 أقلام فكرية

مفهوم الهوية عند داريوش شايغان

حيدر جواد السهلانيداريوش شايغان: سيرة وفكر

ولد شايغان (1935- 2018)، في طهران من أب أذربيجاني وأم تنحدر من أمراء وسلاطين جورجيا، أذ كانت العائلة تحمل الثقافة الروسية القفقاسية، وتتكلم أكثر من لغة وهي اللغة الروسية والجورجية والتركية العثمانية والأذربيجانية والفارسية، وقد تعرض أفراد أسرته على يد البلاشفة بعد الثورة الروسية، فأعدموا بعضهم وسجنوا آخرين، درس شايغان الطب وذلك لرغبة العائلة بالطب، لكنه كان يميل إلى الآداب والفنون والفلسفة، لكن لا يريد أن يخالف رغبة العائلة ثم درس العلوم السياسية ودرس الحقوق والفلسفة وعلم اللغة، وارتبط بعلاقة وثيقة مع الفنانين، وحضر محاضرات جان بياجيه و أهتم بعلم النفس. وقد تزوج من زميلته فريده زنديه التي كانت تدرس علم الجمال، وألتحق بجامعة السوربون لدراسة الهندوسية والتصوف  تحت إشراف هنري كوربان، وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الدراسات الهندية والفلسفة المقاربة برسالة تحت عنوان (العلاقة بين الديانة الهندوسية والتصوف حسب رواية مجمع البحرين دارا شكو)، ثم عاد إلى إيران وانخرط بتدريس الدراسات الهندية والفلسفة المقارنة واللغة السنسكريتية في جامعة طهران، واتاحت له هذه اللغة السنسكريتية الاطلاع على الفلسفات الهندية والكتب المقدسة المدونة بهذه اللغة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ذهب إلى باريس حيث عين مديرا لمعهد الدراسات الإسماعيلية حتى سنة 1988، وقد كان يكتب باللغتين الفرنسية والفارسية، ويمثل شايغان أحد المفكرين الإشكاليين والمثيرين للجدل، فلديه عدة أفكار مركزية تتمحور حولها نقده الفكري للثقافات الغير غربية، وتمحور مشروعه الفكري حول الفروقات الأساسية التي أضافتها الثقافة الغربية، ويعتقد بوجود تعارض وتناقض كبير بين الحضارة العالمية الحديثة وبين الحضارات القديمة ويقصد هنا الحضارات الاسيوية، التي وصفها بأنها لم تشارك التاريخ أعياده، قاصداً بذلك أنها لم تدخل المنعطفات الكبرى التي غيرت الحضارات الحديثة السيكولوجية والكوزمولوجية والبيولوجية، وقد اشتهر بكتاباته عن الحضارات الشرقية وعلاقتها بالحضارة الحديثة وطريقة تمثلها للحداثة الذهنية وقيمتها والاختلافات الكبيرة في بنية هذه الحضارات لدرجة التناقض، وتأثر شايغان بحلقة (اصحاب التأويل) وهي حلقة تتألف من خمسة إلى ستة اشخاص، يغوص فيها العلامة محمد حسين الطباطبائي مع هنري كوربان في مناقشات عميقة ويتحدث فيها الطباطبائي بالفارسية وكوربان بالفرنسية، ويقوم بالترجمة سيد حسين نصروعند غيابه يتولى شايغان مهمة الترجمة ومع أنه واجه صعوبات لأول وهله، وقد واضب على حضور هذه الحلقة، فأوقدت في وجدانه حماساً جياشاً في اكتشاف عوالم المعنى والافاق الروحية في الحضارات الاسيوية والأديان الهندية، وقد حظي بعلاقة جيدة مع الطباطبائي وهنري كوربان وقد شجعه كوربان على دراسة العلاقات بين الديانات والثقافات الهندية والإسلام والاطلاع على الترجمات الفارسية للنصوص السنسكريتية ، وقد مر فكر شايغان على ثلاثة مراحل، أولاً اعتقد أنه يوجد هناك تباين انطولوجي بين المجتمعات الشرقية والغربية، وهنا كان يميل إلى تبجيل الحضارات الشرقية وميراثها الروحي، ثانياً يكتشف فيما بعد أن الحضارات الشرقية لم تكن إلا انعكاساً لحالة الجمود والعجز عن التجديد وانطفاء الحيوية في هذه الحضارات منذ القرن السابع عشر، وهو القرن الذي شهد تربع الغرب وحداثته العقلانية على قمة الحضارات الإنسانية، وأبرز كتبه في هذه المرحلة هو ما الثورة الدينية الذي صدر بعد الثورة الإسلامية في إيران وكأنه رد مباشر على توجهاتها الإسلامية، ثالثاً هنا يتمكن شايغان من تجاوز مرجعياته القديمة جنباً إلى جنب مع تجاوز النقد الأحادي للغرب والحضارات التقليدية سواء بسواء، ويمثل كتابه هوية بأربعين وجهاً كأوضح مثال على هذا التحول الأخير في مسيرة شايغان الفكرية، وفي هذه المرحلة يشدد شايغان على ضرورة توجيه الفكر نحو وظيفة نقدية مزدوجة، بالكشف عن الادلجة المزدوجة التي طالت الحضارات التقليدية والحداثة معاً، كما أنه ينتهي إلى أن الهوية الأحادية النقدية والخالصة، سواء الغرب أو الشرق، ليست سوى وهم كبير، وهو وهم يتأسس على اختزال عقيم للتنوعات البشرية الهائلة في ثنائية زائفة (نحن والآخرون). ويعد شايغان أول من استخدم مصطلح حوار الحضارات وذلك في مؤتمر عقد في طهران عام 1977، حظي بمتابعة وثناء دولي كبير، وقد حصل على أهم جائزة وهي جائزة الحوار العالمي عام 2009، كما فاز بجائزة اتحاد الكتاب الفرنسيين عن روايته أرض المعراج في عام 2004، ومن مؤلفاته: الأديان والمدارس الفلسفية الهندية صدر بمجلدين عام 1967، الاصنام الذهنية والذاكرة الأزلية1976، اسيا مقابل الغرب1977، ما الثورة الدينية1982، النفس المبتورة 1991، هوية بأربعين وجهاً، الهوية والوجود، أوهام الهوية، النور يأتي من الغرب.(1)  

الغرب والشرق:

يعتقد شايغان بوجود تباين أنطولوجي بين المجتمعات الغربية والشرقية، وأن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن المجتمعات الغربية، فأن الفلسفة الغربية تستند إلى نمط التفكير العقلاني، بينما تقوم الفلسفة الشرقية على أساس المكاشفة والإيمان، والعلم لم يستقل عن الدين فقد كان تابع للدين والفلسفة، أما العلم في الغرب فقد تمرد على الدين و الفلسفة، ويعتقد شايغان أنه ليس بوسعنا احتضان التكنولوجيا والبقاء في أمان من تبعاتها الاستنزافية، فالتكنولوجيا بحد ذاتها حصيلة تحول فكري ونتيجة نهائية لمسيرة عدة الآلف من السنين، أذ التقنية بالضرورة تعبر عن غاية ومضمون التفكير الغربي وخصائصه وهي عبارة عن اختزال الطبيعة إلى شيئية الأشياء، والعقل إلى أداة ووسيلة، والإنسان إلى الغرائز، وتفريغ الزمان من أي معنى للمعاد، وبالتالي اختزال الإنسان في بعد واحد، ويرى شايغان أن مهمة المثقفين الاسيويين من أجل مقاومة وباء الغرب، يتمثل بصيانة هويتهم الثقافية عبر العودة إلى ذاكرتهم الأزلية، وإعادة اكتشاف الرسالة المضمرة في تلك الذاكرة، ويعني بالذاكرة الموروث الذي لا يرتبط بشخص معين، بل هو ذو طابع جماعي، وتشكل الذاكرة القومية لكل المجتمع، وهذه الذاكرة تكون انساب وجذور ذلك المجتمع، وهي التي تمكنه من التواصل مع الأحداث الأزلية والأساطير، لذلك تنعت بأنها(أزلية) والذاكرة الأزلية في مفهوم شايغان مستودع للكينونات متعالية على الماضي والحاضر والمستقبل والرسالة المشتقة منها هي التي تصوغ إنسانية الإنسان، ويستهجن شايغان وصف الشرق، بأنه ساكن متحجر يقدس الماضي، لأن ذلك يعني لديه وفاء الشرق للذاكرة الأزلية، كذلك يرفض (الاصنام الذهنية)، لأنها هي الأمانة الأبدية في ذاكرة المجتمعات الشرقية، وأكد شايغان على أن الإسلام، لاسيما التشيع يمثل الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، إذ كان لإيران في العالم الإسلامي ذات الرسالة التي كانت لألمانيا في الغرب، فقد سهرت إيران على سراج الأمانة الآسيوية في الإسلام، ويمثل التشيع الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، ورجال الدين أوعى وأكفأ حراس لهذه الذاكرة، والطبقة التي تحفظ الأمانة اليوم هي الحوزات العلمية في قم ومشهد.( يبدو أن شايغان منحاز للفكر الإيراني أو أنه لم يطلع بشكل جيد على منتج علماء العرب). وهنا نذكر أيضاً أن شايغان ينحاز لقيم الأنوار، ويعتبر منجزات الأنوار منجزات لكل الإنسانية، ويدعو الشرق لتقبل منجزات الأنوار، ويعتقد شايغان أن الحضارة الغربية وبفضل مؤسساتها الاجتماعية والسياسية، اصبحت تراثاً للإنسانية برمتها، ولكن مع هذا المنجز يعتقد شايغان أن الغرب يمر بمأزق حقيقي حيث يفتقر الغرب إلى الثراء الروحي في الحضارات التقليدية الشرقية، ويعاني الفراغ الهائل من المعنى، كما أن عقله التنويري الذي نزع السحر عن العالم إلى عقل أداتي تقني تتحكم فيه المصالح الرأسمالية بالدرجة الأولى، ومقياس قيمته الوحيدة هو قيمته الإجرائية ودوره في السيطرة على البشر وعلى الطبيعة، وفي المقابل لا يمكن للشرق بحضارته التقليدية أن يفلت من  مجال الجذب الهائل الذي خلق كحضارة عالمية، وما يطمح أليه شايغان هو أن يكون حوار بين الشرق والغرب.(2)

الهوية:

مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية التي شغلت فكر شايغان وناقشها في عدة كتب منها أوهام الهوية وهوية بأربعين وجهاً، ووصف الهوية بالريزوم(Rhizome) نسبة إلى النبات الريزوم الذي يتميز بامتداد جذوره بشكل أفقي تحت التربة، لتظهر فوقها بشكل متواصل ومستمر، بحيث يكون من الصعب التخلص منه، ويتميز بأنه لا مركزية له ولا تراتب، وهو بلا بداية أو نهاية، وأن أي جزء صغير منه يمكن أن ينمو وتجدد بشكل مستمر، وهذا التوصيف الأخير يطلقه شايغان ليوضح به مفهوم الفكر المتحرك والهوية الريزومية، هي التي تستقبل جذور اخرى بغض النظر عن نقاءها، لأن الأمر المهم في هذا النقطة هو الأسلوب الذي يتم به هذا الاقتراب من الجذور الأخرى ويستند شايغان في تحليله للهوية الريزومية على اطروحات جيل دولوز(1925- 1995)، وفيليكس غاتاري(1930- 1992). ونقد شايغان مفهوم الهوية النقية الأبدية الساكنة، وأحادية البعد المغلق، فعمل على تفكيكه ونقضه وتقويضه ثم صاغ مفهوماً آخر للهوية، مشتقاً من عصرنا وما تسوده من انطولوجيا مهمشة وتزامن للثقافات المتنوعة وكيف أمسى العالم في هذا العصر شبحاً، اصطلح عليه الهوية بأربعين وجهاً، وهي هوية مركبة ومنسوجة من شبكة من الترابطات الدقيقة، وكأنها ثوب يخاط بأربعين قطعة من قماش ذي ألف لون، ذلك أن التعددية الثقافية واختلاط القوميات وتمازج الأفكار والتهجن المضطرد، كلها ظواهر تجعلنا مستعدين لهوية مركبة، وأن الهوية النقية لم يعد لها وجود موضوعي بسبب انهيار العوالم المؤسسة لها، ثم أنها تكبلت بقيود ثقافية نقية وخالصة كما تسمى، فستؤول غالباً إلى تحجر الهوية وكل هوية على كل حال تركيبية وكيان هجين، يحمل ترسبات كل الأشكال والطبقات النفسية، وكلما كانت هويتنا الأولى عرضة للتمزق، كلما لذنا بقوقعتنا أكثر، ويعتقد شايغان أن الإنسان المعاصر ما عاد قادر على حفظ كينونته داخل حدود هوية معينة، فكلما شددنا على هويتنا، وكلما رفعنا اصواتنا بالانتماء لهذه الجماعة أو تلك الأمة، أفصحنا عن هشاشة هويتنا أكثر من ذي قبل، إن معاناة الإنسان اليوم من أزمة هوية مردها إلى أن الهوية لم تعد مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، فالهوية الفرنسية مثلاً تجاوزت اليوم حدود فرنسا، وتمددت على كل المساحة الاوربية ومن يدري ربما اتسعت غداً في كل كوكب الأرضي، والهوية النقية الرتيبة، ومثالها الهوية المنبثقة من شعب أو دين منغلق، لا تتكرس إلا بإلغاء الآخرين، وطبعاً لا يعني هذا الكلام أن شخصيتنا ذائبة في مركب لا شكل له ولا عنوان، إنما معناه أن اختزال شخصيتنا إلى فردية خاوية، لم يعد يلبي حاجة واقعنا الفردي المعاصر الذي غدا مركباً ومعقداً بخلاف بعض الطروحات الساذجة التي تؤكد بساطته ونقاءه، فكلما هيمنة الايديولوجيات بعثت الروح في الاصوات الماضية، وانتشالها من اعماق التاريخ، كذلك تنقل كل مستويات الوعي المتواجدة في دواخلنا بالقوة إلى مرحلة الفعل وتعبر عن وجودها إلى جانب بعضها، وتنبئ عن هويات كنا ذاهلين حتى عن وجودها. ويعتقد شايغان أن الهوية ما هي إلا مجرد وهم ويمكن القول إن جميع القيم التي تراكمت عبر الآلف السنين وكل الجهود التي بذلت في سبيل تثقيف الروح، قد غدت فجأة مجرد أوهام، وأن الحقيقة ليست سوى أرادة القوى هذه المرتسمة على وجه الإنسان التكنولوجي. أن الهوية في عالم اليوم مفتوحة على كل ضروب التلاقح والاختلاط والانشقاق والتشظي والاندماج والتخليق والتعبير وبروز مضامين جديدة بما يظهر وهمية العالم.(3)

الهوية في الحضارات التقليدية:

يعتقد شايغان أن الحضارات التقليدية عندما اصطدمت بفكر الحداثة والحضارة الغربية، حاولت مقاومتها، ولكنها اثناء مقاومتها تأثرت بها، وأن الحركات الإسلام السياسي الحديثة التي تتحدث عن صلاحية الدين لكل الأزمنة وعدم تعارضه مع العلم أو القيم الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي في الحقيقة تعلمن الدين وتفرقه من محتواه الروحي التقليدي، بمعنى أنه عندما نقول أن الدين لا يتعارض مع العلم، أو مع الديمقراطية فهذا معناه أن الدين أصبح يستمد مشروعيته من هذا الانسجام مع الحضارة الكونية وليس من الإيمان، وهذا العملية يسميها شايغان العلمنة اللاواعية والتغرب اللاواعي. ويرى شايغان أن الحضارات التقليدية قد انهارت بسبب الحداثة، ونتج عن هذا الانهيار حالة من التخبط لرعايا الحضارات التقليدية في تعاملها مع الأفكار الحديثة التي لم يشاركوا في انتاج اسسها النظرية، ويعتقد شايغان أنه لا توجد حضارة كونية واحدة غير الحضارة الغربية وقيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن المجتمعات التقليدية لا تستطيع مقاومة هذه الحضارة وخلق نموذج حضاري جديد وكل مقاومة أو فكر مقاوم لهذه الحضارة الغربية لا ينتج عنه إلا مزيداً من التغرب اللاواعي، وأن قيم الحضارات التقليدية قد انتهى زمنها كأرضية سياسية أو اقتصادية، ولكن بقي فقط دورها الروحي. وأن الهوية في البلدان الإسلامية على جانب كبير من التعقيد، بسبب وجود  هوية جديدة على الهوية القومية الدينية في المجتمعات، أذ هذا الهوية ولدت من رحم الحداثة، أي أنها كانت حصيلة مجموعة ن الآراء والمفاهيم، على كل حال راح العالم يتخبط من دون إرادة منه في عالم لا تمت مفاهيمه الوافدة بأي صلة حقيقة للمفاهيم المحلية المألوفة، وذهب يتخبط في الحفاظ على الهوية لكنه انتجه عدة هويات .(4)

التعددية الثقافية:

التعددية الثقافية ظاهرة تنتمي لعصر ما بعد الحداثة، إنها ظاهرة تقترن بزعزعة شرعية السلطة الوطنية وعولمة الاقتصاد، ففي مثل هذا الإطار الواسع، تغدو الثقافة أداة ايديولوجية للمقاومة بوجه تنشيط الاقتصاد العالمي، بموازاة انتشار الرأسمالية، وجاءت إلى السطح عبارات ومصطلحات تعبر عن الهوية ومنها أسلوب الحياة والسياسة والثقافة والحرية في كل اتجاهات الأفكار التي تفرضها العولمة، ولم يعد هدف التعددية الثقافية توطيد الوشائج بين الثقافات الموجودة، وإنما تحرير وتعبئة قوى فاعلة قادرة على إنتاج هويات جديدة، والتعددية الثقافية هي قدرة إنسانية عامة على ابتداع قيم جديدة. وفي ظل التعددية الثقافية وانشطار الهوية يعتقد شايغان، أن الحوار ممكن ولكن لابد أن يلتزم بعدة شروط:

1-  يجب العزوف عن التطرف الحاقد والخطابات المعادية، وهي خطابات تحترف اللعن والتفكير بسبب افتقارها لاستدلالات متماسكة.

2- يجب أن نتقبل عدم وجود ثقافات مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما نحن دائماً حيال انساق وجود لا يفيض لها الازدهار إلى داخل نطاق الحداثة.

3- أن الاواصر بين أنساق الوجود هذه ومستويات المعرفة تأتي على شكل حوار الإنسان مع ذاته ومع الآخر لا في صورة فعل ثوري للغاية منه قلب السلطة وينبغي أن نقتنع كذلك أن الحوار ممكن على مستوى الأفقي.(5)

الايديولوجية:

أن الايديولوجيا هي نمط هجين يجمع بين الفكر الديني والفلسفي، وهي نمط جديد من الفكر لن يكون فلسفياً بأتم المعنى ولن يكون ديناً، إنه شيء ما بين الأثنين يأخذ من الدين طاقته الوجدانية، ومن الفلسفة مظهرها المعقول والاستدلالي، والايديولوجية تتوفر على شحنة انفعالية كبيرة، وذلك لاحتوائها على العاطفة الدينية، وعلى جهاز منطقي عقلي، وإذا كان العلم مؤسس التجربة فإن الايديولوجيا دوغمائية، فهي تسلم بمقدماتها على أنها حقائق قبلية من دون أن تحتوي على الشك في مدى صحتها تجريبياً، وبعبارة أخرى إنها لا تكلف نفسها عناء وضع ما تعلنه على محك الإثبات، والايديولوجيا ليست فلسفة كذلك، فالفلسفة هي في تساؤل عن مشكلة الوجود ووضعية الإنسان، في حين أن الايديولوجيا نسقاً مقفلاً ومغلقاً على نفسه، والايديولوجيا ليست فكراً جدلياً، لأنها تفرغ من السلبية، وتأخذ بالمنطق، وليست أيضاً ديانة، لأنها تنفي كل تعال وكل وحي، إنها بمعنى من المعاني الوليد الطبيعي لعصر الأنوار، ونتيجة لذلك لا يمكن للايديولوجيا أن تؤثر في عالم ديني تقليدي، ولا في عالم تهيمن عليه الفلسفة، ولكنها تصبح فاعلة ومؤثرة عندما يصل العالم إلى طريق مسدود، وأن نجاح الايديولوجيا تابع من كونها تلبي حاجتي الإنسان الرئيسيتين، وهما حاجة إلى الاعتقاد وحاجة إلى تفسير الاعتقاد وتبريره. والايديولوجيا تحلل الواقع حسب إطارها المرجعي الخاص، وإنها إذاً فكر منغلق على نفسه ودوغمائي مستعص على التجربة، ولهذا الفكر الايديولوجي فكر لا جدلي ومضاد للتاريخ، والايديولوجية تقع عند تخوم الوعي واللاوعي، فهي تستمد مقولاتها السحرية اللاعقلانية من الوظيفة الرمزية للاشعور، وتستمد جهازها العقلي من كونها تعتمد كأداة على عقل هو شكلي النزعة، أن لا عقلانية الايديولوجية تنبع إذاً من كبتها للإسقاطات، أي من لا شعور محروم من رموزه الطبيعية، من لا شعور تترتب فيه جميع بقايا المزايا المهمشة، أن الايديولوجيا ثنائية النزعة بالمقارنة مع البنى الكبرى للفكر التقليدي التي كانت ثلاثية ومندمجة في النظام الانطولوجي للعالم وحافظة لكل تناظرات العالم الصغير والعالم الكبير.(6) ويحذر شايغان من إدلجة المأثور الديني، فتخرجه من مجاله الخاص إلى حل مشكلات العالم، وتحويله إلى ايديولوجيا فيكون عرضه لشتى الآفات، لأن الايديولوجيات جميعها معرضة للآفات والأخطار، ويحذر من ايديولوجية (دنيوية الدين)، بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس والممارسات الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي، أن المفاهيم الدينية في غاية الدقة، وإذا ما خرجت عن حدودها الخاصة، فقدت قابليتها وإمكانيتها، مثال يعتبر الوضوء ممارسة تهدف إلى النظافة والصحة، قد يكون للوضوء أثر صحي ولكنه أولاً أثر ضئيل المساحة جداً لدى المسلمين، وثانياً الوضوء ممارسة دينية صرفة، إنه ليس فعلاً صحياً، وإنما هو فعل رمزي وبمجرد أن نجعله صحياً، تكون قد أسقطنا عنه طابعه الرمزي الديني.(7)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش:

1- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ترجمة حيدر نجف، مراجعة وتقديم عبدالجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ص5- 7- 8- 10. وينظر أيضاً داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ترجمة محمد الرحموني، دار الساقي، بيروت، ص10- 11.

2- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص16- 18- 19- 29- 62.

3- ينظر المصدر نفسه، ص27- 29- 107- 108.

4- ينظر المصدر نفسه، ص121.

5- ينظرالمصدر نفسه، ص93- 94- 101.

6- ينظر داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ص217- 218- 219- 223- 227.

7- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص24.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت على هذا الاجمال والتدقيق والتحقيق في الانتاج الفلسفي والمعرفي لهذا المفكر الكبير.

د.ابوبكر خليفة أبوبكر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5046 المصادف: 2020-06-29 03:27:12