكتيكي يذهب الى أن كل تراكم كمي يقود الى طفرة نوعية مستحدثة عن ذلك التراكم الكمي بعد توفر الشروط الذاتية والموضوعية التي تساعد على انبثاق الطفرة النوعية التطورية الجديدة التي تختلف حتى بالخواص عن خصائص مجمل مكوناتها وشروط انبثاقها... لكن منهج الجدل الديلكتيكي يفترق عن مثالية جون لوك في أن الديالكتيك لا يعمل في مجال تجريد الفكر الذي قال به هيجل ويعتمده لوك، بل الجدل يقوم وسط متغيرات سيرورية قائمة ماديا في الواقع وليست قائمة تجريديا بالفكر فقط.

ثمة هناك حقيقة علمية صحيحة ذكرها جون لوك ولم يتوقع أهميتها التوظيفية في الفكر الماركسي قوله أن الافكار التي تنتج موجوداتها المدركة ماديا انما تقوم على وحدة النوع ،بمعنى أن الماء السائل يتحول الى بخار في تعريضه لدرجة حرارة الغليان، وهذا البخار يتصاعد الى السماء لأنه فقد كثافة الماء واصبح اخف منه، وهذا البخار المتصاعد يتكثف ليكون سحابا ممطرا في درجة حرارة مناسبة. ولو نحن رجعنا الى هذه التحولات الكيفية النوعية بالماء نجدها تلتقي جميعها بخاصية النوع الواحد بالاصل هو (الماء) لا غيره وقد تحول من حالة تراكم الكم الى مرحلة اخرى نوعية لا تشبه الاصل الذي انتجها.

هوسرل وماهية الانسان

تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر بما ينسف ما ذهب له جون لوك، ولا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة  أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن..فالتجريد الذهني لا يعمل في فراغ موضوعي أو فكري غير مدرك يسبقه وجودا لموضوع يكون مادة لتفكير العقل.

والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها انفراديا مثلما يستشعر سريان الحياة في جسمه،، والماهية جوهر تبنيه الحياة التي يعيشها الانسان ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأن ماهية الانسان جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة.. الماهية حصيلة تجارب فكرية وعملية يمر بها الانسان منفردا، هذا يقودنا توضيح متى يكون الشيء أو الظاهرة موضوعا للادراك؟

وسيلة العقل في أدراك الاشياء في وجودها المادي المتعيّن في عالم الاشياء يكون بمنظومة العقل التراتيبية في الادراك التي هي الحواس والجهاز العصبي والدماغ.. أما مواضيع الادراك العقلي المستمدة من الذاكرة ومعاملتها الادراكية بالذهن خيالا تجريديا فهي تشمل كل المواضيع والاشياء التي تكون خيالية من صنع مخيلة الانسان والذاكرة ولا وجود مادي حقيقي لها في عالم الاشياء، وفي كلتا الحالتين لا تنطبق حالة الادراك على الماهية أن تكون موضوعا لأدراك عقلي من غير الشخص حاملها فقط كون الماهية ذاتية تماما..لا كمدرك مادي خارجي ولا كمدرك تخييلي داخلي بالذهن مستمد من الذاكرة.. الماهية وعي انفرادي ذاتي لا يدركه غير حامله صاحبه. وماهية الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها فقط.

لا أعرف أي تجريد يقصده هوسرل قوله (التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية ومع ذلك فهو لا يوّلد ولا يكون مصدرا للماهية..) وهنا نعيد ونكرر أن هوسرل لا يقر بحقيقة أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا للادراك العقلي لأنها جوهر خفي وليست صفات خارجية،، لذا في أستعمالنا مفردات تعبير هوسرل في التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية.. تعبير يتعامل مع الماهية كموضوع أدراكي في الذهن المجرد..في حين الماهية هي واقعة موجودة دفينة يمتلكها الانسان من تجاربه بالحياة لكنها ليست موضوعا لادراك عقلي مادي ولا خيالي لآخرين من نوعه..

كما ليس بأمكان الوعي التجريدي خلق موجودات ماهوية.. الماهية تكون موضوعا أدراكيا تجريديا في ذهن الانسان الفرد حاملها ولا تكون الماهية موضوعا أدراكيا تجريديا من قبل غيره من الاشخاص الذين يشاركونه النوع بالصفات وليس مشاركته النوعية بالماهيات..وماهية الانسان هي تكوين الشخصية الذاتية التي لا تكون موضوعا أدراكيا  لغيره..

الماهية عند الانسان هي صيرورة مادية تتم داخل الذات الانسانية المنفردة كجوهر ولا يتسنى لأحد أدراكها من غير صاحبها في بنائه وأنشائه المستمر لها.. والماهية لغير حاملها المعني بها ليست وجودا ماديا متحققا في أدراكها ولا موضوعا تخييليا يمكن معاملته تجريديا لا في أدراكه ولا في خلقه من غيره...

الماهية موضوع ومدرك مادي ومدرك تخييلي للفرد فقط وليس مدركا من غيره ويستطيع الانسان التعبير عن ماهيته الذاتية بالتجريد الذهني المفكر في حين يعجز عن ذلك غيره من الناس...فالماهية موضوع للذات وليس موضوعا مدركا لغيره من الذوات..

يؤكد هوسرل على أن الماهية ليست نتاجا للفكر نتوصل اليه بالتجريد بل هي أكتشاف وليست أختراعا.. وتعقيبنا صحيح أن الافكار لا تنتج ماهيات هي مواضيع تتسم بالادراك لذات الشخص، وهي تراكمات من الخبرة العملانية بالحياة وليست أكتشافا يدركها العقل تجريديا ولا هي أختراعا لا يدركها العقل، فالماهية جوهر موجود متعيّن يستطيع صاحبها التعبير عنها بلغة التجريد لأنها ليست موضوعا لغيره..

كل وعي وأدراك لشيء أو لموضوع هو فعل تجريدي في الذهن لا يمتلك العقل وسيلة أخرى غيرها في معرفته لأن أدراك العالم من أبسط ذرة الى أعقد شيء مدرك هو تجريد وتمّثلات صورية عقلية ذهنية ، والا تعذر علينا أدراك الاشياء من حولنا أو المواضيع في مخيّلتنا من غير تجريدها فكريا ولغويا..حتى الادراك الحدسي للموضوعات لا يتم بغير تجريد صوري ذهني..

خاتمة

ينكر هيجل عالم الوجود بذاته ويؤيده في هذا المنحى العديد من الفلاسفة من بعده، والسبب أن الشيء بذاته عند الانسان هو مجموع صفاته والعلاقات المنتظمة الداخلية التكوينية له،غير المدركة أو المنظورة من غيره، فألانسان يدرك جيدا نقاط الضعف والقوة في شخصيته التي هي في أغلبها من صنعه هو ولا يعرفها أو يدركها غيره وقد يعرف بعضها كصفات متداخلة ماهويا، بينما تكون الماهية أو الوجود بذاته عند موجودات الطبيعة غير العاقلة هي أفتراض حدسي من الاخرين في محاولة الوصول له ومعرفته. واحتمالية أن تكون الماهية موجودة هي نفسها احتمالية ان تكون غير موجودة.

فالحيوان بكلتا الحالتين لا يدرك ماهيته كما لا يدرك اهمية صنعها فكل شيء في تكيّف الحيوان مع الطبيعة هو ماتقوم به الطبيعة التي بدورها محكومة بقدرات تحدها قوانين ثابتة يدركها الانسان ولا تدركها الطبيعة ولا الحيوان.

ماهية الانسان تبلور طبيعي نامي مستمر في البناء والتشّكل يزامن الانسان في جميع مراحل حياته، بينما تكون ماهيات الموجودات غير العاقلة مثل الحيوان فهي ثبات من الصفات الداخلية لا تتطور ولا هي من صنع حاملها لأنها جزء من معطى وجودي طبيعي لا علاقة لأحد غير الطبيعة في أيجاده من دون وعي وارادة الحيوان ما تفعله الطبيعة به من غير قصد ...ومنعا للالتباس والخطأ ان الطبيعة لا تدرك ولاتعي هيمنتها على الحيوان بفرض التكيف عليه مع موجوداتها وظواهرها، وكذلك لا يدرك الحيوان سبب تكيفه الذي تفرضه الطبيعة عليه ولا يتمكن من ادراكه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

هامش

1 - وليم رليت /تاريخ الفلسفة الحديثة/ترجمة بسام بركة ص 167

 

 

زهير الخويلدياستهلال: "ربما لم نحقق أبدًا الكثير في نمو كياننا التاريخي، كما هو الحال عندما نلمس أنفسنا كعوالم تاريخية غريبة عنا تمامًا"

بطريقة ما، هانز جورج غادامير (ولد في ماربورغ سنة  1900، وتوفي في هايدلبرغ سنة 2002) هو أول فيلسوف استخدم مصطلح "التأويل" بالمعنى الفلسفي الكوني - مستحضرًا مفاهيم التفسير (التأويل باليونانية) ومعنى النص من وجهة نظر غير دوغمائية (بدون سلطوية، ولا مرجعية مؤسسية) - في شكل صفة، لربطها بقراءة التراث المادي والرمزي والتقاليد التاريخية والثقافية من أجل خدمة غرض إعادة تعريف موضوع الفكر الحديث بالكامل.  هذا الاستخدام لمصطلح "الهيرمينوطيقا"، الذي يؤسس له غادامير نفسه المصادر التي تناسبه، يعطي فورًا إشارة ثمينة لأهداف الفيلسوف. الألماني إنه منظور كوني، يركز على ذكاء الأفعال البشرية، المنسوجة هناك في أعماق الذاكرة، ولا يمكن تلخيص الخطوط العريضة له إلا بشرط تجاهل العديد من الأفكار والمواقف الجانبية التي عبر عنها في المناظرات والدروس التي ألقاها وشارك فيها.

هذه الفلسفة الهرمينوطيقية هي فلسفة هدفها، أولاً وقبل كل شيء، وصف الوضع الحالي، وإدانته لأنه أدى إلى الفصل بين الإنسان والطبيعة، من خلال حقيقة العلم والتكنولوجيا، و تقسيم الإنسان مع نفسه، من خلال حقيقة العلوم الإنسانية، وثانيًا، محاولة إظهار أن السبيل الوحيد الممكن للخروج من هذا الواقع الثقافي والتاريخي هو استعادة الخلفية الأصلية الموحدة والمشتركة بين الإنسانية (اللغة)، في نفس الوقت لأنها قادرة على تحقيق مصالحة الإنسان مع نفسه ومع تراثه ومع غيره من الناس الأخرين ومع وجوده في العالم.

وهكذا فإن الفلسفة الهرمينوطيقية هي فلسفة تصف حالة المعرفة وتأثيراتها (إنها إجراء)، والتي تكشف عن الأساس الحقيقي "الخفي" للإنسانية وتقترح من نتائجه، سلوك موحد أو مصالحة  عبر اتباع ايتيقا التفاهم . كما يفتتح غادامير جميع أعماله تقريبًا بوصفها تفصيل وإعادة تشكيل لصورة عصر وثقافة ومجتمع معزولين. وفقًا لأساليب تفكير الإنسان عبر فنومينولوجيا ما بعد هوسرلية (مشروع العودة إلى منبع الموضوعية العلمية)، يُظهر غادامير أن مجتمعنا وثقافته يقومان على تصور مسبق منهجي غير واضح، أي الهيمنة على كل الأشياء من خلال كلمات الخبراء، وبالتالي، أن الفصل والتخلي عن المواطنين لأنفسهم، وعدم قدرتهم على تقرير أي شيء دون الاستسلام للمصالح الفاصلة بين العلم والتكنولوجيا. عن طريق هذه الصيغة الغادامارية يهدف الإنسان الحديث إلى تحقيق الوعي بوجود وتأثيرات الانفصال في مجتمعنا - جزء مأخوذ من الكل، يهيمن عدد قليل من الخبراء، نحن نتواصل فقط مع أنفسنا من خلال المتخصصين ( علماء النفس)- وهيمنة الانفصال، وهي أكثر اغترابا، لأن الوعي الذاتي للوقت ولكل شخص يتم وضعه خارج الذات (بين الخبراء وفي قناعاتهم التي لا يمكن السيطرة عليها). باختصار، حتى لو كان ذلك يعني الاختزال، فإن هدف غادامير هو المساعدة في إظهار أنه من الضروري الانتقال من المعرفة "الزائفة" عن العالم وأنفسنا، بناءً على العلوم والتقنيات التي الموسوعية الوضعية محدودة وطموحها هو اختزال الممارسة إلى تقنية لا نهائية، إلى معرفة "حقيقية"، إلى تجربة تأويلية للعالم وللنفس تتوافق مع تجربة "أصيلة"[1]1. يجب على الأخير أن يدفع إلى الوراء الأفق المحدود أو المحدود الذي كان لنا حتى ذلك الحين، من خلال منحنا الوصول إلى معرفة الكل (غير المحدود)، وتوقعات تجربتنا للعالم (النهائية) وأنفسنا. باختصار، معرفة ما يجتمع بدلاً من الفصل. هذا هو النبع الرئيسي لطريقته في ادعاء التأويل، "علم الأشكال والظروف وحدود التفاهم بين البشر". على عكس الوضعية التي تجعل العلم (وكل العلوم والطبيعة والعقل) المرجع الفريد، فإن الهيرمينوطيقا تريد أن تكون فلسفة ليس مجالها محدودًا ولا أحادي الجانب: هذا المجال هو يمتد من العلوم إلى الأنشطة العملية، أو من النظرية إلى الممارسة (الاقتصاد، والقانون، والسياسة، والدين، وما إلى ذلك) إذا تناولنا، كما فعلنا أعلاه، شروط التقسيم التقليدي (على أي حال " الحديث ') في مجالات الفلسفة. في هذا الإطار، هدفها هو العالمي، الذي يجب فهمه أولاً وقبل كل شيء في شكل نهج للأساس المشترك لازدواجية الطبيعة والأعراف (النظرية وغير العملية). إعادة استيعابها في التقنية ثم من الأساس المشترك للإنسانية. ولكن، من أجل استبعاد أي تحيز، لا يمكن النظر إلى هذا الأساس إلا من خلال الإشارة إلى اللغة (لا يدعي غادامير أنه لاهوت أو طبيعة أو ثقافة)، بقدر ما هو فقط المجال العالمي لمعرفتنا البشرية، ولنقل بمعنى واسع جدًا، الشكل الحيوي للمعرفة البشرية. وبالتالي، تكمن مهمة للفلسفة كما يلي" يمكننا بالتالي أن نؤكد أن المهمة العامة للفكر الفلسفي اليوم هي مقاومة هذه الانحرافات وإعادة صياغتها في بوتقة جهد فكري أصيل" .

لقد كان أقرب إلى الإحساس الجمالي والديني لأمه منه إلى البنية العقلية لأبيه العالم الذي لم يتوقف عن تحذيره من "الثرثرة غير الكفؤة" لعلوم العقل، فقد بدأ سنواته في التعلم الفلسفي في عام 1919 في جامعة ماربورغ، حيث تابع تعاليم نيكولاي هارتمان وبول ناتورب. بتوجيه من الأخير، سيكتب أطروحته في الفلسفة عن المتعة مع أفلاطون، والتي دافع عنها في عام 1922. تميز تطوره الفكري اللاحق بقراءة المخطوطة التي أرسلها هيدجر إلى ناتورب وفي الذي وضع المبادئ التوجيهية لتفسير الظواهر لأرسطو. التحق غادامير بالفصل الصيفي لعام 1923 في جامعة فرايبورغ ام بريسغاو، من أجل متابعة الدورات الأخيرة التي قدمها هيدجر هناك بصفته بريفاتدوزنت. مكّن تعيينه في ماربورغ غادامير من العودة إلى جامعته الأصلية حيث واصل تدريبه مع مؤلف كتاب "الوجود والزمان"، مما أثار استياء معلميه السابقين، وكتب أطروحته تحت إشرافه. التمكين، أخلاقيات أفلاطون الجدلية (1931). في "عرضه الذاتي" عام 1959، يلخص دينه لهيدجر مع صيغة تعكس الخيط الإرشادي لفكره: السماح لأفكار التقليد الفلسفي بالحيوية مرة أخرى، من خلال فهمها كرد فعل على أفكار حقيقية. في الأسئلة التي ألقاها في عام 1959، ستجد هذه البديهيات تعبيرها المنهجي في ما كان يسمى في البداية "إرشادات للتأويل الفلسفي"، والذي نُشر عام 1960 تحت عنوان: الحقيقة والمنهج. المفهوم الرئيسي للكتاب هو مفهوم "تاريخ الكفاءة" أو "تاريخ التأثير".  هذا الكتاب سيكون العمل الأساسي للتأويل المعاصر، الذي نُشر في عام 1960 وتم تنقيحه بين 1970 و1976، وترجم جزئيًا إلى الفرنسية في عام 1976، بالكامل في عام 1996، تحت اشراف بول ريكور وجان غريش وفريشون.

" يكمن جوهر الهيرمينوطيقا القديمة في مشكلة التفسير المجازي. في الواقع، هذا لا يزال أقدم بكثير. كان المعنى الخفي، هو المصطلح الأصلي المستخدم لتعيين المعنى المجازي. كان مثل هذا التفسير قد مورس بالفعل في زمن السفسطائيين، كما أكد جيه تيت ذات مرة، وهو ما أكده أحدث البرديات. السياق التاريخي ذي الصلة واضح: نظرًا لأن مقياس قيم عالم هوميروس الذي تم تصوره لمجتمع من النبلاء فقد قوة التصاقه، أصبح من الضروري تطوير فن جديد لتفسير التقاليد. حدث هذا مع دمقرطة المدن التي تبنى النبلاء أخلاق النبلاء. نجد تعبيرًا عنه في المفهوم السفسطائي للتعليم: تغلب يوليسيس على أخيل ولم يكن من غير المألوف أن يضفي المشهد ميزات متطورة. في وقت لاحق، في تفسير هوميروس الذي تطور في الهيلينية وخاصة من قبل الرواقيين، أصبحت الرموز طريقة عالمية للتأويل. ترتبط بهيرمينوطيقا الآباء التي لخصها أوريجانوس وأوغسطين ونظمها كاسيان في العصور الوسطى من خلال تطوير طريقة المعنى الرباعي للكتاب المقدس.

فكيف مثلت هرمينوطيقا غادامير فنا في الفهم؟ وماهي الخصائص التي تميزت بها؟ وهل لها رؤية للتاريخ ؟

1- التساؤل عن علمية العلوم الإنسانية:

هل هناك اختلاف في الدراسة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية،؟ أم أن هناك أيضًا اختلاف في المنهج؟ بمعنى آخر، هل يجب أن نتعامل مع السلوك البشري والظواهر الطبيعية بنفس الطريقة العلمية الموضوعية؟

قد يقول البعض أنه لا يوجد سبب للتمييز، لأن الإنسان لا يشغل مكانة منفصلة في الكون الذي يعيش فيه ؛ ما يصلح للثاني يجب أن يكون صحيحًا بالنسبة للأول (ومن هنا الرغبة، على سبيل المثال، في شرح الظواهر العقلية من خلال بيولوجيا الدماغ). لكن البعض الآخر سيرد بأن مثل هذا التمييز يجب أن يتم لأن الفهم الذي يمكن أن يكون لدى المرء للسلوك البشري - عن طريق التعاطف أو التعاطف - لا يمكن اختزاله بالضرورة إلى تفسير، كما يحدث في علوم المادة، تصنف هذه الظاهرة الخاصة تحت هذا القانون العام. وفقًا للفيلسوف الألماني كارل أوتو أبيل (مواليد 1924)، الذي حلل خصوصيات وعموميات هذا الجدل، الذي لا يزال على قيد الحياة، يمكن تجميع الحجج المختلفة معًا وفقًا لثلاث لحظات رئيسية. لقد كان فيلهلم ديلتاي أولاً وقبل كل شيء، في عام 1883 وكرد فعل ضد انتصار العلموية والوضعية، قام بهذا الفصل بين شرح وفهم أساس التمييز بين علوم العقل (التاريخ، علم النفس، إلخ. ) والعلوم الطبيعية (فيزياء، كيمياء، أحياء، إلخ). ثم مع علماء المعرفة الذين كانوا يسعون إلى تحديد منهجية علمية موحدة، ولا سيما مع كارل جوستاف همبل من عام 1942، تم إعادة تأكيد الفكرة على أن أي طريقة شاملة تدعي أنها علمية يجب أن تكون قابلة للاختزال في التفسيرات عن طريق القوانين العامة. أخيرًا، إنها لحظة فيتجنشتاين عندما، من تحليل اللغة، يستعيد الجدل قوته من خلال إدخال التمييز بين أسباب وأسباب الظاهرة. للخروج من هذه المناقشات العقيمة، يقدم آبل "حلًا" وسطًا. دعنا نقول - لنضع الأمر ببساطة - أن هذا يستند إلى فكرة أن التفسير والفهم، في أي عملية معرفية، أكثر تكاملاً من كونها غير قابلة للاختزال، بمعنى أن أي تفسير يفترض مسبقًا فعلًا من الفهم. ولقد سبقه الى ذلك ماكس فيبر الذي تحدث عن التفسير التفهم والفهم التفسيري.

لقد تميز بعمق تجديد التفكير في مفهوم الفهم وشكل بذلك رسالة في نظرية المعرفة التي تحاول تقديم التفسير في العمل في العلوم الإنسانية سواء من الموضوعية من العلوم الطبيعية ومن الذاتية ذات الأصل الرومانسي، الحقيقة والطريقة هي أيضًا أطروحة في الفلسفة الأولية . إذا كان "الكائن الذي يمكن فهمه هو اللغة"، فلا يمكن تكوين أنثروبولوجيا فلسفية حقيقية إلا على أساس معرفة العمليات الجارية في اللغة. لا يمكن قصر التأويل على قراءة النصوص: يجب أن تنفتح على العالم نفسه. الفكرة المركزية للفيلسوف هانز جورج غادامير هي أن الطريقة العلمية يتم تقديمها بشكل خاطئ على أنها الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة. ضد العلموية، يريد غادامير أن يظهر أن هناك طريقة أخرى لمعرفة، "فهم" الكائن البشري، والتي يتم تقديمها في علوم العقل (أي العلوم الإنسانية). في الفن وحتى في التاريخ، يبدأ غادامير من الفن وليس من علوم العقل (كما فعل فيلهلم ديلتاي) لفهم ما يلعبه في الفهم. منذ إيمانويل كانط، يُنظر إلى الفن على أنه مجال مستقل، خارج المعرفة. في مقابل هذا المفهوم، يحاول غادامير إظهار أن هناك "تجربة للحقيقة" في الفن من حيث أنه يكشف عن الواقع ويسمح لنا بإعادة اكتشافه بعيون جديدة. لذلك فإن للفن بعد معرفي. بالنسبة له، فإن فهم معنى العمل الفني يشكل حدثًا حقيقيًا، لقاء لا يكون فيه الإنسان مجرد متفرج ولكنه يشارك فيه. وهذا المفهوم للفهم هو الذي يذهب إليه غادامير تمتد إلى علوم العقل. الفهم ليس إتقان تقنية العقل، بل هو "لقاء". نحن لا نبدأ من العدم لفهم الآخرين. أي تفسير هو جزء من قصة ويتم تشكيله بواسطتها: لكي نفهم، فإننا نعتمد بالفعل على تقليد وعلى "التحيزات" (بالمعنى الحقيقي للمصطلح) التي يحاول غادامير جاهدًا إعادة تأهيلها. لذا فإن الفهم يشكل حدثًا: كل فعل تأويلي هو لقاء بين ما يأتي مني وما يأتي من "الماضي". بهذا المعنى، هناك "عمل تاريخي" حقيقي: كل حدث أو كل عمل يتم إثراؤه بالتفسيرات الجديدة المعطاة له. وفي عنصر اللغة، الذي توليه تأويلات غادامير أهمية أساسية، يحدث هذا الحوار الهرمينوطيقي. لقد راهن غادامير على مغادرة الأرض الخصبة التي وقف عليها دعاة التفسير الموضوعي للطبيعة واستفاد من الينابيع الروحية للنزعة الرومنطيقية وحاول تمكين العلوم الإنسانية من التعويل على نفسها ووعيها بذاتها وإيجاد فلسفتها الخاصة بها.

فكيف انعكس ذلك النقد الأنطولوجي على فن الفهم؟ ولماذا جعل غادامير من الفلسفة الوضعية المنطقية ضدا؟

2- نقد الاغتراب الوضعي وسلطوية القاعدة الوضعية:

لماذا ادعاء كونية اللغة ضروري بالنسبة لفلسفة غادامير التأويلية؟ وكيف عمل على نقد النموذج الوضعي؟

يمكن للمرء أن يستحضر "أسبابًا" بعيدة، تتعلق بتاريخ الفلسفة الغربية ومنهجها في اللوغوس. يقوم غادامير هذا في بعض الأحيان وعادة ما يقدم استنتاجاته في هذه الشروط من تقرير  اللوغوس والايتوس، العقل والمقام. لكنه يصر بشكل متكرر على منظور آخر. يستمد أسبابه من وصف الثقافة المعاصرة. في الوقت الحاضر، طريقتنا في الحديث عن العالم (العلوم الطبيعية)، عن أنفسنا (العلوم الإنسانية) وتاريخنا (العلوم التاريخية)، لا تتحقق إلا تحت سلطة مجهولة من صوت علم. كما أن طريقتنا المعتادة في الفلسفة سقطت أيضًا تحت ادعاء أحادي الجانب للمعرفة والمنهج العلمي والتقني. نتيجة لذلك، نحن معزولون، أي أننا منفصلون عن أنفسنا، بوساطة الأساليب والتقنيات التي تبعدنا عن أنفسنا وتكرس حياتنا لـ "الفائدة". وبالتالي، فإن السعي إلى تفكيك الرجال، نظرًا لأن الأمر يتعلق بمشروع الفلسفة التأويلية، يعني بالتالي الاستيلاء، إن أمكن، على قوة الارتباط، وقوة التضامن الجوهرية بين الرجال، ونوع من الفضيلة الاجتماعية للاتصال. والمعنى غير الرسمي. قوة الارتباط والمعنى هذه، يعتقد غادامير في هذه التأويلية أنه يمكن اكتشافه في اللغة. بل إنها تؤكد أن هذه هي الوظيفة الأساسية للغة، مما يجعلها في طليعة التحليلات المطلوبة. وهكذا، في هذا السياق التأويلي، هناك معارضة أولى لها ما يبررها: ذلك الذي يميز العلم المحدود والمنفصل والفلسفة المنفتحة والمتحررة. علاوة على ذلك، يطور غادامير، الفلسفة الحديثة غير الهريمينوطيقية هي نتيجة تقسيم العمل الفكري الذي يفصل بين الأشياء وهيمنة العلم. العلم يهيمن، والتقنية تدعمه، والفلسفة، منذ القرن التاسع عشر، تخاطر بجعلنا نفقد معنى كل شيء من خلال الحكم على أنفسنا بالرضا لنصبح مجرد مجموع بسيط لكل ما يمكننا معرفته، نوع من الموسوعية (علوم طبيعية وعلوم إنسانية)، ليس لها منظور آخر سوى الربح. في حين أن العلم، من جانبه، قد حل محل الفلسفة بتصوير نفسه على أنه معرفة حصرية، لا سيما في شكل الوضعية: "إن مفهومنا للفلسفة يتميز في الواقع بالتعارض والاختلاف بين الفلسفة والعلم الجديد الذي ظهر في القرن 17والذي، منذ ذلك الحين، يحدد العصر الحديث وصولاً إلى أليافه الأكثر حميمية "2[2] .

كما نرى، من منظور غاداميري، فإن الفلسفة الحالية تخضع بالكامل للعلم. لم يعد الفلاسفة يجدون حتى مبررات داخلية لعملهم. والأسوأ من ذلك، أنها مرتبطة بـ"رؤى العالم"، التي تدعي الشمولية دون أن يكون لها الإمكانيات، وتلجأ إلى الدين. في الواقع، يعتمد غادامير هنا، على نحو متناقض، على نظرية المعرفة من النوع الكانطي. إذا كان العلم نظامًا من الأسئلة يُلزم الطبيعة بالإجابة عليه (نقد العقل المحض، 1781)، فلماذا لا نؤكد أنه إذا كان العلم حقًا بلا شك في مجاله، فلا يمكننا أقل من التأكيد على أن الخير الأسئلة التي يجب طرحها ليست أسئلة العلم. وهكذا فإن النظرة الكانطية للحد من قوة الفهم من أجل إفساح المجال للممارسة (التي تنفتح بالتالي على سبب غير محدود) تصبح هنا انفتاحًا على بُعد هرمينوطيقي للكلية الأصيلة للوجود الإنساني المكرس لـ التاريخية (التي لا ترتبط بالتالي بكانط، مما يجعل العقل مَلَكة غير المشروط، ولكنها "تتجاوزه" في اتجاه الكلية الموجودة، هذه المرة، في التاريخ). هذا لا يخلو من تقديم تعليقين محتملين على الأقل: يجب أن يتعلق الأول بـ "ما بعد الرومانسية"3[3] لغادامير، والذي يتكون من معارضة المحدود وغير المحدود) العواقب، والآخر على حقيقة أنه مع غادامير، وجدت الفلسفة مجالها مرة أخرى على الإذن الذي تمنحه لنفسها للحد من "المعرفة" الأخرى (بما في ذلك الآن "العلوم الإنسانية"). وهنا يكمن مصدر زوج الأضداد الذي سنسلط الضوء عليه الآن: زوج الشرح والفهم المدعوم بهذه الصيغة: "لا يمكننا أن نكتفي بالمفهوم الحديث للعلم ومفهوم الطريقة المرتبطة به"4[4]. دعونا أولاً نستكشف علاقة غادامير بالعلم، التي جمعها معًا تحت عنوان (ميتافيزيقي وأحادي الجانب) "العلم". هذا سوف يقوي هيكل المضاعفة الذي يفكر منه. وفقًا لهذا المؤلف، فإن المثالية الوضعية (التي تركزت من خلال فلسفة هيرمان هيلمهولتز، لا سيما في نصوصه لعام 1862)، التي تركز على الإشارة إلى معيار كوني للعلم، فكرة "الطريقة"، لديها معنى الفرض، على جميع الأبحاث، بطريقة عمل فريدة: أسبقية السببية الميكانيكية (وما يرتبط بها: الاستقراء)، امتياز التكرار (نطبق الطريقة على أشياء مختلفة)، عدم وجود الخيال. الذي يجب أن نعارضه بوضوح مع المثال الهيرمينوطيقي المتمثل في "فهم" غير متكرر للعالم وللناس. كما ذكرنا أعلاه، يعمل غادامير انطلاقا من مفهوم "العلم" المقبول دون مبرر، وهو ليس سوى ذلك الذي تم نشره في تحليلات إيمانويل كانط، الذي هو مسؤول عنه. الانتصاب كقاعدة مطلقة للمعرفة المنهجية للعلوم الدقيقة، حتى لكارل بوبر. "يعتمد العلم على هذا الدليل الهادئ" على أن جميع البيانات البحثية يجب أن تكون قابلة للتحقق وبوجه عام لا يمكن اعتبارها إلا معرفة عندما تتضمن عملية تحقق أو تزوير "5[5]( والموضوع نفسه في مؤتمر "علوم الطبيعة والتأويل"، 1986). هذا الافتراض المسبق مقبول، يوضح غادامير أن ثقافتنا سعت أيضًا، ولفترة طويلة، إلى تطبيق هذا المفهوم الوضعي للعلم، بطريقة معيارية، على ما نسميه نحن الفرنسيين بتعبير "العلوم الإنسانية" (وأي في الواقع، في التصنيفات الألمانية، تصادف أن تكون "علوم العقل"، أولاً بحكم التراث الكانطي للتقسيم بين فضاء فكر "الطبيعة" وتلك الخاصة بـ "الحرية"، إذن، وفقًا للتعبير الذي صاغه المترجم الألماني للنصوص الإنجليزية لجون ستيوارت ميل)، أي لتجربة العالم الاجتماعي وعالم "الروح". يلاحظ غادامير بحق أن هذه العلوم الإنسانية، منذ ولادتها في القرن التاسع عشر، حاولت بذل جهد معرفي من أجل أخذها على محمل الجد. أرادوا أن يعاملوا كعلم وليس كمضاربة عقيمة. سعى التفكير المنطقي (جوستاف درويسن، ويلهلم ديلثي) إلى إخراجهم من الرومانسية، ومنحهم التوجه "العلمي" للبحث عن قوانين أو قواعد في الظواهر الأخلاقية. وهكذا، كان الحل الذي تم العثور عليه في ذلك الوقت هو إخضاعهم لنموذج العلوم الطبيعية، وفجأة، وضعهم في الوضعية، من خلال نظام القياس. سواء كان غادامير على حق في الاعتقاد بأن هذه العملية قد استمرت (أو لا تزال مستمرة)، فإنه يفحصها، في المقام الأول، فيما يتعلق بالموضوعية التاريخية، من "علم التاريخ". (ليوبولد فون رانك، 1795-1886، وكتابه تاريخ العالم، غوستاف درويسن، 1808-1884، وتاريخ بروسيا)، الذي لاحظ أنها كرست نفسها لشرح الظواهر بشكل جماعي، على حساب نهى عن فهم المفرد. يقول إن المؤرخين يريدون شرح الماضي من الحاضر (الاستقراء)، بينما يجب تفسير الماضي فيما يتعلق بماضيه، إلخ. سواء كانت هذه الملاحظات ذات صلة أم لا (لا تزال حتى اليوم)، فهي كافية لغادامير ليؤكد أنه في العلوم الإنسانية، نصنع الحقيقة شيئًا نتعلمه (التواريخ، الأسماء، المعارك، إلخ) و لنقل (الفضائل، الأمجاد، "الدروس")، بينما الحقيقة التأويلية هي حقيقة يُنصح "بالمشاركة" فيها6[6]. من بين أمور أخرى، عندما يتعلق الأمر بالتاريخ الصحيح، فإن الحقيقة التأويلية للتاريخ هي أنه يسمح لنا بالتصالح مع أنفسنا والتعرف على أنفسنا في الآخر7[7]. ثانيًا، يتم إجراء تحليلات مماثلة على جسد علم النفس. يوضح ادامر أن علم النفس يقودنا إلى الضلال أكثر من ذلك لأنه يقوم على نظرية ميكانيكية للكليات[8]. بعبارة أخرى، فإن علاقة الإنسان بذاته محظورة من خلال هذا النوع من المعرفة الذي، من خلال "جعل" كل ملكة "موضوعيًا"، يمنعنا من "فهم أنفسنا". وبالتالي، فإن المشكلة المركزية في علم النفس، كما في التاريخ، لن تكون البحث عن قوانين أو تنظيمات يمكن التفكير فيها في هذه المصطلحات، ولكن لفهم خصوصية كل حدث وكل شخص. أخيرًا، يأتي، في المكان الأخير، لإثبات أنه في كثير من الأحيان، يريد المرء (يريد؟) إخضاع الفلسفة لمثل هذه الإجراءات لتحويلها إلى "علم" (في نمط العودة إلى الموقف "الميتافيزيقي" ). نوع من الادعاء الموضوعي للفلسفة. دعونا نعمم الموضوع. كل هذه الطموحات لها ربيع واحد فقط: نعتقد أن تفسير الأحداث (بالمعنى "السببي" و "التجريبي") للظواهر أو الناس هو فهمها. ومع ذلك، فإن كلا من الفهم والتفسير (حيث يأتي مصطلح "التأويل"، كما رأينا، بصرف النظر عن عمل فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد) للأشياء، والبشر على وجه الخصوص، ليسوا فقط مسألة تفسير (البحث عن الأسباب). دعونا نصر: خاصة من حيث معنى العالم الاجتماعي أو من حيث الفهم البشري! حتى أن هذا الاختلاف هو بدقة شديدة هو ما يريده النهج التأويلي والمفهوم الذي يعينه هو الترويج له، والذي يعد تكوينه أكثر تعقيدًا من ذلك الذي أسسه غادامير بسرعة. يجب على المرء أن يمر عبر أرسطو في الأورغانون لفهم كيف تشير هذه الفكرة إلى قسم كامل من تاريخ الفلسفة، مكرس للبحث عن "المعنى" بدلاً من البحث العلمي. دعونا نقصر تاريخ "المعنى" هذا، مع ذلك، من خلال تلخيص المعارضة التي تؤتي ثمارها: يشير التفسير إلى "كيف" الأشياء. إنه يبني معرفة مضمونة، لكن ضمانها ميكانيكي تمامًا. إنها تتطلب أيضًا طريقة، يكمن الغرور فيها في تفردها وحيويتها. بينما يأتي التفسير (البحث عن المعنى) من تجربة العالم، من تجربة الارتباط بالآخرين، حيث تظهر معاني أفعالنا وأقوالنا، في لعبة متواصلة بين هذا. ما نقوم به، والتعديلات المتتالية التي يفرضها فهم ما نقوم به على ما يجري (لا يوجد سوى معنى لشخص ما، "لنا"، في كل مرة). إنه يوفر الوصول إلى الحقائق (قابلة لإعادة النظر، مكررة بلا حدود)، ولكن حقائق أخرى غير تلك الخاصة بالتفسير (فريدة، موحدة، لا يمكن المساس بها). يمنعنا التفسير من فصل الحدث (وأسبابه) عن البيئة التي يقع فيها، وعن التدريب الذي يتلقاه الرجال أحيانًا منه، من خلال تعديل أنفسهم وتعديلهم. لم يعد يساهم في الحصول على درجة الماجستير لأنه يهدف أكثر إلى تعزيز اللقاء بين الإنسان ونفسه. من أجل شرح أفضل لما ينطوي عليه هذا التحول الهيرمينوطيقي للقيم المتغيرة، يأخذ غادامير منعطفًا من خلال نقطة الارتكاز التقليدية لنظريات التأويل، أي الترجمة. لا يوجد مترجم، في الواقع، يمكن أن يكون قانعاً بنقل "المعنى" (المفترض أنه معطى) ميكانيكياً من لغة إلى أخرى. الكل يعرفها ضمنيًا، "نعرف" لغة فقط عندما "نفكر" فيها ومن خلالها. وبالتالي، فإن الترجمة الصحيحة هي بالضرورة ترجمة لغة إلى أخرى، لإضفاء "جودة فهم شيء ما، والذي يحققه المرء في هذه البيئة التي هي اللغة"9[9]. ومع ذلك، إذا فهم المرء هذا الاختلاف جيدًا، علاوة على ذلك، دعونا نكرره، كلاسيكي، يرى المرء بشكل أفضل، وفقًا لغادمير، الخضوع الشديد للوقت للتفسير الوحيد، على حساب البحث عن الفهم و "المعنى". ". لذلك فنحن محكومون بفشل مرير. أهمها:

1 - يخضع المجتمع للأحلام التكنولوجية، ويسكر بدوار معرفة كل شيء، ويقع في الاعتماد الأعمى على الخبراء، في أي شيء ينطوي على قرار.

2 - لا يتوقف المجتمع أبدًا عن الاستغناء عن الحلم الملموس بالسيطرة المطلقة على الطبيعة، جنبًا إلى جنب مع حلم الوصول إلى معرفة غير محدودة. هذا هو الحال مع المتخصصين في علم الوراثة الذين يريدون إنتاج الانسان الخارق.

3 - يحلم المجتمع بالقدرة على التنبؤ بكل شيء في الأخلاق والاجتماعية، في تحد لحرية الإرادة. لذلك فهو يسبر الجميع بالوسائل "العلمية" دون استيعاب غياب "المعنى" الممنوح للوجود.

ومع ذلك، يدرك غادامير المخاطر التي يتعرض لها في إلقاء مثل هذا الخطاب ومثل هذا النقد. على وجه الخصوص من الانغماس في الملاحظات المعادية للعلم بشكل أساسي10[10]. ومع ذلك، من الواضح أن هذا ليس الهدف الذي وضعه لنفسه وهو يرفض الانخراط في طريق التنديد. لا يتعلق الأمر بالتخلي عن العلم، ولكن التفكير في العلم بشكل مختلف. بعيدًا عن الرغبة في التقليل من شأن العلوم11[11]، يفكر غادامير في إعطائهم أهمية جديدة. لهذا الغرض، نحتاج ببساطة إلى إدراك أن "شيئًا ما مفقود" في حضارتنا. من بين أمور أخرى، نفقد الموضوع المركزي لوجودنا: المعنى الذي ترمز إليه اللغة، هذا النمط الأساسي لتحقيق وجودنا في العالم، هذا الشكل الذي يشمل دستور العالم بأكمله. بعد قولي هذا، دعنا نشير بشكل عابر، يجب النظر إلى تأويلات غادامير في سياق محدد للغاية وأوسع: إنها جزء من شبكة فكرية مشغولة في ذلك الوقت، تواجه العلوم الإنسانية، من خلال السبب النقدي (تيودور دبليو أدورنو)، والعقل الديالكتيكي (لويس ألتوسير)، والعقل التواصلي (يورغن هابرماس)، إلخ. وفي هذا السياق، لا يخلو من الحفاظ على الروابط مع فلسفة مارتن هايدجر (على أي حال، فلسفة الوجود والزمان لعام 1927). لكن هل حافظ غادامير على تعريف هيدجر للعالم من حيث هو عالم مشترك؟ وما الشيء الذي بقي مفقودا في عالمنا وينبغي علينا البحث عنه؟

3- الطابع المشترك للعالم البشري:

" الوجود الذي يمكن فهمه هو اللغة"

لا يمكننا التوقف عند هذا الحد. هذا من شأنه أن يحول الفلسفة التأويلية إلى معادٍ للوضعية البسيطة، والهدف منها هو استخراج العلوم الإنسانية من النموذج المعرفي للعلوم الطبيعية أو بناء عضوي منهجي آخر لعلوم العقل. دعنا نقول، نظرية بسيطة (نظرية المعرفة)، وهي كذلك أيضًا. ومع ذلك، تريد الفلسفة التأويلية أن تكون شيئًا آخر حتى الآن. إنها تريد أن توصيف ممارسة حقيقية للفهم تهدف إلى إعادة المعنى (مهما كان متقلبًا) لوجودنا. علاوة على ذلك، فهي تدرك حقيقة أنه لن يكفي إصدار الوصفات الطبية أو الوعظ أو للعلم أو للخبراء لكي يعيدوا جزءًا من سلطتهم. لن يطيعوا الأوامر. لذلك من المهم أن يضع المرء نفسه في "مقاومة"، لنشر نزعة عقلية جديدة تعارض الادعاء بالعالمية المعروضة في العلوم. يهدف هذا الإطار الذهني الجديد إلى تمييز تجربة الحقيقة التي تتجاوز المجال الذي يسيطر عليه العلم والمنهج. تذهب لمقابلة تجارب خارج العلوم، تنبثق من الوعي التأويلي، الذي يجعل نفسه قادرًا على استيعاب البعد الهيرمينوطيقي للعالم البشري. يمكن للمرء أن يجادل هنا بأن غادامير لا يفعل شيئًا أكثر من تحقيق العدالة لأحد الأشكال المحتملة لـ "التدريب" البشري، مع الأخذ في الاعتبار المعنى الألماني (والأهمية) لمصطلح Bildung؟ وبشكل أكثر تحديدًا، يتم تكريم شكل معاصر من Bildung، بناءً على هدف ما بين البشر12[12]، نظرًا لأن نموذج العلوم الطبيعية قد نفى العلوم الإنسانية من مجالهم. في الواقع، إن عنصر الحقيقة في العلوم الإنسانية هو بيلدونج، وليس تكرار المعرفة. ويجب أن يؤدي هذا بيلدونغ إلى الفطرة السليمة، مما يسمح بنشر الوجود الأخلاقي والتاريخي للرجال. لذلك يستأنف جادامر النقاش على مستوى آخر13[13]. فيما يتعلق بالأخير، التدريب واللغة التي تربط الرجال ببعضهم البعض، فإن الهدف، لنتذكر، هو تحديد إمكانية وجود علاقة حقيقية للحياة بين البشر14[14]، و من تدوين الرجال في "طابع تاريخي"، ذي مغزى. يجب أن تتضمن علاقة الحياة هذه (Bildung)، على عكس الشكليات الفاصلة التي تفرضها العلوم التقنية، الروابط والحوار والاستمرارية والوحدة. إذا كان مفهوم التدريب مرتبطًا تمامًا، في السياق الجرماني، بمفهوم الثقافة، ومعارضة الطبيعة، فإن غادامير يقدم لها الآن مجالًا أوسع، من خلال تتبع نشأتها إلى التصوف الألماني، وفيه. إضفاء أهمية على ديناميكية الارتقاء. إنه يحتفظ بشكل أساسي بالجانب الإجرائي. لا يمكن أن يتحقق التكوين البشري (العلاقة مع الذات والعلاقة مع الآخر) ميكانيكيًا. ليس لها أهداف خارجية، على الرغم من أنها تتحقق فقط تحت ستار البعد الخفي، على سبيل المثال، في بيئة معينة. بيئة هي حالتها، لأنها تدور حول اللغة. لذلك يمكننا أن نقول بشكل صحيح إلى حد ما، بالنسبة لغادامير، أن هناك بُعدًا خفيًا للإنسانية، وهو البعد الذي يلعب دورًا حقيقيًا بداهة (حتى ذلك الحين تم تجاهله). هذا البعد، اللغة، يتوافق مع "البنية الأساسية للاشتراكية البشرية"15[15]. هذا هو البعد الخفي الذي يجب أن نجده الآن. لإيجاد، باختصار، العالمية الحقيقية الوحيدة: اللغة، "التي نكبر فيها، نتحدث ونتعايش مع بعضنا البعض، نتصرف مع أنفسنا وعالمنا"16[16]. لا جدال في مواجهة هذه اللغة من خلال اللسانيات أو فلسفة اللغة، الممثلة في ألمانيا، من حيث مصدرها، بواسطة و. فون همبولت17[17]. التأويل هو مصدر الاكتشاف نفسه، مصدر اللغة "كتعهد بعلاقة حتمية بكامل وجودنا في العالم" (المرجع نفسه). اللغة هي بيئة متناقضة: فهي تحتوي على "تفسير للعالم"، وتطبع فينا "بأصلها، بالتقاليد، من خلال التحيزات العمياء في المجتمع، من خلال ظروف الحياة التاريخية" العناصر التي تعمل أحكام مسبقة ". ولكن قبل كل شيء، يدعو الجميع إلى الحوار: "على هذا النحو، لا تحتوي اللغة على هذا النحو على معيار أو نقطة بداية تسمح للفرد بالتحرر من التحيزات أو تغيير العالم من أجل تحقيق ما يجب أن يكون. ولكن في اللغة يأتي الحوار "18[18]، وهذا بمعنى أن الحوار يساعد على تشكيل عملية التفاهم والتفاهم بين الناس:" أي محادثة حقيقية تعني بالتالي أننا نتفاعل مع ما يقول الآخر، أننا حقًا نؤيد وجهات نظره وأننا نضع أنفسنا في مكانه بمعنى أننا لا نريد أن نفهم الآخر حتى كفردانية، ولكن ما يقوله19[19]. ومع ذلك، لا يمكننا أن نصدق أننا قد أتقن الفهم، لدرجة الاعتقاد بأننا انتهينا منه. من ناحية، لأن التمكن التقني للفهم، الذي يُعرض علينا (المعرفة)، يُخضع المعنى بدلاً من الكشف عنه، ومن ناحية أخرى، لأنه أيضًا معنى محدوديتنا (الذي لتعلم أنه لا نهاية). لذلك يجب أن نتخلى عن المفاهيم الأداتية للفهم وأن نطور فلسفة تتجاوزها. فلسفة تقدم وعيًا تاريخيًا عادلًا للتحديدات السرية للمعنى، والتي من خلال إجبارنا على التعرف على حدودنا، تسمح لنا بفهم أنفسنا والانفتاح على هذا الحوار مع الآخرين. يصبح الفهم ممارسة، وأخلاقًا ليس لها أساس آخر تقدمه سوى الجهد المستمر لاكتشاف أن المعنى عابر. كيف أن اللغة هي الوسيط للتجربة التأويلية، وتجربة جديدة في الحياة والارتباط بالآخرين، والتي هي في الواقع تجربة أصلية ومؤسِّسة، تحجبها للأسف الأنماط العلمية لتوسع الثقافة. اللغة ليست قوة تجعل أنفسنا أسيادًا لها، ولكنها بيئة تشكلنا وتضعنا في علاقة: "اللغة هي البيئة التي يتحقق فيها التفاهم بين الشركاء والاتفاق على الشيء"20 [20]. حتى في زخم جميل من توليف مساهمات الفلسفة التأويلية (أو ما أعاد غادامير قراءته على هذا النحو)، يجمع المؤلف، في هذه المرحلة من النقاش، فضائل اللغة، وهذا الشرط من "الحوار التأويلي": بيئة مشتركة، تنقل التقاليد، تجعل الماضي والحاضر يتعايشان (لا سيما من خلال الكتابة وفعل قراءة النصوص القديمة)، والسماح بالحوار ودمج الآفاق، وإشراك المتحاورين في حركة إنتاجية (سؤال، إجابة)، أجبرهم على العثور على لغة مرجعية، والدخول في عمليات الفهم (أو معرفة كيفية تنفيذ عملية الفهم) وتنفيذ فعل الفهم من خلال إتقان التفسير. هذه هي العناصر المركزية لـ "عملية التأويل" (مثل ما يمكن استخلاصه من الدراسات الأدبية)، لهذا التفوق التأسيسي للبعد اللغوي عند البشر. فكيف انتقل غادامير بالهرمينوطيقا من كثرة التخصصات الى وحدة المقاربة ومن الجزئي الى الكوني؟

4- البعد الكوني للهرمينوطيقا الفلسفية:

لم تتسع المسافة مع الوضعية فحسب، بل وأيضًا، فإن وجهة النظر التي فتحها غادامير حول اللغة بعيدة جدًا عن الاهتمامات (اللغوية) المعتادة. يمكننا أن نرى هذا بوضوح شديد عندما يتعلق الأمر بربط اللغة والخبرة: "لا يمكن اختزال اللغة في واحدة من الملكات التي تم تجهيزها بالرجل الموجود في العالم، فهي تقع عليها. وفيه تظهر حقيقة أن البشر لديهم عالم "21[21]. هذا مكتسب، يبقى سؤال: في ضوء ماذا ينظر للمؤسسة؟ الإجابة واردة في العملية نفسها: في ضوء "العودة إلى الوطن"22[22]، في ضوء "تجربة درجة أعلى"23[23]، وإتمام الحركة المزدوجة تمت المتابعة حتى الآن: شجب دوغمائية الوضعية الفاصلة وإعادة تأسيس "الحوار التأويلي" (بين الإنسان مع نفسه ومع الآخرين)، تحت سلطة استعادة الوحدة البشرية الأصلية (المفقودة)، من خلال - ما وراء الانقسامات والانقسامات بين الرجال. لقد رأينا للتو، في الواقع، أن اللغة تجسد هذه القوة الموحدة، بمجرد نجاح إعادة تأهيلها التأويلي. اللغة هي "الشرط التأويلي" الأساسي24[24] لإعادة بناء عالمنا ووجودنا. هل ما زال من الضروري ألا يكتفي هذا التكوين اللغوي للإنسان بتحريره من الانحرافات العلمية والتقنية، بإخضاعه للاغتراب الآخر، تلك التي يمكن أن تنتجها اللغة نفسها؟ بالطبع يمكن للغة أن تحرر الإنسان فيما يتعلق ببيئته (الكلمات ليست أشياء)، ونتذكر أن دستور اللغة للعالم البشري لا يعني أن سلوك الإنسان تجاهه. العالم مغلق في هذه البيئة الجديدة التي هي اللغة نفسها. من خلال اللغة، يرتفع البشر فوق ضغط العالم، ويطلقون الأسماء على الأشياء ويضمنون القوة السيادية على العالم ("التمسك بالأشياء" )25[25]. لكن، يمكن للمرء أيضًا أن يشك في أن اللغة تحبس الانسان، لسبب آخر. بحبسه في الأحكام المسبقة التي يقدمها له الكلام. نحن نتحدث بلغة نتعلمها، ونخضع للتجارب المكتسبة التي تظهرها. ومع ذلك، فإن مسألة "التحيزات" هذه حساسة بعض الشيء، لأن هذا المصطلح له معنى تاريخي ومعنى تفسيري. لنترك جانباً هنا الاعتبارات الفلسفية، مهما كانت حاسمة، التي تؤثر على مفهومي "الفطرة السليمة" و"الحكم"، فلنختزل، في هذه النقطة، نهج غادامير إلى الأساسي. ما يهمه في اللغة هو أنه يرسم إطارًا موحدًا بين البشر، لدرجة أنه يفرض نفسه على الجميع ويرسم بينهم شبكة اهتمامات "المنفعة المشتركة". إذا كانت القدرة على الكلام، في البداية، بالنسبة لكل شخص، تتوافق مع القدرة على الارتقاء فوق حدود الفرد، "وبالتالي فإن الإمكانية العالمية للحوار البشري، والتحدث مع بعضنا البعض وأحدهما مقابل الآخر، يعني وجود علاقة مع العقل، وهي بيئة مشتركة بين جميع الرجال يفهمون بعضهم البعض وحيث يتحقق الحدس بطريقة ما "26[26]. هذا الحدس، شكل الوعي، ليس لحظة معرفة (كما هو الحال مع ديكارت)، ولكنه اللحظة الأساسية للتجربة التأويلية. الحدس هو علامة على التزامنا، قبل أي تجربة، في شبكة من "التحيزات" المشتركة بين جميع البشر. حيث نرى أن "التحيز" له معنى إيجابي في الفلسفة التأويلية. يتذكر غادامير بالطبع أنه يمكننا فهم هذا المصطلح من منظور فلسفة التنوير27[27]. لذا، فإن استحضار الأحكام المسبقة يعني تعيين أمثلة للخطاب لها خاصية "إخفاء الحقيقة"، وإخضاع الكلمات لأنظمة السلطة (الكتابية، والكنسية، والملكية). لكن غادامير يقدم تعريفا آخر، ومفهوما آخر للتحيز، والذي بشكل عابر لا يجبر المرء على التخلي عن "السلطة" (إذا وافقنا على الأقل على التمييز بين "السلطة" و"السلطوية"، مع تجنب جعل طريق مسدود في السياق الألماني (النازية) حيث يحدث مثل هذا التمييز28[28]. يشكل التحيز "خط التوجيه الأولي والمؤقت الذي يجعل كل خبرتنا ممكنة"29[29]. يُعرَّف التحيز هنا عمليًا على أنه هيكل متعالي، وهو وقاية "تحدد انفتاحنا على العالم"، وهي "حالة تسمح لنا بالحصول على تجارب وبفضلها يخبرنا ما نواجهه بشيء ما"30[30]. لأن، في النهاية، ما يهم غادامير هو تحقيق نوع من اليوتوبيا التأويلية. وهو يتألف من البناء على اللغة، في فضيلتها المناهضة للانتماء، والتي تُعتبر عاملاً من عوامل الوحدة: "اللغة لها وجودها الحقيقي فقط في الحوار، أي في تنفيذ الاتفاقية "31[31].

ما هو "الفهم" بوصفه عملية حية يتم فيها التعبير عن مجتمع الحياة ؟ ماذا يعني أني فهم المرء العالم؟

يعيدنا هذا المطلب إلى "أن نفهم" أنفسنا والعالم المحيط بنا والذي يعني أيضًا "إظهار التفاهم تجاه شيء ما". وبالتالي، فإن "القدرة على الفهم هي تحديد أساسي للإنسان، وبدونه لا يستطيع العيش مع الآخرين"32[32].  ها نحن في نهاية الرحلة. وبالتالي، تؤدي فلسفة غادامير إلى ايتيقا اللغة، ولماذا لا، إلى وظيفتها الأدبية.

من الواضح أن الفلسفة التأويلية حاولت التوفيق بين المفاهيم والروح. "اللغة هي مركز تندمج فيه الأنا والعالم، أكثر من ذلك بكثير: حيث يقدمون أنفسهم في تضامنهم الأصلي المتبادل"33[33]. اللغة تُشركنا في مجمل المعنى، والمتحرك، والتاريخي، ولكن قبل كل شيء غير مألوف. وهكذا تنتهي نظرية غادامير في التأويل التاريخي الذي هو في نفس الوقت مفاهيم (علوم العقل) وروح (ايتيقا الوجود التاريخي). لكن ما السر وراء الحضور المكثف للمراجع الجمالية والفنية في النص الغاداماري؟

5- نموذج استيطيقي للفلسفة:

لقد انتهى بالتأكيد الاسترداد السابق للخطوط الرئيسية للفلسفة التأويلية. استعادة عالم قابل للحياة بين البشر، واستعادة الحالة الأصلية للوحدة، هذا هو في الواقع هدف غادامير، الذي تفترضه ضمنيًا جميع تأويلاته. علاوة على ذلك، ترتكز مثل هذه الهيرمينوطيقا على وساطة، أي تلك اللغة. هل يجب أن نقول إذن أن الفلسفة التأويلية تشكل إحدى النتائج المحتملة لما أصبح يسمى "المنعطف اللغوي"؟ غادامير حاذق بما يكفي لتجنب هذا النوع من الفخ. يتذكر بحق أن "الفلسفة هي دائمًا نقد للغة"، وهذا منذ سقراط. على مستوى اللغة، ما يهمه ليس ميتافيزيقيا اللغة "الكاملة" بقدر ما هو تحليل يمكن تصوره للعلاقات التأسيسية للغة (ومن ثم رد فعله على وظائف "أنا" و "أنت" في فلسفة مارتن بوبر34[34]. يتميز هذا التحيز بأخذ اللغة على محمل الجد، ليس كبنية نفعية للتواصل، ولكن كأساس أساسي. تحدد اللغة شبكة من التخوف من العالم الذي ينخرط فيه الناس في علاقات معقدة وغير محدودة، والتي تصبح هنا "فهم" أو "معنى"، طالما أننا نعني عمليات لا نهائية. في هذه المرحلة، يجب أن نكون منتبهين لشيء آخر تمامًا، وعلى وجه الخصوص الطريقة التي يصر بها غادامير باستمرار على الظواهر الجمالية، التي غالبًا ما يتم استدعاؤها من أجل العودة إلى مسألة اللغة وفن الفهم. . وبعبارة أخرى، فإن المنظور اللغوي مبني على نطاق واسع، من قبل غادامير، عن طريق القياس، من نموذج جمالي (راسخ بشكل ملموس في تحليل قراءة النصوص، بالطبع، لأسباب تتعلق بتاريخ الهيرمينوطيقا، والرومانسية أيضًا، وفي الدراسة، الأكثر تحديدًا لغادامير، للعلاقات المختلفة التي حافظ عليها "المتفرج" مع العمل الفني: الكاتدرائيات (البعد الأوروبي، سعادة)، الرسم، إلخ.). ثم يمر، في هذه الفلسفة، بنموذج مرجعي تمثيلي (لأنه ليس جمالية أو فلسفة فنية أيضًا). إنه يجعل من الممكن تطوير مفهوم المعرفة ومفهوم الحقيقة التي هي تلك المعرفة التأويلية (ولم تعد تلك الخاصة بالوضعية). لا يقتصر الأمر على أن الفن (العمل) لا يسمح له بأن يهيمن عليه العلم والمعرفة الضمنية والجمالية (الوضعية) فحسب، بل بالإضافة إلى ذلك، في التجربة الجمالية التي نمتلكها فورًا35[35]، والتعامل مع الحقائق التي تتجاوز عالم المعرفة. يطور العمل الفني حقيقة يكون من المهم المشاركة فيها (ولا يهم ما إذا كان يتم تلقيها فقط)، تمامًا كما يشير ترتيب الفهم إلى المشاركة في وحدة أصلية. إذا تمسكنا بالأساسيات، فإن هذا النموذج، بالتالي، يعمل على تمهيد الطريق الذي يجب أن يظهر فيه معنى أكثر ملاءمة للعلوم الإنسانية. لفهم هذا، من المستحسن، مع غادامير، العودة إلى كانط، وإلى نقده للقوة الجمالية للحكم. يوضح هذا النقد ما يلي: أن حكم الذوق ليس حكمًا على المعرفة، بينما هو عالمي. نرى كيف يمكن لغادامير أن يستخدم مثل هذه النتيجة. الدرس الذي يستخلص منه هذا هو: هناك سجل "للحقيقة" يكون فيه جزء الطريقة الإيجابية صفراً، ومع ذلك فإنه يرسم شكلاً من أشكال الوحدة (بداهة، على الرغم من عدم وجود وجود فعال): فن. كان كانط، في هذا الصدد، لديه "حدس" تأويلي حاسم. لكنه غير مكتمل، لأنه لم يستوعب كيفية إعادة تعلم ما هي الحقيقة من الفن: قبل كل شيء، يجب علينا تدمير الوعي الجمالي، الذي يعتبر الأعمال مجرد أشياء جمالية، تجاهل أهميتها الأخلاقية والتاريخية. يقطع أعمال رسالتهم (راجع مارلو، أو حتى اللوحات ذات الإطارات التي تعزلهم وتعزز الفن من أجل الفن). على العكس من ذلك، الفن هو تجربة الحقيقة (بالمعنى غير المعرفي). ومن هنا حقيقة أن غادامير يحب ويفضل، بالإضافة إلى العمارة المرتبطة دائمًا بالسياق الحضري والوجهة، والفن المأساوي، والأعمال الرمزية، تلك التي تمارس الكتابة المشفرة، في إشارة إلى شيء آخر غير نفسها. لا ينبغي لأحد أن يفوت قيمة الفن، تجربته للواقع في مجمله. الفن هو تجربة الوجود. من الواضح أن الخطوط الرئيسية لهذا التوجه متسقة للغاية. ومع ذلك، ينبغي تمديدها. لأن غادامير يرسم شيئًا آخر من الفن؛ على وجه الخصوص، يستمد منه الفكرة، فيما يتعلق بالأعمال الآن، أن علاقة المتفرج بالعمل الفني يمكن أن تكون بمثابة نموذج لنظرية الفهم (لنظرية العلاقة اللانهائية للدلالة بين الناس وبين الناس و "الأشياء" التي يخلقونها). وإذا كان هذا التقرير يساهم بشكل جيد للغاية في تطوير التعليم من خلال الفن (وليس التعليم في الفن الذي من شأنه أن يعيدنا إلى مستوى الوضعية)، فإن الهيرمينوطيقا لديها دعم أو مبرر. يلي ذلك عمل كامل لغادامير يتعلق بمعنى (التأويل) للعمل الفني. رفض المعنى "الموضوعي" للعمل، تعدد المعاني اللانهائي (قراءة فورية، تاريخية، إلخ)، وظيفة "مسرحية" الكليات في نهج العمل، مثل العديد من الموضوعات التي يطورها الدقة، وتوجيه تعليقه على نطاق التفسير الذي يقدمه أي عمل فني. في نهاية العملية، يعود المفهوم الكلاسيكي إلى الخدمة، مفهوم "اللعبة"، الذي من الواضح أن نبعه مثير للجدل: لأنه يتعلق بالتعبير عن التعارض بين الإغلاق (لحقيقة فريدة يمكن التنازل عنها علميًا). ) والانفتاح اللانهائي (لحقيقة تأويلية). مع غادامير، اللعبة، في هذا الوضع، هي في نفس الوقت نشأة العمل ومبدأ قراءته. باختصار، تعمل اللعبة كخيط مشترك لإعادة اكتشاف الحقيقة الجمالية. لأنه، في اللعبة، يتم لعبنا (وبالتالي لا يوجد وعي بالذات)، كما هو الحال في فهم المعنى الذي يتم تداوله. لقد طغت علينا، لكننا نبقى هناك في نفس الوقت. لكنه سيشكل قيدًا غير مبرر للاعتقاد بأن مشروع غادامير لا يزال عالقًا في الجمالية. مع إبراز مفهوم "اللعب"، حصل غادامير على ما كان يبحث عنه. دعم التعريف التفسيري للحقيقة وموقف التفاهم في العلوم الإنسانية. إن تطبيق مفهوم اللعب على الفهم يعيدنا إلى الهدف الأساسي: استعادة "أهمية إنسانية خاصة" للعلوم الإنسانية، مقابل الموقف الوضعي. هذه العلوم ذات فائدة تأويلية فقط إذا توقفت عن الخضوع لـ "الطريقة"، فمن الأفضل أن تدخل مجال الحقيقة. نعني بهذا: أن نأخذنا في مسار، عندما يتعلق الأمر بالتجربة البشرية، فإننا نواجه أعمالنا فقط لمواصلة العودة إلى أنفسنا36[36]. التجربة التأويلية للعالم هي تجربة للتذكر المستمر لما يتم لعبه في اللعبة التي نثري بها باستمرار معنى أفعالنا. لقد لاحظ غادامير أن لفظ Herméneuien مشتق من اسم الإله هيرميس، مفسر الرسالة الإلهية للبشر37[37]، والتي تعطي التأويل جانبًا من الفعل، أي نقل هذا التي قالها الآخرون من خلال جهود التحويل الشخصية. يختلف التكوين الغادميري لمصطلح الهيرمينوطيقا باختلاف الأعمال، بينما يظل كلاسيكيًا: "وهكذا يعلقني بطريقة التحدث التي استخدمها هايدجر في بداياته وبالتالي يوسع منظور يعود في الأصل إلى اللاهوت البروتستانتي و (الذي) تم نقله إلى عصرنا من قبل ديلتاي "38[38]، ثم تم تصحيحه من خلال الإشارة إلى الممارسات المسيحية للنصوص، ولا سيما من قبل الفيلسوف الرومانسي الألماني شلايرماخر الذي" ينوي أن تخدم تأويلاته، كمعيار عام للفهم، إلى المهام الخاصة للتفسير الكتابي "39[39]، ثم أعيد بناؤها وفقًا لـ" فن تجنب سوء الفهم في المعنى الذي يجب أن يُعطى للنصوص القديمة، البعيدة عنا في الوقت المناسب، والتي تقع تحت عادات لغوية أخرى "، عندما لا يحيل الكل إلى هوميروس40[40].

من هذا المنطلق يعتبر غادامير رائد التأويل الفلسفي من حيث هو مبدأ كوني يشمل الدين والتراث والثقافة والتاريخ والفنون والآداب والرموز وال دعونا نتوقف لحظة هنا لنلقي نظرة على تاريخ التأويل لفهم اللحظات العظيمة لهذا الانضباط. ستتيح لنا هذه النظرة العامة تحديد موقع ابتكارات غادامير ومعرفة التقليد الذي يناسب فكره الفلسفي. تم تعريف التأويلات تقليديا على أنها فن الفهم، أي المعرفة التي تمكن الفرد من فك معنى النص أو تفسيره. وهكذا تعود أصول التأويل إلى بداية الفلسفة.    في الواقع، يستخدم أفلاطون الفعل hermênéuein لتأهيل العمل التأويلي للشعراء والراغبين، في الحوار المختصر Ion على سبيل المثال، والذي يترجم إلى كلمات تشرح رسالة الآلهة. أما تلميذه، أرسطو، سيجعل من هيرمينيا اللغة التي يجب أن تترجم أفكار البشر إلى كلمات. أرسطو، الذي كان دائمًا منتبهًا لمعنى الكلمات، كتب كتابًا بعنوان في العبارة أو في التأويل Peri hermeneias. في الأساس، ستكون أطروحة حول الدلالات والمنطق الذي ينظر في الاقتراح. بعد أفلاطون وأرسطو، سوف يعتقد الرواقيون أن الناس الأوائل لديهم شعارات خالصة، ووصول مباشر وحقيقي إلى الأشياء. بعد ذلك، من نهاية العصور القديمة إلى العصور الوسطى وبداية الحداثة، ستبقى الهيرمينوطيقا مرتبطة أو ثابتة بتأويل (تفسير) الكتاب المقدس. وهنا يُدعى أهم المؤلفين: فيلون الإسكندري، وأوريجانوس، وأوغسطين، ولوثر، المصلح الشهير. خلال الفترة الرومانسية، أحدث شلايرماخر ثورة في معنى التأويل من خلال الرغبة في شرح (على وجه الخصوص عن طريق علم اللغة وعلم النفس) المسافة التي تفصلنا دائمًا عن النصوص، سيغير شلايرماخر بشكل جذري طريقة رؤية التأويل: وفقًا له، يجب علينا أولاً أن نفترض سوء الفهم من أجل السعي نحو أفضل فهم عقل المؤلف، وبالتالي ما قصده المؤلف. وهكذا، من خلال العمل المتخلف للتأويل، سيكون من الممكن، كما يعتقد شلايرماخر، "فهم المؤلف أفضل من الذي فهم نفسه" ... بعده، سيرغب ديلتاي في أن يرى في المعرفة التأويلية، التي هي دائما تاريخية، الأساس المشترك لعلوم العقل أو العلوم الإنسانية. بمعنى آخر، تستند العلوم الإنسانية دائمًا إلى فهم للعالم تاريخي وثقافي. لكن مع هايدجر ستختبر الهيرمينوطيقا ثورة جديدة: الفهم، الذي لم يعد يقتصر على النصوص، هو الشغل الشاغل للوجود البشري كله! لم يعد الفهم أداة بشرية، بل هو بنية الإنسان ذاتها. سيكون غادامير أقل تطرفاً من هايدجر. وفقًا لتفسير غادامير الذي تم تطويره في الحقيقة والطريقة، فإن الفهم هو الموقف العام للوجود البشري، لكن هذا الموقف يجب أن يكون متجذرًا في التاريخ واللغة. الآن إذا كان كل الفهم قائمًا على استخدامنا للغة، فسيكون غادامير قادرًا عندئذٍ على منح التأويل أساسًا وجوديًا، أي قاعدة في مجال ما هو وما هو موجود، لأنه لدينا اللغة التي تسمي الأشياء. ما نحتاج إلى رؤيته هنا: في الحقيقة والمنهج، سيُظهر غادامير في البداية كيف يمكن لعمل فني أن يصبح مرة أخرى تجربة للحقيقة، تجربة للحقيقة خارج العلم. سيسمح له ذلك بعد ذلك بتحديد موقع العمل الفني كتجربة وجودية يتم فيها اكتشاف المعنى، لأن الحوار موجود دائمًا بين العمل الفني والمشاهد أو المستمع أو القارئ. دائمًا ما يخاطبنا العمل الفني، نظرًا لأن معناه ينتقل في تجربة "المعاصرة"، أي أننا قادرون على استيعاب وتفسير المعنى الماضي في تجربة حاضرة حالية. تشرح فكرة معاصرة المعنى بشكل خاص سبب فهم الأجيال اللاحقة للأعمال، ولماذا يشق العمل طريقه إلى التاريخ. إذا كانت الفلسفة بالنسبة له ممارسة بعيدة نوعًا ما، فإننا نوصي بالتعامل مع غادامير من خلال تراث أوروبا ؛ إذا كان مستعدًا لبذل جهد أكبر، فيمكنه البدء بالفلسفة والتأويل، ثم الانتقال إلى الحقيقة والطريقة ؛ أخيرًا، إذا كان ضليعًا في الفلسفة، دعه ينتقل مباشرة إلى فن الفهم، ثم إلى الحقيقة والمنهج، إلخ. المصطلح الألماني المقابل هو Verstehen (جوهري أو فعل): له بعد مزدوج، لأنه يشير إلى تخصيص المعنى (أنا أفهم هذا النص، أعرف كيفية استخدام هذا) وطريقة للموافقة على فعل شيء ما ( أعرف نفسي فيما أفعله). هذا المصطلح له أولاً معنى قانوني (الدفاع عن قضية في المحكمة، مما يتطلب الرد عليها والتحكم في كيفية الخروج من الموقف). ثم يكون لها معنى روحي، معبراً عن الاحتمالات المفتوحة للمعنى في الحوار. دعونا نتذكر أن هذا المفهوم في الفلسفة يحدد بشكل تركيبي مجال الاقتصاد ومجال الاحتياجات، بقدر ما تخضع هذه الاحتياجات لنظام الحياة (الحفظ)، ورضاها للعقلانية الخارجية (النظام). الأشياء التي ليست جيدة لأنفسهم، ولكن لشيء آخر). تشير القيمة المفيدة إلى سلع ذات رتبة وجودية أقل. بالنسبة لغادامير، تعزز هذه المشاركة أطروحته: "الفائدة" الغازية تطوق كل الأشياء، بما في ذلك المعرفة، في الخبرات التي تحكمها القوانين الميكانيكية. ومع ذلك، هناك سبب آخر لهذا "الالتفاف" الجمالي. إنه يرجع إلى الفضائل الممنوحة تقليديًا لـ "الجميل". نحن نعلم، في الواقع، أنه منذ الإغريق، ترتبط كلمة "جميل" بكلمة "جيد". يأتي "الجميل" من العظمة المهيبة التي هي عظمة الفرد (للعالم) ومجال اللياقة أو الأعراف (وحدة المدينة). باختصار، تستمد جزءًا من معناها من المعارضة إلى المفيد (المضاعف المهتم وغير المنضبط) والتشتت. عندما يتدخل كانط، فإنه يقطع بالتأكيد العلاقة بين "الجميل" والعالم، ليربط بين "الجمال" والفن، لكنه يحافظ على نفس العلاقة مع المفيد لأن الفن هو مصدر متعة نكران الذات. بحكمة ؟ "نحن جميعًا تلاميذ هايدجر الذين سلطوا الضوء على أولوية المستقبل فيما يتعلق بإمكانية التذكر والاحتفاظ ."41[41]، هل هذا التوجه نحو المستقبل وانتظار الآتي مؤكد ويمكن أن يحمل الأمل والوعد؟

خاتمة:

" ما يميز الفيلسوف أنه يعي جهله أكثر من غيره"42[42]

الفلسفة تأويلية أو لا تكون لأن جهدها الأساسي هو جهد الفهم، حتى لو كان واضحًا أن ممارستها تتعارض مع حدود لا يمكن التغلب عليها، تمليها عدم الفهم الجذري للموت والشر. ولكن من هذه الحدود تولد الحاجة وممارسة الفلسفة. إذا كانت الفلسفة لا يمكن أن تكون إلا تأويلًا، فذلك لأن موضوعها، الذي نحن عليه بالفعل، هو بالفعل يفسر عالمه ويفسر نفسه دائمًا. ما تسعى الفلسفة إلى التفكير فيه هو هذه الهيرمينوطيقا التي تكمن في صميم الوجود. في أعقاب ديلتاي وهوسرل وهيدجر، وجدت هذه الهيرمينوطيقا أحدث تعبير نظري لها في أعمال هانز جورج غادامير. يجمع هذا العمل بعضًا من أهم المعالم في طريقه في التفكير، من سنوات التدريب المهني مع هايدجر وفي مدرسة الإغريق، إلى كتاباته الأخيرة عن تاريخ الميتافيزيقيا والتفكيك، حدود اللغة وأوروبا. في الوقت الذي يتم فيه التشكيك في ادعاء هيمنة العلم الغربي، يوصى بالتأويل كفكرة للحوار والاستماع. لأن مبدأها الوحيد يكمن في هذا: كل حوار يقوم على فكرة أنه ربما يكون الآخر على حق. إذا كان يجب على الهيرمينوطيقا أن تعارض انتصار العلم الحديث، فما عليك سوى التذكير، وفقًا لسقراط، بأن كل الحكمة تقوم على الاعتراف بجهلها. بعد أن أظهر كيف أن الجماليات هي تجربة للحقيقة وأن الحقيقة لا يمكن فصلها عن تجربة المعنى، يسترجع غادامير اللحظات العظيمة لعلوم العقل ليشرح كيف لا يمكن الخلط بين حقيقة العلوم الإنسانية. العلوم البحتة أو العلوم الطبيعية. ويوضح أنه لن يكون من الممكن قياس الحقيقة بعد الآن من خلال التباعد المنهجي، الذي يقوم به العلم، لأن العلم دائمًا ما يفسد بالفعل علاقة الانتماء، الحوار، بين الإنسان. للعالم، الذي وحده يضمن إمكانية الحقيقة. هذه الدراسة للأوهام التأريخية (العقيدة التي يمكن تفسير كل شيء من أجلها بالتاريخ) وسوء فهم العلوم الإنسانية عن نفسها ستسمح له بتقديم أساس تأويلاته. سوف نتذكر أن الخطوة الأولى لا تتمثل في التخلص من تحيزاتنا (كما أراد Aufklärung، خلال عصر التنوير)، ولكن في التشكيك في تحيزاتنا من أجل معرفة ما إذا كانت شرعية، لأنها دائمًا من الأحكام المسبقة التي نمتلكها للوصول إلى المعرفة. يؤكد غادامير على أن التحيز هو الشروط ذاتها لفهمنا. ثم سيذكر غادامير، من خلال الخبرة القانونية، أن الفهم هو دائمًا مهمة عملية أولاً، وبالتالي تطبيق. سيحدد أيضًا أن هذه المهمة، وهي مهمة تطبيق فهمنا، هي تفسير يعتمد حتماً على عمل معين للتاريخ يجب أن نكون على دراية به، لأن التاريخ مليء بالمعنى. هذا الاكتشاف التاريخي، أي الطابع التاريخي الصحيح للإنسان - اكتشاف يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر - يطرح على غادامير سؤالًا معرفيًا حاسمًا: كيف أصبحت المعرفة البشرية مدركة طابعها التاريخي، هل يمكن أن تدعي الحقيقة؟  وكما قيل على لسان الفيلسوف الدنماركي كيركجارد: كيف تدعي، من وجهة نظر تاريخية، وجهة نظر عالمية؟

للإجابة على هذا السؤال التاريخي والوجودي، سيسعى غادامير إلى فهم كيف تفهم العلوم الإنسانية، أي كيف تعمل عملية الفهم في جميع البشر. وريث هايدجر وفكره في المحدود، سيضع غادامير الفهم كجزء من البنية البشرية. وهكذا، قاد غادامير إلى القول بأن الإنسان يقع في تقليد يضمن إمكانية المعنى. بعبارة أخرى، نحن نفسر الظواهر وفقًا لمكانتنا في التاريخ، وفقًا لثقافتنا وتقاليدنا. سيضيف غادمير أن علاقتنا بالماضي يتم التعبير عنها دائمًا في حوار، جدلية السؤال والجواب، أي أننا نحمل في داخلنا أسئلة يجيب عليها التقليد. لذلك لم يعد الماضي قديمًا أبدًا ؛ بل هو ضروري لفهمنا للحاضر. سيُظهر الجزء الأخير من الحقيقة والمنهج لماذا يعتمد فهمنا للعالم، في المقام الأول، على اللغة. وهكذا تصر الهيرمينوطيقا على الطابع اللغوي لكل فهم وكذلك على انتمائنا إلى العالم. اللغة، التي تعمل كوسيط لتجربة المعنى، تشكل أفقنا للفهم، أو الأفضل: هيكل فهمنا. وهذا يؤكد لـغادامير أن كل ما يُفهم هو اللغة، أي موضوع الحوار. أخيرًا، غادامير، الذي سيتم انتقاد ومناقشة تأويلاته من قبل الفلاسفة المعاصرين العظماء ج. هابرماس، ك. سيكون أبيل وج. دريدا حريصين على الرد على النقد والبقاء في حوار مع الفلاسفة الآخرين. إن الاهتمام الرئيسي لهرمينوطيقا غادامير هو فتح الفهم لجميع أعمال الإنسان، أي، وهذا يعني تعميم الفهم (الذي يقوم دائمًا على الحوار) لجميع الممارسات البشرية، حيث لا يفلت أي منها من اللغة. في عرضه الذاتي، كتب غادامير هذه الكلمات القوية فقط: "إن كونية المشكلة التأويلية، التي أدركها شلايرماخر بالفعل، تتعلق بكل ما هو عقلاني، مما يعني كل ما يمكن للمرء أن يسعى للاتفاق عليه. حتى عندما يبدو الفهم مستحيلًا، لأننا "نتحدث لغات مختلفة"، فإن التأويل ليس في نهاية موارده. وهنا، على العكس من ذلك، تنشأ المهمة التأويلية بكل حدة، وهي إيجاد لغة مشتركة ".

في حين أنه من الصحيح أن أهمية العمل تُقاس من خلال قدرته على تعليمنا شيئًا ما (على سبيل المثال عن حاضرنا)، ومقدرته على تحويل مجال كامل من المشاكل المعترف بها، لجعلنا نكتشف حقيقة حقيقية. يعد  عمل غادامير الأرض المجهولة عملا مهما. نحن نواجه عملًا كلاسيكيًا تمامًا (نقد الوضعية المحدودة وإعادة تأسيس منظور غير محدود) الذي تنبع قوته في التوضيح من التقليد الفينومينولوجي (ما بعد الهوسيرلي) بأكمله، بقدر ما يفترض علاقته مع كانط. بعد قولي هذا، يلقي المؤلف بالتأكيد ضوءًا خاصًا على مجال العلوم الإنسانية، لكنه يتلقى الفهم كشكل من أشكال تنظيم الرابطة الاجتماعية التي تتجاهل إلى حد كبير المشكلات الاجتماعية والسياسية. كل شيء يبدأ بفكرة إرشادية موروثة: هل يستحق الإنسان أي شيء آخر غير المعرفة التي يصنعها بنفسه؟ ويتوقف كل شيء أمام المشهد الحقيقي للتاريخ الذي لم ينجح في اكتشافه بمصطلحات جديدة (وأقل من ذلك لأن التاريخ معه "ماضي" بدلاً من "ما يجب القيام به").

من الواضح أنه لا يستطيع تجنب الوقوع في "الدائرة التأويلية" التي كثيرًا ما يتم التنديد بها (على نحو مثير للفضول، من قبل هايدجر، الذي يدعي غادامير بشأن نقاط معينة، ولكن أيضًا العديد من النقاط الأخرى). هذه "الدائرة التأويلية"، أو مجيء الفهم وذهابه، تستند إلى سر انتمائنا إلى اللغة. إلى الحد الذي تصل فيه الهيرمينوطيقا إلى فهم ما يسيطر علينا43[43] وفهم ما كان دائمًا ما يشغلنا، لا يوجد فهم بدون تفسير توقعي، ولا تفسير بدون فهم . ليس الأمر أننا نفترض مسبقًا ما يجب إثباته، لأننا سنكون في إطار معرفي، ولكن…. يعتمد الفهم على الافتراض المسبق للمعنى وفي نفس الوقت ينطلق من توقعه44[44]. لذلك يستغرق الفهم المسبق للفهم. ولكن فوق كل شيء، هناك أيضًا، في قلب هذه الفلسفة، فكرة الخلفية التي لا يمكننا فعل أي شيء حيالها: "القوانين الأساسية لكياننا، بعيدًا عن اعتباطنا، ولم يعد الأمر متروكًا لنا ولكن لتكريم"45[45].

لقد عرف هانز جورج جادامر على أنه فيلسوف ألماني وتلميذ هايدجر، واشتهر بأنه أحد أهم منظري الهيرمينوطيقا من خلال عمله الرائع الحقيقة والمنهج الذي طور فيه نظرية في التأويل ركز على علاقة اللغة بالوجودي. كما وضع أساس هذا التأويل من خلال استلهام عناصر معينة من الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة المسيحية. لقد عمل غادامير أيضًا على أفلاطون وهيردر وجوته، لكن معظم تفكيره ركز على علوم العقل وعلاقتها بالتأويل، ومن المعروف أنه خلال الحرب العالمية الثانية، كان قد ألقى محاضرة في مايو 1941 في المعهد الألماني بباريس، بعنوان هردر ونظرياته للتاريخ، ظهر فيها بشكل لافت كخصم التنوير الفرنسي. فقط بعد الانسحاب المؤقت لهيدجر من المشهد الفلسفي، خلال الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد اختفاء هذا المشهد في عام 1976، سيعرف غادامير شهرة متزايدة. في السنوات الأخيرة من حياته، واصل غادامير اتخاذ موقف بشأن التطورات السياسية العالمية، كما حرص على إلقاء جملة من المحاضرات أو استقبال محاورين لإجراء محادثات في منزله في هايدلبرغ. ظهر مقابلات مع تلميذه ومترجمه، ريكاردو دوتوري، مرة أخرى بمناسبة عيد ميلاده الـ 102 في فبراير. في هذا العمل، بعنوان درس القرن، استعاد غادامير تطوره الفلسفي بالكامل خلال القرن العشرين وعرض جملة أفكاره. لكن كيف أعاد وريث الأنوار الفرنسية بول ريكور الى الهرمينوطيقا النقدية الأسس الابستيمولوجية المنهجية للتفسير التي كان غادامير قد أهمله؟

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................................

الاحالات والهوامش:

[1] Gadamer, H.-G. vérité et méthode, les grandes lignes d’une herméneutique philosophique, traduit par Pierre Fruchon , Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition Seuil, Paris 1996, p.511.

[2] Gadamer, H.-G., La philosophie herméneutique, Paris, Coll. Épiméthée, PUF, 1996, p02 .

[3] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op.cit, p47-p83

[4] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, les grandes lignes d’une herméneutique philosophique, traduit par Pierre Fruchon , Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition Seuil, Paris 1996, op.cit, p34.

[5] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op.cit, p05.

[6] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode,op.cit.p13.

[7] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode,op.cit.p29.

[8] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit.p32.p505.

[9] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode,op.cit.p407.

[10] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op.cit, p37.

[11] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit.p516.

[12] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p83.

[13] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit. p27.

[14] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit. p411.

[15] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p93.

[16] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p08.

[17] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit. p425. p463.

[18] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p29.

[19] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit.p407.

[20] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op.cit.p406.

[21] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p467.

[22] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p30.

[23] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p12.

[24] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p37.

[25] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, p12.

[26] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p09.

[27] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, p291.p298.

[28] Voir Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, note, p301.

[29] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p36.

[30] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p36.

[31] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, p470.

[32] Gadamer Hans. Goerge, art de comprendre II, p193.

[33] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, p500.

[34] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p34.

[35] Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, op. cit, p510.

[36]Voir Gadamer Hans. Goerge, art de comprendre.

[37] Gadamer Hans. Goerge, art de comprendre .II, p143.

[38] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p30.

[39] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p33.

[40] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p88.

[41] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p35.

[42] Gadamer Hans. Goerge ,  au commencement de la philosophie, traduit par Pierre Fruchon, édition Seuil, 2001.

[43] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit,p106.

[44] Hans. Goerge Gadamer, vérité et méthode, .op.cit. p.312.

[45] Gadamer Hans. Goerge , La philosophie herméneutique, op. cit, p30.

المصادر والمراجع:

Gadamer Hans. Goerge, vérité et méthode, les grandes lignes d’une herméneutique philosophique, traduit par Pierre Fruchon , Jean Grondin et Gilbert Merlio, Edition Seuil, Paris 1996.

Gadamer Hans. Goerge, La philosophie herméneutique, traduit par Jean Grondin Coll. Épiméthée, édition PUF, Paris, 1996,

Gadamer Hans. Goerge, L’Art de comprendre. Écrits II, traduit par Pierre Fruchon, édition Aubier, Paris, 1991.

Gadamer Hans. Goerge , au commencement de la philosophie, traduit par Pierre Fruchon, édition Seuil, 2001.