 أقلام فكرية

موقف ماركس نيتشه فرويد من الحداثة

حيدر جواد السهلانيان هذا الثالوث (ماركس، نيتشه، فرويد) اجمعوا على امر واحد هو الشك في الوعي والطريقة التي يتكشف بها الواقع امامهم واتهامهم العقل والواقع الانساني بالزيف على الاقل في ظاهرهما، ومايجمعهم هو الارتياب ناحية كل مانسميه عقلاني ومنطقي وحقيقي، فقد نقدو الحداثة نقدآ جذريآ، وان كان نيتشة هو الاكثر جذريآ حيث طال تقريبآ كل الاسس التي قام عليها كل التراث الفلسفي، كما ان هذا النقد كان له الاثر في معظم فلسفات القرن العشرين.

1- ماركس(1818- 1883) يرى الان تورين ان ماركس اراد ان يقلب فكر هيجل لكي ينتمي الى مجال ثقافي مختلف عن خصمه ومعلمه، ولكن عملية القلب هذه  شكلت قطيعة مثالية مع فلسفات التاريخ، فلم يعد التقدم منظورآ اليه بأعتباره انتصارآ للعقل اوتحقيق الروح المطلق، ولكن تحرير لطاقات وحاجات طبيعية تقف في وجهها ابنية ومؤسسات ايديولوجية.(1) ولذلك يقدم ماركس نقدآ قاسيآ لكل الحلول المطروحة لمشكلة الوجود والمشاكل التي كانت مسيطر عليها في عصر التنوير.(2) ويعتبر ماركس اول مفكر كبير في مابعد الحداثة، لأنه يرى التقدم تحررآ للطبيعة، ويرى هابرماس ان ماركس نقد العقل الالماني، اما العنصر الاصيل يكمن في ان ماركس في نقده للدولة، وهذا النقد يتخذ موقعه في منظور نوع من التنظيم الذاتي للمجتمع.(3) ويعطي ماركس للحداثة مفهومآ سياسي بشكل اساسي لدرجة انه يحدد شكلآ للدولة كدولة موضوعية، وكذلك مخطط للعلاقة بين شكل الدولة وبين الحياة اليومية والممارسة الاجتماعية بوجه عام، فقد كان ماركس يفكر بالعالم الحديث سياسيآ بحيث كان يخضع المعارف الاخرى للمعرفة السياسية، وان نقد ماركس للحداثة والانوار هو نقد طبقي من وجهة نظر الاشتراكية العمالية، فماركس تجاوز الحداثة وليس هدمها واسقاطها كما فعل فلاسفة مابعد الحداثة، واخيرآ كان هدف ماركس هو تحرير الطبقة العاملة بواسطة فهم العلاقات الجدلية التي تسير العلاقة بين العمل والانتاج.

2- نيتشه(1844- 1900) يرى فوكو أن نيتشه احد الثلاث الكبار الذين دشنو النقد الجذري للحداثة في الغرب وهم ماركس ونيتشه وفرويد، وان كان نيتشه هو الاكثر جذرية طاول كل الاسس التي قام عليها التراث الفلسفي الانساني، كما ان النقد كان له أبلغ الاثر في معظم الفلسفات في عصرنا الراهن، وبذلك ان الصلة بين نيتشه ومابعد الحداثة تتجاوز ذلك الى ماهو أعمق، وهي تكمن تحديدآ في مقطع (مابعد) وبهذا الصفة يمكن اعتبار نيتشه الاب الروحي لمابعد الحداثة.(4) فقد كرس نيتشه حياته لبيان آمال التنوير التي لم تكن الا اوهامآ، فالحقيقة التي هي مطلب العلم وغير العلم لم تكن في رأيه غير مجازات قديمة تحجرت، وقد اعلن موت الحقيقة.(5) ويعتقد نيتشه أن مفاهيم النقد والحرية والعدالة والعقل، هي قيم عدمية انحطت باالانسانية الى مرتبة كتلة متجانسة من الافراد الخاضعين المستعبدين المجردين من القوة والاستقلالية، وكشفت عن وجه اللاعقلانية فيها ولاشك أن هذا التصور للحداثة، هو التصور الذي يستهدفه نيتشه بالنقد والتشريح.(6) اذ يرى نيتشه ليس هناك ماهو اكثر حداثة من الكلمات الموجهة ضد كانت من اوجست كونت كمفكر يحتقر الميتافيزيقا، فلايمكن لنا أن نعيش اسرى عالم الظواهر، ويرى مايسمح بالتحرر هو التخلي عن المثل الاعلى، وهو انتصار ارادة الحياة على الرغبة في الموت.(7) وقد ذم نيتشه الحداثة واهلها، ويسميهم البرابرة المحدثين ويسمي الحداثة البربرية الحديثة.(8) وانطلق نيتشه من تدمير النظام الذي بناه هيجل، وهو تدمير مفهوم الحقيقة الماورائية.(9) اذ كانت مقولات هيجل لها الصدارة في الحداثة، قام بتحطيمها نيتشه، لذلك يرى فوكو ان نيتشه اول من رآى عكس الحداثيون، ان الحقيقة لعبة لاغير، يكون المراد منها الابقاء على سلطة الانساق الكبرى ضد الانسان الفرد لكبت رغباته  وتحويله الى آله يحكمها.(10) ان الحقيقة عند نيتشه هي ببساطة جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتجسيدات التي تم تعزيزها ونقلها وتجميلها شعريآ وبلاغيآ.(11) يقترب نيتشه في رؤيته للحقيقة من ماركس الذي رآى الحقيقة سلاحآ طبقيآ، لكن نيتشه يغيب العامل الاقتصادي لصالح البحث في السيكولوجية الانسانية، التي تسعى بأستمرار نحو التفوق وتحركها ارادة القوة. ومن ذلك ادرك نيتشه أن الانسان يجب ان يفهم بأن الحياة لاتحكم بالمبادئ العقلانية، الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة، ولاتوجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. لذلك يرى نيتشه ،اننا في حاجة الى نقد القيم الاخلاقية، لذا فعلينا اولآ ان نضع قيمة القيم موضع التساؤل، ومن اجل ذلك ان نعرف شروط نشأتها والظروف التي ساعدت على ذلك.(12) واخيرآ يرى نيتشه الحداثة عبارة عن هم ميتافيزيقي جديد اتت لتسد الفراغ الذي خلفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية وغياب معانيها الكبرى وغايتها النهائية، فليست الحداثة في المنظور النيتشوي غير هذا البعد الوهمي للحاضر الغربي، فالحداثة شأنها شأن العقلانية تقيم علاقة غير معقولة مع ماضيها، وهي علاقة اساسها الكبت والابعاد.

3- فرويد(1856- 1939) يقوم التحليل النفسي على نظرية مفادها ان كل مايبدو تافهآ وسخيفآ الى الدرجة لانعير معها اي اهتمام، قد يكون في حقيقة الامر ذا معنى، بل ربما الشطر الاعظم من المعنى احيانآ، وقد يكون له الاسهام الاكبر في علاج الامراض النفسية والحالات الهستريا، ينطبق ذلك في سياق التحليل الفرويدي على جميع اشكال زلات اللسان والايماءات والاحلام بشكل خاص. ويرى فرويد ان كل الظواهر تعبر عن آليات داخلية يسلكها الجهاز النفسي، ونظام من المعاني المكبوته داخل النفس الانسانية، ومهمة التحليل النفسي كشف تلك  المعاني الباطنة التي تتوارى وراء الوعي. وبذلك فرويد ركز على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان في فكره، والسلوك البشري ليس موجهآ بالعقل،(وهنا فرويد يركز على القوة اللاشعورية في تحريك الانسان، وهو بذلك بالضد من الحداثة التي رأت في العقل هو اعدل واقوى قوة فكرية عند الانسان) وانما هو اقوى من العقل واكثر تأثيرآ في السلوك البشري، انها الدوافع التي هي غرائز لاعقلانية تؤثر على حياتنا الاجتماعية وحضارتنا الانسانية. ويتفق فرويد مع ماركس بقوة التأثير الاقتصادي، لكنه مع ذلك لايسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الانسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لاتسلك الجماعات الانسانية المختلفة سلوكأ واحدآ، اذآ فالغلبة لايمكن ان تعقد الا للعوامل النفسية، تلك الظروف هي التي تحدد مسار العوامل الاقتصادية، لأن الانسان حتى وهو يتصرف بضغط من الظروف الاقتصادية، انما يتمثل لنزعات الغريزة.(13) وبذلك تعتبر كتابات فرويد أهم هجوم منهجي ضد ايديولوجيا الحداثة.(14)

 

حيدر جواد السهلاني

..................................

1- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص147.

2- ينظر اريك فروم: مفهوم الانسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، ص9.

3- ينظرهابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، ص99.

4- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعدالحداثة، ص125- 126.

5- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص58.

6- ينظر فيصل عباس: الفرويدية، ص114.

7- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص154.

8- ينظر محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص44- 45.

9- ينظر أمينة غصن: جاك دريدا، ص43.

10- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص43.

11- ينظرمحمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي: مابعد الحداثة، ص57.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعد الحداثة، ص152.

13- ينظرفرويد: الحب والحرب والحضارة والموت: ترجمة عبدالمنعم الحفني، ص6.

14- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص164.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4826 المصادف: 2019-11-22 01:20:44