المثقف - أقلام فكرية

العقلانية الكانتية وتطبيقاتها جماليا.. دراسة في فلسفة كانت الجمالية

ساحاول في ورقتي هذه أن ارشف من عذوبة الجمال، التي رشف منها "كانت" كي اقترب من معاني الوجود وما ألذها من معاني تروي القلب المشتاق فيتحد العقل والقلب والجسد ليكون فلسفة الجمال في لقاء الحب الخالص.

فمن نعم الله تعالى على الإنسان أن وهبه شعورا فياضا، ورهافة حس تنزع به نحو الجمال والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكونات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكل أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار اللمسة الإنسانية الراقية في كل مرافق الحياة.

حققت اراء "كانت" الجمالية انجازا مهما في مجال النقد الفلسفي من خلال مجموع الظواهر المعرفية التي كشف عنها في آلية التعامل مع موضوعة الجمال وازاحة الجميل من منطقة العلاقة الصميمية بالقيم الموضوعية وجعله نشاطا حسيا عقليا لاعلاقة له بالحقائق المطلقة ، فالحقيقة نسبية بحد ذاتها، والاحساس بالجمال نسبي ايضا لتباينه من فرد لآخر أو من جماعة أو جنس لآخر، وعلى مستوى الفرد الواحد ايضا.

فبعد ان كان الجمال ملحقا بمحمولات الحق وضرورات التطابق مع مظاهره المعرفية أو اليقينة، حظي الجمال بأستقلالية نسبية ترحله من منطقة الغرضية والنفعية المادية، إلى منطقة اللذة الخالصة والمتعة الجمالية.

من هذا المنفذ المهم ولج "ايمانويل كانت" إلى صلب المشكلة الجمالية. إذا رأى ان كلا المذهبين: التجريبي والعقلي قد قدما تفسيرا منقوصا ومن جانب واحد لبناء المعرفة الانسانية ومضمونها . ليفتح ابوابا جديدة في الحكم الجمالي المستند إلى حقيقة راسخة مفادها: ان للانسان غاية بذاته، وان الذات لا تنظر للاشياء على اساس معياري، انما تقديي، وبهذا قلب اليات اشتغال علم الجمال ليصبح تأمل الذات للموضوع ليس اكثر من تقديرات تخضع لعملية الذوق لما جعله يمضي قدما في وضع اسس منطقية لعملية التذوق هذه، التي تستبعد من ادائياتها القيم النظرية والعملية أي المعرفية والاخلاقية وفق الفهم الكلاسيكي لتأخذ مديات اكثر رحابة بتفعيل ملكات الذات الكامنة والمغيبة خلف استار العقل .

اذ يعتبر "امانؤيل كانت"  أهم من تحدث عن الجمال فقد أسس لعلم الجمال من خلال كتابه الشهير (نقد ملكة الحكم) الذي صدر عام1790 فأثار مسألة الحكم الجمالي وعلاقة الشكل بالمضمون في الأثر الفني ثم مسألة علاقة الفن بالطبيعة وعلاقة الجميل بالجليل .

ويحدد كانت الجمال بأنه وسيلة الاتفاق بين العقل والحس، كأنما العقل يجد في الجميل ضالته المنشودة دون أن تكون فيه صورة لماهية الجمال، والجميل كونه محسوسا يمثل للعقل صورة اكتمال . فهو لا يخضع لقاعدة وليس له وجود بالفعل.

نلاحظ هنا أن الحكم على الشيء الجميل فيه شمول ينطبق على الجميع، بحيث يتمتع بحرية الغاية النفعية أو العملية، وهذه الحرية قاعدة مسبقة يقاس عليها الجمال وهو التقارب أو الاتفاق بين ما يتخيل وما يرى، فالتوافق بين ما تخيله العقل من جمال، وبين ما شوهد أو سمع بحاستي السمع والبصر، ينتج عنه الإحساس بقيمة الجمال .

كما يفرق كنت بين الجمال والجلال قائلا: "أن الجمال الطبيعي يحمل غائيته في صورته مما يجعل الموضوع متلائما مع ملكة الحكم عندنا وهكذا يتحول إلى موضوع رضا . أما الجليل فيبدو فيما يخص صورته بأنه ينافي الغاية بالنسبة إلى أحكامنا ويكون غير ملائم، بمعنى أن الصورة الغائية الموجودة في الجمال الطبيعي تجعله واضحا لمخيلتنا لذلك فالحكم الجميل يكون متطابقا مع ما تمدنا به المخيلة من تصور" . ومن هنا فإننا نخطئ، لو أننا حاولنا أن نفهم الجمال من خلال إطاراتنا الذهنية العادية . فحكم الجمال ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة ، فإن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر، لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في الخبرة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر هو الشكل وليس الإحساسات بالادراكات العقلية. وقد اعتبر بعض الباحثين هذه الفكرة المبدا الأول للمذهب الشكلي المعاصر في الفكر النقدي الجمالي المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يفهم كانت الجميل على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. ولكي نميز الشيء هل هو جميل أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من اجل المعرفة، بل إلى مخيلة الذات ومدى شعورها باللذة أو الألم . فضلا عن ذلك، فإن فلسفة "كانت" انتهت إلى أن الجميل الخالص، هو خير خالص، وهذا ليس ببعيد عن طروحات الروائي الروسي (تولستوي)، باقتران مفهوم الجميل بمفهوم الخير.

ولهذا كان الجميل في رأي كانت هو فن العبقرية، والتي هي موهبة طبيعية فطرية خاصة، خاصة انه يرى إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما. من جانب اخر هنالك وجهة نظر ترفض هذه المواقف ، وتؤكد على أن الجمال لايمكن أن يوجد الا بالاعتماد على الشخص المفكر والطبيعة الحيوية ، وان هذا الجمال الخارجي لا وجود له الا فينا . اذا الجمال لايرجع الى الاشياء بل الى الطريقة التي تتصور بها الاشياء والوقائع والالوان ، اذا هي ليست قبيحة وليست جميلة بل هي والصفات الخارجية نحن الذين نضفي عليها مثال ذلك فكرة غروب الشمس ـ عند الريفي تشير في فكرة العشاء وعند عالم الطبيعة فكرة التحليل الطيفي وهما ليس لهما علاقة بالجمال ، اذا غروب الشمس يكون جميلا او قبيحا لمن نظر اليه بعين فنان متأمل عاشق .هذه هي نظرة الجمال الموضعي . يرى " كانت " أن جمال الشيء لا علاقة له بطبيعة الشيء وانما هو نتيجة اللعب الحر للخيال والفهم يحدث لدى المشاهد وهو امام الشيء.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4446 المصادف: 2018-11-07 01:46:37