 أقلام فكرية

الديمقراطية بين جاذبية الطريق ومزالق التطبيق (1): التبرير المعرفي للديموقراطية

علي رسول الربيعيإن الأستعمال الأيديولوجي الفاقع وما يرايفقه في غالب سائد ثقافتنا من تسيب واضح في أستعمال المصطلحات وعدم الأنضباط المنهجي في وصف وتحليل وقائع إجتماعية - سياسية ومجريات تاريخية يضلل العقل ويزيف الحقيقة، لذا تجدنا نلتجأ لهذه الطريقة لمقاربة الحقيقة بطريقة دقيقة ومثالنا هنا وهو علة ماتقدم من قول: الديمقراطية. أيً سنتناول إبستيمولوجيا الديمقراطية .

نظرية المعرفة الاجتماعية ومبرر الديمقراطية

بدأت المناقشات الحديثة داخل الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) من خلال ممارسة تقييم التسـويغ أو التبرير الإبستيمولوجي (المعرفي) للديمقراطية. لقد تم مناقشة  هذا الموضوع من قبل فلاسفة السياسة في المقام الأول، كشرط مسبق ضروري للشرعية الديمقراطية التي يجب أن تنظم إلى صفوف التبرير الأخلاقي والسياسي. لقد ظل فلاسفة السياسة يرون منذ زمن طويل أن الديمقراطية، بالإضافة إلى تبريرها كنظام عادل سياسياً وأخلاقياً، ينبغي أن تكون نظامًا اجتماعيًا مبررًا أيضًا، أي نظامًا ينتج قرارات بأعلى جودة معرفية. اكتسبت مسألة السمات الإبستيمولوجية (المعرفية) للديمقراطية، على الرغم من كونها موضوعًا معرفيًا واضحًا، مؤخرًا زخمًا باعتبارها مهمة مشروعة للإبستيمولوجيا الاجتماعية. وإن النهج التوسعي للإبستيمولوجيا الاجتماعية واضح في تقييمه السمات المعرفية لإجراءات اتخاذ القرارات الديمقراطية وتأثير النظم الاجتماعية على النتائج المعرفية.[1] على الرغم من أنه ليس من الضروري مناقشة الطبيعة متعددة التخصصات لهذا الموضوع - والتي تشمل الاعتبارات المعرفية والفلسفية والسياسية والأخلاقية - فإن الدافع الأولي لإدخال موضوع الديمقراطية في الإبستيمولوجيا الاجتماعية هو جوهري للإبستمولوجيا ايضاً. تتمثل مهمة الإبستيمولوجيا الاجتماعية في الاستكشاف النقدي للخصائص المعرفية للمؤسسات والنظم الاجتماعية من أجل تقييم وتحسين أنظمة تكوين المعتقدات ومراجعتها، وإصدار الأحكام والقرارات والسياسات. إنها تشجع، بالتالي، نتائج معرفية أكثر مسؤولية، وعقلانية ومبررة وصادقة، أو على الأقل يهدف إلى إعاقة تلك التي هي غير مسؤولة وغير عقلانية وغير مبررة.

إن ضرورة تحليل الديمقراطية من وجهة نظر إبستيمولوجية تجعل من غير الممكن أو المرغوب فيه إجراء تحقيقات معرفية مجردة ومعزولة. فأرى إمكانات أكبر بكثير في النقاش الذي يفترض منظوراً  مختلطاً متشابكاً ويتعامل مع تبرير الديمقراطية من خلال تقييم انسجامها مع القيم الأخلاقية / السياسية والإبستمية (epistemic) (المعرفية). وفي سياق مماثل، تتطابق الاتجاهات الحالية في الفلسفة السياسة والإبستيمولوجيا الاجتماعية التي طورت بدورها ممارسة لتقييم التأثير الإبستمي-المعرفي للديمقراطية يتوافق  تمامًا مع السمات الأساسية للمنظور المختلط.[2] إذا كان يجب أن تكون الديمقراطية أو نماذج من عملية صنع القرار الديمقراطي مبررة أخلاقيا / سياسيا وإبستيمولوجيا على حد سواء، فإن أي مبرر يمكن اعتباره ذا معنى وفعال يتطلب: الأنسجام بين الإبستمي (المتعلق بالمعرفة أو الى درجة التحقق من صحتها) والرغبات والفضائل الأخلاقية / السياسية.

سأبدأ بافتراضين لا يتطلبان حاليًا شرحًا مفصلاً، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يمكن مناقشتهما بشكل مثمر في سياقات أخرى. يتعلق الأول بضرورة  التسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية، أو الموقف القائل بأن شرعية جميع المؤسسات والأنظمة - وخاصة الديمقراطية كترتيب  اجتماعي شامل - يجب أن تستند إلى أدلة كافية على أنها تلبي، كبنية اجتماعية، إلى الحد الأقصى تشكيل معتقدات أو قرارات  عاليًة الجودة ابستميا (معرفيا). بمعنى آخر، أن تكون هذه المعتقدات أو القرارات صحيحة أو موصلة الى الحقيقة أو لها ما يبررها وفعًالة في حل المشكلات أو تصحح أو تستمد من الحجج / الأسباب، المسؤولة عن المعرفة أو ما شابه.[3] والافتراض الأولي الثاني هو أن الديمقراطية التداولية، على عكس الديمقراطية التجمعية (التي تعتمد حاصل جمع الأصوات)، لها فوائد إضافية لتشجيع النقاش العام باعتبارها تمتلك صفة مثلى أخلاقياً وسياسياً ومعرفياً للديمقراطية.[4] يستلزم هذا الافتراض طرح هو أن التركيز على المناقشة الملازمة للديمقراطيات التداولية يتضمن بالفعل على ميزة أولية معرفية تتطلب مزيدًا من الفحص و التدقيق. أيً، تعتمد الديمقراطية التداولية على فكرة، أن شرعية المواقف السياسية الأساسية يجب أن تستند إلى مناقشات عامة بين المواطنين لأن هذه الممارسة يمكن أن تحسن اتخاذ القرارات السياسية والمعرفية، مما يسهل تحقيق المثل العليا مثل التشريعات العقلانية، السياسات التشاركية، الإدارة المدنية الذاتية والاستقلالية العامة المستمدة من المداولات المدنية. باختصار، لأن هدفي ليس مناقشة شرعية الديمقراطية كنظام سياسي أو مقارنة الديمقراطيات التداولية والتجميعية، سأفترض أن الديمقراطية التداولية هي أحتمالاً- على الأقل بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى المتاحة - لإنتاج قرارات ذات جودة معرفية عالية. هدفي الأساسي هو تحديد أي أشكال من الديمقراطية التداولية ومن النقاش العام يدعم بشكل أمثل إنتاج القرارات المرغوبة معرفيًا وتكون مبررة أخلاقًا / سياسيًا.

 إنه من المفتراض، قبل كل شيء، أهمية التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية، ولكن نلاحظ أن العديد من فلاسفة السياسة يتجاهلون أو حتى يعارضون أهمية أي تبرير معرفي في تحديد الشرعية الديمقراطية. يعود موقفهم هذا الى حقيقة أنهم لا يقيّمون الشرعية من ناحية عملية صنع القرار، بل يركزون بدلاً من ذلك على تبرير الدول الديمقراطية والحكومات المنتخبة ديمقراطياً.[5] مع افتراض أن المفهوم السياسي للعدالة هو المبرر للمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمع ديمقراطي تعددي.[6] من ناحية أخرى، يعتبر بعض المُنظرين أن التبريرالإبستيمولوجي (المعرفي) ذو صلة  بما تقدم، لكنهم يركزون على توضيح السمات المعرفية للديمقراطية التجميعية. يمكن توضيح ذلك من خلال مناقشات واسعة حول نظرية كوندورسيه الشهيرة،[7] أو الرأي القائل بأنه يمكن التوصل إلى القرارات الصحيحة من خلال تجميع المواقف المختلفة بشكل ديمقراطي.[8] أنا أعتبر، بأي حال من الأحوال، أن هذه المواقف لا أساس لها أو يمكن دحضها بسهولة. ومع ذلك، على الرغم من أنني سأنظر أحيانًا في حججهم، فإن افتراضاتي الأولى هي أن (1) المبررات الإبستيمولوجية/ المعرفية للديمقراطية ضرورية لضمان شرعيتها وأن (2) الديمقراطية التداولية، بسبب احترامها للأسباب والنقاش، من الأرجح أن يكون مبررًة معرفيًا. من أجل توضيح هذه الافتراضات، أريد أن ابدأ في شرح المبادئ التاريخية الأساسية للديمقراطية التداولية وتبريرها المعرفي ثم أنتقل، بعد ذلك، الى التوترات المحتملة بين التبرير المعرفي و التبرير الأخلاقي / السياسي كتحدي رئيسي للتقييمات المختلطة للديمقراطية التداولية.  وفي ذهني  أنهي هذه الدراسة بتحديد ثلاثة مقاربات ممكنة للتبرير المختلط للديمقراطية التداولية: الإجرائية والتوافقية وديمقراطية الموثوقية ( reliability democracy ).

لذا أريد أن اتناول  في المقال القادم التسـويغ الإبستيمولوجي (التبرير المعرفي) للديمقراطية التداولية

 

 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Goldman, Alvin I2010b. 'Epistemic Relativism and Reasonable Disagreement', in Feldman, Richard and Ted A. Warfield (eds.), Disagreement (Oxford: Oxford University Press), pp. 187-215

[2] Estlund, David. 2008a. 'Epistemic Proceduralism and  Democratic  Authority',  in Geenens, Raf and Ronald Tinnevelt (eds.), Does Truth Matter? Democracy and Public Space (Springer: Dordrecht), pp. 15-27

Fricker, Miranda.2007. Epistemic Injustice (Oxford: Oxford University Press)

وأنظر ايضا، توماس كريستينو، "المداولات العقلانية بين الخبراء والمواطنين"،في:

 Mansbridge Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge: Cambridge University Press), pp- 27-51

[3] إن تحديد القيم المعرفية التي يجب أن تحظى بالأولوية عند تقييم الجودة المعرفية للقرارات الديمقراطية أو التبرير المعرفي للديمقراطية يتجاوز نطاق اهتماماتنا الحالية. من الواضح أن المنظور الإبستمي- المعرفي يتطلب مقاربات مختلفة للدفاع عن أطروحة أن النظام الديمقراطي شرعي طالما أنه يحل مشاكل مواطنيه بكفاءة (هذه الأطروحة البرغماتية- العملية مدعومة، على سبيل المثال من قبل، فيليب كيتشر الذي سأذكر مصدره لاحقا)، مدعيا أنه لا يمكن أن تكون شرعية الا إذا اتخذت قرارات على أساس آليات موثوقة وحساسة تجاه الحقيقة (كما اقترح جولدمان وكريستيانو) أو اقترحت، كما اعتزم، أن يكون الإطار المعياري المناسب لتقييم الديمقراطية مرتبطًا على الأقل بنظرية المعرفة بالفضيلة. ومع ذلك، تعتمد هذه الدراسة على الموقف الذي مفاده أن تقييمات المؤسسات الاجتماعية يجب أن تنطوي على قيم معرفية. لا يمكننا المضي قدمًا في تحديد المعايير المعرفية والقيم والواجبات ذات الصلة إلا بعد  الأتفاق مبدئيًا على أهمية تقييم التبرير المعرفي للمؤسسات والممارسات والنظم. من الأهمية بمكان ملاحظة  أن أي مقاربة سابقة للقيم المعرفية لا يمكن أن تتعلق بمناقشتنا للتبرير المعرفي للديمقراطية إلا إذا التزمت بالادعاء الأساسي بأن القيم المعرفية تمتلك صلاحية موضوعية معيّنة. لمعرفة المزيد، راجع:

Goldman, Alvin I. 2010a. 'Why Social Epistemology is Real Epistemology?', in Haddock, Adrian, A. Millar and D. Pritchard (eds.), Social Epistemology (Oxford: Oxford University Press), pp. 1-29.

Kitcher, Philip.201la.  Science in a Democratic Society (Amherst, NY: Prometheus Books)

Christiano, Thomas. 2012. 'Rational Deliberation between Experts and Citizens', in Mansbridge

Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge, MA: Cambridge University Press), pp- 27-51

[4] يصو أنصار الديمقراطية الجماعية عملية التصويت على أنها ميزة فريدة وأهم من سمات صنع القرار الديمقراطي، بحجة أن دمج التفضيلات الفردية يتوافق بدقة أكبر مع الخيار الجماعيأنظر على سبيل المثال: Arrow, Kenneth J. 1963. Social Choice and Individual Values, sec. ed. (New York: Wiley)،

 بينما يرى أنصار الديمقراطية التداولية أن عمليات صنع القرار أكثر تعقيدًا. يجب أن تضمن مسؤولية متابعة التصويت بمناقشات عامة، وبالتالي تشجيع المشاركة المدنية المتساوية والعادلة للمواطنين في التعبير عن مواقفهم الفردية. للمزيد، انظر :

Manin, Bernard. 1987. 'On Legitimacy and Deliberation', Political Theory,15:338-368.

 Peter, Fabienne. 2008. Democratic legitimacy (New York: Routledge).

 [5] ماكس فيبر على سبيل المثال:

Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization (Basingstoke: Macmillan)

[6] John Rawls. 1993. Political Liberalism (New York: Columbia University Press).على سبيل المثال:

[7] نظرية كوندرسيه عن المحلفين هي نظرية في العلوم السياسية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح.  عبر ماركيز دي كوندورسيه عن هذه النظرية أول مرة في مقالته عام 1785 حول تطبيق التحليل على احتمال قرارات الأغلبية. أيً، إنها نظرية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح. ... إذا كانت p أكبر من 1/2 (من المرجح أن يصوت كل ناخب بشكل صحيح)، فإن إضافة المزيد من الناخبين تزيد من احتمال أن يكون قرار الأغلبية صحيحًا.

https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcets_jury_theorem

[8] على سبيل المثال:

Christian List and Robert E.Goodin. 2001. 'Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem', The Journal of Political Philosophy 9(3): 277-306; Robert E. Goodin. 2003. Reflective Democracy (Oxford: Oxford University Press).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4837 المصادف: 2019-12-03 01:34:04