 أقلام فكرية

الوجود مع الآخرين.. قراءة في الفلسفة الوجودية

علي المرهجيُشكل الفرد مقولة أساسية في الفلسفة الوجودية، فالفرد في الفلسفة الوجودية مسؤول عن نفسه وأفعاله والتحكم بجسده ووجوده في العالم، لكن يبقى هذا الوجود الفردي مُرتبطاً بالوجود داخل الجماعة والوجود معهم والوجود في العالم بوصفه تشكيل وتنويع لموجودات لك أن تصفهن بأنهن آخر، فالوجود العيني هو "وجود مع الآخرين"، بمعنى آخر: إن الجماعة تُمثل عُنصراً جوهرياً وأصيلاً في تكوين الموجود البشري. فرغم أن لكل شخص حريته في بناء تصور خاص وممارسة أخص له إلَا أن فكرة العالم، أي وجود الفرد في عالم (وجود جماعي) = (وجود الأشياء) و (وجود الآخرين) تقتضي بالضرورة "اعتراف" "الأنا" بأهمية الوجود مع "الآخر" في عالم مُشترك، لأن الوجود الفردي لا معنى لـ "الاعتراف" بفردانيته إن لم يكن هُناك "آخر" يتحسسه ويُشعره بقيمته كذات لها وجود.

من مظاهر وجود "الآخر" الأصيل هو حياتنا الجنسية، وتماسنا الجسدي "الإيروتيكي" مع "الآخر"، فاللحظة (الايروتيكية) هي وجود مع آخر، وفناء، أو عدم، فأن توجد مع آخر تشعر به أنه كلك ويُبادلك الشعور ذاته، فيشعر بك بأنك كله، فتلك لحظة تجلي للاحساس بالوجود الفرداني، ولا ينتفي عنها صفة أنها (فناء) للذاتت بمعنى "الوجد" حينما يكون "الوجدان" هو اللغة الأمثل لمعرفة "الوجود".

ومن مظاهر الشعور بالوجود هي "اللغة" بوصفها وسيلة التعبير عن "الأنا" بنزوعها الفرداني أو بتواصلها مع "الآخر" للإعلان عن وجودها المُتفرد الذي لا معنى له من دون وجود "آخر" يعترف" بقيمة هذا النزوع "الكينوني" أو "الوجودي"، وهذا من معاني جملة "هيدغر" (الوجود ـ مع ـ الآخرين) لأن الذات لا تشعر بوجودها بمعزل عن الآخرين، وكل شعور فردي يُمكن أن يُوهمنا بأننا موجودون وحدنا دون الآخرين، إنما هو نوع آخر من الشعور بالوجود لا يُغادر منطقة الشعور الجماعي، كما يؤكد "هيدغر" لأن "الوجود من دون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين"، "وحين يُدرك الإنسان أنه لا يعمل بذاته ولذاته فحسب، بل هو يعمل بغيره ولغيره أيضاً، فهُناك قد يصبح في استطاعته أن يفهم بأنه "يملك" الوجود"، ولكن لا يعني هذا أن "الوجود ـ مع ـ الآخرين" تنازل الفرد عن وجوده الخاص، فالذات الحُرة هي التي لا تخضع للوجود العيني "الزائف، وهي التي تأخذ على عاتقها تحقيق وجودها الفرداني المُفارق للوجود الجمعي المُبتذل الذي يتماهى بعض الأفراد معه فيكونوا كالقطيع لا يعون أهمية وجودهم كذات فاعلة في الوجود الجمعي، وكل ذات تعي كينونتها وتحملها المسؤولية عن أفعالها إنما هي ذات تعي قيمة "وجودها الأصيل"، فـ "كل فرد هو بذاته عالم، له قُدس أقداسه الذي لا يُمكن أن تنفذ له يد أجنبية".

يقول "سارتر" في كتابه (الوجودية مذهب إنساني): "الإنسان يختار نفسه باختياره لجميع الناس". لأن في اختياري دعوة للآخرين االمُعجبين بي وبأفعالي وآرائي للتمثل بيَ، وتلك مسؤولية مُلقاة عليَ، "وهكذا فإني مسؤول أمام نفسي وأمام الجميع. وأنا لا أقوم إلَا بخلق صورة للإنسن الذي أختاره".

لكل من "الإرادة" و"العاطفة" و"التألم" و"القلق التوتر" أو "الكآبة" وتبادل الأدوار مع "السرور" ساعة "الاختيار" الذي لا معنى له من دون شعورنا بـ "المسؤولية" وارتباط هذه التكوينات وتداخلها مع مقولة "الحُرية" وهي المقولة التي تُبنى عليها مقولة الوجودية الأساس "الوجود يسبق الماهية" إنما يتم الكشف عنها في مقولة ثالثة ألا وهي "العدم".

في الوجودية "عدم" أو "افناء" للروح في حال نزوع البعض لافناء الجسد أو المادة، "فكل محاولة تهوين للمادة هي تهوين للروح في الوقت نفسه" كما يرى سارتر، إذ لا روح بدون جسد.

إذا كان الإنسان فَلاح، فهو موجود لأجل ذاته، بعبارة سارتر، وهي طريقة الوعي بالذات لا بالعالم أو بالوجود، وهي أصل الشعور بالوجود المُتعين كذات لتحقيق الفرادنية، ولكن بناء وعي الذات يقتضي التفكير، والتفكير لا يكون محدوداً بالذات وحدها، ولو كان كذلك لبقيَ مجرد وعي، ولكن "وعي التفكير" هو كمادة "الوعي بالوجود" وجود الذات ووجود الآخر سواء أكان هذا الآخر فرد مغاير يعي ذاته، أو موجود من الموجودات في هذا العالم، فمن دون الآخر أنا أعي ذاتي كما أنا، ولكن تجسيد الوعي بوصفه فكر لا يتحقق من دون هذا الآخر، سواء بقبوله أو برفضه، ولكنه يبقى وجوداً آخر ـ ربما ـ أعي تفردي بوجوده، أو أعي أنني كائن لي وجود تحكمه "نظرة" الآخر.، فـ "أنا أرى نفسي لأن شخصاً يراني"، لذا فمقولة سارتر "الآخر هو الجحيم" فُهمت خطأ على أنه يرفض الآخر، بل هو يعترف بوجوده، وإن شعر بأن في وجود هذا الآخر تهديد أو تقزيم لوجود الذات بتفردها، وإلَا فماذا تقول عن مقولة الإرادة أو الاختيار عنده، لأن في الاختيار تفضيل لمعنى "واقصاء" لمعاني أخرى، وسيتخذه الآخر أنوذجاً للرفض أو القبول، لذا ـ أظن ـ أن مقولة الاختيار ستفقد أهميتها في حال تغيب الآخر، ورفض مقبولية وجوده.

 

ا. د.علي المرهج

...................

مراجع المقال:

ـ جون ماكوري: الوجودية، تر: إمام عبدالفتاح إمام، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد (58)، ص147ـ 179.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحرية، مكتبة مصر، بلا، ص165ـ 197.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحياة، مكتبة مصر، بلا، ص193ـ 195.

ـ كتاب "معنى الوجودية"، بلا مؤلف، منشورات مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، ط1، 1964.

ـ سارتر: الوجودية مذهب إنساني، تقديم: كمال الحاج، منشورات دار ومكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، بلا تاريخ.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4962 المصادف: 2020-04-06 02:16:41