 أقلام فكرية

تأملات في الطبيعية النهائية للمادة

حاتم حميد محسنمع ان الفيزياء الحديثة اكتشفت الكثير عن بناء الذرة، لكن الفيزيائيين لم يقتربوا كثيرا من توضيح الطبيعة النهائية للمادة؟

ان نظرية فيزياء الكوانتم قسّمت الذرة الى عدد من الجسيمات الأساسية دون الذرة. ورغم ان الفيزيائي كشف عن ان الذرة ليست شيئا صلبا لا يتجزأ، غير انه لم يكن قادرا على ان يجد جسيما يمتلك بالفعل تلك الخصائص. ان الحديث عن الجسيمات هو امر مثير للالتباس لأن الكلمة تقترح شيئا ماديا. لم يكن هذا هو المقصود في استعمال الكلمة في فيزياء الكوانتم. جسيمات الكوانتم هي بدلا من ذلك، تجسيدات لأفعال وردود أفعال للقوى في مستوى دون الذرة. في الحقيقة، الفيزيائيون هم أقل اهتماما في البحث عن جسيم مادي يشكل الاساس في كل الاشياء المادية، هم اكثر اهتماما في توضيح كيفية عمل الطبيعة. نظرية الكوانتم هي الوسائل التي تمكّن الفيزيائي من التعبير عن تلك التوضيحات بطريقة علمية.

يرتكز العلم الحديث على دليل مادي تجريبي، ولكن اذا كانت المادة هي غير مادية مثلما تشير القوى الاساسية الفيزيائية physicists fundamental forces(1)، فان ذلك العلم سوف لن يكون قادرا على تفسير ماهية المادة. انه يستطيع فقط توضيح كيفية عمل الطبيعة من خلال ملاحظة التأثيرات على الاشياء المادية. في كتابه (In search of schrodinger’s Cat)، يقترح (Gribbin ) امكانية ان لا وجود حقيقي للجسيم حتى تتم ملاحظته. ان فعل الملاحظة يحطم وظيفة الموجة لكي يصبح احد النيوترونات(من بين العديد) جسيما حقيقيا. هذه الفكرة مشابهة للمثالية وجدالها في الظهور والواقع appearance and reality. (غربن) لا يذهب بعيدا في النقاش لذا سننظر في الحجة الفلسفية بدلا من الحجة الفيزيائية. الماديون يدّعون ان كل شيء هو اما شيء فيزيقي او مظهر لشيء فيزيقي، ولا وجود لشيء فيزيقي معتمد على الذهن. الشيء الفيزيقي ليس بالضرورة شيئا صلبا، وانما هو شيء ما يملأ حيزا بثلاثة أبعاد. حجم من الماء او غيمة من الغاز هي شيء فيزيقي مثلما هي الصخرة الصلبة. انتقادات النظرية المادية تتركز حول الجدال بان معرفتنا بالعالم هي فقط تصوّر في الذهن. لهذا، العالم هو معتمد على الذهن لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تصور اي شيء.

الجواب المادي لذلك النقد هو اذا كنا نتصور شيء ما في الذهن، فيجب ان يكون هناك شيء في الخارج يتم تصوره. يجادل رسل حول هذه النقطة في (مشاكل الفلسفة فصل 2، 3).

هذه الحجة تبدو اكثر اقناعا عندما يُنظر اليها مقابل الاشياء التي تنتقل من جيل الى آخر. عندما انظر الى لوحة بيزار Pissaro (Dulwich college 1871)، فانا اتصور نفس الشيء الذي رسمه بيزار وتصوره. ربما ايضا ازور كلية دولش واتصور البناية ذاتها. بمقارنة رؤيتي مع لوحة بيزار انا استطيع رؤية تشابه يكفي للافتراض اننا نتصور نفس الشيء العام المحايد. مفاهيميا، هذه الاشياء يجب ان توجد مستقلة عن الذهن الذي يتصورها.

من وجهة نظر الفيزيائي، المادة مهما كانت فهي توجد من وجهة نظر موضوعية محايدة، وهي مستقلة عن اي فرد واع. وباللغة المادية، المادة ستكون شيء عام محايد. غير انه تبقى امكانية الجدال حول ما اذا كانت مختلف اشكال الاشياء التي نتصورها يمكن اعتبارها كأشكال مختلفة للمادة. من الممكن ان تكون المادة شيء محايد عام نهائي يضم ويؤطر الاشياء العامة المحايدة التي نتصورها كأشياء في العالم. المادية تسمح للمادة باستقلالها عن الذهن، لكنها لاتزال بعيدة عن توضيح ما هية المادة. قبل ان ننتقل الى نظريات ميتافيزيقية اخرى، لننظر في احدى الهجمات على فكرة المادة لنرى ان كانت الاشياء تصبح اكثر وضوحا. (كليمبر) يعرض مثل هذا الهجوم في (الميتافيزيقا وحدة 2). تجربتنا عن العالم هي فقط تصوّر في الذهن. نحن لا نستطيع تجربة الواقع النهائي مباشرة، وانما فقط كتصورات في الذهن. المحصلة من هذه العقيدة هي ان تجربتي للناس الآخرين هي ايضا فقط تصورات في ذهني. لكي اتجنب الوقوع في الأنوية(الايمان بالذات فقط)، استطيع الاعتراف بان الآخرين لهم تصوراتهم الخاصة بهم عن العالم تماما مثلما لدي. كلانا لديه تصوراته لنفس الواقع النهائي. ولكن، بسبب اننا لا نستطيع ابدا معرفة الواقع النهائي مباشرة، فنحن لا نستطيع معرفة ما اذا كانت تصوراتنا حقيقية ام زائفة. كل ما نستطيع القيام به، من خلال الحكم على كل الرؤى الاخرى، هو الاتفاق على تصور للعالم الموضوعي. ذلك لا يعني ان الاشياء الفيزيقية في ذلك العالم الموضوعي لها اي حقيقة في ذاتها. الواقع النهائي يسمح لنا فقط ببناء نظرية لعالم الاشياء الفيزيقية. المادة، اذاً، هي ليست اكثر من بناءات لتلك النظرية. يتبع ذلك، ان اذهاننا مسؤولة عن بناء العالم الفيزيقي. اذا كان ذلك حقيقة، فان الفيزيائي ربما يسأل مْن المسؤول عما يبدو من استقلالية للاشياء في العالم الفيزيقي. للاجابة على هذا السؤال سوف نلتفت الى اللاماديين، ومنهم (باركلي) الذي يعرض نظرية مثالية كلاسيكية عن مبادئ الفهم الانساني.

نظرية باركلي ترتكز على فكرة ان كل شيء نعرفه حول العالم هو يُعرف فقط كتصورات في الذهن. وبالنتيجة، كل شيء موجود هو فقط كفكرة في الذهن ولا وجود لشيء مادي خارج الذهن. هو يميز بين افكار التصورات التي، هي نتاج لرغباتنا، والتي تكون مؤقتة وغير منسجمة، وافكار الحواسIdeas of sense (2) التي ليست عرضة لرغباتنا والتي تبقى مستمرة ومنسجمة. افكار الحواس هي التي تسمى عادة بالاشياء او الاشياء الحقيقية التي نتصورها في العالم الموضوعي. يرى باركلي بما ان افكار الحواس ليست عرضة لرغباتنا، فهي يجب ان تكون عرضة لبعض الرغبات الاخرى والتي يجب ان تكون الله. وبالنهاية كل ما يوجد هو ذواتنا كروح او افكار الله.

الفيزيائي قد يقبل بان المادة ليست شيء فيزيقي لكنه لايزال يصر انها شيء ما مستقل عن الذهن. بيركلي يجادل ضد عالم الذهن المستقل بثلاثة خطوط من التفكير(الجزء الاول، قسم، 19، 20).

1- اذا كانت هناك اجسام مستقلة عن الذهن فنحن سوف لا يمكننا ابدا معرفتها لأننا نستطيع فقط معرفة تصوراتنا الخاصة عنها.

2- ذلك سيعني ايضا ان الله خلق الموجودات التي هي بلاحياة ولا تخدم اي غرض مفيد.

3- هو يجادل بان الذكاء المجرد من الاجسام يمكنه وبدون مساعدة الاجسام الخارجية ممارسة نفس الافكار والاحاسيس كما نحن نقوم به الان.

جدال باركلي يبدو انه يثق بكثافة في الله الذي يعطي مباشرة افكار الحواس. قد يقال ان الله يُستعمل كسبب لأي شيء لا يستطيع باركلي توضيحه. اذا كان الله موجودا عندئذ هو يستطيع توفير الاشياء التي الغرض منها هو ان نتصورها بشكل غير مباشر كافكار للحواس. ان فكرة الذكاء المجرد من الاجسام الذي يمارس نفس الاحاسيس مثلنا ربما هي صحيحة. لكن، اي فكرة يمارسها ذكاء بلا اجسام يجب ان تكون فقط فكرة للتصور ولا يمكن ان تحوز على الخواص المستمرة والمنسجمة مثلما في افكارنا للحواس. باركلي يرى اننا نستطيع معرفة وجود الله لأن اعمال الطبيعة لم تُنتج من قبل الانسان، ولذلك يجب ان تكون منتجة من قبل الله. هناك مفهومان رئيسيان في مثالية باركلي التي يجد الفيزيائي صعوبة في قبولها. الاول هو رغم ان الطبيعة قد لا تكون من خلق الانسان، ذلك لا يتبعه انها يجب ان تكون من خلق الله او ان الله موجود. الثاني هو اذا كان الله مستقلا عن الذهن، عندئذ من الممكن ايضا لبعض الاشياء الاخرى ان تكون مستقلة عن الذهن. رغم ان كل من المادي والمثالي يطرحان حجة مبررة لعقيدتهما، لكن هناك شكل آخر من المثالية تسمح للمادي بالحفاظ على عقيدته في المادة.

الشيء الوحيد الذي نعرفه وهو موجود بيقين هو وعينا. هذا يجعلنا نطرح مقدمة وهي ان الشيء الوحيد الذي يوجد نهائيا هو الوعي الخالص الذي نسميه المطلق او التام Absolute. يتبع ذلك ان المطلق هو الشيء الموجود الوحيد، وبما ان الوعي ليس شيئا ماديا فلا وجود هناك لشيء مادي. المشكلة عندئذ هي في توضيح كيف لنا ان نوجد كأفراد بأذهان مستقلة واجسام مادية. اذا كان المطلق هو الشيء الوحيد الموجود عندئذ فان اذهانا كوعي يجب ان تكون تماما مثل الوعي المطلق وسنبقى بحاجة لتوضيح لماذا نحن نتصور انفسنا كأذهان مستقلة محدودة. الأجسام المادية التي نتصورها يجب ان تكون مجرد مظهر في الوعي.

اذا كان المطلق وعيا، عندئذ فهو يجب ان يكون قادرا على خلق الافكار ضمن ذلك الوعي. تلك الافكار ربما تتضمن مفاهيم عن المحدودية، مثل الحجم، الشكل، المسافة وغيرها. هذه المفاهيم تسمح للمطلق ليشكل تقسيمات ضمن وعيه. الاجزاء المخلوقة من جانب هذه التقسيمات هي وعينا الفردي، وهكذا، فان وعي كل فرد هو جزء من وعي المطلق. كافراد نحن كل واحد منا يكوّن افكاره الخاصة عن الوعي. تلك الافكار هي متميزة عن اجزاء المطلق بسبب مفهوم المحدودية المكوّن بواسطته.

ان المطلق ايضا يشكل افكار الوعي والتي هي ليست عرضة لمحدودية الاجزاء. تلك الافكار يتم تصورها من جانب الفرد كافكار للحواس تعطي الظهور للعالم المادي. بالنسبة للمطلق ككل، العالم الموضوعي ليس له حقيقة وهو ليس اكثر من فكرة في الوعي. اما بالنسبة للمطلق كأجزاء، يبدو العالم الموضوعي حقيقيا بسبب مفاهيم المحدودية Limitation، المادة وهكذا. كافراد، نحن جزء من العالم المادي. مفهوم المحدودية وافكار الحواس تعزز تلك العقيدة. مع ذلك، لو امكن لنا ان ندرك حقيقة وجودنا كمطلق عندئذ فان العالم الموضوعي سوف لم يعد يظهر لنا كحقيقة.

The ultimate Nature of matter, Alan Bradnam, Pathways philosophy

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش:

(1) القوى الاساسية الفيزيائية هي اربع، الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، القوة النووية القوية، القوة الضعيفة، هذه القوى هي التي تحكم الكيفية التي تتفاعل بها الاشياء او الجسيمات وايضا الكيفية التي تتآكل بها.

(2) في القسم الاول من المبادئ، يقسّم باركلي اشياء المعرفة الانسانية الى ثلاث مجموعات، فهي اما افكار تنطبع على الحواس، او افكار يتم تصورها بالتعامل مع العواطف وعمليات الذهن، او اخيرا، افكار تتكون بمساعدة الذاكرة والخيال عبر تركيب او تقسيم او مجرد تجسيد لتلك الافكار التي جرى تصورها في الاصل بالطريقتين السابقتين. يستمر باركلي ليصنف القسم الاول (افكار الحواس) التي تمثل اشياء حقيقية لكل واحدة من الحواس الخمس. فمثلا، بواسطة الشم يتم تصور العطور، وكذلك بالاستماع يتم تصور المسموع. بما ان العديد من هذه تُلاحظ مترافقة مع غيرها، فهي تأتي تحت اسم واحد، ومن ثم تُفترض كشيء واحد. باركلي وضع قائمة بالاشياء التي تتشكل بافكار الحواس مثل التفاح، الحجر، الكتاب.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4384 المصادف: 2018-09-06 13:29:33