 أقلام فكرية

المعرفة .. نافذة على صناعة مجتمع خلاَّق

طالب محمد كريمعادة ما نكتشف من خلال قراءتنا الثقافية منها او التخصصية ان عملية التحولات الفكرية في التاريخ الفكري للفرد، تكاد تكون أمرا طبيعيا. الا ان هذه الخصوصية تكون مقبوليتها مشروطة في عالم الفكر والفلسفة، وهذه المشروطية تكشف عن نفسها بعد انتفاء الدوغمائية والوثوقية المعدمة المرتكزة على الذاتوية لهذا الانسان او ذاك. والعمل على تنقية النفس الانسانية من القيودات التي تتحول الى سياجات لحركة الفكر السائحة في عالم المفاهيم والمقولات والمنتوجات . كذلك آليات تحرر الفكر وترويض النفس تعتمد على الاعتراف الداخلي (حركة الفكر داخل الفرد) والخارجي (حركة الفكر خارج الفرد- العالم)، لفكرة الحقيقة الناقصة. وان الاعتراف بان التحول الفكري بانه أمرا طبيعيا، ليس أمرا هينا وسهلا"، بل لا بد من ان تسبقه عملية ترويض للفكر وحركات النفس التي تتصارع مع الحقيقة، هذا التصارع قد يكون مخفيا او مسكوتا عنه الى حد كبير، حيث يتبلور هذا الصراع ويكبر وكأنه ينمو بصورة مستورة لا يمكن الكشف عنه او الوقوف عليه الا حينما يسبق الانسان قناعة بان الحقيقة ناقصة، وما يصل اليه العقل يمثل مسارا طويلا لينضج مفهوما ينطبق على الواقع، وبما ان الواقع متغير فذلك يعني الإلزام الخلقي للباحث او المفكر في تغيير قناعاته تجاه الاشياء وهذه القناعة المبدئية يحصل عليها من خلال (ان العالم متغير وان الصيرورة هي جوهر الوجود).

الى هنا يمكن ان نسجل موافقة اجمالية حول هذه الأفكار. ومن هنا احاول ان أغذي أصل الموضوع من خلال طرح السؤال التالي:

هل يمكن لكل الأفراد المجتمعين في مكان معين ومحدد والذين يشكلون مجتمعا" ما، عليهم ان يؤمنوا بهذه القواعد؟

وإذا كان الجواب يؤشر معنى" نسبيا" في الاتفاق والاختلاف مع هذه القاعدة، فكيف يمكن اذن للباحث ان يعتمد المعطى؟ وخصوصا اذا ما عملنا على الفصل بين المنتوج الفكري الصناعي (احاول ان أرد هنا على اصحاب المنتوج الفكري الطبيعي، باني أميز بين صناعة الأفكار التي تمثل جمالية الإبداع لانها تحرر المفردة وتنزل بها الى الواقع العملي والحقيقي لأصل الحياة)، وبين المنتوج الفكري الطبيعي (الذي لا يختلف ولا يتميز عن الكائنات المفكرة الاخرى)؟

في اجابة الشق الاول من السؤال:

نعتقد في أجابتنا ان مناهج التفكير وتعددها يدل ذلك على ان الإيمان بوحدة منهج الحقيقة تكاد تكون عملية صعبة ومعقدة للغاية، وهذه الصعوبة ناتجة بسبب الأزمة التزامنية اللغوية التي تلبَّس بها الأغلب وكأنها رداء مقدس، والامر الاخر بسبب التطورية آلتاريخية التي سببت قطيعة معرفية، بمعنى اخر اذا شاخت الأفكار فتبدأ بكتابة وصيتها الاخيرة ليحتفظ بها الغير في متاحف الكتب، اي انها تعلن عن موتها الحتمي، وهذا ما يحدث غالبا" في الاديولوجية السياسية، خلافا" للنظريات العلمية او الفلسفية التي تكون دائما محلا "للنقد والفحص والتقييم والذي لا يحتاج الى استئذان وتصريح، بل هو أمر طبيعي في سياقات وتاريخ الأفكار. أما الأفكار السياسية فغالبا" ما انها تتعارض وتتصادم مع الاخر لتجعل منها ذلك المقدس الذي لا يدنّس.

ويمكن ان نستعين بالتجربة الماركسية اللينينية، اذ كانت الماركسية في ذروتها ولا زالت تتنفس الصعداء الا في عالم السياسة فإنها لن تقاوم الا عقود بسيطة قياسا بعمر النظرية ومرمى طموحها من المستقبل ولَك بالتجارب الاخرى التي تُكوّن نتيجة للمقدمات التي عرضتها سابقا.

ونعود الى الشق الثاني من السؤال مع اختلاف النسب المتوافقة او المخالفة، اعتقد جازما ان نسبة الدوغمائين هم النسبة الأكبر مقابل المتحررين والباحثين نحو الحقيقة . ومع الحسرة التي يجرّها المفكر والتي تشعره في غربته الإنسية والاجتماعية كما(الفلاكة والمفلكون)، التي على شاكلة المقولة (طوبى للغرباء ...)، على الرغم من ذلك فإنها تمثل المعنى الحقيقي للديالكتيك او الجدل الفكري الذي ينتج تاريخا متحركا نحو الاهداف التي يريد تحقيقها جملة المتنورين واصحاب المنهج العقلي السليم .

والسؤال الاخطر من كل ذلك:

كيف يمكن ان يبنى مجتمعا يمتلك نموا معرفيا، يستطيع من خلال هذا الوعي المدرك للاشياء التي تحيط به، ان ينتج نظاما اجتماعيا يعي روح القوانين الذي يقفز بالواقع الفوضوي الى واقع نظامي ؟

وأحاول الرد على التساؤل الطبيعي الذي جاءت طبيعته من طبيعة المجتمع الافيوني الذي يحاول ان يقنع فطرته بتلك الاجوبة المحلّقة في فضاء الفرضيات الواهمة . وجوابي للمسألة ببعدها الروحي والمادي، لا يتفق في وجوب نهضة الدولة وبناء حضارة في مجتمع متكامل بالمطلق . بل ان دراسة انتروبولوجيا الماضي وطرح الأسئلة والتحقيق والنظر الى الحاضر، نخرج في نتيجة ان الدولة او الحضارة تحتاج في قيامها ونهضتها الى نخبة مميزة تمتلك ملكات وطرق التفكير وتنتج مبادئ ومفاهيم تستخدمها الدولة حينئذ لتفرضها كقوانين اجتماعية في الحياة، ولا يتصور احد من ذلك انها دعوة لسلطة ايدولوجيا جديدة، اذ ان وجود النخبة الميزة التي تعمل وفق متطلبات الواقع في اندفاع العقل ومنهاج التفكير السليم ستنقل مفهوم السلطة من السلطة السياسية الى السلطة المعرفية.

 

د. طالب محمد كريم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4259 المصادف: 2018-05-04 13:39:40