 أقلام فكرية

نيقولاي هارتمان.. الوعي والوجود

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر نيقولاي هارتيمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين، ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارئه، فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرتبة من التفكير المشتت الذي يفتقر لقول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها، ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي ) عام 1933م، وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا، فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية، كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل، ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال المثالي كما هو عند بيركلي مثلا، في أختراعه فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا على الفلسفة المثالية في مجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله (أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل، أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكن في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي، فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.

من الضروري الاشارة الى أن هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكر يدركه لكن يمكن للفكر التفكير التجريدي به استدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن ادراكها، ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به،.

الوجودية تعتبر العدم مدركا غير موضوعي داخل الوجود الذي يعمل العدم على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه موضوعيا ولا حتى خياليا تجريديا، أي بما هو غير مدرك كموضوع يعيه الفكر، وليس كما ذهب له هارتمان بأن الفكر لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث امكانية الوعي به وادراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديد ماهو العدم؟.

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل، والميتافيزيقا تعني اللاعقلي، واللاعقلي غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يجنّبنا هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة فلسفية مسّلم بها أن الميتافيزيقيا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات ما وراء الطبيعة يدركها العقل،، وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفاهيم تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه.

يقول هارتمان (أن العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها، تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف، يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في وجودها الطبيعي في عالم الاشياء،

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت ادراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات، وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة، وفي فينامينالوجيا هوسرل.... رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية. وبقيت الوجودية متمسّكة بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من كليهما حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفته في وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة بعالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان المتفرد للميتافيزيقا(أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد، من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة، وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة منها على مر العصوروهكذا..

ميتافيزيقا الواقع

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

1- الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن ان يكون هناك وجود (قائم بذاته) هارتمان(6)

2- التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. هارتمان(7)

3- القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات، وأهمية القيمة والمعنى انها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. هارتمان(8)

4- العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه، أي عن الوعي . هارتمان(9)

5- أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته، وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. هارتمان(10).

أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات، بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي (الموضوع) في محاولة أعطاء الوعي دور (العقل) بعلاقته بالموضوع.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية، والوجودية عند هيدجر وسارتر، وكذلك فينامينالوجيا هوسرل التي أقتصرت وحصرت الفهم العقلي في ظواهر الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الوجود بذاته.

كما أن هارتمان أول فيلسوف في منتصف القرن العشرين أعطى تمييزا فلسفيا واضحا أن المعرفة مكتسبة في الوعي وليست معطى قبلي في الادراك. وليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته الوجودية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك.

هارتمان أول فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى انه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى، لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي، وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج ادراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا في مقتل،، في مثالية واقعية جريئة متفردة، أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي في فلسفته الذي هو مفهوم غير مادي ولا يكتسب ماديته في وعيه لموضوعه المادي،.

اذا ما تماشينا مع نظرية هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي (وهو خطأ)، الوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها. ولا يمكن قياس مادية الموضوعات باحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها، الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه بل مهمة الوعي الاساسية هي نقل المدركات الحسية وغير الحسية للعقل فقط، ويكتفي بتوصيله موضوعات الوعي الى أدراك العقل لها،.

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها، وليس الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكها، الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي تنوب عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا...نجد من المهم تأكيدنا لاكثر من مرة خطأ هارتمان وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من الوعي عقلا ثانيا وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود، لكنها لا تتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة، ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى، وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود اولا والوعي الحسّي لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الواقعي لهارتمان.

فغياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي،والوجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان، فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (وعيه) الادراكي المثالي وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا ولا حتى حسّيا أيضا، سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه عقليا، لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات.

الوعي أقرب الى المحسوسات في أدراكها الاشياء، وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي بالاشياء. بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن المحسوسات، ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي مرة ثانية بعد تخليقه لها في الدماغ....الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك، لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له. وبهذا يمتاز الوعي على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا مدرك بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية).

الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا، ولا يلتقي مع الحواس والعقل في ادراكهما المادي للاشياء.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق وجوده في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس، وفضيلة ومهمة الوعي هو نقله المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وينتهي دوره هنا، يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم ادراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة ولا دخل ولا دور للوعي بذلك في تعالقه مع العقل ولا في تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي....وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس....الموضوع من مهام العقل وليس من مهام الوعي الادراكي له، الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بغية توصيلها للعقل ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة...والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الانابة عنه. وعي الاشياء هي جزء من عمل العقل، كما تكون معطيات الحواس جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه.

أما في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا، وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان، أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها، فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها، واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته، لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجود مادي يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي وبذا ينتهي دور الوعي.

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل، والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل، الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك، كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي المثالي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة،لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها، وأنما يكتفي العقل من خلال ادراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها، والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات الا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها( أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية في منتهى الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان. ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع او موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية، فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن اهتماماتها بها فقط وليست ملزمة أدراكها كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا.، فألى يومنا هذا يوجد بما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل، وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الوجودية من غير وعي ادراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان، فهي ايضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) وحجة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها، تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له بمعنى الانسان يعي ذاته كموضوع وذات معا وهي ميزة لا يتوفر عليها اي موجود في الطبيعة، فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر، فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في  مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود موحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع، ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعيه الذاتي الملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه، فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي بايولوجي يدركه ذاتيا، وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه، ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش

1- أ.م. بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278

2- نفس المصدر الصفحة ص 279

3- نفس المصدر ص 279

4- نفس المصدر ص 280

5- نفس المصر السابق ص 281

6- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

7- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

8- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

9- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

10- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4635 المصادف: 2019-05-15 12:34:41