 أقلام فكرية

مادية هولباخ والمعجزة الدينية

علي محمد اليوسفمن النادر نجد عناية منصفة لدراسة الفيلسوف الفرنسي من اصل الماني ديتريش هولباخ (1723 – 1789) باعتباره فيلسوفا ماديا ملحدا متطرفا، دافع عن مذهبه المادي في كتابه (نظام الطبيعة) الذي نشره عام 1770 باسم مستعار، والذي أعتبر انجيلا جديدا لتنوير البشرية العقلي والاخلاقي. واطلق النقاد على كتاب هولباخ انه يمثل ذروة الفلسفة المادية والالحادية الفرنسية، ومن المفارقة أن يعجب ماركس بافكار هولباخ رغم المعيشة الارستقراطية الباذخة التي عاشها هذا الاخير ولم يترجمها كمعتقد يؤشر تفاوت طبقي مجحف بين الطبقات الغنية والطبقات المحرومة الفقيرة.. وتنسب لهولباخ المقولة الماركسية (الدين افيون الشعوب). وكان له صالونا ادبيا يضم نخبة مختارة من ملحدي عصره فلاسفة وكتاب الذين كانوا يشاطرونه الميل الشديد في معاداتهم الكنيسة الكاثوليكية.وكان هولباخ لا يؤمن بمبدأ وحدة الوجود ولا يؤمن ايضا بالمعجزات الدينية معاديا بشدة رجال الدين الذين أعتبرهم يعيشون حياة الترف على حساب بؤس الفقراء ومعاناتهم المؤلمة.

وأعتبرهولباخ الانسان موجودا ماديا لأن عملياته الذهنية ليست سوى حركات تجري في المخ.1. رغم أن هذا السبب الاجمالي الاختزالي يبدو ضعيفا في التدليل على أن الانسان وجود مادي باسباب عديدة أخرى لا حصر لها أختصرها هولباخ بعلاقة الفكر بمادية الانسان ككائن بما سمّاه تعالق الفكر مع حركة المخ فقط، أذ ربما كان يقصد هولباخ الوجود المادي للانسان يكون مؤكدا وناتجا حصوليا ممثلا في بيولوجيا التكوين الفكري الوظائفي له ايضا. وضرب لذلك مثلا هو تعالق عمليات الذهن التفكيرية الناتجة عن حركات تجري بالمخ. صحيح أن يكون الانسان موجودا ماديا بالفكر كمنهج، ومادية الانسان كموجود في الطبيعة هو تحصيل حاصل المنهج المادي بالتفكير الذي مصدره الانسان كينونة مادية مفروغ التسليم المطلق بوجودها المادي.

لكن مادية الانسان كوجود مادي متمايز عن الطبيعة وجميع كائناتها لا يمكن أختزال البرهنة على بديهيته المادية بهذه التعالقية العضوية ممثلة في منهج علاقة تفكير الذهن بحركات المخ كما في تعبير هولباخ. لكن لو نحن تعمقنا تاويليا في تعبيرهولباخ نجده يقع في تناقض جدلي معتبرا مادية الانسان مستمدة قبليا من مادية الفكر. بينما ترى المادية الجدلية التي تبلورت من بعده بتعاقب مجيء هيجل وفويرباخ وماركس عكس ما ذهب له هولباخ، في أهماله حقيقة الواقع المادي هو الذي يفرض المادية على الفكر كما ذهب له فيورباخ الاب الروحي للمادية أن فكر الانسان لا يمنح الواقع حقيقته المادية بل مادية الواقع والطبيعة والانسان تجعل من الفكر منهجا ماديا في تفسير موجودات وظواهر العالم الخارجي والطبيعة..

لكن ما يمكن أعتباره نقلة متقدمة نحو منهج المادية الذي جاء لاحقا بعد عشرات العقود من عصر تنوير هولباخ هو في فتحه الابواب التي كانت موصدة تماما بوجه التوجه المادي الذي كان يحاربه بضراوة اللاهوت وتبعاته الفكرية المثالية الابتذالية التي كان حتى فولتير المتنور واقعا تحت تاثيرها في تماشيه مع اللاهوت الديني الموروث عن ديكارت ولايبنتيز.

كما هاجم هولباخ الحجج الفلسفية التي كان تبناها لايبنتيز ولوك وديكارت على أن في مقدور الانسان الوصول الى حقيقة وجود الله بمنهج الاستقراء الذهني العقلي كما هو الحال في المنهج التجريبي المعتمد في العلوم تماما.، وما يدركه العقل من اشياء العالم الخارجي وموجوداته يمكنه ادراك وجود الله بنفس المنهج الادراكي العقلي.

كما هاجم هولباخ البرهنة على خلود النفس التي ربطها ديكارت بخلود العقل بأعتبارهما جوهرين لا فيزيائيين منفصلين عن الجسم. مثلما صادر ديكارت خلود النفس ولم يفرق بينها وبين الروح أذ ربما أعتبرهما دلالة تعبير عن معنى واحد. فالنفس على العكس من الروح ترتبط فسلجيا بتكوين جسم الانسان المتكوّن من مجموعة الاجهزة البيولوجية التي تحكم الانسان في وجوده كائنا حيّا، مثل جهاز الدورة الدموية وجهاز التنفس وجهاز الهضم والجهاز العصبي والضمير والعواطف والانفعالات وغير ذلك. على العكس من الروح التي هي نوع من مفهومات وموضوعات الميتافيزيقا التي لا يدركها العقل لا بالماهية ولا بالصفات تعايش الانسان وتلازمه الحياة وتفارقه بالممات. وهو ما يذهب له اللاهوت الديني بخلود الروح بعد مغادرتها فناء الجسد بالموت. واعتبارهم الروح جوهرا منفصلا عن الجسم وأن ارتبطا سوية أحدهما بدلالة الاخر.

وأعتبرديكارت خلود النفس وليس الروح حقيقة فلسفية من دون تبيان كيف تكتسب النفس وليس الروح الخلود، كما لم يكن ديكارت موّفقا أعتباره العقل جوهرا ماهيته التفكير بالذهاب الى أن العقل جوهر خالد يلازم خلود النفس ولم يفرق بين ماهية العقل التجريدية وماهيته البيولوجية كدماغ تحتويه الجمجمة وملحقاته المخ الذي يحتويه مع الجهاز العصبي. فخلود العقل الذي يلازمه خلود النفس لدى ديكارت لا يمكن التسليم بها بوجود الفارق بين العقل الفيزيائي المادي كعضو من أعضاء وظائف الجسم الانساني وبين العقل غير الفيزيائي الذي هو جوهر تجريدي ماهيته التفكير فقط وأعتبر ديكارت العقل بهذه الخاصية خالدا لكونه موجودا غير فيزيائي.. خاصيته تتبع الدماغ بالتفكير فقط وليست بخاصية بيولوجية يمتلكها تتبع بيولوجيا تكوين جسم الانسان الطبيعي الفاني بالممات كما هو الحال مع الروح في امكانية خلودها عند اصحاب الايمان الديني.. لانها تجريد ميتافيزيقي لا رابط علائقي لها مع مكونات العقل العضوي الدماغ.

كما لم يكن هولباخ يؤمن بالمعجزات ويعتبر هذه الاقانيم الثلاثة /البرهنة العقلية على وجود الله/ وخلود النفس/ والايمان الديني بالمعجزات/ التي قامت عليها المسيحية هي خرافات توّسلها رجال الدين مستغلين سذاجة الناس في سرعة التصديق للخرافات، ليسهل عليهم استغلالهم.2. وذهب أبعد من ذلك حين أعتبر هولباخ سلوك الانسان الطبيعي كان من الممكن أن يكون أفضل في مساره الطبيعي المستقل عن اللاهوت لو ترك حرّا طليقا تحركه نوازع الخير الموجودة اصلا بالانسان كغريزة فطرية. ولم يكن الانسان بحاجة ضرورية ألزاميه تلزمه تلبية نواهي وتحريمات رجالات الدين الذين يبنون رفاهيتهم الارضية على حساب بؤس وحرمان الاغلبية من الناس.

ولولا التقدم الحضاري – أعتقد يقصد هولباخ بالتقدم الحضاري هو التقدم العلمي التمديني ومنجزات العلم التكنولوجية عالية التقنية التي قللت من تعب ومشقات الانسان ولم يكن يقصد الحضارة كمفهوم شمولي كما هو متفق عليه اليوم اصطلاحا يشتمل نمطا متقدما شموليا لجميع مناحي الحياة في السلوك والاجتماع والاقتصاد والثقافة والمعرفة والتقدم العلمي وغيرها واحتمال أن لفظة الحضارة نسبها المترجم لهولباخ وهو لم يقصدها - في تقاطعه السلوك الاخلاقي الطبيعي الذي لو ترك على طبيعته الغريزية الانسانية لكانت النتائج أكثر جدوى عملانية بحياة الانسان في خدمة تحقيق تقدم البشرية على ركائز قيم بعيدة عن خرافات اللاهوت الديني في ارساء الصدق والمحبة والالتزام الذي يحقق تماسك المجتمع أكثر مما قام به اللاهوت من تدمير تلك النزعات الفطرية السلوكية الخيّرة التي تكون مغروزة في طبيعة الانسان الذي لم يكن بحاجة اليها كقيم أخلاقية يضعها رجال الدين له في مصادرتهم حق الانسان في طموحه نحو تحقيق رفاهيته وسعادته بأمتلاكه حرية الارادة والاختيار بالحياة بلا وصاية خارجية تفرض عليه قسرا من رجالات الدين.

ومن النوادر التي حصلت في أحدى صالونات هولباخ الارستقراطية الادبية والفلسفية الراقية على مستوى حضور روسو وديدرو وديفيد هيوم أن تساءل هيوم هل يوجد ملحدون حقيقيون معنا اليوم؟ فكان رد هولباخ أن الطاولة التي تجلس عليها تضم الآن 17 ملحدا جالسين قريبين منك. ومن أهم عبارات هولباخ المعبّرة عن الحاده الذي لم يكن يخفيه قوله (الكون لا شيء اكثر من مادة في حالة حركة دائمية مقيّدة بقوانين طبيعية، وانه لا ضرورة اللجوء الى قوى خارقة للطبيعة لتفسير وجود الاشياء). ويكيبيديا الموسوعة. واضح هنا هولباخ يعتبر قوانين الطبيعة الثابتة التي تقيّد بحركتها الثابتة هي بكليتها معطى ازلي وجود غير مخلوق نطلق عليه الطبيعة.

فرقة المؤلهة والايمان الديني

جاء من بعد هولباخ تيار فلسفي يعتمد مذهب ما يسمى فرقة المؤلهة الدينية ما يطلق عليهم عندنا الربوبيون وهم ايضا يؤمنون بالاخلاق الطبيعية قبل وضعية أخلاق الدين التي يدعو لها رجال الدين، لعل أبرزهم روسو ومن قبله لا يبنتيز وجون لوك وباركلي لكن بشكل يكرس الايمان الديني بوجود الله ضرورة لا غنى عنها يمكننا تحقيقها بمنهج الادراك العقلي، فالله عندهم ذو عقل وقدرة وارادة لكننا لا نستطيع كشف ماهو الله ولا ماهيته بل يمكننا الاستدلال العقلي على وجوده... وأن جميع الشرورالتي تصيب الانسان مصدرها الانسان الذي يصنعها بيده أو تقع مسؤوليتها عليهم بقدرة قوى خارجية طبيعية تدميرية هم مسؤولين عنها وليس مسؤولية الله عنها لأنه يمتلك قدرات محدودة لا يكون فيها مسؤولا عن وقوع الشرور على الناس في تبرير رجال الدين حدوث زلزال لشبونة 1755 الذي حصد مئات الارواح وهم موزعون يصلون بالكنائس. معللين تحميلهم الضحايا مسؤولية تدمير الزلزال الذي طالهم هم وعوائلهم ومنازلهم سببه يقع على عاتق الناس الذين بنوا بيوتهم المتهالكة من غير تحسباتهم الحذرة حصول وقوع مثل هذه الزلازل ويبدو هذا التعليل التبريري بمنتهى السخافة والابتذال.، تلك البيوت التي لم يكن الرب بناها لهم كي يتحمّل خراب الزلزال الذي ضربها وهدمها على رؤوس أصحابها متدينين وغير متدينين. والاهم من ذلك وصفهم الله بقدرة محدودة لا يستطيع دفع كل الشرور عن الانسان.

كما ويحافظ الله بمعتقد جاك روسو ومذهب المؤلهة على الكون بقوانين طبيعية ولا يخرقها الله بمعجزات تخالف هذه القوانين وهو غير مسؤول عنها. (يرجى العودة الى مقالتنا المنشورة على اكثر من موقع الكتروني منها المثقف، الحوار المتمدن، كوة، والمجلة الثقافية الجزائرية بعنوان: المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة).

لا مجال هنا الدخول أن تعريف ديفيد هيوم وعدد كبير من الفلاسفة المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة يحمل معه خطأه أكثر من أمكانية التسليم بصدقيته التي تبدو واقعية متفق اصطلاحا عليها ويتوضح هذا معنا لاحقا بأسطر قادمة. نظرا لكون قوانين الطبيعة ثابتة لا يطالها الزمان بالتغيير ولا تعبث بنظامها المعجزات الخارقة لها ايضا، مقارنة بالمعجزات التي يستطيع بعض الانبياء بها كسر تلك القوانين في زمانية محدودة وفي عصر واحد لا يتجاوز زمانه الدقائق من الوقت التي تزول فيه المعجزة ويعود القانون الطبيعي المخترق لخاصيته الثابتة ثانية. فثبات قوانين الطبيعة الزماني هو ليس حصولا تغييريا ولا زوالا زمانيا دائميا كما في المعجزات الآنية المؤقتة. بمعنى في حال حدوث خرق القانون الطبيعي بمعجزة زمانية مؤقتة لا يجعل ذلك الحدث الخارق لأحد قوانين الطبيعة متغيرات دائمية تطالها. وأنما يجعل من المعجزة الدينية طارئا لا معنى له خارج انخداع الناس به في ترسيخ ايمانهم الديني بالانبياء قبل الايمان الديني بالرب الذي لا يحتاج معجزات تخرق قوانين الطبيعة الثابتة..

لا نريد هنا تكرار كم يحمل هذا التعبير المتداخل بين قوانين الطبيعة وخوارق المعجزات من خلط عالجناه في مقالتنا التي اشرنا لها في سطور سابقة، منها من المسؤول عن وقوع المعجزات الدينية رغبة الانبياء أم مشيئة الله؟ وما يترتب على هذا التساؤل من اشكاليات عديدة لا تخدم التسليم بحصول المعجزات. مثلا لدى مذهب فرقة المؤلهة الذين ينفون المعجزات أن تكون وتحصل بارادة الله وبوحي منه كونها هي خرق لقوانين ثابتة وضعها الله في الطبيعة كنظام ازلي ولا رغبة عنده بتخريبها وخرقها بمعجزات غير منطقية ولا عادية يتقبّلها العقل.

وبذا تكون خرافة المعجزة الدينية اسطورة تلقى على عاتق الانبياء في البرهان على الايمان الديني بهم وليس الايمان غير المباشر بالله الذي لم يوعز لهم القيام بالمعجزات، وفي هذه الحالة يكون الشد والجذب بين قطبين هما أعلى من قدرات فهم البشرالايماني الديني في التفريق بين اولوية الايمان الديني بمعجزات الانبياء أم اولوية الايمان الديني بالرب بمعجزات لم يأمر الله انبياءه القيام بها؟، وكيف ترتبط المعجزة وبمن؟ هل بالايمان الديني بالنبي الذي يقوم بها أم بالخالق الذي لم يوعز لاحد القيام بها؟ وتبقى المعجزات تحمل اشكاليات خلافية عديدة غير التي ذكرناها.

الا أن الاختلاف يبقى قائما من المسؤول عن حدوث المعجزات الدينية وما هي الغاية منها هل هو هدف تحقيق الايمان الديني بما يقوله الانبياء بوحي الهي أم الايمان الديني بالله الذي هو في غنى عن الاستدلال الايماني العقلي به عن طريق واسلوب المعجزات التي يقوم بها الانبياء ولم يأمرهم الرب القيام بها لوجود وسائل استدلالية يمكنها تحقيق الايمان الديني ليس بوسيلة المعجزات التي يطعنها عدم التصديق اليقيني بها في عصرنا الحاضر؟ منها على سبيل الاستشهاد وسيلة الاستقراء العقلي البرهاني التي قال بها اكثر من فيلسوف وهم انفسهم لا يستطيعون البرهنة على حقيقة ما يدعون أثباته بمنهج العقل.

طالما الايمان الديني هو التسليم بأعجاز قدرات الخالق غيبيا ميتافيزيقيا وليس بدلالة العقل البرهانية الاستقرائية الذي تحكمه قوانين مادية سببية وغير سببية، عليه تبقى المعجزات كخروقات لقوانين الطبيعة المؤقت لا يمكن غير التسليم بها سواء حصلت في عصرها أم لم تحصل ووصلتنا اليوم اسطورة أم حقيقة لأن كل شيء يراد البرهنة عليه ميتافيزيقيا يكون تحصيل حاصل النجاح المسبق بتصديق تحققه دوغمائيا لأنه اساسا موضوعا في كلتا الحالتين لا يحكمه الصواب أو الزيف الا في العودة نحو مرجعية تحكيم العقل له. فالميتافيزيقا كمواضيع لا تحتكم العقل في البرهنة المستحيلة على موضوعاتها، لذا لا يبقى غير التسليم بصدقيتها في تغييب حكم العقل على حساب تفعيل العاطفة الايمانية الدينية الدوغمائية في التصديق. لذا فالميتافيزيقا كموضوعات لا تحتاج على برهنة صحة تحقق المعجزات لأن تحققها يقوم على الايمان التسليمي الغيبي الدوغمائي الذي لا يخضع لقوانين ادراكات عقلية تقوم على تفكير طبيعي لا يتوسل الميتافيزيقا..

من الواضح أن قوانين الطبيعة الثابتة يتم اكتشاف بعضها وادراك بعضها بدلالة موضوع المغايرة المتعالق بها وحتى غير المتعالق بها ماديا بمنطق العقل لذا يكون كل ما هو غير مدرك عقليا دينيا ميتافيزيقيا لا يمكننا التشكيك به بمنطق العقل بل الايمان الديني المسبق به بمنطق الاسطورة والميتافيزيقا. وبذا يكون الايمان الديني بالمعجزات لا يمكننا محاكمة التصديق به ولا أمكانية تكذيبه من قبل مرجعية العقل الذي يختلف ماهويا بعدم المجانسة حتى الادراكية مع جميع الخوارق التي لا تقع ضمن رقابة العقل الادراكية عليها والتي منها المعجزات التي هي عمليات تدرك فيزيائيا في زمن حدوثها ولا يمكن ادراك حصول تكرارها كنظام خارق لقوانين الطبيعة الثابتة على الدوام عبر الازمان والعصور وألا ترتب على ذلك أن قوانين الطبيعة هي توليد ذاتي خصائصي بالطبيعة تعيها وتدركها وهي تنتجها وتستحدثها عند الحاجة لها، وهي قابلة للتغيير والتبديل على مر العصور والازمان بأرادة منها أو بمعجزة خارجة عنها. في حين يقول العلم قوانين الطبيعة ثابتة ازلية في ملازمتها الطبيعة.

ولو كان هذا الفرض صحيحا مقبولا لما كانت قوانين الطبيعة وصلتنا كما هي الآن نعيشها تداوليا في ادبيات لاهوت الاديان والكتب المقدسة في ثباتها الكوني الازلي الذي يحاكم الطبيعة والانسان بتفسيرها خارج ما يقوله العلم الذي يركن تفسير اللاهوت الديني جانبا بمنطق ما يقبله العقل... وبذا تكون المعجزات أجزاءا من تاريخ لا يمكن دحض وقائعه بمنطق العقل المقترن بزمان غير مؤكد في تلازمه مع واقعة المعجزة. وثبات قوانين الطبيعة لا تزحزحه عن حقيقته لا اساطير اللاهوت الديني ولا حتى فروضات حقائق العلم التي تعمل على اكتشاف عمل تلك القوانين بالتوازي المعرفي معها وليس بالتقاطع غير العلمي معها.

زمان المعجزة وزمان القوانين الطبيعية

ثمة فرق جوهري تم ويتم أغفاله هو أن الزمان الادراكي لقوانين الطبيعة على الارض هو زمن سرمدي يستمد خاصيته الازلية من ازلية الزمان الذي يحكم تلك القوانين وثباتها والا ما كانت وصلتنا الى عصرنا اليوم كما هي في ثباتها طيلة مسيرة هذه الازمان والعصور التاريخية الطويلة جدا، بخلاف ذلك المعجزة الدينية ليست خرقا زمانيا دائميا لثبات قوانين الطبيعية في ملازمة ظاهرة الخرق الطبيعي المؤقت زمانيا لها باسلوب المعجزات التي لا يمكن البرهنة على تصويبها عقليا كما ذكرنا سابقا ..زمانية المعجزة المحدودة بزوالها كزمان مؤقت تجعل من زمان قوانين الطبيعة الثابتة قوانين لا تغيرها المعجزات التي هي خرق مؤقت لها، لذا يكون الخرق الاعجازي في حقيقته يقع على هامش قوانين الطبيعة الطارئة عليها وليست معجزات تطالها بالتغيير الدائم الذي يلازمها زمانيا. فقوانين الطبيعة أكثر رسوخا بثباتها الزماني من زمان المعجزة الزائل ما يرتب التشكيك بالمعجزة التي هي خرق ميتافيزيقي طاريء بدلالة قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير زمانيا. وما ذهبنا له يعطينا المؤشرات الثابتة التالية:

- زمان قوانين الطبيعة زمان ثابت لا يطاله التغيير لا بالمعجزات ولا بغيرها. بخلاف المعجزات التي زمانها زائل مؤقت.

- المعجزة تتأرج بين رغبة ذاتية راودت الانبياء بالحصول على الايمان الديني الجمعي بهم أولا المقترن بوحي الخالق لهم ثانيا. وهذا التارجح غير محسوم لا بمنطق اللاهوت الايماني ولا بمنطق الاستدلال بقوانين الطبيعة الثابتة التي جرى خرق أحدها بالمعجزة في عصر ما وزمان مضى منذ الاف السنين...

- يتداول بعض دارسي علم الاديان مؤخرا أن المعجزات ترتبط بالاساطير ولم تكن تكليفا من الرب في تدعيم استحصال الايمان الديني به كخالق يتوجب عبادته، كما تذهب له بعض الفرق والمذاهب الدينية التي بدأت التشكيك بحصول وأهمية المعجزات في أستحصال الايمان الديني الجمعي المشكك برسالات الانبياء.

- خطأ ربط تحقق صدقية المعجزات بتصديق الميتافيزيقا التي لا علاقة برهانية عقلية تؤكد صواب ما تعتبره الميتافيزيقا صحيحا مطلوبا تصديقه عقليا بالتبعية. تبعية العقل للميتافيزيقا وليس العكس.

- خطأ تعريف الفلسفة أن المعجزات خرق لقوانين الطبيعة الثابتة التي لا يكون خرقها المؤقت زمانا أعجازيا يخدم الانسان أبعد من تحقق الايمان الديني، بل المعجزة الدينية هي أعجاز مؤقت زائل طاريء على قوانين ثبات زمانية الطبيعة السرمدية الباقية الملازمة لسرمدية زمان الوجود الملازم لها.

- المعجزة تخدم أستحصال الايمان الجمعي الديني في تثبيت سلطة لاهوت الايمان الديني لا علاقة تربطه بسلطة رفاهية وحرية الحياة الانسانية في اشباع ضرورات العيش بكرامة انسانية. واستحصال حياة ارضية تقوم على العدل والمساواة والقضاء على الفقر والجوع والتفاوت الطبقي المجحف بين الغني والفقير. بمعنى المعجزة خاصية أعجازية تخدم الايمان الديني فقط ولا تخدم حياة الانسان.

- المعجزات تتجاذبها ثنائيات مثل هل هي رغبة الانبياء أم رغبة الخالق، كذلك ثنائية زمان قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تتغير مع زمانية خرق تلك القوانين المؤقتة الزائلة، ثنائية المعجزة خرق يقبله العقل أم تصدقه الميتافيزيقا بعيدا عن سلطة تحكيم العقل. وقائمة الثنائيات المتناقضة حول المعجزة لا حصر لها بما يبقي على معادلة هل المعجزات اساطير لا سند تاريخي لها أم هي حقائق ساحقة في القدم يتوارثها لاهوت الاديان بلا سند عقلي مقبول؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش: 1، 2، وليم رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، تقديم ومراجعة امام عبد الفتاح امام، ص 238، ص 239

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5165 المصادف: 2020-10-26 09:40:44