 أقلام فكرية

افق التوقعات ومفاهيم اخرى في التلقي

محمد كريم الساعدييعد كل من (هانس روبرت ياوس) و(فولفغانغ أيزر) اهم منظرين رئيسيين لنظرية التلقي الأدبية، ويعد (ياوس) من أبرز المتأثرين بمفاهيم (غادامير) التأويلية، وبالأخص مفهوم (الأفق التاريخي) الذي طوره في نظرية التلقي إلى (أفق التوقعات)، إذ يرى ياوس أن العمل يشتمل في وقت واحد على النص بوصفه بنية معطاة، وعلى تلقيه أو على إدراكه إدراكاً حسياً يقوم به القارئ أو المشاهد، بمعنى ان العمل الأدبي يتكون من محورين أولهما النص كبنية أبدعها المؤلف، والثاني تلقيه من القارئ، ويتشكل معنى النص في تجدده الدائم، معنى متجدد هو نتيجة تطابق واتحاد عنصرين : أفق التوقع المفترض في العمل وأفق التجربة المفروضة في المتلقي، بحيث تجري عملية الاتحاد والتطابق في أفق توقعات المتلقي الذي يمثل الفضاء الذي تتم من خلاله عملية بناء ورسم الخطوات المركزية للتحليل ويتشكل أفق التوقعات لدى المتلقي من ثلاثة عوامل أساسية هي التجربة المسبقة التي يمتلكها الجمهور عن الجنس الأدبي، ثم شكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها ثم التعارض القائم بين اللغة الشعرية ولغة الممارسة،أي التعارض بين لغة الخيال ولغة الواقع اليومي، ويؤكد (ياوس) على اللحظة الأولى للفهم على اعتبار أن استقبال العمل الأدبي في اللحظة الأولى يتضمن اختبار قيمته الجمالية بالمقارنة مع أعمال تم تلقيها سابقاً . أن عمل المتلقي وفق مفهوم (أفق التوقعات) يعطي إمكانية ربط العمل الأدبي مع تاريخ استقباله، ولا يستطيع الفصل بينهما، لذا يصبح العمل وسيطاً بين الأفاق وبالتالي فهو غير مستقل عن أي أفق من الأفاق   وبما أن النص غير مستقل، وافقنا الحاضر في تغير، فأن اندماج الأفاق يتعدل من خلال عملية الاستمرار والتواصل الحاصلة بين الأفاق لذا فأن فهم النص أصبح ممكناً بهذا الاندماج وأصبح وظيفة التاريخ، وباختصار فأن النص يفهم في مدى ملاءمته أكثر من كونه وحدة ثابتة، وبالتالي فأن العمل الأدبي يتشكل في ذهن المتلقي، حيث يبدأ هذا التشكيل منذ الاستقبال الأول له ويأخذ بالتكامل تدريجياً من خلال مجموعة الإعلانات والإشارات الظاهرة أو الكامنة، ومن الاحتمالات الضمنية والخصائص المألوفة ليكتمل أفق توقعات المتلقي وصولاً إلى المعنى، والمعنى هنا يتغير كلما اختلفت وتغيرت شروط التلقي التاريخية والاجتماعية .

إذن فعملية التلقي عند (ياوس) في ضوء مفهوم (أفق التوقعات) هي عملية اتحاد وتطابق بين الأفاق التي يتضمنها العمل الأدبي في داخل فضاء التلقي لدى القارئ (المتلقي) لتنتج عملية بناء المعنى وفق عملية تكوين مركزية تساهم فيها مكونات أفق توقعات المتلقي الثلاثة، التجربة المسبقة عن جنس العمل لدى الجمهور، وشكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها والتعارض بين لغتي الخيال والواقع اليومي .

أما (فوفغانغ أيزر) الذي قام بتأسيس طروحات خاصة بالتلقي منطلقاً من بعض مفاهيم (هوسرل) و (أنجاردن) التي أسس من خلالها مدخلاً لتحليل عملية القراءة يتشكل من أبعاد ثلاثة هي : النص والقارئ وأهم من هذا وذاك الظروف التي تحكم عملية التفاعل بينهما . لقد وضع (أيزر) عدداً من المفاهيم التي يقوم على أساسها تلقي العمل الأدبي، ويأتي في مقدمتها (القارئ الضمني) : وهو بنية نصية تتوقع حضور متلق دون أن تحدده بالضرورة : أن هذا المفهوم يضع بنية مسبقة للدور الذي ينبغي أن يتبناه كل متلق على حدة أن القارئ الحقيقي أياً ما كان وكيف ما يكون، فأنه يسند له أساساً دور خاص يقوم به، وهذا الدور هو الذي يكّون مفهوم القارئ الضمني.

أما المفاهيم الأخرى التي استندت عليها طريقة تلقي العمل الأدبي عند (أيزر) فهي مفهوم (الفراغات)، ومفهوم (وجهة النظر الجوالة) ومفهوم (المركب السلبي) .

أن مفهوم (الفراغات) في النص و (عمليات النفي) هي التي تحقق فعل التواصل لدى المتلقي، فالتواصل الناجح يتحقق عندما تكون عملية القراءة محكومة بالنص، أي عن طريق اكتشاف الفراغات فيه، وهذه الفراغات تمثل ما يخفيه النص، وهي تلك المساحات في النص التي يقوم عندها القارئ بصنع العلاقات. ويأتي بعد ذلك دور عمليات النفي التي تختص باستحضار عناصر مألوفة أو محددة ثم تقوم بنفيها إلا أن ما ينفى يبقى موضوعاً في الاعتبار، ومن ثم يكون مصدراً لأحداث تعديلات في اتجاهات القارئ إزاء ما هو محدد ومألوف.

أما المفهوم الثالث فهو مفهوم (وجهة النظر الجوالة) التي تعد وسيلة من وسائل وصف الطريقة التي يكون بها القارئ حاضراً في النص . ويقع هذا الحضور عند نقطة التقاء الذاكرة والتوقع . وتحدث الحركة الجدلية الناتجة عن ذلك تعديلاً متواصلاً للذاكرة وصولاً إلى فهم النص، أي من خلال التفاعل الحاصل بين بنيات النص المتجزئة أو المتفاعلة فيما بينها، وينتج من هذا التفاعل الحاصل توليداً لنشاط أساسي يوصل القارئ المتلقي إلى فهم النص . وهذا النشاط الأساسي يعتبر نشاطاً ذاتياً " نتاجه المعنى الذي يرشحه الفهم والإدراك.

أما المفهوم الأخير، فهو مفهوم (المركب السلبي) الذي يصفه (أيزر) بأنه   نشاط القارئ في إنتاج الصور . فعندما نقرأ نصاً نكون بوعي أو بلا وعي في حالة تركيب صور، وهذه الصور هي موضوعات من نتاج مخيلة القارئ، والقارئ بالنسبة (لأيزر) حر في تشكيل صورة العمل الأدبي و بطرق مختلفة وليس هنالك من تفسير لمفردة تستطيع أن تستنفذ كل دلالاتها الكامنة . ولكن هذا الكلام يحدد بقاعدة قوية . يجب على القارئ أن يبني النص ليجعله متناغماً من الداخل هي عملية تفاعلية تقوم على القصدية في إشراك الذات المتلقية في عملية بناء   المعنى، وظروف التفاعل مقرونة بوجود عدد من المفاهيم الأساسية وهي (القارئ الضمني) و(الفراغات) و(وجهة النظر الجوالة) و(المركب السلبي)، وهذه المفاهيم تساعد في التحكم بالعملية التفاعلية بين بنيات النص المتجزئة لتولد نشاطاً ذهنياً يوصل المتلقي (القارئ) إلى فهم العمل الأدبي .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4244 المصادف: 2018-04-19 01:19:40