قاسم حسين صالحمن عام (2003 لغاية 2019) يعيش العراق اغرب ظاهرة سياسية ما حدثت في تاريخه باختلاف أنظمة حكمه.

ولأن من عادتي ان استطلع الرأي في مثل هذه القضايا، فأنني توجهت بهذا التساؤل عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

 (من 15 سنة والسياسيون يتقاضون رواتب وامتيازات ما حصلت بتاريخ العراق والعالم. الفاسدون منهم تحولوا من فقراء الى اصحاب مليارات..هم يزدادون ثراءا والشعب يزداد فقرا، ومع ذلك هم باقون فيما التاريخ يكتب عن العراقيين بأنهم ما انبطحوا لظالم ولا استسلموا لسلطة. افيدونا بتفسير علمي يرحمكم الله).

 ساهم في الاجابة على الاستطلاع (357) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون.. لحضراتكم ما شخصوه من اسباب مصنفة ومرتبة بحسب اهميتها عندهم.

1- الشعب العراقي

غالبية الاجابات عزت السبب الرئيس الى الشعب العراقي ووصفته بأنه:

- شعب مهيض الجناح سحقته العهود البائدة فالتهمه هؤلاء لقمة سائغة

- شعب نايم خدران بالطائفية والخوف من الاخر

- لا يوجد تفسير سوى ان هذا الشعب في غيبوبة عميقة

- الطبقة السياسية ما هي الا عينة من الشعب ولذلك ترى الشعب ينتخبهم

- وجود قاعدة شعبية عريضة من الطفيليات المنتفعة

- الشعب تم تجهيله لعقود طويلة.هنا في امريكا مثلا الطفل يتم تشجيعه على الادلاء برأيه وقول الحقيقة مهما كانت.عدم السكوت على الظلم حتى لو كان من الاهل والمعلم..ويتعلم ان سلطة القانون هي الاعلى.

- التفسير المنطقي الوحيد هو اننا شعب يصنع الطغاة ويسكت على الظلم بتبرير (شعليه)، فعبدنا المسخ صدام بأهزوجة (بالروح بالدم) وجئنا بهؤلاء بأهزوجة (علي وياك علي).

- هؤلاء مرآة مجتمع اغلبه فاسد

- العراقيون تاريخهم كله استسلام للسلطة وانبطاح للظالم..همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق.

- العربي..جينيا يحترم ويخاف اثنين: القوي والثري.

- تحت الاسوار ولدنا وبين الاسوار نموت، لا نعرف في بابل غير القتل لأجل القوت.

وهنالك من رأى، وهم قلّة:

- الشعب العراقي نفسه طويل وعنده امل بالاصلاح يقول بلكي هالمرة يتحقق الامل، ولكنهم حين يفقدون الامل ويظلمون فان اقل شي يسويه هو السحل.

- ستاتي ساعتهم وسترى اي فيض يخرج من قلوب العراقيين، انها لحظة ترقب لن تدوم طويلا.

ثانيا: الدين والمذهب:

- نجح الفاسدون في الدخول الى عقول المعدمين عن طريق الدين والمذهب فاستحوذوا على سكوتهم.

- نجحوا بان جعلوا عقيدة الناس مبنية على القبول والطاعة العمياء.

- الاحزاب الطائفية احزاب شمولية بكل المقاييس والاعتبارات.

- كل ما حصل ويحصل ناجم عن تغييب الوعي المجتمعي للاستحواذ على السلطة من قبل الفاسدين.

- استاذي العزيز طالما اكو لطم بالديرة يبقى الحال كما هو عليه.

- تم ذلك بجعل الطبقات الاكثر جهلا تنتمي لميليشيات تابعة لأحزاب السلطة ، وبمباركة الجهات الدينية سرّا وعلنا.

- من وجهة نظري العلمية، مادام في السلطة رهبان يعطون للسلطان شرعيته فإن العراقيين يقدسون مايقوله الرهبان.

- الاحزاب عملت على عسكرة المجتمع كما كان سابقاً ولكن بأديولوجية جديدة (عقدة عقائدية) بخلاف الاديولوجية (القومية)، استهدفت جيلا كاملا وستمتد لاجيال اذا لم تعالج بإفكار وطنية عصرية.

- بسبب سيطرة الثقافة المذهبية.يقول احدهم ما دام الاذان يصدح بكلمة علي ولي الله في التفلزيون فاي شيء لا يهم.

طبيعة السلطة وأنظمة الحكم

- النظام المؤسساتي كله مختل في العراق ودول الشرق العربية، ساعات العمل قليلة وفيها كثير من التسيب، رواتب مرتفعة، الرشا والواسطة منتشرة في مختلف المستويات الوظيفية..لذلك هي مقبولة في العقل الباطن عند الموظفين الكبار والمسؤولين.

- إن إدارة الصراع بين السلطة والشعب مختلة، فالسلطة تملك النفوذ والمال والاجهزة الأمنية والميلشيا والدعم الخارجي، فيما الشعب لا يملك أي قيادة يلتف حولها في مسيرة النضال، وحين ظهور بعض القيادات يتم أما تصفيتها أو شراؤها أو تحييدها.

- المشكلة في المثقفين الذين يمتلكون الوعي واهمهم الاعلامين والمحامين وأساتذة الجامعات، لا يقومون بواجبهم النضالي والاجتماعي وعزلوا أنفسهم في خانات ضيقة.

- بعد سقوط النظام حدث امران:محاربة المثقفين والطبقة العلمية وابعادهم عن دورهم الفعلي، وهجرة الكفاءات خارج البلاد.

تخطيط خارجي

- العمل ممنهج من البداية، ضرب وقتل الكفاءات وتهجيرهم والذي لم يهاجر انكفأ في بيته، ومن ثم تسليم الامور بيد الجهلة والمارقين الذين اصبحوا يمتلكون المال والسلطة وجماعات مسلحة.

- هذا ما تريده اميركا لتحقيق مصالحها الاقتصادية والأستراتيجية، وما تريده ايران ان تكون السلطة بيد شيعة موالين لها.

- الامر اكبر مني ومنك، الامر بيد الماسونية

استنتاج

 توحي الأجابات بأن اسباب اغرب ظاهرة سياسية يشهدها العراق في تاريخه.. متعددة، مركبة، معقدة، شمولية، وفيها مفارقات تخالف المنطق وغير معقولة.وما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي..نلخصه بأربع قضايا،

 الأولى:تثبت الأحداث أن تاريخ السلطة في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت الى وراثية عام 61 هجرية، وأنها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع، وانها كانت على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم.

 وحديثا تعمق الشعور بأن السلطة في العراق تكون للأقوى بدءا من انقلاب بكر صدقي عام (1936) الذي يعدّ اول من فتح الطريق نحو انقلابات عسكرية امتلك قادتها شعورا وطنيا، مصحوبا بفقر في نضجهم السياسي ودوغماتية لا تطيق الرأي الآخر. ولم تفهم ان السياسة تعني فن ادارة شؤون الناس بل انها غنيمة وعلى الحاكم أن يعتمد شعار (الأقربون أولى..) وان كانوا لا يفهمون..ما يعني أن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لاشعورهم الجمعي بان السلطة تكون للأقوى وان يعظ عليها بأسنانه ويقطف رأس من ينافسه عليها وان كان على حق.

 الثانية: يختلف المجتمع العراقي عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة.فنحن منتجون لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع.. وبالمقابل نحن منتجون لطغاة وقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات "عالية الجودة".ونحن منتجون لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب فداء لمن ماتوا قبل ألف سنة، ومنتجون لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومعرقل للتقدم يجب غلق غلافه الأخير.ونحن منتجون لمن يعرفون بالغيرة العراقية والأنفة، ومنتجون أيضا لناهبين من طراز رذيل ، ولا أرذل من سلوك ينهب الناس فيه وطنهم.والمحصلة السيكولوجية لها هو ضعف او انعدام الشعور بالأنتماء للوطن، والتعلّق بالانتماء الذي يؤمن للفرد بقاءه الوجودي ومصلحته الشخصية.

الثالثة:يغيض جيران العراق أن يروه مستقرا سياسيا وأمنيا وفيه نظام ديمقراطي يعتمد مبدأ العدالة في توزيع الثروة واستشمارها، ويعز على أغلبهم أن يروا العراقي المميز بالذكاء والشخصية مرفها ماديا، وادراكهم أن العراقيين اذا توحدوا فانهم سيجعلون من العراق وطنا مزدهرا بعمارات ومطارات وجامعات ومصانع..بين جبال وأهوار وأنهار ونخيل وأرض خضراء كأنها الجنة، ويجعلون من بغداد مركزا للثقافة والإبداع وقبلة أنظار العالم.

الرابعة: قيام تشكيلة مجلس الحكم على ثنائيتين سيكولوجيتين: المظلومون مقابل الظالمين، عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل.. نجم عن الأولى (ثقافة المظلومية) شاعت بين الشيعة والكورد مقابل (ثقافة الاجتثاث) استهدفت من كان محسوبا" على النظام السابق وغالبيتهم من السّنة، بمعادل نفسي يقوم على سيكولوجية " الضحية " و"الجلاّد" تجسّدت بانتقام الضحية بـ" اجثتات " أقرب الى الثأر الجاهلي دفع بـها "الضحية" الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا" بصفة أو عنوان على الجلاّد.

 ان تفاعل هذه المتغيرات هي التي اوصلت العراقيين الى ان يعيشوا اغرب ظاهرة سياسية في تاريخهم، بمفارقات انهم ينتخبون فاسدين وفاشلين سياسيا، اشاعوا الفساد بطريقة هرأت الضمير الوطني والاخلاقي عند من صار ولاؤه لحزب او طائفة او قومية، نجم عنها سيكولجيا الأسقاط بتحويل سبب ما يحصل الى (ان العراقيين ما تصيرلهم جاره، السلطة تمتلك القوة والمال، مليشيات، تدخل خارجي..) لتوصل الكثير من الوطنيين والمثقفين والمنتمين صدقا للعراق الى التيئيس من اصلاح الحال، الذي كان يحصل بانقلاب عسكري او بثورة شعبية تم تعطيلهما لأن النظام ديمقراطي.

 ان علم النفس والاجتماع السياسي يفيدنا بحقيقة(ان المراحل التاريخية لا يمكن حرقها).. وان ما يمر به العراق الجديد من عام (2002) تحتاج مرحلة التغيير فيه الى جيل..وكنّا توقعنا في مقالة موثقة نشرت عام 2014 بأن التغيير سيبدأ في 2022، وسيحصل بالتاكيد.. (اذا ما صار شي!).

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

فيصل غازي مجهوليذكر أمين الريحاني (1876 - 1940) أنه لما علم أصدقاؤه أنه سيلقي موضوعاً دينياً ذاعَ الخبر في الجالية السورية وأخذ كل منهم يفسر الموضوع ويستخرج النتائج، وقد اتفقوا على أنه سيتعرض للدين تعرضاً خبيثاً، وكانوا ينوون توقيفه عن الخطابة، لكنهم حكموا قبل أن يسمعوا.  يقول الريحاني: "وقد يظن البعض أن البحث في الأمور الدينية متعلقٌ برجالِ الدين ومحرمٌ على سواهم وهذا عين الضلال. فالمرء لا يرى مساوئ ذاته ولا ينتقد الحرفة التي يتوقف عليها معاشه. ورؤساء الأديان لا يتكلمون عن الدين شيئاً مشيناً على مسامع الشعب ولو كان متفقاً مع العدل والإصلاح بل كل مباحثهم وشعارهم هو: "الدين اعتناقه واجب وتعزيزه أوجب وإذا أفسده الزمان فلا يعلن الفساد للشعب". فإذا كان هذا شعارهم فهل يرجى منهم انتقاد جهري يكشف للعلماني الحقائق. ذلك لا يكون. فالرؤساء لا يرجى منهم إصلاح جهاري في الدين إذ إن ذلك يضرب بمصالحهم ويضعف سلطتهم ويسقط سيادتهم". وقد جاء هذا الكلام في خطبة ألقاها الريحاني عن "التساهل الديني" في احتفال "جمعية الشبان المارونيين" في نيويورك، 9 شباط 1900.

أمين الريحاني مفكر خصب الإنتاج، كاتب اجتماعي رحالة مؤرخ أديب مصلح... يجيد لغات عدة، كتب بالعربية وبالإنجليزية، وصفه الفاخوري بأنه راح "يعالج أمراض الشرق التي رآها في التقاليد العمياء، وفي الجهل المتعصب، وفي الظلم المستبد والمستعمر؛ ودعا إلى الأخوة الكبرى التي تحملها الأرض وتظللها السماء".

وإذا لم يكن الريحاني رجل دين فهل يحق له أن يبحث أو يتكلم في الدين؟ يقول: "إذا سألتموني لماذا تبحث في الدين وأنت لست من رجاله فأجيبكم كما أجاب روسو لما سئل عن تعرضه للسياسة وهو ليس أميراً ولا حاكماً قال: "أنا لست أميراً ولا حاكماً ومن أجل هذا كتبت فإني لو كنت أميراً أو حاكماً لما أضعت الزمان بكتابة ما ينبغي أن أفعل بل كنت أفعله وألزم السكوت". وأنا لست قسيساً أو مطراناً ومن أجل هذا أخطب بموضوع ديني، فلو كنتُ قسيساً أو مطراناً لأصلحتُ وحسنت واستغنيت عن الخطابة ولزمت السكوت".

نكتبُ عن الريحاني وعن أشخاصٍ كتبوا قبل أكثر من قرن، وقد ننسى الزمان والمكان.. ونُطالِب بفهمٍ أعمق أو وضوح أو جرأة... ونسأل: ما أهميةُ أقوالهم؟ وما الجديد الذي أتوا به؟ ناسين أن كلمةً بسيطة في بيئة متعصبة قد تدمر مستقبل قائلها تدميراً، وتفتح الطريق أمام آخرين، وأن مجرد النطق بها يُعد إنجازاً عند سكوت الآخرون. كل هذا لا يخص الريحاني، لكني أردتُ أن أنبه إلى أن إنجاز الرواد يحكمه زمان ومكان.

يشير الريحاني إلى أن موضوع التسامح أو التساهل متشعبٌ الطرق جليلُ الشأن ذو فائدة وأهمية في المجتمع، وهو الموضوع الذي اختلف فيه الناس في "العصور المتوسطة"، فدافع عنه العلماء والفلاسفة والأحرار وعارضه الرؤساء والملوك... ويعرفه بالآتي: "التساهل هو التسامح بوجود ما يخالفك وهذا تحديد عام. أما الخاص فهو إجازة العقائد والطقوس الدينية التي تخالف العقائد والطقوس المألوفة". أما التساهل الديني فهو "الاعتبار والاحترام الواجب علينا إظهارهما نحو المذاهب المتمسك بها آخرون من أبناء جنسنا ولو كانت هذه المذاهب مناقضة لمذاهبنا".

ولا يقصر التساهل أو التسامح على الأمور الدينية فقط، "التساهل غير مطلوب في الأمور الدينية وحدها بل في كل الأمور التي تطرأ على عقول البشر ويعمل بها الكبار والصغار. ولا نستطيع أن ندخل هذا الباب دون أن نطرق باباً آخر. فالتساهل نجم عن التعصب. وهاتان الكلمتان ضدان وهما ثنوية من ثنويات الطبيعة كالنور والظلمة والخير والشر والعدل والظلم. فلولا أحدهما ما كان الآخر. فالتعصب إذن ولد التساهل والتساهل ولد السلام والسلام ولد النجاح والنجاح ولد السعادة. والتعصب يسبق في كل الأحوال ليستوجب التساهل".

يتكلم الريحاني عن انتصار التساهل على التعصب، فقد مات التعصب لكنَّ موته إلى حين، فقد خرجت روحه من جسمه الديني وتقمصت بالجسم السياسي. وأصبح التعصب سياسياً عوضاً عن الديني. مثالُ هذا الحروبُ التي تشهرها الدولُ الأوربية على الشعوب الضعيفة والصغيرة، وتعتقد انكلترا أنها أصلح من فرنسا وفرنسا أعظم من ألمانيا وألمانيا أقوى من الاثنين... ويستغرب من هذا فيقول: "إذا راقبنا حركات الدول ودرسنا سياستها وكشفنا الحجاب عن خفاياها واستعرضنا الحروب العديدة التي تهدم هيكل المجتمع الإنساني وقفنا حيارى نتساءل، أحقاً نحن من القرن التاسع عشر، قرن التمدن والنور والمبادئ والديموقراطية والاشتراكية والرحمة المسيحية؟ أحقاً نحن على باب القرن العشرين؟".

وأقول له بعد أكثر من قرن: ماذا كنتَ ستقول لو أنك عشتَ في القرن العشرين أيام الحروب العالمية وأسلحة الدمار الشامل، أو في مطلع القرن الحادي والعشرين والتفنن في القتل؟! ما الذي يقوله أكثر من: "أحقاً نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين؟"، وفي المستقبل أظن أنهم سيقولون: "أحقاً نحن نعيش في القرن الثاني والعشرين؟"... ستبقى هذه الحيرة والاستغراب والأسف مصاحبةً للإنسان كلما تقدم الزمان وتقدمت العلوم وتطورت التكنولوجيا وتراجع السلام وذبل الحب وتدهور كثيرٌ من القيم الأخلاقية... ونحن مرةً حكماء ومراتٍ حمقى!.. ذلك إذا كان الحبُّ حكيماً والكراهيةُ حمقاء كما يقول راسل.

عندما يتكلم عن التساهل الديني يقول إنه يشمل الدول الأوربية بين بعضها مع بعض ولكنه لا يشمل الشعوب التي يدعوها الأوربيون متوحشة، أو كما يُقال اليوم "الكيل بمكيالين"، "فالدول لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء بل تتساهل بعضها مع بعضٍ لأنها تضطر إلى ذلك وليس حُباً بالمبدأ الشريف. وكثيراً ما تراها تشهر الحروب على القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الانجيل وذلك كي يعتنق "البرابرة" الدين المسيحي كرهاً وجبراً. هذا هو التعصب الديني الدولي، هذه هي الاضطهادات التي كانت تمارسها الدول الاوروبية المسيحية بعضها ضد بعض، والآن تمارسها ضد "البرابرة" كما تزعم والبرابرة قوم يشعرون ويتألمون مثلنا".

يذكر حروب شارلمان واضطهادات الملكة حنة الانكليزية والملك شارل الفرنسي، فهذه هي "مذبحة ليل القديس برتلماوس، فعوضاً عن حدوثها في باريس وفي القرن السابع عشر تحدث الان في فيافي آسيا وصحاري افريقيا وتلول السودان وفي آخر القرن التاسع عشر. يا للعار! عبثاً يكتب العلماء ويندد المصلحون ويبحث الفلاسفة. عبثاً أتى السيد المسيح إلى الأرض".

فالدول المسيحية – كما يرى - بمعاملاتها بعضها مع بعض لا وجود للتعصب الديني فيها، الكاثوليك بأمان في الجزائر البريطانية، والبروتستانت آمنون في اسبانيا وفرنسا وايطاليا، واليهود لا خوف عليهم من الأخطار والطرد في أي بلادٍ حلوها ما عدا "الروسية". وصار البروتستانت والكاثوليك واليهود يجلسون جنباً إلى جنب في مجلس اللوردات البريطاني، "أما في الدولة العثمانية فنرى الموظفين على اختلاف نحلهم ومذاهبهم من المسلمين والمسيحيين والدروز. فالتساهل في الدولة موجود غير أنه بين الشعب مفقود. لأنه حتى في هذه البلاد الحرة الكاثوليك كطائفة لا يحبون البروتستانت والبروتستانت يكرهون الكاثوليك الخ. وذلك في كل الأمم لاسيما في الأمة السورية. فلو كان بوسعنا نحن السوريين أن نضطهد ونشهر الحروب الدموية بعضنا على بعض لفعلنا. ولكن الدولة لا تساعدنا على الاضطهاد الديني".

على الرغم من أنه يعترف بتساهل الدولة العثمانية وأنها وصلت إلى نتيجة حسنة بفضل التساهل، فإنه يفسره تفسيراً آخر، يرى أن الدولة تستميل الرؤساء "والرؤساء قادة الشعب، فتصبح البلاد بفضل هذه السياسة براحة وطاعة – راحة لا تشكر وطاعة لا تحمد. على أني أفضل الاضطراب والعذاب على هذه الراحة المصطنعة. إني أفضل الثورة على هذه الراحة الممقوتة، راحة الذل والجهل والعبودية". ويضرب مثلاً من الدولة الرومانية أيضاً، وكانت قد اتخذت هذه الخطة قبل الدولة العثمانية، إذ كانت تتساهل بوجود الأديان في الأجيال الأولى للمسيح. وقد وصف أحد المؤرخين هذا التساهل – كما يقول - بكلام وجيز مفيد: "إن أنواع العبادات على اختلافها كانت سائدة في العالم الروماني. وكان الشعب يعتقدها كلها صحيحة والفلاسفة يعتقدونها كلها خرافية والحكام يعتقدونها كلها نافعة مفيدة". وهكذا ينتشر التساهل والسلام والراحة والائتلاف الديني... ويستنتج بعد ذلك أن "الدولة العثمانية تتساهل مع النصارى كي تبقيهم أذلاء شاكرين ولرؤسائهم مطيعين ولسلطتها خاضعين".

ويعجب من المسيحيين في عدم تساهلهم بعضهم مع بعض! "إن الدولة تتساهل مع النصارى. ولا أظن أحداً منكم يشك في تساهل المسلمين مع النصارى ولكن عجباً كيف أن النصارى لا يتساهلون بعضهم مع بعض. الآخرون يتساهلون معنا ونحن لا نتساهل مع إخواننا في الوطن الواحد ولا نواري اختلافاتنا ولا نتناسى ضغائننا عند مصلحة امتنا".

يفترض أمين الريحاني سؤالاً من بعض اللاهوتيين: "كيف نتساهل مع من لا صحة لدينهم ولا حق في معتقدهم"؟ فيجيب: "إن التساهل قائمٌ على الخلاف ولو لم يكن ذاك لما تساهلت الحكومة مع الطوائف المخالفة لمذهبها. إن الغاية القصوى من غايات الحكومة المتعددة هي أن تحامي عن كل مبدأ صحيح وتكفل لكل رجل حرية القول والفعل إذا لم تمس حرية غيره".

يرفض الريحاني فكرة الشعب المختار أو الأمة المفضلة على الأمم، ذلك أن الله كما يرى الريحاني "لا يفضل أمة ولا طائفة على أخرى. الله لم يصطف له في الأرض شعباً خاصاً. ويخطئ من يفهم أن الله اختار الاسرائيليين ليعضدهم ويهديهم دون غيرهم. فلو كان هذا هو المفهوم لبقيت عجائبه فيهم بعد مجيء المسيح أيضاً. ولكن عدل الله أرفع من أن يحصر خلاصه بذرية دون غيرها. ولذلك قال: اذهبوا وبشروا كل الامم. إن من سار حسب الشرائع الطبيعية فعمل الخير وابتعد عن الشر كما يرشده عقله، ولو لم يتوصل إلى معرفة الدين الحقيقي، فإنه لا يهلك. لأن الله رؤوف ورأفته لا منتهى لها. وما الدين التوحيدي إلا دين واحد فكلنا نتحد بالرب وكلنا نعبد إلهاً واحداً".

في نهاية الفقرة السابقة يستعمل جملاً نسمعها الآن بكثرة، عن الدين الواحد والإله الواحد... وهي جملٌ يستعملها الدعاة في فض النزاعات وفي التخفيف من الخلاف أو سذاجةً.. وإلا فإن القتل والتكفير والتهجير والقمع لا يخفف منه الاعتقاد بإله واحد ولا دين واحد. ولا علاقة بين الإله الواحد والتسامح.

يتكلم عن الشك واللاأدرية بشكل إيجابي، فالعلماء والحكماء كما يرى "يفتخرون بقولهم لا ندري جواباً عن المسائل التي تفوق مداركهم والكنوه الالهية التي يعجز عن تحديدها العقل البشري. فلِمَ نتعصب ما دمنا نتذبذب من ضعفنا عن تفهم أمور دينية كثيرة لم يصل العقل إليها؟ من قال لا أدري جواباً عن مسألة لا علم له بها فقد برهن على صحة عقله، وحسن رأيه وعمق حكمته وثاقب فطنته وسلامة ذوقه". ويضرب أمثلة على أهمية "اللاأدرية" من التراث العربي والأجنبي...  إذ لا يرى مشكلةً إذا ما قُلنا لا ندري. مثلاً العلامة الشيخ ابراهيم اليازجي الذي يرى أن قول القائل لا أدري خيرٌ من أن يقال له أخطأت، وعدَّ ذلك من مآثر ذوي العلم. وقد كتب السيوطي فصلاً في من سئل من العلماء عن شيء وقال لا أدري، وذكر من مشاهيرهم الأصمعي وابن دريد والأخفش... وثعلب والشعبي... ليصل من هذه الأمثلة إلى ما يُعزز فكرته عن التسامح؛ "فلنتساهل إذن في الدين إذ إننا لا ندري. والذي يدعي المعرفة هو الذي لا يدري بأنه لا يدري. فليبقَ كلٌّ على دينه إذا دله عقلُه على صحتهِ بعد التنور الكافي والترفُّع عن الأهواء. ولا ينتظرن أحدٌ رؤيةَ دينٍ واحد مقبولاً عند الجميع كما يرى الحقائق الرياضية والعلمية مثلاً". وهذه إشارة من الريحاني إلى أن معيار قبول الحقائق الدينية يختلف عن معيار قبول الحقائق العلمية.

يتساءل الريحاني عن معنى الوحي بأسئلةٍ عدة تبدأ بـ "هل أوحي الدين..." من أجل كذا وكذا؟ وينتهي إلى "لو نظر الله كما ينظر البشر إلى نتيجة وحيه لما كلم الأنبياء. ولو نظر إلى أن عاقبة الدين الذي أنزله ستكون الاضطهاد والطرد والحروب لكان أبقاه عنده في السماء ولكن الله... الله أعلم".

ويتساءل لماذا نستخف بالدين ونتخذه ألعوبة؟ نحن بإخراجنا الدين من الكنائس لغاية عالمية نرذله ونجدف عليه "ومن التعصب الممقوت أن نميز كل حانوت وكل بيت تجارة وكل جمعية بدين مخصوص فنقول: هذا التاجر ماروني وذاك الطبيب أرثوذكسي. ما هذه الحالة التي وصلنا إليها. أينقصنا شيء إلا أن نضيف إلى أسمائنا أسماء طوائفنا ونقول: زيد الماروني وعمر الأرثوذكسي ومحمد المسلم".

كان يدعو إلى جمعية خيرية سورية بدلاً من الجمعيات الخيرية المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية... ليست الجمعيات فقط بل يذكر التجار من الطوائف المختلفة والمطاعم والجرائد... فهل يتعامل هؤلاء مع القديسين؟ وهل ينزل طعامها من السماء؟ "متى نؤلف جمعية التساهل ونبني كنيسة التساهل ونشيد مدرسة التساهل ونؤسس جريدة التساهل ونفتح نزل التساهل وتصير أعمالنا كلها تساهلاً بتساهل؟ متى تشملنا هذه الحالة السعيدة؟".

كان الريحاني يدعو إلى التساهل أو التسامح: "التساهل أيها الشيوخ الأجلاء. التساهل أيها ... لو كان لي ألف لسان وتكلمت من الآن إلى يوم الدين لما عييت من ترداد هذه اللفظة العذبة السهلة اللطيفة. لفظة كرهتها القرون الوسطى وكلف بها القرن التاسع عشر. لفظة عززتها الجمهورية في هذا الجيل. لفظة انفتحت لها قلوب المتمدنين المخلصين لأبناء جنسهم وتأهلت بها الضمائر الحرة والعقول الصحيحة. لفظة طيب شذاها يملأ الفضاء وذكاء عرفها ينعش الصدور. هي أحسن وألطف وأبدع وأجمل وأرفع وأسهل لفظة في معاجم اللغة".

وقد ختم الريحاني خطبته بالجمل الآتية:

"التساهل هو أساس التمدن الحديث وحجر زاوية الجامعة المدنية.

التساهل شدد عزم الأحرار فبرزت من عقولهم أسمى الافكار.

التساهل أوجد الترقي والتقدم في كل فروع العلم والدين والفلسفة.

التساهل أيد سلطة الضمير ومحق السلطة التي لم ينزل الله بها من سلطان.

التساهل أعطى لكل امرئ حقه فتمتع به ومارسه بحرية واستقلال.

التساهل وضع حداً للاضطهادات الفظيعة وكسر السيف الذي استخدمته الدول لاستئصال شأفة من خالفها بالمذهب.

التساهل جعل كل رجل صحيح العقل والجسم أهلاً للوظائف في الدولة وأهلاً للانتخاب.

التساهل قال للكنيسة: أنت سلطانة وقال للإنسان: أنت أيضاً سلطان بذاتك. وكل له حدود وأينما وجدت الحدود كانت الحقوق وأصبح الأمر خارجاً عنها ظلماً.

التساهل هو اللين والرفق والحلم والسلام.

التساهل يزيد الإنسان غبطة وسعادة ونجاحاً في الحياة الدنيا ولا يضيره في الآخرة.

التساهل هو الطريق الوحيد الذي من تحته تجري الأنهار وعن يمينه ويساره الأشجار. طريق يدر لبناً وعسلاً. طريق مستوٍ مستقيم لا يميل بنا عن روض السماء.

التساهل معنى أصيل لا ينكره الإنجيل ولا القرآن".

 

د. فيصل غازي مجهول

 

ميثم الجنابيالعبرة التاريخية ووعي الأمم: إن الفكرة القائلة، بان التاريخ هو عبرة الأمم مازالت تحتوي على حيويتها النظرية والعملية. غير أن التاريخ الحديث بدأ يتجاوز ما فيها من قيمة عملية بسبب "تكنولوجيا السرعة" التي بدأت تقرّب المستقبل وتجعله اقرب إلى "الحاضر". مع ما يترتب عليه من تقليص درامي أحيانا بين الحاضر والمستقبل. بحيث يجعل من المستقبل حاضرا ومن الحاضر مستقبلا. وهو تداخل كان وما يزال يحكم المسار التاريخي للأمم. انطلاقا من أن حاضر الأمم هو مستقبلها. بمعنى توقف احدهما على الآخر.

وإذا كانت هذه الحصيلة تبدو فيما مضى جزء من "الخيال العلمي"، فإن السرعة الخارقة التي رافقت وما تزال ترافق الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية قد اختزلت تفاوت الأزمان. فالمسار الفعلي لتاريخ الأمم لم يعد مجرد ترابط حلقات مترامية للماضي والحاضر والمستقبل، بل وحدتهم الحية في الأفعال المبدعة. مما أدى إلى بلورة إحدى الحقائق المنطقية والمثيرة القائلة، بأن الإبداع هو معيار المستقبل. الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر بحقيقة فكرة العبرة في تاريخ الأمم، ومن ثم توظيفها بما يخدم المستقبل. وليس المقصود بذلك سوى تحويل وجهة النظر السياسية للدولة والنخب صوب المستقبل. فالاهتمام بالعبرة الماضية يعني أن الدولة والأمة لم يتخلصا بعد من ثقل الماضي، مع ما يترتب عليه من ضعف أو فقدان للرؤية الإستراتيجية. وذلك لأن الإستراتيجية تخطيط للمستقبل. مما يفترض بدوره النظر إلى إشكاليات الحاضر بمعايير المستقبل.

ولا يعني ذلك تجاهل الماضي، بقدر ما يعني توظيفه العقلاني، أي نفيه بمشاريع مستقبلية نابعة من إدراك نقدي وعملي لتجارب الماضي. ومن ثم بناء وتأسيس مرجعيات كبرى بهذا الصدد. ولعل تأسيس مرجعية ما أدعوه بهندسة التاريخ والمستقبل في المثلث العربي  الإيراني التركي من بين أكثرها أهمية. فهو المثلث الذي يمكنه أن يكون مختبرا لتوظيف تجارب الماضي في خدمة المستقبل. والمقصود بالمثلث العربي الفارسي التركي هو وحدة التاريخ الثقافي، والجغرافيا السياسية، ومشروع المستقبل للعرب والأقوام الفارسية والتركية.

فالتاريخ الثقافي المشترك هو الإرث الاممي العام، أي ما فوق القومي. وفي الوقت نفسه هو احد مصادر الوعي القومي. بمعنى انه يحتوي بقدر واحد على وحدة القومي والأممي. كما أن قيمته المتسامية بالنسبة للجميع تستمد مقوماتها من طبيعته الثقافية العامة. فقد كانت الثقافة الإسلامية نتاجا مشتركا حيا لمختلف شعوبها، وبالأخص العربية والفارسية والتركية. كما انها كانت نتاجا مشتركا ومتراكما في مجرى صيرورة الخلافة وصراعاتها الداخلية. فقد كانت الخلافة الغلاف الروحي الذي وّحد التاريخ الذاتي للعرب والفرس والأتراك. أما الصراع السياسي وتبدل الدول ومراكز الخلافة والحروب العنيفة أحيانا والدرامية فيما بينها، فقد كانت جزء من تاريخ الخلافة السياسي. ولم يقف هذا التاريخ في كل مجراه المتنوع في يوم ما بالضد من وحدة الهموم الثقافية الكبرى. على العكس، لقد كان يمدها ويسندها بحرارة البيان وصدق الوجدان وقوة البرهان بالبقاء ضمن مرجعياته المتسامية. والسبب يكمن في أن مرجعيات الثقافة الإسلامية الكبرى هي مرجعيات متسامية بسبب طبيعتها الثقافية العامة وهمومها الكونية. والاستثناءات القليلة صغيرة من حيث القيمة والمعنى والتأثير. بل انها كانت تظهر وتذوب كما لو انها ومضات عابرة للغلو الروحي والعقائدي على ضفاف المجرى العام للثقافة الإسلامية. وفي هذا يكمن سبب بقاء الكلّ الثقافي الإسلامي حيا في جميع مكونات الوعي التاريخي والذاتي للعرب والفرس والأتراك.

التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية

أما الجغرافيا السياسية، فإنها بقت كما كانت فيما مضى تدور حول المشرق العربي (الهلال الخصيب والجزيرة) وإيران وتركيا. وهي مكونات مترابطة لما قبل التاريخ الإسلامي بوصفها جغرافية مفككة لا يجمعها غير صيرورة الدول وانحلالها. لكنها كانت محكومة بالوحدة الإمبراطورية وبالأخص ما يتعلق منه بالعلاقة العربية (وادي الرافدين) والفارسية. وقد أعطت الخلافة العربية الإسلامية لهذه العلاقة بعدا روحيا ثقافيا يتسامى على أزمان الصراع والخلافات القديمة والمعاصرة أيضا. وفي مجرى هذا الصيرورة الثقافية الروحية جرى الاندماج العضوي للشعوب التركية في عالم الإسلام السياسي والثقافي. مما جعل من أراضي الأتراك (ما وراء النهر، ثم تركستان وأخيرا آسيا الوسطى) كواكب دائرة في أفلاك "دار الإسلام". وتوجت هذه العملية في صعود وانحلال السلطنة العثمانية. والنتيجة هي الرجوع إلى حالة تتسم بقدر هائل من التفكك الجيوسياسي للدول والقوميات. بمعنى إننا نقف أمام دول عديدة مختلفة ومتصارعة ومتناحرة أحيانا بين العرب (الدول العربية) والفرس (إيران وطاجكستان) والأتراك (دول آسيا الوسطى وتركيا). وتعكس هذه الحالة المسار المعقد لانحلال الإمبراطوريات الإسلامية، والصعود الأوربي، وظاهرة الاستعمار الغربي (الأوربي ثم الأمريكي)، والصعود القومي الحديث. لكنها أبقت على مكونات البؤرة الجيوسياسية للكل الإسلامي في تماس جغرافي سياسي حيوي. من هنا اتسامه أيضا بقدر كبير من الحساسية أحيانا والخلاف أحيانا أخرى، بحيث بلغت في حالات معينة درجة الحرب المدمرة (كما جرت على امتداد عقود بين إيران والعراق) والتوتر الحامي (كما كان لفترة طويلة بين تركيا وسوريا) والتوتر الدفين (بين إيران والعراق، وبينها وبين دول الخليج العربية بشكل عام والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص). ولكل خلاف وحرب وتوتر أسبابه الخاصة. لكنها أسباب جزئية، حالما يجري النظر إليها بمعايير التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية. بمعنى حالما يجري النظر إليها بمعايير البدائل المنطلقة من أهمية وجوهرية التاريخ الثقافي والتماس الجغرافي بالنسبة لتعايش الأمم والمصالح. فهما المكونان الجوهريان الذي يجبران اشد القوى المتصارعة في نهاية المطاف للبحث عن صيغة تبرد حرارة الاحتكاك التاريخي.

فالتجربة التاريخية للأمم تكشف عن أن اشد أنواع الصراع تكمن في مناطق التماس الجغرافي والتاريخي والثقافي. وكلما تكون الأمم متباعدة فيما بينهما كلما تخف إمكانية الخلاف بسبب انعدام التاريخ المشترك بينها. والاستثناء الوحيد هو حالة العالم المعاصر بسبب القدرة الكامنة للتكنولوجيا في تذليل المسافة والزمن. بحيث يمكنها أن تجعل الخلاف والصراع المادي والمعنوي عنيفا في ظل التماس المباشر أو الفرضي.  (كما جرى بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة).

وبما أن تاريخ الدولة هو تاريخ القوة والسيطرة، من هنا تراكم شحنات الخلاف الكبرى في مجرى التماس السياسي والقومي للدول. وبالتالي ليس الخلاف العميق أحيانا، والمتغلغل في أعمق أعماق النفس البشرية والوعي السياسي واللاوعي الاجتماعي بين العرب والفرس والأتراك يكمن أولا وقبل كل شيء في عمق التاريخ السياسي والثقافي المشترك.

فقد كان التاريخ العربي والفارسي والتركي على امتداد آلاف السنين يتمثل بصورة نموذجية ما أسميته بالاحتكاك التاريخي الثقافي والقومي للأمم والدول. وكلما يكون التاريخ المشترك بين الأمم أكثر عمقا وأطول زمنا واشد تداخلا كلما يكون الخلاف أوسع وأكثر تغلغلا. وفي الوقت نفسه ليس هذا "الأثر الطارئ" سوى النتاج السيئ الذي عادة ما يرافق ويلازم الفضائل الكبرى القائمة في وحدة التاريخ الثقافي والسياسي المشترك. وليس مصادفة أن تكون كمية ونوعية الخلافات بين العرب والفرس أوسع وأكثر تغلغلا. وهو "الأثر الطارئ" الذي رافق ويرافق عمق، وطول، وسعة التداخل التاريخي الثقافي بينهما. إذ يمكننا القول باستحالة فصم أو تفرقة التاريخ الثقافي والسياسي للعرب والفرس على امتداد ألوف السنين. كما يصعب فصم عرى المستقبل الكامن فيه. وفي هذا يوجد أحد المصادر الكبرى للخلافات الحادة أحيانا بين مكونات هذه المثلث.

لكن إذا كانت الخلافات السابقة جزء من صيرورة الإمبراطوريات وإعادة توطين "المركز السياسي"، فإنها الآن جزء من صيرورة البنية الخاصة للدولة والقومية. من هنا يمكن رؤية سبب الخلافات الأشد حدة بين العالم العربي والإيراني، بسبب التماس الجغرافي الاكبر، ومن ثم التماس الأوسع للمصالح المتنازعة والملازمة للدولة الحديثة والقومية ما لم يتكاملا بمعايير الحقوق والاقتصاد. وهي العملية التي لم تكتمل في كل من العالمين العربي والإيراني. كما تعاني من نواقص جدية في تركيا. من هنا الإثارة الكامنة والحساسية الكامنة في كل منهم تجاه الآخر. وإذا كان التوتر في اغلبه بين إيران والدول العربية، فان السبب يقوم أولا وقبل كل شيء في أن إيران دولة موحدة لكنها متعددة القوميات والأجناس، بينما الدول العربية عادة ما تتصف بالقومية الواحدة كما هو الحال في (الجزيرة وسوريا) أو شبه قومية واحدة (العراق) لكنها مجزأة على مستوى الدولة والنظم السياسية. فهي تعاني من ضعف تكامل وتجانس الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة العصرية على مستوى "الدولة القطرية" وفيما بينها ككل، أي انها لا تشعر ولا تعمل بوصفها كلا قوميا واحدا.

وإذا كانت إيران وتركيا كل منهم على التوالي يمثل من حيث الرغبة والإمكان "العالم الإيراني" ككل و"العالم التركي" ككل، فان الكل العربي دول متنافسة لم تتكامل وحدة الوطني والقومي فيها بمعايير الرؤية الواقعية والإستراتيجية الجاذبة للدول العربية في كل واحد (على مستوى النظام السياسي والقوانين والاقتصاد والتربية والتعليم والمواصلات وغيرها). الأمر الذي جعل وما يزال يجعل من الدولة العربية المعاصرة دولا "قومية" بلا قومية بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي أما قومية أيديولوجية (كما كان الحال في العراق وما يزال في سوريا وليبيا وأمثالهما) أو قومية محلية (مصر وتونس والجزائر والمغرب) أو قومية طائفية غريبة (لبنان) أو قومية محلية تقليدية (دول الخليج العربية) أو تجمع بين المحلية والتقليدية (اليمن). وهي كلها مظاهر لنزوع قومي لم يكتمل، بسبب عدم تكامل النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بمعايير الفكرة القومية الحديثة. أما إيران فإنها كانت دولة قومية عنصرية (شاهنشاهية) أصبحت بعد "الثورة الإسلامية" دولة قومية مذهبية (إسلامية). بينما كانت تركيا وما تزال دولة قومية عنصرية أرست الاتاتوركية عناصرها الداخلية ومعالمها الخارجية. استطاعت توحيد الدولة والأمة عبر "فك الارتباط" بالإرث الثقافي الخاص. لكنها تتجه الآن صوب معالمها وجذورها الثقافية الخاصة. وهي في عملية صراع ومن ثم احتمالات متنوعة ومختلفة.

وبغض النظر عن كل هذه الاختلافات الجدية بين مكونات العالم العربي والإيراني والتركي، فان ما يجمعها بهذا الصدد هو أن الفكرة القومية فيها ليست فكرة تلقائية. بعبارة أخرى، إن الفكرة القومية فيها نتاج الأزمة التي استتبعت زمن انحطاط الحضارة (الإسلامية) وسقوط الدولة، والاحتلال الأجنبي (الأوربي)، والسيطرة الغربية (الأمريكية). وهي عملية معقدة كان يصعب عليها إنتاج فكرة إستراتيجية في بداية القرن العشرين (على خلفية الصراع السياسي والمذهبي والتخلف الاجتماعي) قادرة على تمثل مبادئ وقيم التنسيق الشامل بين الأطراف (العربية الفارسية التركية). على العكس لقد كان الخلاف والصراع وفك الارتباط التاريخي أسلوب التكامل الواقعي والعقلاني للفكرة القومية. وهي عملية لم يجر انجازها بصورة تامة بعد مرور قرن من الزمن. لكنها استطاعت أن ترسي أسسها العامة من خلال ظهور وتعايش الدولة العربية (الخليج والعراق وسوريا) والدولة الإيرانية والدولة التركية. وإذا كان القرن العشرين قد تجاوز في مجرى صراعاته الملازمة لصعود الدولة والقومية اغلب المراحل والعقد الدموية، فان القرن الحادي والعشرين يضع خيارات الماضي أمام اختبار مستقبلي كبير. بمعنى انه يضع مهمة إعادة النظر بتاريخ فك الارتباط التاريخي من خلال ما يمكن دعوته بادراك القيمة الإستراتيجية للرجوع إلى النفس بوصفه استمرارا نوعيا جديدا للتكامل الواقعي والعقلاني للدولة والقومية. بعبارة أخرى، أن العالم العربي والفارسي والتركي يقف كل منهم بطريقته الخاصة أمام مهمة الرجوع إلى النفس، بوصفه رجوعا إلى "المثلث التاريخي الثقافي" العربي الفارسي التركي.

 "المثلث التاريخي الثقافي" العربي الإيراني التركي ومشروع المستقبل

إن نجاح أي مشروع يفترض تحديد مقدماته وغاياته ووسائله. وهذه بدورها تتوقف على منظومة المرجعيات الكفيلة بتوجيه الطاقة الذاتية صوب تجسيدها الفعلي. فقد كشفت تجربة قرن من التاريخ الحديث للعالم العربي والتركي والإيراني عن أن الانفكاك المحكوم بمقدماته التاريخية قد أدى وظيفته الكبرى فيما يتعلق برسم حدود الدولة وطاقاتها الداخلية. ومع أن وظيفة هذا الانفكاك لم يستنفذ طاقاتها بصورة كاملة بعد لكي يتم "التخلي" الكامل عن فكرة الحدود القومية للدولة، إلا أن تأمل المستقبل ضمن شروط وتأثير العولمة المعاصرة، يكشف عما في إعادة النظر بمثلث المستقبل العربي الفارسي التركي من قيمة إضافية كبرى بالنسبة لدعم مشروع الدولة القومية واستتبابها ومن ثم تفعيل طاقاتها الكامنة. بمعنى التخلي عن نفسية وذهنية المنافسة والهيمنة التي ميزت تاريخ الماضي. رغم أن هذه الظاهرة نفسها لم تكن معزولة عما يمكن دعوته بحب الزعامة والهيمنة الفاعلة. وهي عملية متضاربة تعكس من حيث مقوماتها وغاياتها السعي من اجل احتلال موقع اللاعب المركزي والفاعل الاكبر. لكنها كانت وما تزال محكومة بالتماس الجغرافي والثقافي. ومن الممكن العثور على صداها القوي بما في ذلك في الصراع والتنافس الحاد أحيانا بين الكتل العربية والإيرانية والتركية للقيام بلعب دور إقليمي في العالم المعاصر بعد أن ضعف كل منها من إمكانية القيام بدور عالمي كما كان الحال في الماضي.

ولا تخلو هذه العملية المتناقضة من فضائل في حال توظيفها العقلاني على المدى البعيد، أي في حال توجيه التنافس صوب التنسيق والتكامل. ومن ثم توجيه الطاقة المهلكة للتنافس من اجل التمتع بلعب الدور الإقليمي صوب التكامل في قوة قادرة على المدى البعيد على لعب دور عالمي. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال تحول طاقة التنافس المهلكة صوب توحيد القوى والطاقات الكامنة في هذا المثلث. وهو تحول ومثلث يمتلكان مقوماتهما الفعلية في وحدة الإرث الروحي الذي صنعه التاريخ الثقافي الإسلامي، بوصفه احد المرجعيات الكبرى لهذه المشروع.

فقد أدى تداخل وتتابع الإمبراطوريات العربية والفارسية والتركية التي توجت في مرحلة الإسلام بوحدة الكلّ الثقافي، إلى صنع إحدى أهم المنظومات الثقافية الفاعلة لحد الآن في الوعي القومي بوصفها مرجعيات ثقافية روحية كبرى. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الإقرار بوجود مثلث تاريخي ثقافي عربي – فارسي – تركي على امتداد قرون عديدة. وهو مثلث تاريخي ثقافي مقترن ايضا بتماس الجغرافيا السياسية. وبغض النظر عن أن هذا الاحتمال ليس حتميا، لكنه الأكثر واقعية بسبب ما فيه من وحدة التاريخ المشترك، ووحدة الجغرافيا، ووحدة المصالح حالما يجري ربطها برؤية مستقبلية. وليس المقصود بالرؤية المستقبلية سوى تلك التي تستند وتنطلق من إدراك قيمة التطور الحر والعقلاني والمستقل لكل من أطراف المثلث وفي وحدتهم. وهي الحالة التي يمكن تأمل ماضيها الدموي وحالتها الاقتصادية والسياسية والحقوقية والثقافية في مشروع "الاتحاد الأوربي". فهو يشترك مع حالة المثلث العربي التركي الإيراني بتنوع القوميات ووحدة التراث والتماس الجغرافي. ومن ثم وحدة المصالح. فقد أوصلت التجارب القومية المتصارعة الدول الأوربية إلى حالة الانكفاء الذاتي ثم الانفتاح بوصفه مصدر القوة الإضافية للكل بأجزائه. وهي عملية معقدة ومتناقضة لكنها مستقبلية.

وبالتالي يمكن النظر إلى المشروع الأوربي عن "المتوسطية" بوصفه شكلا من إشكال استباق الوحدة الضرورية للمثلث العربي والفارسي التركي. بمعنى محاولته الاستفراد بتركيا من خلال وضعها في حال "الانتظار القلق" وإخراجها من مشروع المتوسطية، والعمل من اجل "ضم الدول العربية القائمة على حوض البحر المتوسط، ومن ثم عزل دول الخليج العربية والعراق عنه. إضافة إلى محاصرة إيران. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إستراتيجية، قد لا تكون محكومة بخبائث "الرؤية الشيطانية" لكنها تؤدي هذا الدور بفعل سلوكها العملي بمعايير السياسة النفعية وصراع المصالح. بعبارة إننا نقف أمام إحدى الصيغ الخطرة لتنافس الأمم والمصالح، بالشكل الذي يستعيد ماضي النزوع الكولونيالي للغرب من خلال توظيف التجزئة المستمرة للعالم العربي التركي الفارسي (الإيراني)، أو على الأقل استباق إمكانية توحيده من خلال جعل أطرافه أضلاعا سائبة وليس أضلاعا مكونة لمثلث المستقبل. 

هندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الإيراني التركي.

إن الرؤية الإستراتيجية تفترض الانطلاق من تأمل العبرة التاريخية والعمل بمعايير المستقبل. وفي الحالة المعنية ليس المقصود بهندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الإيراني التركي سوى العمل من اجل رسم مرجعيات ومبادئ وقواعد التنسيق المشترك والتوحيد اللاحق. لاسيما وانه مشروع له تاريخه الذاتي في تاريخ الإمبراطوريات الإسلامية (الخلافة) وما فيها من صيغ متنوعة ترتقي إلى مصاف المنظومات الفكرية والأخلاقية والروحية والفقهية الرابطة لوحدة الأقوام والبشر. وهي منظومات ساهم في بلورتها التاريخي نشاط متنوع ومتداخل، لا يخلو من مراحل درامية وعقد عنيفة، المكون العربي والفارسي والتركي. وهي مكونات تراجعت إلى ثلاثة أضلاع مفككة من خلال انحسارها في الدولة التركية والدولة الإيرانية والدولة السورية والعراقية ودول الخليج العربية، بوصفها دول التماس الجغرافي السياسي. رغم انها تحتوي على أبعاد عالمية (افريقية وآسيوية وما وراء البحار). وإذا كانت هذه الأبعاد تبدو أشبه بكويكب كوني قادر على إثارة زوبعة الموت، فان القوة القادرة على تحويله من "كتلة الفوضى" إلى قوة النظام المقبل تقوم فيما إذا كان بالإمكان توجيهه صوب هندسة المستقبل بمعايير الحداثة والتقدم الاجتماعي. وهي هندسة يستحيل تحقيقها دون التخطيط لترشيد القوى الذاتية صوب التكامل. فقد حلت الأمم الأوربية، على سبيل المثال فوضاها الداخلية في مجر عملية معقدة ودامية وتتصف أيضا بأقدار متنوعة وهائلة من المعاناة الإنسانية عبر إرساء منظومة التنمية الدائمة والشاملة وتصدير الفائض البشري (إلى الخارج). أما العالم الإسلامي، وفي الحالة المعنية مكونات المثلث العربي الإيراني التركي، فانه يعمل ضمن شروط قاسية. وقد يكون أقساها هو تمتعه بإمكانيات هائلة وضغوط خارجية فاعلية، تعمل من اجل ألا تتكامل هذه الأضلاع في مثلث متناسق. وهو مثلث قد لا يكون متساوي الأضلاع من حيث مقدماته الأولية والحالية، لكنه متساوي من حيث أهميته بالنسبة للمستقبل. وذلك لان أية محاولة للإبقاء على أضلاعه المفككة أو جعلها مختلفة الأبعاد لا تؤدي في أفضل الأحوال إلا إلى "مثلث" يصعب عليه الاندماج السليم في هندسة العالم المعاصر. ومن ثم يفقده، كما افقده في الماضي القريب إمكانية التحصن الذاتي. مما يفترض بدوره القيام بما يلي:

- الخروج من مأزق المصالح الضيقة

- الانطلاق من أن المكون التاريخي الثقافي هو بؤرة الاحتمال العقلاني لهندسة المستقبل.

- إن هندسة المستقبل بحاجة إلى رؤية نقدية ايجابية قادرة على تفعيل الأبعاد الجيوسياسية للتاريخ والثقافة المشتركة.

- هندسة الذهنية السياسية للدولة، والذهنية الثقافية للنخبة.

- هندسة الرؤية الإستراتيجية من خلال بلورة منظومة مستقبلية متكاملة لها مبادئها الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

الحديث عن الأدب الفلسفي يعني الحديث عن حقل من حقول الثقافة تجمع بين حقلين يكاد تواصلهما حاضرا ومؤثرا منذ زمن طويل، إلا إن المفهوم من المفاهيم المعاصرة، التي حاولت البحث عن حقل يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة  ومازالت ترتبط بمجالات  فكريّة متعددة  من  ضمنها مجال الأدب.

على الرغم من  الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها: أولا البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وثانيا في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

على مستوى التعريف

1- كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة'' ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً، ولقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

2- فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضاراتكما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة. إذ يعد القلق الوجودي، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات  .وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول .

3- فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً . إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما ؛ إلا إنهما في تواصل وتكامل: توصيفاً، وتشخيصاً، ونقداً ؛ لما هو إنساني ثقافي على صعيد متخيل يأخذ  بجماليّة المكان و المشاعر والعواطف  الشفافة ؛ عميقةً برموزها واستعاراتها وتناصاتها التي تفتح أفقا كبيراً، للقراءة والتأويل لتكشف ما هو مسكوت عنه و إنه ليس من الممكن البوح فيه .

ويمكن دراسة العلاقة بين الأدب والفلسفة من خلال نظريّةالأجناسالأدبيّة إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريّة الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الانكليزيّة literary speiesثم عدلوا عنها إلى   literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى الملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة .

أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيّة قديمة حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فرديّة، ناتجة بصفة أساسيّة عن رغبة اجتماعيّة. وقد ظل الجدل دائرا حول إمكانيّةتحديد ضوابط معينه يمكن أن تسجلها من خلالها إن مهمة تمييز خصوصيّة جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين:

المرحلة القديمة: التي بلغت ذروتها بالكلاسيكيّة الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبيّة بعضها عن بعض، إذ ينكفئ كل نوع من ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنياً مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب”نقاء النوع”  .

المرحلة الوصفيّة: التي ظهرت حديثاً والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحاً للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقاً على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات. ؛لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أابرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد  بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما أن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاًالأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال التمييز بين الشكل / والمضمون إذ يعرفالأدب  بشكله الجمالي فيما  يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الأشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولد الأدب الفلسفي

أما المرحلة القديمة:

فالبحث عن التمايز بين الطرفين نجده من الناحية التاريخيّة يظهر في الثقافة اليونانيّة لدى كل من أفلاطون وأرسطو، إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات، إلا انه  على الرغم  من هذا الأمر ؛ إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته  ؛بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لمدّة زمنيّة طويلة. يقول أفلاطون عن الشعر: (أن الشعر الجميل ليس من صنع الإنسان و لا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة . وما الشعراء ؛ إلا مترجمون عن الآلهة).

فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة، أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة .

إماأرسطو فقد نظر إلىالأمر من زاويّةأخرى في كتابه " فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاًإلىأشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتيالسفسطة والتخيل في المرتبة الأخيرة فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته .

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا، أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة،وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه،وثالثاً: دراما لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات، وهي تفعل وتنشط  دونما تدخل من قبل الأدب . ونجد أن التأثير اليوناني ترك اثرا في الفلسفة الإسلاميّة ؛ فان مفهوم المحاكاة فقد فهم نقاد العرب المحاكاة أنها مرادفة للمجاز إي: (التشبيه والاستعارة والكنايّة) يقول ابن رشد " والمحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون من قبل ثلاثة أشياء من قبل النظم المتفقة ومن قبل الوزن ومن قبل التشبه نفسه وهذا قد يوجد كل واحد منها مفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ . وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها، مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال .

أما البحث عن المشتركات بين الأدب والفلسفة نجد إن العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . مثلما نجد إن الإنسان قد مارس التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، بالمقابل نجد أيضا، أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، فالكتابة الأدبيّة باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو روايّة، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة . وبالآتي يصح القول أن هناك تداخلاً بين المجالين على الرغم من اختلافهما في مجال التعبير فالأدب يعتمد التخييل في التعبير عن موضوعاته معتمداً على " الكلام الإشاري" كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" نجد بالمقابل أن الكتابة الفلسفيّة تعتمد على كتابة العبارة، فالعبارة هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، فالعبارة -هي أساساً- كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العباريّة ذات الدلالة المحدّدة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد"، هي مدار اشتغال الأدب والشعر.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين الأدب التخيلي الاشاري المجازي و الفلسفة بكلامها المعتمد على العبارة ذات الدلالة المحددة والواضحة ؛  إلاإننا نجد التواصل حاضراً وعميقاً بين الفلسفة والأدب، إذ الفلسفة باعتبارها بحثاً عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا.

فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفيّة فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من: (شعر وقصة وروايّة ومسرح)فقد تأثّر الأدب بالرؤى الفلسفيّة  على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبيّة للتعبير عن نظرياتهم الفلسفيّة كما تمثّل في  محاورات سقراط  مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفيّة التي اتّخذت من الأجناس الأدبيّة حقلها المعرفي .في الدراسات المعاصرة  والظرف الذي انبثق فيه مصطلح الفلسفي في ظل الحداثة وسعيها إلى البحث عن العقلانيّة في الخطاب، ويحاول البحث الكشف  عن نقاط مشتركة بين الطرفين وأشكال العلاقة والتداخل بين عالم الفلسفة وعالم الأدب فهناك أشكال متنوعة بين الطرفين فهناك تداخل كلي وآخر جزئي مثال على هذا في الشعر مثلا نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي:

"خليلك أنت "لا من قلت خَلّي       وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ

وهناك تداخل أعمق مثلما نجده في شعر المعري (973-1057)م، الذي اتّخذ بعداًأعمق حتى وصف بالموقف الوجودي، من مؤلفاته "سقط الزند:  وهو مجموعة قصائد و"اللزوميات"في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة ، كان يقول:

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ

ونجد التداخل يزداد فيضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في  الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي:في (الأحوال)

-آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك .

- للخلق أحوال، ولا حال للعارف ؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره  بآثار غيره .

- نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء.

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في " العينيّة " ؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا (وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)

هبطتُ  إليك  كم  المحا  الأرفعُ           ورقاءُ   ذاتُ   تعززٍ   وتمنّعُ

محجوبةٌ عن كل  مقلةِ   عارفٍ           وهي التي سفرتْ ولم تتبرقعُ

اما المرحلة الثانية:

إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الإنكليزية literary speies ثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى:ا(لملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعةً من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة.

أما المرحلة الثانية أي الوصفيّة:

التي ظهرت حديثا والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لايبقى منغلقا على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد  بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما إن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال تميز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب  بشكله الجمالي فيما  يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الإشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولّد الأدب الفلسفي وهذا يظهر أيضا في دراسة القصة والشعر والمسرح إذ نلمس مضامين فلسفيّة على مستوى الموضوع رافقت ظهور  تلك الأجناس ونموها وخصوصاً الروايّة .

وقد ظهرت اتجاهات حديثة في العلاقة بين الشكل والمضمون منها ما جاء به " كانط "(1724-1804)م وتعد آخر المحاولات الفلسفيّة الكبرى لإرساء قاعدة نظريّة (منطقيّة) للفن الخاص أو " الفن للفن " .أساسا كل خبرة جماليّة في رأي كانط هو الانسجام القائم بين الفهم والمخيلة . لكن لو نظرنا للعمل الفني في ضوء ثنائيّة الفردي والجماعي (سوف نجد العمل الفني فردياً وجماعياً فالوقت معاً فهو تنظيم لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول اجتماعيّة الذي يحملها الفنان ويتخذ منها عاملا من أهم عوامل التنظيم)

لكن الحديث عن الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي المعاصر،وعاملا نصياً بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكلت خرقاً واضحاً لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي والثقافي واللغوي ؛ لأن “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس،واختلاط النصوص،واختلاط القراء والنصوص” ولاسيما أن تشكل الأجناس النظريّة في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيس Hmogeneisa،هذا المنطق يشكل ظاهرة إبداعٍ و تلقٍ نصيّة تختلف من ناقد إلى أخر، إلاأنّ أي معالجة لإشكاليّة الهويّة الأجناسيّة في خضم الأعمال الأدبيّة ينبغي ان تأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين:

احدهما: إمكانيّة الاختلاف بين سياقات عملين أدبيين،حتى وإن كانا يحملان التسمية الأجناسيّة الواحدة .

ثانيهما: يتجلى في إمكانيّة تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة . ولذلك يمكن القول ان(الهويّة الأجناسيّة لنص ما تعد أحياناً والى درجة معينة قابلة للتغيير سياقياً بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي، وبشكل أوسع بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل تواصلي)

من الممكن أن نجد جذوراًلهذا الموقف عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريكنيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى (العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائيّة للارتشاف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي)

فلسفة ما بعد الحداثة:

جاء التحول في الفكر الغربي مع بعد الحداثة بتحول مهم في جدليّة العلاقة بين الفلسفة، فقد تحوّلت الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل:  ثنائيّة الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحريّة والحتميّة.وجاء هذا بعد نقد ليوتارللعقل والذات العارفة . تجاوز فلسفة مابعد الحداثة، التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف و الهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي و خلخلة يقينياته . فقد احتلت اللغة مكان مهم إذ أصبحت (المفتاح السحري لأغلب الفلسفات المعاصرة، ومنها البنيويّة)، فقد مثلت اللغة النبع  الصافي للفلسفة والأدب، وهما يحققان الكثير من الأحلام البشريّة، و يؤكدان على، أدبيّة السرد الفني  في مراميه عبر التخيل والعاطفة عبر تماسكهما وانسجامهما ؛ وصولا إلى مقاصد عميقة تعبر عن رهانات عقليّة ورمزيّة.

على الرغم  من تمردهما على أشكال التعبير الفلسفي،فإن طاقة استعمالهما للغة تبقى ذات أفق إبداعي فلسفي  .وهذا اخذ أبعاداً جديدة في ظل تحولات ما بعد الحداثة التي قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانيّة الصارمة، وكان من بين تلك التحولات خصوصا في مجال الأدب إذ تم كسر الحواجز بين الأجناس وقد تم المزج بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعريّة من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفيّة من جهة أخرى .فأصبح النص (سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى)، قائمة أساساً على أساس مفهوم الاختلاف وهو(مفهوم متجذر في صلب ديناميّة رحك الكائن الواحد)

ولعل هذا جعل تلك الرؤية الجديدة تنفتح على النصوص المعرفيّة كالتصوف الذي عرف (المتصوفة قد نزعوا نزعة ذاتيّة عميقة، وأنهم يتّصلون بعالم ماوراء الحسً ويحاولون أن يصلوا بقلوبهم ومشاعرهم الى ما لايتسنى للعقل والحواس الوصول إليه، او قد اطمئنوا إلى ما وافقهم به أذواقهم من معاني وما صورت به عالم مافوق الواقع من صورة أن يدللوا عليهإن عالمهم هذا العالم الحق وان ماعداه هو الباطل) فهذا الانفتاح نلمسه في نيتشه الذي مهد الطريق لما بعد الحداثة عندما كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت"،وهكذا جاءت التحولات تلك إلى دفع الفلسفة إلى انتهاج مسار مختلف هذه المرة عندما عمدت إلى تجاوز حالة السكون والثبات صوب ماهو معاش من حياة الراهن بكل تحولاته وصيرورته مما دفع الفلسفة إلىإن تدخل فى النقد الذاتي وتتورط بالمراجعة لذاتها من أجل تجاوز غربتها عما هو معاش، وقد أسهم هذا الى حد كبير في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته .ونقد الدوغمائيّة العنيفة المتطرفة .وكان لابد لهذا التحول الذي أصاب الفلسفة أن يصيب الأدب ومن الشعر الذي كان يمثل لغة خاصة به .  إلا إننا نلمس ذلك على الرغم من إن التعارض بين الشعر إذ الاستعارة الشعريّة هي (ليس مجرد تغيير في المعنى، أنها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي) لكن علىالرغم من هذه التحولات العميقة ؛ إلا أن هناك من يرى أن الأدب يبقى متأثراًبأنماط التفكير (وهذا ما يفتح أمامنا ملف تطور أساليب النثر الحديث التي مازالت الآن تتنوع لا بحسب الحاجات الفعليّة، وانما بحسب نمط التفكير السائد خلفها)

 

د. ا. عامر عبد زيد الوائلي

 

السببيّة او العليّة: هي موضوع فلسفي، وبشكلٍ اخص في فرعِ فلسفةِ العلوم. وهي تعنى بالعلاقة بين حدثٍ يُسَمى السَبب وحدثٍ اخر يسمى الاثر؛ بحيث يحدثُ الحدثُ الثاني نتيجةً للأول. (قاموس المورد، البعلبكي، نقلا عن ويكيبيديا).

من اوائل المهتمّين بالعليّة، الفيلسوف اليوناني ارسطو في تفسيره لحركة الكون، ورتبها في اربع عللٍ هي:

1- العلة الماديّة 2- العلّة الصوريّة 3- العلة الفاعليّة 4- العلّة الغائيّة، واعتبرها ديكارت مبدا فطرياً، وراى الرابطة بين العلة والمعلول، رابطة ضروريّةً.

وقانون السببية له مركزيته في العلوم ؛ فهو منتجٌ لقوانين العلم. والاستقراء اساسٌ مهمٌ اعتمدتهُ قوانينُ العلم بالانطلاق من مبدأين حسب رؤية (غوبلو)، وهما:

1- مبدأ النظام في الطبيعة، اي: الثبات وعدم الاستثناء.

2- مبدأ الشمول: الذي يعني ان كل الظواهر تنتظم حسب قوانين عامّة. والحتمية ناتجة عن هذين المبدأين. ويرى كلود برنارد ان الحتمية مطلقة بقوله: (انّ الحتمية مطلقة وكاملة فهي تنطبق على الاجسام الحيّة كما تنطبق على الاجسام الجامدة. وهذا المبدأ الحتمي هو ضروريٌ جدا للعلم).

الضرورة بين العلة والمعلول

هل العلاقة بين العلة والمعلول علاقة ضرورية، وعلاقة صارمة لاتقبل التخلف، اي ان العلة التامة اذا تحققت بوجود المقتضي وتوفر الشرط وعدم المانع، لابد ان يصدر عنها معلولها صدورا ضروريا، مثاله: وصول الماء الى درجة الغليان 100 درجة مئوية، لابد من غليان الماء بمجرد وصول حرارة الماء الى درجة 100 مئوية.

هل العلاقة بين العلة والمعلول هي بهذه الصرامة، وبهذه الضرورة واللابديّة، ام يمكن ان تكون العلاقة بين العلة والمعلول علاقة فيها الكثيرمن المرونة، وليست علاقة محكومة بالضرورة والحتميّة ؟

وهل يمكن التفريق بين عليّة في الفواعل المختارة مثل الله تعالى، والانسان؟. الفاعل المختار لايصدر عنه معلوله صدورا ضروريا، بل تصدر افعال الفاعل المختار بارادته متى شاء. اما الفاعل غير المختار كالنار التي لابدّ ان يصدر منها الاحراق والحرارة بشكل قسري وضروري، والشمس التي لابد ان يصدر عنها نورها صدورا ضروريا قسريا.

هيوم ونفي الضرورة في العليّة

يقول ديفيد هيوم: (رؤية اي شيئين اوفعلين، مهما تكن العلاقة بينهما، لايمكن ان تعطينا اية فكرة عن قوّة، او ارتباط بينهما، وان هذه الفكرة تنشا عن تكرار وجودهما معاً، وان التكرار لايكشف ولايحدث اي شيء في الموضوعات، وانما يؤثر فقط في العقل بذلك الانتقال الذي يحدثه، وان هذا الانتقال المعتاد من العلة الى المعلول هو :(القوة والضرورة)، ويستمر هيوم بالقول: (وليست لدينا اية فكرة عن العلة والمعلول غير فكرة عن اشياء كانت مرتبطة دائما، وفي جميع الاحوال الماضيّة بدت غير منفصلة عن بعضها البعض، وليس في وسعنا النفوذ الى سبب هذا الارتباط. وانما نحن نلاحظ هذه الواقعة فقط، ونجد انه تبعا لهذا الارتباط المستمر فان الاشياء تتحد بالضرورة في الخيال، فاذا حضر انطباع الواحد كونّا نحن فكرة زميله المرتبط به عادة). (موسوعة الفلسفة، عبدالرحمن بدوي).

فهيوم لايؤمن بوجود علاقات عليّة في الواقع الخارجي، وانما نرى في الواقع فقط التعاقب والتتابع والتكرار، والخيال هو الذي يبتدع هذه العلاقات العليّة والروابط بينها.

وهذا الكلام سبق به الغزالي ديفيد هيوم، فالغزالي يقول:

(انّ فكرة السببية هي من ابتداعات الفكر ولايوجد في الخارج الا التعاقب والتكرار)، وبنفس الاتجاه يتحدث ابن حزم، فهو يرى العليّة ضرورة يوقعها الله في النفس الانسانيّة، يقول ابن حزم: (الاستدلال على الشيء لايكون الا في زمان ولابد ضرورة ان يعلم ذلك باول العقل لانه قد علم بضرورة العقل انه لايكون شيء في العالم الا في وقت وليس بين اول اوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين ادراكها لكل ماذكرنا مهلة البتة، لادقيقة ولاجليلة ولاسبيل على ذلك؛ فصحّ انها ضرورات اوقعها الله في النفس، ولاسبيل الى الاستدلال). (فلسفتنا، محمد باقر الصدر).

وقد تحدث السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه (بحث حول المهدي) عن مرونة الرابطة بين العلة والمعلول، وبها فسرّ طول عمر عمر الامام المهدي المنتظر الذي يقول الشيعة الاماميّة بوجوده حيا.

هل العليّة مغلقة ام مفتوحة؟

هل العليّة مجالها عالم الطبيعة فحسب، ام انها تمتد لتشمل عالم ماوراء الطبيعة ايضا؟ وبتعبير اخر هل قانون العلية قانون مغلق على عالم الطبيعة وعالم الشهادة، ام انها تمتد لتشمل عالم ماوراء الطبيعة وعالم الغيب ايضا.

الماديون الذين لايؤمنون بعالم الغيب امنوا بسببية مغلقة، اما المؤمنون بعالم ماوراء الطبيعة، فامنوا بسببية مفتوحة.

فالدعاء علة في الشفاء وهي علة غيبية، اما الدواء فهو علة طبيعية في الشفاء. والرياضة والنظام الغذائي الصحي المتوازن علة طبيعيّة في طول عمر الانسان، ولكن صلة الرحم التي تطيل العمر هي علة غيبيّة في طول العمر. وقد اشار القران الى هذا اللون من العلل، يقول الله تعالى:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الاعراف: الاية: 96. وقوله تعالى في اثار الاستغفار:

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).نوح: الايات: 10-12

فقانون السببيّة قانون شامل لعالمي الغيب والشهادة، فهي سببية مفتوحة.

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الرضا حمد جاسمموضوع الكتابة والكتابة عن الكتابة رافق الانسان طويلاً وكل من كتب يوماً فَكَّرَ بالكتابة وأراد ان يفسرها او يفسر حالاتها او أسبابها. والاهتمام بها مستمر حيث تُعرض/تُنشرْ المقالات عنها. وللمشاركة في هذا الهَّمْ أستميحكم العذر في أن اعرض عليكم وضمن سلسلة: (علي الوردي في ميزان) رأي أو ما تفضل به الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب عن الكتابة. هنا استعين/ اقتبس /انقل ما ورد عنها في الكتب التي أصدرها الراحل الوردي والتي اثارة ضجة كبيرة في وقتها ولا تزال ...اليكم التالي:

1-كتب الراحل الوردي له الذكر الطيب في ص 314 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة الصادر " في عام 1959" أي بعد ثورة 14تموز1958 التالي: [لقد كنت اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي إني كنت اتبع طريقة كليلة ودمنة الذي الفه بيدبا في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على هذه الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني إني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير نتيجة. كنتُ في العهد البائد مخيرا بين امرين اما ان أفصح عن رأيي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومن مغبة قطع الارزاق وبعد تأمُل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى وأصلح لي وللقراء] انتهى

تعليق: لا اعرف هل ان هذا النص يعني او يمكن ان يُفَسَر على انه اعلان براءة من كل ما كتبه ونشره الراحل الوردي قبل تاريخ اصدار هذا الكتاب، ام انه توصيف لحالةٍ اضطره القلق والارتباك الى البوح بها وتثبيتها في متن احدى منشوراته أو هو تفسير الوردي لِما كانت عليه محتويات إصداراته المهمة جداً والتي اثارة جدلاً كبيراً حيث شمل هذا القول ما ورد في كتبه المهمة التالية: شخصية الفرد العراقي/1951 وخوارق اللاشعور/1952 ووعاظ السلاطين/1954 ومهزلة العقل البشري/ 1955 واسطورة الادب الرفيع/1957 والاخلاق/1958.

لم أقرأ ان الدولة/ السلطة/ "النظام البائد" قد اعتراض رسمياً/اجرائياً على ما كتبه أو نشره أو طرحه الوردي او انه "الوردي" قد تعرض حتى لل"عتب" رسمياً من "النظام البائد" ذلك النظام الذي فتح له كل الفرص الممكنة سواء في الدراسة أو التعيين أو البعثات الدراسية "مرتين الأولى الى الجامعة الامريكية في بيروت والثانية الى تكساس" وفتح له أبواب الجامعة بعد عودته بعد نيل الدكتوراه وفتح له المطابع ودور النشر التي اغلقها او حاول غلقها بوجه بعض معارضيه "النظام البائد". سوى ما ذكره الوردي من ان أحد المسؤولين قال له انه "يدس السم في العسل" و لم يكن هذا القول رسمياً انما اجتماعياً حيث كتب الوردي في ص 314 من كتاب الاحلام بين العقل و العقيدة/1959 التالي: [وصفني احد المسؤولين في العهد البائد بأني في كتبي السابقة "أدس السم في العسل". ولست في حاجة الى تفسير المقصود من هذا القول في عرف ذلك العهد، فالسم كان يعني يومذاك كل ما لا يرضى عنه الحكام من آراء. واعترف إني كنت لا اتوانى عن دس "السم" دساً خفيفاً يكاد لا يبين له طعم او ينتج عنه الأثر المنشود منه] انتهى.

لكن الراحل الوردي بعد ان كتب ونشر هذا المقطع عاد بعد سبعة أعوام أي في عام 1965 في كتابه عالي الصيت: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الذي لو تصفحناه لوجدناه لا يختلف فيما ورد فيه عما ورد في كتبه التي صدرت في العهد البائد لا في الأسلوب ولا في المواضيع ولا في الصياغات ولا في التحريفات ولا في الامثال ولا في الحكايات...أي ان هناك تماثل شبه تام بين ما ورد فيه وبين ما تضمنته تلك الكتب...حتى قيل عن الراحل الوردي انه "صاقول" أي يعيد ويصقل.

لا اعرف كيف تحسس "أحد المسؤولين" ذلك السم الذي لا يبين له طعم ولا ينتج عنه أثر منشود منه؟؟؟؟ ويمكن لي أن اضيف بأن ذلك السم لا لون له ولا طعم حتى تحسسه ذلك المسؤول. وإذا عرف عن السم وتحسسه ذلك المسؤول فهل قراء الراحل الوردي من "بقالين وحمالين وصناع الأحذية أكثر انتباهاً او بقدر انتباه ذلك المسؤول حتى ينتفعوا ويتلذذوا بذلك "السم" الفكري الذي "دسه" الوردي في عسل طروحاته؟ يبدوا ان طروحات الوردي كانت عسلاً بالنسبة "للنظام البائد" لكن فيها بعض "السم" الخفيف الذي لا أثر منشود منه...لو دقق الراحل الوردي قوله هذا لوجده انه ضده وليس معه.

2-في ص8 اسطورة الأدب الرفيع كتب الراحل الوردي التالي: [وصفني أحد الادباء في العام الماضي باني تاجر وظن انه وصمني بذلك وصمة لا خلاص لي منها حيث ستسير بها الركبان في كل مكان ويتحدث عنها الرواة كما كانوا يفعلون بشتائم جرير والفرزدق. هولا يدري بان الزمان قد تغير وأني افتخر بان أكون في كتبي تاجرا اذ لا استحي ان أكون كصانع الأحذية وبائع البطيخ أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون.الخ] انتهى

تعليق: اعتقد ان الراحل الوردي تعمد ان لا يفهم قصد منتقديه...فهم لا/لم يحسدونه كما أراد ان يظن على ما يكسب من منشوراته من الكتب...انما كان القصد من "وصمه بالتاجر" انه يستعجل النشر دون تدقيق او تحليل أو انتباه و انه يُكثِرْ و يطيل و يلف و يدور و يداري و يراوغ ولا يحدد ما يريد وهو من اعترف بذلك كما ورد في(1) أعلاه. العجيب ان الراحل الوردي وتحت تأثير الانفعال /التشنج ابتعد عن الرد الصحيح بقوله:( واني افتخر بان أكون في كتبي تاجرا اذ لا استحي ان أكون كصانع الأحذية وبائع البطيخ أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون...الخ).

 اعتقد انه مهما كانت "الصيغة "او" المعنى" او مهما اسعفته اللغة العربية في تفسيره الذي أراده/ارادها الوردي هنا لا يمكن ان تغفر/يغفر له هذه "الاستعارة /التشبيه /المحاججة"...لم يكن الراحل الوردي في رده هذا كما فهمت تحت تأثير شخصية العالم /الباحث/الأستاذ الجامعي الذي يرغب بالرد او النقاش فهو يعلم ان نتاجه فكري و ليس عضلي ونسي ان صانع الاحذية يصنع للناس على مقاساتهم ورغباتهم و يعرض الرديء والجيد "كلشي بسعره" وبائع البطيخ يبيع "كوتره" و يبيع "شرط السجين" و ايضاً "كلمن بسعره"... فهل بضاعة الوردي مع الاعتذار شبيه ببضاعة صانع الأحذية او بائع البطيخ مع احترامي للجميع؟ هل فيها مختلف الألوان والاشكال والمقاسات والاوزان والمصادر؟ هل هي سريعة الاستهلاك وال "عطل" والتغَيَّر والتلف تحت تأثير الظروف المتنوعة المتقلبة سريعاً؟ وهل هناك ما فيها موسمي مثل البطيخ؟

كان على الراحل الوردي ان "يستحي" من هذه المقارنة بدل ان يقول "لا استحي" ليس انتقاصاً من الكادح صانع الأحذية وبائع البطيخ...لكن للاختلاف الهائل بين "الصنعتين" العملين و"البضاعتين" وهو يعرف ان طبيعة صناعة الأحذية تعتمد على طلب المقابل/المشتري من حيث اللون والموديل والقياس أي ان جهد صانع الأحذية الذهني يكون تحت تأثير طلب طالب الحذاء...في حين المفكر والباحث والعالم يكون فعله الذهني ليس بهذا الاتجاه على الاقل. ولو ان الوردي أوقع نفسه في المحظور عندما قال:( أما الذي يقترب الى الجمهور بفنه ويكتب له ما يريد فهو في نظرهم تاجر لا خير فيه). وقال :( أقدم للناس ما يرغبون به او ينتفعون).

انا أقول: نعم ما ينتفعون به ولكن لا خير في عالم يكتب/يقدم ما يريده هذا الجمهور لأنه في هذا يكون كالمهرج الذي يطلب/يستجدي التصفيق لحركاته...وحاشى من يوصف بالعالم ان يكون كذلك...العالم يكتب ما يُريده هو ليرتقي بالجمهور الذي يُريد ان يتعلم من العالم، لذلك يشتري كتبه فالعالم ليس مقدم برنامج " ما يطلبه المستمعين".

3-وفي ص10 من نفس الكتاب: [ولا عجب ان يمتعض الادباء من وصمة التجارة. انهم يتركون ميسم الخلود على جبين الأرض كما يزعمون ولهذا فهم اجل وارفع من البقال او الصانع الذي يكسب رزقة من عرق جبينه ثم يموت ويموت ذكره معه. وهناك سبب اخر جعل الادباء يحتقرون مهنة التجارة هو انهم عاشوا في أحضان الامراء فاقتبسوا منهم قيمهم الاجتماعية فالأمير بوجه عام يكره ان يكون كالصعاليك عاملا كادحا يكسب رزقه بعرق جبينه انه يحتقر الصعاليك ويحتقر الطريقة التي يكسبون بها وقد حذا الادباء حذو اسيادهم في ذلك طبعا] انتهى

تعليق: أعتقد أن رد الراحل الوردي هذا إهانة لأساتذة اجلاء مارسوا حقهم في الرد على ما ورد في كتبه وفق ما يؤمنون به و "تحت تأثير" ما يؤمن به الوردي في موضوع "القوقعة الفكرية والثقافة الاجتماعية". والوردي يعرف ان اغلب منتقديه مثل حالته في علاقتهم مع "الامراء" "الحكومة" فهم موظفين او أساتذة جامعة يعيشون على رواتبهم وما يحصلون عليه من كتبهم...وهو يعرف ايضاً أن سلاطين تلك الفترة لا يملكون ما "يبذخون" أو "يتصدقون" به على المطبلين لهم فلم يكن بينهم "معاوية بن ابي سفيان أو هارون الرشيد"...بالكاد كان راتبهم الشهري يسد احتياجاتهم حالهم في ذلك حال الوردي نفسه.

الحقيقة لا اعرف كيف استطاع الوردي ان يتعرف على رغبات القراء وما يتلذذون به ليقدمه لهم وينال رضاهم وهم كما يعلم "معادن"!!!!

ولتبرير ما ورد اعلاه بخصوص التجارة والتاجر كتب في ص10 من نفس الكتاب "اسطورة الادب الرفيع": [والغريب ان نجد ادباءنا يحتقرون التجارة بينما كان الإسلام يحترمها ويعتبرها اساساً للدين والايمان. يقول القرآن: (يا أيها الذين امنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم). ويقول (ان الذين يتلون الكتاب وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور) ويقول (أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك الفوز العظيم) فالمسألة تجارية إذن. والمؤمن يقدم نفسه وماله بين يدي الله على سبيل المقايضة والله سيرد له ما قدم ويضيف عليه ارباحاً مضاعفة...الخ] انتهى.

تعليق: لا اعرف هل التجارة مع الله مثل التجارة مع عبد الله فيها الغش والنصب الاحتيال بأشكال لا تخطر على بال وفيها الأسعار ونفاذ الصلاحية واغلظ الايمان؟؟؟

 من يدقق في النصوص القرآنية الثلاثة يجد انها بعيدة جداً عن الموضوع ويستغرب كيف استعان بها الراحل الوردي في ردوده ...اترك التقييم للقارئ الكريم. ولكن لابد من سؤال هنا وهو: هل القرآن ومُنْزِلَهُ "الله" كان يعمل على ان ينال رضا القارئ بالمراوغة والمُدارات ودس السم الخفيف الذي لا طعم له ولا أثلا منشود منه فيعطه ما يريد وما يتلذذ به وينتفع منه؟ أي هل القرآن مثل "كليلة ودمنة"و"الله"مثل"بيدبا"أو"ايزوب "؟

4-في ص13 من نفس الكتاب كتب الراحل الوردي: [وصف أحد الادباء كتبي السابقة بأنها كجبة الدرويش ليس فيها الا الرقع. واظن سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأساً فخير لي ان أكون رقاعاً اخدم الناس بالملابس المهلهلة من أكون خياطاً ممتازاً اصنع الملابس المزركشة التي لا تلائم أجساد الناس ولا ينتفع بها أحد] انتهى.

تعليق: مهما نفعت اللغة العربية في تفسير قول الوردي هذا...لكن كان عليه ان ينتبه وان يتجنب مثل هذا الرد من خلال تَقَبُلْ النقد والابتعاد عن العصبية/الانفعال/التسرع/التشنج. والوردي يعلم ان الجبة تخص المتصوف نفسه ولا تخص المجتمع وهو راضي عنها وعليها والقانع بها اما كُتب الوردي فهي لا تخص الوردي انما تخص الثقافة والمجتمع. والمتصوف بجبته تلك ليس في افعاله وممارساته وأقوله مراوغات ولا يداري الاخرين ولا يعمل على ان ينال رضاهم فهو معتزل لا يقدم للناس ما يريدون وما يتلذذون به انما يُقدم ما يُريد هو. أما ذكر الناقد لها ووصف كتب الوردي بها فهو يعني ان ما ورد فيها لا جديد فيه طرحه السابقون وهي مزركشه "بالرُقَعْ" المتعددة الألوان بتعدد المصادر "الرديئة" التي أخذ منها الوردي أي انها متناقضة ومشوهة...وكان واضحاً ان صاحب الوصف هذا لم يُشِرْ الى الرَّقاع "الركَاع" انما أشار الى المرقوع "المركَوع" وراقع الجبة صاحبها ولم يعرضها على الناس او يعرض خدماته في الرقع عليهم حتى يقول الوردي: (فخير لي ان أكون رقاعاً اخدم الناس بالملابس المهلهلة من أكون خياطاً ممتازاً اصنع الملابس المزركشة...الخ). السؤال هنا: لماذا لا يطبق الوردي على نفسه ما يقترحه على الاخرين في ان يكونوا امة وسطا حين كتب في ص13 من نفس الكتاب "اسطورة الادب لرفيع" كتب الراحل الوردي: [المفروض في الادباء ان يكونوا في الناس امةً وسطاً فلا يتزلفون الى المترفين ولا يخاطبون غرائز المراهقين. أن لهم وظيفة في الحياة كبرى وهم قادرون أن يقدموا للناس ما ينفعهم ويلذ لهم في آن واحد وتلك هي التجارة التي لا تبور] انتهى

ثم ان الوردي يعرف جيداً ان الملابس المهلهلة لا ينفع فيها الرقع ومن يحاول رقعها يضحك على نفسه ويضحك على صاحبها ويسرقه لان الرقع لا يُعَمِرْ "لا يُصْلِحْ" فهي "الجبة" "خامة بايده""مهترئة" قيل فيها: "خامة بايدة ما تفيد بيها الركَعة" والوردي تحت تأثير هذا الانفعال/التشنج/ العصبية /التسرع كتب التالي في ص8 كتب التالي: [فالقارئ الحديث مشغول بهموم يومه ولا يبالي ان يشهد مناقشة بين اثنين لا مصلحة له فيها. وهويقرأ الكتاب لينتفع منه اويتلذذ به وإني لأدرك هذا فيه ولهذا تراني اسعى في كتبي لكي انال رضاه واعطيه المنفعة واللذة قدرالمستطاع] انتهى.

تعليق: اعتقد ان قارئ كتب الوردي في حينها وربما حتى اليوم يهتم بالنقاش بين الكاتب والناقد وربما البعض منهم هو ناقد ايضاً. ويزداد اهتمامهم عندما يكون النقاش بين استاذين فاضلين "الكاتب والناقد" لأن من أشترى مثل ذلك/هذا الكتاب في ظروف العوز والامية والجهل في ذلك الوقت في العراق يهتم بما ورد فيه من أفكار ووجهات نظر وطروحات. وان نقد الكِتاب والكاتب يوسع الحوار ويوضح ما يمكن ان يكون قد فات على القارئ "المشغول بهمومه"...لآن المشتري مهتم بالثقافة على الاغلب.

5-في ص 317 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة وتحت عنوان فرعي هو "الادباء والتجارة" كتب: [قلت في كتاب اسطورة الادب الرفيع ان الناس يقبلون على شراء الكتاب كما يقبلون على شراء حذاء او اية بضاعة أخرى من بضائع السوق فليس في الامر تشجيع للعبقريات او تثبيط لها والمؤلف في هذا كصاحب الدكان اذ هو يخرج للناس ما يريدون منه لا ما يريد هو منهم وقد يتحول القراء من كتاب الى اخر تبعا لتغير الظروف وما على المؤلف اذن الا ان يجاريهم في ذلك او يقبع في بيته ليريح ويستريح] انتهى

تعليق: الحقيقة اترك التعليق على هذا المقطع لأنه يحتاج الى كلمات يصعب طرحها للقراء واكتفي بأن اطلب من القارئ الكريم التدقيق فيما ورد فيه وان يكون هو الحكم وهو من يختار التعليق. وأتمنى من القارئ الكريم ان يضع امامه عند التعليق ان الراحل الوردي كتب هذا بعد ان أصدر كتب مهمة "تمت الإشارة اليها أعلاه" اثارة جدلاً كبيرا وعميقاً وصل حد تهديد حياة الوردي...وهذه الكُتب لا نجد مكان فيها لطرح الوردي هذا من أنه "يخرج للناس ما يريدون منه لا ما يُريد هو" أن ما ورد في كتب الراحل الوردي تلك ما أراده الوردي نفسه لا ما "طلبه المستمعون". وكُتبْ الوردي كما اشرتُ أعلاه يشتريها/اشتراها من كان مهتماً بها ز منهم ربما من كان يشتري الكتاب ويبقى حافي القدمين.

وقول الوردي عن انتقال القارئ من كتاب الى اخر ليس له علاقة بتغير الظروف ...ثم يختم بما يثير العجب والاستغراب حين كتب: "وما على المؤلف اذن الا ان يجاريهم في ذلك او يقبع في بيته ليريح ويستريح"...هذا الطرح أتمنى ان لا يمر على الأعزاء القراء مر الكرام. فهو يطرح أسئلة كثيرة وعميقة عن/على الراحل الوردي وعن أهدافه ومراميه ويشمل كل طروحاته و"حكاويه".

6-في ص316 من كتاب الاحلام بين العلم والعقيدة الذي صدر بعد ثورة14 تموز1958 وتحت عنوان فرعي هو: "قراء عهد الثورة "كتب الوردي: [قد يظهر في بعض فترات التاريخ مؤلفون قادرون على تغيير اسلوبهم تبعا لتغيير الاحوال. لكن هؤلاء قليلون او نادرون. عثرتُ مثلا في الآونة الأخيرة على كتاب للأستاذ لينين كان قد كتبه في العهد القيصري ثم وضع له مقدمة جديدة بعد القضاء على ذلك العهد وقد كتب لينين في مقدمته يقول انه اخذ بعين الاعتبار خطر الرقابة القيصرية حين ألف كتابه وانه التزم منتهى الحذر عند صياغة الملاحظات السياسية حيث سلك فيها سبيل التلميح على طريقة "أيزوب" وقد يسال القاري عن "ايزوب هذا الذي ذكره لينين. إن "ايزوب "شخص شبه خيالي نسب اليه الاغريق القدماء حكايات رمزية من طراز حكايات كليلة ودمنة. معنى هذا ان لينين غير أسلوبه بعد الثورة عما كان عليه قبلها وهو بهذا يختلف عن المؤلفين المحترفين من أمثال كاتب هذه السطور. إننا نريد ان نكتب لكي نعيش بينما هو ويعيش من اجل حزبه ومبادئ حزبه. هو عبقري ونحن من سائر الناس حيث قد نخشى على أنفسنا وأولادنا حتى من عواء الكلاب] انتهى

تعليق: "اننا نريد ان نكتب لكي نعيش"...عبارة كبيرة يفتخر بها كما يبدو وهو "مُحق" حيث يعتبرها البعض انها صراحة ما أقدم عليها غيره...

كيف نفسر "نعيش" هنا؟ هل وفق "نحصل على الطعام" أن كان هذ: فالراحل الوردي كان استاذاً جامعياً في وقت كان الأساتذة قليلون ومثله نقاده وكانوا "يعيشون" عيشة أقرب الى "الرفاهية"... أما إذا كان المقصود ب"نعيش" هو "العيشة" "الحياة" فقد تعرض للتهديد بسبب كتاباته تلك و مرت الأمور بسلام أي لم تنفعه "المراوغات و المُدارات" مع العلم أنه لم يتعرض للتهديد من قبل السلطات بل من قبل من كان يتصور انه يقدم لهم ما يريدون و يتلذذون به و ينتفعون. أعتقد ان الوردي حقق بعض ما يريد مادياً/مالياً من كتابته ونشره الذي تدفق هائلاً في فترة قصيرة. بحيث وصل الى نشر "ورقة" كل يوم تقريباً "نشر وليس كتابة" عدى المحاضرات والمقالات والندوات والبرامج والمقابلات والتصريحات والمشاركات العلمية خارج العراق وبذلك اعتقد انه فاق الاولين والاخرين.

هنا المرة الأولى الذي يذكر فيها الوردي " الأستاذ لينين" في كل كتبه السابقة وحشره حشراً مسايرةً لظروف عام 1959 ليُبَّينَ للبعض انه مطلع على كتب لينين. وأضاف الى ذلك بعض الاقوال من هذا القبيل في صفحات أخرى هذا الكتاب مثل الديالكتيك الذي "عربه" كعادته الى"الدواليكية"!

7-في ص 24 من الاحلام كتب التالي: [فالذي لا شك فيه ان ثورة14 تموز كانت ثورة جذرية كبرى هزت عقول الناس وقلبت مفاهيمهم واعتقد ان عهد الثورة يحتاج الى كُتاب وادباء من نوع جديد يختلف عن ذلك النوع من الادباء والكُتاب الذين اعتاد الناس عليهم في عهد مضى. ورب سائل يسألني، إذا كان الامر كما تقول فلماذا لا تغير اسلوبك يا اخي؟ والجواب على هذا القول بأن ليس من السهل على الكاتب بوجه عام ان يغير أسلوبه بإرادته فالأسلوب جزء من الشخصية وهو اذن لا يتغير الا إذا تغير تركيب الشخصية كله وهذا امر عسير جدا لاسيما فيمن هو مثلي قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة منذ زمن غير قصير...] انتهى

تعليق: ورد "ان عهد الثورة يحتاج الى كُتاب وادباء من نوع جديد يختلف عن ذلك النوع من الادباء والكُتاب الذين اعتاد الناس عليهم في عهد مضى" هذا يعني ان كتاب "العهد البائد" والوردي منهم ليس لهم مكان او دور في العهد الجديد وهذا اجحاف بحق الكثير من الكتاب والادباء المعروفة مواقفهم والذين أشاروا لما يريدون بوضوح وقوة ولم يراعوا ويداروا او في أقصاها دسوا السم في العسل بطريقة تختلف عن طريقة الوردي "لا طعم للسم ولا أثر منشود منه اي لا تأثير له". ثم يقول: "ورب سائل يسألني، إذا كان الامر كما تقول فلماذا لا تغير اسلوبك يا اخي؟ والجواب على هذا القول بأن ليس من السهل على الكاتب بوجه عام ان يغير أسلوبه بإرادته فالأسلوب جزء من الشخصية وهو اذن لا يتغير الا إذا تغير تركيب الشخصية كله وهذا امر عسير جدا لاسيما فيمن هو مثلي قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة منذ زمن غير قصير...] انتهى

ولو نستعين بقوله السابق الذي ذكرته في بداية المقالة وهو:( [لقد كنت اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي إني كنت اتبع طريقة كليلة ودمنة الذي الفه بيدبا في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على هذه الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني إني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير نتيجة. كنتُ في العهد البائد مخيرا بين امرين اما ان أفصح عن رأيي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومن مغبة قطع الارزاق وبعد تأمُل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى وأصلح لي وللقراء] انتهى

نستنتج ان الراحل يقول انه لا يستطيع تغيير أسلوبه في الكتابة التي اعترف بأنه كان يتبع فيه سبيل المراوغة والمدارات أي طريقة "كليلة ودمنه"

وهذا يعني ان أسلوب الوردي هذا جزء من شخصيته الا إذا تغير تركيب الشخصية كله ويعترف الوردي بأن هذا الامر عسير وهو قد اجتاز طور الشباب ودخل طور الكهولة وكأني به يقول "من شب على شيء شاب عليه"...واتضح هذا فيما ورد في كتابه: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الذي اشرتُ اليه أعلاه. ولو قارنا قول الوردي السابق مع التالي: [المفروض في الادباء ان يكونوا في الناس امةً وسطاً فلا يتزلفون الى المترفين ولا يخاطبون غرائز المراهقين. أن لهم وظيفة في الحياة كبرى وهم قادرون أن يقدموا للناس ما ينفعهم ويلذ لهم في آن واحد وتلك هي التجارة التي لا تبور]. نجد ان الوردي لا يستطيع ان يكون في الناس "أمة وسطاً" بين العهدين وبذلك بارت تجارة الوردي.

وأكمل الوردي: [وهو يقرا الكتاب لينتفع منه او يتلذذ به وإني لادرك هذا فيه ولهذا تراني اسعى في كتبي لكي انال رضاه واعطيه المنفعة واللذة قدر المستطاع]. فهل كان السم الذي "لا طعم له ولا أثر منشود منه" يستلذ به القارئ ويرضى بذلك عن الوردي؟ ثم ما فائدته إذا كان لا أثر منشود منه؟؟؟ يمكن لمن يريد الرد على الوردي في هذا الجانب ان يقول: "أن الوردي كان يُخّدِرْ القارئ أو يضحك عليه بمثل ذلك السم الذي لا طعم له ولا أثر منشود منه...فهل قراء الوردي كانوا بحاجة الى ذلك؟؟؟؟

وتأكيداً لموضوع التجارة و شرحاً لها كتب في ص11 من الاحلام التالي:[مهما يكن الحال فقد بطلت في هذا لزمن طريقة الاستجداء لكسب العيش و بطلت كذلك طريقة الاستحواذ بحد السيف انما بقيت طريقة واحدة هي ان تنتج لتستبدل انتاجك بإنتاج غيرك...الخ] و يكمل الوردي في نفس الصفحة:[رأيت ذات يوم تاجراً يبيع السجاد في احدى المدن الغربية و كان ناجحاً في تجارته الى أبعد الحدود ،فسألته عن سبب نجاحه فأجاب: "أني لا ابيع السجاد لأحد ألا بعد ان ابيعه لنفسي" و كان يقصد من ذلك انه لا يحب للمشتري إلا ما يحب هو لنفسه و لهذا وثق الناس به و اقبلوا عليه من حيث تركوا غيره من التجار الذين يحبون ليرهم ما لا يحبون لأنفسهم. وهذا لعمري شعار ينبغي ان يضعه كل ذي عمل نصب عينيه. إنه شعار يصلح لبائع السجاد كما يصلح لناشر الأفكار...الخ] انتهى

تعليق: هل كان هذا البائع "يدس السم الذي لا طعم له ولا أثر منشود منه" في "عسل" بضاعته و"يراوغ ويداري" كما كتب الراحل الوردي؟ لو كان ذلك: كيف يبيع بضاعته هذه لنفسه قبل ان يبيعها لغيره" وهل كان ال "كاتب/مؤلف/عالم الوردي لا يبيع أفكاره لأحد إلا بعد ان يبيعها لنفسه؟ أن قول الراحل الوردي هذا تأكيد واعتراف منه وإصرار على ما سار عليه في التعامل مع الكتابة.

وأختم بما كتبه الراحل الوردي في ص242 اسطورة الادب الرفيع: [الواقع ان المال خير من الادب وان الادب يُطلب من اجل المال ولكن الادباء كثيرون وكلهم يريدون ان يصلوا الى ما وصل اليه البحتري والاخطل من رغد العيش. فاذا عجزوا عن ذلك اخذوا يسلون أنفسهم بأن الادب خير من المال. ولو كانوا فيما يقولونه صادقين لما اشتكوا من سوء حظهم او ملاوا الدنيا صراخا وأنينا...الخ] انتهى.!!!-

اعتقد ان هذا القول فيه تشنج يعكس حالة الوردي تجاه النقاد

وكتب في نفس الصفحة: [والادباء في هذا يشبهون ذلك الثعلب الذي عجز عن نيل العنب فاتهمه بغير حق بأنه حامض] انتهى!!!!!!!

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

مازن مرسول محمدتقوم العلوم على اختلافِ مشاربها بمحاولاتٍ لتأسيسِ ارضية صلبة لكلٍ واحدة منها، تندرج بين الابداع الفكري والتوليدي المؤدي لنشوءِ الفروع المعرفية وزيادة تراكمات الحقل العلمي، الى الاهتمامِ بتوسيعِ مديات العلم وتداخلاته مع العلومِ الاخرى، الى مبتغياتِ نشر المعرفة العلمية وترجمتها من خلالِ المهرجانات  والمؤتمرات والفعاليات العلمية الاخرى، ولا يمكن ان تُكمَّل هذهِ الفعاليات دائماً سلسلة العمل المتواصل المُثمر الذي يؤدي الى بزوغِ نجم الحقل العلمي وتصدَّره قائمة العلوم التي يُشهد لها علو كعب في التطوَّرِ الا في احسنِ الاحوال، اذ باتت العديد من الانشطةِ العلمية تحتل واجهةً شكلية قد تعود بالضررِ في الكثيرِ من الاحيانِ على التخصَّصِ دون زيادة تراكماته، وانما الانحدار بهِ الى الهاويةِ .

 فعندما يُشرَّع بإقامةِ احدى المؤتمرات، يُفترض ان تكون المسائل وفقاً لأرضيةٍ علمية كمُحصَّلة اولى، وليس الغرض منها تحقيق مُبتغياتٌ أخرى لا تعود بالنفعِ على تطوَّرِ الحقل العلمي، بحيث اصبحت هذهِ المؤتمرات في الكثيرِ منها عبارة عن تجمَّعاتٍ ساذجة تشتمل على اصنافٍ عدة من الحضورِ او المؤتمرين، منهم المُهتم بصورةٍ كلية لفتحِ افاق التعاون وتبادل الخبرات والوقوف على آخر ما توصل اليه الحقل العلمي، وللأسفِ بات هؤلاء قلة – ان لم نكن نبالغ – وصنفاً لا يكون همه من كلِ هذهِ الديباجة سوى الحضور والتباهي بذلك كرصيداً يُحسب له على مستوى الملتقيات والمؤتمرات والحضور او المشاركة بها، بحيث لا يرتبط بصلةٍ بالهدفِ الاساس للمؤتمرِ وهو فتح آفاق أرحب للعلمِ والاسهام في تطويرهِ ولا يكاد يفقه كل ذلك، وانما الغرض المهم هو تثبيت اسمه كحاضراً لهذا المؤتمر او ذاك، بحيث سيكون هذا النموذج عالة على العلمِ ومُسهماً بتأخَّرهِ وتراجعه .

وعلى العكس من ذلك هناك الفعاليات العلمية النوعية التي تجتذب خيرة الباحثين الجادين، والتي تُفصح عن فائدةٍ علمية كبيرة مُمكن ان يُنتفع بها في ميادينِ الحياة والتخصَّصات المعرفية، وما يرافق ذلك من اغراضٍ أخرى تُسفر عن فتحِ قنوات للتواصلِ بين الباحثين النوعيين، الامر الذي يُمهَّد لنشوءِ ارضياتٍ اخرى لموضوعاتٍ تهم المجتمع والعلم .

 وتشهد المنطقة العربية اليوم الدعوات لكثيرٍ من الفعاليات العلمية التي تؤكد على الحضورِ بالدرجةِ الاولى مُقابل تحصيل الاموال، مع ضياعِ بوصلة ما يريده المؤتمر او المحفل العلمي بالذات، وصنفاً آخر من الاصنافِ التي تواظب على ارتيادِ هذهِ النشاطات، يكون ايضاً لا ناقة له ولا جمل بكلِ هذهِ التجمَّعات سوى الاصطياد بالماءِ العكر، وهناك صنفاً من المؤتمرين الذين يحضرون لبعضِ مكاسب هذهِ المؤتمرات والتقاط الصور، ويلتقي هذا الصنف مع الصنفِ المُتباهي الذي يكون بينه وبين العلم بوناً شاسعاً، وهناك كذلك صنف المُدَّعي وهذا الصنف خطر جداً، الذي يدَّعي العلم واحقيته بالمشاركةِ في مثلِ هكذا فعاليات، خاصة ان الكثير من المجالِ قد فُتح واسعاً لهذهِ الاصناف دون ادنى درجة من الموضوعيةِ في قبولِ مشاركاتهم، وانما يتبع ذلك محسوبية مقيتة اطاحت بالسلَّمِ الهرمي الذي يُقاس على اساسهِ اهمية البحث العلمي او عدم جدواه، بحيث يُطبَّل هؤلاء لأنفسهم ويُهلَّلوا لمشاركاتهم ويملؤون الفضاء صياحاً وضجيجاً، محاولةٌ منهم لإثباتِ وجهات نظرهم الخاطئة من بابِ الادَّعاء بالعلمِ .

وكثرت هذهِ الاصناف ومُلئت بها العديد من المُلتقياتِ والمؤتمرات والندوات، والاشكالية الكبرى ان يصبح اقامة مثل هذهِ التجمَّعات هي لأغراضٍ ربحية مادية بغطاءٍ علمي يُشرعن عن طريقِ بعض المُدَّعين بالعلمِ، اذ تبرز علينا بين فترة واخرى دعوات لأنشطةٍ علمية دولية لا يُفهم منها حتى ابجديات العلم، فتجدها عامة غرضها ربحي بالدرجةِ الاساس، بحيث تُفرض رسوماً على المُشاركين، تجمعهم لهذا الغرض المادي سواءً تكلموا بالعلمِ ام لا، والادهى من ذلك ان اقامة هذهِ الفعاليات بهذهِ الصيغة بات يؤسَّس له بطريقةٍ مُحترفة، حيث يُخاطب البعض من الاصنافِ التي تم ذكرها سابقاً من الذين يحاولوا ان يظهروا للأوساطِ العلمية بانهم من مُرتادي المؤتمرات الدولية الكبيرة، عدداً من المراكزِ العلمية عن طريقِ سماسرة لهذا الغرض ويقترحوا عليهم اقامة هكذا نشاطات ويكونوا على استعدادٍ للدفعِ المالي لهم وجلب العشرات على شاكلتهم لهذهِ المُناسبات .

 والغاية منها فقط الحضور والبهرجة امام الآخرين، وبالفعلِ توجد العديد من الجهات الداعمة لهكذا اموراً ربحية، لذلك تخرج علينا بين الحين والاخر فعاليات من هذا النوع تنم عن غاياتِ تسطيح العلم وتسفيهه والقيام بإرسالهِ الى الجحيمِ، ولم تذهب كل هذهِ المحاولات سدىً وانما جاءت بثمارها في ما نلحظه اليوم من تردٍ واضح في مسارِ تطوَّر العلم .

اذ يُفترض ان تخرج هذهِ النشاطات بتوصياتٍ تُغيَّر الكثير من الاحوالِ سواءً بالعملِ بها من قبلِ مؤسَّسات الدولة او تزيد من التلاقحِ العلمي بين الباحثين حيث توسَّع من أفقِ مداركهم العلمية والبحثية، لا ان تؤدي الى انحدارٍ خطير على مستوى العلم، الى الحدِ الذي أصبحت فيه هذهِ الاصناف من المؤتمراتِ والفعاليات الاخرى، مُسهمةٌ بشكلٍ أكبر في انهيارِ البحث العلمي والمنظومة المعرفية .

 فلا يوجد تأسيسٌ ممكن ان تُفصح عنه هذهِ الفعاليات لباحثٍ جاد بأدواتٍ بحثية نوعية، ولا يوجد تسلسلٌ مُمنهجاً لقاعدةٍ تطوَّرية تراكمية للعلمِ، وانما على الاغلبِ ضياعاً للوقتِ وقصدية واضحة في التخريبِ، فتأتي الامور في الكثيرِ من هذهِ الملتقيات والمشاركات البائسة عبارة عن لغوٍ فارغ واموراً ليست علمية بقدرِ ماهي استعراضاً لسيرٍ ذاتية واكاذيب وهلوسات لا سند لها ولا قيمة، ناهيك عن النماذج الخاوية للباحثين الذين لا يفقهون حتى تخصَّصاتهم في هذا النوع من الفعالياتِ .

في حين نجد على النقيضِ من كل ذلك مؤسَّسات ومراكز ومعاهد تتعامل بحرفنةٍ معرفية وعلمية رصينة وتؤسَّس لنشرِ العلم بصورةٍ مُمنهجة وتجتذب كل باحث جاد له هم الانشغال البحثي وتشبيك العلاقات التي تُنمَّي من التخصَّصاتِ وتطوَّر المجتمع، دون ان يكون همها ربحي بالدرجةِ الاولى .

اننا في محنةٍ كبيرة، محنة ظهور صوراً عديدة أسهمت في تزييفِ البحث العلمي، انتجتها آليات ذات فروعاً متعدَّدة غايتها مسخ العلم والباحث الاصيل مقابل المكاسب الشخصية وتحقيق مآرب الكثير من مُدَّعي هذا الزمان .      

 

ا. د. مازن مرسول محمد / استاذ علم الاجتماع / الجامعة المستنصرية

 

حسين سرمك حسنعبر أربع مقالات سابقة عن معجزات الطب العراقي القديم (السومري الأكدي البابلي الآشوري) وكان عنوانها (حول أكاذيب وتلفيقات هيرودوتس "أبو التاريخ" عن بابل ، وكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم) ، قدّمتُ للسادة القرّاء شذرات ذهبية من مخطوطة كتابي الذي أنجزته مؤخرا عن "موجز تاريخ الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي" والذي تمنيت على السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي النظر في إقراره للتدريس في الصفوف الأولى من كليات الطب في جامعاتنا لأنني وضعته أصلا لهذا الغرض عرضاً وأسلوباً ومحتويات.

أنتقلُ الآن إلى تقديم شذرات أخرى من هذه المخطوطة عن المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي هذه المرة. فقد وصف "عالم" اجتماع صهيوني العرب بأنهم يستخدمون البول والروث لتعقيم جروحهم. في حين أن العراقيين القدماء كانوا يعقمون الجروح وينظفونها بصورة شبه علمية قبل أن يخرج أجداد أجداد هذا "العالم" إلى الوجود بآلاف السنين. سوف نترك معجزات الطب العراقي القديم لنطرح جانباً من معجزات الطب العربي والإسلامي التي ظلت تعلّم أوروبا أسس النظافة والصحة (حتى الشخصي منها) وتُدرّس في كليات الطب ويمارسها الأطباء فيها لمئات السنين.

فبالنسبة لمنجزات الطب العربي الإسلامي وإسهامات الأطباء العرب والمسلمين في وضع أسس علم الطب الحديث سوف يُصدم النشأ الطبي الجديد غير المُطلّع على الدور الهائل والريادي المبدع الخلّاق للأطباء من أجداده في هذا المجال الذي خصّصنا له القسم الثاني من هذا الكتاب؛ هذا الدور الذي وصفه المستشرق والطبيب الألماني (ماكس مايرهوف) في كتاب (التراث الإسلامي) بالقول:

(إن الطب الإسلامي قد عكس ضوء الشمس الغاربة في اليونان وتلألأ كالقمر في سماء العصور الأوروبية المظلم) 

612 حسين سرمك 1

(صورة نادرة لطبيب عربي يقوم بتشريح جثة)

ومن الضروري أن نتساءل:

هل يعرف نشأنا الطبّي الجديد أنّ الأطباء العرب المسلمين أسّسوا – وفي العصور المظلمة - أوّل مستشفى للأمراض العامة وأول مستشفى للأمراض العقلية (للمجانين) جنوب بغداد – أوّل صيدلية – أول مدرسة للصيدلة - أوّل كتاب علمي عن أمراض العيون (العشر مقالات في العين) لحنين بن إسحق- وابتكروا أوّل خيوط داخلية يمتصها الجسم في الجراحة (الرازي) – أوّل من شخّص مرض السُّكري (إبن سينا) – أوّل من فرّق بين الجدري والحصبة – أول تأسيس للجراحة الأوروبية وأكمل أدوات جراحية معدنية (الزهراوي) – أول طريقة لتحديد المواقع الصحية للمسشفيات – أوّل من خزع الرغامي واستأصل اللوزتين ومارس الجراحة التجميلية واستأصل حصاة المثانة من المهبل– أوّل امتحان للأطباء وأوّل إجازة للأطباء والصيادلة .. وغيرها الكثير الكثير من الإنجازات المعجزة المذهلة.

وهل يكفينا – مثلا - نقل قول العلامة ول ديورانت مؤلف موسوعة "قصة الحضارة" عن رسالة الرازي في الجدري والحصبة :

(في وسعنا أن نتبين أهمية رسالة الرازي في الجدري والحصبة إذا عرفنا أنها طُبعت بالإنكليزية وحدها أربعين مرة بين سنتي 1498 و 1866) .

ولو قرأتَ رسالة إبن سينا في وصف حصى المثانة سريرياً فسوف تستنتج بسهولة ودقة أن الطبيب المعاصر لن يستطيع إضافة علامات تشخيصية أخرى إلى ما قاله ابن سينا قبل قرون طويلة. 

612 حسين سرمك 2

612 حسين سرمك 3

(تخطيطان مهمّان ودقيقان لتشريح جسم الإنسان للطبيب المُسلم منصور بن إلياس يعودان إلى عام 1390 ميلادية)

- أوّل من إستخدم المُطهّرات في العمليات الجراحية

يمكن اعتبار أبو بكر الرازي أول من حضَّر الكحول “الغول” من مُخمّرات محاليل سُكّرية، وأول من استعمل الكحول في تطهير الجروح.

وقد حاول الأطباء المسلمون منع الإصابة بالعدوى عند إجراء الجراحات، فكانوا يغسلون المريض قبل الجراحة وبعدها، كما كانوا ينظّفون المكان بالكحول أو زيوت الورود أو بخليط منهما أو بمحلول ملحي أو بالخل، وهي مواد لها خصائص مطهرة.

وتشير المراجع الطبّية في الوقت الحاضر إلى أنّ الاستخدام العلمي للمطهرات في العمليات الجراحية هو من اكتشاف الجراح البريطاني جوزف ليستر في عام 1865 في حين أن الرازي قد قام بذلك قبل ليستر بألف عام.

... وإلى الحلقة المقبلة

 

الدكتور حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

6- كانون الثاني- 2019

 

عزالدين عنايةفي أعقاب تواري البابا جوزيف راتسينغر، أكان ذلك جراء إقالته القسرية أو بموجب استقالته الطوعية، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية منحى مغايرا في التعاطي مع العديد من القضايا. لم تعد الصورة الإعلامية المروَّجة للبابا الجديد صورة ذلك الفيلسوف المتجهِّم الذي يقارع فطاحلة الفلسفة (حوار راتسينغر مع هابرماس)، ولا صورة ذلك المتهجِّم على الأديان الجامحة (قدح راتسينغر في الإسلام في راتيسبونا)، ولا أيضا ذلك المشهِر سيف الحرمان في وجه كل من تسوّل له نفسه بشقّ عصى الطاعة عن روما (حِرْم لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية). غدا البابا في نسخته الجديدة بشوشاً وديعاً عطوفاً، متقفّيا أثر البساطة الإنجيلية؛ لكنها بساطة تبدو رهينة الميديا ومن صنعها، ما قد يضفي على ذلك المسلك طابع الرياء، الذي طالما حذّر منه المسيح (ع) في تقريعه للمرائيين.

ولكن بعيدا عن التصنيع الحثيث للصورة الإعلامية للبابا، يدرك المتحكمون بمصير الكنيسة أن مجال البابا السابق المحبَّذ كان الصراع الدغمائي العقدي، وهو ما وزّعه بالتساوي على المسلمين والعلمانيين. ومع البابا الحالي هناك رغبة في التخلي عن ذلك التهوّر، وسعي لقلب ذلك المسار وتحويله إلى تناصت وتثاقف. ربما من يتابع غزل الحوار الجاري في إيطاليا هذه الأيام، بين أحد كبار العلمانيين اللاّأدريين، الصحفي أوجينيو سكالفاري، والبابا فرانسيس، يعي هذا التحوّل السلس في استراتيجية الكنيسة، طمعا في إصلاح ما أفسده راتسينغر.

لكن لِنسلّط الضوء على مسألة المصالحة في مجال محدد، مع لاهوت التحرر، لماذا يأتي هذا الخيار في الظرف الراهن؟ في الحقيقة ثمة تهديدٌ واضحٌ للكاثوليكية في جنوب القارة الأمريكية متأتّ من التيارات البروتستانتية الناشطة، ومن الجماعات الإنجيلية تحديدا. ما عادت الكنيسة التقليدية في نسختها الرومانية قادرة على صدّ الزحف، بعد الاكتساح الهائل لجنوب القارة من قِبل الكنائس العملاقة –megachurch- الوافدة من الشمال، من أمريكا، بكافة عتادها وتحفزها. فبعد أكثر من أربعة عقود من مناهضة روما للاهوت التحرر، واتهامه بالنزعة اليسارية والماركسية، تبين لها أنها أخلت الساحة إلى غيرها. فلاهوت التحرر لم يتنكر يوما إلى عمقه الكاثوليكي، لكنه رفض إلحاق المسيحية بالآلة الرأسمالية. كما أن لاهوت التحرر ليس بناء نظريا صيغ على الطاولة، بل هو لاهوت سِياقي وليد أوضاع أمريكا الجنوبية، وهو كذلك تقريع أخلاقي ونقدي للرأسمالية بصفتها نظام حيف وجور، وبصفتها شكلا من الخطيئة البنيوية. إغناسيو إلاّكوريا أحد منظري لاهوت التحرر يتحدث عن "شعوب بأسرها مصلوبة". صحيح أن لاهوت التحرر لم يناصب الماركسية العداء، وإن مثلت أحرج المسائل المطروحة في القرن العشرين أمام المسيحية، ولكن الليبرالية الجديدة، بالنسبة إليه، أكبر فضائح القرن الواحد والعشرين، لأن "كل التقدم الحاصل في العالم لا يساوي آهة من آهات امرئ جائع" على حد قول ديستوفسكي.

فمن "مجلس مراقبة العقيدة" الذي تولى مهامه جوزيف راتسينغر، حين كان كردينالا وقبل اعتلائه سدة البابوية، تسلّط الحرمان على كثير من رموز لاهوت التحرر، لعل أبرزهم البرازيلي ليوناردو بوف؛ من ذلك المجلس أيضا تأتي المصالحة، بسعي من جرهارد لودفيغ مولر رئيسه الحالي. فبعد أن كان اللاهوت الثوري مُدانا بدا على لسان مولر "من أهم اللواهيت الكاثوليكية في القرن العشرين".

خلال شهر سبتمبر المنقضي أفردت "الملاحظ الروماني"، صحيفة حاضرة الفاتيكان،  صفحات عدة للحديث عن هذه المصالحة، بعد خمس وأربعين سنة من الخصومة مع روما، أي منذ انعقاد مؤتمر 1968. فمع البابا فرانسيس، ثمة نية بين صنّاع القرار في الفاتيكان لإقرار خطاب تعدّدي متنوع داخل الكنيسة، بعد التصلّب الذي ران. تم الاحتفاء بهذه المصالحة عبر مؤلف مشترك بعنوان: "في صفّ الفقراء. لاهوت التحرير، لاهوت الكنيسة" (2013) لرئيس "مجلس مراقبة العقيدة" جرهارد لودفيغ مولر واللاهوتي البيروفي غوستافو غوتيراز، أحد الآباء المؤسسين للاهوت التحرر، ليختتم الاحتفاء باستقبال غوتيراز من قبل البابا فرانسيس في الحادي عشر من سبتمبر.

ولكن لفهم الخيار الحالي للبابا، لا بد من وعي الصلة التي ربطت الرجل بلاهوت التحرر. بدءا، فهذا اللاهوت هو حركة واسعة، وهو بالفعل لواهيت شتى تتوزع على بلدان عدة، مثل الأرجنتين والبيرو والبرازيل والسلفادور والشيلي وكوستاريكا والمكسيك والأوراغواي. وما "لاهوت بويبلو"، الذي انتمى إليه برغوليو (فرانسيس) بزعامة مؤسسه لوشيو جيرا، سوى فصيل من هذه الحركة الواسعة. فقد أصرّ لاهوت بويبلو على خيار موالاة الفقراء، وإن كان على حذر من تحويل الكنيسة إلى مجرّد وكالة للخدمة الاجتماعية. وضمن ذلك التنوع الذي ميز لاهوت التحرير يندرج انضمام الكردينال برغوليو، الذي بات اليوم البابا فرانسيس؛ لكنه ينحو منحى التحليل التاريخي الثقافي، بدل التحليل النقدي البنيوي ذي النزعة الماركسية. وطبيعي أن ينزع البابا الحالي هذا المنزع، وهو المتحدر من بلد تتجاوز فيه أعداد الفقراء، أو بالأحرى المفقَّرين،  30 بالمئة.

لاهوت التحرير دعا روما، منذ أمد، إلى المصالحة مع ذاكرة جنوب أمريكا (مراجعة تاريخي الاستعباد والاستعمار وتورّط الكنيسة في الإثمين)، وإلى الخروج من معايير المسيحية الغربية المرسملة. لأنه ليس بمقدور المرء أن يكون مع الفقراء ما لم يكن مناهضا للفقر، على حد قول بول ريكور. إذ مناهضة الفقر ليست فورة حماس ديني خاطف، بل هي معرفة ببناه الاقتصادية والثقافية وبالأدوات المولدة له.

في الكتاب الذي سبق ذكره يشنّ شيخ لاهوت التحرر غوستافو غوتيراز حملة شعواء على العولمة، التي تبدو بريئة، وهي تستبعد السواد الأعظم من البشر من المنافع الحاصلة، بعد أن حوّلت الملايين إلى كائنات "جيتابل"، "استعملْ وارْمِ". فحالة التفقير اليوم –وفق غوتيراز- بمثابة الوثنية الجديدة التي تستدعي تأملا لاهوتيا صادقا، بصفة اللاهوت هرمنوطيقيا أمل.

 

د. عز الدين عناية

 

محمود كعوش"إسرائيل" تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!!

"إسرائيل" تطالب باستعادة هذه الحقوق المزعومة أو التعويض عنها!!

مستبقة الإعلان عن "صفقة العصر" الأمريكية المزعومة، "إسرائيل" تعيد إثارة مسألة "أملاك اليهود في دول عربية"!!

التقرير الذي نشرته "شركة الأخبار - القناة الإسرائيلية الثانية سابقاً"، في الخامس من كانون الثاني/يناير الجاري "عام 2019"، حول "ممتلكات وحقوق اليهود" المزعومة في دولتين عربيتين توطئة لنشر المزيد حولها في دول عربية أخرى، كان مثاراً للسخرية والاستهجان، أولاً، لأن هذا التقرير جاء اجتراراً مملاً لتقارير سابقة مماثلة، وثانياً، لأنه تضمن ادعاءات وأكاذيب ومغالطات لا صحة ولا وجود لها. فقد اعتادت "إسرائيل" على إلقاء فقاعات وبالونات إعلامية بين الحين والآخر، تدعي من خلالها عزمها على مطالبة الدول العربية بدفع تعويضات مالية، مقابل أملاك تركها فيها اليهود الذين هاجروا منها!!

فقد ذكرت تلك "الشركة" "الإسرائيلية" الحكومية، أنّ تل أبيب قدّرت، من خلال عمليّات سريّة، "الممتلكات اليهوديّة" في ليبيا وتونس بخمسين مليار دولار، وسط تقديرات بوصول "ممتلكات اليهود" في الدول العربية إلى 250 مليار دولار. وكشفت الشركة أن الإعلان عن المبلغ الكلي سيتم قريبًا، وأن حصر "ممتلكات اليهود" في الدولتين العربيتين جاء ضمن الاستعداد "الإسرائيلي" للإعلان عن خطّة السلام الأمريكيّة الموعودة التي اختيرت لها تسمية "صفقة القرن"، أو كما نسميها نحن "صفعة العصر"، مضيفة أن تونس وليبيا ليستا إلا دولتين من دول أخرى "تسع منها عربية هي ليبيا، تونس، مصر، العراق، سورية، المغرب، الجزائر، لبنان، اليمن، إضافة إلى دولة إقليمية هي إيران"، تجري إسرائيل" فيها عمليّات لحصر ممتلكات اليهود، من قبل شركة مراقبة حسابات دوليّة تعمل لصالح الحكومة الإسرائيليّة".

ووفقاً لما ذكرته "شركة الأخبار"، فإن "عملية حصر ممتلكات اليهود في الدول العربية بدأت قبل ثمانية عشر شهراً بشكل سريّ، وإن الأموال "لن تعاد إلى اليهود من أصول عربيّة، إنما ستوضع في صندوق دوليّ خاص لصالح "إسرائيل".

وكان "البرلمان الإسرائيلي - الكنيست" قد سنّ في العام 2010 قانونًا يلزم السلطات "الإسرائيليّة"، بتضمين كل مفاوضات سلام تجريها "إسرائيل"  مع الفلسطينيين والعرب بشكل عام موضوع "تعويض اليهود العرب عن ممتلكاتهم التي تركوها وراءهم قبل الهجرة" إلى فلسطين، لكن الفحص الشامل لتقدير هذه الممتلكات لم يبدأ إلا في فترة الثمانية عشر شهرًا المشار إليها سابقاً، على خلفيّة الإعلان المحتمل للصفقة - الصفعة الأمريكيّة المزعومة. وتدير وزيرة المساواة الاجتماعيّة، غيلا غملائيل، بالتعاون مع مجلس الأمن القومي "الإسرائيلي" ما أطلقت عليه تل أبيب تسمية "مشروع حصر ممتلكات اليهود العرب". 

وترجّح مراجع تاريخية، أن اليهود الذين "هاجروا" من الدول العربية إلى "إسرائيل" بين عاميّ 1948 و 1950، شكّلوا، في حينه، 42% من مجموع سكانها، وأنّ موجات الهجرة تلك شكّلت "لإسرائيل" المادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين، الذين جرى تهجيرهم من قراهم ومدنهم، بعد أن نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية. وشكّلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة 47% من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد سكان "إسرائيل" اليهود، بعد أن زوّدتها بما يربو على نصف مليون مهاجر جديد. ونفّذت الحركة الصهيونيّة مئات عمليّات نقل اليهود العرب إلى فلسطين، مثل عملية "البساط السحري"، التي نقل بموجبها 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية من اليمن، و"بساط الريح"، التي نقل فيها 50 ألفًا، بينما نقل قرابة 113 ألف يهودي عراقي إلى "إسرائيل" بطائرات أمريكيّة في عمليّة أطلقت عليها تسمية "علي بابا".

من الضروري الإشارة إلى أن كل المعلومات والمعطيات التي أوردها تقرير "شركة الأخبار" والتقارير "الإسرائيلية" الأخرى الخاصة بهذا الشأن هي معلومات ومعطيات "إسرائيلية"، تقف وراءها جهتان رسميتان، الأولى، هي وزارة المساواة الاجتماعية، أو وزارة المواطنين القدامى، كممثلة عن الحكومة "الإسرائيلية"، والتي تعمل على تركيز المعلومات والمعطيات حول "أملاك اليهود" في الدول العربية وإيران، والثانية هي مؤسسة تدعى "بيت الشتات" العبرية، ويعمل فيها باحثون "إسرائيليون" فقط.

"مساواة الضحايا بالمجرمين"

سعي "إسرائيلي" دؤوب لمساواة حقوق الفلسطينيين بما  اصطلح على تسميته زوراً وبهتاناً "حقوق المهاجرين اليهود" في الدول العربية!!

لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد اهتمام "إسرائيل" بمسألة المطالبة بما سمى زوراً وبهتاناً "حقوق المهاجرين اليهود". وترافق ذلك الاهتمام مع اقتراحات بإنهاء موضوع اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة "مساواة الضحايا بالمجرمين"، وربط كل اتفاقية مستقبلية بشأن اللاجئين بمسألة الممتلكات المزعومة للمهاجرين اليهود. وعرفت السنوات الأخيرة الكثير من المؤتمرات والدراسات بهذا الخصوص، إلى جانب قيام "إسرائيل" بممارسة الضغوط المكثفة والمتلاحقة على الولايات المتحدة والدول الغربية لاتخاذ قرارات برلمانية تؤيد مسألة الاعتراف بما سمي "حقوق المهاجرين اليهود".

ووفقاً لما جاء في بحث نشرته مجلة "البيادر السياسي" المقدسية الورقية التي كانت تصدر في مدينة القدس المحتلة ولم تزل تصدر بنسختها الإلكترونية للأستاذ "تيسير أبلاسي"، فإن الكونغرس الأمريكي أصدر في نيسان/أبريل 2008، قراراً حمل الرقم 185، اعترف بموجبه بحقوق اليهود الذين تركوا الدول العربية. وأشار القرار إلى أن أي حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يكون مرتبطاً بتعويضات مشابهة لليهود الذين تركوا الدول العربية، وذلك كشرط لسلام عادل وشامل، حسب مفاهيم الكونغرس الأمريكي.

ورغم أن قرار الكونغرس لم يكن ملزماً، ولم يصدر عن هيئة دولية، إلا أنه أشرَّ إلى التوجهات الأمريكية التي تساوي بين الضحايا والمجرمين، وتطالب بتعويض المحتلين "الإسرائيليين"، إضافة إلا أنه، على عكس الحقائق التاريخية، ادعى أنه تم "طرد اليهود في الدول العربية بالقوة وسلبت ممتلكاتهم، وبالتالي لهؤلاء اليهود حقوق شرعية كلاجئين"، بينما لم يُشر الكونغرس الأمريكي في قراره إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين تم طردهم بقوة السلاح وجميع أساليب الإرهاب والإجرام واغتصبت أراضيهم وانتهكت أعراضهم ومنعوا من العودة إلى قراهم ومدنهم. وأذكر أن حزب "شاس" الذي يمثل اليهود الشرقيين المتدينين كان قد توجه في حينه إلى البرلمان "الإسرائيلي - الكنيست" بطلب عدم التوقيع والمصادقة على اتفاقيات سلام مع الدول العربية دون تعويض اليهود الذين تركوا البلاد العربية. وقد حظي اقتراح حزب "شاس" بتأييد الكثيرين، إلا أن الحكومة "الإسرائيلية" برئاسة مناحيم بيغن لم تصر على وجود بند يتعلق بالتعويضات لليهود في اتفاقية السلام. ويبدو أن التوجهات "الإسرائيلية" الجديدة هي نتاج الآلة السياسية والمؤسساتية "الإسرائيلية" التي تسعى بشكل مستمر ومتواصل للتصدي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومنع إمكانية حلها حسب القرارات الدولية، وكلما تطور الحديث بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين تثير "إسرائيل" موضوع اليهود المهاجرين من الدول العربية كسلاح للقضاء على الحق الفلسطيني، بالادعاء أن الحل يتوجب أن يقوم على التبادلية السكانية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يدعي بنيامين نتنياهو أن "سياسة الطرد" التي تعرض لها اليهود في الدول العربية التي كانوا يقطنونها، تأتي كتبادل سكاني مع الفلسطينيين، ولا يعترف نتنياهو وزمرته بطرد اللاجئين الفلسطينيين بل بالادعاء الرسمي لحزب التكتل - ليكود وهو أن السكان الفلسطينيين "تركوا قراهم ومدنهم بمحض إرادتهم"، ومثل هذا التبادل، كما يراه الكثيرون من اليهود، جرى حسب اعتقادهم في مراحل تاريخية مختلفة خلال القرن العشرين.

ويتذرع نتنياهو في مزاعمه "بالمقايضة التاريخية المتوازية تقريباً بين أعداد الفلسطينيين الذين طردوا من بلدهم والأعداد التي جلبتها الحركة الصهيونية من يهود الدول العربية، وكذلك الأمر بالنسبة للأراضي والأملاك التي تخلى عنها اللاجئون الفلسطينيون"، حسب ادعاءات الحركة الصهيونية مقابل الأراضي التي تخلى عنها اليهود "الذين فروا من الدول العربية". وبناء على هذه المقارنة يقول نتنياهو أنه يتوجب على "إسرائيل" رفض تطبيق قرار العودة والتعويض الرقم 194، لكونها لم تسلب الشعب الفلسطيني أراضيه وحقوقه ولم تحوله إلى شعب من اللاجئين!!

ويشار إلى أنه في 4 تشرين أول/أكتوبر 1977، أي قبل مفاوضات كامب ديفيد، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ووزير الخارجية "الإسرائيلي" في حينه موشية ديان جاء فيها أنه "يتم حل مشكلة اللاجئين اليهود والعرب وفقا للقواعد التي يتم الاتفاق عليها"، وقد مورست ضغوط على الرئيس الأمريكي بهذا الصدد حيث عاد وأضاف، بعد مفاوضات كامب ديفيد، في مؤتمر صحفي عقده في السابع والعشرين من تشرين أول/أكتوبر 1977، أن للفلسطينيين حقوقاً، و"هناك أيضاً لاجئون يهود لهم نفس الحقوق".

وفي العام 1997 قرر حزبا العمل والليكود صياغة موقف مشترك من قضايا الحل النهائي مع الجانب الفلسطيني، وتم تشكيل لجنة مشتركة ضمت ممثلين عن تكتل الليكود "الليكود - تسوميت - غيشر" برئاسة ميخائل إيتان، وممثلين عن حزب العمل برئاسة الدكتور يوسي بيلين، وتوصلت اللجنة إلى ما سميّ في حينه "خطة اتفاق وطني حول مفاوضات الوضع الدائم مع الفلسطينيين". وتم التطرق في وثيقة بيلين - ايتان إلى قضية "اللاجئين اليهود"، وأنه ستتم المطالبة "بحقوق وتعويضات اليهود الشرقيين في إطار حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين". وتم التطرق ضمن بنود الوثيقة إلى إنشاء "منظمة دولية" يكون "لإسرائيل" دور فعّال فيها، بهدف تمويل التعويضات وتمويل مشاريع ما سمي "إعادة تأهيل اللاجئين الفلسطينيين" في أماكن إقامتهم، كذلك من خلال المنظمة الدولية المذكورة المطالبة "بحصول المهاجرين اليهود على تعويضات من الدول العربية".

وفي حزيران/يونيو عام 2000، صرح الرئيس بيل كلنتون أنه "تمت إثارة قضية اللاجئين اليهود، وأنه لا بد من إنشاء صندوق دولي لقضية اللاجئين، وأنه يتوجب أن يتم تعويض اللاجئين اليهود الذين اصبحوا لاجئين بسبب الحروب التي وقعت بعد ولادة إسرائيل". ومنذ تلك الفترة تحركت العديد من المؤسسات اليهودية بدعم رسمي لإبراز "مسألة اللاجئين اليهود" ضمن خطة عامة على المستوى الدولي بعد مؤتمر كامب ديفيد الثاني، ونشطت منظمات يهودية لهذا الغرض، و كان أهمها "JJAC"، مؤسسة العدالة لليهود من الدول العربية. وقد بدأ التحرك على المستوى الدولي في 11 تشرين أول/أكتوبر 2003، ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً بعنوان "هل اليهود الذين فروا إلى إسرائيل من الدول العربية لاجئون أيضا؟" وكان ذلك إيذاناً ببدء حملة إعلامية عالمية بهذا الخصوص. وقد بدأت هذه المنظمات بالعمل على استصدار قرارات من هيئات دولية وطرحت مشاريع قوانين على مجلسي الشيوخ - الكونغرس والنواب الأمريكيين للحصول على اعتراف رسمي من الإدارة الأمريكية، ونجحت في الحصول على القرار رقم (185 HRES) الذي صدر في 27 نيسان/أبريل 2008، ووافقت عليه لجنة العلاقات الخارجية بعد عام من تقديمه تقريباً. وكان عضو مجلس الشيوخ جيرالد نادلر Jerrold Nadler الذي قدم المشروع قد صرح قائلاً "ببساطة لا اعتراف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين دون الاعتراف بحقوق اللاجئين اليهود، الذين يفوقون عدد اللاجئين الفلسطينيين"!!

والقرار الحكومي "الإسرائيلي" 1263 منح في حينه الوزير رافي إيتان "حزب المتقاعدين" مسؤولية الاهتمام بقضية ما يسمى باللاجئين اليهود، والعمل على استعادة الممتلكات اليهودية المزعومة. وأشار الوزير إيتان في حينه أن في نيته العمل من أجل التوصل إلى قرار حكومي يقضي بأن أية مباحثات بشأن اللاجئين يجب أن تكون على قدم المساواة بين حقوق اليهود "اللاجئين" واللاجئين الفلسطينيين، وضمن ذلك برزت الادعاءات بأن "هنالك تفوقاً عددياً للاجئين اليهود" المزعومين، وأن عددهم "يفوق عدد اللاجئين الفلسطينيين، بحيث أن عدد الفلسطينيين اللاجئين هو 650000 تقريباً بينما اليهود عددهم 865000 تقريباً، وبناء على ذلك فالممتلكات اليهودية أكثر بكثير من ممتلكات الفلسطينيين، وبالتالي فاليهود يستحقون تعويضات اكبر". وليس ذلك فحسب إنما يتوجب تقديم المساعدات "لإسرائيل" لآنها قامت بحل "مشكلة اللاجئين اليهود واستيعابهم"، والأهم من ذلك ضرورة استصدار قرار دولي بهذا الصدد، وهو ما تعمل الحكومات "الإسرائيلية" جاهدة للحصول عليه، بحيث يتم الاعتراف دولياً باليهود الشرقيين كلاجئين والنفاذ للنصوص الدولية يعني منح "إسرائيل" حق عدم تنفيذ القرار 194 تحت ادعاء التبادلية وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من السكان لمحدودية قدراتها بينما هناك مساحات واسعة من الأراضي في الدول العربية يمكن توطين الفلسطينيين فيها.

وفي ظل هذا الوضع تواصل الحكومات "الإسرائيلية" ضغوطها على الجانب الفلسطيني بادعاء ضرورة تعويض اليهود الشرقيين أو ربما بالمقابل تراجع الجانب الفلسطيني عن "حق العودة" وتصفية القضية ضمن إطار الدويلة الفلسطينية المقطعة الأوصال والمنزوعة السلاح والسيادة، هذا إن رضيت "إسرائيل" بذلك، وتصبح الدول العربية التي تركها السكان اليهود "بمحض إرادتهم" عرضة للضغوط الدولية لاستيعاب الفلسطينيين عوضاً عن دفع تعويضات لليهود الشرقيين، وستصبح لدى الحكومات "الإسرائيلية" تكتيكات جديدة للتلاعب بأوراق المفاوضات، والمطالبة باعتراف عربي وفلسطيني بيهودية الدولة يدخل ضمن هذه التكتيكات!!

استغلت "إسرائيل" الاحتلال الأمريكي - الغربي للعراق، لتدعي حقوقاً لليهود فيه!!

يوم تعرض الوطن العربي لزلزال سقوط بغداد بقبضة الاحتلال الأمريكي - الغربي الغاشم، رأى الخبراء والباحثون "الإسرائيليون" في ذلك الحدث الجلل نهاية لآخر العراقيل والعقبات التي كانت تعترض الغزو الدبلوماسي "الإسرائيلي" للعواصم العربية. فالنظام البعثي في العراق، بكل ما كان يمثله من توجه وطني وقومي، شكل على الدوام أحد أهم الموانع العربية الحقيقية والصادقة التي حالت باستمرار دون تطبيع وتنظيم التعاملات والعلاقات العربية - "الإسرائيلية" وفق المنظور الاستراتيجي للصهيونية العالمية في الوطن العربي.

في حينه التقت رؤية هؤلاء مع رؤية أقرانهم العرب، الذين أجمعوا بدورهم على أنه ما كان للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن يغزو ويحتل العراق لو لم يتوفر التطابق بين أفكاره والأفكار التوراتية والتلمودية لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" أثناء عهده آرئيل شارون، ولو لم يحصل التوافق بين المشروعين الأمريكي و"الإسرائيلي" الخاصين بالوطن العربي. وبمعنى آخر، فإن جورج بوش الابن يوم اتخذ قرار الغزو والاحتلال أراد من وراء ذلك تمكين الولايات المتحدة من تحقيق استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة في شقها المتعلق بالوطن العربي وتحسين بيئة البقاء "لإسرائيل" والارتقاء بمكانتها الجيوستراتيجية فيه.

وعلى خلفية ذلك، حصل التغلغل "الإسرائيلي" داخل العراق في ظل حماية أمريكية، واتخذ أشكالاً ووجوهاً مختلفة تفاوتت بين الأنشطة الاقتصادية والتجسسية والاستخباراتية والتدريبية والاستشارية والدينية والدبلوماسية. وقد ساعدت التسهيلات التي قدمها "الشركاء" العراقيون الذين عادوا الى العراق فوق ظهور الدبابات الأمريكية على تنامي وتصاعد وتيرة ذلك التغلغل، بحيث مكنت "الإسرائيليين" من تنفيذ جزء كبير من مشروعهم داخل العراق في وقت أقصر مما توقعوا. فبعد أقل من شهرين على سقوط بغداد وتحديداً في شهر حزيران/يونيو 2003، تمكنت "إسرائيل" من إقامة سفارة لها دون الإعلان عن ذلك. وعمل في تلك السفارة التي احتلت أحد قصور "المنطقة الخضراء" أكثر من 750 دبلوماسياً وعنصر استخبارات ورجل أعمال كانوا يزاولون مهامهم بجنسيات أمريكية وأوروبية مختلفة. وكانت قوات الاحتلال الأمريكية تقوم على حراسة تلك السفارة والإشراف على أمن العاملين فيها.

ووفقاً لمعلومات سربتها الحكومة "الإسرائيلية"، فإن المقبور آرئيل شارون قد فكر بتسمية سفيره الأول لدى العراق بعد تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري والمصادقة عليها من قبل الجمعية الوطنية العراقية. وقد وقع اختياره في حينه على وزير البنى التحتية في حكومته بنيامين بن أليعاز لتولي تلك المهمة. وبن اليعازر كما نعرف هو "إسرائيلي" من أصل عراقي، ولد في مدينة البصرة وهاجر الى "إسرائيل" في خمسينات القرن الماضي مع آلاف اليهود العراقيين. ووفقاً لذات المعلومات، فإن إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق و"إسرائيل" كانت على وشك أن تتحقق، لأن الإدارة الامريكية قررت في حينه فرض تطبيع العلاقات فيما بين البلدين كشرط أساسي لدعم وحماية حكومة الجعفري، وذلك استناداً لقانون إدارة الدولة العراقية الذي أقره الحاكم المدني السابق بول بريمر ووقعه مجلس الحكم العراقي في 8 آذار 2004!!

ويوم تعمدت سلطة الاحتلال الأمريكية اسقاط تمثال الرئيس الأسير صدام حسين في إطار مسرحية هوليودية للدلالة على سقوط بغداد، نجحت تلك السلطة في لفت الأنظار عن عمليات النهب والسرقة والتخريب المنظمة التي طالت جميع البنى التحتية للدولة العراقية. وهي حين فعلت ذلك، قصدت التعتيم على ما كانت تقوم به مجموعات تابعة لجهاز "الموساد الإسرائيلي" من سرقة لتاريخ وثقافة وحضارة العراق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمكنت إحدى تلك المجموعات بالتعاون مع رجال الاستخبارات الأمريكية "سي.آي.إيه" من السيطرة على أكبر مكتبة يهودية أثرية في العراق، كانت محفوظة في مبنى المخابرات العراقية ونقلتها بطائرة خاصة من مطار صدام حسين الى تل أبيب، وكانت المكتبة التي تضم تحفاً نادرة لا تقدر بثمن من كتب التوراة والتلمود والقبالة والزوهار المخطوطة على لفائف البردى وجلد الغزال يعود تاريخها الى أكثر من 2500 سنة، محفوظة في العراق منذ السبي البابلي لليهود. ومنذ ذلك اليوم وحتى تاريخ انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية، عاث "الإسرائيليون" في العراق فساداً ما بعده فساد، من قتل واغتيال العلماء وأساتذة الجامعات ورجال الدين، الى تعذيب الأسرى والمعتقلين، وصولاً الى محاولة طمس المعالم التاريخية والثقافية والحضارية لكثير من الأماكن والمواقع العراقية، بما فيها مدينة بابل نفسها. وجرى كل ذلك تحت سمع وبصر قوات الاحتلال وبتسهيلات منها.

لذا لم يكن مفاجئاً ولا غريباً بمكان قيام "الإسرائيليين" بتطويع جميع الأدوات والوسائل المتاحة لهم من أجل تكريس تغلغلهم داخل العراق، بما في ذلك المطالبة بتفعيل قانون إدارة الدولة العراقية وبالأخص الفقرات المتعلقة بـ "حق اليهود العراقيين المهجرين في العودة الى العراق والمطالبة بأملاكهم الموجودة فيه". لما لا وقد سبق لهم أن استغلوا وجود بول بريمر في العراق كحاكم مدني معين من قبل الإدارة الأمريكية للحصول على جوازات سفر عراقية مكنتهم من التنقل فيما بينه وبين "إسرائيل" بيسر وسهولة. وبعد ذلك تمكنوا من الحصول على بطاقات مكنتهم من المشاركة في الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني/يناير من عام 2005. وقد جرى كل ذلك على خلفية تلك الفقرات التي تم تفصيلها على مقاسات "إسرائيلية"، في اطار خطة لتحويل العراق الى قاعدة عسكرية أمريكية - "إسرائيلية" مشتركة في قلب الوطن العربي.

ولعل ما عبر عنه السلوك "الإسرائيلي" على هذا الصعيد، عكسه وقتها إعلان هيئة دعاوى الملكية العراقية التي تشكلت بموجب القانون المذكور عن أنها بصدد النظر الجدي في اعادة أملاك اليهود العراقيين الذين غادروا العراق في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين "الماضي" ضمن موجات الهجرة الى فلسطين التي تزامنت مع قيام دولة "إسرائيل" بموجب قرار دولي جائر، وهو ما عنى أن "الإسرائيليين" قد بدأوا بتفعيل القانون ووضعه موضع التنفيذ العملي. فقد تلقت الهيئة الدعوى الأولى بهذا الشأن من امرأة "إسرائيلية" من أصل عراقي تُدعى بان موريس بشارة، طالبت فيها باستعادة أرض في منطقة الكرادة الشرقية داخل بغداد، كانت قد باعتها بعد الولادة القيصرية "لإسرائيل".

وبالرغم من أن البت بدعوى بشارة بدا أمراً مستحيلاً بسبب التقادم الزمني وانتقال ملكية أرضها الى عدد من العراقيين بموجب عقود بيع قانونية ومبالغ مالية معلومة مما جعلها مخالفة لقوانين الملكية العراقية، إلا أن الهيئة وجدت نفسها مضطرة تحت ضغط "قانون بريمر" للنظر فيها، الأمر الذي كاد أن يهدد بفتح الباب على مصراعيه أمام 120 ألف يهودي عراقي يحملون الجنسية "الإسرائيلية" للمطالبة بأملاكهم السابقة في العراق. وفيما لو تحقق ذلك، لا قدر الله، ما كان مستبعداً أن يُعاد توطين هؤلاء فيه من جديد بدعوى استعادة أملاكهم!!

وفي الوقت الذي كانت "إسرائيل" تمعن في التغلغل داخل العراق المحتل الذي رغبت إدارة الاحتلال الأمريكية في جعله "نموذجاً يحتذى به في الوطن العربي" بذريعة "حقوق اليهود" فيه، تسابق أعوانها في الكونغرس لاستصدار قانون أنكر على الفلسطينيين حقوقهم في وطنهم. والأسوأ من ذلك أنها عملت على مصادرة ما أمكنها من الحقوق المتبقية لهم في أراضيهم التي احتلت عام 1967، تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك العرب حكاماً ومحكومين.

يهود عراقيون يجددون المطالبة بالتعويض عن "خسائرهم وأملاكهم"!!

هذا وتداعت أصوات اليهود العراقيين في الآونة الأخيرة، إلى مطالِبةً الحكومة العراقية و"إسرائيل" بتعويضهم عن خسائرهم وأملاكهم التي تركوها عند تأسيس دولة الاحتلال المزعومة. وفي بداية القرن العشرين، كان يهود العراق يشكّلون مجموعة ناشطة اقتصادياً وثراءً وعماداً للطبقة الوسطى، لكن معظمهم نزحوا بشكل جماعي بعد قيام "إسرائيل" عام 1948، بعدها أُقرّ قانون "إسقاط الجنسية" عمن غادروا من دون تنسيق مع الحكومة، كما صدر قانون آخر يقضي بتجميد أموال المغادرين.

وتدعم حكومة الاحتلال مطالبات اليهود بالعودة إلى أملاكهم، ووصف إميل كوهين، اليهودي العراقي الذي عاش أسلافه بمدينة البصرة، المطالبات بأنها مسألة سياسية لا أكثر.

وتعتبر عقارات اليهود في العراق من العقارات المتميزة بموقعها التجاري في بغداد ومختلف المحافظات العراقية، لكن أغلبها - وبحجة "الاستثمار"- استحوذ عليها مستثمرون تابعون لأحزاب متنفذة بالحكومة، بحسب ما كشفه مصدر في أمانة العاصمة.

وقال مصدر من "أمانة بغداد"، طالباً عدم الكشف عن هويته، لأسباب أمنية: "أغلب عقارات اليهود تقع بأماكن تجارية متميزة في بغداد؛ ما شجَّع الكثير من المستثمرين الذين يرتبطون بأحزاب متنفذة، على استئجار تلك العقارات من أمانة بغداد بأسعار رمزية"، مؤكداً أن "مدة استئجار تلك العقارات تجاوزت 20 عاماً".

وأضاف المصدر لـ"الخليج أونلاين": إن "من أبرز تلك العقارات منطقة التوراة الواقعة على ضفاف نهر دجلة، وتحتوي على بيوت وأسواق وخانات، ومراكز ثقافية ودينية، بعضها مختوم عمرانياً بنجمة داود، التي تدل على أنها تعود لعائلات يهودية".

كما أشار إلى أن "عدد أملاك اليهود (12.736) عقاراً، موزعة في عموم محافظات العراق، تم تمليك 2066 عقاراً لبعض الوزارات والدوائر ذات العلاقة".

ومن ضمن تلك العقارات والمنازل التي استأجرها أحد المستثمرين، منزل أول وزير مالية في الدولة العراقية، اليهودي حسقيل ساسون، والذي لم تعتبره "أمانة بغداد" ضمن المنازل التراثية، رغم أن عمره تجاوز قرناً كاملاً.

المراقد والمزارات التابعة للطائفة اليهودية في جنوبي العراق لم تَسلم هي الأخرى من التجاوزات؛ فقد استولت المليشيات على "مرقد النبي عُزير" في محافظة العمارة، و"مرقد نبي الله ذي الكِفل" بمحافظة بابل جنوبي بغداد، ليكونا تحت سيطرة الوقف الشيعي، والبعض الآخر تحول إلى مقرات خاصة بالمليشيات .

وفي السياق ذاته، أكد رئيس ديوان الوقف الشيعي السابق، صالح الحيدي، في تصريح صحفي، "عائدية مرقد نبي الله ذي الكِفل، الواقع بمحافظة بابل، إلى ديوان الوقف الشيعي".

ولقي هذا الموضوع تعليقات من سياسيين عراقيين، فقد أكد القيادي في تحالف "سائرون"، بزعامة مقتدى الصدر، رائد فهمي، في 24 أغسطس، دعمه كل مواطن عراقي انتُزعت جنسيته ظلماً، وضمن ذلك اليهود الراغبون في العودة إلى العراق.

وقال فهمي في تصريح صحفي: "من حيث المبدأ والقيم، نحن مع إعطاء الحقوق لأي مواطن عراقي، وضمن ذلك اليهود"، لكنه أضاف: إن "توقيت المطالبة بإعادة الجنسية العراقية لليهود الذين غادروا العراق غير مناسب".

وبيَّن أن "الظرف السياسي الحالي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عندما تناقَش قضية كقضية اليهود، من أجل معرفة الأشخاص الذين يطالبون بحقوقهم وإعادة الجنسية لهم؛ لإبعاد أي ضرر عن النسيج العراقي".

ودعا فهمي إلى حوار مجتمعي حول هذا الموضوع، والتوصل إلى نتائج عقلانية بعيداً عن التشدد.

وقال الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في الثاني من يونيو الماضي، تعليقاً على مطلب عودة اليهود العراقيين: "إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلاً بهم".

ويُذكر أن الطائفة اليهودية في العراق كانت تشكل نسبة أكثر من 2% من مجموع السكان العراقيين في عام 1947، وهذه النسبة انخفضت بشكل كبير جداً عام 1951 بعد هجرتهم إلى "إسرائيل".

معلومات "إسرائيلية" مغلوطة حول اضطهاد العرب لليهود بهدف إثارة الرأي العام

نشير إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" أطلقت في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2016، على لسان المتحدث باسمها "أوفير جندلمان"، بيانات مغلوطة حول عدد اليهود في الدول العربية قبل هجرتهم إلى فلسطين المحتلة لتتهم الدول العربية بمعاداة اليهود ومصادرة ممتلكاتهم دون مستندات أو وثائق رسمية تثبت صحة تلك المعلومات. وقال "جندلمان" في حينه أن "إسرائيل تستذكر في ذلك اليوم مصير أكثر من 850 ألف يهودي طردوا من الدول العربية وإيران خلال القرن العشرين". وادعى أن ذلك اليوم يمثل "ذكرى مأساة اليهود الذين أجبروا على ترك منازلهم والدول التي عاشوا فيها لمدة لا تقل عن ألف سنة، بسبب ديانتهم اليهودية فقط". كما ادعى أنه "تم حرمان الكثير من اليهود من أملاكهم، كما عانوا من العنف والاضطهاد"، مضيفاً أن "قضية نفي جميع الطوائف اليهودية عن الأراضي العربية تعتبر جزءا مهما لا يتجزأ من التاريخ اليهودي المعاصر"، مشيرا إلى أنه "عند إقامة إسرائيل كان يعيش في الدول العربية وإيران ما يزيد عن 850 ألف يهودي، وأن هناك أرقاما أخرى تشير إلى أن عدد اليهود يقترب من مليون نسمة"!!

وادعى "جندلمان" أن "حوالي 259 ألف يهودي هربوا من المغرب في منطقة شمال أفريقيا، و140 ألف يهودي من الجزائر، و100 ألف يهودي من تونس، و75 ألفا من مصر و38 ألفا من ليبيا، إضافة إلى نفي 135 ألف يهودي من العراق، و55 ألف يهودي من اليمن، و34 ألفا من تركيا، و20 ألفا من لبنان و18 ألفا من سورية، بينما أجبرت إيران 25 ألف يهودي على المغادرة". وادعى أن العراق شهد في شهر حزيران/يونيو عام 1941 اضطرابات سُميت بالفرهود "استهدفت الطائفة اليهودية التي عاشت فيه لمدة 2600 عام، خاصة في العاصمة بغداد. فالجنود والغوغاء اعتدوا على اليهود وقتلوا 179 بريئا وجرحوا أكثر من 2100، وأصبح 242 طفل يهودي أيتام. وزاد في الادعاء أنه في عام 1948 ورداً على قرار الأمم المتحدة 181، الخاص بتقسيم فلسطين، شرّع العراق قانوناً اعتبرت الصهيونية بموجبه جريمة. وأوغل "جندلمان" في القول أن "آلاف اليهود أبعدوا من وظائفهم الحكومية وقيّمت منازلهم بأقل من %80 من قيمة منازل جيرانهم العرب، وما بين 1948 و 1951 هاجر أكثر من 120 ألف يهودي من العراق "لإسرائيل" ليبدأوا حياة جديدة، وهكذا فقدوا هويتهم العراقية وبعد ذلك املاكهم.

أما عن مصر، فقد زعم "جندلمان" أنه "خلال أربعينات القرن الماضي ازداد حجم عدوانية المصريين ضد الطائفة اليهودية التي كان عددها تقريبا 80 ألف نسمة، وشرّعت مصر، على حد زعمه، قوانين قيّدت الإمكانيات لتشغيل اليهود، وأمرت الحكومة بأن تنحصر الأسهم بالشركات التي كانت مصرية خالصة، وبعد سحب الجنسية من اليهود فَقَدَ الكثير منهم أشغاله وأعماله". وقال إنه "خلال حرب عام 48 اُعتقل يهود كثيرون وتم إرسالهم إلى مخيمات خاصة بتهمة التعاون مع دولة عدوة، مدعيا قصف معبد يهودي ومنازل ومحلات وقُتل أو إصابة العديد من اليهود"، ومضيفاً أن "14 ألف يهودي هاجروا من مصر خلال تلك الفترة". وزاد في الادعاء قائلاً أنه "في الفترة بين 1948 و 1958 فرّ أكثر من 35 ألف يهودي من مصر. ولم يكن الاضطهاد المستمر السبب الوحيد لهذه الهجرة بل أيضا العواطف الصهيونية وإرادة اليهود للعيش في دولة إسرائيل الصغيرة".

ومفرطاً في تقديم معلوماته المغلوطة حول اضطهاد اليهود العرب في دولهم، زعم أن 38 ألف يهودي أجبروا على الهجرة من مصر بين 1956 و1968، أي في فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، "لينجو من أشكال الظلم النظامي بما في ذلك المصادرة الحكومية للبيوت والمحلات والاعتقالات الاستبدادية".

أما بخصوص يهود اليمن فقد ادعى "جندلمان"، أنهم "واجهوا أسوأ اضطهاد لهم في عام 1947، حين قرر اليمنيون في مدينة عدن الإضراب لمدة 3 أيام احتجاجا على القرار الاممي 181 الخاص بتقسيم فلسطين، وقد اتخذ الاحتجاج طابعاً عنيفا أدى إلى ذبح أكثر من 80 يهودي واغتنام ما يزيد عن 100 محل يهودي واحتراق منازل ومدارس وكنس يهودية"، مضيفاً أن "ما شهده اليهود هناك كان من أعنف الاعتداءات التي شهدتها الطائفة اليهودية في العالم العربي". وزاد في القول أنه "كحل إبداعي للخروج من الظروف المأساوية التي عاش فيها اليهود اليمنيون قامت الحكومة "الإسرائيلية" بعملية خاصة بين عامي 1949 و 1950 نُفّذت عن طريق طائرات أمريكية وبريطانية حيث نُقلت الطائفة اليهودية من اليمن "لإسرائيل". ونتيجة لهذه العملية نجا اكثر من 47 ألف يهودي من الاضطهاد اليمنى وبدأوا حياتهم الجديدة في وطنهم إسرائيل".

وعاشت الطائفة اليهودية في ليبيا البالغ عددها 37 الف نسمة لمدة تزيد عن 2300 عام متمتعين بثقافة مزدهرة. وخلال الحرب العالمية الثانية بعث النظام الليبي أكثر من 2000 يهودي لمعسكرات اعتقال في الصحراء، مما أدى إلى موت المئات منهم. وبعد الحرب ونتيجة ازدياد العواطف القومية العربية فى ليبيا انطلقت اعتداءات عنيفة على اليهود المحليين حيث قُتل في مدينة طرابلس عام 1945 أكثر من 140 يهوديا كما قُتل 12 يهوديا آخر اثناء اضطرابات لا سامية في 1948 ودُمّر أكثر من 280 منزل. ويذكر أن نتيجة السياسة العدوانية للحكومة الليبية هاجر من ليبيا إلى "إسرائيل" تقريبا 31 ألف يهودي ما بين 1948 و1951.

وقال: إن اليهود استطاعوا الهجرة من الدول العربية لشغل مناصب مهمة في "إسرائيل" في الوزارات الحكومية كما في القطاعين العام والخاص ويكوّنوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع "الإسرائيلي"، وآن الأوان أن يسمع العالم قصتهم!!

"مساواة اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين" ادعاء باطل ومخالف لحق العودة

اعتبر الدكتور في القانوني حنا عيسى في رأي تحليلي نشرته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، أن مشروع القانون "الإسرائيلي" الذي "يساوي اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين" هو ادعاء باطل ومخالف لحق العودة.

وكان "البرلمان الإسرائيلي - الكنيست" قد صادق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، بالقراءة الأولى على قانون يكبل أي اتفاق سياسي محتمل مع أي جهة أو سلطة وحتى جماعة بربط إنصاف "اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربية"، بعد قيام "إسرائيل" بواجباتها الخاصة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين!!

وكتب د. عيسى تحليلا بهذا الخصوص، قال فيه: هذه لعبة عنصرية متطرفة من قبل حزب "شاس" الديني اليميني الذي تعود على إنكار حقوق اللاجئين الفلسطينيين التي كفلتها المواثيق والأعراف الدولية وقرارات الشرعية الدولية بالأخص القرار رقم 194 لسنة 1948، والذي على أساسه تم الاعتراف "بإسرائيل" كدولة وقبولها بعضوية الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة إلى جانب القرار 181 لسنة 1947. إن الحجة التي يحاول حزب "شاس" والأحزاب اليمينية الأخرى تمريرها بأن "اليهود الذين غادروا الدول العربية بعد قيام إسرائيل هم لاجئون حسب القانون الدولي" لا تنطلي على أحد مطلقا، لأن اليهودي الذي غادر مصر أو العراق أو اليمن أو سورية أو العراق أو غيرهم من الدول العربية غادرها بمحض إرادته أو بتحريض من الحركة الصهيونية للقدوم إلى "إسرائيل" على اعتبار أن هذه الأرض، بحسب بعض الحاخامات والدعاوي التوراتية والتلمودية، هي "أرض الميعاد"، والتي من جانب آخر تنكرها بعض الجماعات الدينية اليهودية التي تحرم قدوم أي يهودي إلى فلسطين.

والأدهى من ذلك أن التقديرات "الإسرائيلية" تشير إلى أن عدد اليهود الذين "أجبروا على ترك بيوتهم وأراضيهم في الدول العربية  يقارب المليون ونصف المليون". وهذه الحجة لم تصمد أمام اليهود الشرقيين أنفسهم الذين قالوا بأنهم خدعوا من قبل بعض حركات الهجرة الصهيونية التي حرضتهم على الهجرة إلى "إسرائيل"، وأن حياتهم فيها مليئة بالتناقضات العنصرية والتمييزية، ويتمنون العودة إلى أماكن سكنهم.

أما بخصوص الفقرة الواردة في مشروع القانون الذي تقدم به عضو "الكنيست" نسيم راب من حزب "شاس" تلزم بأن يتم تعويض هؤلاء اليهود في اتفاق قادم يتضمن تعويض اللاجئين الفلسطينيين، مع أن هذه الفقرة تتناقض بشكل مطلق مع القاعدة القانونية الدولية التي تتحدث بوضوح عن حق العودة للفلسطينيين المكفولة بمواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 كانون أول/ديسمبر 1948، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 13 على الآتي: لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده!!

وفي اليوم التالي لصدور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 11 كانون أول/ديسمبر 1948 صدر القرار الشهير رقم 194 من الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قضى بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض "وليس في العودة أو التعويض". وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا "إسرائيل"، وحق العودة أيضا تابع من حرمة الملكية الخاصة التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على البلاد.

وحق العودة لا يسقط بالتقادم، أي بمرور الزمن، مهما طالت المدة التي حرم فيها الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم، لأنه حق غير قابل للتصرف. علما بأن المجتمع الدولي ممثلا بالجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لم يتكلم مطلقا على أن هناك لاجئين يهود، بل على العكس من ذلك، أصدر على ضوء نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948 قراراً هاماً جداً للاجئين الفلسطينيين أكد فيه على التالي:

أولاً - اعتبر الفلسطينيين شعباً طرد من أرضه، وله الحق في العودة كشعب وليس كمجموعة أفراد متضررين من الحروب مثل حالات كثيرة.

ثانياً - وضع آلية متكاملة لعودة اللاجئين.

لهذه الأسباب وغيرها تعمل "إسرائيل" جاهدة لإلغاء قرار 194 واستبداله بقرار آخر وحل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي نتجت عنه، والتي تمثل الدليل القانوني والمادي لحقوق ألاجئين الفلسطينيين.

وثائقهم تُكذب ادعاءاتهم بشأن هجرة اليهود من الدول العربية

وفي هذا الصدد، لا بد من توضيح جملة من الحقائق أهمها: أنه لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي زوراً وبهتاناً "اللاجئين اليهود" باللاجئين الفلسطينيين. فاللاجئون اليهود لم يطردوا أو يهجروا بالقوة من الدول التي كانوا يعيشون فيها، ولم تقم الحكومات العربية وأجهزتها الأمنية بارتكاب المجازر والمذابح الجماعية بحقهم لدفعهم إلى الهجرة، كما فعلت العصابات الصهيونية في فلسطين، إذ ارتكبت أكثر من مئة مذبحة، كما يقول الباحث الفلسطيني د. سلمان أبو ستة، لدفع الشعب الفلسطيني إلى الهجرة قسراً، خوفاً من الموت الصهيوني الذي يلاحقه.

واستناداً لما سبق أن نشرته صحيفة "الدستور" الأردنية، فإن الوثائق "الإسرائيلية" كشفت النقاب عن وقوف القيادة الصهيونية في تل أبيب وراء التفجيرات التي حدثت في بغداد والقاهرة والإسكندرية لترويع اليهود ودفعهم للهجرة، وبالفعل فلقد القي القبض على بعض المجرمين الذين قاموا بزراعة هذه المتفجرات والألغام، كما تم الحكم بإعدام بعضهم.

وأضافت "الدستور" ما مفاده أن العقل الصهيوني المجرم الذي دبر ونفذ مجزرة دير ياسين والدوايمة واللد والرملة لترويع الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة، هو الذي نشر الرعب والموت في أماكن سكن اليهود في القاهرة وبغداد لدفعهم للهجرة إلى فلسطين، لإقامة الكيان الصهيوني الغاصب.

ومن ناحية أخرى، فإن عملية تهجير ونقل الفلاشا "يهود الحبشة، إلى "إسرائيل"، والمعروفة بعملية "بساط سليمان"، تؤكد ما أشرنا إليه، وتؤكد أن العدو يوظف كل إمكاناته لتهجير اليهود ومن كل أنحاء العالم لرفد كيانه العنصري بالطاقة البشرية التي يحتاجها، ومن المعلوم أن "بساط سليمان" تمت برعاية وإشراف الإرهابي شارون، وبمساعدة مسؤولين أثيوبيين والرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.

ومن هنا لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي ملف "اللاجئين اليهود"، الذين هاجروا طوعاً إلى الكيان الصهيوني، طمعاً في "اللبن وشهد العسل" بملف اللاجئين الفلسطينيين، الذين طردوا بالقوة وبفعل المذابح والمجازر التي لاحقتهم حتى في المنافي، ويرفض العدو عودتهم إلى وطنهم وتنفيذ القرار الأممي رقم "194" في حين لا تمانع الدول العربية كافة، وخاصة التي خرج منها اليهود إلى فلسطين بعودتهم، وبالفعل فان بعضهم يزور تلك الأقطار في العلن والسر وبتشجيع من الحكومات القائمة فيها. وبالمختصر المفيد، لا وجود "للاجئين اليهود" إلى في مخيلات العدو الصهيوني في تل أبيب، ومحاولة  هذا العدو تسويق هذه الكذبة وفرضها على أجندة المفاوضات، لم تكن إلا لإجهاض محاولات تنفيذ حق العودة بموجب القرار 194، والذي ينص على العودة والتعويض معاً.

 

محمود كعوش

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدنمارك

..............................................

المصادر

1- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"

2- مقالات نشرتها سابقاً في العديد من وسائل الإعلام

3- مجلة "البيادر السياسي" المقدسية الورقية

4- صحيفة "الدستور" الأردنية

5- الخليج أون لاين

6- "شركة الأخبار" العبرية "الإسرائيلية"

 

 

حسن خليل حسن(انا على يقين بأن من سيكتبون التاريخ بعد مئة عام سيقولون ان النفط لم يحقق الثروة للعرب ألا التعجيل في هلاكهم)... أمين معلوف

لطالما وجدت البصرة شرور النفط قبل خيره منذ ان كان وراء استعمار العراق بدوافع اقتصادية، والى عهدٍ قريب عكزت الحروب على عوائد النفط في تمويل الترسانة العسكرية، وتشهد البصرة حالياً مشكلة كبرى تتمثل بالاستهلاك المائي الكارثي للشركات النفطية الاجنبية والصناعات الاستخراجية والتكريرية في البصرة، اذ أن العراق ثاني أكبر منتجي منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وهو يضخ معظم إنتاجه اليومي من حقول النفط في جنوب البلاد، وهي حقول (الرميلة الشمالية والجنوبية- غرب القرنة 1 و2- الزبير - مجنون - نهران عمر - - والسيبة- اللحيس- الطوبة – الصبا - الحلفاية) الشكل (1). وتحتل البصرة نسبة كبيرة من انتاج العراق النفطي، وقد ساهمت بنسبة 94% من مجموع صادرات النفط العراقي لشهر تشرين الثاني 2018.

وسوف نبين بلغة الارقام كارثية استهلاك الشركات النفطية على انهار البصرة، اذ تتطلب عمليات الحقن وتفتيت الصخور الرسوبية وتوليد الكهرباء والتقطير وضخ كميات كبيرة جداً من الماء، فأن انتاج برميل واحد من النفط يحتاج ما بين (3-5) برميل من الماء لكل برميل نفط واحد منتج (حسن، 2015) علماً ان سعة البرميل الواحد يساوي 159 لتر، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هنالك زيادة مستمرة في حجم انتاج النفط تتطلب زيادة الضخ  لرفع  مستويات الضغط في المكامن النفطية ولتجنب انحسار الضغوط عند محاولة انتاج كميات اضافية من النفط المُستخرج، الشكل (2)، لذا يتم مضاعفة كميات المياه التي يتم حقنها في الابار باستمرار  للحفاظ على المستويات الانتاجية المطلوبة، اذ يعتبر نظام دفع الماء أكثر الأنظمة  فعالية من  الناحية الإنتاجية في زيادة الضغط في المكمن والتي تعوض خمول الضغط في بعض المكامن نتيجة لفعالية الإزاحة للنفط بواسطة الماء المتقدم، اذ ان كمية المياه المتحركة مساوية إلى كمية السائل المنتج. والكميات المستهلكة في الصناعة النفطية في البصرة هي من مياه نهر الفرات في المديّنة ومياه شط العرب ومياه نهر الصلال (احد فروع نهر كرمة علي). 

609 حسن خليل 1

الشكل (1) كثافة وتركز حقول النفط الكبرى في محافظة البصرة.

وبهذا الصدد نشير الى زيادة كميات الحقن في مكمن الرميلة الذي يعتمد على مياه نهر كرمة علي وهو اكبر الحقول المنتجة للنفط في العراق، فقد ازدادت معدلات حقن المياه فيه الى أكثر من 720,000 برميل ماء يومياً في العامين 2016 و 2017، بالمقارنة مع شهر آيار من العام 2013، حيث كان معدل حقن الماء 60,000 برميل يومياً حيث كان معدل حقن الماء سابقاً 60,000 برميل يومياً ، وبهذا فأن ما يستهلكه هذا المكمن من المياه العذبة من محطة المعالجة على نهر كرمة علي (ومصدرها شط العرب) حسب الارقام المعلنة  يبلغ  457.920 متر مكعب يومياً  (167.140.800 متر مكعب سنوياً)، وهو يمثل بنسبة 14.5% من الحصة المائية الكلية لمحافظة البصرة من نهر دجلة. 

609 حسن خليل 2

الشكل (2) مخطط يوضح عمليات استخراج النفط الصخري.

 وهذا الرقم يخص حقل نفطي واحد وهو  ليس ثابتاً كما انه يزداد مع التوسعة المتوقعة في حجم الانتاج، وبهذا الخصوص فقد اشار الموقع الرسمي لهيئة تشغيل الرميلة، 2018 الى وجود توجه لتوسعة القدرة على استخدام ما يقارب 1.3 مليون برميل ماء يومياً لأغراض الحقن في هذا المكمن.

   وعند اجراء حسابات تخص جميع حقول النفط في محافظة البصرة وفق معدل انتاج النفط لشهر تشرين الثاني من العام 2018  البالغ  3.254.689 مليون برميل يومياً من حقولها (الموقع الرسمي لوزارة النفط، 2018).  وباعتماد معدل استهلاك الماء لإنتاج برميل واحد من النفط البالغ 3- 5 برميل ماء (وهو الكمية المستهلكة في الحقول النفطية في دول شبه الجزيرة العربية) يكون مجموع ما تستهلكه الصناعة النفطية في البصرة من المياه يومياً 2.069.982 متر مكعب يومياً اي  (755.543.377 متر مكعب  سنوياً) وهو ما يشكل نسبة (66 %) من مجموع الايراد المائي من لنهر دجلة الواصل الى  محافظة البصرة (لم يتم استثناء الكميات المستهلكة في الحقول النفطية التي تعتمد من نهر الفرات).

والمشكلة لا تتوقف عند استنزاف الشركات النفطية لثلثي الحصة المائية للبصرة فحسب،  بالرغم من انها من  اكبر التحديات التي تواجه الامن المائي في البصرة، بل هنالك مشكلة اخرى تتمثل بالمياه المصاحبة للنفط والمياه الناتجة عن تحلية مياه الحقن ومعالجتها كيميائياً وبيولوجياً، اذ ان انتاج برميل واحد من النفط يقابله 5 اضعاف كميته من المياه عالية التلوث، وان برميل واحد من المياه المالحة قد يلوث 97 برميلاً من مياه المسطحات المائية التي تنصرف اليها المياه الراجعة من عمليات المعالجة او المياه المحلاة، الشكل (3).

لذا من المهم الاسراع بالخطوات التالية:

1- تفعيل الدراسات الاستشارية في مجال استخدام بدائل المياه العذبة في حقن الابار النفطية ومن اهمها التقنيات الحديثة هي عملية حقن غاز ثاني اكسيد الكربون لرفع انتاجية المكامن النفطي او حقن المواد البوليميرية، واستخدام التقنيات الحرارية، بالإضافة الى استخدام طرق مزاج النفط مع بعض المذيبات البترولية لأغراض الحقن.

2- ضرورة اعتماد الشركات النفطية على المياه البحرية لأغراض الحقن او التوجه الى معالجة مياه المصب العام وشط البصرة وتحريم استخدام المياه العذبة في الصناعات الاستخراجية والتكريرية

3- من الضروري الاسراع بإبرام عقود جديدة معها على اساس استخدامها لمياه من مصادر غير انهار دجلة والفرات، واخذ ضمانات على تحملها جزء من مسؤولية نقص المياه وقيامها بتمويل مشاريع تنموية لتعويض الضرر البيئي الذي تحدثه من جراء استخراج النفط والغاز المصاحب والملوثات التي تطلقها الى البيئة المحيطة والتي تسببت بكوارث صحية اشارت اليها تقارير وابحاث اهتمت بتداعيات العمل الاستخراجي والتكريري في البصرة.

4- الزام الشركات النفطية بنصب محطات معالجة المياه المصاحبة والعادمة وان تتناسب تلك المحطات بحجم النشاط الاستخراجي في الحقل النفطي، وطبيعة التكوينات الارضية فيه.      

5- الاسراع بتشكيل فريق قانوني لمقاضاة الشركات النفطية التي تتسبب باستنزاف موارد الثروة المائية في اعمالها الاستخراجية والتكريرية في البصرة، اذ ان هذه الشركات، تستهلك نسب عالية جداً من المياه العذبة المتاحة لأغراض الحقن وتوليد الكهرباء والتقطير، كما ان اعمالها لا تخضع الى استراتيجية واضحة من حيث الاعتماد على المصادر غير التقليدية والتي يجب ان تعتمد بشكل كامل على تحلية مياه البحر ويكون لها دور في تزويد بعض مناطق البصرة بالمياه المحلاة التي تقوم بإنتاجها .

609 حسن خليل 3

الشكل (3) استنزاف الموارد المائية بسبب نشاط استخراج النفط

الدكتور حسن خليل حسن

...........................

المراجع:

1- حسن، جمال قاسم (2015) النفط والغاز الصخريين وأثرهما على أسواق النفط العالمية، صندوق النقد الدولي.  31 صفحة (www.amf.org.ae/ar/content).

2- الخولي، رشيد (2009) الاستخلاص المعزز للنفط بحقن المياه في الطبقة، عالم النفط والغاز/ https://sites.google.com/site/sypeteng/research/24

3- عبد الجبار، احمد (2014) أدلجة النفط: دور النفط في الصراعات المشرقية، مستقبل الشرق للدراسات والابحاث، .https://www.falsharq.com

4- الموقع الرسمي لوزارة النفط، 2018.

5- الوائلي، حوراء (2017) 15 مليون برميل ماء يوميا لاستخراج النفط الكويتي، صحيفة القبس الالكترونية، 18 مارس 207(https://alqabas.com/371406/).

6- صحيفة القبس الكويتية(2006)  حقن الآبار بغاز الكربون بدل الماء وتعاون كويتي – ياباني لتحسين النفط.

 

عزالدين عنايةيتميز الإنتاج المعرفي في الكليات الدينية في البلاد العربية بسمات جامعة، تتلخص بالأساس في تخطّيه شبه التام أوضاعه الاجتماعية والاستعاضة عنها بخطاب هائم مفارق، لا غاص في الأرض ولا تشبّث بالسماء. حتى خلّف ذلك المنهج اغترابا لافتا بين المشتغلين في الحقل الديني، تجلّى أحد أوجهه في تردّي الدراسات بشأن المسيحية.

ولا نزعم أن دراسة المسيحية مفتقدة أصلا في كلية الشريعة، بل إن الظاهر أن المنهج المتّبع عقيم لا يستجيب لمستلزمات الراهن. فلم يدرك العقل الإسلامي، في ثوبه المشيخي المتدثّر بفكر الردود وبالمنظور المستند إلى مقولات أهل الذمة، أنه ما عاد قادرا على استيعاب المسيحية الراهنة، لما طرأ عليها من تحولات.

فلا أدل على وَهَن القدرة الإسلامية في مناقشة المسيحية، وتردي الإدراك في تبين مساراتها، من اختراق الوافد الديني للحصون الداخلية للإسلام المغاربي، وتهديد موعظة المبشّر فتاوى الشيخ. ولولا تجريم ما يُسمى بالتبشير المسيحي، ومحاولة سدّ منافذ تسرّباته، وإن كان بأشكال تعيسة غوغائية، لبلغ السيل الزبى.

والجلي أن الوقائع ما كانت لتؤول إلى ما آلت إليه، لولا ضعف الفكر الإسلامي في اهتماماته بالآخر، حتى بات المفكّر يخشى المبشِّر. ففي بلاد المغرب الكبير، هناك غفلة تامة عن التعامل مع التراث المسيحي السابق، رغم أن المنطقة شهدت في سابق عهدها تطورات عميقة. كان أبرز تجلياتها الفلسفية واللاهوتية في أعمال القديس أوغسطين ابن ثاغست، سوق هراس الجزائرية اليوم. فلو بحثنا عن تراث المنطقة المغاربية المسيحي لما أسعفنا في فهمه والإلمام بحيثياته إلا إنتاج العقول الغربية، وبالخصوص العقول الكنسية. يعضد تلك الغفلة غياب عن متابعة حاضر المسيحية، سواء في وجهها الأوروبي المجاور أو الغربي بشكل أعم. فهناك نفيٌ من الذات المغاربية لتاريخها، وهناك تغييب غير مبرر لاهتمامها بالآخر الديني، تتحمل فيه الوزر أن يأتيها التحدّي من حيث لا تحتسب.

لقد استغل الفكر الكنسي الغربي ذلك الإهمال في الفكر المغاربي، حتى جلب إلى حضيرته جمع من الجزائريين والمغاربة والتونسيين، الذين باتوا يتبنون الطروحات الغربية في أن المنطقة رومانية كنسية، في سابق عهدها، وغربية الطباع والهوى في حاضرها. تطوّر الأمر في السنين الأخيرة حتى بات من يروّج للمسيحية الأوروبية بحماس مفرط، معتبرا الإسلام دخيلا وغازيا، والواقع أن تلك المقاربة يعوزها ربط الحلقة الإسلامية بسابقتها المسيحية بوعي تاريخي رصين. فعادة ما متح الناكصون من غبن نفسي وما ركنوا إلى وعي فكري في انتمائهم الجديد. وقد تجلت فطنة الكنسية الغربية أساسا في تعاملها مع اللغة الأمازيغية، إذ كانت أسبق في الإلحاح على مبشّريها لتعلّم اللهجات الأمازيغية من الزيتونة والقرويين. ليس الأمر نابعا من تثمين وتقدير لتراث المنطقة لدى الكنيسة ولكنها أدركت يُسر تحوّل الهامشي إلى حجر رأس الزاوية بعد أن نبذه البناؤون.

لقد شهد العالم تغيرات هائلة في الحقبة المعاصرة، وصار من العبث، في بلدان تدعي الحداثة وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، الحديث عن صدّ "التبشير" و"التنصير" و"التمسيح"، بلغ حدّ إصدار قوانين تجرّم من يروّج لغير ما هو سائد بدعوى ثلم الوئام الديني. في الحقيقة ليست تلك الأساليب منطقية، وليست عقلية، وليست إسلامية أيضا. فهناك في البلاد المغاربية قابلية للتنصّر يغذّيها بؤس الفكر الديني الإسلامي واغترابه، وضعف التكوين الأكاديمي بشأن الآخر في الجامعات الدينية بالأساس، فضلا عن عدم التنبه للتحولات العالمية وما تتطلبه من أدوات مستحدثة. من هذا الضعف يتسرب الآخر الديني ليحاصر ويهدد ويتحدى العقل الخامل.

خلال الصائفة المنقضية التقيت، أثناء إقامتي في كل من تونس والجزائر، بباحثين في الحقل الديني. حسبتُ قبل اللقاء أن الدراسات المغتربة، التي استعاذ من مثلها سيد الخلق: "أعوذ بالله من علم لا ينفع" قد كسدت بضاعتها مع دخول الألفية الثالثة، فضلا عن الإحجام عن البحث فيها، بموجب الزلازل السياسية التي هزّت بلاد العرب وأمة الإسلام، التي يُفترض أنها نبّهت الغافل. ولكن حديثي وسؤالي بيّنا لي خلاف ذلك، فما فتئت سوق البحث في الغيبيات رائجة وبالباحثين فيها عامرة. فـ"هاجر" تعدّ "ماستر" حول إبليس، و"رقيّة" تبحث في الطمأنينة، و"عبدالباسط" يزعم فكّ ما أشكل على السابقين في مسألة "القضاء والقدر"... بالمقابل أستذكر طلابي الإيطاليين في الدراسات الشرقية، فأجدهم، باختيارهم لا بإيحاء مني أو من زملائي، يركزون في إعداد رسائلهم على ما هو معيش. "لاوْرا" تبحث في أثر العوامل الدينية في عدم ضمّ تركيا إلى المجموعة الأوروبية، و"فرانشيسكو" يتتبع برنامج "الشريعة والحياة" في قناة "الجزيرة" بالتحليل والرصد، و"كارلا" تتناول بالمقارنة سينما الثورة الجزائرية مع سينما الجزائر الفرنسية، أي سينما ما قبل الثورة. لعله لتلك الأسباب غنم الغرب دنياه وفرّطنا نحن في دنيانا وأخرانا.

 

د. عزالدين عناية

 

جواد بشارةمن الصعب الولوج إلى عمق تلافيف النصوص الأومية ولكن بعض العلماء بذل جهداً كبيراً لاستخلاص أفكار واضحة ومفيدة من خلال قراءة وتمحيص الرسائل الكثيرة  والمتنوعة للأوميين. من هؤلاء العالم الفرنسي جون بيير بتي فلقد كرس وقته سنة 1976 لقراءة الرسائل التي تسلمها سيسما من الأوميين سنة 1962 والتي اشتراها منه فاريول وأعطاها لجون بيير بتي قبل أن يتلقى هذا الأخير رسائله المرسلة إليه مباشرة من الأوميين. ومن تلك الرسائل استشف نظريته الكوسمولوجية الخاصة  التي أسماها جانوس وبتعبير ونص الأوميين كما ورد استحصل المعلومة التالية:" لا يوجد فقط كون واحد، وهو كوننا الذي تعرفونه، بل عدد لانهائي من الأزواج الكونية،  فالثنائية  موجودة أيضاً في التركيبة الكونية. الاختلاف بين العالمين هو أنه في كل واحد من الزوج الكوني هناك استناد على تراكيب ذرية أو نووية مختلفة تختلف عن التراكيب النووية  للآخر، والاختلاف هو في علامة  الشحنة الكهربائية، وهو الأمر الذي سماه البشر المادة والمادة المضادة. لذلك نؤكد لكم وجود كون توأم لكوننا المرئي ولكن:1 ـــ  في ذرات  الكون التوأم تكون الإلكترونات في النواة الذرية موجبة وليست سالبة كما في كوننا المرئي، وهي التي تسمونها ( البوزيترونات) وتبقيها في مداراتها حول النواة الذرية البروتونات المضادة ذات الشحنة الكهربائية المضادة أو المعاكسة. 2 ـــ لايمكن للكونين التوأمين أن يتصلا ببعضهما البعض لأنه اتصالهما يفنيهما معاً، وبالتالي لامعنى للتفكير بإمكانية إلتقاء بينهما وذلك لأنه لاتوجد بينهما علاقات مكانية وزمانية أو زمكانية، ولاتوجد بينهما أبعاد تفصل بينهما فلا معنى أن تفكروا بوجود سنوات ضوئية تفصل بينهما أو أن وجودهما متزامن أو متشابه زمنياً فلا زمن بينهما كالزمن الذي نعرفه. 3 ــ لدى الكونين التوأمين نفس الكتلة ونفس القطر  لتشكيل كروي ذو انحناء سلبي . 4  ــ  ويتمتع الكونان بــ " فرادة" خاصة متميزة الواحدة عن الأخرى. ما يعني أنه لايوجد نفس عدد المجرات  ولا نفس التركيبة المادية لدى كل منهما فلا وجود لأرض أخرى ولا لكوكب أومو توأم كما يمكن أن يتخيل البعض وهذه المعلومة ليست افتراضية بل حقيقية وسوف نقدم الدليل العلمي عليها لاحقاً . 5 ــ نشأ الزوج الكوني، كوننا المرئي وتوأمه، في نفس الوقت بعد الانفجار العظيم، إلا أن إتجاه سهمي الزمن لهما لا يسيران بنفس  الاتجاه فلكل واحد منهما اتجاه زمني مغاير، وبالتالي من الخطأ التفكير أنهما موجودان في نفس الزمن أو هناك نفس مفاهيم الــ " قبل " والــ " بعد " أو أن أحدهما موجود قبل أو بعد الآخر، يحق لنا القول فقط أنهما موجودان فحسب. ولا يحق لنا القول أنهما موجودان " الآن" أو قبل أو بعد، ولكن في سياق تطوري هما متوازيان  ومتكافئان وهذا ينطبق على كافة العدد اللانهائي من الأزواج الكونية التوائم الموجودة والمرصودة من قبلنا في التعدد الكوني pluricosmos .

ويمكننا أن نرى صورة تختلف عما رصده البشر عن جزء ضئيل من الكون المرئي وعمموا رؤيتهم ففي هذا الكون المرئي تتنقل المجرات كما لو كانت جزر تطوف في محيط كوني إلا أن هذا المحيط هو عبارة عن كرة بأبعاد متعددة multiple dimensions حيث يمكننا الحديث عن مسافات مابين المجرية  وغازات وسحب كونية تملأ الفضاءات مابين النجمية ومابين المجرية ولكن يصعب عليكم أنتم البشر تصور أو تخيل أو تكوين صورة عن التعدد الكوني لأن الأزواج الكونية ستبدو لكم كما لو إنها غاطسة في العدم فلا معنى أن تتخيلوا وجود مسافات أو أن المسافات معدومة فمثل هكذا تصور لن يكون سوى وهم وتخيل، هناك توازي وتداخل وتدافع وتسارع وانفجارات عظيمة لاتعد و لا تحصى وفي كل لحظة في الكون المطلق الذي يضم الأزواج الكونية التوائم. ولكن من المؤكد لنا ومثبت علمياً أن الكون التوأم لكوننا يمارس تأثيراً على كوننا حتى لو لم يرتبط الكوننان بأية علاقات زمكانية بينهما وبتحليلنا لهذا التأثير اكتشفنا كوننا التوأم."  هذا النص يثير الغرابة والفضول في آن واحد كيف لنا أن نتصور نحن البشر أن هناك اتجاه معكوس للزمن؟ وماهي طبيعة وماهية المكان ومفهوم الفضاء ؟

في رسائل أخرى مبعثرة يوجد شرح وتوضيح للصفحات الكونية feuillets d’univers كما لو أنها إنعكاس أحدهما للآخر في مرآة كونية هائلة ويطلق عليها النص الأومي الــ énantionomorphes أو الكون المرآة، ولكل كون وانعكاسه في المرآة الكونية زمنه الخاص به واتجاهه الخاص به والمعاكس لكل منهما . وهو الموضوع الذي عمل عليه العالم السوفياتي أندريه زاخاروف وحصل على جائزة نوبل  ولقد نشر بحثه كاملاً باللغة الفرنسية سنة 1984 وكان قد قدمه سنة 1967  لكن الظروف السياسية آنذاك حالت دون انتشاره في الغرب. وبقي مفهوم الأكوان التوأم  univers gémellaires محدودا ومحصوراً بين  قلة قليلة من العلماء لسنوات عديدة ما عدا بعض الاهتمام والفضول الذي أبداه بعض العلماء في الغرب لنتاج أنديه زاخاروف الحاصل على جائزة نوبل وذهولهم من أطروحته عن الأكوان المتوازية والأكوان التوائم بسهمي زمن متعاكسين وإشارته لغياب المادة المضادة التي تقف وراء تكون الكون التوأم  إلا أن زاخاروف نشر بحثه بإسمه ولم يذكر مصدر  معلوماته المختلف كلياً عما كان معروفاً وسائداً في الوسط العلمي الفيزيائي آنذاك بيد أن رسائل أخرى للأوميين كشفت أنهم أرسلوا له ولعدد مع العلماء السوفيت رسائل علمية وإن زاخاروف نشرها بإسمه دون أن يشير للأوميين ورسائلهم التي تضمنت هذه المعلومة الكونية المهمة. ولكن في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل والذي قرأته بالنيابة عنه في ستوكهولم هيلينا بونير سنة 1975 قال زاخاروف:" قبل آلاف السنين كانت المجموعات البشرية محرومة  في سعيها للحصول على الكلأ  والغذاء ومع ذلك كان من المهم، ليس فقط الحصول على الغذاء بل والتفكير والتأمل على نحو ذكي وواعي وإقامة العلاقات بين المجموعات البشرية المنتشرة والموزعة في أرجاء الأرض لإقامة التعاون بينها، واليوم تواجه البشرية اختباراً مماثلاً يتمثل بوجود حضارات كونية عديدة منتشرة في الفضاء اللانهائي، وفي بعضها توجد مجتمعات عاقلة ومتطورة ومتقدمة، أكثر حكمة وأكثر تطوراً واتقاناً وأداءاً performantes plus منا. وأنا أؤيد الفرضية الكوسمولوجية القائلة  بأن تطور الكون يتكرر بأعداد لامتناهية وفق مقاييس وظروف وخصائص جوهرية معينة فهناك حضارات فضائية أخرى أكثر أداءاً وتطوراً من الناحية العلمية والتكنولوجية، وهي موجودة بعدد لانهائي في سجل التطور الكوني وعلى الصفحات السابقة أو اللاحقة لكتاب الكون" . وأشار زاخاروف إلى إمكانية وجود اتصالات بحضارات فضائية كونية لابشرية .

ولقد ذهب الأوميون إلى أبعد من ذلك في الميتافيزياء عندما تحدثوا عن إمكانية أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في آن واحد أو أن يكون الشيء حقيقياً ومزيفاً في نفس الوقت ويؤكدون إمكانية أن تكون ظاهرة ما، ذات كينونة وجودية ومعدومة الكينونة تزامنياً وهذا التمييز الأنطولوجي يصعب إدراكه من قبل البشر في الحياة اليومية  لكنه كان مطروقاً  من قبل حكماء وفلاسفة بشر قدماء لا سيما النتاج الأفلاطوني، وكذلك في النصوص التأسيسية للفلسفة البوذية. ففي منطقنا  الثنوي binaire   البشري فإن الأشياء تنتمي، إما  لمجموعة أ من الأشياء الموجودة  والحقيقية الملموسة من ناحية المنطق، وإما للمجموعة ب من الأشياء غير الموجودة  أو المزيفة من ناحية المنطق أيضاً، وهذين المجموعتين منفصلتين عن بعضهما و لا يوجد بينهما أي عنصر مشترك و لا توجد أية إمكانية أخرى بديلة في نطاق منطقنا الزوجي أو الثنائي  البشري  وهو ما يدحضه الأوميون من خلال تجاربهم العلمية والمختبرية في مجال الميتافيزياء  حيث اكتشفوا منطقة رمادية ثالثة بين الموجود وغير الموجود،بين الحقيقي والمزيف، بين الواقعي والخيالي، الأمر الذي يراه البشر من خلال منطقهم بأنه متناقض  في حين أن هذا التناقض بالنسبة للأوميين ومنطقهم فاقد للمعنى ومن منطلق المنطق الرباعي التكافؤ tétravalente فإن هذا التمثل أو التعبير  يمثل ثلاث إمكانيات ممكنة : 1 ــ مجموع أو كل فارغ الذي هو ردب أو نهج مغلق من ناحية المنطق وهذا بدوره يضع نهاية للمفهوم الذي يستكشفه التفكير العقلي . 2 ــ  شكل من أشكال الوجود intriquée معقد أو كامن لكنه خاضع لــ  اللآحتمية من النوع الكمومي أو الكوانتي، على سبيل المثال،  فتلك الكيانات في حالتها المعقدة، أو بسلوكها اللاحتمي جزئياً، هي جزء من مجموع من العناصر المشتركة بــ أ و بــ ب من هنا يقال عنها أنها " موجودة" و " غير موجودة" في نفس الوقت مثل قطة شرودينغر الحية الميتة في نفس الوقت في التجربة الكمومية أو الكوانتية الشهيرة. ولكن بوسعها، على مدى زمني، أن تتجسد فعلياً في هذه الحالة أو، الموجودة أو اللاموجودة. 3 ــ والاحتمال الثالث هو وجود لافيزيائي يتحدد بعناصر لاتنتمي لا للمجموعة أ و لا للمجموعة ب وهذه الكيانات تقع خارج إطار أي تحقق وتدقيق فيزيائي لأنها ميتافيزيائية لأننا يمكننا أن نحسب و نقيس تأثيراتها التي تسمح لنا بأن نستنتج معلومات عن بعض الخواص أو الخصائص الخاصة بتلك الكينونات كالأفكار والمشاعر والتي هي جزء من المجموع الكلي للموجودات . لا يمكننا رؤيتها و لا وزنها  لكنها موجودة.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

حسين العنزيكل مدرسة أجتماعية لابد لها من إبداء رأيها في أسباب علو المجتمعات وأنحطاطها. وتبين من كيفية ابداء رأيها في ذلك وجهة نظرها حول المجتمع وتجارب الماضي، وحركات التكامل والسقوط فيها. وقد ابانت الديانات الوضعية على هذا الأمر خصوصاً ضمن بيان القصص والقضايا التاريخية. فقد تعرض كتاب التوراة في الكثير من آياته لذلك منها " ولا يرضى الله عن التمييز والتحيز، سواء كنا نتحدث عن معيار للقياس أو نظام قانوني غير عادل". وفي كتاب الأنجيل وردت آيات عديدة تنص على ضرورة قيام العدل بين المجتمع وعدم التميز فيما بينهم منها " "الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون ... بعدما أهملتم أهمّ ما في الشّريعة: العدل والرّحمة والأمانة. فهذا ما كان يجب أن تعملوا به من دون أن تهملوا ذاك". كما مر ما يماثل هذا التعبير والنصيحة حول تطبيق العدل في آيات كتاب القرأن وأهمها " أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم ويذبح أبناءهم ويستحي نساءهم انه كان من المفسدين".

في هذه الآيات والكثير منها التي وردت في كتب الديانات الوضعية تنص على عدم الأستعباد للآخرين، والقاء التفرقة بين الناس بانحاء التمييز فيما بين طوائفهم، والقاء العداوة بينهم، وعدم أحتقار طائفة خاصة من المواطنين، وقتل أنائهم وابقاء نسائهم من أجل استخدامهن. فمن الواضح أن جميع المظالم الأجتماعية تهدم أساس المجتمع وتفسده.

والظلم لا يختص باعتداء فرد أو جماعة على حقوق فرد أو جماعة آخرين، بل يشمل ظلم الفرد على نفسه، وظلم المجتمع على نفسه. فكل خروج عن الطريقة الأنسانية المستقيمة يعد ظلماً.  وأن الظلم في هذه الأديان جاء بمفهوم عام يشمل الظلم على الغير والأعمال المنافية للأخلاق. ويتين أن كثيراً من الأمور تعتبر في نظر هذه الكتب المقدسة ذات دور هام اساسي في المجتمع مع أن بعضها يعد في الأصلاح من شؤون البناء العلوي.

 

د. حسين حسن العنزي

حدد القدماء طباعًا أربعة لا بد أن تُشكل إحداها السمة الواضحة لأي شخصية إنسانية، وصنَّفوا على أساسها البشر، تأسيسًا على الاعتقاد بأنه مهما كانت درجة الفروق الفردية التي تجعل الإنسان متفردًا عن غيره من البشر، فللمكان الذي وُلد ونشأ فيه الشخص، وللوقت من العام الذي كان فيه ميلاده، تأثيرهما القوي على إعطاء طابع عام لشخصية من يشتركون في المولد تحت سقف نفس المكان أو الزمان. وتأملاتي اليوم خاصة بالزمان.

والطباع الأربعة التي أعنيها كغلاف للشخصيات الإنسانية هي: النار والتراب والهواء والماء؛ فالنار هي رمز الشغف والقوة، والتراب هو رمز الثبات والاستقرار، والهواء هو رمز الفكر والتأمل، والماء هو رمز العواطف والأحاسيس.

ولعل كثيرًا منا يعلم أن القدماء قد قسموا الطباع الأربعة على شهور السنة الميلادية، فكان نصيب كل طبع منها ثلاثة شهور يلتصق بها، أو فلنقل ثلاثة بروج، والطباع تتوزع عليها دائريًا؛ برج ناري بعده ترابي بعده هوائي بعده مائي، ثم تتكرر الدورة مرتين، والبروج الاثنا عشر هي كالآتي:

الحمل (ناري)- الثور (ترابي)- الجوزاء (هوائي)- السرطان (مائي)- الأسد (ناري)- العذراء (ترابي)- الميزان (هوائي)- العقرب (مائي)- القوس (ناري)- الجدي (ترابي)- الدلو (هوائي)- الحوت (مائي).

ولأن فصول السنة أيضًا أربعة، فقد رأوا لكل فصل بوجه عام طبع خاص به، فالربيع (ترابي)، والصيف (ناري)، والخريف (هوائي)، والشتاء (مائي).

ولو دققنا سنجد أن الربيع هو الفصل الذي تنبت فيه الأرض بالزرع بعد موات الشتاء؛ لذا كان عندهم استهلال العام، والدورة الفلكية الجديدة تبدأ بالحمل، أول أبراج الربيع؛ فالربيع هو رمز تراب الأرض والعطاء الآتي منها في شكل نبت ناشئ. والصيف هو فصل سخونة الجو، فهو ناري، والخريف هو الفصل الذي يتحرك فيه الهواء –وفقط الهواء دون الأتربة-، فهو هوائي الطبع، أما الشتاء والذي هو موسم الأمطار عندهم، فهو مائي.

وقد رأوا أيضًا في كل عام تمثيلًا لرحلة الإنسان في الحياة، التي تبدأ بالربيع، والذي يمثل الميلاد وبدء الحياة والطفولة اليانعة، التي تنمو شيئًا فشيئًا، ثم يأتي من بعده الصيف الناري، الذي يُعبر في حياة الإنسان عن الشباب، بكل ما فيه من قوة وشغف، ثم يحل الخريف، ويمثل لحظة الميلاد الثانية، فهو بدء الانعكاس إلى الجهة اليمنية من دائرة البروج وليس الشامية، وهو فصل الحكمة والأفكار والتأمل في منتصف العمر، وأخيرًا يأتي الشتاء معبرًا عن الشيخوخة، والتي يتدرج التعبير عنها من ثبات الرأي والمبادئ على ما تعلم الإنسان (الجدي)، ثم العناد (الدلو)، ثم حساسية الإنسان المفرطة (الحوت)، وربما كان يُمثل الشتاء –من منظور آخر- حياة الجنين في وسط مائي في رحم أمه قبل مولده.

فمن براءة الأطفال لدى مواليد الربيع، والذين يبقى تعلقهم طفولي بأمهاتهم مهما طال بهم العمر، إلى جنون الشباب والحماسة في الصيف، والتي تبدأ بعاطفية السرطان التي تشبه مشاعر المراهقين، قبل أن تلتهب الحماسة عند الأسد، لتخف حدتها بعد ذلك عندما يواجه الإنسان مهام العمل، والتي يعبر عنها العذراء، لينتقل الإنسان بعدها إلى حالة القوة والصلابة التي تكسبه إياها الأيام، كشجرة تقف وحدها يعصف بها الهواء في الخريف، ومهما تساقطت الأوراق تعبيرًا عن انفضاض الناس يبقى جذعها منتصبًا وتبقى قوية، ثم مرحلة فيض الحنان والمحبة الذين يغمرنا بهما كبار السن، حتى وإن كان يكسوها في درجاتها الأولى، صلابة من يريد أن يكسبنا المبادئ ويعلمنا (الجدي والدلو)، وليس فقط أن يكون محبًا عطوفًا، مع ضعف طاقته البدنية (الحوت).

ولقد كانت لي تأملات إضافية حول الطباع والفصول؛ حيث لاحظت أن كل فصل من فصول السنة تمثله ثلاثة بروج ذات ثلاثة طباع مختلفة، أحدها هو الطبع العام للفصل، بينما يختفي طبع واحد من كل فصل من فصول السنة.

بروج فصل الربيع (الترابي): الحمل (ناري)، والثور (ترابي)، والجوزاء (هوائي).

بروج فصل الصيف (الناري): السرطان (مائي)، والأسد (ناري)، والعذراء (ترابي).

بروج فصل الخريف (الهوائي): الميزان (هوائي)، والعقرب (مائي)، والقوس (ناري).

بروج فصل الشتاء (المائي): الجدي (ترابي)، والدلو (هوائي)، والحوت (مائي).

في الربيع نجد النار والتراب والهواء، ولا يوجد تمثيل للطبع المائي، وفي الصيف يختفي الطبع الهوائي، وفي الخريف يختفي الطبع الترابي، بينما في الشتاء يختفي الطبع الناري.

وهناك تقابل ملحوظ؛ فالصيف هو رمز النار، والتي تختفي تمامًا في الشتاء، حيث يحل الصقيع! وبينما الربيع يحمل رمزية التراب، نجد طبع التراب يختفي تمامًا من الخريف! تعبيرًا عن العقل والحكمة وليس التصاق الأقدام بالأرض.

وربما كان لهذا ارتباط أيضًا بقوة هذه الطباع، فأقوى الطباع هو النار، ثم التراب، ثم الماء، ثم الهواء؛ حيث الهواء أفكار وتأملات وليس قوة مادية؛ وبالتالي لا عجب أن يختفي الهواء رمز الفكر والتأمل من الصيف، الذي يرمز للشباب، ليكون الهواء بعدها –وعلى النقيض- رمزًا للخريف بأكمله، والذي يمثل المرحلة اللاحقة من العمر، أو النضج العقلي وليس الجسمي.

كذلك فإن النار التي تختفي من الشتاء هي أعلى درجات القوة، ومن الطبيعي أن تختفي الدرجة العالية من القوة المادية من الفصل الذي يمثل الشيخوخة، بعد أن كانت معبرة عن أبراج فصل الصيف (الشباب) بأكمله.

ودائمًا يكون البرج الذي يتفق طبعه مع الطبع العام للفصل الذي يوجد فيه، هو الأعلى في هذا الطبع من البرجين الآخرين الذين على شاكلته؛ فالأسد برج ناري الطبع مرتين؛ مرة لأن النارية طبعه الخاص، ومرة لأنها طبع فصل الصيف الذي يحل فيه، يليه الحمل في الدرجة الثانية من النارية، حيث يوجد في فصل ترابي، والتراب يلي النار من حيث قوة الطبع المادية، فالحمل ناري ترابي، وهو أكثر الأبراج النارية مادية، بينما القوس أقل أبراج المثلث الناري نارية، حيث هو آخر أبراج فصل الخريف، وتمتزج ناريته بهوائية الخريف، تعبيرًا عن تقدم الإنسان في العمر والعقل، فالقوس هو مزيج من قوة الجسد (النار) وقوة العقل والفكر (الهواء).

وكذلك الثور هو الأعلى ترابية من العذراء والجدي، لأنه البرج الترابي الذي يقع في الربيع، وهو الفصل الترابي، والحوت هو الأعلى مائية من السرطان والعقرب، لأنه برج مائي يقع في الشتاء، وهو الفصل المائي، والميزان هو الأشد هوائية من الجوزاء والدلو.

الأسد: ناري، والحمل: ناري ترابي، والقوس: ناري هوائي.

الثور: ترابي، والعذراء: ترابي ناري، والجدي: ترابي مائي.

الحوت: مائي، والسرطان: مائي ناري، والعقرب: مائي هوائي.

الميزان: هوائي، والجوزاء: هوائي ترابي، والدلو: هوائي مائي.

ولأني أعرف أن القدماء قد اعتبروا الميزان، بيت هبوط الشمس، فقد تأملت في ذلك، ولا أحسبه قد أتى من فراغ؛ فالميزان هو أول بروج الخريف، والشمس هي صاحبة النار، التي كانت لها الكلمة العليا في فصل الصيف! ولأنه الأعلى هوائية؛ كونه برج هوائي الطبع، يقع في فصل هوائي الطبع، فهذه هي الفرصة الوحيدة لانتصار الهواء (الفكر والتأمل والحكمة والعدالة) على النار (القوة المادية والتسلط)، لتنضبط كفتا الميزان!

كثيرًا ما لفتني أثناء تصفح أوراق التاريخ أن معارك تحققت فيها العدالة لصاحب الحق وليس صاحب القوة وقعت في زمن الميزان؛ نجاة سيدنا موسى من فرعون وغزوة بدر ومعركة حِطين وحرب السادس من أكتوبر 1973، على سبيل المثال، بينما يتجلى الاستئساد في أقوى صوره عندما يتزامن مع وقت الأسد، كارثتا هيروشيما وناجازاكي، على سبيل المثال!

أتمنى أن تكون رحلتي التأملية في طباع البشر وفصول السنة قد راقت لكم، كما أتعشم أن ينقشع الشتاء سريعًا، فقد اتحد هواؤه وماؤه وترابه علينا، وغابت النار! وكقوسية نارية أعاني الأمرّين!

 

د/منى زيتون

 

صالح الطائيمن مزايا العرب عن غيرهم من الأمم ان لغتهم مطواعة تتماهى مع رغباتهم وميولهم وشهواتهم وأمنياتهم، فتعطيهم معانٍ وأسماء جديدة يصيغونها على هواهم. من هنا نجدهم قد استنبطوا للأسد مئات الأسماء وللسيف مئات أخرى، ولجهاز المرأة التناسلي ألوفا ولممارسة الجنس نفسها أعداد لا تحصى، ولم يقفوا عند هذه الحدود بل تجاوزوها إلى استنباط معان أخرى قد يكون ما سنكتبه الآن من ضمنها!.

فمن يبحث في أبعاد أخرى خارج المألوف يكتشف أنهم لم يقفوا عند اشتقاقات اللغة، فقد حدا بهم خيالهم الجنسي الجامح إلى اختراع قصص في منتهى الغرابة، تكلمت عنها مجموعة من الكتب التاريخية، منها حديثهم عن خلق بعض الحيوانات، الذي لا يبتعد حديثهم عنه كثيرا عن عالم الجنس والشهوات، من ذلك قولهم: إن (الشِيب) وهو نوع من الفصيلة الكلبية، له أنياب طويلة وأسنان حادة، وقدرة على افتراس الكلاب والجمال والخراف وحتى الإنسان، هو مولود هجين، ولد نتيجة علاقات جنسية شاذة معقدة، مرت بعدة مراحل، حيث ادعوا أن الشيب وهو بزعمهم حيوان لا يتكاثر؛ مثلما هي البغال، إنما نتج من تزاوج (الذئب الذكر) مع (أنثى الضبع) (الأسروكون)، بسبب شبق أنثى الضبع التي إذا لم تجد ذكرا من جنسها يشفي غليلها تلجأ إلى الحيوانات الأخرى. فعندما تكون أنثى الضبع مستعدة طبيعيا للتزاوج، ولا تجد لها ضبعاً تعاشره، تذهب ـ حسب قولهم ـ إلى الذئاب، وتتيح لها أن تلقحها، ومن هذه العلاقة الشاذة ينتج الشيب. وهذا طبعا من الأمور المستحيلة، لأن عدد كروموسومات الضبع (الصبغة الجينية)  لا تتوافق مع عدد كروموسومات الذئب، على خلاف عدد كروموسومات الحصان والحمار اللذين هما من فصيلة واحدة.

والتهجين علميا، هو عملية التزاوج بين سلالتين مختلفتين، ولكنهما من الرتبة نفسها، كتهجين الحمار (الذكر)، بالحصان (الانثى)، ولا يمكن حدوث هذا في الرُتب المختلفة مثل: الإنسان والحيوان، حتى بالنسبة للقرود التي هي الأقرب رتبة إلى الإنسان، لأن عدد الكروموسومات بينها وبين الإنسان مختلف. فمع أن الإنسان لديه (46) كروموسوما تشبه كروموسومات الشمبانزي . إلا أن أعدادها مختلفة في كليهما، فضلا عن ذلك لدى الإنسان في نوية خلاياه الجسمية 23 زوجا من الكروموسومات، بينما تملك القرود العليا ومن ضمنها الشمبانزي 24 زوجا من الكروموسومات. أما الحيوانات الأبعد مثل الكلاب فيستحيل أن تنتج العلاقة كائنا حيا، فالكلب مثلا لديه (78) كروموسوما، وهذا لا يمكن أن يلتقي مع كروموسومات الإنسان.

أما الحيوانات الخرافية بشكل عام، فهي وليدة الفكر الإنساني الجامح الحالم، فالإنسان ميال ومغرم باختلاق الأساطير، ربما لأن ذلك يريه قوى أسطورية ممكن أن يستعين بها عند الحاجة، أو لأن الاشتغال بتلك الرؤى مُشوق ومُنشط لخياله، ومن هنا كان البشر يُصدقون ما يُختلق من دون بحث عن دليل حتى أن تلك المختلقات الأسطورية، كانت جزء من الميثولوجيا التاريخية، وركنا من أركان الاعتقاد الديني البدائي، بوجود ثور وحية وحصان وكلب لهم أجنحة تمكنهم من الطيران، أو بوجود حيوانات خرافية مثل الرخ والعنقاء والتنين لا شبيه لها في واقعهم، أو الدمج بين الواقع والخيال لاختلاق كائن خرافي مثل السنتور الذي تقول الأسطورة الإغريقية إنه كائن على شكل إنسان في نصف جسد علوي، وحصان في نصف جسده السفلي.

وكم هو غريب أن نجد أبعاد عالم الخرافة القديم تمتد على يد رجال مشهورين إلى حدود ثقافة العرب، وتتوغل فيها لتخلق لهم حكايات اعتباطية، على درجة من  التفاهة أنها حددت جانبا من أبعاد علوم أجدادنا، الذين كان همهم ما ورثوه من تراكم ديني، حيث حصروا العلوم بهذا الجانب، ونفوا أن تكون الأمور الأخرى علوما، من هنا تجد أن كلمة عالِم كانت تطلق على أكثرهم شهرة في تخصصه الديني، كأن يكون عالما في الحديث أو التفسير أو السيرة، وهكذا، أما غير هؤلاء فلا يُعد عالما!.

بسبب ذلك نجد أن من أراد منهم أن يتوسع في مباحثه أبعد من تلك الحدود التي فرضوها على أنفسهم، قد شط بعيدا عن العلم والعقل وسنن الحياة إلى درجة أن الأسطورة تقف عاجزة أمام ما اختلقه تفكيره، المشغول بأهم أمرين في الوجود: الدين والجنس! وهناك في تاريخنا الكثير من الأمثلة على ذلك، سأقصر كلامي على مثال واحد، هو:  أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي مثلما أورده الذهبي في الجزء التاسع من  سير أعلام النبلاء، أو: أبو عبد الرحمن العتبي محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس مثلما أورده المرزباني في معجم الشعراء. وقال عنه ابن خلكان في الجزء الرابع من  وفيات الأعيان: هو الشاعر البصري المشهور؛ كان أديبا فاضلا شاعرا مجيدا، وكان يروي الأخبار وأيام العرب. وله من التصانيف: كتاب الخيل، وكتاب أشعار الأعاريب، وأشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن، وكتاب الذبيح، وكتاب الأخلاق وغير ذلك. وهو شاعر، وشعره كثير وجيد، وهو من فحول الشعراء المحدثين، وإنه كان عالما بالحيوان، وله نظرية في خلق الحيوان!.

ووصفه الصفدي في الجزء الرابع من الوافي بالوفيات بأنه البصري الأخباري، كان راوية للحديث النبوي، وأحد الأدباء الفصحاء. وله تصانيف منها: كتاب الخيل، كتاب أشعار الأعارب، كتاب أشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن، كتاب الذبيح، كتاب الأخلاق، وغير.

ما يهمنا من ذلك كله هو قول ابن خلكان عن الرجل أنه كانت له نظرية في علوم خلق الحيوان، وهي نظرية تدعو إلى العجب، إذ روي عنه أنه كان يقول: الزرافة ـ بفتح الزاي وضمها ـ الحيوان المعروف، وهي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان، أما الضبعان فهو الذكر من الضباع!

أما كيفية تكون هذه الخلطة الهجينة الفريدة، فتمر بعدة مراحل، منها أنها تبدأ بعدما يقع الضبع الذكر بالرغم من صغر جسمه وقصر حجمه على الناقة الوحشية التي يقارب طولها المترين، والتي لا تأنس لأحد بسبب وحشيتها، أي يتصل بها جنسيا، ونتيجة ذلك، تلد الناقة ولدا مسخا يحمل بعضا من صفاتها وبعضا من صفات الضبع، ولكنه بالرغم من هجنته يملك قدرة التزاوج والتكاثر على خلاف جميع الحيوانات الهجينة الأخرى! ولذا نرى أنه إذا ما كان هذا المولود ذكرا، وقيض له أن يقع على بقرة وحشية، فإن هذه البقرة سوف تلد الزرافة، أي أن الزرافة هي نتيجة علاقة شاذة بين بقرة وحشية والحيوان الهجين المسخ الذي ولد من علاقة معقدة مر عليكم شرحها! وقال أولئك العلماء إن الزرافة سميت بهذا الاسم لهذا السبب بالذات لا لسبب غيره!، والظاهر أن هذا العالم النحرير، أراد أن يثبت للمحيطين به أن ثقافته أجنبية، بما يدل على سعة اطلاعه على خلاف جمودهم، أنه تكلم عن اسم الزرافة في الأقوام الأخرى مدعيا مثلما نقل ابن خلكان عنه أن العجم تسمي الزرافة: (أشتر كاو بلنك) وهذا الاسم مكون من ثلاث مفردات:

أشتر: الجمل

كاو: البقرة،

بلنك: الضبع.

وقد بحثت في قواميس اللغة الفارسية عن اسم الزرافة، فوجدتهم يقولون: زَرَافَة : (ح): به معناى (الزُّرَافَة) است

- ج زَرَّافَات: جاى روان شدن آب ، گروهى از مردم از ده تا بيست نفر .

والذي فهمته من هذا النص أنهم يسمون الزرافة بنفس ما تسمى به في اللغة العربية.

ثم بحثت لزيادة الاطمئنان في قواميس اللغة التركية، فوجدتهم يقولون:

زَرَافَةٌ ( ج ) زُرَافَي [عامة] zürafa,surnaba,elleri ayaklarındam uzun boynu çok uzun olan hayvan,insan gürühü,su çımkırdacak çımkırık,püskürgeç

زُرَافَةٌ [عامة] zürafa

زرافة [عامة] zurnapa (far,zol)

وهم يلفظون تسميتها مقاربة لتسميتها في اللغة العربية، ولا أعرف من أين استقى هذا العالم الجهبذ تلك المعلومات التي لا تقل غرابة عن حديثه عن حيوان الشيب الذي مر بمراحل أسطورية يستحق بموجبها أن يدخل كتاب غينس!.!

 

صالح الطائي

 

انور الموسويسأجعل من مفهوم المدنية في قبالة النصّ الديني بما هُو حُكم (حُكم دُولَة) وَلَيْس سلوك أخلاقي أو نُصوص تخص ألفرد فتلك لها مواضعها وتابعة حسب التصنيف إلى الحريات والسلوكيات ومن ضمنها السلوكيات المدنية، هنا الْكَلام يتركّز حوّل مَدَى اقتراب المفهوم للدولة المدنية من المفهوم الديني ومدى الأبتعاد عَنْه في حكم الدولة على نحو الحصر.مفهوم الدّولة المدنية هو صيانة الحريات والأهم من ذلك التعامل مع الحريات علَى أساس اللافوارق، وفقاً لصيغة وطنية، واعتماد مبدأ المواطَنة في صياغة الجنسية للفرد بينما نجد أن هُناك شَيْء شبيه بالارستقراطية ان لم تكن هي الأرستقراطية بعينها في الحُكم الديني إذ أنه ينظر علَى أساس الدّيانة اولاً، والولاء بشكل ثاني، والمحسوبية التّبعية بشكل من أشكاله وكل هذه الأشكال هي مقيدة بنص وَهَذَا النص مقدس لامناص من الاجتهاد به إلا ماندر او في بعض محاوره يتم ايقافه قسراً تَحْت اشتقاقات أصولية كلامية وهذه الاشتقاقات هي ايضاً محل جدل وخلاف، فكيف يمكن ان تَكُون أسس حُكم شمولية وهي اصلاً محل خلاف! مرّة اخرى..أتكلم حوّل السياق الديني بما هو (حُكم دُولَة) وليس بما هُو قيم وأخلاق ومضامين وسير وأحكام تكليفية، تلك هويّة أخرى خارج سياق المقال،  وهذه الهُوية محترمة تَحْت مظلّة الدّولة المدنية.

يبتعد النص الديني كثيراً في حُكمه للدولة عن موازنة الحريات وغض النظر عنها، ويبتعد عَن الإنسجام مَع محيطه الإجتماعي المختلف عنه، ومحيطه الإقليمي، لكون النصوص حاكمة، وحاكمية النصّ لانقاش فيها. والغريب بالأمر نفس الحاكمية هَذَه هي محل نزاع يؤدي للأقتتال فيما بينهم  عندما يتمّ تفسير النصوص فتكوّن منشأ قِتَال تحت حجّة التأويل في بعض حالاتها والقابلة منها للتأويل، لذلك يتعامل الحُكم الديني بتصنيفات يعتبرها الاهية ومفروضة في علاقاته مع الأفراد أو مَع الدّول فتجدها مرّة تتركز بأسم ألحق الالهي وإرادة الرَّب، واُخرى متمثّلة بالفتوى الإجبارية كمدرسة حسن البنا وسيد قطب،ومرّة متضمنة سِيَر وتقليد للمعصومين [علماً أن تلك السّير كَانت قريبة جداً مَن التّربية الأخلاقية والوعظ التّربوي والتوجُّه صعوداً نَحْو كمال الإنسان المعرفي والجمالي او بمايعُبر عنه ( قوس الصعود)  ولم يكن الحُكم فِيهَا شريك].كان مبدأ تأصيل "العدل بالحكم" أرفع مقاماً من تأصيل  "كرسي الحُكم".

الدّولة المدنية لم تكُن عَدُواً لأي مؤسسة دينيّة بقدر محاولة فصلها توظيف النصّ الديني في السّياسة،فذلك شأن وهذا شأن أخر، هنا نقطة الخِلاف أن لا يتم أستغلال الأحكام النصية المقدّسة [غير قابلة النِقاش، والقابلة للنقاش] في تحقيق مصالح ومكاسب سياسيّة شخصيّة، او لجهة علَى حِسَاب جهة أخرى،ولكزب على حساب ايدلوجية حزب ديني اخر ويتم ضمان الحريات والأفكار للجميع دُون حاكمية نَص يقترب من معتقد ويبتعد عَن معتقدات الآخرين، هذا التضارب سيشكل احتراب فكري في بادئ الأمر وبفعل إخضاع النصّ بالآلة السياسيّة والإمكانيات المتاحة من موارد الدّولة سيتحوّل إلى [حروب عقائدية] وتناحر أكثرية ضدّ أقلية أو أكثرية متحكمة ضدّ أكثرية غير حاكمة،وإفرازاته يطلق عليها اصطلاحاً في عصرنا الحاضر ( الطائفيّة، والعنف، وخطاب الكراهية،والتكفير).لهجة الدولة المدنية هِي لغة التعايش للجميع في أرض وَاحِدَة بغض النَّظر عَن تِلْك الإختلافات او النصوص ومدى الإيمان بها وبغض النَّظر عَن العرق واللون،وهذا بمجمله أوسع قبولاً مَن الفرض القسري للحكم الديني،وَهَذَا منشأ الخِلاف، مبدأ التوافق هو في ضمان الحريّة في المعتقَد والدين والفكر للجميع وهذا مالا يرفضه المجتمع لكن ترفضه السُلطة الدينيّة،كما أن مظلّة القانون المدني ليست مستوردة على نَحْو الفرض أو نُسخة طبق الأصل حتمية مَن أنظمة الدّول الأخرى التي تتمتّع بحَكَم مدني، بَل هي قوانين تتناسب مَع التوجّهات المجتمعية العرفية مِنْهَا والعقائدية وبما لا تختلف مَع القيّم السماويَّة والأخلاق النبيلة للتعاليم الدينيّة مَع المحافظة علَى جَمِيع تِلْك التوجّهات وعدم إقصاء الآخرين، فالقانون واحد علَى الجميع دُون المساس لابالعقيدة ولا بالحريات مع ضوابط عدم المساس عنفيا بالمختلف عَنك وعدم تعطيل المصالح العامَّة للمجتمع والمؤسسات،تضمن الدّولة المدنية تِلْك الحقوق والممارسة والحريّة لنشاط (المؤسسة الدينيّة) بكل أشكالها بينما تبتعد المؤسسة الدينيّة في ضمان تِلْك الحقوق للآخرين. نقطة للالتقاء للدولة المدنية مَع المفاهيم الدينيّة  هي (القيّم)  فكلاهما يتفق علَى أصل تِلْك القيّم واستحسانها وجمالها لكنّهم يفترقون عَن بَعْض في الطريقة الَتِي يُريدون أن يطبقوها وبالتقيدات الَتِي يضعها المشرّع المدني والمشرع الديني. ويفتقرون كثيراً بالحكم وطبيعة إدارته فالمدني لايرى داع من إقحام النصّ الديني واستخدامه شكلاً ومضمونًا باللعبة السياسية وأساليبها، والديني يُصر على إقحام ذَلِك النصّ  بتلك اللعبة، وتسخير أدواته بها. والمدني يرى ان لا داعي لَجَعَل المؤسسة الحكوميّة هي مؤسسة وحي، والديني الحاكم يصر ان يجعلها مؤسسة ولاءات وإيحاء.اذ كان الأمر كَذَلِك ولابد منه وبفعل المرونة المدنية يمكن لنا أن نجد حل وسطاً بين الأمرين بالقفز علَى الشرعيّة المدنية لكونها المسموح الوحيد بهذا القفز، أن نجد سُلطة ذات توجّه ديني مع الحفاظ علَى الحريات العامَّة والخاصة وَذات صبغة مدنيّة على طريقة غض النَّظر فحسب.

ولو اخذنا عينةً لتمثيل الحكم التأريخي لعلي ابن ابي طالب حسب وجهة نظر الشيعة الأمامية....

 اود الإشارة هنا على  أن عليّ أبن أبي طالِب لم يكن يحكم دُولَة (كرئيس أو زعيم دُولَة) بقدر ما كان راعٍ للمضامين والقيم وتأصيل مبدأ العدل بالحكم أكثر من تأصيل مبدأ الدين بالكرسي،وكَذَلِك الحُسَيْن في سيرته ومواقفه...الخ ومَن ثم لو قبِلنا فحكم المعصوم هو غَيْرُه حُكم رجل أليوم مهما كان مقامه وعدله وعلو شأنه فَهُو لن يَكُون نظيرا كالمعصوم بطبيعة الحال لذلك أختص الفقه الأمامي بتعطيل بَعْض الأحكام وجعلها من إختصاص المعصوم حصراً أو الولي الفقيه مبسوط اليد وهذا أمر فِيه من التفصيل مايطول شَرْحَه لكن بالنتيجة لايوجد من هو شِبه للمعصوم الآن حسب قاعدة العصمة الواجبة بالنص ولايوجد معصوم ظاهر للحكم،أما بما يَخُص ولاية الفقيه فذلك أمر هُو مَن الجدليات فكيف يُمكن ان يصبح من المسلّمات في الحُكم! كلّ تِلْك المضامين لجميع المدارِس الديني هي مضامين اجتهادية لو صح التعبير وليست فعلية خاضعة للتأويل أكثر مما هي خاضعة بفعل التنزيل السماوي، تمّ الاستفادة من النصوص المقدّسة في ترميم صياغاتها وعرضها كأنها أمر سماوي حتمي إجباري بذلك أستفاد اهل الحُكم في سد باب النِقاش في قبالة النصّ! بينما لا يوجد نَص مقدّس او حاكمية مفروضة في أدبيات الدّولة المدنية بل هي سياقات وضعيّة قابلة للتغيير والتعديل حسب الظروف والواقع الإجتماعي والتقاليد الذوقية العامَّة  بما تنسجم مع الجميع والمؤطرة تَحْت صياغة تدعّى (قانون). هنا تبدأ نقطة الأقتراب من النظريّة الدينيّة فالقانون يتناسب مَع التوجّهات النصية العامَّة والأخلاقية للأديان وبما لا يختلف معها إلا ضمن حُدُود الحفاظ علَى جَمِيع التوجّهات الدينيّة، والفكريّة، والشخصية. 

 

 انور الموسوي

 

حسن العاصيلا يمكن مقاربة إشكاليات فهم وتحليل علاقة الهوية بالتحديات المصيرية للأمم، دون تحديد أية هوية ثقافية قادرة على تجاوز هذا الانحدار الفكري والسياسي، والنكوص التاريخي والسقوط الشامل، ومن غير توضيح الاختلاط والإبهام الثقافي والمعرفي، وكيف تتمكن الثقافة من بناء أدواتها لتجاوز المأزق الراهن وإنهاء الانسداد.

في الخاصية الفلسطينية، تظهر الثقافة بمضامينها المتعددة والمتشابكة، بمقدمة جبهة المواجهة ضد المستعمر الغربي والصهيوني، الذي سعى -وما زال- إلى اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه، وطمس هويته وتزييف تاريخه وتبديد ثقافته. لهذا خاضت الثقافة مواجهاتها بأسلحة الفكر والأدب والفن الذي كان المثقفين أبرز حوامل مكوناته.

التشتت هو سمة الحالة الفلسطينية بعد النكبة الكبرى، وهو ما لم يسهم في إنتاج فكري ثقافي معرفي تراكمي ضمن بيئة مترابطة موحدة.

غاب المشروع الثقافي الشامل فلسطينيا، شأن غيابه عربياً، ولم تتمكن القوى السياسية الفلسطينية من التمييز بين الإنتاج المعرفي والإبداعي، وبين العمل السياسي والحزبي، فلم تتبلور حركة ثقافية منفصلة عن الواجهة السياسية، وبذلك فقدت الثقافة مهمتها في إحداث دافع لتقدم المجتمع، وخسر المثقف الفلسطيني دوره الموضوعي في خضم الأولويات السياسية. فتداخلت السياسة بالحزبية بالثقافة، وسقط المشروع السياسي في إيجاد مقاربات ثقافية، وأصبح بعض المثقفين رجال سياسة، فلم يربح أي منهما. خسرت السياسة فكر المثقف، وخسرت الثقافة محرضها الأبرز. وفقد المثقف مكانته وملامحه

بطبيعة الحال لم يعد -بظني- للمثقف الطليعي العضوي المشتبك الدور الطليعي والمؤثر، لقد انتهب مرحلة غسان كنفاني وناجي العلي وكمال ناصر وسواهم. وهذا ما ينطبق على النخب الثقافية العربية، والفلسطينية إلى حد ما، حيث تسَلَطَ السياسي الفلسطيني الحزبي على المشهد الثقافي، فالفصائل الفلسطينية استخدمت المثقف في السياق الأيديولوجي والخطاب الحزبي، ثم في فترة الكساد الثوري أصبح المثقف الفلسطيني سلعة فائضة عن الحاجة. تماماً كما تم تدجين وتطويع المثقف والمفكر العربي الذي همشته الأنظمة العربية وقوضت مكامن قوته.

حين تغيب الثقافة تحضر السياسة والانتماءات الحزبية، ويحضر التنافس والتناحر، وهذا ما فعلته الفصائل الفلسطينية. وفي انصراف المثقفين الحقيقيين يمتلئ الميدان بالمدّعين والجهلاء، وحين تختفي الشعارات والأهداف والمهام الكبرى ينشغل الفكر بنفسه وتنقسم الثقافة على ذاتها في معركة تتسبب بشقاء الجميع.

تلازم الثقافي والسياسي

يمكننا القول إن المشروع الثقافي الفلسطيني قد تلازم مع بدء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني في ستينيات القرن العشرين. كان أشبه بشجرة قزحية تمتد أغصانها وتتشعب وتتلون، فتضمنت الثقافة الفلسطينية الأدبيات والأفكار القومية العربية البعثية والناصرية، والأفكار الليبرالية واليسارية، وكذلك أدبيات الموروث العربي الإسلامي والمسيحي. وخلال ستة عقود الماضية تأثرت الثقافة الفلسطينية بكافة العوامل التي حكمت المشروع الوطني السياسي، نهوضاً وركوداً ونكوصاً، فكان العامل السياسي عنصراً محدداً ومقرراً لفرض مناخات ثقافية تتسق مع طبيعة المرحلة، لذلك لا يمكن التحدث هنا عن مشروع ثقافي واحد.

إن المشروع الثقافي الفلسطيني الذي انطلق مع العمل الوطني التحرري الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، وترافق مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، كان مشروعاً ثقافياً وطنياً شاملاً، تمكن من احتواء الكتاب والمفكرين والمثقفين والمبدعين والصحفيين والأدباء والسينمائيين والمسرحيين والتشكيليين والفنانين الفلسطينيين، وتأطيرهم باتحادات وهيئات ومراكز أبحاث ودراسات ونشر، رعت الثقافة والمثقفين، واجتهد الجميع في إطار المشروع الثقافي السياسي الوطني التحرري الأخلاقي العادل، بهدف تحقيق أحلام الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه في التحرير والعودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي هذا المشروع الثقافي الفلسطيني تلازم الثقافي والسياسي جنباً إلى جنب في وحدة جدلية تكاملية ميزّت الحالة الفلسطينية عن مثيلاتها عربياً.

بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت العام 1982 أصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بانتكاسة، وبدأت مرحلة جديدة في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث تم فيها إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها بما في ذلك الاتحادات والهيئات الثقافية الجامعة. وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين دخل المشروع الوطني السياسي الفلسطيني مرحلة جديدة عنوانها الأبرز اتفاقية أوسلو، وبدأت معها تتفكك روافع الثقافة الوطنية الفلسطينية وتتقوض أعمدتها التي ترتكز أساساً على الإنسان والأرض وقيم الحرية والاستقلال، وأصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بخلل وعلل بنيوية وتم تهميشه وتحجيم دوره التاريخي، مما أدى إلى حالة بغيضة من التمزق والانقسام والضعف والتخندق بين المثقفين الفلسطينيين وبين السياسيين، وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى.

ثقافة المرحلة

ولنا أن نتساءل ماذا بقي لنا من المشروع الثقافي الوطني الفلسطيني، بعد الانزياح والاخفاقات التي أصابت المشروع الوطني التحرري الفلسطيني خلال العقود الماضية؟

لقد ظهرت ثقافة أصولية إسلامية تستمد أفكارها من الماضي، وفشلت في مقارباتها التي أجرتها، لأن الماضي زمن قد ولى، ولا يمكن معالجة إشكاليات الحاضر والإجابة على أسئلته الكبيرة بأيديولوجية وأدوات اندثرت. ثقافة أصولية ملأت الفراغ الذي أحدثه تهميش مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومن ضمنها الهيئات والاتحادات الثقافية، وتراجع المشروع الوطني السياسي من جهة أخرى. إلى جانبها يوجد ثقافة ليبرالية خجولة منزوية ونخبوية. وثقافة ما بعد اتفاقيات أوسلو التي جنحت للسلم مع الصهاينة، وروجّت لثقافة السلام معلنة انتهاء ثقافة المقاومة العنيفة، وإن تبنت ثقافة المقاومة الشعبية بين حين وآخر، أو فرضت عليها من الشارع الفلسطيني، إلا أنها في مجملها ثقافة تراهن على قدرة المفاوض الفلسطيني، وليس على بندقيته ولا على حجره. وهناك ثقافة الانقسام والتفرد والتحكم والتسلط في بعض الأوساط السياسية والثقافية. أيضاً ظهور ثقافة العنف المجتمعي، اللفظي والجسدي والرمزي واللغوي. وجود ثقافة مُعولمة غريبة عن واقعنا تسعى لإعادة بناء خطاب ثقافي جديد.  وثقافة شعبية تستمد قوتها وحيويتها وتجددها من التصاقها بالناس أنفسهم وقدرتها على التعبير عن واقعهم ومعاناتهم وتطلعاتهم. ثقافة ترفض الاحتلال وتواجه طغيانه بأدواتها البسيطة. ثقافة فلسطينية تتعدد أوجهها ما بين المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ووجه ثقافي لقطاع غزة، وثقافة فلسطينية في مدينة القدس ومناطق الجليل الأعلى، التي تجاهد وتصارع ثقافة التهويد ومحاولات تفكيك هويتهم العربية من قبل إسرائيل. ثقافة فلسطينية في الشتات متنوعة ومتعددة ومتشابكة مع محيطها ومتأثرة بالثقافة الإنسانية.

 تحديات فلسطينية

تظهر التحديات التي تواجه الثقافة الفلسطينية جلية في ظل ظروف غير طبيعية تحيط بالمثقف وبمجمل الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمن. لعل أهم هذه التحديات الحفاظ على الهوية الفلسطينية العربية الوطنية للإنسان والأرض والمكان، وصيانة ملامح هذه الهوية في وجه المخطط الصهيوني الذي يرمي إلى تبديدها وتفتيتها وتغييرها وتهويدها. وكذلك تعزيز اللغة العربية وحمايتها، وتعميق الانتماء الوطني في مواجهة الولاءات الحزبية والدينية والمناطقية، وتوطيد أواصر التلاحم الاجتماعي بين أبناء شعبنا الفلسطيني، وإعلاء قيم التكاتف والتعاضد ونشر ثقافة التضامن، وكذلك الحرص على احترام الآخر وحقه في الاختلاف، وتحقيق مبدأ التنوع من أجل تحقيق تناغم وحدوي عبر الالتفاف حول القيم التراثية الوطنية الأصيلة باعتبارها قاسماً مشتركاً لكافة الفلسطينيين. ومن التحديات التي تواجهها الثقافة الفلسطينية أيضاً قدرتها على مواجهة المشكلات الناجمة عن التطرف والغلو بكافة أوجهه الدينية والاجتماعية والفكرية، والعنصرية والتمييز، ومعالجة القضايا التعليمية والتربوية. ودور المثقفين في بناء مشروع ثقافي فلسطيني. وكذلك دعم وترشيد دور وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي في الحفاظ على الثقافة الوطنية الأصيلة من الذوبان. كما أن من أبرز التحديات وضع خطة للإنتاج الثقافي الفلسطيني المستدام، وهي قضية في غاية الأهمية لتطوير الثقافة وتنشيطها ورفع مستوى حيويتها وأدائها، بما يكفل قيامها بواجبها ومسؤولياتها وتحقيق الأهداف المناطة بها في مواجهة ومقاربة الإشكاليات التي ما زالت تعترض درب النهوض الفلسطيني. ولابد من الاهتمام بالعلاقات مع الآخرين، وتعزيز الحوار مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، وكافة القوى والأحزاب والمجموعات، وكافة التيارات السياسية الفكرية والأيديولوجية والفلسفية، وتعزيز التواصل مع الثقافة العربية، والانفتاح على الثقافات العالمية وعدم الانكفاء والانغلاق، والعمل على استكشاف آفاق للتعاون المشترك مع مكونات ثقافة الآخر الإنسانية للاستفادة منها في بناء مشروعنا الوطني والنهضوي.

 مآلات ثقافية عربية

إن كانت الثقافة العربية والمثقفين العرب قد تعرضوا عبر عقود طويلة إلى تدجين وتطويع وتهميش من قبل الأنظمة السياسية التي استحوذت على كل شيء ووضعته في خدمة مصالحها وبطانتها. فإن الثقافة الفلسطينية أيضاً والمثقفين الفلسطينيين قد نالوا نصيبهم من هذه السياسات. وإن قدر لنا المقاربة سنجد أن الثقافة العربية ابتليت بعلل متعددة وعلق بها من الدرن ما يكفي لتشويه ملامحها، فتحولت من كونها ثقافة عربية إسلامية مسيحية قومية وحدوية يسهم فيها الأقليات من سكان المنطقة، إلى ثقافة قبلية عشائرية طائفية إثنية، متشددة تقوم على القطرية والحلقية والتعصب والتشدد والتطرف والعنصرية، ثقافة مبنية على الكراهية والإقصاء والاستحواذ والإنكار.

غاب التنوع الذي كان يثري الثقافة العربية، وأصبحت إما ثقافة استبدادية قمعية قهرية تمارسها معظم الأنظمة العربية ضد شعوبها. ثقافة تشجع الانفكاك من العنصر القومي العروبي الوحدوي، الابتعاد عن كل ما يجمعها مع عناصر الثقافة والهوية العربية، والانسحاب إلى الداخل نحو ثقافة قطرية ضيقة لكل بلد عربي لوحده. وإما ثقافة دينية متشددة ومتطرفة في مفاهيمها وخطابها وسلوكها، ثقافة تعتمد الإقصاء وعدم قبول الآخر، ثقافة سلفية مفتونة بالتاريخ ومنشغلة بالتراث، تحاول إحياء الماضي وهو رميم. وإما ثقافة انتقائية ومنفعية مصلحية لا مبادئ لدى أصحابها ولا قيم أخلاقية، يسعون خلف مصالحهم الشخصية الضيقة، ويلهثون لتحقيق العز والجاه أو المنصب أو الثروة، أو حتى كف شر السلطات السياسية والأمنية عنهم. ثقافة وصولية انتهازية التف حولها الزنادقة الجدد والمنافقين كما يلتف الذباب على قطعة حلوى. وانتشرت ثقافة القتل والحرق والتدمير وقطع الرقاب، وبناء مزيد من السجون، وفرض قوانين الطوارئ أو ما يشبهها. ثقافة عدم الانتماء والهروب من الأوطان. ظهور ثقافة الاستهلاك واجتياحها كافة مناحي الحياة، حيث غيرت المفاهيم لدى الإنسان العربي وبدّلت سلوكه واتجاهاته وثقافته العامة، وأصبحت الشعوب العربية عبيداً للأسواق والمكننة والتقنيات التكنولوجية.

 دور مفقود

في ضوء ما تشهده المنطقة العربية من انزلاق خطير، إننا نتساءل عن دور المثقفين والمفكرين العرب في قضايا أمتهم المصيرية، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية. وما الذي يعيق توحيد جهودهم في مختلف مواقعهم وبلدانهم، وجمع كلمتهم لتوحيد موقف الشارع العربي وتصحيح اتجاهه، وتحريض الوعي الجمعي للشعوب العربية لاتخاذ مواقف مبدئية جادة وواضحة وقطعية من أم القضايا العربية فلسطين.

المثقفون وحدهم القادرون على إحداث هذه الرابطة الواسعة التي ينخرط فيها كافة شرائح المجتمعات العربية كل بتخصصه واهتمامه، لمواجهة هذا السقوط السياسي والفكري والثقافي والوطني المريع، والتصدي لما يسمى صفقة القرن التي تعتبر الأسوأ والأخطر على القضية الفلسطينية بعد فشل مشروعي مدريد وأوسلو. هذا المشروع الأمريكي الجديد لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يشكل كارثة في ظل الوضع الفلسطيني الداخلي الذي يعاني الانقسام السياسي، ووضع عربي مفتت وإقليمي ودولي أكثر سوءًا. مما يستوجب التصدي له ولتداعياته وأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ألا يجدر بالمثقفين والمفكرين العرب الوقوف إلى جانب القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، ودعم هوية هذه المدينة العربية المقدسة، ومؤازرة المقدسيين والدفاع عن حقوقهم في مدينتهم التي ضمنتها القوانين الدولية، وحماية تراثها الحضاري والإنساني وصون مقدساتها، وتنظيم حملات تضامنية حقيقية وفعلية ومستدامة مع الثقافة الفلسطينية المهددة، والضغط ما أمكن على الأنظمة العربية لتقوم بالحد الأدنى من واجبها في إسناد صمود القدس وأهلها بوسائل وأدوات متاحة لهم؟.

في هذا السياق فإن إقدام دولة الكويت الشقيقة على إطلاق اسم مدينة القدس عاصمة أبدية لفلسطين على الدورة الثالثة والأربعون لمعرض الكويت للكتاب، يشكل نموذجاً يحتذى.

استهداف وجودي

أسهم المفكرون والمثقفون الفلسطينيون بصورة لافتة في النهضة الثقافية والتعليمية في معظم الدول العربية، وقدمت أسماء فلسطينية عديدة خدمات جليلة لتطوير المشهد الثقافي والعلمي والفكري العربي، وهم كانوا ولا زالوا بمثابة رسل محبة وتآخي مع الأشقاء العرب، ولا يمكن إنكار الأثر الثقافي والعلمي والأخلاقي الذي تركوه في الدول العربية، الذي يجب توظيفه لتعميق روح التضامن والتآزر والأخوة ووحدة المصير.

فلسطين التي تعتبر منجماً ثقافياً وطنياً عربياً وتراثاً أثرياً ودينياً وإنسانياً، تستحق من المثقفين العرب ومن سواهم كل الاهتمام والدعم والمساندة، لتعزيز صمودها وثبات شعبها في وجه عمليات الاغتيال الممنهجة التي يتعرض له على يد الاحتلال الإسرائيلي، وبواسطة وكلاءها في الولايات المتحدة، حيث لأول مرة تقيم القومية اليهودية الصهيونية في البيت الأبيض بواسطة زوج ابنة الرئيس الأمريكي "كوشنير". ولأول مرة تتبنى إدارة أمريكية البرنامج السياسي الصهيوني كاملاً دون اعتراض.

لقد استهدفت إسرائيل الثقافة الفلسطينية والمثقفين الفلسطينيين منذ إنشاءها، وسعت للتخلص منهم وتحييد دورهم وتغييبهم، ودفن الثقافة الفلسطينية وحصارها ومنع تواصلها مع محيطها العربي، وكتمها عن الساحة الدولية. لذلك كان المثقفين والمفكرين الفلسطينيين على رأس قائمة الاستهداف الإسرائيلي، لإدراك الاحتلال أن هؤلاء يشكلون بثقافتهم ودورهم خطراً كبيراً، فقامت الأيادي الصهيونية السوداء باغتيال الشهداء: غسان كنفاني، وائل زعيتر، كمال ناصر، عز الدين القلق، ماجد أبو شرار، عبد الوهاب كيالي، حنا مقبل، ناجي العلي، وسواهم من شهداء الكلمة والثقافة والفكر، ومحاولة اغتيال الكاتب بسام أبو شريف، والمفكر أنيس صائغ وغيرهم.

ضمير الأمة المنفصل

تستمر المؤامرات والمخططات الإسرائيلية الساعية للقضاء على الحضارة التاريخية العريقة العربية الفلسطينية فوق أرض فلسطين، واستبدالها بأخرى غريبة وتزييف التاريخ والجغرافيا. وهنا يتضح دور المثقفين الهام جداً بنشر وتعزيز ثقافة المقاومة الشعبية في كل مدينة وقرية فلسطينية، والتصدي لفكرة الوطن البديل، وتحشيد الطاقات والجهود الفلسطينية في داخل فلسطين وخارجها، واستعادة الوحدة الوطنية وانتخاب قيادة فلسطينية تمثل جميع الفلسطينيين. 

اللافت إن الشارع الفلسطيني والعربي كان وما زال أسرع من المثقفين العرب في إعلان مواقفهم من قضايا الساعة، وكان الناس يتقدمون المثقفين والمفكرين في النزول إلى الشوارع لإبداء تضامنهم مع القضية الفلسطينية في المحطات التي صادفتها.

إن المثقفين هم صوت وضمير الأمة وأداتها الاستراتيجية، هم المعبرون عن الهوية والتاريخ والذاكرة، هم المحرك الرئيسي للشعوب وأهم فاعل ومبادر في مختلف القضايا. المثقفين الفلسطينيين وعدد من المثقفين العرب انخرطوا مبكراً في العمل الوطني النضالي الفلسطيني، وكانت لهم بصمات واضحة ومؤثرة في تاريخ القضية، وتمكنوا من وضع فلسطين في المكانة المرموقة التي تستحقها على الخارطة السياسية والثقافية العربية والعالمية.

على كاهل المثقفين العرب مهام أخرى منها مسؤولية المساهمة مع المثقفين والأدباء والمفكرين الفلسطينيين في فضح وتعرية الرواية الصهيونية التاريخية المزيفة، التي توظف منظومة إعلامية ضخمة وتساندها وسائل إعلام أمريكية وغربية، بهدف طمس الرواية الفلسطينية لأصحاب الأرض الحقيقيين، وتزوير تاريخهم وفبركة وقائع غير موجودة إلا في أذهان وأحلام الصهاينة، وبث الأكاذيب والادعاءات الباطلة، والتشكيك بالهوية العربية الفلسطينية للأماكن التاريخية والأثرية والدينية.

ومنها أيضاً ترجمة الأعمال الأدبية الفلسطينية إلى لغات عالمية متعددة، خاصة تلك التي تظهر حق الفلسطيني بأرضه، والتي تستند إلى وقائع تاريخية مثبتة، لمخاطبة الرأي العام العالمي والغربي، وتوضيح الحقائق وكشف الادعاءات الإسرائيلية بما لا يملكون، وحتى لا نظل كمن يحدث نفسه.

القوة الخشنة

الثقافة واحدة من أهم الأدوات المؤثرة للحفاظ على وجودنا ومقاومة الاحتلال الصهيوني الذي يسعى لتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية والانتقال إلى مرحلة إنهائها.

فإن كانت ثقافة أي شعب تشكل عنصراً هاماً من هويته، فإن للثقافة الفلسطينية المحاصرة، شأنها شأن فلسطين ذاتها المحاصرة من الكيان الصهيوني ومن العرب، دوراً مضاعفاً في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، والحفاظ على مستوى إدراك الشعوب العربية بالقضية الفلسطينية وعدالتها والتفافهم حولها.

وللثقافة قدرة هامة على المقاومة التي نؤكد أن استمراها تواصلها وتعزيزها ضرورة قصوى تفرضها السياسات العدوانية العنصرية الإقصائية التي يتبعها العدو الصهيوني، الذي يهدد وجود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه وثقافته وتاريخه وإرثه، ويحاصر كل شيء فوق الأرض في محاولة لاستحداث واقع جديد بقوة البطش والقتل والتاريخ المزيف. ويجهد هذا العدو إلى تحويل صراعه الوجودي والسياسي والوطني مع الشعب الفلسطيني إلى عناوين إنسانية هنا وهناك، بهدف تحجيم وتقزيم القضية الفلسطينية ثم شطبها، مما يستدعي استنفار الطاقات الكامنة في الشعب الفلسطيني وأمته العربية لمواجهة هذه المرحلة الخطيرة للغاية، وهنا تبرز الثقافة كأهم رافع لاستنهاض مقدرات الأمة.

من يطلع على الظروف البائسة التي يعيشه في كنفها الإنسان الفلسطيني الصابر والمحاصر والثابت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدرك طبيعة مشقة الحياة والتوجع الذي يكابده الفلسطيني فوق أرضه وفي وطنه نتيجة الاحتلال. لذلك فإن الثقافة باعتبارها قوة ناعمة تتحول إلى قوة خشنة في النموذج الفلسطيني، وتصبح قوة ترعب العدو فلا بد من تحويلها إلى فعل مقاوم. ونشر وتطوير أدوات ثقافة المقاومة، والمقاومة الثقافية أيضاً للتصدي لثقافة الهيمنة والاحتلال. إن المقاومة الثقافية التي نشدد عليها هنا لدعم صمود الشعب الفلسطيني، واستمرارها وتواصلها، وعدم الانصياع للضغوط الصهيونية والغربية، هي ضرورة وطنية وواجباً قومياً وليست ترفاً ثقافياً كما يتصورها البعض، وليست نضالاً نخبوياً ناعماً.

أمام مفترق

في الظروف الراهنة بالغة التعقيد على قضيتنا الوطنية، علينا أن نسعى نحو ثقافة ترتقي بالإنسان الفلسطيني أينما تواجد. ثقافة قادرة على التصالح مع ذاتها ومع ماضيها وحاضرها ومع الآخر، وتتضمن إمكانية بناء مستقبلها. نحتاج إلى ثقافة واعية ومتجذرة تدرك مصالح وأهداف شعبنا الوطنية والسياسية. ثقافة تمتلك المقدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية والثورة العلمية والمعرفية والمعلوماتية. الثقافة التي تراعي التعددية والتنافس لتحقيق الريادة والأهداف الوطنية والتنموية. فالثقافة الفلسطينية اليوم أمام مفترق حقيقي ومثقلة بإشكاليات حقيقية وموضوعية متعددة وشائكة، وتحتاج إلى التجدد لتكون قادرة على التواصل مع كافة المتغيرات التاريخية. يجب التوقف عن النظر إلى الثقافة على أنها فعلاً تجميلياً، أو عمراناً سياحياً، بل علينا أن ندرك أن الثقافة هي المحرك الحقيقي لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي الحامي والحامل الأبرز للحقوق الثابتة والأهداف الوطنية الفلسطينية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

مصطفى غلمانهل حقيقة أن القيم تتعارض وتتقاطع في خضم الشكوك التي غدت مآلا لأسئلة الحداثة وانبلاج فروقاتها في استتباب قيم المساواة والعدالة الاجتماعيين؟

فرانسوا دوبيه حاول تفكيك نظرية اللامساواة في عقيدة السلطة الاستبدادية، خلال تحليله للظواهر الاجتماعية التي أنتجتها المدرسة المعطوبة. فخلال قراءته المنتقدة للبرامج المؤسساتية وممارساتها البعيدة عن السلوك الديمقراطي ومنجز الحداثة المزعومة، لا يرى دوبيه أي حرج في وصف الأخيرة بكونها معطوبة ومتأخرة حيث " الغرس البطيء طويل الباع من الحداثة ضمن سيرورة العقلنة واللارضاء الاجتماعي وتعدد مشارب الحياة الاجتماعية وممثليها" ـ 1ـ  كما أن تقزيم أزمات المجتمع من شأنه أن يؤخر فهومنا المتواطئة لأسلوب ممارسة النقد الذاتي وهو ما صار يختزل صراحة في مهمة الرقيب الاجتماعي.

فرانسوا دوبيه يخرج باستنتاج دراماتيكي صادم، وهو أن المؤسسات الرسمية للدولة سرعان ما استعرت تحت وابل مشكلات انخلاق أنواع أخرى من السياسات الموازية لمثيلاتها الرسمية، وهوما يسلم نظريا كونها لم تخرج سليمة من سنوات السوسيولوجيا النقدية.

وعلى الرغم من أن دوبيه ينشغل كثيرا بسياسات النظم التربوية ومبادئ اللامساواة، التي يعتبرها العمود الفقري لأفول العمل المؤسسي في مجال التربية، فإن نظريته في استجلاء عناصر اللامساواة خلال تشريحه لبنية المجتمع الحديث، يجعلنا نتأكد من اختزالية مفهوم المساواة وحدودها النقدية وأبعادها السوسيولوجية. ولا أدل على ذلك تقسيمه النوعي للمساواة داخل ثلاثة أصناف من المجتمعات: المساواة الديمقراطية واللامساواة الرأسمالية والاندماج في المجتمع الصناعي.

وهي وحدة تزيح اللثام عن تصورات الأفراد للمجتمع المتناقض الرافض للقيم المنسلخة عن الثقافة الوطنية والسيادة الوطنية، بما يخالف المصائر الكبرى للديمقراطية المنسوخة على أنقاض مساواة شكلانية، وكذا تزييف قيم المنافسة والامتثال للقانون في الحالات الاقتصادية الرأسمالية، مع ما يبدر من اختلال وتآكل في علاقات المجتمع المتحول عندما تغلب فكرة القوة على مبدئية النظام والعدالة!

إن اللامساواة أو ما يزكي خلل إعدام الفرص المتساوية في المجتمع المغلق هو إعادة إنتاج وتكريس السائد وشرعنة التسلق والتمايز الاجتماعي، بكل أبعاده السيكولوجية والاقتصادية. كما أن النظرة الوظيفية للا مساواة الرسمية التي تتبعها الدولة تجاه النظام الاجتماعي والثقافة المجتمعية لا تسهم سوى في إذكاء الطبقية والتفرقة واللاعدالة، تلك التي تنهي صفة الانتماء للوطن وتنحل من كل الالتزامات الخاص بالحقوق والواجبات، حتى ما يرتبط بموثق الهوية والبيعة والتربة المقدسة.

لا غرو أن الاقتراب من السلطة البيروقراطية، القوة المستمدة من روح التمكن والاستئثار والإجبار يلغي ـ تحت كل الحجاج الاعتبارية حسب اللساني أوزولد ديكرو ـ ذلك الاشتغال المنطقي للعلاقة بين التعدد الصوتي والظاهرة الخطابية.

وحتى يتمكن مجتمع السلطة من تحقيق النفير الحجاجي وتشميل آليات فرض القوة القسرية أو العنفية، فإنه يوائم عناصر تنظيم الكيان أو البنيان المنبثق عن النظام الاجتماعي مع ما يعتبره خليل أحمد خليل ب" المحاذي لصميم بروز الدولة كغطاء خارج أنساق السلط الموازية" ـ 2 ـ ، بما فيها تلك التي تنظم تدابير وركائز إدارة وتأطير التجمعات البشرية، وما يتعلق بقيم العدالة والمساواة والحرية.

إنها نفس العلاقة التي تجمع السلطة السياسية بالقرابة، بين كل ما هو ديني عقائدي أو سحري أسطوري. ذلك المزيج المتحول الناظم بين رموز السلطة والمقدس، والذي رسمه " زمن انبثاق الملك عن السحر والدين والأسطورة التي تؤكد تبعية البشر المزدوجة للآلهة والملوك" ـ 3 ـ

فالعلاقة إياها تنبني في الجوهر على تأصيل قيمة اللامساواة واللاعدالة في نسيج تلك القرابة المونوبولية التي تفتك بشرعية سلطة الحق الإلهي، وبتمثيل القيم النهائية التي تحملها السلطة السياسية نفسها.

فلا غرو إذن أن تبقى القوة الرمزية لسلطة السلطان قائمة وسائرة على تغلغل الفوارق الغاصبة لنظام العدل والمساواة، وسيرورتها في وجدان سلطة العقاب والولاية الروحية. وهي قوة تبرز على أنقاض تمكين المجتمع الديمقراطي الناشئ من التحول التدريجي من مجتمع يؤمن بالثقافة الانفعالية إلى مجتمع يتجلى في عمق الثقافة التفاعلية. مجتمع يتأثر بمنظومة القيم العولمية الجديدة، التي تتنازع فيها شروط التمكين لسلطة ترهن الناس عبر رموزها الثابتة وشروط دوامها واستمرارها.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

..............................

1ـ الأصول الاجتماعية والتوجهات المدرسية : اللامساواة في تكافؤ الفرص أمام التعلم عبر التحقيقات الميدانية ـ دومينيك غ وإريك موران ـ 1995 ـ ص 58

2 ـ سوسيولوجيا الجمهور السياسي / فكر دراسات ـ د. خليل أحمد خليل ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر لبنان ط 1 ـ 2005 ، ص 75 بتصرف

3 ـ الأنثروبولوجيا السياسية ـ جورج بالاندييه ، ترجمة جورج أبي صالح ـ المركز القومي للإنماء بيروت ط1 ، ص : 83

 

عزالدين عنايةمرّت الذكرى الخمسون لانعقاد مجمع الفاتيكان الثّاني (1962-1965)، الذي تقدّر الكنيسة الكاثوليكية أنها تصالحت بمقتضاه مع العصر. تعلّقت فقرات من مداولات المجمع بالمسلمين، وقد سال حبر كثير بشأنها. وكانت الإشارة الأولى "... بيد أن تدبير الخلاص يشمل أولئك الذين يؤمنون بالخالق أيضا، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرّحمن الرّحيم، الذي يحكم بين النّاس في اليوم الآخر" قد وردت ضمن المتن المجمعي "لومن جنتيوم"، أي "نور الأمم"، وأُقرّت في نوفمبر من العام 1964 بموافقة 2151 من رجال الدين واعتراض خمسة أعضاء؛ ووردت الإشارة الثانية في فصل "نوسترا آيتات" أي "علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية"، وقد أقِرّت في أكتوبر من العام 1965 بموافقة 1763 واعتراض 242 من رجال الدين، بعد أن انتهت إلى صيغة: "تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين أيضا، الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرّحمن القدير بارئ السّماء والأرض، ومكلّم النّاس. ويسعون بقصارى ما أوتوا لمراعاة أحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلّم له إبراهيم الذي يفخر الدّين الإسلامي بالانتساب إليه. وإن كانوا لا يقرّون بيسوع إلهاً فإنهم يجلّونه نبيّاً، ويكرمون أمّه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحيانا بإيمان. فضلا عن ترقّبهم يوم الدّين، الذي يجازي فيه الله جميع النّاس حين يبعثون. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بأداء الصّلاة والصّدقة والصّوم. ولئن نشبت عبر الزّمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجْمَع يحرّضهم سويا على التغاضي عن ذلك، والعمل بإخلاص وصدق لغرض التّفاهم، وأن يحموا ويعزّزوا معا العدالة الاجتماعية، والقيم الرّوحية، والسّلام والحرّية، من أجل جميع النّاس".

عدَّ كثيرون تعاليم المجمع ثورة بالداخل وتحولا فارقا في التعامل مع الخارج. وفي ما يتعلق بالمسلمين سننظر في المسألة وفق ثلاثة مستويات متباينة: على مستوى تواجد الأرضية المشتركة من انتفائها، وعلى مستوى العلاقة المباشرة بين الدينين في بلاد الإسلام، وبما يقابل ذلك في الفضاء الاجتماعي التابع للكنيسة. ولكن قبل الخوض في مظاهر الحراك والثبات، يجدر بنا وضع الأمور في نصابها والتنبه إلى الإطار التاريخي الذي احتضن أعمال المجمع. فعشرية الستينيات من القرن الماضي هي عشرية مضطربة، لم تبق الكنيسة في منأى من تأثيراتها. حيث مثّلت الشيوعية الخصم الاستراتيجي الأكبر لها، بما اقتضى سلوك مسلك مستجَدّ، يُخرِج الكنيسة من الصراع الثنائي معها إلى تجنيد رفقاء في تلك المعركة. ومن هذا الباب، ما عبّرَ التحول في العلاقة بالإسلام عن نضج في فلسفة الحوار، أو يقين بوحدة تراث مشترك، أو إقرار بأرضية إيمانية موحَّدة، وإنما جاء بدافع كسب حليف استراتيجي جنب الكنيسة في معركة تخشى عواقبها.

- أولا على مستوى تواجد الأرضية المشتركة من انتفائها، وبناء على روح تعاليم المجمع المشار إليه، يُفترض أن تسود رابطة جامعة بين المسيحية والإسلام قوامها الملة الإبراهيمية، تشمل الذين هادوا أيضا، بيد أن مفهوم الملة الإبراهيمية الغربي، الذي أتى في صيغة "التراث اليهودي المسيحي المشترك" قصرا، شمل اليهودية والمسيحية لا غير. فاليهود هم "الإخوة الكبار"، على حد العبارة الكنسية، بعد أن أُسقِط عنهم نعت "قتلة الإله"، في حين المسلمون هم الآخرون من "الديانات غير المسيحية"، وبما أنهم من خارج "التراث اليهودي المسيحي المشترك"، فهم من "التعبيرات الثقافية والدينية" النائية.

وإن كانت تعاليم المجمع في غاية من الجرأة والشجاعة فقد أتت الترجمة اللاحقة مخيبة للآمال، بالإيغال في استبعاد المسلمين واستيعاب اليهود. وهو ما دفع لانتقاد مفهوم "التراث اليهودي المسيحي"، بصفته إقصائيا للمسلمين، ولا يترجم بحق واقع العلاقة. يقول الأمريكي ريتشارد بوليي أستاذ التاريخ الإسلامي في مؤلفه: "الحضارة الإسلامية المسيحية"، الصادر في روما 2005: "من له دراية، ولو متواضعة، بتاريخ العلاقات اليهودية المسيحية طوال الألفيتين الأخيرتين، يدرك بيسر الطابع الهزلي لمفهوم يجمع بين تقليدين دينيين، نشبت بينهما خلافات شائكة طيلة مراحل عدة". ويتطور الانتقاد مع الكاتب اليهودي يعقوب نوزنر في مؤلفه: "اليهود والمسيحيون.. أسطورة التراث المشترك"، الصادر في ميلانو سنة 2009، إلى ما يسفه ذلك الترابط بين اليهودية والمسيحية، قائلا: "ينبغي إدراك الديانتين كمنظومتين مستقلتين كليا، وبالتالي لا يجوز الحديث عن تولّد المسيحية من رحم اليهودية، لأن كلتا المنظومتين، في مستوى المرحلة التكوينية (القرن الثاني-القرن الرابع)، كانتا مأهولتين بلفيف من البشر مختلفين وتتحدثان عن معتقدات متباينة، ويتوجّه كل منهما إلى رهط مغاير. فالطروحات التراثية التي تعتبر اليهود والمسيحيين "أقارب" من جانب ديني هي بمثابة أسطورة، لأن كليهما يقرأ العهد القديم، لكن لكل قراءته وتأويله وخلفيته.

- ثانيا وعلى مستوى العلاقة المباشرة في بلاد الإسلام، فكما هو معروف حرصت الكنيسة الكاثوليكية في أعقاب المجمع، على التقرّب من المسلمين، دون تنقية ماضيها مما شابه من شوائب. وكانت أبرز محطات التقارب زيارات الحبر الراحل كارول ووجتيلا إلى تركيا 1979، وإلى المغرب 1985، وإلى سوريا 2001، وما تخلل تلك الزيارات من لقاءات وأنشطة مشتركة، عوّلت الكنيسة فيها على الحوار مع الإسلام الرسمي ومع الإسلام المروَّض. فاقتربت من الأزهر، ومن الزيتونة، ومن وزارات الشؤون الدينية، وتبنت المواقف السلطوية نفسها من الإسلام السياسي. ولذلك بعد أن قامت الثورات العربية، وجدت حوارها مع الآفلين وكأنه قد ذهب أدراج الرياح، فطفقت ترمم ما اعتراه من خور.

كانت الكنيسة في تلك المساعي هي من تصنع فلسفة الحوار وتحدّد مساراتها، بعد تفريغها من مضامين الحوار العقدي ومناداتها بالحوار الاجتماعي. حتى ضمنت صَمْت المسلمين عن انتقادهم المعهود "للتثليث" و"التجسد" و"التأليه"، وغيرها من القضايا الشائكة؛ رغم أنها تابعت الحديث عن "راديكالية" الإسلام، وعن انغلاقه العقدي، وحؤوله دون تحول أتباعه إلى الأديان الأخرى. والحقيقة أن المسلمين في الغرب، وهم بالملايين، لم يشهدوا موجة نكوص عن دينهم، بل راعهم تحول جموع نحو دينهم ضمّ الألوف، خصوصا في حاضنة الكاثوليكية. كان عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو أليافي أبرز من رصد تلك الظاهرة في كتابه: "المسلمون الجدد: المهتدون إلى الإسلام" (روما 1999).

وأما الحوار الاجتماعي الذي تحمّست له الكنيسة ودعت إليه، فقد كان مدفوعا بإيجاد موضع قدم للكنيسة الغربية في ديار الإسلام، بعد أن خرجت آثمة ومذنبة مع الآلة الاستعمارية. وفي ظل الضجيج الحواري الذي ساد طيلة الحقبة الماضية، غُيّب جوهر الحوار الحقيقي المتلخص في ألا سبيل لحصول حوار اجتماعي بدون اعتراف تاريخي، يعقبه اعتذار رسمي عما أتاه كرادلة الاستعمار، أمثال شارل لافيجري (1825-1892م) وصحبه من "آباء بيض" و"أخوات بيضاوات"، طيلة الحقبة الاستعمارية؛ ومجزرة جامع كتشاوة في الجزائر (1932)، التي حصدت أرواح ألوف ممن اعتصموا بالجامع، احتجاجا على تحويله إلى كنيسة، في ظل ترحيب من البابا غريغور السادس عشر، ما زالت صارخة.

- ثالثا وأخيرا، على مستوى العلاقة المباشرة في الفضاء الاجتماعي التابع للكنيسة، فقد تحمست الكنيسة عقب مجمع الفاتيكان الثاني، إلى محاوَرة الإسلام في دياره لكنها أضمرت رفضه على أرضها. ذلك أن الفضاء الديني في أوروبا، وفق تقديرات ما يعرف بسوسيولوجي السوق الدينية الأمريكان، ليس فضاء حرّا. فهو خاضع للاحتكار والوصاية والتوجيه من قبل متعهّد قويّ يوجه أنشطته وفق مشيئته، يتساوى فيه البروتستانت في شمال القارة مع الكاثوليك في جنوبها. ذلك ما رصدته أبحاث دارن شركات، ورودناي ستارك، ولورانس إياناكوني، وكريستوفر إليسون، وآخرين. فلو أخذنا الفضاء الإيطالي الذي يخضع لاحتكار مستثمِر وحيد، ألا وهو الكنيسة الكاثوليكية، نرى المسلمين، رغم أنهم الدين الثاني (زهاء المليونين) ما زالوا ملغيين من خارطة الاعتراف. فحين عُرِض برنامج المصادقة على القانون العام بشأن الحرية الدينية، اعترضت الكنيسة الكاثوليكية بقوة أمام مجلس النواب الإيطالي في مناسبتين: 9 جانفي و 19 جويلية من العام 2007، على لسان المونسنيور جوسيبي بيتوري، رئيس المؤتمر الأسقفي الإيطالي حينها. ما ترتب عنه حرمان المسلمين من عائدات "ثمانية بالألف" ومن كثير من الحقوق، لعل أبرزها احتكار الكنيسة "ساعة الدين" في المدرسة، وعدم القبول بتحويلها إلى "ساعة أديان". بما يبرز أن علاقة الكنيسة بالإسلام ما فتئت علاقة عُصابية رغم دعوات النسيان التي حضّ عليها المجمع.

وتبعا لتلك الأوضاع ليس الإسلام المهاجر في حماية الكنيسة بل هو في حماية العلمانية. لذلك نجد الملاحدة والعلمانيين والغنوصيين أقربهم مودّة إلى المسلمين من رجال الدين. فلا يستعين الإسلام المهاجر بالكنيسة، التي يفترض أنها رفيقة في الإيمان، بل يستجير بالعلمانية طلبا لعبادة الواحد الأحد.

ربما تعود حالة الفتور في الحوار الإسلامي الكاثوليكي، في أحد جوانبها، إلى غياب المراجعة والنقد لما ساد في سالف الحوارات، فضلا عن هيمنة الخطاب التصالحي على حساب المعرفي والعلمي.

 

عزالدين عناية – استاذ تونسي / روما