 أقلام فكرية

كيف نعي الزمن والوجود؟ (1)

علي محمد اليوسفبداية وتقديم: لا أنصح من لا يمتلك استعداد المطاولة الفلسفية والصبر قراءة هذه الورقة الفلسفية الشائكة الصعبة، فهي متاهة أتعبتني لكنها تستحق بذل الجهد في قراءتها وفهمها، وأرحب بكل تعليق معرفي فلسفي جاد عليها شرط أن لا يخرج عن صلب الموضوع المطروح بما يغني الورقة تفنيدا أو أضافة وسأهمل الرد على كل رأي لا يتسم بالامانة ألمعرفية والمناقشة الرصينة حال حصوله من أجل الوصول الى قناعات مرضية هي حصيلة تفاعل الرأي الاخر معها.

الورقة لم تعالج الموضوع من جنبة علمية كما في دراسة علم وظائف الاعضاء الخاص بالدماغ والجملة العصبية، كما لا تعالجه من جنبة دراسات علم النفس وتداخلها مع علم فيزياء وبيولوجيا وظائف الاعضاء، بل الورقة بحث فلسفي في محاولة فهم الادراكات الموضوعية المادية في مشاكلة تعالق الزمن بالوجود بمنهج الفلسفة وليس بمنطق تجريبية العلم الصارمة، لهذا يلاحظ أن الورقة البحثية خلو من مصادر علمية تخص علم النفس أوعلم وظائف الاعضاء والفيزياء. ولا أدعي لمضمون هذه الورقة العصمة الفلسفية ولا الدقة العلمية الكاملة فهي تمثل أجتهاد فلسفي فكري يتناول موضوعا بالغ التعقيد والمداخلات المفتوحة لم أعتمد فيه مصدرا واحدا.

الزمان والوجود

الوجود مفهوم مطلق غير محدود الصفات ولا يمتلك المتعينات المادية غير معروف الماهية أو الجوهر خارج معرفتنا موجوداته المحتواة، والوجود خال من المعنى والدلالة من غير محمولاته من الموجودات والاشياء التي يدركها الانسان.

الوجود كمفهوم تجريدي هو استدلال افتراضي لموجودات متعينة من غيرها لا يكتسب الوجود قيمة معرفية ولا معنى ويبقى لفظة خالية من مضمونها، ومعنى الوجود انما يكون في معرفة موجوداته فقط اذا وجدت وبغير ذلك فهو تجريد لفظي للدلالة على مفهوم تجريدي لا علاقة فيزيائية تربطه بألمعرفة والادراك.

والوجود أفتراض أستدلالي على موجوداته التي تدخل بعلاقات بينية، والموجودات مكونات مستقلة فيزيائية أو خيالية يمكن أدراكها بمعزل عن عدم ادراكنا ماهية الوجود والزمن.

وعي الموجود بذاته (المقصود هنا الانسان) هو الذي يخلع على الوجود معناه الاستدلالي وليس معناه الادراكي، فالوجود مفهوم تجريدي غير متعّين انطولوجيا لا يمكن ادراكه كوجود لا يحمل موجودات ادراكية له تمثل محتوياته الصفاتية أو الماهوية. وهو مفهوم ميتافيزيقي ليس له دلالة انطولوجية سوى بموجوداته، بل هو علاقة تجريدية استدلالية على غيره من الموجودات كما هو مفهوم الزمان، الضوء، الهواء، وغيرها.. والموجودات المتعينة ادراكيا هي قطوعات وجودية مستقلة مكانيا - زمانيا فيما بينها ترتبط أو لا ترتبط بعلاقات بينية .

والوجود الذي لا ندرك ماهيته تكون ذاتيته متداخلة في موجوداته الانطولوجية المدركة. ولا ندرك العلاقات البينية بينها كذات ماهوية ولاعلاقتها بالوجود بما هو موجود وعلاقتها بها التي يكون من غيرها الموجود وجودا فارغا بلا معنى أي يكون عدما وليس وجودا.

يقول الطوسي نقلا عن عبد الرحمن بدوي (الزمان ظاهر الآنية، خفي الماهية)، نجد فهمنا التعبيري الخاص في ملاحقة مقصود المعنى في العبارة، أن الزمان أدراك مكاني بدلالة توقيت زمانيته، ولا يكتسب الزمان خاصية الادراك به الا في متعيناته المكانية. فالزمان في حقيقته التجريدية التي ندركها بمؤثراتها في غيرها من الاشياء والموجودات أنما يكون مدلولها الزماني هو المكان. فنحن ندرك الزمان تجريدا في تداخله مكانا ولا ندركه كموجود مستقل يمتلك خاصية ماهوية يمكننا حدسها.

فالمكان هو المعنى الحقيقي لماهية الزمن وشعورنا غير المباشر به. والمكان لا ينوب عن الزمان في الادراك، والمكان لا يمكن ادراكه من غير زمن يلازمه ويداخله على الدوام. كما أن الزمان لا يمكن حدسه ألا بدلالة المكان التي هي الموجودات الانطولوجية فيزيائية كانت أم خيالية. المكان ثابت زمانيا كمدرك عقلي مادي متحرك مكانيا في زمان حركي تغييري غير منظور، والزمان يدرك الاشياء في حركتها وانتقالاتها كما يدركها وهي ثابتة ايضا. فالزمان سيرورة مكانية متغيرة على الدوام بخلاف المكان الذي هو ثبات زمني في ادراك الزمن له وليس في ادراك العقل له، والموجود مكانا قد يدرك ذاته لكنه لا يدرك زمانه الذي به يكون مدركا مكانيا – زمانيا معا. فنحن ندرك انتقالات وسيرورات وتبدلات الامكنة التي يداخلها الزمن من غير أدراكنا الزمن بمعزل عن أدراكنا المكان.

في أدراكنا الاشياء لا ينوب الزمان عن المدرك المكاني لها ولا ينوب المكاني عن مدركه الزماني لها، والمكان بدون زمانية متحركة دائمية تحكمه يصبح موجودا غير مدرك كون الزمان حركة غير منظورة والمكان سكون متعيّن بالاشياء، أي المكاني بلا زمانية تلازمه يصبح بلا دلالة ادراكية مكانية متعينة. الزمان خفي الماهية والصفات له كما يعبر الطوسي لكنه معروف الصفات في مدركاته المؤثرة بالاشياء والموجودات التي به توجد وبها يعرف الزمان كموجودات متعينة مكانيا.

الزمان سيرورة وجودية غير متعينة ادراكيا لا في صفاتها ولا في ماهيتها، فصفات الزمن هي صفات محتوياته من الموجودات المتباينة المستقلة، وماهيته لا تدرك الا بمعرفة موجوداته الجوهرية في داخله. علما أن الطوسي لا يعبّر عن الآنية كقطع زمني moment وأنما يفهمها الواجب الوجود بذاته ويقصد به الذات الالهية فقط. معظم الفلاسفة المسلمين القدامى في العصرين العباسي والاندلسي لا يفارقون مبدأ وجوب أنقياد الفلسفة للدين وليس الدين تتقدمه وتقوده الفلسفة والا أتهموا بالزندقة والكفر.كما أن جميع معارف ذلك العصرين لا تحمل استقلالية معرفية عن وصاية الدين عليها لذا نجد الفلسفة في مداخلتها الدين تكون في غاية الحذر من الانزلاق الحاضر في تهمة الضلالة.

الزمان والتزامن

حين نقول التزامن فالمقصود به كدلالة لغوية منطقية لا تعني معنى الزمن ولا دلالته، من حيث التزامن هو (قطوعة زمنية) نسبية متعينة بموجودين أو أكثر في علاقة تزامنية واحدة، وفي تعدد موجودات التزامن العلائقية وأشتراكهم بالقطع التزامني الواحد. فالتزامن توصيف علائقي يطلق على الاشياء وموجودات العالم الخارجي المستقلة داخل كل حيّز وجودي، المرتبطة بعلاقات بينية شيئية فيما بينها وفي تخارجها المكاني – الزماني الجدلي الذي لا ينفصل عن الوجود كمفهوم لا نعيه ولا ندركه من غير أدراكنا لموجوداته.....

وبهذا المعنى يكون التزامن (قطع) زمني يفرضه حدوث ووقوع أكثر من موجودين في علائقية تزامنية واحدة، التزامن قطع مؤقت ونسبي بخلاف الزمن الذي هو مطلق لامتناه سرمدي غير محدود بوجود. من السهولة أن نعي التزامن كتحقيب لوقائع زمنية تصبح تاريخية مثلا لكن من الصعب المحال أن نعي الزمان كماهية ولا كصفات خارج توصيف مؤثراته.

ولو تساوى التزامن مع الزمن في تداخل غير منفصل فلا يبقى للتزامن مفهوم يميّزه عن الزمن، فالزمن تجريد والتزامن متعين فيزيائي ويفقد التزامن خاصيته الماهوية أنه قطع زمني محدود حادث بين تعالق موجودين اثنين أو اكثر في ملازمة الزمن اللامحدود لهما ادراكيا..فالتزامن هو تحقيب زمني تماما كما نطلق على الثانية والدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والسنة تحقيبات زمنية أي قطوعات زمنية تنتمي لزمن جزئي متعين وليس زمانا مطلقا مفتوح على اللانهائية.

التزامن حدث زماني نسبي لا يحكم الموجودات في كلياناتها الوجودية كما هو الحال مع الزمن الذي يحكم الموجودات والطبيعة والانسان في كلية غير ماهوية له ندركه بها ولا صفات خارجية له نتلمسها ونحس بها الا من خلال مدركاتنا لذواتنا وموجودات الحياة والعالم الخارجي من حولنا.الزمان ملازمة الوجود في سرمدية مطلقة ليس لها نهاية، والتزامن هو قطع زمني لموجودات متعالقة تزامنيا مع بعضها.

نسبية انشتاين والزمن

ما جاء به انشتاين في نسبية الزمان باعتباره قانون فيزيائي محكوم بالكتلة والسرعة والمسافة بالقياس الكوني (المعادلات الرياضية)، وأن الزمن يتباطأ كلما زادت سرعة الجسم أذا ما بلغت سرعته تساوي أو تزيد على سرعة الضوء بالثانية، (سرعة الضوء 301 الف كيلومتر / ثانية) وبذلك وضع انشتاين حدّا لما جاء به نيوتن في الزمان المطلق ايضا بالقياس العلمي الفيزيائي الكوني، أن الزمن لانهائي وسرمدي مطلق لا يمكن لعقولنا البشرية المحدودة الاحاطة به ومعرفته، لكننا عندما نقول الزمان مطلق في المنهج الفلسفي أنما نقصد هذه الاطلاقية خارج منطق مطلق الزمن في مفهوم علم الرياضيات الفيزيائية الكوني، فالزمن بالمعنى الفلسفي في وجود الانسان على الارض هو تحقيب زمني محدود في وسيلة العقل الانساني ادراكه الموجودات والعالم الخارجي من حولنا ليس بمنطق المعادلات الرياضية والفيزيائية وأنما بمنطق القطوعات الزمنية التحقيبية في ادراكنا الاشياء. بدءأ من الثانية وصولا للفصول الاربعة.

هذا التحقيب الزماني الارضي الذي ينتظم حياتنا أنما هو في حقيقته مطلق الوجود الانساني على الارض في الطبيعة وليس مطلق الزمان الكوني في النسبية العامة الذي لا يحد بحدود معرفية ولا ندركه في لانهائيته وسرمديته. نحن نعيش الزمن الارضي في نسبية تحقيبية زمانية تقوم على مطلق وجودي ارضي وليس مطلق وجودي كوني تحكمه النسبية العامة. والا أصبحت الفلسفة منطقا رياضيا ملحقا يقوم على فيزيائية المعادلات الرياضية وليس على فيزيائية الحياة الارضية.. بالحقيقة أننا نعيش الزمن بنسبية تحقيبية زمنية محدودة بحياتنا على الارض ولا نعيش الزمن باطلاقية سرمدية لانهائية كونية لا ندركها في وجودنا بالحياة.

أن اللاوعي يتجاوز الزمن.. سيجموند فرويد

اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة الانسان النفسية السلبية الساكنة التي لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمن العشوائي الذي يكتنفها، لعدم أدراك حالة اللاشعورأو اللاوعي للزمن من حيث الزمان وسيلة أدراك عقلي وليس موضوعا للادراك بل يدرك العقل الزمن حدسا أستدلاليا في معرفة غيره من أشياء الطبيعة والموجودات، ...

والانسان لا يعي الزمن أدراكا حسّيا شعوريا موضوعيا لا في اليقظة ولا في المنام... بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة، وليس هناك من أدراك شعوري لا يداخله الزمن، ولا قيمة حقيقية للزمان في حالة اللاوعي أو اللاشعور لسبب أنه لا يقوم بتنظيم مدركاته كما هو الحال مع الزمن في الشعور..

لذا فالزمان المنظّم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية عند الانسان من غير وعي به وأرادة وتكون الذات النائمة الحالمة متحررة من سطوة الزمان المنتظم عليها نهائيا، لأنه لا وجود للزمان الواقعي المحسوس كموضوع في أدراك العقل بل هو وسيلة العقل في أدراكه ألاشياء في حالة الشعوروالوعي الانطولوجي بها وليس في واقعها الحلمي الصوري التجريدي المبعثرغير المنظّم، والزمان يمتلك حضورا وهيمنة على الانسان في وعيه، ولا سيطرة من الانسان على الزمن لا في وعيه ولا في غير وعيه في حالة اللاشعور... من المفارقة أن نجد العقل يراجع اخطاؤه ذاتيا ويصححها بسيطرة العقل على توليداته التعبيرية باللغة والسلوكية بالحياة، في حين نفتقد أمكانية سيطرة عقل الانسان على مسار الزمن الذي يحكم عقل الانسان ولا يحكمه عقل الانسان.

وعدم حاجة عقل الانسان للزمان في حالة اللاوعي بسبب أن الزمن في حضوره بالاحلام وغياب الوعي الادراكي المنتظم عند الانسان يكون حضوراعشوائيا على شكل قطوعات استرجاعية من تداعيات الذاكرة لا قيمة واقعية لها بحياة الانسان الواعية بعد الاستيقاظ وربط تأويل أستشراف وقائع المستقبل في التنبؤ بما يحدث من خلال تداعيات حلم المنام أنما هي شعوذة تهم الباراسايكولوجيا ولا تهم العقل الانساني الذي يحترمه حامله.....

والزمان في حالة اللاشعور هو حالة من التداعي الصوري المتداخل في عشوائية مرور صور الاشياء مكانيا في ذهن الحالم التي لا ينتظمها أدراك الزمن لها كما هي في حالة الشعور الطبيعي فنرى تلك الحوادث الاسترجاعية بالاحلام هي قطوعات متقافزة ربما كانت منتظمة عقليا لكن لا تاثير لها في واقع حياة الانسان...،

أن الزمان الذي لا يدرك الاشياء بمعزل عن العقل أنما يدركها زمانيا فقط والعقل يدركها مكانيا فقط بوسيلة توصيل الزمن لها، ....هذا ما نتخيله يحدث في أدراكاتنا...في حين الحقيقة أن العقل يدرك الاشياء في تداخل زماني ومكاني مدرك بالحواس معا أولا.... لذا نجد أن الزمان يدرك الثابث والمتحرك مكانيا من الاشياء بآلية واحدة في لحظة واحدة هي خاصية أدراك الزمان للاشياء بعيدا عن فهم الادراك العقلي المكاني الثابت لها الذي يمنحه الزمان للعقل في أدراكه وجود الاشياء مكانيا وليس مجردا من الزمان الادراكي لها، ....كل موجود مكاني لا يدرك الا بمداخلة زمانية معه.

وفي هذه النقطة بالذات يكون للزمان أولوية أدراكية على العقل في أمتلاكه القدرة على منح العقل أدراك الاشياء مكانيا بوسيلة الزمن غير المدركة ماهيتها عقليا كموضوع بل كوسيلة أدراكية للاشياء، الزمان وسيلة أدراك عقلي ولا يكون موضوعا أدراكيا للعقل.

العقل لا يستطيع أدراك الاشياء في وجودها المادي مكانيا بغياب أولوية أدراك الزمان لها قبل الحواس والجهاز العصبي والعقل أو في تزامن واحد، هذا في حال فرضيتنا أنه لا وصاية للعقل على الزمن ولا تبعية للزمان وراء العقل. فكلاهما جوهران منفصلان يوحدهما الادراك العقلي للشيء. لا نعرف ايهما أسبق ادراكيا للشيء العقل أم الزمان أم كليهما عملية ادراكية واحدة لا فاصل بينها؟

والمدرك مكانا هو ما يمّثل كل وعي العقل بالشيء المدرك، ومدرك العقل مكانيا للشيء يسحب معه زمانية ذلك المدرك بل يفهمه العقل كوجود موضوعي مكاني مجردا من زمانيته التي لا يدركها العقل الا في حركة الموجود المكانية...والمقصود هنا زمانية الشيء في وجوده المادي وليس في وجوده الادراكي العقلي.. ادراك العقل لزمانية الشيء لا تطابق أدراكية الزمان لمكانيته تماما. زمن العقل ادراك مكاني بينما ادراك الزمن للاشياء ادراكا زمانيا حركيا مكانيا متجددا على الدوام .

وأدراك العقل يهمه معرفة الاشياء في وجودها كمواضيع للادراك ألمتعيّن أنطولوجيا مكانا وليس في زمانيتها المغيبّة عنه التي هي وسيلة العقل لادراك الاشياء في متخّيل مكاني فقط مجردا من حدس العقل حضور الزمن أو لا حضوره كملازم ضروري في جعل الزمان المدرك للعقل هو مدرك مكاني فقط كما يرغبه ويريده العقل...في مفهوم العقل انه لا وجود لمكان في غياب ملازمة زمنه.

فمثلا قولنا هذا كرسي فالعقل لا يدرك مكان الكرسي حسب التوقيت الزمني الساعة كذا من اليوم كذا مثل قولنا هذا كرسي الساعة الواحدة ظهرا!! ..الخ.فالزمن في ادراك الكرسي مكانا هو الحاضر الغائب في وقت واحد، فالكرسي مكان زمني ثابت للعقل متغير زمنيا الذي لا يحس بالزمن بنفس وقت الكرسي هو مكان زمني متغير مطلق للزمن الذي يلازمه في كل لحظة من ثباته أو حركته.

فمعالجة المدركات بالعقل لا يحتاج زمانية أدراكها بل يحتاجها كموضوعات موضوعية موجودة مكانا كمتعيّنات مادية في الذهن، في حين يعجزالعقل عن جعله الزمان موضوعا لادراكه بل الزمن هو وسيلة العقل في أدراكه وجود الاشياء في مكانيتها فقط...

كما لا يتسنى للعقل أدراك الشيء في زمانيته بل في مكانه المتعين والعقل لا يحتاج الزمن في تفكيره المجرد داخليا لكنه قطعا يحتاج مدركات متعينة مكانيا في الذهن تجري معالجتها كمواضيع للادراك منقولة له عبر الحواس في وعي الزمان لها وتنظيم أدراكها قبل وعي العقل بها.......وفي هذا تكون أسبقية الوعي الزماني للاشياء على مدركات العقل لها أنطولوجيا...أي لا يمكن ادراك الشيء مكانا من دون زمن يلازمه ماديا..

لماذا يحتاج العقل الزمان في أدراكه الاشياء مكانا؟ ألا يمتلك العقل آلية غير أعتماده الزمان في أدراكه الموجودات والاشياء مكانيا في وجودها الخارجي فقط بلا زمن يداخلها؟

الجواب على هذا التساؤل فيما نراه هو طالما لايكون أدراك الاشياء مكانا الا بوساطة وسيلة الزمان، لذا لا يكون بمقدور العقل الاستدلال في وعيه الاشياء وأدراكه لها كموضوعات بمعزل عن أدراكها الزماني، أذ لا يوجد أدراك عقلي للاشياء مكانا قبل أدراك العقل لها زمانا.... وهذا يتم في عملية التخارج الخارجية التي تربط الزمان والعقل في عملية الادراك للاشياء في وجودها الانطولوجي.

اشكالية تداخل العقل والزمان في عملية الادراك

ماذكرناه قبل أسطر يضعنا في أشكالية جوهرية هامة جدا، هو كيف يكون الزمان وسيلة أدراك تنظيمية للاشياء والموجودات قبل توصيلها للعقل، في وقت أن الزمان وسيلة أدراك عقلي لا يعرف العقل الادراكي كنهها ولا ماهيتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى الزمان فعالية ووسيلة أدراك ألاشياء وتوصيلها للعقل في وقت هو أي الزمان معطى قبلي أدراكي للعقل لا يعي ذاته وربما لا يعي ما يقوم به في عملية الادراك العقلي للاشياء؟ وربما يكون دور الزمان في أدراك الاشياء أفتراضا مغلوطا، وهذا غير صحيح ولن يكون لأستحالة أدراك العقل الاشياء بالحواس كموجودات مكانية فقط من غير ملازمة ذلك الادراك الحسّي زمن أدراكها....

وهذا يجعلنا نذهب ونلوذ الى ترجيح مفهوم كانط للزمان أنه معطى قبلي في الذهن سابق على أي وجود أو أدراك عقلي من دونه..... ومن هنا يكون الادراك الزماني للاشياء سابقا على أدراك الحواس والعقل للاشياء مكانا على الاقل في تراتيبية الادراك بدءا من الحواس وانتهاءا بالدماغ والذهن عبر منظومة الجهاز العصبي المعقدة، والزمان لا يعي الاشياء في أدراكها ألا بتوجيه مسّبق من العقل في الوصاية عليه وتوجيهه كوسيلة في الادراك لكنه يبقى الزمان لا يشكل موضوعا للادراك من قبل العقل أي لا يفهم العقل ماهية الزمان أكثر من الحدس الاستدلالي به في معرفة الاشياء...ويبقى الادراك الحسي للاشياء زمانيا سابقا أدراك العقل لها تجريديا مكانا، وهذا تحليل تراتيبي فكري فلسفي منطقي مجرد لا يلزم العلم الأخذ به لما تحتويه عملية الادراك من تعقيد يشترك به وجود الشيء والاحساس به وحركته وكذلك تداخل كل من الزمان والعقل عبر الجهاز العصبي المستقبل والموصل للادراكات الى المخ.

ويبقى التساؤل المحيّر قائما ومشروعا كيف تكون علاقة تواصل الادراك الزماني للاشياء في ملازمته العقل الادراكي وأيهما أقرب للتصديق لاوعي الزمان في الادراك أم وعي العقل في الادراك وأرتباط الوعي الزماني بوصاية العقل عليه ؟؟ وكيف يرتبط أدراك الزمان مع أدراك الحواس والعقل للاشياء في عملية واحدة؟؟ وأيهما له الأسبقية والاولية بذلك؟؟ وهل ممكنا للزمان أدراك الاشياء بمعزل عن وصاية العقل عليه وتوجيهه؟؟ لا نجد المسألة سهلة تنتهي بأجوبة فلسفية منطقية غير مهتدية بما يقوله العلم بهذا المجال الاشكالي الذي ربما لا يمتلك هو الآخر جوابا شافيا. لكن من المرجح ذهابنا انقيادية الزمن لوصاية العقل اذ خارج هذه الوصاية أي في تغليبنا اسبقية الزمان على العقل ندخل في فوضى .

وتبقى مهمة البت في علاقة الارتباط الادراكي للاشياء مابين العقل والزمان ووفق أية آلية تتم لا تستطيع الفلسفة ولا المنطق الاجابة الشافية عنه....كما وليس من مهامهما القيام بذلك وأنما تبقى الاجابة على عاتق ومسؤولية العلم الفيزيائي والطبي التخصصي في علم فسلجة الدماغ والجهاز العصبي، فالفلسفة في النهاية هي تجريد فكري منطقي لا تخضع منطلقاته ومباحثه الفلسفية الى نوع من التجريب المختبري أو التحليلي العلمي.

قد يكون من السهل علينا معرفة أكتشاف العلم كيف ترى عين الانسان والآلية الفسلجية المعقدة التي تجري بين الضوء والعين والدماغ والجهاز العصبي ومثلها مع بقية الحواس كالسمع والتذوق وغيرهما، لكن نجد من الصعوبة العلمية الأجابة كيف تتم عملية التفكير الوظائفي في الدماغ علميا قبل عجز الفلسفة الاجابة عن ذلك على حد معرفتي!؟ لا أعتقد العلم توصّل الى معرفة ألآلية التي يتم بها تفكير العقل ذاتيا بمواضيعه الادراكية داخل المخ وكيف يقوم بتخليق وتفسير وفهم مواضيعه المدركة قبل أعادتها الى العالم الخارجي مجددا على وفق تصوراته وتمثلاته.... وسأطرح وجهة نظري في مقاربة توضيحية لهذا اللألتباس الشائك.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أشكرك الأستاذ الفاضل علي محمد يوسف على هذا الموضوع الفلسفي الشائك الذي تكسرت على صخوره رؤوس الفلاسفة ولازالت الى اليوم لأنه موضوع مرتبط بكينونة الانسان أي الوجود لذاته بتعبير سارتر أو الدازين بتعبير هيدغر لذلك اعتبره أرسطو الفلسفة الاولى وتبعه في ذلك فلاسفة الاسلام فقط هناك بعض المفاهيم التي تحتاج الى توضيح وتكون فيها فائدة للقارئ العربي اذا كان بالامكان توضيحها للقارئ العربي في مقالتكم القادمة مثل الفرق بين الوجود والواقع ومساهمة الفلسفة الداهراتية في معالجة مشكلة ادراك الوجود من خلال تجربة الوعي وكذلك تقديم امثلة حتى تتضح الصورة في الذهن بالنسبة لغير المتخصصين في الفلسفة تقبل في الاخير استاذي الفاضل مودتي واحترامي وأعانك الله على تحمل أعباء الهم والتفكير الفلسفي

الدكتور قادة جليد الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

جزيل امتناني على تعقيبك عن الموضوع دكتور قادة جليد واتمنى اغناء الموضوع باراء فلاسفة الاسلام حول الموضوع مع خالص مودتي واعتزازي بكلماتك اللطيفة

علي محمد اليوسف
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5017 المصادف: 2020-05-31 07:31:30