 أقلام فكرية

ميتافيزيقا اللغة.. متناقضات دي سوسير وجاك ودريدا

علي محمد اليوسفتقديم: في مقاربة ليست حرفية لما جاء في مبحث أحد الاكاديميين المتخصصين بفلسفة اللغة ما معناه، أن اللغة كمبحث ميتافيزيقي لم يأت به نيتشة رغم اتهام هيدجر له انه آخرالفلاسفة الميتافيزيقيين، لكن مبحث اللغة تطور بصيغته الميتافيزيقية الحديثة لدى فلاسفة البنيوية يتقدمهم دي سوسير (1857 – 1913) الذي ارسىاه كمفهوم ومبحث فلسفي معه وقبله فريجة، جاكبسون، وفينجشتين، والشكلانيون الروس.

الحقيقة أن اقطاب فلسفة البنيوية بأستثناء كلا من دي سوسير ورولان بارت والى حد ما أورده شتراوس في دراسته تاريخ اثنولوجيا الاقوام البدائية في تعالق تلك المراحل السحيقة ما قبل اللاتاريخ أي التاريخ المفقود الذي لم تكن تمتلكه تلك الاقوام في تلك الازمان السحيقة كتاريخ يعرف التدوين والوقائع والاحداث ورسم الحروف الصوتية اللغوية والكلام التي كانوا يتعاملون به شفاهيا ومن هذا الاستقراء الانثروبولوجي ذهبت البنيوية الى أسبقية الكلام على أختراع الكتابة.

اللغة عند تلك الاقوام كانت لهجات بدائية هي اصوات ايحائية تخاطبية اكثر منها دلالة لغوية تاريخية انثروبولوجية.. وقام شتراوس دراسة بقايا ومخلفات تلك الاصوات في اسقاطها تاريخيا على قبائل معاصرة مقصّية منعزلة عن التقدم التاريخي الحضاري في دراسته لهجات التخاطب الصوتي عندهم. كما درس عادات الزواج والقرابة وتبادل النساء وغيرها، كانت تلك المرحلة اللاتاريخية التي لم تترك من لا تاريخيتها سوى بقايا هياكل عظمية وبعض اللقى الاثرية وبقايا تنقيبات وحفريات... كانت مثار أهتمام فيلسوف البنيوية شتراوس،في دراسته انثروبولوجيا اللغة، ما عدا هذا الاهتمام الذي نعتبره بدئي في دراسة فلسفة اللغة نجد علوم اللسانيات وفلسفة العقل والتحول اللغوي في نظرية المعنى لم تكتمل كفلسفة اولى الا بعد النصف الثاني من القرن العشرين. أي بعد أفول نجم الفلسفة البنيوية الذي رافقه أفول نجم الفلسفة الوجودية مطلع سبعينات القرن العشرين لتنتهي بهما (الوجودية والبنيوية) المرحلة البدئية الاولى من فلسفة اللغة ويقفل تطورعلوم اللسانيات في فلسفة اللغة بأنكفاء البنيوية عنها وأقتصارها على مباحث علمية تاريخية سردية بعيدة عن محورية الاهتمام باللغة وعلومها كفلسفة اولى معاصرة..

هذا الميل نحو انعطاف البنيوية عن مركزية مبحث اللغة واللسانيات الى مباحث فلسفية جديدة، تبلور بالتوازي معه وفي أعقابه ما عرف لاحقا التحول اللغوي والفلسفة الاولى في القرن العشرين فلسفة العقل والوعي وفلسفة اللغة والمعنى.

حين وجدنا الاهتمام البنيوي بالمنحى اللغوي الفلسفي أضحى متراجعا جدا لدى فوكو في الجنسانية والجنون والسلطة والتوسيرفي نقده السردية الماركسية وجان لاكان في نقده علم النفس الفرويدي وغيرهم من فلاسفة البنيوية في تناولهم مباحث فلسفية علمية تراجعت فيها مركزية الدوران حول مبحث اللغة بما هي الفلسفة الاولى في علوم اللسانيات كظاهرة صوتية ترتبط وثيقا بالادب كخاصية نوعية يمتلكها الانسان في تعبيره عن الحياة في ضروب مختلفة من الاجناس الادبية أو الفنية معا.

جرى مع هذا التوازي التزامني الفلسفي في الابتعاد البنيوي عن فلسفة اللغة كفلسفة اولى، ظهور تيارات التفكيكية والتاويلية والتحليليلية وغيرها لتصبح فعلا فلسفة اللغة موضة تاريخ الفلسفة المعاصر بعد مغادرة تاثيرات فلاسفة البنيوية الدخول على مسارات فلسفة اللغة المتطرفة وتصحيحها.

أن من الحقائق التي لا يمكن التنكر لها أن الفلسفة البنيوية ازدهرت مع تنامي بروز ما بعد الحداثة في اسقاطها الانسان والعقل والسرديات الشمولية وتمجيد الذات وأهمالها التام لهذه الاقانيم الفلسفية التي دامت قرونا طويلة مهيمنة على تاريخ الفلسفة وأسقطتها ما بعد الحداثة جميعا من قاموس تاريخ مباحث الفلسفة وازدرتها باعتبارها ثوابت ميتافيزيقية ضللت مباحث الفلسفة قرونا طويلة وهاجمتها بعداء شديد كلا من البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية وغيرها من منطلق نظرية المعنى اللغوية.بأن الفلاسفة طيلة قرون طويلة من عمر تاريخ الفلسفة كانوا يناقشون مباحث لا معنى حقيقي لها والسبب الطعن بلغة التعبيراللغوي في مخاتلة  الافصاح تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية. لذا ذهبوا الى حقيقة وجوب تصحيح مسار الفلسفة الخاطيء أنما يبدأ وينتهي في تصحيح مسار تعبير اللغة في نظرية المعنى قبل كل شيء. ولا يعني أن هذا التوجه كان أمينا صادقا مع نفسه محاولة الوصول لما طرحه تحت ذريعة انقاذ الفلسفة من انحرافاتها التاريخية المزمنة الطويلة.

هل مبحث اللغة ميتافيزيقيا حقا؟

يشير الباحث الاكاديمي اللغوي الذي نناقش افكار دي سوسير كما وردت على لسانه في بحثه المشار له نهاية المقال أنه بالرغم من أن فلاسفة البنيوية وجدوا في طبعات فلسفتهم البنيوية المتعددة المتنوعة أنها حركة علمية وفضاءا أو مناخا جديدا قادهم الى طرح جملة من الموضوعات التي لم يألفها الفكر والبحث الفلسفي، الا أن البنيوية كانت بتوصيف دريدا صيحة موضة ظهرت في ستينات القرن العشرين1 . لتخمد البنيوية بعدها كفلسفة زامنت الوجودية ودفنت الى جوارها، وهذا تجّني غير مسبوق بحق فلاسفة البنيوية الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بضروب فلسفية من مباحث غير مسبوقة تجري مناقشتها وتداولها الى يومنا هذا في ميراث فلسفي غني تركه لنا عمالقة الفلسفة البنيوية رغم التحفظات الوجيهة التي طالتها بالنقد من لدن مدارس فلسفية مناوئة للبنيوية عملوا على أغنائها من حيث لا يعلمون أكثر منه أثارة الاستعداء غير المبرر في محاربتها وتشويه مباحثها الفلسفية.

ونعود ثانية للباحث العربي يمضي متماهيا مع هجوم دريدا على البنيوية الميتافيزيقية لغويا مستعيرا قوله (أعتبر دريدا البنيوية برمتها ضربا جديدا من الميتافيزيقا للعلامات اللغوية التي تقوم على مركزية الصوت ويستند نسقها على أسبقية الكلام على الكتابة، لذا كانت البنيوية محاولة لتكريس العقل الميتافيزيقي من خلال اللغة).2

حسب العبارات السابقة التي أدرجها الباحث على لسان دريدا في محاولته تبرير هجومه على الفلسفة البنيوية وأعتباره اللغة ضربا من ضروب الميتافيزيقا نعقب على وجه التقريب التوضيحي السريع المقتضب بما يلي:

- اللغة ضرب من البحث الانثروبولوجي العلمي وليست مبحثا في الميتافيزيقيا بمعنىاه المفهومي الغائم الغيبي غير المحدد المتواضع عليه اصطلاحيا. اللغة ليست خاصية انسانية أبتدعها الانسان من غير فهمه قيمتها المعرفية بالحياة كي يتغاضى عنها فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات اليوم كونها ميتافيزيقا عقلية لا تصلح مبحثا فلسفيا في وقت فتحت فلسفة اللغة مجالات وفضاءات فلسفية كبيرة رغم انزلاقاتها نحو النسق اللغوي النحوي المقفل على نفسه في تطرّفات فلسفية عديدة تقوم على مبتدأ ومنتهى فهم الانسان وقضاياه المعاصرة ومفتاحها هو حل الغاز ازدواجية اللغة بين المعلن والمخفي في اللغة وليس في أيضاح واقع الحياة كما نجده في التفكيكية حصرا في تغييبها العمد لكل شيء خارج استراتيجية التقويض والهدم داخل نص اللغة وليس خارج معناه في الدلالة الاجتماعية.

أو هل لم يدرك المعنيون أهمية اللغة الوظائفية في تنظيم الحياة ووضع قواعد محكمة لها ،من دونها تصبح اللغة اصوات وعلامات لامعنى لها أو لم تلعب اللغة دورا انثروبولوجيا حضاريا متميزا في تقدم حياة الانسان.؟ ولو كانت اللغة من مفاهيم الميتافيزيقا غير الجديرة بالاهتمام العلمي والانثروبولوجي لما حاول دريدا تتويج تفكيكيته اللقيطة في مركزية الاهتمام الفلسفي باللغة مرددا عبارته لا شيء خارج اللغة.

-  لكل لغة قواعد من النحو والصرف وغيرها بدونها لا تكون اللغة نظام عقلي هادف لمعنى، اللغة ليست اصوات وعلامات وكلمات مجردة كيفما نرصفها عشوائيا مع بعضها تعطينا معنى محددا دلاليا لشيء، ما لم يكن هناك نظام وقواعد داخلية لها تضبطها وتنّظم معانيها في تعبيرها عن مدلولاتها الحياتية. وكل ما هو ميتافيزيقي لا يكون عقليا واقعيا بالحياة حتى بالفهم السطحي الابتذالي لمعنى الواقعية، واللغة أهم موجود واقعي مجتمعي نفسي يدلل على جوهر الانسان كموجود عقلي ناطق منتج، ومن السخف المطالبة باثبات وجوده الطبيعي وهو الجزء المتمايز وجودا عن الطبيعة التي لم يكن لاحد ادراك أهميتها من دون الانسان وكذا الحال مع اللغة خاصية الانسان النوعية المتفردة التي لازمته كوجود وليس ميتافيزيقيا كمفهوم يلازمه خارج صنع الانسان للحياة.فاللغة مبحث قرين دراسة انثروبولجيا الانسان وليست مبحثا تهويميا في عالم الميتافيزيقا في تجريد اللغة كدلالة محايثة لفهم كل شيء في الواقع والخيال المتحقق منجزا ابداعيا.

- اذا كانت اللغة حسب أدانة دريدا مبحثا ميتافيزيقيا جاءت به البنيوية في مراحله الاولى لا أهمية له فأين نضع ميتافيزيقا اللغة التفكيكية التي أبتدعها، وتركها لغة عشوائية في عملية الهدم والتقويض النصي حتى من دون اشارة واحدة تفتح سبل خلاص لا نهائية نفق استراتيجية الهدم والتقويض والاختلاف والارجاء في النص الى ما لانهاية له؟

وأن مطرقة الهدم التفكيكية التي أستعارها دريدا من نيتشة ومن بعده عن غادمير هي المرجعية العقلية الوحيدة التي نأمن بها أعدام كل ماعداها من بنى لغوية معرفية حفاظا على مطرقة الهدم والتقويض كهراوة انسان الكهوف الحجرية التي نظلمه تقديسه لها لانها كانت وسيلة بقاء حياته في الدفاع عن نفسه وليست وسيلة تقويض بقائه..

- اراد دريدا في هجومه اللاذع على البنيوية دونما أعترافه خروجه من تحت معطفها، الاستعانة الضمنية في أعتبار ما بعد الحداثة هي من المرجعيات التي أعتمدتها البنيوية بعدما أستنفدت الحداثة نفسها وأغراضها بالتقدم العلمي والتكنولوجي والعقل الذي الحق الاضرار الكبيرة في المسار الحضاري المعرفي للبشرية بحرب عالميتيين، لذا لماذا لا يستعير دريدا هذا الفهم في مصادرة مرجعية العقل باعتباره من ثوابت الميتافيزيقا التي يتوجب مغادرة الركون لها والتسليم بها. طالما سبقته البنيوية أنكارها العقل والانسان ومنجزات العلم في التكنولوجيا حصرا في تماهيها ما بعد الحداثي.

- العقل تفكير مادي تجريدي غير ميتافيزيقي ميزته توليد اللغة في تمثلاته الواقع صوريا تجريديا، فكيف ينتج ماهو لا ميتافيزيقي(العقل) اللغة حسب معلومات دريدا التي يعامل (اللغة) ميتافيزيقية في حقيقتها على حد طعنه لها في البنيوية وأباحتها لها في التفكيكية !؟

بعبارة توضيحية أكثر هل ينتج عن العقل الذي هو مرجعية ميتافيزيقية حسب دريدا لا قيمة له توليد (اللغة) التي يقيم دريدا فلسفته التفكيكية غير الميتافيزيقية عليها في عبارته لا شيء خارج نص اللغة؟ لتصبح مقولة فهم العالم من حولنا هو فهمنا التعبير اللغوي عنها ومن خلالها ...

أم أن كل ما هو لا ميتافيزيقي(العقل) لا ينتج عنه غير كل ما هو لا ميتافيزيقي  يجانسه بكل الخصائص كحال اللغة كما يرغبه دريدا.؟ ومن هنا تكون اللغة في فلسفة تفكيكية دريدا ميتافيزيقية لا في حقيقتها الماهوية كجوهر انثروبولوجي بل في حقيقتها المراد لها ان تكون تفكيكية فلسفية لا قرار نهائي تتوقف عنده..ويعلم أو لا يعلم دريدا أن تفكيكيته غارقة في تجريد ميتافيزيقي لا معنى له اطلاقا في تحميل اللغة ما ليس بها ولا تحتمله.فاللغة اذا كانت أهم بعد نوعي انساني من ابعاد الوجود، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة في فهمنا الحياة التي تستوعب اللغة كخاصية انثروبولوجية مجتمعية واقعية وليست مفهوما تجريديا يسبح في فضاء الميتافيزيقا.

ومن هذا المنطلق وجد دريدا أنكار وجود العقل والانسان والعلم وكل سردية أن تكون مرجعية أحتكام لما تقوم به التفكيكية من هدم وتقويض لا نهائيين داخل النص الذي لا عالم حقيقي خارجه يستحق الاهتمام به.

متناقضات دي سوسير اللغوية

من الحقائق المجمع عليها فلسفيا في علوم اللسانيات وفلسفة العقل واللغة والمعنى، هي أن الفكر واللغة لفظتان متداخلتان للدلالة عن معنى واحد، وهما وجهان لعملة واحدة في التعبير الدارج. بمعنى واضح لا يمكن التفكير من غير لغة، ولا يمكن تعبير الفكر عن شيء من غير تأطير اللغة لذلك التعبير الفكري.

وعلاقة الفكر باللغة هي علاقة الشكل بالمحتوى.عليه نجد دي سوسير يؤكد هذه الحقيقة لكن بمتوالية من التناقضات وردت نقلا على لسان الباحث اللغوي وعلى ذمته في الترجمة (الامينة) للمصدر الاجنبي الذي أعتمده.

يقول دي سوسير (اللغة سابقة على الفكر، بل هي تستوعبه وتحتويه كما يحتوي الكوب الماء، ولا يوجد شيء خارج اللغة، فحقيقة الفكر ليست مادية، وتصوراتنا ومفاهيمنا تكمن في البنية اللغوية ، ويستحيل فصل الصوت عن اللغة، أو فصل الفكر عن الصوت)3

نجمل تعقيبنا النقدي الاولي التوضيحي السريع بالتالي :

1- كما يعّبر دي سوسير أن اللغة تسبق الفكر نقول ولماذا لا يسبق الفكر اللغة طالما هما تعبيران لدلالة واحدة متداخلة لا يمكن الفصل الاعتسافي بينهما في الاسبقية التراتبية الادراكية.؟ ولم يوضح سوسير متى وكيف تكون اللغة سابقة على الفكر؟ كما سنوضحه لاحقا في حال تسليمنا بصحة ما ذهب له سوسير في مقولته اللغة تسبق الفكر. وهل توجد تراتيبية في الاسبقية بين الفكر واللغة وكيف نفهمها؟

2- قول دي سوسير(لا شيء خارج اللغة) مقولة مثالية خاطئة أصبحت فقرة مقدسة في البنيوية والتفكيكية والتحليلية المنطقية الحديثة وجميع التيارات الفلسفية المثالية المتعالقة في التعايش اللغوي المشترك بينهم.، وسنأتي على توضيح ما تحمله العبارة من تناقض. وقول سوسير (حقيقة الفكر ليست مادية) تحمل في أحشائها بطلانها نناقشه لاحقا أيضا.

3- قول دي سوسير (يستحيل فصل الصوت عن اللغة، أو فصل الصوت عن الفكر) هو أفتراض تعبيري مطعون بصوابه الواقعي الحقيقي سلفا، فاذا كان الصوت قرين اللغة فالصوت ليس قرين الفكر، الفكر تعبيره الصوتي هو اللغة المنطوقة وبغير اللغة كأصوات تعبيرية يبقى الفكرالملازم لها حبيس الصمت غير الصائت والمنطوق الذي هو خاصية اللغة وليس خاصية الفكر.

تعقيب ختامي عام

من حيث التعميم المنطلق من حقيقة الفكر هو اللغة تصبح مقارنة التفريق بينهما في الاسبقية الفلسفية غير واردة. اللغة سابقة على الفكر كما اشار له دي سوسير، أذن هما دلالة لمعنى واحد ولا يمكن الفصل بينهما فاللغة شكل والفكر مضمون للتعبير عن شيء واحد كمثل كوب الماء الذي اورده سوسير.

لكن متى يمكن أباحة التفريق بين الفكرواللغة ومقارنة الاسبقية (المشروطة) بينهما؟ هذا التفريق بين الفكر واللغة قد يرد مباحا في حال مقتضيات الدراسات اللغوية الفلسفية، أما التراتيبية بين أسبقية اللغة على الفكر أو بالعكس فنجدها حين تكون اللغة سابقة على الفكر في التعبير لغويا عن مدركات الاشياء في العالم الخارجي خارج الذهن، فهنا يمكن جواز أسبقية اللغة على الفكر كون اللغة هي (شكل) التعبير عن الفكر(المحتوى) المعبّر به لغويا عن الاشياء.

أما أذا أردنا أن يكون الفكر سابقا على اللغة فهذا يتم ويكون في تفكير العقل الصامت داخليا في موضوعات لا يحتاج التعبير عنها خارجيا بلغة قبل تأملها اللغوي التجريدي الصامت بالذهن. الفكر داخل الذهن لا يحتاج لغة تعبيرخارجية بل يحتاج لغة تفكيرتجريدي صورية صامتة داخليا. والصمت لغة صورية في تمثلات الذهن للاشياء من غير التعبير عنها بالكلام أو اللغة المكتوبة. بقي القول أن لغة تفكيرالعقل التجريدي في الصمت الداخلي وفي تعبيرالافصاح اللغوي عن الموجودات الخارجية أو في الكلام، هي لغة تفكيرصورية واحدة للعقل.

وقول دي سوسير (لاشيء خارج اللغة) التي أخذها عنه ميرلوبونتي (لا شيء خارج الكلمات) وأخذها رولان بارت بنيويا (لاشيء خارج النص) ليستنسخها دريدا قوله (لا شيء خارج اللغة ) وهكذا حتى نصل الى فذلكة لغوية لاشيء خارج لا شيء. ولا لغة خارج اللغة وهكذا تحل أمور الحياة باللاشيء.

هذه التنويعات اللغوية في التعبير على فكرة واحدة غير دقيقة ولا صحيحة، فالاشياء والموجودات ومفردات العالم الخارجي هي موجودات مادية توجد بأستقلالية تامة عن أي شكل من اشكال التعبير الادراكي عنها منها أدراك تعبير اللغة، فكما أن وجود الاشياء باستقلالية غير مرتبط بادراكها فهي موجودة سواء أدركناها أو لم ندركها، كذلك يكون شرط وجود الاشياء مستقلة في عالم الاشياء خارجيا ليس مرهونا بتعبير اللغة عنها أو لا تعبيرها عنها. الوجود المادي المستقل للاشياء لا يحدده الادراك العقلي لها من عدم الادراك، كما لا يحدده التعبير اللغوي عنها من عدم التعبير.

نأتي الى قول دي سوسير (اللغة ليست مادية) فاللغة تجريد ذهني تعبّر عن الاشياء المادية مثل نفس تعبيرها عن الاشياء المثالية الخيالية. فموضوع التفكير بالذهن ومنهجيته هو الذي يحدد ماهية اللغة مادية أم لا مادية، واللغة كتجريد تعبيري تعبر عن المادة كصفات مدركة خارجيا لكنها لا تستطيع منح الاشياء ما هياتها المادية، اللغة لا تخلق مادية الاشياء كماهيات في التعبير عنها. لكنها أي اللغة تخلع توصيفات الفكرالمادي على الاشياء تجريديا فقط. واللغة تبقى في جوهرها تجريد تعبيري عن كل الاشياء المادية والخيالية لكنها تعجز منح تلك الاشياء (ماهيتها) المادية عن غير المادية كجواهر وموجودات مستقلة بذاتها لا ترتبط كيفيا  بكيفية تعبير اللغة وطبيعتها التجريدية عنها.

أما قول دي سوسير (يستحيل فصل الصوت عن اللغة) فهو تعبير مزدوج من ناحية حمولة الصح والخطأ فيه. فهو صحيح أذا ما أعتبرنا اللغة هي فكر تعبيري (صوتي) عن مدركات خارجية فيكون الحال معنا، أن الفكر الذي هو لغة تعبيرمدركاته، لا يمكننا أدراكه في عالم الاشياء الخارجية بدون دلالة اللغة الصوتية. ويكون عدم أمكانية فصل الصوت عن اللغة حسب سوسير ليس نابعا من طبيعتها الاجناسية كلغة بل من خاصيتها الوظائفية في التعبير عن الاشياء فهنا نجد أن الصمت الفكري لا يحتاج لغة صوتية في التعبير عنه لأنه ليس بكلام يراد نقله الى متلقي كما هو ليس بكلام لغوي مطلوب أستقباله سماعا خارج تفكير الذهن به.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش: د. احمد عقلة العنزي /مجلة عالم الفكر مج42/البنيوية اللغوية عند دي سوسير / هامش رقم 1 ،2، ص39/ هامش رقم 3 ص50- 51

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5054 المصادف: 2020-07-07 02:13:48