 أقلام فكرية

نقد العقلانية الكلاسيكية.. تعـدد العـقلانيات نتاج حركة التاريخ

علي رسول الربيعيتكشف تاريخيًة العقل عن تعدد العقلانيات في الفلسفة الأغريقية والرومانية والعربية -الاسلامية والمسيحية، وفي الفلسفة الحديثة مثل العقلانية الديكارتية، والتجريبية الأنجليزية والجدلية الهيجلية، والمادية الماركسية، والبرغماتية والوضعية المنطقية وغيرها التي تجلت عمومها في مسارها التاريخي عن أن تعدد العقلانيات هو نتاج العقل في سياق حركة التاريخ. لقد قدمت الفلسفةُ العقلانية ابان عصر التنوير وامتداداتها حتي مابعد القرن التاسع عشر تصورا أيديولوجيا للعقل قوامه أن هناك مفهوما واحدا وثابتا للعقل يستغرق كل أنماطه ومعانيه؛ وأن هذه العقلانية التي يمكن تسميتها اصطلاحا "العقلانيًة الكلاسيكية " تعتبر أي فهم للأفكار خارج نطاق نظامها لا يكتسب صفة المعقولية بشكل كامل؛ لكن البحث الجينالوجي- النسابي يُبين أن كل نمط من أنماط العقلانية هو أحد انظمة العقل في مرحلة فكرية تاريخية معينة.

يَكْشفُ المنهج الجينالوجي عن شكلِ العلاقةٍ بين مفهومِ للعقل ونـمط من العقلانية تدعي تمثيلها لهذا العقل بشكل كامل، بوصف الجينالوجيا تهتم بالبحث عن أصل ونسابية وجذر الفكرة و / أو الحدث ليس طبقا للمنهج التاريخي الذي يتابع نشاة الظاهرة ومسارها اللاحق وتطورها، ولكنها، أي الجينالوجيا تلاحق من موقع الحاضر في ماوصلت اليه الفكرة / الحدث و تكشف التاويلات التي مرت بها والاقنعة التي تلبستها في مسارها التاريخي، أي تعود الجينالوجيا من الحاضر الى الماضي لا تاريخيا من الماضي الي الحاضر في متابعة تطور الأفكار في سياق كورنولوجي؛ فالجينالوجيا تكشف العلاقة الموًحٍدة والاستغراقيًة بين مفهومي العقل والعقلانية من خلال العودة للنظر في المسارِ التاريخي المُشَكْـل لنظام تأسيس مقولات هذه العقلانية وابنيتها النسقية التي تدعي الثبات والوحدة، وتكشف،أيضا، كيفية تلبًسها مفهوما معينا للعقل يتمتع بالثبات والوحدة، وتقوم بأبراز مواقعيًتها ونسبيتها. ولا يمكن بالتالي أعتبار أن هناك أتجاها واحداً لمنطق العقلنة لاسيما بعد الصدمات التي أخترقت صميم منظومات العقلانية، والزحزحات التي اصابت مدلول العقل نفسه.

منطقية العقل العقلاني

تعبر الأنظمة العقلانية عن نظرة نمطيًة لمفهوم العقل حيث تعتبر العقل الذي ينتج عقلانيات متعددة في تاريخه له صيغة وشكل واحد طول مراحل التاريخ، وأن هناك نظاما فكريا عقلانيا يعد نفسه هو العقل عينه في خط متواصلا طوال تاريخ الفكر (الفلسفي) ويري أن هناك اتجاها آخر بخط مناقضا له لاعقلانيا، فيعد هذا النظام العقلاني بصيغته" العقلانية الكلاسيكية " أنه يمثل العقل بشكل كامل و مطلق يقابله اللاعقل ويحاول أن يفسد عليه حضوره الكلي في التاريخ، منطلقا من خطاطة تاريخانية هي نوع من القراءة الأيديولوجية التي تقيم معنىً للعقلانيًة وفق قوالب جاهزة للتصنيف.

تصور عصر التنوير الغربي للعقل

تُقَدمٌ العقلانية الكلاسيكية تصورا مسبقا عن العقلِ يحدده كمفهوم ثابت وشكلانيًة سكونية تطبعٌ أفكارأ معينة، في حين أنً هناك أفكار أخرى تعدها مناقضة لهذا التصور؛ أنها تعتمد هذا التصورَ كمعنى عام للعقل؛ لكن الكشف عن اصلِ هذا التصور للعقل يبين انه وليد عصر التنوير الأوربي الذي يعد العقل ( المستقل) جوهرا حاملا كل الصفات والخصائص المطلقة. فترسم العقلانية الكلاسيكية تصورا للعقل بوصفه العقل الناميً في سياق تاريخي متصل، ويٌطبق على تاريخ للعقلانية بوصفها دأب دائم لبلوغ الحقيقة والصواب وتجاوز الخطأ. انه يحكم على أنظمة الفكر وفقا لمنطق ثنائي القيمة وأستراتيجية في الفصل بين " المعقول" و " اللامعقول "، مستعملا مفاهيم كـليًة ميتافيزيقية لاتاريخية يُصدر طبقا لها أحكامه القيميًة.

تعبرهذه العقلانية عن التفكير بميكانزم (آليًة) أحد أنظمة الفكر الغربي مضفية على العقل معنىً وحيدا ويسلك دروب مرسومة ؛ أنها تفصل بين تاريخ مستمر للعقلانية عن آخر مختلف للاعقلاني. لذا لايمكن لهذا التصور القبول بنسبية المعني الواحد للعقل والأشكال المتعددة للعقلانية؛ فـتستمر عنده نـظرة الموازاة والصراع بين خطين فكريين عقلاني ولاعقلاني؛ معتقدا أن هناك عقلانية نقيًة تُقابلها وبجمعِ عامِ فلسفات الشك بالعقل والإيمان بقوى أخري. غير أن الشك بالعقل شئ والشك بعقلانية معينة شئ آخر؛ أما الايمان بقوى أخري فشئ مختلف لايناقض العقل وليس في عداء معه، ولكن أبستمية (نظام الفكر) " العقلانية الكلاسيكية " تتبني مفهوما للعقل هي العقلانية العلمويًة الباترة التي فهمت منطق العقل على أنه يُمثلٌ اتجاها ماديا وضعيا الحاديا ضد الدين؛ والحقيقة هذا فهم واحد من أنواع متعددة للعقلانية طوال تاريخ الفكر الفلسفي.

اتجاهات تاريخ الفكر الفلسفي

يُهَيمن على نظام العقلانيًة الكلاسيكية تصورا مسبقا لاتجاهين متناقضين في بنيتهما و متخالفين في حركتهما طوال تاريخ الفكر الفلسفي، الاول مادي الاتجاه والثاني مثالي الهوية والتفسير. أنً هذا التصور ناتج عن نظرة تعميمية تبسيطية لتاريخ الفكر الفلسفي ظهرت في القرن التاسع عشر بتأثير فلسفة للتاريخ ذات التقسيم الثنائي، سلالة مادية عقلية وأخري مثالية لاعقلية،وتعرض هذه النظرة مفهوما للتقدم بوصفه سلسلة من التطور والنمو الذاتي طول مراحل التاريخ.

أن التفلسـف وفقا لرؤية العقلانية الكلاسيكية لا يكون عقلانيا الا بصروح كليًة متماسكة البناء الشكلي؛ وكذلك لابد ان يخضع القول الفلسفي لنسق متماسك على طريقة المذهبية الفلسفية التي تقدم تفسيرات شاملة حتى يحوز على معنى المعقولية ويكون دليلا عليها؛ ثم تتجه هذه العقلانية الي اصدار احكام قيميًة تَصفُ بعض الفلسفات. وهنا نضرب مثلا على تلك الفلسفات التي تعتبرها لاعقلانية كفلسفة نيتشه غير النسقية والتي لاتخضع لتلك الشروط فتصفها بالاعقلانية.

إن هذا الحكم هو نتيجة للوقوع في دائرة الفهم الكلاسيكي للعقل وغير المتمثل للفكر النيتشوي المُـعَرًي في منهجيتهِ الجينالوجية لميتافيزيقا نماذج الأحكام الاخلاقية المشكلة لهرم البناء الفكري ــ المذهبي والتقييم(الغربي)، وكشف محجوب هذا النمط من المعقولية وأصول تكوينها؛ فقد ضرب نيتشة الثنائيات الوجودية والفكرية التي تمثل دعامة وسندا للقول الفلسفي التقليدي، مثل المقابلة بين الحقيقة والخطأ، والحسي والعقلي. اما فرويد بكشفه عن منطقة اللاوعي فلم يكن لاعقلانيا على ماتحكم هذه العقلانية، بينما قلبت تحليلاته النفسية مفهوم الشخصية قلبا جذريا من خلال ابتداعه لمفهوم اللاشعور الذي يعد عنده اساس التحكم في السلوك الواعي للشخصية وبموجب ذلك لم يعد يتحدد الانسان بوصفه وعيا وإرادة حرة بقدر ما اصبح يتحدد بوصفه خزانا لا شعوريا تعتمل فيه طاقة متفجرة من الرغبات الحيوية التي تفوق سلطة الوعي وضوابط العقل ذاته. لقد وطأ أرضا بكرا وسع بها من جغرافية العقل الى مساحات جديدة لم تكن متعقلة من قبل، وفتح ريادة للعقل بابراز المؤثرات الفاعلة في حقيقة فهم منطق الوعي واقامة تعقيل ما كان لامعقولا، مبينا في هذا المجال أنً المرمي باللامعقول ما هو الا إمكان عقلي يعيد بناء مفهوم العقل ودلالاته.

وقد كشف عن هذا هايدجر حينما شرع في ارجاع التحولات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي الى مجرد تحول في كيفيات تأويل الوجود ونمط الحقيقة ضمن الخط العام لجوهر (الميتافيزيقا) الذي شهد تعديلات مهمة مع ديكارت ثم نيتشة لاحقا، ولكن دون أن يمس ذلك جوهر (الميتافيزيقا) ؛ (وحول تفصيل هذا انظر كتاب هايدجر بعنوان نيتشة والفلسفة ، الجزء الأول). وكذلك تابعه ما يعرف بفلاسفة الاختلاف على هدم التراث العقلي للفكر الغربي على النحو الذي أقام أسسه تقليد عصر التنوير منذ القرن السابع عشر. فقد وجه فوكو ضربات قوية وصارمة في كتابه " الكلمات والاشياء " و " حفريات المعرفة " لادعاء هذه العقلانية الامتداد على مـسار التاريخ بشكل متصل وتكاملي مبرًزا الانفصال بين انظمة الفكر في سياق اختلاف مراحل التاريخ، و أيضا، أبرز القطائع في اسس ابنية العقل ذاته. فقد قام في تقويض مرتكزات النزعة الانسانية وبدهياتها ومختلف المفاهيم التي تسندها مثل العقل والوعي والإرادة الحرة ، والفاعل التاريخي الخ، بالاضافة الى جاك دريدا في " الكتابة والاختلاف "،"صيدلية أفلاطون " و " هوامش الفلسفة " حيث قوًض بناء العقلانية الكلاسيكية الميتافيزيقية من الداخل، وكشف الصفة النسبية لها والتي تُـعدالعـمود الفقري للفلسفة منذ افلاطون وحتى هايدجر، وأصبحت الحقيقة وفقا للمنهج التفكيكي فاعلية للدلالة اللغوية، وفنون البلاغة التي لا تربطها أية علاقة بمدلول أصلي ثابت ونهائي، لأنه ما من دلالة عنده إلا وتفضي الى دلالة أخرى الى ما لا نهاية له. و كذلك بحث دولوز في " الف سطح وسطح " عن منطق جديد يكسر مركزية العقل خارج اطار ثنائية ال " أما.. أو ".

وعليه فان القول بدخول الفلسفة الغربية في اللامعقول هو مظهر لانتكاس العقل والعلم معا، من قبل بعض حراس العقلانية الكلاسيكية الارثوذكسية، يدل على اختلاف دلالة اللامعقول، حيث ان اللامعقول وفق نظام هذه العقلانية مُبـعد بتضييق معني المعقولية وتسوير حدودها؛ ولكن هناك اكثر من هذا المعنى ومجال مختلف للامعقول.

أيديولوجيا العقلانية

تعبر هذه العقلانية الكلاسيكية عن موقف ايديولوجي من حيث صرامته التقيميًة وواحديته للمعنى والحقيقة، وتُصَنف الأفكار في خانات محددة سلفا برسم مصادراتهاالأولية وأحكامها الكلية. انه موقف يضع عقلانيته كممثلة للاتجاه التقدمي بشكل دائم. في حين أنً هذا التساوق الذي تقيمه بين " العقلانية " و " التقدم " ماهو الا مقدمة ايديولوجية ومصادرة أوليًة، فليس هناك أيً تلازم منطقي أو تاريخي بين الطرفين. وهذا الفصل الذي يٌرفع الى مستوي القطيعة النهائية بين العقل والاعقل لا يعبر الا عن منهجية ترسيمية لتاريخ الفكر بطريقة مانوية ونظرة معيارية بأحخكام مسبقة.

وهذا التصور نتاج مفهوم المتصل التاريخي الذي يـُضفي على حركةِ التاريخ معنى التوالي الضامن لمعرفة تقوم على التسلسل السببي فيكون السابق المُفَسْر والـمولًـد لـلاحقِ، من خلالِ تَبَنيه مفاهيم الكليًة، والتطوًر، والاستمرارية، والوحدة والتناقض.

العقل والأزمة

اما ما يثار من جانبِ ممثلي هذا التصور الأيديولوجي للعقل بخصوص أزمة العقل الغربي واعتبارها ازمة عند الطرف المتشكك وغير الواثق بالعقل يُطرح السؤال التالي: ألًم تَكنْ الازًمة طوال تاريخ العقل سببا في كسر دوغمائياته وخلخلة قوالبه وثوابته حتى لاتتحول العقلانية الى منظومة مفاهيم ارثوذكسية ومجموعة مبادئ قارة تحاصر المعني تحت بناء مقفل يكرر المقولات والمقدمات نفسها ؟ اولم تحدث القطائع الأبستيمولوجية بسبب الازًمة؟ فلابد اذن من توطين العقل في الازمة، فانجازات العقل الغربي لم تحصل الا نتيجةَ لأزماتهِ. الأزمة تحدث بفعلِ محاولاتِ ادخالِ التحولاتِ المعرفيةِ والانجازاتِ العلميةِ في عرباتِ البناءِ التقليدي للعقلانيةِ.

أنً الترهـيفَ المستمر للمفاهيمِ والقطائعِ الأبستيمولوجية داخل سياق النظريات العلمية يـُظهر عـَجزَ هذه العقلانية ومحدوديتها التفسيرية؛ فعلى سبيلِ المثالِ عجزت فيزياء نيوتن عن تقديمِ تفسيرِ مطابقِ لبعضِ الظواهرِ الطبيعيةِ مما أدى الى حصولِ ازمة في الفيزياءِ ما كانَ منها الًا أن أحدثتَ القطيعةَ والانفصال وَطٌـرِحتْ على اثرِها اسس ومفاهيم جديدة ذات تفسير أشمل مع النظرية النسبية. أنها ازمـة في الأسسِ والأصولِ والمُقَوماتِ لنمط معين من العقلانيات، وهي ناتجةَ عن فهمِ تعميمي لهذا النمط.

زحزحات في مدلول العقل

لقد حدثت زحزحات عديدة بالمعنى الفلسفي والمنهجي لمفهوم العقل وقطائع ابستيمولوجية مع نظام العقلانية الكلاسيكية على أثر انقلاب السياقات المعرفية التي حصلت في اللسانيات والتحليل البنيوي لمنطق اللغة؛ والتحولات الأبستيمولوجية، وإعادة تقيـيم النظام العقلاني السائد من موقع التفسير البنيوي اللغوي للاوعي (جاك لاكان) الذي اعاد صياغة الرابطة بين بـنية اللاشعور وكـلام اللـغة الترميزي، حيث تتم قراءة ظاهرة اللاشعور كما لو كانت تماثل بنيويا الظاهرة اللغوية نفسها، أو قل هي اللغة ذاتها، أين يكون المعقول طريقا " للامعقول " والوعي طريقا للاوعي، وأفـتتاحات مناهج تحليل الخطاب والتاويل(الحقيقة والمنهج و" صراع التفسيرات عند غادامير وريكور). و فلسفة المنفصل التاريخي (مدرسة الحوليًات، بروديل (البحر المتوسط في عهد فليب الثاني)

تاريخ ايديولوجي للعقل

العقلانية الكلاسيكية حصيلة مٌرَكَبة وتصْنيفيًة لتاريخِ ايديولوجي للعقلِ أٌعيدَ بناؤه طبقا لتصورات مسبقة مثلتها عقلانية عصر التنوير والعقلانية العلموية الدوغمائية السائدة في القرن التاسع عشر والتي رسمت الحدود القارة لجغرافية العقل وفصلت بشكل قاطع بين " المعقول" و " اللامعقول ". ان هذه العقلانية الكلاسيكية تُقصًي اللامعقول بعيدا عن دائرة العقل بدلا من معاينته والتفكير به واستحضاره الي دائرتها بوصفه لامفكرا فيه بعد. فغالبا ما تضع العقلانية مقولاتها الجاهزة بشكل متعالي لاصدار احكامها القطعيًة بين العقلي واللاعقلي. فمن اللامفكر فيه بالنسبة لهذه العقلانية هو أن ما من فكر الاً وله معقوليته، ولا يوجد خطاب يخلو تماما من منطوق العقل، فـلكل خطاب أدواته المعرفية ومفاهيمه الاجرائية التي يستعملها في التحليل والتفسير.

ميتافيزيقا العقل

لا يكترث نظام العقل الكلاسيكي لتحولات أبستيمولوجية عديدة ترفض هذا الفصل الصارم والقاطع بشكل مسبق بين العقل واللاعقل. وكان الأحرى بهذه "العقلانية الكلاسيكية ان تحدد نمط كل معقولية في فضائها المعرفي وتضعها على محك المساءلة في ما اذا كانت تدعي انها التعبير الوحيد عن حقيقة مطلقة لمفهوم العقل حتى تصل لاكتشاف وجود انماط عديدة من المعقولية لاتمثل أيً منها حقيقة نهائية او مقياسا لكل تعقل، فبعض الانساق الفكرية التي تعتبر ممثلة لمعني العقلانية ما هي الا منـظومات تاويًل كبري، بحسب بول ريكور.

ان مثل هذا الفهم يجعل العـقل يفتح امكان على اللامعقول ولا يوصد الدروب لعقلنته ويعيده بوصفه لامُفَكَرا فيه بعد. فارتياد اللامفكر فيه يوسًع من مجالِ العقلِ ويضعه امام مهمة المراجعة الدائمة لأسسه ومقولاته و أطره المعرفية التي تتبدل بأستمرار ؛ فكل توسع لمجال العقلنة هو انفتاح علي ما لم يعقل بعد. لقد حدثت خلخلة شديدة لأصول ونظام العقل الكلاسيكي كشفت عن ميتافيزيقا معنى هذا العقل، و أظهرت أن لكل عقلانية منظومتها وسلطتها، ولكن لا كما يطرح وفق نظام العقل العقلاني من حصر التاثير في العوامل اللاتماثلية في الاتجاهات اللاعقلانية.

يعطي نظام العقلانية الكلاسيكية مدلولا ثابتا لمفهوم العقل يستبعد كل ما لا يتوافق مع تناسباته ومغالقاته مما يـُضيًق ويفقًر مفهوم العقل ذاته. أن العقلانية الكلاسيكية لاتنظر الى ما تسميه " اللامعقول " بوصفه الامكان المفتوح أمام العقل والذي لم يمارس عليه العقل حضوره بعد؛ في حين هو اللامفكر فيه بعد الذي كلما دخل بعضاً منه الى دائرة المفكر فيه توسعت حدود العقل، وانتقل العقل الي آفاق أبعد واكتشف مجاهيل جديدة لم تكن مكتشفة من قبل أو كانت تعد في مايقع في " اللامعقول "، اذن انتهاك حدود " اللامعقول " يوسع من أقطار دائرة العقل ويمدد أسواره الى مساحات جديدة لم تكن معروفة من قبل؛ ووفقا لرأي " غرانجيه "في دراساته عن الابستيمولوجيا ولاسيما كتابه عن "اللامعقول" لايوجد فصل نهائي بين منطق التشارك وآخر قائم على منطق العقل والطرفان يرجعان الى الاصل نفسه.

مطمح العقلانية

ليس العقل بناءا قارا له شكل تام ونهائي أو بنية تمـثليًة ثابته، بل له مستويات مختلفة؛ فلا يوجد عقل تصنيفي واحد ذو مركزية منطقية.إن تشكل المعارف ونمط المعقولية هو دائما تعبير عن نظام فكري قائم في مرحلة تاريخية معينة يتحول أو يتبدل في مرحلة لاحقة؛ وعليه ضرورة التمييز بين طموح العقلانية الكلاسيكية للكلية والشمولية ومواقعيتها التاريخية النسبية. وهذاالطموح دفعها الي نقل مفهوم المطلق واللامتناهي من الألوهية واضفاءه على مفهوم الانسانوية.

بعد تعريًة الجذر المكًون لتصورِ العقلانية الكلاسيكية الى مفهوم العقل، يكشف النقد الجينالوجي نسابية هذه العقلانية وأفتراضها المضمر للمماثلة والتطابق بين دال العقل ومدلوله، وهو مايؤدي الى اختزال مفهوم العقل وتحجيم المعرفة ومحاصرة مغامرة الاكتشاف. ويقويض هذا النقد مقولة كل ماهو واقعي عقلاني، فتكشف الجينالوجيا أن العقلنة قائمة على مفهوم واسع من الأسطرة، و ان العقلانية في قمة تجريداتها تبقي موشحة بالمخيال. ان نقد مفهوم العقلانية الكلاسيكية للعقل يغيير علاقاتنا مع مفهوم العقل ذاته عندما نكشف صلاته باللامعقول.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4296 المصادف: 2018-06-10 05:16:30