 أقلام فكرية

مكانة الدين في الجمهورية (3): الدين وعدم الهيمنة

علي رسول الربيعيأصبحت مسألة الهيمنة موضوعًا يعترض الفلسفة السياسية نظرًا لأهمية النظر ومعالجة اختلالات توازن السلطة والظروف البنيوية التي تقوض المساواة في  الحرية التي تتجاوز الضمانات الدستورية الأساسية. تعتبر مشكلة الهيمنة مهمة في أطار المناقشات حول الدين ومكانته في الجمهورية، نظرًا لتأثيرها على علاقات السلطة غير الرسمية في المجال العام المحلي والاجتماعي، وفي أشكالية اكتساب التفضيلات. يقدم منظور الجمهورية النقدية عند لابورد مساهمة مهمة في فهم الهيمنة وكذلك الاعتراف بوجوب أن يكون الخطاب الديمقراطي مفتوحًا لتعددية القيم الجوهرية، التي تعتمد على تفسير وتطبيق المبادئ السياسية. ومع ذلك، يشكك هذا الاعتراف في المفهوم الجمهوري لعدم الهيمنة باعتباره ركيزة النشاط السياسي.[1] عندما يجادل بيتيت بأن "عدم الهيمنة هي مصلحة شخصية، فلدى كل شخص سبب خاص لما يريده، وما يقيمه أو يقدره ".[2]  فأنه  يؤيد وجهة نظر الحرية التي تدعي أنها محايدة المضمون أو المحتوى، إنه يلزم الجميع بمثال محدد للفرد الحر، ويعتبر السياسة هي متابعة لشروط وظروف تحقيقذاك المثال للحرية. ويشير لوفيت بدوره إلى السعي وراء عدم الهيمنة كخير أساسي ويؤكد على أولويته على الخيرات الأخرى؛[3] بينما -نجد- لابورد أكثر تقبلاً لاحتمال أن الثقافات الثقافية المختلفة تفسر وتزن المبادئ السياسية الأساسية بشكل مختلف، إلا أن إعادة صياغتها للمشروع الجمهوري لا تزال قائمة على مبدأ عدم الهيمنة بوصفها فكرة سلبية أو حيادية المضمون للحرية. فبالنسبة لها، إنعدم الهيمنة هي وسيلة أما الغاية فهي الجمهورية النقدية.[4]. كل هذه المنظورات مبنية على الحرية باعتبارها عدم هيمنة كمبدأ رئيس للنظرية السياسية. يتعارض هذا النهج مع التنافس بين المفاهيم المتعددة للحرية والعدالة في المجال العام الديمقراطي، والتي هي جزء لا يتجزأ من السياقات التاريخية المختلفة والثقافات الديمقراطية المتعددة. من وجهة نظرنا، إن الافتتان بفكرة مبدأ وحيد محايد المضمون معرض، في نهاية المطاف، لخطر دفع تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية المعقدة إلى مسار تحليلي ضيق. هذا الميل "الأحادي" و"الشكلي" لـ نظرية عدم الهيمنة لاستيعاب جميع المُثل السياسية والخيرات في إطار فكرة واحدة خالية من مضمون عدم الهيمنة لا يعترف بشكل كافٍ بدور القيم الجوهرية في المباراة والمنافسة الديمقراطية. يلاحظ لارمور، من منظور تعددي، أن عددًا من القيم المختلفة، التي لا يمكن تجاهل أي منها، قد اتخذت اسم "الحرية"، ويجب أن يكون همنا ليس تحديد أي منها يجسد جوهر الحرية، ولكن الاعتراف بالاختلافات بين هذه المًثل أو التصورات ورسم روابطها وصلاتها.[5]  

لايمكن فهم ديناميات  السلطة تماماً عن طريق مخطط ثنائي التقسيم؛ وكما يؤكد ميشيل فوكو، فإن السلطة ليست شيئًا يمكن أن يمتلكه الفرد / الجماعات؛ إنها متضمنة ومتجذرة في شبكات معقدة من العلاقت بين الأفراد والجماعات. إن التحرر من الهيمنة ليس باتجاه واحد اذ يمكنه أن يولد دائمًا أشكالًا جديدة من الهيمنة الاجتماعية والسياسية؛ علاوة على ذلك، فإن التحرر من الهيمنة ليس مطلقًا ولا مجرد تطبيق لمبدأ تجريدي، أنه يتصل بالانتماء إلى العلاقات والبنى المجتمعية.[6] تُستمد المصادر لمقاومة الهيمنة من المؤسسات السياسية من الأنتماءات الاجتماعية المتنافسة؛ ويبدو المواطن الذي يحمل أنواعًا متعددة من الارتباطات والقيم المجتمعية التي تقدمها الأسرة والمنظمات الدينية والجماعات الاجتماعية السياسية صامدًا بشكل خاص تجاه حالات سيطرة الدولة أو هيمنتها. من ناحية أخرى، فإن المواطن الجمهوري الصالح الذي تأتي مصادره ضد الهيمنة من التمسك الكافي بالقوانين والانتماء إلى المجتمع السياسي أكثر عرضة للخطر، لأن القوانين نفسها قد تكون متواطئة في الهيمنة النظامية التي تمارسها المؤسسات السياسية.

يعني نهج عدم الهيمنة أن يكون محايدأ من حيث المحتوى بحيث يمكن لجميع المواطنين دعمه بغض النظر عن وجهات نظرهم الشاملة، ويرتبط تحقيق حالة عدم الهيمنة، في كل من السياقات الدينية والعلمانية، بالديناميات التي توفر الحواجز والمصادر لمعارضة قوة وسيطرة الآخرين. يعتمد التحرر الاجتماعي والسياسي على السياق؛ وتظهر علاقات جديدة من الهيمنة المادية والرمزية من خلال إعادة ترتيب نظام السلطة والشرعية الخطابية. ونتيجة لذلك، فإن إشراك أصوات وقوى مدنية متعددة في الساحة الديمقراطية أمر مفيد لضمان الحد من علاقات الهيمنة. في الممارسة الديمقراطية الفعلية ، فإن الآليات المؤسسية وتعدد وجهات النظر العالمية الشاملة الداعمة للديمقراطية والمنتشرة بين السكان هي ما يعطي جوهرًا للسعي وراء عدم الهيمنة، بدلاً من الالتزام العالمي بمثالية مجردة، محايدة من حيث المضمون يلتزم به جميع المواطنين.

باختصار، نحن نقدر أن التركيز على عدم  الهيمنة  كمفهوم سلبي أوشكلي للحرية يضيق نطاق التنظير السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدور الديمقراطي للقيم الجوهرية-الموضوعية والممارسات المجتمعية. يجادل المفكرون الجمهوريون الآخرون على النقيض من نهج عدم الهيمنة، بأن تلتزم  الجمهورية بشكل من أشكال الحرية الإيجابية التي تعطي أهمية أكبر للدين.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

 [1] Skinner, Q. (2012b) " On the Liberty of the Ancients and the Moderns: A Reply to My Critics", Journal of the History of Ideas 73(1): 127-146.

 [2] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. 80-81.

 [3] Lovett, F. (2010b) “Cultural Accommodation and Domination”, Political Theory 38(2): 243-267.    

 [4] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy.15.

 [5] Larmore, C. (2001) "A Critique of Philip Pettit's Republicanism", Philosophical Issues 11: 229-243. 233.

 [6] Mendieta, E. (2012) " Spiritual Politics and Post-Secular Authenticity: Foucault and Habermas on Post-Metaphysical Religion", in Gorski, P.S., Kyurnan Kim, D. , Torpey, J., and VanAntwer­ pen, J. (eds) The Post-Secular in Question. Religion in Contemporary Society. New York andLondon : New Yark University Press: 307- 334.320.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5049 المصادف: 2020-07-02 02:56:26