عامر صالحتواردت الكثير من المرويات والقصص في المتخيل الديني حول اليوم العاشر من شهر محرم في التقويم الهجري، يصل الكثير منها الى حد الرفض الكامل وعدم التصديق بها استنادا الى ما يروى نقيضها او عدم القبول المستند الى عدم القناعة العقلية والمنطقية الى ما يتوارد من محتوى، ويراه البعض انه يوماً يستحب الصيام به اتباعاً لسنة النبي محمد، والبعض يراه مستحباً لأن أحداثاً عظيمة حدثت فيه ولو أن ليس هناك ما يؤكد وقوعها في هذا اليوم بالذات، ومن هذه الأحداث أن الكعبة كانت تكسى بهذا اليوم في زمن الجاهلية ، وأن الله قد أنجى يونس من بطن الحوت في هذا اليوم ، وأنجى نوح ومن معه، وأرجع يوسف إلى أبيه، وأنجى موسى وقومه من بطش وملاحقة فرعون وجنوده، والكثير من المنح الإلهية للأنبياء يراها بعض رجالات الدين قد تمت بهذا اليوم ، وقد نقل حديثاً للنبي محمد أن صيام عاشوراء " يمحي ذنوب سنة قبله " ، ولكن الكثير من يرفضون هذه التحليلات ويرون أنه يعتبر يوم مستحب صيامه لما فيه من خصوصية ولكن بدرجة متشابهة مع سائر الأيام .

أما اليوم فأن شرائح واسعة من العالم الاسلامي وغير الاسلامي يرون ان هذا اليوم حصرا هو يوم مقدس بسبب ذكرى استشهاد الامام الحسين ابن علي في العاشر من شهر محرم سنة واحد و ستون من الهجرة ، بعد حصاره هو و أهل بيته ثلاثة أيام في صحراء كربلاء دون ماء و غذاء من قبل جيش يزيد بن معاوية في واقعة الطف ، ثم قتله هناك بحيث لم يبق من أهل بيته أحدا إلا النساء . ويرى الكثير من المؤرخين بأن هذه الواقعة هي واقعة انسانية أكثر منها دينية ، وهي تمثل الثورة ضد الظلم والمغالاة والفساد السياسي والاخلاقي ، وثورة صاحب حق يثأر لحقه ، وقصة الحصار وكيف تمت بأن ينادى الحسين لكي يأخذ حقه بالحكم و من ثم تكون هذه خديعة فتتم محاصرته هو و من معه و قد أعطي الأمان مسبقا ثم تصفيتهم بطريقة غير إنسانية تعبر عن مدى عدالة القضية وخاصة في بعدها الانساني ، وخاصة أن الحسين ابن علي  حفيد النبي محمد كان على علم تام بما سيحصل ومع ذلك ذهب لأنه ذاهب لنيل ما يعتقده حقا ، وبالتالي يجب على الإنسان أن يطالب بالحق حتى لو أودى به ذلك إلى التهلكة.

ومن المسلم به اليوم أن الاعتزاز بآل بيت النبي محمد تحولت إلى فعل مخزن في أعماق اللاوعي، يستحضر كل مرة بنفس العنفوان في سلوكيات المحبة والاحترام وشعائر الاستذكار، ليست فقط لدى الشيعة، بل لدى كل الطوائف الإسلامية، والديانات السماوية الأخرى وحتى غير السماوية، و ليست في العراق فقط بل في بقاع مختلفة من العالم العربي والاسلامي، فكيف الأمر بالنسبة للحسين أبن علي رمز الثورة على الظلم والفقر والتخلف والفساد، فقد ذكر المفكر والمستشرق الانكليزي ادوارد دبروان: " وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن حين يسمع حديثا عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار وطهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها ". كما تحتفل القوى الوطنية العلمانية واليسارية بكل مكوناتها في العراق وخارجه بكل صدق وإخلاص بذكرى استشهاد الحسين تيمنا وأيمانا بقيم الحق والعدل والمساواة، والتي طالما قدمت هذه القوى خيرة مناضليها شهداء وأبطال على طريق وأهداف ثورة الحسين، وفي الطرف الآخر حيث تقوم أحزاب الإسلام السياسي والمتأسلمين  بتجيش مشاعر محبي الحسين وتعبئة الناس لزجهم في آتون الكراهية والاستفزاز الطائفي والديني وتعطيل مؤسسات الدولة وحرف نضالات الجماهير المطلبية من اجل تحسين ظروف العيش.

وفي الوقت الذي يكرسون فيه صناعة البطالة والكسل و الفقر وانتشاره باعتباره قدر إلهي لا بد منه،  ينغمسون من رأسهم حتى أخمص قدميهم في مباهج الحياة الدنيا، يرفلون في نعيمها وخيراتها ويجرون ملهوفين وراء متاعها وملذاتها ويستحوذون على ارفع المناصب والوظائف، ويعيثون فسادا في الدولة، متناسين قول الحسين " أن الكسل يضر بالدين والدنيا "، وأن العمل النزيه بمنزلة العبادة كما أريد له في الدين، و تقوم هذه القوى بتكريس العداء للآخر المسالم الذي قد يختلف معنا في التفكير، ولكن قد لا نشك في محبته للحسين باختلاف مظاهر التعبير عنها، فكما نعرف جميعا أن حب الحسين والاحتفاء به ليست حكرا على طائفة بعينها أو بحزب سياسي لذاته، فقضية الحسين ابعد بكثير من ارتهانها طائفيا أو حزبيا، انطلاقا من  أبعادها العالمية التي تتجاوز حدود الدين والطائفة والحزب والجغرافيا التي جرت فيها الأحداث. يقول الكاتب المسيحي كرم قنصل: " أن سيرة الحسين مبادئ ومثل وثورة أعظم من حصرها ضمن الأطر التي حصرت بها، وعلى الفكر الإنساني عامة أن يعيد تمثلها واستنباط رموزها من جديد لأنها سر السعادة البشرية وسر سؤددها وسر حريتها وأعظم ما عليها امتلاكه ".  لقد بلغت من العمر ما يقارب الستة عقود ولن اسمع بمسيحي أو صابئي أو سني أو غيره أن يذكر الحسين بغير ذكراه العطرة.

واليوم إذ يختلط فيه الديني بالسياسي بعنف، وخاصة في ظروف العراق الحالية التي تأسس فيها نظام الحكم بعد 2003 على أسس من المحاصصات الطائفية  والعرقية، حيث ساعد على استنفار الورقة الطائفية واستخدامها من قبل الإسلام السياسي الطائفي، ويجري التعمد في خلط المشاعر بين حب الحسين ابن علي و ممارسة طقوس الاعتزاز به كما في عاشوراء، و بين ثقافة تعبئة الحشود التي تلجأ إليها هذه القوى في محاولة منها لاستنزاف القوى العقلية والفكرية للجماهير المليونية والمحبة حقا للحسين، وتحويلها إلى كتلة بشرية صماء غير قادرة على تعقل أحداث عاشوراء والطف واستلهام الدروس منها في المحبة والإخاء والعدل والمساواة والكرامة واحترام قيم العمل والتعايش السلمي، بل يجري العزف المكثف على الانفعالات المصاحبة لهذه الذكرى الجليلة لحرفها وإضفاء الصفة السلبية عليها وحصرها في حدود أهداف سياسية أنانية وتعبوية ضيقة، عندها يسهل الترويج للإسلام السياسي الطائفي بغطاء عاطفي ومنفعل ليصب مزيدا من الزيت على نار الصراعات والاحتقانات المتقدة بين أبناء الطائفة الواحدة وبين الطوائف الأخرى، وخاصة عندما تجري هذه الصراعات في بيئة الفقر والحرمان والذي بلغت مداه بحدود 70% في مناطق الوسط وجنوب العراق.

كيف استطاع الإسلام السياسي والطائفي منه بشكل خاص، ذو الخطاب المهيج للانفعالات قبل العقل أن يخترق الوسط الشيعي وأن يؤسس لكانتونات سياسية شديدة التركيز في العدة والمال والسلاح، تلك هي قصة سيكولوجية تراكمت أسسها وتجذرت في اللاوعي الجمعي للوسط الشيعي وفي وجدانه وسلوكياته، ارتبطت جذور شدتها في استشهاد الحسين، وان كانت تمتد بجذورها إلى عدم تولي الإمام علي ابن ابي طالب للخلافة بعد وفاة النبي محمد، وأن آثارها بقيت في أذهان الشيعة وخاصة العوام منهم، حيث أن النخب الشيعية أو الخواص ورموزهم استطاعت أن تجد لها وطأة قدم وتؤسس  سلطاتها الدينية المؤثرة وتضفي على نفسها هالة من القداسة مستفيدة من زخم الأحداث وشدة تكثيفها وإيحائها ورمزيتها الشديدة، وفي أحيان كثيرة كانت موازية للنظم السياسية المقيمة فيها، مدعمة بالمال السخي الذي يمنح لها في السر والعلانية من الهبات والتبرعات والخمس القادمة من الأوساط الشيعية الواسعة والفقيرة أصلا، إلى جانب نسب من العوائد المالية القادمة من زيارة المراقد المقدسة للأئمة من قبل الزوار من داخل الحدود وخارجه.

وقد بقى وقع استشهاد الحسين وآثاره النفسية المتراكمة شديدا على عوام الشيعة، والذي شكل بدوره أرضا خصبة لتسلل وانتعاش الإسلام السياسي الطائفي وقوى التطرف الديني عبر خطابات ذرف الدموع واستحضار مكنونات اللاشعور الفردي والجمعي لدى الوسط الشيعي، وهذا لا يعني أن عوام الشيعة كانوا معتكفين في منازلهم " عملا بمبدأ التقية الشهير لديهم " ولم يمارسون السياسة بمختلف مظاهرها وألونها وكانوا ينتظرون قدوم الإسلام السياسي والطائفي لإنقاذهم، فتلك مجافاة للحقيقة التي يدركها الجميع، فقد انصهروا في الكثير من الأحزاب اليسارية واليمينية والقومية والرجعية طواعية وبدون ضغوط عليهم " عدا بعض محطات الإكراه في الانتماء " والذي شمل الجميع كما هو الحال في التبعيث سيئ الصيت، وكانوا في أحيان كثيرة من مؤسسي هذه الأحزاب وقيادتها، كما شكلوا جمهورا واسعا للكثير من الأحزاب بما فيها الحاكمة وأجهزتها الأمنية والمخابراتية والقمعية، واعتقد أن تجربة العراق عبر تاريخه غنية بهذا الجانب وشاهد على ما نقول، فجماهير أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي لم تكن مستقلة بالأمس عن السياسة، فالكثير منهم له جذور انتماءات قومية وعروبية وبعثية وغيرها.

المهم في ذلك مجددا هو كيف استطاع الإسلام السياسي الطائفي وفي فترة قصيرة جدا لا تتجاوز العقد والنصف من الزمن، وفي ظل غياب مشروعه التنموي والحضاري الشامل،  أن  يستقطب الشارع الشيعي ويعبئ الناس بطريقة " مشجعي فريق كرة قدم خاسر "، بعيدا عن الإعداد والتربية الفكرية والتنظيمية كما هو متعارف عليه في تقاليد عمل الأحزاب في المجتمعات المتمدنة التي تتداول فيها السلطات سلميا، وكذلك بالنسبة للأحزاب التي تمارس العمل السري في أوطانها نتيجة لظروف القهر والاستبداد وكما كان معمول به في العراق في عهد النظام الدكتاتوري. لقد استطاع الإسلام السياسي الطائفي ورموزه المتطرفة  أن تعيد صياغة ذهن المواطن الشيعي من خلال قراءة وجدانية معكوسة لثورة الحسين ولأهدافها الإنسانية الكبرى، قوامها الانفعالات السلبية الضارة المغلفة بمشاعر الإحساس بالدونية والمتلبسة بجريمة قتل الحسين وكأنها تقول القاتل" أنا " دوما ومن هذه الأرض، فيجب أن ادفع الثمن غاليا ويجب أن تتوقف الحياة على مدار السنة والساعة تبريرا وعزاء وعقوبة لذاتنا لما قمنا به من جريمة نكراء، وتصل هذه المشاعر إلى حد التأصيل في عقدة مضخمة تتضح ملامحها في الأبعاد النفسية الآتية:

ـ تشديد قبضة الشعور المستمر بالذنب تجاه الحسين ابن علي من خلال تكريس المشاعر التي تعكس بأننا استمرار لهؤلاء الذين تركوا الحسين بمفرده من دون نصرة بيد الظالمين، ونحن الذين تركناه لوحده مع خيرة آل البيت يواجهون الموت في الصحراء عطشا وجوعا على يد جيش يزيد الظالم، وهو شعور ناتج من قراءة تقطع الصلة بالزمان الذي جرت فيها الاحداث حيث طبيعة الناس آنذاك تختلف وكذلك خصوصية الصراع الذي حصل.

ـ تكريس الحزن والكرب والمعاناة في حياة الناس اليومية وممارسة سلوكيات التكفير عبر التعزيز المستمر لطقوس مؤلمة وحزينة تجلد الذات جلدا مبرحا أكثر مما تيسر حياة الناس وتبعث فيهم الفرح والبهجة بمشروع الحسين الكبير، كتطبير الرأس والضرب بالزناجيل على الظهر واللطم على الوجه والصدر والجبين، وما يصاحبها من مشاعر المزيد من الإحساس بعقدة الذنب والاضطهاد والعدوانية الموجهة إلى الذات والى الآخرين.

ـ  الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك أو تواطئوا فيه أو سكتوا عنه، وهي آلية تزرع العدوان اتجاه الذات وتهدد التوازن النفسي للإنسان وتسهل الإقدام على مختلف الأعمال المذلة والمدمرة للكيان الشخصي والذاتي وتبخسه وتحط منه، عبر الإحساس الذاتي بعدم جدارتنا في الحياة، ولن يصدر عنا أي فعل خير، ولا يحق لنا أي اعتبار أو تقدير، وهو ميكانزم أساسي في سيكولوجيا الإنسان المقهور وخاصة في بيئة الفقر والتخلف الاجتماعي وانتشار الأمية، إلى جانب توجيه هذه العدوانية تجاه الآخرين المغايرين وخاصة عندما نضعهم بصفة مرتكبي جريمة قتل الحسين اليوم  بغض النظر عن الزمان والمكان الذي جرت فيه الاحداث الحقيقية.

ـ زرع الخوف من الآخر والتشكيك فيه واعتباره قابلا  للغدر في أي لحظة ما، وهي حالات تصل إلى حد بارانويا الاضطهاد، وتكريس سلوك اخذ الحيطة والحذر، ويترتب على ذلك الكثير من الدوافع في امتلاك السلاح وحيازته على نطاق واسع وبعشوائية استجابة لمشاعر الإحساس بالظلم والاضطهاد والعزلة لحماية الذات من العدو بعيدا عن دور الدولة في هذا المضمار، يقابله في الطرف الآخر الصراع  المكثف للانتساب إلى أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات وامتلاك ناصية القوة في الوزارات ذات العلاقة استجابة لعدو وهمي قد يهجم في لحظة ما " وهذا لا يعني التقليل من قدرة  الآخر وعدوانيته في الغدر إن كان حاقدا متطرفا أو وهابيا "، إلا أن السلاح يجب أن يكون حصرا بيد الدولة الديمقراطية، وقد تفسر ظاهرة التسلح العشوائي في بعض جوانبها استجابة معاكسة وردة فعل لما كان يمتلكه النظام الساقط من سطوة وقوة وأجهزة قمعية، وتتحول بفعل ذلك عملية التسلح إلى كارثة على الطائفة نفسها بسبب من يدعي تمثليها من مختلف الأحزاب الإسلامية والجميع مدجج بالسلاح.

ـ لقد عمل الإسلام السياسي والقوى المتطرفة بتكريس فكرة أن حدث الحسين واستشهاده هو حدث خاص بالطائفة الشيعية ولوحدها فقط ، وما تبقى من طوائف ومذاهب خارج البيت الشيعي فأن صلتها ثانوية بالحدث من حيث الاحتفاء والإجلال به والاستفادة من دروسه الايجابية، إن لم تكن مساهمة في مأساوية الأحداث، وهذا التصور الشائع أضفى على الوسط الشيعي مسحة انفعالية سالبة معززة للتشدد ومساهمة في انعزال المجتمع الشيعي عن الوسط المحيط به من طوائف ومذاهب، رغم وجود مشتركات كبيرة بينها في طقوس العبادة والشعائر الدينية، وخاصة مع الطائفة السنية، حيث يشتركون كلا الطرفين في الإيمان بالله وبرسله وبخاتم الرسل والأنبياء محمد وتأدية مناسك العمرة والحج، وهذا ليست من باب ألقاء اللوم على الشيعة في تضييق فرص الحوار مع السنة، ولكن أيضا ومن تجارب الحوار بين الطائفتين أن للسنة بعض من شروطهم التعجيزية في قضايا مفصلية بالنسبة للشيعة كالتقية والعصمة والمرجعية والفهم المغاير للكثير من نصوص القرآن وتفسيره وقضايا فقهية كثيرة، إلا إن الطريقة التي تفهم بها طبيعة أحداث كربلاء وشهادة الحسين، لها ما لها من آثار مسبقة في تضييق فرص الحوار ملقية بضلالها السلبية في التقارب المذهبي، وخاصة عندما يزج الدين في السياسة وتتداخل المصالح الأنانية، فلم يرى كلا الطرفين غير اللون الأسود.

ـ أن تأصيل الشعور بالذنب لدى الوسط الشيعي اتجاه الحسين بسبب من عدم نصرته في معركته العادلة مع يزيد، يقابله في الطرف الآخر الإعجاب الشديد ببطولته وتحديه لسلطة يزيد بدء من مقولته الشهير: " لا بيعة ليزيد، شارب الخمور، وقاتل النفس المحرمة "، وعلى الرغم من الكثير من النصائح والتحذيرات التي قدمت للحسين بعدم الدخول في هذه المعركة بسبب عدم تكافئ الجيشين وتوقعات باستشهاده، إلا انه ترك ارض الحجاز متوجها إلى العراق قائلا: " لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت يزيد "، وكان يعي تماما حاجة الأمة الإسلامية لمثل هذا الموقف الشجاع " بغض النظر عن التفاصيل "، وخاصة على اثر بيعة الحسن لمعاوية والتي أثارت الكثير من الالتباسات لدى المؤمنين آنذاك، أن هذا التداخل في المشاعر اتجاه الحسين والتي هي خليط من مشاعر الحسرة والندم لعدم نصرته، إلى جانب الإعجاب بصموده وبطولته أدى إلى حالة من التقديس والتعظيم للحسين، فهو بقدر ما يستحقها بعقلانية الإيمان، إلا أنها تركت لدى أوساط الشيعة استقطابا وجدانيا شديدا، وتحول هذا الاعتزاز والحب إلى موضوع خلاف وكراهية اتجاه الرموز الأخرى في الإسلام، أو كما يقال في الدارج من زاد على حده انقلب إلى ضده، خاصة عندما توظف هذه المحبة في غير مكانها ولتغذية الصراعات المذهبية.

ـ لقد استغل الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد الحسين بتكريس السلوك التعويضي بمظهره السلبي، والذي يضعف من قدرة الإنسان العقلية والفكرية على تجاوز مأساوية الأحداث وأتحاذ زمام المبادرة وتأسيس العقل الناقد، مما سهل لاحقا تسليم الأمور ومصائر الناس بيد سلطات دينية مطلقة تمثلت في المرجعيات الدينية وإضفاء عليها صفات القداسة والطاعة والعصمة على نسق ما يضفى على الأمة ألاثني عشر، مما عبر عن حاجاتهم النفسية المستمرة على نسق الحاجات الطفولية إلى شخص راشد يتولى زمام أمورهم ويسلمون لهم قيادتهم، مما أدى بدوره إلى تضخم دور المرجعيات ليتجاوز حدود تأثيرها المجال الديني ليمتد إلى الجانب السياسي والاجتماعي، والتجربة العراقية اليوم دليل على هذا التأثير المتعاظم للمرجعيات على الأحداث السياسية الكبرى كالانتخابات والدستور وتوزيع المناصب الحكومية’حتى لتبدو وكأنها المصدر المطلق لكل السلطات، مما يحقق لها سيطرة سيكولوجية كاملة تتشكل داخل المنظومة النفسية للإنسان  وتمنعه من الاختلاف معها أو عدم الخضوع التام لها، والمشكلة ليست بوجود مرجعيات، فالمسيحية لها مرجعية يجسدها البابا، واليهودية كذلك لها الحاخام ، ولكن المشكلة تكمن بشمولية واتساع نطاق صلاحياتها الذي يتجاوز الديني.

أن الاستفادة من أسباب ودروس ثورة الحسين في مكافحة الظلم ونشر العدل، واستتاب الأمن، والوقوف ضد الحاكم الظالم كائن من كان ومن أي حزب وملة وطائفة، وضد فساد الحاكم وانحراف جهاز الحكومة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد بألوانه، ومقارعة الذل والمساومة، وأيقاظ الضمير وتحريك العواطف الإنسانية، وإصلاح حال الوطن وضد تشويه القيم الإنسانية النبيلة، وفي احترام العهود والمواثيق، نحن اليوم بأمس الحاجة لها لإشاعة مجتمع العدل والقانون والحرية والديمقراطية، بعيدا عن قراءة ثورة الحسين بأطر سياسية ومصلحيه ضيقة وتوظيفها لمآرب تجلب الضرر لنا جميعا وتعدم الاستقرار في حياة الناس، أما التعاطف مع مأساة قصة الحسين فأكتفي بقول المؤرخ الانجليزي جيبون بقوله: " إن مأساة الحسين المروعة بالرغم من تقادم عهدها وتباين موطنها لا بد أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القراء إحساسا وأقساهم قلبا ". وختاما يقول الامام الحسين ابن علي: " صانع المنافق بلسانك وأخلق مودتك للمؤمن وأن جالسك يهودي فأحسن مجالسته ".

 

د.عامر صالح   

محمد الدعميلا يمكن لأي استحضار لتاريخ تورخة الإسلام في الغرب ولتطور الفكرة الأميركية عن المسلمين في الثقافة الأميركية الشائعة إلَّا وأن يتوقف عند محطات مهمة ومثيرة للتساؤل. فإذا ما اتفق المرء مع مؤرخي الأفكار على أن معظم الآراء الأميركية في الإسلام بدت “مستنسخة” من الآراء الأوروبية التي جاءت مع المهاجرين الأوروبيين الأوائل إلى أميركا بصفة “إرث ثقافي” جاهز، فإن علينا رصد ومباشرة ما تبع من المراحل المبكرة لتشكيل ولايات الجمهورية الأميركية الفتية من تحويرات حيال طرائق التفكير والتعامل مع المسلمين والعرب بخاصة. بيد أن واحدة من أكثر الحقائق التاريخية مدعاة للملاحظة (رغم عدم المعرفة بها من قبل غالبية المسلمين، والأميركيين كذلك، على حد سواء) تتمثل هذه الحقيقة في أن أول “تاريخ” كتب في أميركا عن الإسلام، بعنوان (حياة محمد)، كان من تأليف رجل دين اسمه “جورج بوش” وذلك عام 1830. ولست أدري على نحو الدقة ما إذا كان هذا المؤرخ ينتمي إلى نفس عائلة آل بوش التي حكمت أميركا لعقود؛ بيد أن الذي أعرفه بتيقن هو أن هذا التاريخ لم يزد على ترديد للتمثيلات الملتوية والخاطئة التي أوردها واحد من أشهر المستشرقين الأوروبيين الذين أرّخوا للإسلام في أوروبا وهو “همفري بريدو” الذي شحن تاريخه بكل ما وقعتا عينه عليه من الأفكار الجاهزة والخاطئة التي شكلتها أوروبا ضد الإسلام كإجراء طارئ دفاعي واحترازي حيال الفتوحات الإسلامية التي بقيت أوروبا تلك العصر الوسيط تتعرض إليها على الجبهتين الشرقية (تركيا وبلغاريا وهنغاريا) والغربية (إسبانيا وصقلية) المقابلة للعالم الإسلامي. بل إن الباحثة الأميركية المهمة “دوروثي فنكلشتاين” تذهب حد الاعتقاد بأن ما كان متاحا من كتابات ومؤلفات وتواريخ عن الإسلام في أميركا القرن التاسع عشر إنما كان في جوهره من معطيات الاستشراق الأوروبي.

لهذا السبب، فإن لنا أن نتكهن بأن بواكير الفكرة الأميركية حول الإسلام لم تزد على كونها “استعارة” لذاكرة ثقافية من التراث الأوروبي الأساس، ذلك أن التواريخ الاستشراقية والمؤلفات الشعبية نصف الأسطورية (من نوع ألف ليلة وليلة)، من بين سواها قد أسهمت في اتقاد الخيال الأميركي الرومانسي وفي تغذيته بأفكار غير واقعية حقيقية عن العالم الإسلامي، الأمر الذي يفسر ما شابها من التصويرات الخرافية التي ازدحمت وتزدحم بها النتاجات الثقافية الأميركية حول العالم العربي ـ الإسلامي، ابتداءً من السينما وأفلام الصور المتحركة وانتهاءً بالرواية والشعر والفنون الأخرى، كالرسم والنحت.

ولكن العقل الأميركي الذي يرنو دائما إلى التفرد وإلى تطوير هوية خاصة به، هوية ثقافية منفصلة متعالية حتى على الإرث الأوروبي (باعتبار فكرة تفوق “العالم الجديد”)، دأب على رسم وابتكار صورة “أميركية” متفردة مستقلة حيال العرب والمسلمين والإسلام عامة، صورة كان يفترض لها أن تتجاوز الإرث الأوروبي، قاطعة جذوره. ولهذا الغرض راح كبار الأدباء ومشكّلي الرأي العام يتعاملون مع الإسلام وتاريخه وحضارته بطرائق تختلف عما سبق وتنأى بنفسها عن “الأفكار الجاهزة” التي وردت مع “الرواد الأوائل”، أي المهاجرين القادمين من أوروبا. لقد برزت لدى الكتّاب والشعراء الأميركان الأوائل ظاهرة “تأنيث” الشرق العربي الإسلامي باعتباره فضاءً سكونيا ومغريا خاويا يطفو منفلتا من الزمن على بحر متلاطم من الملذات والأقدار واللاجدوى، الأمر الذي يفسر إبراز صور “الحريم” وتعدد الزوجات واقتناء الجواري في عالم يزدحم بالخرافات والشخصيات الأسطورية ومصابيح علاء الدين وبساط الريح والعبيد والقيان من بين سواها من “اللازمات” المتاحة في أغلب الأدبيات الثقافية (وحتى السياسية) التي باشرت الحياة العربية وتعاملت مع المسلمين وتراثهم على نحو منحاز. وقد وجد هؤلاء في أعمدة التكنولوجيا والصناعة والعسكريتارية الأميركية عنصرا “ذكريا”، يدفع بقوة نحو “اختراق” الشرق المؤنث السكوني المحجب، السالب والمستكين. هذا، في حقيقة الأمر، هو ما شكّل أهم ملامح أفكار غزو الشرق المؤنث المستضعف بذكورية الصناعة وبقوة السلاح والمال.

ولفكرة تأنيث الشرق المشحونة بالخيلاء والتعالي الذي شاب الثقافة الأميركية الشائعة أصول تعود إلى القرن التاسع عشر وما قبله كذلك. فقد بقي الشعور وسواسيا يفيد بأن أميركا إنما تمثل “العالم الجديد”، وبأن الإنسان الأميركي إنما يمثل “الإنسان الألفي الجديد”، ذلك الإنسان المنزّه من بقايا وبراثن “العالم القديم” (آسيا، إفريقيا، أوروبا). وقد دفعت هذه الأفكار المتعالية العقل الأميركي إلى النظر للشرق وأديانه وتراثه وثقافاته، بوصفها بقايا طللية لا تستحق سوى المعاينة النوستالجية في المتاحف التي تجمع غبار الزمن. ثمة مناسبة طريفة أخرى تجسد هذا الشعور الملحاح بأنهم إنما يمثلون عالما جديدا أعلى مرتبة من العالم القديم، وهي مناسبة عقد “برلمان الأديان” التاريخية. عقد هذا “البرلمان” عام 1883، على هامش “معرض شيكاغو التجاري الدولي”، وقد تم استقدام عدد من كبار رجال الدين من الأديان “الشرقية” (من بوذيين وهندوس ومسيحيين وزرادشتيين وكونفشيوسيين، من بين سواهم) على طريق عقد “مناظرات” عقائدية على الملأ، أي أمام الجمهور الأميركي الذي ينبغي أن “يراقب” و”ينتقي” أو يمرر تقييمات معيارية! ولكن حتى في “مهرجان” الأديان هذا، كان الإسلام عصيا على الإرادة الأميركية وعلى الاستجابة لمثل هذه الطريقة “الدونية” في عرض واستعراض الأديان، إذ رفض السلطان العثماني آنذاك ابتعاث رجل دين مسلم ليمثل الإسلام في هذه “المهزلة”، حسبما رآها السلطان. لهذا السبب، ومن أجل أن لا يكون الإسلام غائبا عن “البرلمان” اضطر أول مسلم أميركي “الكساندر رسل ويب” (سمي بـ”محمد ويب”، فيما بعد) لأن يمثل الإسلام في هذه المناظرات المنسية، ولكن الخطيرة والمشحونة بالدلالات

 

ا. د. محمد الدعمي

 

 

فراس زوينإن المشاكل الاقتصادية المتعددة والمتفاقمة التي واجهت المجتمع في السنوات السابقة، أخذت حجمها وخطورتها من عجز الحكومات العراقية المتعاقبة على معالجتها طوال العقود الأربعة الأخيرة، وخصوصاً بعد عام ٢٠٠٣ حيث شهدت تراجعات مستمرة في إدارة الملف الاقتصادي.

ومن هذه المشاكل القطاع الخاص وهو ذلك الجزء من الاقتصاد العراقي الذي يديره رجال اعمال عراقيون وأصحاب رؤوس الأموال من الصناعيين وتجار ومزارعون واصحاب المرافق الخدمية بالتنسيق مع الجانب الحكومي لتحقيق استراتيجية التنمية في البلد، ولكن الواقع يؤشر الى انه لم يبقى من القطاع الخاص سوى اسمه، بدون أي وجود حقيقي فعال، بالرغم من الخطط والاستراتيجيات المتعددة التي وضعتها الحكومة العراقية لتنشيطه، والتي لم تضف أي شيء للواقع المتراجع لهذا القطاع بل تركت من الصدى الإعلامي أكثر مما تركته من الأثر الواقعي مثل استراتيجية تطوير القطاع الخاص للأعوام (٢٠١٤-٢٠٣٠) وقانون الاستثمار والسلف المصرفية التي تطلقها الحكومة من خلال مصارفها وغيرها من الخطط .

لقد احتل القطاع الخاص مكانة متميزة في سلم اهتمامات الدولة وتحديدا ًعند تأسيس الدولة العراقية عام 1921 والتي منحته الكثير من أشكال الدعم، ولعل احد أسباب هذا الاهتمام هو ضعف الإمكانات المادية للدولة مقارنة بإمكانات القطاع الخاص في ذلك الوقت، والذي ملكه وتحكم به كبار ملاك الأراضي والتجار مما جعل الحكومة العراقية في وقتها تعول على قوة وإمكانية هذا القطاع في النهوض بالواقع الاقتصادي والخدمي للبلد، وقد اتضح اهتمام الدولة بالنشاط الخاص من خلال إصدار سلسلة من التشريعات القانونية الخاصة بتشجيع القطاع الخاص ومنها قانون تشجيع المشاريع الصناعية رقم 114 لعام 1929 الذي أسهم في تشجيع المستثمرين العراقيين ، وإصدار ايضاً قانون المصرف الزراعي رقم 12 لسنة 1940 والذي أدى دورا ًمحوريا ًفي تشجيع الحركة الصناعية بالبلد، ومع بداية الخمسينات من القرن الماضي وتحديداً في عام 1952 وقعت الحكومة العراقية عقود مناصفة الأرباح مع الشركات النفطية، والتي أدت إلى ارتفاع العائدات المالية للدولة من بيع وتصدير النفط أسست على أثرها مؤسسة تهتم بتوظيف هذه العائدات في عمليات البناء والتطوير عام1950 أطلق عليها (مجلس الأعمار) الذي قام بجملة من المشاريع الصناعية بشكل مباشر أو عن طريق شركات مساهمة يشترك فيها المصرف الصناعي مع القطاع الخاص.

وإزاء هذا التنظيم لنشاط القطاع الخاص فقد قام رجال الإعمال بمبادرة مهمة تمثلت بتأسيس الشركات المساهمة المحدودة ، الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد الشركات الخاصة من (27) شركة عام 1929 إلى (225) شركة عام 1956، ولتصل نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي نحو %80 عام 1956 ، فضلا ًعن ارتفاع استثماراته ُمن (4) ملايين دينار عام 1953 إلى (20) مليون دينار عام 1956، وهكذا كان التوسع في دور القطاع الخاص مدعما ًمن قبل الدولة وليس مزاحما ًأو منافسا ًفي نشاطاته الإنتاجية .

إلا أن التقدم والنمو في القطاع الخاص لم يدم طويلاً مع ظهور أول علامات الريعي النفطي للاقتصاد العراقي، وما تبعه من قوانين وقرارات جمدت القطاع الخاص وكبلته بالقيود في التوجه الاقتصادي الجديد للدولة وكان من تلك القوانين .

- إصدار قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 ، والذي تم فيه تجريـد كبار مالكي الأراضي الزراعية (الإقطاعيين) من معظم ملكياتهم الزراعية لغرض إنصاف المزارعين واستحداث نهضة زراعية .

- قانون التأميم الذي أصدرته الحكومة العراقية في عام 1964 والذي تضمن تأميم جميع صناعات القطاع الخاص التي زاد رأس مالها على70 ألف دينار . حيث تم تأميم 27 مشروعا صناعيا في فروع الاسمنت والمطاحن والسكائر ومواد التنظيف والزيوت النباتية وغيرها من الصناعات التحويلية الكبيرة التي لعبت دورا هاما في تشغيل الأيدي العاملة بأعداد تفوق قطاع استخراج النفط كله، مما أدى إلى هبوط مساهمه رؤوس الأموال المستثمرة في الصناعة من 25% إلي 12،5% في تلك الفترة .

- كما وأصدرت الحكومة عدة قوانين أطلق عليها اسم (القوانين الاشتراكية) تم بموجبها رسم الحدود الفاصلة بين القطاعين العام والخاص ، بحيث أصبحت جميع قطاعات البنوك وشركات التأمين والمشاريع الصناعية الكبيرة كصناعة الاسمنت والغزل والنسيج وغيرها ضمن القطاع العام، ولا مجال بعد ذلك لإنشاء شركات خاصة فيه، فيما عدا بعض المشاريع المتوسطة والصغيرة التي تركت للقطاع الخاص .

لقد توجهت السياسات الاقتصادية في تلك الفترة نحو ما عرف برأسمالية الدولة أو الاشتراكية العربية، حيث سادت ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والمعامل الحكومية وتقديم الخدمات العامة بعيداً عن حسابات الربح والخسارة وخارج مظلة التنافس حيث الدولة هي الطرف الوحيد في السوق وليس هناك أي منافس لها، رافق ذلك توجه الدولة نحو الريعي النفطي وإهمال القطاعات الإنتاجية كافة والاعتماد المطلق على الواردات النفطية في تغطية المصروفات الحكومية وتمويل الخزينة العامة،

لقد تفاعل وتداخل هذان العاملان وانتهى بهما الحال إلى تحجيم القطاع الخاص وإهماله وتهميشه منذ عام ١٩٥٨ والإلقاء به بعيداً عن السوق وتفاعلاته، فيما لعب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات المتتالية والصراعات وتبدل الواجهة السياسية للدولة العراقية لمرات عديدة منذ عام ١٩58 ولغاية ١٩٧٩ وما تبعها من حروب متعددة وحصار اقتصادي أدى إلى مردودات عكسية كبيرة على الاقتصاد العراقي ، فقد دفعت هذه الأحداث برأس المال الخاص والعديد من المديرين الجيدين ورجال الأعمال إلى عدم الرغبة في المخاطرة في بيئة اقتصادية تعاني كل هذه المشاكل بل إلى الهروب إلى خارج العراق بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً .

لقد استمر الحال بالقطاع الخاص على هذه الوتيرة لغاية عام ٢٠٠٣ حيث هبت رياح التغيير السياسي في العراق على أمل أن تبلغ هذه الرياح الواقع الاقتصادي وتقذف به إلى بر الأمان والاستقرار، لكن الواقع كان مغاير بل محطماً لكل هذه الآمال، فبالرغم من إعلان الحكومة العراقية عن توجه الدولة نحو نظام السوق المفتوح، وتبني الأسس الحديثة في التحول الاقتصادي، الآ أن الواقع كان عكس هذا، فقد اتجه الاقتصاد العراقي نحو الاعتماد على الريع النفطي بشكل مطلق وغير مسبوق، مع إهمال كبير جداً لكل المعامل والمصانع وحتى الورش المتوسطة والصغيرة، ومعتمداً على الاستيراد الخارجي تحت سياسة الإغراق السلعي بالمنتجات الرديئة من خلال الباب المفتوح، فضلاً عن وقف العمل بقانون التعريفة الجمركية رقم 77 لسنة 1955 من قبل الحاكم المدني (بريمر) بموجب القانون الذي أصدره برقم 54 لسنة 2004 وعدم فرض الرسوم الجمركية على الاستيرادات، إذ لم تكن تفرض سوى ضريبة اعمار العراق البالغة (%5) على السلع المستوردة كافة ، مما أدى بالمنتج العراقي إلى عدم القدرة على المنافسة وإغلاق الكثير من معامل القطاع الصناعي الخاص، الأمر الذي عمل على تحويل السوق العراقية للقمة سائغة للصناعات العالمية، لتكتم بهذا على آخر نفس للصناعة المحلية .

إن انفتاح العراق على الأسواق العالمية وبصورة ارتجالية وغير مدروسة أدى إلى شيوع البطالة وتحول المجتمع العراقي إلى مجتمع مستهلك وغير منتج ساعد في ذلك وجود (23) منفذا حدوديا عام 2003 بعد إن كان ثلاثة منافذ حدودية عام 2002، مما خلق وضعا تنافسيا قويا أمام القطاع الخاص الزراعي والصناعي وغيرهم وباتت هذه المنافسة غير المتكافئة تهدد مستقبل الإنتاج في العراق.

 فبعد تسريح آلاف العاملين الذين لم تتمكن مصانعهم أو ورشهم من منافسة البضاعة المستوردة ، حيث إن الحكومات العراقية لم تضع في حساباتها دعم القطاع الخاص والعمل على تنميته ليسد الفراغ الذي يخلفه إغلاق المعامل والمصانع الحكومية والتي كانت قبل عام ٢٠٠٣ هي من تقوم بتلبية حاجات السوق وإشباع الاحتياجات المتنامية للسوق العراقية .

إن التوجه الدولة العراقية نحو الاقتصاد الحر وتبني سياسة السوق كان يجب إن يرافقها دعم القطاع الخاص ليقوم بدوره في تشغيل الأيدي العاملة وتجنب أخطار البطالة التي ستصيب العمالة العراقية في حال رفع الدعم عن الصناعة الوطنية، ولكن ما حصل عكس هذا، فقد عانى القطاع الخاص من إهمال متعمد رافق تخفيض قيمة التعريفة الجمركية ، فلا صناعة وطنية ولا قطاع خاص مع أبواب الاستيراد المفتوحة على مصراعيها تعرض العراق على اثرها إلى اكبر عملية نهب واستنزاف للعملة الأجنبية طوال تاريخه لتعتاش وتثرى دول معينة على حساب المواطن العراقي الذي اثقتله سياسة الماضي وما أنصفته سياسة الحاضر.

إن القطاع الخاص في العراق عانى من مشاكل جمة خلال تاريخه المليء بالانتكاسات والتي عملت على قتل هذه التجربة تارة من خلال النهج ألريعي للاقتصاد العراقي وتارة للتوجه الحكومي نحو رأسمالية الدولة وتارة أخرى في تفشي الفساد المالي والإداري الذي عرقل كل المسيرة الصناعية والإنتاجية في البلد ، ويمكن إيجاز هذه المعوقات بالنقاط التالية :

1- ارتباط وتبعية مصالح هذا القطاع ارتباطـا مباشـرا بالدولة لاسيما في الفتـرة التـي سـبقت التغيير في سنة ٢٠٠٣ وهو انعكاس لطبيعة النظام الاقتصادي الشمولي والمركزي الذي ساد في العراق قبل هذه الفترة .

2- إن هذا القطاع يعاني من ضعف القدرات التنظيمية والتمويليـة إذ لا تشكل ممتلكاته بالشكل النقدي إلا نسبة قليلة من الثروة القومية الكلية، حيث يعاني من ظاهرة هجرة أمواله وكثير من العاملين فيه إلى الخارج .

3- التراجع الأمني الحاد الذي شهده العراق بعد عام ٢٠٠٣ وانتشار الأفكار المتطرفة والهدامة والتي عملت على ابتزاز أصحاب العمل من خلال فرض أموال عليهم هي اقرب للإتاوات في مقابل عدم التعرض لهم ولمشاريعهم دفعت بالكثير منه إلى تصفية أعمالهم والهرب خارج البلاد .

4- السياسة التجارية للحكومة العراقية والتي فتحت الحدود بعد عام ٢٠٠٣ أمام السلع والمنتجات الأجنبية بما عرف بسياسة الإغراق السلعي للأسواق العراقية بالمنتج المستورد وبكل أصنافه الجيدة والرديئة، والتي يستحيل على الصناع الوطنية منافستها من قبل الصناعة المحلية .

5- اعتماد القطاع الخاص في العراق على الربح السريع والكبير بدون التأسيس لقاعدة صناعية وإنتاجية تعمل على إعادة بناء الاقتصاد وسحب البطالة، بل إنها في كثير من الأحيان أخذت دور السمسار الذي يقوم بالاستيراد نيابة عن الدولة، دون العمل على بناء إنتاج حقيقي.

6- ضعف أداء المصارف العراقية وتعقيد إجراءاتها أدت إلى تقليص إمكانات تمويل المشاريع من المصارف مما يعني ضعف رأس المال الخاص وعدم قدرته على القيام بمفرده بعملية البناء والتنمية.

7- تفشي وانتشار الفساد المالي والإداري في الدولة العراقية عمل كحائل أمام القطاع الخاص من خلال التأسيس لبيئة استثمارية طاردة لا يمكن من خلالها العمل الحقيقي، بل إنها أجبرت رؤوس الأموال الوطنية على البحث عن أجواء أكثر ملائمة واستقرار خارج البلد .

8- التراجع الحاد والتقادم في البنى التحتية الإنتاجية، نتيجة الإهمال المتواصل من قبل الحكومة بالإضافة إلى الحروب المتتالية التي خاضها العراق، مثل منظومة الكهرباء وطرق المواصلات والإمدادات بالمشتقات النفطية.

إن النقاط أعلاه شكلت أهم العقبات والتحديات التي واجهت القطاع الخاص في السنوات السابقة، والتي لا يمكن النهوض بهذا القطاع والتقدم بالعملية التنموية والإنتاجية إلا من خلال تجاوزها والعمل على تذليلها، ويمكن الإشارة إلى مجموعة من النقاط قد تشكل أهم الأمور التي يجب إتباعها في سبيل التأسيس لواقع إنتاجي وصناعي وزراعي يؤدي إلى تحقيق متطلبات العمل والقضاء على الكثير من المشاكل الاقتصادية مثل البطالة والفقر وغيرها ، وكما يلي :

- إنشاء هيئة مستقلة مرتبطة بمجلس الوزراء مهمتها التنسيق مع الجانب الحكومي لأجل المشاركة في القـرار الاقتصـادي الذي يتعلق بالقطاع الخاص بما يفضي إلى ضمان تنفيـذ القـرارات ومتابعتها .

- رسم سياسة تجارية تتناغم مع أهداف الصناعة الوطنية وضبط عملية الاستيراد ووضع حد لسياسة الإغراق السلعي والباب المفتوح للأسواق العراقية أمام المنتج الأجنبي، وتوفير مستلزمات ا نتاج الصناعي والحد من استيراد السلع غير الضرورية.

- الاهتمام بنشاط التقييس والسيطرة النوعية للإنتاج المحلي والسلع المستوردة على حد سواء لضمان أفضل الإنتاج وبواقع يسمح بالمنافسة.

- العمل على بناء بيئة استثمارية صـالحة ومشـجعة وجاذبـة لاستثمارات القطاع الخاص مـن النـواحي القانونيـة والتشـريعية والتمويلية وبنية تتوافر فيها الشروط الأمنية و اللوجستية

- التأكيد على إجراءات الجهاز المصرفي للعمل بآلية سلسة من حيث تسهيل عمليـة التمويل والإقراض والسرعة في الإنجاز وتقديم المزيد من الخـدمات المصرفية .

- العمل على أيجاد آليـة لإطلاق برنامج جذب الكفاءات العلمية المهـاجرة ورؤوس الأمـوال ودعم مشاركتها لتقديم عطاءاتها وخبراتها فـي البنـاء وتطـوير أداء القطاع الخاص

- وضع حد للفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة وتسهيل عمل مؤسسات القطاع الخاص بإصدار قوانين جديدة وإزالة التعقيدات الروتينية وتحسين فرص هذا القطاع في الحصول على تمويل ودعم من قبل الدولة .

- إلزام الوزارات بتشجيع المنتجات المحلية والتعاقد مع الشركات الصناعية لشراء منتجاتها وذلك ضمن ضوابط معينة في مجال السعر والنوعية.

 

فراس زوين/ باحث اقتصادي

 

محمد الدعميغالبا ما كان أساتذة التاريخ الذين درّسونا في المدارس الثانوية، وفيما بعدها، يتبرمون احتجاجا ونقدا لمؤلفي كتب التاريخ المنهجية المعتمدة، وغالبا ما كان نقدهم ينصب على أن التواريخ التي كانت بين أيدينا إنما كانت غير كاملة، وكانت مجتزأة، لأن منها، لكونها من “المحرمات” على الأجيال الناشئة، خشية ما قد تؤول إليه الانقسام السياسي والتشرذم الطائفي، ناهيك عن سواها من الأسباب التي عنت بـــ”التربية” الحقة قبل كل اعتبار.

وعند استعادة تلك الأيام والتجارب، يشعر المرء بضرورات عدم تضمين التواريخ (المدرسية خاصة) مواد سالبة ومحبطة تساعد على التشرذم. إلا أن هذا الاتجاه التربوي المفيد كثيرا ما كان يقع في أفخاخ الابتسار والتركيز على غير المهم وغير الفاعل، باتجاه التافه والساذج في القراءات التاريخية. حتى أن كتاب (المدخل إلى التاريخ العربي الإسلامي) الذي درسناه في الصفوف الخامسة الأدبية بمرحلة الثانوية قد سقط في تفاهات من نوع كيف كان خلفاء بنو العباس يتناولون غذاءهم بصحون وملاعق من فضة وذهب، وكيف كانت أشجار قصر الحيرة بسامراء مزودة بطيور اصطناعية تصدح بأصوات موسيقية كلما هبت نسمة ريح أثناء تناول هؤلاء الخلفاء وجباتهم، ناهيك عن امتداح القيان والجواري، المغنيات والعازفين، وعن سرد نوادر الظرفاء في قصور الخلافة.

كنا طلابا شبانا، متحمسين لمعرفة الدفين أو الممنوع من تواريخنا: نعم كانت هناك ثمة إشارات عابرة للثورات التي حدثت ضد عهود الخلفاء، إلا أنها لم تكن لتشبع تعطشنا لكل ما هو “ثوري” و”غير تقليدي” من جوانب هذه التواريخ حينذاك. لذا، لم يحترم مؤرخو هذه الكتب ثورات شعبية ذات طبيعة عادلة من نوع “ثورة الزنج” في البصرة وثورات المتمردين ضد السلطة جنوب العراق وعبر الخليج العربي، بوصفها جوانب لا تزيد التلميذ اعتزازا وتمسكا بتاريخه. لذا، كان مدرس التاريخ (واسمه نافع) يسخر من صفحات رفاه الخلفاء وقصورهم وحاشيتهم، بتكرار مقولته: “إذا كان هذا هو المدخل إلى التاريخ العربي الإسلامي، فالله أعلم كيف سيكون “المخرج”؟! وكنا، تلاميذ، نضحك كثير لمثل هذه التعليقات الساخرة.

أما حقيقة الحال، فإن جميع تواريخ الأمم (والعربية الإسلامية منها) لا بد أن تتجنب جوانب من قصص التاريخ لأنها ضارة بالعقول الشابة اليافعة، أكثر من كونها مفيدة أو حاثّة على الإبداع والإيجابية. وتنطبق هذه الحال على جميع التواريخ عبر العالم: فالتاريخ هو ليس “مرآة الماضي” حقا، ولا هو “سجل” لأحداث الماضي فقط، ولو أنه كان كذلك لتحول التاريخ إلى أداة إحباط ونكوص ورجوعية.

بل إن أكثر ما يخشاه المؤرخ اليوم، إنما يكمن في انتشاء أشكال التعصب، السياسية، والطائفية، والمناطقية، الأمر الذي يجعل من كتابة التاريخ على نحو محايد لا تشوبه شائبة مما ذكرنا في أعلاه من تعصب، أقول يجعلها من أصعب المهمات التي لا ينبغي لجاهل أو أعمى بالتعصب والضغائن أن يعبث بها. ولك الله، يا تاريخ العرب، مذ نشأت حتى شخت في عصرنا الجاري.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

محمد العباسيكما أسلفنا في مقالات سابقة، "الحرية" كلمة لها دلالات وتفسيرات متفاوتة عند كل فرد.. البعض يرى الحرية كحق واجب ولا ينبغي لأي جهة كانت أن تضع لها شروطاً ولا تتدخل في الحد منها.. البعض يراها عملية مكتسبة، أي يكتسبها أي فرد بحسب جهده ومقابل عطاءه ونتيجة لمستواه الفكري والعلمي وضمن منظومة إجتماعية ينتمي إليها.. والبعض قد يجد أن حريته في أفعاله حق موروث، كونه نشأ في بيئة أعطته كل شيء وميّزته عن باقي أفراد المجتمع فقط لأنه إبن الوالي أو حفيد السلطان أو قريب لصاحب شأن في البلد، أو وزير أو نائب أو صاحب رتبة عسكرية عالية.. أو حتى يكون ذو مكانة دينية رفيعة.. فيكون مصاناً من المحاسبة والقانون.. لذا يفعل ما يشاء بلا حسيب ولا رقيب.. ولذا فله الحق في حرية مطلقة.

يقول الدكتور "محمد فاروق النبهان" أن الحرية المطلقة تقود إلى الفوضى المطلقة، ولابد من وجود ضوابط صارمة لممارسة الحرية بالطرق الصحيحة.. فالحرية لا تعني الانفلات.. والمجتمعات المتخلفة لا تحسن في الغالب ممارسة الحرية بالطريقة الصحيحة.. ولابد من وجود قيود قانونية وأخلاقية لضبط الحرية. فالديمقراطية الغربية نجحت في المجتمعات الغربية، لكنها فشلت في معظم المجتمعات الأخرى وأدت إلى الفوضى العارمة وفشلت في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.. ونمت في ظل الحرية الغربية المستوردة الصراعات الداخلية والدينية والطائفية والقومية.. وضُعف سلطان الدولة.. حتى أصبح الولاء للفئة الحاكمة أو للعشيرة أو للطائفة أو المذهب هو الأقوى.. ونمت النزَعات الانفصالية في ظل الحرية المستجدة.. كما أدت الحرية الفكرية الغير واعية إلى شيوع أفكارٍ منحرفة تهدد الاستقرار الاجتماعي.

فهناك بون شاسع بين ممارسة الحرية الشخصية المتعلقة بالخيارات الخاصة لممارسة الحياة اليومية، وبين ممارسة الحرية في الشئون المتعلقة بحياة الآخرين وحرياتهم وممارساتهم وحقوقهم.. فلا بد من إيجاد صيغة مقبولة وعادلة لحماية الحرية العامة والحفاظ عليها، وفي الوقت ذاته حماية "الحرية" من خطر تلك الحرية التي يمارسها البعض بطريقة خاطئة.. فالحرية لأجل الإنسان وليست للإساءة للإنسان.. الحرية يجب أن تكون لأجل الاستقرار الاجتماعي وليست لتهديد الاستقرار.. بخاصة في الدول التي تملك قابليات لممارسة الحرية بطريقة خاطئة.. فالحرية ممارسة لحق وليست سلاحاً ضد الغير.. وبخاصة المجتمعات "المتخلفة" حضارياً التي يمكن للأقوياء فيها من شراء الحرية وبخاصة في الصحافة والإعلام.. حيث لا يملك الضعيف أن يمارس حريته إلا في ظل دولة قادرة على حمايته.. ولا يجب السماح تحت مسمى "الحرية الاقتصادية" مثلاً أن تتحكم مجموعات معينة في مدخرات الدولة ونهب أو إضاعة المال العام.. فهذه تكون بمثابة ممارسة حرية الأقوياء ضد الضعفاء.. حرية أصحاب الأموال والنفوذ ضد المجتمع كله.. حينها يحل الفساد الناتج عن مثل هذه الحرية الاقتصادية المعطاة بيد ثلة من أصحاب النفوذ، وهكذا فساد لا يمكن السيطرة عليه حيث يسيطر أقلية من أفراد المجتمع على مصائر الغالبية من المجتمع.

الحرية تحتاج إلى دولة قوية وحكومة رشيدة تضع نصب عينيها المصلحة العامة التي تشمل الجميع ولا تستثني المقربين فقط وتمنحهم كافة الصلاحيات دون مراقبة وبلا محاسبة.. نعم، ربما يجادل البعض بأن كل مجتمع له مكوناته وخصائصه.. وأن كل مجتمع يجب أن يختار نموذجه الخاص به، ويحقق المصالح المرجوة من الحريّة وهو أقدر على اختيار الحرية التي تصلح له وليس هناك نموذج وحيد لهذه الممارسة الديمقراطية.. وليس هناك مفهوم واحد للحرية.. لكن يجب أن تبقى الحرية مبدأً مقدساً ويجب احترامه. غير أن بعض الحكومات تبدو ضعيفة في سيطرتها على مقدرات الدولة وبالتالي تحارب كل من ينتقدها وتمارس الضغط والقمع والإسكات القسري على كل من يمارس حريته في انتقاد عدم الانضباط والفوضى وضعف الدولة في ممارسة العدالة المجتمعية.. وتكون النتيجة الحتمية للدول الضعيفة أن تنهار في ظل الحرية غير المنضبطة في إحقاق عدالة مناسبة تحفظ حقوق الجميع دون استثناء.

وتشرح "شبكة القانونيين العرب" بأن علاقة الحرية بالقانون ليست على يرام دوماً.. فالحرية تريد فضاءً واسعاً لتسبح فيه بحرية من غير شروط تعجيزية أو من دون قيد أو شرط.. القانون لا يسمح للحرية بما يخالف النظام العام والآداب العامة، ويضع شروطاً لكل منهما مما يعطل نشاط الحرية الطبيعية للإنسان في ممارسة حياته بصورة طبيعية غير معقدة.. رغم أن أي منا لن ينكر ضرورة وضع القوانين لكل مسارات الحياة، غير أن عملية فرض القانون في حد ذاته قد يكون متعارضاً مع مبدأ ممارسة الكثير من الحريات الفردية.. لذا يبقى نوع من الاحتراب قائما ما بين الحرية والقانون.. فتارة يشب نزاع باسم القانون ضد دعاة الحرية.. وتارة باسم الحرية ضد سلطان القانون.. فكما هو الحاجة للقانون أمر مطلوب، كذلك هي ممارسة الحرية، فهي حق مقدس لا يجوز المساس به.

والحرية تعيش حالة من الهيستريا الجدلية دون ان يعي أحد القيمة الفعلية للممارسة الحقيقية للحرية.. ولسنا هنا بصدد اعادة المقولات الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى عن الموجبات التي انجبتها المطالبات الشعبية للحريات بكل انواعها على مر التاريخ ولاسيما في مطقتنا العربية في الآونة الأخيرة، حيث تحول مفهوم الحرية وصناعة القرار والاستقلالية والتحرر من الامبريالية والشعوبية والدكتاتورية الى محطات ذات فواصل كارثية بحق الشعوب.. فلا المعارضة السياسية هي معارضة تمارس الحرية وفق منطقها الممنهج المؤدي الى خلق التغييرات الإيجابية المرجوة، ولا الساسة "الأشخاص" استطاعوا ان يحدثوا بمقولاتهم وتصريحاتهم وآرائهم تلك المساحات الممكنة لخلق ابواب تفضي الى الخروج من الأزمات.. وهذا بالضبط ما يمكن أن نسميه اللعنة التلازمية التي سترافقنا لعقود اخرى طالما لا نجد الوسائل المناسبة لكسب الحرية المطلوبة، وللأخذ بالافكار التي تخدم العدالة والحقوق، دون اللجوء الى العنف اللفظي أو التخريبي المؤدي الى خلق شقاق وتفرق وصِدام بين تنفيذ القانون المفروض وممارسة الحرية.

يقول الأستاذ "حسن بن سالم" (الحياة): "قد لا يكون من المبالغة القول إن التاريخ الإنساني كله عبارة عن صراع طويل من أجل تحرر الإنسان وكفاحه كي يكون سيد نفسه، وتحرره من قيود استعباد البشر وحرمانه له من حقوقه وإجباره على أن يعيش ويفكر وفق نمط خاص يفرض عليه.. فالتجارب الإنسانية في مختلف العصور هي دليل قاطع على أن تقدم الإنسان وازدهار مستقبله وتطوره مرهون بتحرره من القيود التي تكبل حريته وفكره وحركته، وربما لم تخلُ حقبة على امتداد التاريخ البشري من جدل حول الحرية.. دعوة إليها أو اعتراض عليها، أو صراع بين المطالبين بها والمعارضين لها.. وذلك لأنها تقع في قلب الحركة التاريخية، وهي محور التجاذب بين الإنسان والإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه وقوانين الدولة التي يخضع لسلطتها".

يمكن القول إن الحرية مبدأ له مفهوم ثابت ينصرف عند الشرح والتوضيح إلى معانٍ وتطبيقات مختلفة، بعضها مطلوب ومحل اهتمام في جميع الأحوال والأوقات، وبعضها الآخر يبرز في ظرف معين من دون غيره.. ففي بعض الظروف قد ينصرف المفهوم إلى التشديد على الحريات والحقوق المدنية، وتارة على الحريات السياسية، وتارة على التسامح الديني وهكذا.. فالاهتمام ببعد معين من أبعاد الحرية، أو على عنصر محدد مما ينطوي عليه مفهومها، يمثل تعبيراً عن ضرورات أو إفرازات الحركة الاجتماعية في حقبة ما ونتيجة ظروف وأحداث معينة.

الحرية هي المناط الذي يتيح للإنسان في جميع شؤون حياته حق الاختيار الحر من دون خوف أو طمع أو نفاق أو مصلحة أو إكراه من أحد.. وعلى النقيض من ذلك المجتمعات التي تصادر حرية الفرد وتنازعه وتشاركه في حق الاختيار الشخصي بوسائل الإكراه والتخويف، فإن تلك المجتمعات ولغياب مظاهر الاختيار والحرية الفردية تستشري فيها غالباً مظاهر النفاق والرياء والكذب.. فيمارس الإنسان فيها أهواء ورغبات الأكثرية وليس اختياراته ورغباته الشخصية!   فالإنسان الحر هو القادر على اختيار أسلوبه وطريقته في الحياة، وهو غير المرغم على اختيار ما لا يريد اختياره. وقد يردد البعض "أنه لا توجد حرية مطلقة، لا بد من قيود على الحرية وإلا انقلبت إلى فوضى وعبث"، وهي إحدى أبرز الحجج التي يُكثر من تكرارها أعداء الحريات والمعارضون لها، وتكمن خطورتها أنها لا تنطلق ابتداءً من الإقرار بالحرية كقيمة عليا، وهي غالباً ما تؤول في مضامينها إلى تهميش قيمة الحرية!

و كثيراً ما نسمع بما يُعرف بالحقوق الطبيعية، وبالحقوق الدستورية أو التعاقدية، باعتبار الفرد مواطناً في المجتمع المدني.. فمرجع الصنف الأول من الحقوق والحريات هو قانون الفطرة، وهو أعلى من كل قانون يضعه البشر.. بل هو مرجع كل قانون بشري وحاكم عليه.. الحقوق الطبيعية - تبعاً لهذا المبدأ - فوق كل القوانين الوضعية وحاكمة عليها، بمعنى أنه لا يجوز للمجتمع أو الدولة إصدار قانون يخرق حقوق الأفراد الطبيعية لأنها جزء من جوهر إنسانيتهم وضرورة لها، ومن ذلك الحريات المرتبطة بالضمير كحرية الاعتقاد والدين، وحرية التفكير والرأي والتعبير، والحرية في اختيار نمط المعيشة وأساليب العيش.

أما ما يُعرف بالحقوق الدستورية أو التعاقدية، فهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد، أي كونه مواطناً أو عضواً في مجتمع مدني، وأبرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة، بما فيها حق الوصول إلى المناصب العامة أو انتخاب الغير لها.. ومنها أيضاً حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية.. ومن هذه الزاوية فإن الصنف الأول سابق للقانون و"حاكم عليه"، أما الصنف الثاني فهو تابع للقانون و"خاضع له".. وبطبيعة الحال لا يمكن التمتع بالحرية ما لم يكن ثمة قانون يحمي ممارستها، كما لا يمكن تصور حرية من دون قانون يضع حدوداً لما هو مقبول وما هو ممنوع، لأن الحرية المطلقة تعني أيضاً حرية الإنسان في أن يخترق مساحات الآخرين.. وهي قد تقود إلى فوضى اجتماعية، تضيع معها فائدة الحرية.. إنما المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة، فالبديهي أن الحرية حق متساوٍ لجميع الأفراد، وتقتضي العدالة أن يتمتع كل فرد بالقدر نفسه الذي يتمتع به غيره، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تقييده، والطريق المتبع في المجتمعات المتقدمة في ذلك هو بتقسيم الحياة إلى مجالين: مجال شخصي: يتمتع فيه الفرد بالحرية المطلقة، ومجال عام: يطبق فيه القانون بالعدل.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

محمد عرفات حجازيذهب أفلاطون (428 - 348 ق. م)، إلى أنه لا يمكن زوال تعاسة الدول، وشقاء النوع الإنساني، ما لم يملك الفلاسفة، أو يتفلسف الملوك والحكام، فلسفة صحيحة تامة. ولكن ربما يجهل البعض معنى الفلسفة وطبيعتها، ثم يتساءلون عن رؤى الفيلسوف والتي جعلت من أفلاطون يُعلي من شأنه، بل ويرهن السعادة البشرية بحكم الفلاسفة؟!..

الفلسفة تعني محبّة الحكمة، والفيلسوف هو مُحبّ الحكمة، وهو الذي يشتاق إلى الحكمة اشتياقًا كليًّا لا جزئيًّا. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وهي العدل، والإتقان للأمور. والحبّ نقيض البُغض، وهو الوداد والمحبّة. ومن يُحبّ العدل وإتقان الأمور، يصبو دائمًا إلى الصدق ـ الذي هو من خصال الفلاسفة.

إن الفيلسوف الحقيقي، في نظر أفلاطون، يبغض الكذب، ويُحبّ الصدق محبّة صادقة، ويحتقر اللذّات الجسدية، ولا يكترث للمال، ويتّسم بالعفّة، ولا يسوده الطمع، ويتميز بسموّ المدارك وحرية الفكر، وسرعة الخاطر والذاكرة الحافظة.

والفلاسفة هم القادرون على إدراك الأبدي، والتفكير الحُرّ، ولا يخلطون بين الحقائق وبين الصور المُنعكسة عنها، وهم القادرون على رعاية قوانين الدول ومصالحها وعاداتها. وعليه، فإن النفس المليئة بالأفكار السامية، الممتازة بالتفكّر ـ على غرار الفلاسفة ـ لا يمكنها أن تُعلّق شأنًا كبيرًا على متاع الحياة الحاضرة.

إن سعادة البشرية تقوم بحكم الفلاسفة، وإذا شاءت الدولة إحراز الفلاح فلتُسلّم مقاليد أحكامها للفلاسفة؛ فالفيلسوف هو الأكثر حرصًا على ما يُحب.

لقد أوكلت السياسة المصرية إلى الدكتور محمد عثمان الخشت، أحد رواد فلسفة الأديان، مهمة رئاسة جامعة القاهرة، في سبتمبر من العام المنصرم، ولأجل النهوض بالجامعة والتعليم، تمّ تحديد الفلسفة الأساسية للجامعة؛ بحيث يجب أن تتجاوز دورها التعليمي الحالي إلى خدمة الأهداف القومية والوطنية، والجمع بين التعليم والبحث العلمي واستغلال المعرفة، من أجل الوصول إلى درجة النموذج المثالي للمؤسسات العاملة في استغلال المعرفة، وإنتاج قيمة مُضافة للاقتصاد، وتقديم الاستشارات الاستراتيجية، والتوسع في العمل المجتمعي، والشراكة مع المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية والمجتمعية ذات التوجهات الوطنية.

وقد تمثّلت خطة النهوض بالجامعة في أربعة عشر محورًا، هي: تحديث الخطة الاستراتيجية للجامعة؛ وإدارة العملية التعليمية ـ الدورة الكاملة؛ وتطوير منظومة العملية التعليمية؛ والثقافة والتنوير وتطوير العقل؛ وتطوير البحث العلمي والمعامل؛ والتعاون الدولي؛ وإنشاء وتطوير المراكز والوحدات البحثية والخدمية والتعليمية؛ والجودة والإصلاح الإداري والتحول إلى اللامركزية؛ والتحول نحو الجامعة الذكية؛ ورفع كفاءة المنشآت والبنية الأساسية؛ ومشروعات الجامعة الكبرى؛ وأعضاء هيئة التدريس والعاملون؛ والتكافل الاجتماعي؛ وأخيرًا التصنيفات الدولية.

وتكلّلت جهود الجامعة، بقيادتها الحكيمة، بالنجاحات المتوالية، والتي من أبرزها: الاتفاق مع رئيس جامعة هيروشيما على التعاون في مجال علوم السلام، والتسامح ومكافحة الإرهاب، وتمّ الاتفاق المبدئي على درجة علمية مزدوجة لمنح درجة البكالوريوس في مجال النانو تكنولوجي باعتباره من وظائف المستقبل.

وقد تمّ اختيار جامعة القاهرة ضمن أفضل 500 جامعة عالميًا، بتصنيف شنغهاي الصيني 2018م، وتفوقها على عدد من الجامعات العالمية، ويعود ذلك إلى جهود الجامعة، وأساتذتها، في مجمل الأنشطة البحثية، والتعليمية، والإدارية، وزيادة النشر الدولي، وتحسين نوعيته، كذلك أنشأت الجامعة مجلة علمية دولية باسمها وصل معامل التأثير لها عام 2018م إلى (4.3).

كما وقعت الجامعة اتفاقية تعاون مع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية؛ لدعم الاقتصاد الرقمي في الدول العربية، ووقعت بروتوكولان تعاون، مع وزارة التموين والتجارة الداخلية في مجالات تنمية مهارات العاملين بالوزارة وتدريب الطلاب، كذلك حدّثت الجامعة من خطتها الاستراتيجية لخدمة الأهداف القومية والاقتصاد الوطني، وأعلنت برامج التعليم المُدمج الجديد خلال العام الدراسي 2018ـ 2019م، وتطوير الحرم الجامعي وفق الأصول الفنية والتراثية، كذلك عملت الجامعة على توطيد العلاقات مع مملكة البحرين الشقيقة، ولعبت دورًا بارزًا في تجديد الخطاب الديني.

أيضّا، عملت الجامعة وفق استراتيجية تربط الدراسة بالتحديات القومية، وسوق العمل في مصر، كما أسهمت الجامعة في مجال البحث العلمي لخدمة الأهداف القومية.

وقد جاءت جامعة القاهرة ضمن أفضل 300 جامعة حول العالم في مجال التوظيف، وفقًا لترتيب المصنف الإنجليزي QS لمعيار القدرة على حصول خريجي الجامعة على وظائف في مصر وخارجها.

هذا بعض ما أنجزته جامعة القاهرة، في ظلّ القيادة الرشيدة لأحد فلاسفة مصر، والذي يستحقّ منّا، جميعًا، كل التقدير.

إن ما فعله الدكتور الخشت، يؤكد على أن الفلاسفة الأوفياء لا يقلّون شأنًا عن الإدارة العسكرية في حُسن الإدارة والنهوض بمؤسسات الدولة، بل ويضع الفلاسفة على رأس القوى المبدعة في المجتمع، والتي لا تهدف إلى الاستحواذ على السلطة من أجل السلطة، بل للنهوض بالمجتمع إلى المكانة التي تليق به عالميًا..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

حسن زايدالطلاق علي أهميته في حياة الأسرة المسلمة، إلا أن معظمنا يجهل معناه وأهميته وشرعيته وتبعاته. وإن كان الجهل به لا يحول دون ممارسته فعلياً علي أرض الواقع، بجهل أو بعلم، كما أن الجهل به لا يمنع ممارسته من الناحية الشرعية.

ولما كان الطلاق قد استشري في المجتمع علي نحو مَرَضي، إلي حد الزيادة المخيفة في معدلاته، ونتيجة الجهل بأحكامه جهلاً مطبقاً، فإن آثاره المدمرة قد زحفت في اتجاه الكيان الأسري، الذي يمثل النواة الأولي للمجتمع، ومن ثم تدمير المجتمع.

ولذا فإنه من الأهمية بمكان الوقوف علي الطلاق وحقيقته وشرعيته وأحكامه وأسبابه.

وللوقوف علي معني الطلاق فلابد من تناول المعني اللغوي والمعني الإصطلاحي له. والمعني اللغوي حين يطلق، يكون هو المعني الذي يستعمله أهل اللغة، وهو المعني القاموسي، وبذا يكون المعني اللغوي للطلاق أنه: هو حل الوثاق والإطلاق، وهو الإرسال والتّرك، ويأتي الطّلاق أيضاً بمعنى إزالة القيد. وكذا فإن المعني الإصطلاحي حين يطلق يكون هو ما اصطلح أهل الفن عليه من معني. وبذا يكون المعني الإصطلاحي للطلاق أنه: حل عقد الزّواج، وهو فسخ عقد النّكاح قولاً بلفظ مخصوص معيّن.

والدليل علي مشروعية الطلاق قوله تعالي: "الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وفي الحديث النبوي الشريف: "إن أبغض الحلال عند الله الطّلاق". فإذا كان الحكم الطلاق، فدليل هذا الحكم من الكتاب والسنة، وهما من أوائل مصادر التشريع الإسلامي.

وقد قسم العلماء أحكام الطلاق إلي خمسة أقسام: الأول الطلاق الحرام: وهو الطلاق البدعي، ويحدث اثناء حيض المرأة، فيحرم أن تطلّق المرأة وهي حائض. الثاني الطلاق المكروه: إذا كان من غير سبب مع استقامة حال الزوجة. الثالث الطلاق الواجب: وهو الطلاق في حالة أنّ الحياة الزوجيّة تعب و شقاق. الرابع المندوب: وهو الطلاق في حالة عدم العفّة وعدم صون الحياة الزوجية. الخامس وفيه اختلاف بين العلماء ولا داعي للخوض في تفاصيله.

وكذا جري تقسيم الطلاق وفقاً لمعيار إمكانية الرجوع فيه، والعودة عنه، إلي قسمين هما:الأول الطلاق الرجعي، وهو الطلاق الذي لا ينهي الحياة الزوجية بشكل نهائي، ويمكن الرجوع فيه. الثاني الطلاق البائن، وهو ينقسم إلي فرعين أو نوعين: الأول الطلاق البائن بينونة صغري، الثاني الطلاق البائن بينونة كبري. وهي تقسيمات موضع نقاشها واستعراض تفاصيلها كتب الفقه، وليس مقالاً.

والطلاق رغم أنه حلال، إلا أنه حلال بغيض. وقد أفصح عن ذلك وكشف عنه المصطفي صلي الله عليه وسلم في حديثه المتقدم. ورغم مبغوضيتة إلا أنه له أسباب تجيزه، وتجعله ضرورية حتمية واجبة، يصعب الإستغناء عنه كحل نهائي للمشكلات الأسرية. هذه الأسباب تنقسم إلي قسمين:

الأول يتعلق بطلب المرأة الطلاق مثل: فسوق الزوج وفساده وإذا كرهت منه عيباً لا يرجي شفاؤه وإذا عجز عن الوفاء بحقوقها وإذا سبها وعنفها وضربها لغير مقتضاً شرعاً وإذا خالف الشريعة والفطرة في حقوقها. وتضررها من غيابه وإذا بغضته ونفرت منه وإذا منعها أهلها وأجبرها علي مقاطعتهم.

الثاني ويتعلق بأسباب تنهي الرابطة الزوجية من جانب الرجل، مثل: فساد الزوجة في دينها وأخلاقها والفتور والبرود في المعاشرة والعجزعن الوفاء بحقوقها والإنفاق عليها.

وليس معني توافر الأسباب الدافعة للطلاق، سواء من جانب الآداء الرجولي له، أو من جانب طلب الطلاق من قبل المرأة، أن يتم إتيانه كيفما اتفق، وأن يكون وسيلة للإنتقام والتشفي والتخسير والخراب والحرمان من الحقوق، وقد تم ضبط إيقاع الطلاق ممارسة، من جانب المولي عز وجل، حتي يبقي الفضل بين الناس: " ولا تنسوا الفضل بينكم "، بهدف الحفاظ علي الأُسَر والمجتمع من التفكك والتحلل عند ممارسة الطلاق، وأن يتحول الطلاق من حل لمعضلات أسرية واجتماعية إلي مشكلة ومعضلة في حاجة إلي حل.

يقول تعالي: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ". ومعني ذلك أن أساس الإمساك بين الزوجين هو المعروف، وأساس التسريح هو الإحسان. ويؤكد ذات المعني وزيادة قوله تعالي: " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ". والزيادة في المعني هنا بزيادة المبني، ففضلاً عن الإمساك بمعروف، فلا يكون بقصد الإضرار بالزوجة. وانظر معي إلي اللطف الإلهي حين يوجهنا هذه التوجيهات الجميلة بمراعاة هذه المعاني في ممارسة فعل الطلاق، في قوله تعالي: " فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ". ولا يقتصر الأمرعلي فعل الطلاق وإنما يمتد إلي ما بعده، حين يقول المولي عز وجل: " فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا "، وقوله: "وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ".

فإذا كانت تلك آداب الطلاق وأسبابه، فلابد أن ندرك أن هناك خلل في موضع ما، أفضي إلي ما نحن فيه كأفراد وأسر ومجتمعات. فقد أصبح الطلاق يقع بين الزوجين بسبب توافه الأمور التي لا ترقي إلي مستوي المشكلة، ثم نصنع منه أزمة، ثم نرتب علي وقوعه مظالم لا حدود لها، تلحق بالزوجين، أحدهما أو كلاهما، وكذا الأسرتين والأولاد، ومن ثم المجتمع ككل. وقد يكون الخلل في التربية، والأسرة، والمدرسة، والشارع، والثقافة السائدة. فهل ننتبه إلي أهمية معالجة هذا الخلل؟.

 

حسن زايد

 

 

حسن العاصيقد تكون حلماً مستطاباً في غفوة ضنك الحياة، وربما شراباً عذباً في قيظ الاستبداد، لكنك إن استجليت حقيقتها، تدرك أنها سراباً تحسبها الشعوب ديمقراطية. إذ كلما اعتقدنا أننا ندنو من الديمقراطية، نجدها تبتعد، حتى يخيل أن إدراكها غاية محالة، ليس في بلداننا العربية فحسب، بل حتى في تلك البلدان التي ابتكرت الديمقراطية واحتضنتها. إن القول السائد في الغرب أننا نعيش عصر ازدهار الديمقراطية، هو كذبة كبيرة يصدقها الكثيرون.

هل تحتضر الديمقراطية الغربية في أوروبا، أم أنها تعاني مرضاً يتعلق بالنمو؟ سؤال بات يشغل اهتمام كثير من المفكرين الغربيين، في فترة تصاعد فيها الأفكار العنصرية والمتطرفة. إن بريق الديمقراطية اللامع في الغرب قد بدأ يخفت بدءًا من بحر البلطيق إلى البحر الادرياتيكي، لتحل مكانها نزعات ثأرية واستياء قومي مرعب يمور تحت رمال متحركة، تتيح للأفكار المتشددة موطئ القدم الذي يحتاجه.

تاريخ الديمقراطية

الديمقراطية مفهوم مشتق من كلمتين يونانيتين هما "ديموس كراتوس" تعنيان حكم الشعب. وهو تعبير يناقض مفهوم الملكية في المفاهيم اليونانية. فالديمقراطية هي مصطلح إغريقي ظهرت أولى براعمها في مدينة أثينا اليونانية القديمة. وتعني حكم الشعب للشعب وبالشعب. وردت لأول مرة في كتب "أفلاطون" حين كتب في سياق الحديث عن الدستور الذي ينظم شؤون مدينته، أن "الديموكراتيا" ليست أسلوباً للحكم، إنما هي شهوة تتيح لبعض الناس التحرر من كافة المعايير والانفلات من الضوابط. وقال الفيلسوف "أرسطو" تلميذ أفلاطون أن الديمقراطية أمر طيب طالما يتم منع الديمقراطيين من ممارستها.

الديمقراطية التي ولدت في أثينا قبل الميلاد، كانت الجمعية التشريعية تتخذ القرارات بواسطتها، بحضور كافة المواطنين، لكن فقط "الإثنيين" الذين كانوا يشكلون حوالي 18 في المائة من السكان، هم وحدهم من يمتلك الحق في التصويت، لأن "الديموكراتيا" كانت تستبعد النساء والعبيد والرجال الذين لا يمتلكون شيئاً، وكذلك كل من ينحدر من سلالة مختلطة. وحتى القرن الثامن عشر كانت الديمقراطية ملاحقة، وكافة المنشقين والمعارضين كانوا يسمون أنفسهم سراً بالديمقراطيين. هذا الحال لم يبدأ بالتغير إلا في نهاية القرن الثامن عشر مع بداية الثورتين الفرنسية والأمريكية.

تعرضت الديمقراطية لانتقادات شديدة من قبل عقول فلسفية غربية مهمة. في كتابه "الجمهورية" ذكر أفلاطون أن معلمه سقراط حين كان يحاضر في طبيعة الدولة المثالية، وفي سياق حديثه سأل صديقه وشريكه "أديمانتوس" إن كان يفضل الصعود على متن باخرة يقودها أحد الركاب، أم قبطان متدرب وخبير. بهذه الاستعارة كان سقراط يجري مقاربة مفهوم الدولة، حيث يعترض على الحكم الديمقراطي، وضرورة عدم السماح لأي كان بقيادة سفينة الدولة. واعتبر أن ليس جميع الناس يمتلكون الذكاء الذي يتيح لهم إدارة الدفة. افلاطون نفسه أشار إلى أن الديمقراطية واحدة من المراحل الأخيرة في انحدار الدولة المثالية، إذ اعتبر أنها سوف تجلب الطغاة.

أرسطو بدوره اعتقد أن الديمقراطية نسخة فاشلة من حكم الجماعة، وكان يرى أن أثينا مدينة تتداعى لأنها تبتعد عن دستورها الذي وضعه الحكيم اليوناني "سولون".

إن فكرة قابلية الديمقراطية للتصدع، كانت فكرة منتشرة بشكل واسع في التاريخ القديم. حتى الفيلسوف الفرنسي "فولتير" الذي كرس حياته في مواجهة التعصب والتطرف، ودفاعاً عن حرية التعبير والحريات العامة، كان له موقف إشكالي من الديمقراطية حين اعتبر أنها منفصلة عن مفاهيمه الليبرالية.

أصبح مصطلح الديمقراطية متداولاً بين المثقفين والمتنورين في أوروبا، وتشكل رأي عام حول مفهوم الديمقراطية وسط المفكرين رداً على تسلط الكنيسة التي كانت تمتلك سلطات كبيرة على الناس من خلال تحالفها مع الإقطاعيين.

مع ظهور علماء الطبيعة "نيوتن" و"غاليلو" في بداية عصر النهضة، وجهت لهم الكنيسة تهم الزندقة، وحرضت العامة الذين أحرقوا بعض المفكرين والعلماء وهم أحياء. في هذا الصراع تم التوصل إلى اتفاق بين الكنيسة والمفكرين المتنورين وبعض أصحاب رؤوس الأموال من أهل النفوذ، على عقيدة "فصل الدين عن الدولة". وبذلك تم تحديد دور الكنيسة بالسلطة الروحية. من هنا شقت الديمقراطية طريقها الذي كان سبباً في تغير الطبقات الحاكمة، ومهدت لسقوط عروش وممالك أوروبية وتحويلها لرموز دون سلطات فعلية "بريطانيا، السويد، هولاندا"

لماذا يقبل الغرب على الديمقراطية السيئة؟

إن الديمقراطية التي مارستها أثينا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة. فالديمقراطية القديمة كانت فعلاً مباشراً حاداً إلى درجة لا يمكن معها تحقيق أي استقرار. وكانت ديمقراطية يحتكرها نسبة ضئيلة من السكان اللذين يمتلكون حق التصويت وكلهم من الذكور الأصليين. كانوا يجتمعون في الجمعية العامة ويتداولون الشأن العام بكل حرية في الميدان العام. ديمقراطية وفرت مناخ من الحرية في أثينا لم يتحول إلى فوضى، وديمقراطية أتاحت بعض العدالة وبعض المساواة ولكن أمام القانون، بحسب ما رواه "بيريكليس" حاكم مدينة أثينا.

الديمقراطية اليونانية أتاحت إمكانية أن شغل العديد من المواطنين العاديين اللذين تم اختيارهم عشوائياً مناصب حكومية. وقد نال الفيلسوف "سقراط" نفسه منصباً بهذه الطريقة، وهي الديمقراطية التي قتلته أيضاً، بعد أن تم إجباره على تجرع السم عقاباً على معتقداته المعرفية، وبهذا يكون "سقراط" أول رجل في التاريخ يعدم بسبب أفكاره.

انشغل سقراط بالإشكاليات التي يلقيها المواطنين غير المتعلمين في حال حصولهم على مناصب في السلطة، وهي إشكالية ما زالت تشغل عدد من المفكرين منهم عالم "الأثولوجيا " البريطاني "ريتشارد دوكينز".

ويعتبر سقراط أن في الحياة شيء واحد صالح ومفيد هو المعرفة، وهناك شر واحد هو الجهل. لذلك يعتبر أن التعليم هو أفضل رجاء للديمقراطية. ذلك أن الشعب المتعلم يستطيع مراقبة عمل السلطة وتمييز السياسي المخادع من الصادق.

في هذا السياق نذكر أن نصف السكان الأمريكيين البالغين لا يعرف معلومات مهمة واساسية عن عملية التصويت والانتخابات، كما أنهم يجهلون عمل ووظيفة كثير من دوائر ومؤسسات الدولة الأمريكية. ولكن فيما يتعلق باليونانيين القدماء كان التعليم يتعلق باللغة والمنطق والهندسة والحساب والفلك والموسيقى. هذه العلوم تحولت فيما بعد إلى أساس للتعليم اللبرالي الحديث. إن العلاقة بين الديمقراطية ومستوى التعليم علاقة جدلية تبادلية. تقوى الديمقراطية كلما زاد التعليم وانتشر وعلت قيميته ونوعيته، وتضعف الديمقراطية وتصاب بالوهن في مجتمعات ينخرها الجهل. وهذا يقودنا إلى مفهوم أن على جميع المواطنين الحصول على تعليم مناسب لكي يتمكنوا من حكم أنفسهم، حتى لا ينتهي بنا المطاف مثلما حصل في أثينا، كانت ديمقراطية في الاسم، لكن يحكمها الرعاع الجهلة في الواقع.

هذا ما تستغله الديمقراطيات الغربية التي تقوم بدعم الطغاة والديكتاتوريات في المنطقة العربية، وفي المناطق الأخرى الأكثر قهراً وجهلاً في العالم، وتساندهم سياسياً وأمنياً لقمع الشعوب. وحين يرى هذا الغرب "الديمقراطي" أن مصالحه تتعرض للخطر في هذه البلدان، سواء من قبل الشعوب المضطهدة، حينها يتنكر للديمقراطية، وإن تهددت مصالحه من أطراف في الأنظمة الاستبدادية نفسها، فإنه حينها يرفع في وجههم راية الديمقراطية "المسكينة" التي لم تُحترم، ويتم تحريك ملفات الفساد وملفات حقوق الإنسان التي تنتهك، ليتحول المواطن المقهور في دول العالم البدائي إلى مجرد أداة ضغط وابتزاز لتأمين مصالح الدول العرقية البغيضة، وحقوق شعوبها البيضاء التي وحدها جديرة أن تنعم بمكارم السيدة "ديمقراطية".

مبررات أخلاقية

لكل فرد في المجتمع الحق في ممارسة حرياته الشخصية، لكن النزوع نحو الممارسة العشوائية بحيث يتم تغليب المنافع الشخصية الفردية على مصالح الأفراد الآخرين في المجتمع، سوف يؤدي إلى تصادم أناني غرائزي بين رغبات البشر، مما يعني أن القوي يفرض جشعه على الآخرين، ويستأثر بالحقوق كافة. لذلك فرضت نظرية العقد الاجتماعي تنازل كل إنسان عن بعض حرياته إلى الدولة، التي هي بمثابة كيان ينظم الحريات ويوزع الحقوق بالعدل بين المواطنين. حينها يحصل الناس ما هو لهم بواسطة سلطة ملزمة لجميع الناس دون تمييز. هذا من شأنه أن يؤدي إلى حالة يشعر فيها الجميع أنهم محكومين وحاكمين عبر انتخاب ممثليهم في البرلمانات، وفي المساهمة بصياغة القوانين، مما يوفر الإحساس بالكرامة والاحترام لدى المواطن. تماماً هذا هو الأساس الفلسفي للديمقراطية الغربية.

فكرة الديمقراطية الغربية تقوم على مبدأ إن كانت الشعوب لا يمكنها حكم نفسها بنفسها، فلابد أن تقوم بانتخاب ممثلين عنها في السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

فهل يحكم الشعب؟

في الديمقراطيات الغربية، يصل الحكام فيها إلى سدة السلطة عبر الانتخابات، من خلال ترشيح من أحزابهم السياسية. فالأحزاب السياسية هي التي تقترح أسماء من طرفها ليكونوا ممثلين لهذه الأحزاب في السلطة التشريعية، وهم من يقوم الشعب بانتخابهم عبر انتخابات حرة ونزيهة ومباشرة. هذا الأمر يتم في كافة الدول الغربية بغض النظر عن شكل الحكم فيها، سواء أكان رئاسياً مثل الولايات المتحدة، أو كان حكما وزارياً مثل بريطانيا، أو نظاما مختلطاً كفرنسا. ويقولون لقد انتخب الشعب ممثليه، وأن الشعب يشارك في الحكم والسلطة.

لكن الحقيقة أن ممارسة الناس لحقها في التصويت لا تعني شيئاً حقيقياً في الواقع، لأن مراكز المال وكبار الصناعيين وأصحاب الثروات هم من يمتلك القرار الحقيقي في الدولة. وهم الذين يسيطرون على الأحزاب وعلى المجالس التشريعية وعلى النقابات والبلديات. ولا يمكن لأحد من خارج هذه المنظومة أن يشغل مقعداً في هذه الهيئات. ومن أجل أن تكتمل أكذوبة الديمقراطية يتم توظيف وسائل الإعلام هنا لتنجز مهمتها في الكذب والتزييف والتدليس، ومن سوء طالع الديمقراطية فإن أصحاب الثروات هم أنفسهم أصحاب وسائل الإعلام، وهم الذين يسيطرون على الشركات الكبرى التي تستطيع صناعة الحرب والسلام، يمكنها افتعال الحروب لتحريك العجلة الاقتصادية، ويمكنها اللعب في الاقتصاديات كما تشاء عبر تغيير أو إصدار قوانين تتعلق بالتجارة أو الضرائب. إن سيطرة رؤوس الأموال في الدول الغربية هي مصدر السلطات. والشعوب التي تظن أنها تنتخب بحريتها من اختارتهم هي شعوب واهمة، لأن الحقيقة أن من ينتخب هي القوى التي تمتلك رأس المال المتنفذ.

إنها ديمقراطية تضمن لك حرية أن تفعل ما تريد لكن ضمن القوانين التي رسم خطوطها أصحاب القوة الاقتصادية التي تسيّر القرارات، فأنت تختار بإرادتك ما حددوه هم لك.

ديمقراطية تافهة تجعل المجتمع ووسائل الإعلام منشغلة بقط تم دهسه في الطريق العام، بينما لا تلقي بالاً تجاه الآلاف الذين يموتون في أماكن متعددة في هذا العالم المجنون، ولأسباب مختلفة.

ديمقراطية مزيفة تتلاعب بها وسائل الإعلام ومراكز الأموال، وتتحكم بمسارها من داخل غرف سوداء، كي تقوم بتزييف الحقائق وخداع الشعب، وتوجيه القضايا العامة في تجاه محدد بعد أن يتم إلباسها ثوب الديمقراطية، كما حصل في العديد من الملفات الكبرى التي تم الكشف عنها.

ديمقراطية الكذب

الديمقراطية كما أرادها المفكرون والتي تعني أن يكون الشعب مصدر السلطات، وأن يحكم نفسه بنفسه، لا وجود لها، إذا بقيت هذه الكلمات خالية من أي معنى حقيقي. إن عدم احترام المجتمعات الغربية لمفهوم الديمقراطية كما وصفها الفلاسفة، ليس هو الإشكالية الوحيدة، إنما الطامة هو الكذب والتزييف الذي تقوم به هذه الأنظمة على شعوبها كونها تدّعي أنها دولاً ديمقراطية، وأنها تحترم تطبيق الديمقراطية. إنهم يكذبون لأنهم لا يكشفون الحقيقة بأن مفهوم الديمقراطية وهم غير قابل للتطبيق كما ورد نظرياً، وأنه لا يمكن للحكم إلا أن يكون فردياً. وهذا لا يتعارض مع تشكيل هيئات استشارية لتزويد الحاكم الفرد بالبيانات والمعلومات ونصوص الدستور الذي تجعله يتخذ قرارات مفيدة وقابلة للتحقق. دور الفرد هنا أهم كثيراً من دور الجماعة، والقيادة ومركز اتخاذ القرارات لا يمكن إلا أن يكونا من صلاحية فرد واحد هو رأس السلطة السياسية. لكن هذا لا يعني بأي حال أنها سلطة ديكتاتورية، لأن الرئيس تم انتخابه عن طريق ممثلي الأمة، ويلتزم بدستور البلاد، هذا الالتزام تحميه المحكمة الدستورية العليا.

عوائق الديمقراطية

أهم العقبات التي تحول دون أن ننعم بديمقراطية حقيقية هي، وجود الحكام المستبدين الذين يحولون دون تشكل معارضة حقيقية لأنهم سوف يكون مصريهم إما السجون أو المطاردة، حكام ظالمون يفرضون رأيهم على الجميع بقوة السلطة، وتفشي آفة الفقر بين الشعوب وارتفاع مستويات البطالة، تجعل الناس تستسلم للقهر للحصول على لقمة العيش، وكذلك انتشار مستويات مرتفعة من الجهل تحول الناس إلى فريسة سهلة الانقياد للأكاذيب، ثم وسائل الإعلام التي يتم توظيفها في خداع الناس والكذب على الجمهور، وتضليل الناخبين بواسطة الدعاية المركزة، التي تقوم بغسيل أدمغة البشر وتكييفها مع الواقع.

اختفت صورة الحاكم المستبد -تقريباً- في الدول الغربية، واختفى أيضاً نموذج الرئيس "الزعيم" الذي يتمتع بالجاذبية الجماهيرية، والمقدرة الخطابية التي تلهب حماس الناس مثل " ونستون تشرشل، شارل ديغول، جون كينيدي". كما تراجعت كثيراً مستويات الفقر والجهل في الغرب خلال فترة بعد الحرب العالمية الثانية، لأسباب متعددة منها انتشار التعليم وتحسن مستوى المعيشة. مع ذلك تراجع دور المجالس النيابية في هذه البلدان، وانخفضت نسبة المشاركين في التصويت بالانتخابات، وتمادت السلطة السياسية في اتخاذ قرارات كبرى لا تحظى بدعم شعبي.

تحالفات عابرة للقارات

في سبعينيات القرن العشرين ظهرت ما باتت تعرف "الشركات متعددة الجنسيات"، شركات عملاقة يمتد إنتاجها وتسويقها ونشاطها الصناعي إلى مختلف بقاع الأرض، تمتلكها مراكز الأموال في العديد من الدول، لذلك هي ليست منسوبة لدولة بعينها. لقد تطورت هذه الشركات الضخمة تطوراً سريعاً، ونمت حركة التصنيع والتسويق فيها بحيث أصبحت تنافس في نشاطها دولاً كبرى. ماذا يعني هذا؟

يعني أن هذه الشركات العظيمة لم تعد خاضعة للسياسات الاقتصادية التي تحددها الدولة الوطنية أي دولة المنشأ، وأصبحت تهرول نحو مصالحها وتتجاهل المصلحة الوطنية، وهكذا انحسرت سلطة الدولة وتضخمت سلطة هذه الشركات، بل وصلت سلطة الشركات عابرة للقارات أن تحول العديد من الموظفين العموميين للدول الغربية وأهمهم الدبلوماسيين، إلى موظفين يحافظون على مصالح هذه الشركات. فأصبحت الدولة تضعف وهذه الشركات تقوى أكثر فأكثر، وهذا يؤدي إلى ضعف الولاء للدولة الوطنية في مواجهة تيار العولمة.

ولنا أن نتخيل ما الذي حدث للديمقراطية الغربية؟ نعم ما زال في المشهد العام أن الناس ينتخبون أعضاء المجالس التشريعية البرلمانية، ولا زالت الأحزاب السياسية تتنافس فيما بينها للفوز في الانتخابات. لكن الحقيقة التي لا يراها الناس أنه تجري حوارات ومباحثات في الغرف المغلقة بين الزعماء السياسيين وبين ممثلي الشركات الضخمة، وداخل هذه الغرف يتم اتخاذ عدة قرارات تحدد اتجاهات الأحزاب، وتتحكم بكافة خيوط اللعبة الديمقراطية.

النتيجة انخفاض واضح في نسبة المشاركين في التصويت، وغابت القضايا الخلافية الكبرى بين الأحزاب بسبب التوافقات غير المعلنة.

ثم حصل تطور آخر ترافق مع تضخم الشركات العملاقة، إذ تصاعد السلوك الاستهلاكي في المجتمعات الغربية مترافقاً مع ارتفاع مستويات الدخل، وكذلك التطور السريع في وسائل الاتصال الذي جعل التسوق أكثر سهولة. ونتيجة التنافس الشديد بين الشركات والجهات المصنعة، أصبح الشغل الشاغل لها هو توظيف البيانات التي تحصل عليها لزيادة الاستهلاك، وتراجع الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، الأمر الذي يجعل المواطن يقع تحت تأثير وسائل الإعلام التي توجهه نحو السلع التي تحقق الربح الأكبر للشركات، وهذا يكشف زيف الادعاء بأن للمستهلك الحق في اختيار المنتج الأفضل. وهكذا احتل هذا المستبد الجديد - الشركات العملاقة- مكان المستبد القديم.

ماذا عن الضوابط الأخلاقية

خلال السنوات الأخيرة، تبدو القارة الأوروبية للمتابعين، أكثر توتراً وقلقاً وانشغالاً بمتابعة الموجات المتتالية من الشعبوية الساخطة، ومن تصاعد خطاب الكراهية ضد الآخر، لذلك تظهر الديمقراطية الغربية في أضعف حالاتها، لأنه ببساطة يجري تفريغها من محتواها عن طريق توسع الأفكار اليمينية المتشددة.

إن التطرف في أوروبا قد أصاب اليمين واليسار على حد سواء، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، إن الحكومات القومية في بولندا وهنغاريا يهددان حكم القانون الدستوري، ونلاحظ أن الأحزاب المتطرفة من اليمين واليسار في كل من إيطاليا والنمسا واليونان وألمانيا والسويد في تصاعد. ففي الوقت الذي تشيخ فيه الديمقراطية الغربية، علينا أن نلاحظ أن عمرها لا يتجاوز ربع قرن في دول شرق أوروبا.

في استطلاع للرأي أجرته مؤخراً مؤسسة "بيو" الأمريكية للأبحاث، أظهر أن 20 في المائة من المواطنين اليونانيين والإسبان يعتقدون أن الديمقراطية التمثيلية طريقة سيئة لإدارة الحكم. فيما عبر 29 في المائة من الإيطاليين موافقتهم على وجود قائد قوي يتخذ قرارات دون تدخل السلطات التشريعية. وأن 26 في المائة من البريطانيين لديهم موقف ناعم من الحكم الفردي. وفي دراسة مختلفة أجرتها في العام 2016 مجلة الديمقراطية، قال 40 في المائة من الشباب البريطاني أن الديمقراطية لم تعد حيوية، و44 في المائة قالوا إنهم لم يصوتوا أبداً.

هل فشلت الديمقراطية الغربية؟

ألم يحكم هتلر ألمانيا النازية بانتخابات ديمقراطية؟ والفاشية الإيطالية ألم تنجب موسوليني بواسطة انتخابات ديمقراطية؟ نتنياهو الصهيوني قاتل الأطفال يحكم باسم الديمقراطية ووصل إلى سدة السلطة بواسطة انتخابات ديمقراطية كذلك!

إنها الديمقراطية الغربية التي وصفها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأنها "فخ الحمقى". واعتبرها الزعيم البريطاني ونستون تشرشل أسوأ نظام. ديمقراطية تعتمد التكييف الاجتماعي للبشر مما أوجد الغالبية الصامتة. إنها ديمقراطية الحرية والمساواة والعدالة ومنح السلطة للشعب غير المخول بممارستها أصلاً. لهذا قال عنها الفيلسوف السويسري "جان جاك روسو" أن الديمقراطية الحقيقية بمعناها الدقيق لم توجد أبداً ولن توجد أبداً.

ديمقراطية هلامية يشن الغرب باسمها الحروب على الدول النامية، ويحاول فرضها على دول أخرى. هي ذاتها الديمقراطية التي تضج بها الوسائل الإعلامية الغربية وتحاول تعميمها، في وقت يرفضها الكثير من المفكرين الغربيين وعلماء الاجتماع، وغالباً لا نسمع أصواتهم. ومن المستغرب أنه رغم فشل الديمقراطية بنموذجها الغربي، إلا أننا نجد محاولات الغرب لا تتوقف إلى نشرها وتعميمها بالترغيب أو الترهيب.

إن الديمقراطية في العصر التنويري الغربي تتشابه مع تلك الديمقراطية اليونانية. حيث كان الحكم للنبلاء في العصر الإغريقي، وأصبح الحكم للطبقة البرجوازية بعد الثورة الفرنسية، وفي كلا المرحلتين كان حق التصويت حكراً على الأحرار والملاك.

أما الديمقراطية في العصر الحديث فهي تفرض الوصاية على الشعب، لأن الأحزاب السياسية لا ثقة لها بقدرة الشعب على حكم نفسه بنفسه.

ما بعد الديمقراطية

يتسم القرن الواحد والعشرين بسقوط الأيديولوجيات والنظريات، والنظام السياسي العالمي لم يعد يخضع للتصنيف المألوف، فهو لم يعد لا يسارياً ولا يمينياً ولا ديمقراطياً. إنه قرن المصالح الكبرى، حيث تتصارع فيه قوى عظمى تبحث عن آليات لتحقيق مصالحها، في ميدان يعتبر أن القوة الحقيقية هي القوة الاقتصادية التي تتمكن من الاستحواذ على الأسواق لتلبية الاحتياجات البشرية المتزايدة.

دخلت المجتمعات الغربية -بمعظمها- عصر الشعبوية ما بعد الديمقراطية، التي أظهرت الانتخابات الأخيرة التي تم تنظيمها في العديد من الدول الأوروبية خلال العامين الأخيرين، الوجه الصريح الواضح لها، إذ حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة توسعاً جماهيرياً وصعوداً انتخابياً. واعتبرت الأحزاب العنصرية أن هذا الفوز بداية ما أسماه رئيس الوزراء الهنغاري "فيكتور أوربان" بالديمقراطية غير البرلمانية، وكان يقصد فصل النظام الانتخابي عن القيم الحداثية الغربية. فيما دعت أحزاب أخرى إلى العودة للهوية المسيحية التقليدية التي كانت محور الخصوصية الأوروبية.

وهذا ما ذكره عالم الاجتماع الفرنسي "ايمانويل تود" حيث حدد خمس سمات للظرف الراهن في بلد مثل فرنسا اليوم وهي عدم اتساق الفكر والتواضع الثقافي والعدوانية والحب المرضي للمال وعدم الاستقرار العاطفي والعائلي. ويقابل هذه السمات برأيه انحسارا في الديمقراطية وخللا في التربية وفراغا روحانيا وزيادة في فقر الشرائح الشعبية.

إن عالم ما بعد الديموقراطية هو عالم تتراجع فيه السياسة لمصلحة الاقتصاد و/أو الأمن و/أو الثقافة الخاصة. إنه أيضاً عالم تتقوض فيه الأسس المعرفية للعلوم الاجتماعية، بفعل القوة الناعمة للنظام الجديد.

هل يتحول النظام السياسي العالمي، إلى نظام لا شيوعياً ولا ديمقراطياً ولا ليبرالياً ولا رأسمالياً، ويتحول الكون إلى مدن بلا أسوار؟

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

خالد جودة احمدعندما قال القدماء أن المستحيلات (الغول والعنقاء والخل الوفي)، فهل صاغوا بذلك حقيقة ثابتة من حقائق الحياة؟، لا شك أن لقولهم ظل من الحقيقة، فالصداقة الحقة تدخل في دائرة الندرة علي أقل تقدير، إذا جاوزت دائرة المستحيلات كما نصت عبارتهم الأثيرة، وزاد من صدق تلك الرؤية ما اكتنف زماننا من أثرة وحب للنفس، والشح بعطائها، قال تعالي: (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، في هذا الزمن الموغل في المادية، وجفاء القلوب، والتكالب حول المصالح أو حتى أشباه المنافع، نكاد لا نجد مكانا للصداقة بمثالها الكريم، وكما تهوي القلوب وتريد، ويذكرني هذا بفلسفة الحكيم عندما سأله رجل: (كم عدد أصدقائك؟)، فأجاب: (لا أدري الآن لأن الدنيا مقبلة علي والناس كلهم أصدقائي، وإنما أعرف ذلك إذا أدبرت عني، فخير الأصدقاء من أقبل إذا أدبر الزمان)، وكأنه يقول قول الشاعر عندما قال لصديقه المأمول: (إن لم تكن لي والزمان شر مبرم / فلا خير فيك والزمان ترأي لي)، والشاعر الآخر يقول: (جزي الله الشدائد خيرًا / عرفت بها عدوي من صديقي)، واخشى ما أخشاه أنه لا يبقي لهذا الشاعر من أصدقاء بعد بلواه، فالناس اليوم خلان المال، فهذا شاعر يعبر عن محنته النفسية قائلًا في أبياته الشعرية: (أري الخلان لما قل مالى / وأجحفت النوائب ودعونى / لما أن أغنيت وعاد مالى / أراهم - لا أبالك – راجعونى / كأن القوم خلان لمالى / وإخوان لما خولت دونى).

وعلي نفس النسق تحضرني حكاية رمزية تصور واقع الصداقة في عصرنا، فقد سأل صديق صديقه :إذا كان لديك ستة قصور، هل تعطينى قصرا منها؟، فأجاب: بالطبع، فقال له: وإذا كان لديك ست سيارات، هل تعطينى سيارة منها؟، فاجاب بثقة: أكيد. فسأله: يالك من صديق حقيقى، واذا كان لديك ستة قمصان، هل تعطينى قميصا منها؟، قال: لا، فأستنكر صاحبه: وكيف تقول لا؟ لماذا؟، فأجاب: لأن لدى فعلا ستة قمصان !

ولعل للأمر ناحية نفسية من حب النفس وتفضيلها علي الغير، فالناس يحبون أنفسهم أكثر من أي آخر (إلا من رحم ربي)، فقد أجرت جامعة نيويورك دراسة مفصلة عن المحادثات التليفونية فوجدت أن كلمة "أنا" هى أكثر الكلمات استخداما وقد ترددت 3900 مرة فى 500 مكالمة !.

لست متشائمًا واعلم أن هناك صداقات حقيقية، ما كانت في إطار صفاء نفس، ترسمها قيم النبل والكرامة، لكن لا شك أنها قليلة، ويرصد أحد الأدباء محنة زماننا في ندرة الصداقة الحقة: (الصداقة والأصدقاء إنما هي نوع من الزخارف، وآلات الإحتيال والنفاق، فذهبت الدهاة بالهداة، ومات أهل الرأفة بكثرة القساة).

وبعد فكيف يمكن لنا إذن تجاوز تلك المشكلة حول ندرة الصداقات مع حاجتنا الشديدة إليها؟!، الرأي عندي يكون بإتساع مفهوم الصداقة ليشمل الأشياء والمعاني والكتب والناس (كما أرجو في قاموس الصداقة الذي دونت صفحات منه)، ثم نفهم الصداقة فهمًا صحيحًا وهي العطاء للصديق قبل انتظار الأخذ منه، مع رعاية أنك إذا بادرت أحدهم بلفتة طيبة، فتعالي علي مجاوبتك، واشتعل قلبه حقدًا عليك، فأقم عليه مأتمًا وعويلًا، واتركه لعاصفة أحقاده فهي تأكله.

ونعود للمثال الرومانسي النمير فقد سمع (ابن عطاء) رجلا يقول: (أنا فى طلب صديق منذ ثلاثين سنه فلا أجده)، فقال له: (لعلك فى طلب صديق تأخذ منه شيئا ولو طلبت صديقا تعطيه شيئا لوجدت)، فهل ياتري نجد الصديق طبقا لهذا الفهم؟ ... ربما.

 

خالد جودة أحمد

 

علي محمد اليوسفاصبح اليوم بمقدورنا، تعريف الهوية الشخصية الشعرية، او تحديد ملامحها ومضامينها وأُطرها التعبيرية الجمالية الخاصة بكل شاعر صاحب تجربة مميزة، بعيداً عن المرتكزات الثابتة القارة كلاسيكياً، القائمة على وحدة جدلية الشكل والمضمون، او وحدة القافية وتنوعها، او الايقاع الموسيقي – الغنائي للنص، او الوزن العروضي الموروث، او الثيمة التي يشتغل عليها النص الشعري.

لقد دخلت هذه الوحدات البنائية للقصيدة بعد كسر العمود العروضي للشعر العديد من تجارب التجديد الجادة والفاشلة على السواء، في المشهد الشعري العربي، وتداولية الشعرية منذ عقود بداية انطلاقتها التجديدية عندنا، نهاية عقد الاربعينيات وعقد الخمسينيات من القرن العشرين. واثبتت التجربة والزمن ان ذلك التجديد الشعري محكوم بالتبدل والتغيير المستمرين، وبالمجاوزة ايضاً، حين وجدنا ان حال النص الشعري قصيدة النثر او القصيدة الحداثية الجديدة، لم تعد بمقدورها المطاولة التداولية القرائية المرضية المقبولة، بخاصة بعد وصول قصيدة النثر الى طريق التجريب الكيفي المسدود امامها، وما تلاقيه من اشكاليات خلافية حولها وسط الكم الكبير من المنتج المهمل الهابط فنياً وجمالياً الذي لاقيمة شعرية له، نجد من المعاد القول ان كل ذلك التجديد الذي هيمن على المشهد الثقافي الشعري في حينه، كان اضافة تجديدية بأسم الحداثة، استنفدت ذاتها، رغم مجاوزتها بأجوائها ومعماريتها الفنية وتجاربها التجديدية، لكلاسيكية النظم العمودي .

والمهم الآن ان ذلك التجديد اصبح جزءاً من الماضي في مشهد الشعرية المعاصرة او في توثيق وتدوين او تورخة الشعر العربي، واصبح ايضاً هو الآخر بحاجة الى مجاوزة والى تجريب طفرات نوعية، بعد انهيار وتهاوي وسقوط تجارب شعرية لرموز معروفة أخذت تراوح في مكانها، وتجتّر نفسها بتكرار سقيم، سطحي ولا تقوى على التقدم خطوة نحو الامام، وبالذات في تجارب كتابة قصيدة النثر، التي جعلت امام مواجهة عقمها التجديدي، أن يرتد العديد من شعراء التجديد للعودة الى كتابة قصيدة العمود، وان كان على مضض، وتماشياً مع ما يرغبه الوسط الاستقبالي للشعر لأعادة بناء امجاد شاعرية الخطابة ومنابر الالقاء، وايجاد قاريء متلقي يأنس الشعر الغنائي او الالقاء الحماسي ويطرب له.

وبحكم الضرورة التاريخية في التغيير، والسيرورة التطورية المتحركة على الدوام حدثت مجاوزة الحداثة في الغرب، فظهرت مدارس وتيارات البنيوية والتفكيكية والتاريخانية والتأويلية وغيرها من دراسات في التناص، والالسنية، وموت المؤلف، وحضورالمتلقي الفاعل المشارك عضوياً في صناعة النص، وانطلاق علائقية وحدة النص – المتلقي، كعلاقة تحديث بنائي في تأكيد الحضور الفاعل والمشاركة الفاعلة للمتلقي بالنص، والدعوة الى اعادة تفسير النص على ضوء هذا التعالق والتواشج مع المتلقي ..وكالعادة بدأنا الهرولة نحو الاقتباسات والاستنساخات عن غير دراية، ولا تخصص معرفي مدروس، تحت لافتة تلاقح الثقافات وجدلية المعرفة وتبادلها، التي اصبحت بحكم تكنولوجيا الاتصالات الحصول على المستجد والجديد عالمياً، اسهل من مطالعة صفحة في جريدة او كتاب !!

اذن دخلت أطروحات وفلسفة ما بعد الحداثة الشعرية الغربية على يد أبرز قطبيها " ليوتار" و" بورديار " اللذين ذهبا بعيداً في تغطيتهم لفلسفة ومفاهيم ما بعد الحداثة ليس على صعيد الادب والفنون فقط، وانما على صعيد الفلسفة، السياسة، والاقتصاد، والتاريخ، والمعارف، والتربية، والعلوم، والعمارة، والهوية، والاقليات الاثنية المهمّشة .. وهكذا، فكانت معظم تلك الدراسات في المناحي المذكورة، وبخاصة في مجال الادب والفن، مرآة انعكاس عندنا لما في يد غيرنا ورغبة تداوله، وجاء المنتج الادبي، والفني، والشعري تحديداً بمفهومات جرى تعريبها ومحاولة تطبيقها، وتسليعها في ثقافتنا كما هي عند الغرب، وهي مفاهيم تتجاوز السائد المتعارف عليه بأسم الحداثة، والاعتياش على فلسفة ما بعد الحداثة وما تحمله رغم التقاطع الحاد، اجتماعياً، ثقافياً، وطبقياً اقتصادياً في تطبيق مفاهيم ما بعد الحداثة الاورو-امريكية في مدارسها ومناهجها واطروحاتها الفلسفية عندنا عربياً .

اذن ما بعد الحداثة انبثقت في الغرب بتعالقها المفاهيمي والابداعي والتطبيقي مع الحداثة بمفاهيمها الايقونية القارة والاقنومية في تمجيدها العلم والعقل . ونادت ما بعد الحداثة بالتحرر من تلك الاقانيم التي اعتمدتها الحداثة عقوداُ من الزمن منذ بدايات عصر النهضة والانوار، كتجديد غير مسبوق يحسب لها يقوم على توظيف الاسطورة والميثولوجيا والرمز التاريخي، والبدائية في الفن، .

كل هذه الثوابت الحداثية، شنّت عليها ما بعد الحداثة هجوماً لاذعاً في مختلف ميادين الحياة، ولم يعد للاسطورة والرمز والميثولوجيا تلك القداسة، ولا ذاك البريق الذي كان الشعراء يحرصون ترصيع قصائدهم ونصوصهم بها كجواز مرور تزكية للنص في ان يأخذ صفة وسمة الحداثة . .في وقت دخل العالم براثن اخطبوطية العولمة، اتصالياً، معرفياً، سياسياً، اقتصادياً، تكنولوجياً ...الخ .

لا حاجة لنا تأكيد احتضار الحداثة في المجتمعات الغربية، التي سببت لنا بحكم التبعية التقليدية، اصابة حداثتنا العربية الادبية بعدوى الايدز القاتل واحتضارها المرتقب الحتمي بعوامل تأثير الخارج، وعوامل اسقاطات الحاضر الداخلي لدينا المتقاطع بلا حدود معها .

ومن رحم الحداثة الادبية التي وضع لبناتها الاساس، وربما قبلهم غيرهم، ت.س.اليوت، أزرا باوند، وايتهيد، وريتشاردز مع اخرين، دخلت مصطلحات ومفاهيم ما بعد الحداثة، تؤكد على المخيال المخصِب، والحدس، واللاشعور، والتداعي، والذاتي، والهوياتي، والنفسي، والبيئي، والسلوكي، وعلى الصعيد السياسي بشرت بانحلال ما يسمى الانساق الكبرى – الايديولوجيات – وفي الشعر دعت الى تفكيك النسق اللغوي المعتاد، كذلك وجوب غياب العاطفة الجيّاشة، والوجدانيات، واخيراً وليس انتهاءً، اكدت اهمية/ القيمة المعيارية للقارئ المتلقي، الذي من دونه لا معنى ولا ضرورة لكتابة نص، كما وردتنا في اطروحات ليفي شتراوس، دوسيسير، باختين، جاك دريدا، رولان بارت، فوكو، نعوم جاموسكي ..الخ . كل ذلك جعل من القصيدة الشعرية او النص توليفة جمالية لجنس ادبي من التعبير اللغوي المتفرد بخصائصه اللامحدودة، وعوالمه المفتوحة بلا نهايات، لكنه حافظ على تداخله الوثيق ببعض مفاهيم الحداثة غير المنحّلة، كتجديد لا يزال له حضور في بنية النص الشعري، وهو ما فرض على النقد الادبي الناجح تحديداً، ان يتناول خاصية واحدة محددة في تفسيرها وشرحها، وفك شيفرات النص ومرموزاته، ومحمولاته التأويلية والدلالية والسيميائية . او أن يعمد النقد لرصد زاوية تناول او اكثر بمعزل / او بالتداخل مع غيرها من مشتركات ومقومات تأسيس الحداثة لهوية الخلق الشعري العربي .

يرى " ليوتار " : الفنان او الكاتب ما بعد الحداثي هو في موقف الفيلسوف، فالنص الذي يكتبه، او العمل الذي يخلقه، لا يحكمه من حيث المبدأ، قواعد محددة مسبقاً، ولايمكن الحكم على هذا العمل، من خلال تطبيق قواعد معينة على هذا النص او العمل، فمثل هذه القواعد هو ما يبحث عنه العمل الادبي او النص .

ومن مميزات ما بعد الحداثة، ان مفاهيمها ليست مصطلحات معجمية مسّلماً بها، متفقاً عليها، بل هي مفاهيم متغيرة في تكسيرهاوتفكيك الشكل والمضمون، وتحتمل خلق اشكاليات في التفسير والشرح والتطبيق في الادب والفنون، كما يُختصر التداخل الاندماجي العضوي ما بين الحداثة وما بعد الحداثة لصالح خلق تطرّف قسري لما يجب ان نعتبره نتاجاً ما بعد حداثي، وليس باعتبار ما بعد الحداثة تحقيباً زمنياً تاريخياً متجاوزاً الحداثة، فبعض النصوص التي تتسم بالواقعية مثلاً، في حال اضفاء وادخال حالة من الارباك والشك والتشتت والتفكيك عليها، ومحاصرة المتلقي، ان تصنّف ما بعد حداثية .

من هنا يعد الشاعر الحداثي العربي بنصوصه الشعرية التي تقوم على مرتكزات حداثية وربما ما بعد حداثية، فهو بثقافته الثرّية المتعددة يستفيد من اللغة العربية، والموروث الشعري العربي في أغناء تجربته، بلغة رصينة خالية من سقطات الاخطاء المرافقة لمعظم نصوص الشعراء الشباب، وهذا يمكنه من سبك مفردة وعبارة شعرية متماسكة مكثفة حادة تستلب من القارئ المتلقي الانشداد والتوتر والادهاش في تنويعات لغته الشعرية بعيداً عن النص المكرر المألوف الذي نصادفه كثيراً، ونصوص الشعرية ايضاً تستبدل الايقاع العالي المعتاد في الشعرية الغنائية او النصوص المسجوعة بلازمة تقفية واحدة او متنوعة، يستبدل هذا بما يطلق عليه جبرا ابراهيم جبرا " موسيقى الافكار " اي الايقاع الداخلي غير الزاعق، ولايهتم بالصورة الشعرية الدارجة المألوفة المتداولة، بل يجنح في نصوصه الى الغرابة وتشكيل عبارته الشعرية بمغايرة مقصودة، مستفيداً من مواصفات النص الحديث التي جاء بها الناقد الامريكي ايهاب حسن في توصيفه لمصطلحات ما بعد الحداثة الادبية والفنية، التي تتسم في الشكل التعبيري المفكك المنفتح، معكوسا ومضادا الشكل الترابطي المعهود في اللغة الشعرية وانسيابيتها العفوية، كذلك فهو يتلاعب باللفظة اللغوية الشعرية، في سياق من التشتت البنائي الجمالي ليعطي القارئ، لغة شعرية واسلوب تجديدي، يقود بها عمداً القارئ غير المتمكن غير الحصيف، لما يسمى بـ " القراءة الضالة " في عدم فهم واستيعاب مدلولات النصّ الشعري، ويمكننا الركون الى ان نصوص شاعر الحداثة عصية على التلقي، واستجابة الاستقبال العفوي الكسول، لكنها نصوص شعرية جمالية تستوقفنا، لما فيها من تنويعات الاشتغال على تفكيك النسق اللغوي بلغة صادمة لذوق المتلقي السطحي، يدأب الشاعر على توظيفها شعرياً، في قصدية أحداث اشكاليات قرائية في دراسة وتناول التجربة المتفردة، فهي نصوص شعرية تختصر التداخل الاندماجي العضوي بين الحداثة وما بعد الحداثة لصالح التطرف القسري المرغوب والذي يسعى الشاعر تحقيقه . كما نلاحظ ايضاً في نصوص الما بعد حداثوية انها ليست نصوصاً تحقيبية تاريخية في التوثيق للتدليل على مجاوزة اللغة الشعرية للتجديد المتواضع عليه منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وكان الامر نتيجة مأمولة ومتوقعة من شاعر نهم القراءة ومتابع ذكي وجاد في ايجاده مساحة تجريبية جديدة في المشهد الشعري السائد، ومن جهة ثانية تسعف مقدرة بعض الشعراء على الترجمة والكتابة والقراءة في اللغة الانكليزية او الفرنسية، الاطلاع على الاجناس الادبية المختلفة عالمياً، فنجد في نصوص الحداثة الشعرية استيعابا لمعطيات عصر العولمة، بما يفيده بالاقتباس الاسقاطي، المفروض لعصر يتسم بكل ميادين مبادئ الحداثة في اشتغالاتها المختلفة، وايضاً فيما يطلق عليه انحلال السرديات الكبرى، واحتضار الايديولوجيات. وتحويل ما بعد الحداثة المعرفة الى سلعة استهلاكية، كما يشير لذلك رائد تنظير وفلسفة الحداثة " هابرماس".

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

قبل البدء: الحديث عن السياسة ودهاليزها وحتى جزئياتها ليس من شأني. أرى السياسةَ بالنسبة للمرأة جرثومةً تلوّث أنوثَتها، وتُحدِثُ هجانةً في سلوكها وخُلقها وحتى على ملامحها الظاهرة، وطريقة تعاطيها مع الآخر، فتبدو كثيرة الشبه بالرجال شخصاً وشكلاً بحسب التجارب التي رأيناها. المرأة دائما تبدع في المجالات التي تحاكي ذاتَها، فذات المرأة غير ذات الرجل. لكن على أية حال، العالم تبدّل والمرأة دخلت الحياة من كل أبوابها، وأعلمُ أن المرأةَ تتمتع بطاقاتٍ تفوق الرجل أحيانا، وأعني هنا الطاقات النفسية والعصبية التي تؤهّلها دوما للاهتمام بالتفاصيل الصغيرة الضرورية جدا في أداء أي عمل؛ وهي عندها أعلى منها عند الرجل، فالرجل يتفوق عليها بطاقته الجسدية العالية وقدرته على تحمل الأعباء الثقيلة التي تنوء من حملها في الحياة.

البدء؛ لم أنتمِ الى اليوم لأي حزب أوتيار إسلامي أو غير إسلامي. لم نرَ خيراً من الأحزاب على اختلافها؛ على امتداد دام لأكثر من ستين عاما، وإن كنتُ مؤيدةً لها في حدود رفع الظلم عن الحياة والناس، إن كانت قادرةً على ذلك. وهذا مامنحني الحرية في الكثير من المواقف والمشاهد في حياتي؛ في التعبير عن رأيي بكل صدق وصراحة، فأنا حرةٌ في تفكيري ولايتدخّلُ أيّ أحد في آرائي. الانتماء لحشد ما، ولاأعمّم في الغالب يكون فيه تملّقٌ وتزلّفٌ، وهذه الخصلتان تجر معهما الكذب والزور والتزييف، وهي خصالٌ تتقاطع مع طبيعتي، لأنّي لم أتربَّ على هذا.

صورة جيفارا استفزتْني واستوقفتْني واستحثّتْني على الكتابة.

337 جيفارا

للوهلة الأولى بدت أمامي صورةَ عاملِ بناءٍ، لكن فوجئت به يمارس عملَ مواطن من الطبقة السفلى، وهو وزير الصناعة؛ واستمر في نضاله حتى ضحّى بروحه من أجل قضيته. سأله أحدُ رفاق دربه: الى متى ستبقى تقاتل بعد أن كنت في فنزويلا والمكسيك وانغولا وكوبا.. الى متى؟ قال: الى أن يتمكن كلُ أطفال العالم أن يشربوا كوباً من الحليب كل صباح.[1]. نظير معنى قوله قول الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية في كفاحه مع الفقر: (لو كان الفقرُ رجلاً لقتلتُه).

الروحُ الحيةُ هي شرطٌ واجبُ الوجود لحفظ ِالمبادئ، وهي رافدُها ومَعينُها الأول. الإنتماءُ أولا يبدأ من الروح وينتهي اليها. فالمبادئ تستقي دوما من روح حاملها؛ فهي ليست نظريات موجودة في الرأس يتفاعل حامُلها معها بمشاعرَ ملتهبةٍ ومن ثم تنطفىء فيما اذا اصطدمت بالمصالح الشخصية. كيفما تكون روافدُ المبادئ اذا لم تجد لها أرضاً صلبة لتبقى منتصبة، فستنهار سريعا. من تنطفىءُ لديه المبادىء، لايحملُ روحاً صلبة.

الثبات والوفاء للمبدأ كما عبّرتُ شرطُه تسلّحُ صاحبه بروح صلبة، وليس شرطُه انتماءَ صاحبه لحزب أو تيار ما، فالانتماء للروح أولاً، وهو الأساسي، ومن ثم لتيار ما إن وُجد، وهو ثانوي.

أحيانا يكون الانتماء لتيار ما بالإكراه، وهو انتماء سلبي؛ حين تكون حياةُ أي أحد مهددةً بالخطر، فينتمي وهو غير مقتنع تماما بالانتماء الجديد، الذي لا يشابه مبادئَه بقدْر ماهو مؤمن تمام الإيمان بقيمٍ ومبادئَ حملتْها روحُه بالخفاء ولايريد التخلي عنها، فانتماؤه هنا لروحه أيضا، وهو انتماء صحيح، لأن القوة هنا لروحه لا لغيرها، وكما عبّرت فإن الإنتماء ينبع من الروح وينتهي اليها. وانتماؤه للتيار هنا هو ثانوي لاقيمة له.

المبادىء أقوى من الإرادات والمصالح والرغبات (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)[2]. تُمتحن الروح حين تواجه الأهواءَ فإن استسلمت لها فهي غير مؤهلة لحملِ المبادئ، والمبادئُ مهددةٌ بالخطر دوما، اذا لم تلقَ روحاً حية تحملها على المدى البعيد (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا)[3].

هذه لافتات ناطقة حية للروح الفولاذية القوية، روح سيد الثائرين الإمام علي (ع) القائل: (هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي الى تخيّر الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى)[4].

والإمام الحسين (ع) القائل: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولاأقر إقرار العبيد)، (ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات من الذلة...) والسيدان الشهيدان الصدران؛ الأول محمد باقر الصدر (قده) القائل: (يا أبناء علي، عجبا، نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها؟...)، وهو الزاهد في الدنيا ومافيها، (كان يرفض أن تدخل الفاكهة الى منزله ما لم تدخل الى منازل كل فقراء النجف)![5] رحل ولم يترك فلسا واحدا لأسرته. ومحمد محمد صادق الصدر (قده) القائل: (إن أغلب الناس سوف ينهارون تجاه الظلم والإغراء ولايبقى من ذوي الإخلاص الحقيقي الاّ القليل). والثائر المخلص جيفارا، وهو القائل: (أيها الساجدين على عتبات الجوع ثوروا فإن الخبز لايأتي بالركوع). هكذا يكون الشرفاء، وغيرهم من ثوار العالم الأحرار على اختلاف مشاربهم، الذين ثأروا لرفعِ الظلمِ وبسطِ العدلِ في ربوع بلدانهم، وهو القاسم المشترك لكل ثوار العالم، برغم اختلاف منابعهم التي يستقون منها وقودَ ثوراتِهم.

علي والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام هما من أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومعدن الرسالة، وهذه هويتهما وكفاهما بذلك شرفا وفخرا. والسيدان الصدران لم يكونا منتمييْن لحزب ما يوم ثارا على الظلم. أما جيفارا فهو منتمٍ لروحه القوية العصامية، فمكث وفياً لمبدئه حتى حين بلوغه السلطة. في مقولة شهيرة له مفادها هو: الثورة لاتحتاج الى عقلٍ وجسدٍ فقط، الثورة أيضا تحتاج الى روح.

في بلداننا إذا تفضّل مسؤولٌ وسلك سلوكَ جيفارا؛ فسلوكُه طارىءٌ، لحظيٌ، تمثيليٌ، تجميليٌ، يكتنفه الرياءَ والعجبَ وحتى الكذبَ أحيانا، الاّ ماندر. أما سلوك جيفارا في الصورة فهو سلوك مسؤولٍ مناضلٍ، عفويٍ، حريصٍ؛ يدعوك المنظر الصامت لأن تلمسَ بين يديك حرارةَ قلبه؛ خصوصا وهو عارٍ عن اللباس، لحرصه وجدّه واهتمامه الشديد بقضية أمته.

نظائرُ جيفارا أخوانُنا رفاقُ الأمس عشّاقُ المبدأ كانوا ناكرين لذواتِهم، لأنها ذائبةٌ في المعتقد والفكرة... مستميتين، مازالوا في خط الله والدفاع عن المبدأ؛ فحملوا السلاح وتسلّحوا بقوةِ الإيمان بإخلاص، ليبيدوا رؤوسَ أفاعي الظلمِ والكفرِ والضلال، وليحكّموا شريعةَ الله في الكون كله (من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا..)[6].

ورفاقُهم رفاقُ اليوم حين اعتلوْا عرشَ السلطة، الذي ناضلوا ببسالةٍ من أجل بلوغِه، وسالت من تحته أنهارٌ من الدماء، رافعين شعارَ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[7]. فلم يحكّموا شرعَ اللهِ في سلوكِهم فضلاً على بسطِه على مرافق الحياة، وهو شعارٌ كبيرٌ لم يقوَ على النوْء به الاّ الأصفياء، بل ذابت في رؤوسهم الفكرة؛ فطفقوا ينقبون عن نرجسياتهم التائهة في ذواتهم، التي افتقدوها يوم كانوا مناضلين!!!

وقعوا في فخّ السلطة واغراءاتِها ونسوْا قضيتَهم التي ناضلوا من أجلها، وأعطوْها فصولاً مهمة من حياتهم لايُستهان بها، وتضحياتِ رفاقِ الدرب، ودمائِهم لتثبيتِ العدل ورفعِ الظلم والحيف عن الناس. السلطةُ مقبرةُ الأحزاب، حيث تتشظّى الأحزابُ أولا؛ ثم تنطفىء وتموت، ومايتبقى منها هو حقيقةُ المنتمين بعد أن تموتَ في رؤوسِهم المبادىء وتتعرّى نفوسُهم (قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرّأنا اليك ماكانوا ايانا يعبدون)[8]، حينئذ تتلقّاهم دنيا هارون الرشيد، فتعانقُهم (أمطري أينما شئت فسوق يأتيني خراجك) و(الناس عبيدُ الدنيا والدينُ لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه مادرّت معائشهم فإذا ما محّصوا بالبلاء قل الديّانون) – الإمام الحسين (ع).

الجميل أن أخوتَنا أخوةَ القضيةِ الواحدة والوجعِ الواحد، حين تسلّموا السلطة، أخرجوا من قلوبنا روحَ التعصب للحاكم المؤمن الملتزم، الذي كان بنظرنا سيحكم بما أنزل الله، وهو تفكير ساذج، مثالي لاوجودَ له على أرض الواقع، لأن برأينا أنه كان مخلصاً لله وللمبدأ وسيطبق تجربة حكم الله. كذلك فإن أبناءَهم تخلوْا عن معتقدات آبائهم لأن الجيلَ الجديدَ كما نعلم جيلُ المعلومة السريعة، وهو جيلٌ نابهٌ، ناقدٌ، ذكيٌ، وهي نتيجة حتمية استخلصها جيلُ الأبناء بعدما عاش تجربة الإسلام السياسي المرة ونماذجه الفاشلة في بسط العدل والخير والسلام ولو على بقعة صغيرة من بقاع الوطن الكبير، حتى لو استثنينا من جيل الأبناء من حافظ على الحد الأدنى من قناعات الآباء لحاجة في نفس يعقوب؛ لكنه لايخلو من انتقادات لهم، حتى لو لم يبْدها أمام الملأ (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلاّم للعبيد)[9].

أتذكر مقولةً قرأتُها لأحد الدعاة الشهداء قبل أكثر من عشرين عاما في صحيفة نشرت صورتَه قائلا: كأني برفاق دربِنا الأحياء الباقين، يفترشون صحيفةً نشرت أسماءَنا وصورَنا نحن الشهداء، على الأرض ويأكلون عليها، ثم يرمونها في سلة المهملات، أقول: هذا غيض من فيض مافعلوه رفاقُ الدرب، فقد عبّروا عن مبادئهم بالتُرَّهات والأوهام التي لاعلاقة لها بالأرض والحياة.

ألبومُ صورِهم؛ يوثّق تاريخاً حافلاً بالأمجاد والبطولات، والمرابطة في معسكرات الجهاد ضد الظلم والطغيان. شعورٌ مؤلمٌ يعتريني حين أتصفّحُه؛ بعضهم مضى الى رحمة الرحمن باختيارٍ منه جل وعلا، والبعض أبقاه الله بحكمته، أرى فيه رفاقَ الأمس بمعية بعض من رفاق اليوم جمعهم حبُ الله وأصالةُ المبادىء والإخلاصُ والمضي على الدرب مهما كلف الثمن، وفرّقهم حبُ الدنيا، والأهواءُ والمصالحُ ...ياللمفارقة!!!

نفس الحالة موجودة أيضا في حملة الإيديولوجيات الأخرى، حيث يقعون في فخ السلطة وفتنتها، فيتخلوْن عن المبادىء ويلتفون حول الذات والمصالح والأهواء الشخصية، وينسوْن دماءَ رفاق الدرب، الا ماندر منهم.

هم ليسوا مطالبين حتى بالالتزام والاتزان في سلوكهم، فالالتزام والاتزان منبعُهما الأول النفس وما جُبلت عليه والتربية الأولى، والثاني القانون الصارم إن وجد؛ بقدر ما يعون حجمَ المسؤوليات المتصدّين لها وثقلَها وأداءَها بإخلاص، وبقدرما يجدون اسلوباً حضارياً منا سباً للإعتذار عن عجزهم عن أداء مهامهم، أو الإستقالة. الناس هم ليسوا بحاجة الاّ الى تحقيق أبسط حقوقهم الحياتية البديهية، فالحريات الشخصية موجودة... حملةُ الأديان يمارسون طقوسَهم علنا، وحملةُ الإيديولوجيات الأخرى أيضا يمارسون حرياتَهم بالكامل، ولم يعودوا مضطهدين كسابق عهدهم أيام الديكتاتورية.

(الإيمان ماوقر في القلب وصدّقه العمل). دينُنا دينُ العملِ وخدمةِ الناس، وطنُنا؛ ماأحوجَه للعناصر الكفوءة المخلصة القادرة على حملِ خشبةِ خلاصِه من مستنقع الضياع والفوضى والفساد والعبث واللاجدوى، كيفما كانت اتجاهاتُها بشرطِ الأخذِ به الى شاطىءِ الحياة الكريمة؛ و (رحم الله أمرءاً عرفَ قدْر نفسِه).

(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد)

لاتشرقُ الروحُ الاّ من دُجى ألمٍ   هل تزهرُ الأرضُ الاّ أن بكى المطرُ

 

بقلم: انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة

.............................................

[1] أقوال جيفارا عادة أستلُّها من مواقع ألكترونية تبعث لي بوسترات مختلفة في مواضيعها، فأحفظ الصورة وعليها القول، دون أن أحفظ اسم الموقع الألكتروني.

[2] آل عمران – 142.

[3] الإنسان – 27.

[4] نهج البلاغة.

[5] نقلا عن السيدة أم جعفر الصدر، في مذكراتها (وجع الصدر).تأليف: أمل البقشي.

[6] الأحزاب – 23.

[7] المائدة – 44.

[8] القصص – 63.

[9] آل عمران – 182.

 

علي المؤمنبعض من يرتقي منبر أهل البيت أو يضع العمامة الشيعية على رأسه أو يمتلك قناة تلفزيونية تتكلم باسم التشيع؛ يعرض في كل عاشوراء أحاديث وسلوكيات تشوه نقاء مذهب آل البيت وأصالته وعقلانيته، وتصب في مصلحة مذهب التكفير المعادي لأهل البيت وأتباعهم؛ لأن هذه الممارسات والأقوال المنسوبة الى التشيع تتعارض ومقاصد الإصلاح والوعي في نهضة سيد الشهداء (ع)، وتتعارض أيضاً مع فتاوى المرجعية العليا وتوجيهاتها التي تصدرها للأمة عموماً، وخطباء المنبر والقائمين على الشعائر الحسينية خصوصاً، كما أنها تنفر الآخر الديني والمذهبي من التشيع، ومنها ما يقوم به هؤلاء التحريفيون من المجاهرة بالخرافة والبدع قولاً وسلوكاً، والغلو بأئمة أهل البيت، وسب الرموز المقدسة لدى المدرسة السنية، وكلها قراءات لاعلاقة لها بمدرسة آل البيت.

ويزعم التحريفيون والمغالون المنتسبون للشيعة أنهم يمثلون التشيع حصراً، ولكنهم بممارساتهم وسلوكياتهم و خرافاتهم يرتكبون ـ في آن واحد ـ جريمتين بحق التشيع:

الجريمة الأولى: يدعمون المذهب الوهابي التكفيري دعماً نوعياً، ويوسعون جغرافيته ودائرة تأثيره، ويعطونه أدلة ملموسة على مدعياته، ويزودنه بشحنات قوية تضاعف قدرته على استقطاب أتباع المذاهب السنية. بل أن المغالين والتحريفيين والمبتدعة المحسوبين على مدرسة النشيع؛ يقدمون أدلة مجانية للمدرسة الوهابية؛ تضطر أهل (السنة) لتصديق مزاعم هذه المدرسة، وتدفع السنة للارتماء بأحضان العقيدة الوهابية التكفيرية. وليس عجيباً ـ حينها ـ أن لايرف جفن معظم السنة وهم يشاهدون المجازر التي يتعرض لها الشيعة في كل مكان؛ لأن المسوغات التي يسوقها الوهابيون التكفيريون تتناغم وعواطف أهل السنة، وهي مسوغات يقدمها بعض المغالين والخرافيين الشيعة.

الجريمة الثانية: تشويه عقيدة آل البيت وتلويث طهرها، وتضليل الشيعة وحرف مسار حركتهم الفكرية والميدانية، وطرح أفكار وسلوكيات تحت عنوان "العقيدة" و"الشعائر" و"المعاجز" و"الكرامات"، ولكنها تتعارض مع غايات الإسلام وتعاليم آل البيت ونهضة الإمام الحسين.

وعند هاتين الجريمتين يكمن التناقض العحيب؛ بين شعارات التحريفيين الخرافيين المنادية بالولاء لأهل البيت ومواساتهم والتأسي بهم، وبين أفكارهم وسلوكياتهم المتعارضة مع تعاليم أهل البيت ونهضة الإمام الحسين. فتعاليم أهل البيت تختصر العقيدة والأخلاق والحكمة والعقل والرشد والإصلاح والعلم والتحضر، وتتعارض كلياً مع الغلو والخرافة والجهل والبدع.

و كما انتهت كثير من الأفكار والسلوكيات المنحرفة في تاريخ مدرسة آل البيت الى مذاهب وفرق وأديان جديدة؛ فإن إصرار المغالين المخرفين الجدد على جهلهم وضلالهم وبدعهم؛ سينتهي بهم الى مذاهب وفرق متباينة مع مدرسة آل البيت؛ كما حصل مع العلي اللهية ومدارس الغلو تاريخياً، أو ماحصل في القرون الأخيرة مع العبيدية والدراويش والبابية والبهائية والسلوكية وغيرهم.

و الخطير جداً في هذا الموضوع هو أن تنتج عن عمليات التجهيل والاستغفال والابتداع والتخريف؛ عقيدةً وسلوكاً يخطفان عنوان التشيع بمرور الزمن؛ بينما يتحول دعاة الوعي والإصلاح الى ضالين مضلين من منظار من يريد اختطاف التشيع. ومن المؤشرات التمهيدية لهذا الإختطاف هو أن مدارس التجهيل والتخريف والاستغفال هي الأكثر امتلاكاً للأبواق ووسائل التعبير؛ بدءاً بالمؤسسات والجمعيات، والمدارس والمنابر، والقنوات التلفزيونية، وانتهاءً بالجماعات السياسية ومجموعات الضغط الاجتماعية والأموال الطائلة. بل استطاعت مدارس التجهيل هذه اختطاف مساحات مهمة من الشارع الشيعي؛ من خلال تسخير كل ألوان الجذب التي تستقطب عواطف الناس وأسماعهم وأبصارهم.

ولايراع بعض الخطباء و(الرواديد) المغالين والخُرافيين الذين ظهروا خلال العقدين الاخيرين؛ لاسيما في العراق؛ أدنى مصلحة للتشيع، ولا يشخصون المقام الذي ينبغي أن يقع فيه المقال، ولايحترمون عقول مستمعيهم. هذا فيما لو أحسنّا الظن بهم، وحملناهم على محمل الغفلة والجهل والعناد. وسواء حملناهم على هذه المحامل، أو حملهم آخرون على محمل الإرتباط بأجندات تخريبية معادية للمذهب؛ فإنهم بغلوهم وخرافاتهم وتحريفاتهم يستبيحون منبر أهل البيت ويحولوه الى منبر للضلال والغلو والإنحراف وتشويه صورة مذهب أهل البيت، أو منبر للتحليل السياسي وفرض المواقف السياسية على المستمعين؛ وفقاً للتوجه السياسي للخطيب او الرادود؛ فهناك من يشتم حزباً ويمتدح آخر، ومنهم من يشرح مواقفه من السياسة الاقليمية والدولية، ومنهم من يمتدح الحكم الحالي وآخرون يشتمونه. وبالنتيجة يظهر بعض الخطباء وكأنه متخصص في كل الشؤون والعلوم؛ من السياسة الى الطب، ومن الاقتصاد الى الفيزياء النووية، ومن القانون الدستوري الى النظرية النسبية. والحال أن كثيراً منهم لم ينه سطوح العلوم الحوزوية ولم يتخرج من الثانوية.

إن المحرفين والمخرفين والمغالين والمسيسين؛ سواء كانوا جهلة أو مغفلين أو مدفوعين؛ هم مصداق (عدو نفسه)، وهم الـ (شَين) كما يصف الإمام الصادق بعض الشيعة بخطابه: (كونوا زيناً لنا ولاتكونوا شيناً علينا).

 

د. علي المؤمن

 

 

سارة طالب السهيللا تزال المقولة الشهيرة لعميد الادب العربي طه حسين "إن التعليم كالماء والهواء" التي لخصت أهمية التعليم وتوفيره كحق أساسي من حقوق الانسان هي الأساس المعتمد في حماية البشرية من ظلام الجهل والأفكار الهدامة والارهابية.

فالتعليم يحقق لكل الشعوب والمجتمعات قيم التنوير والتعايش السلمي ويسهم في القضاء على الفقر والبطالة، بينما يقود الجهل الى انتشار التطرف والإرهاب.

ولذلك فان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ اعتماده في باريس في 10 ديسمبر 1948 قد حدد حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالميا ومنها الحق في التعليم وفقا للمادة (26)، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، واتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين فقد اكدتا على ان التعليم حق أساسي من حقوق الانسان، فالتعليم يحمي الأطفال والشباب اللاجئين من التجنيد القسري في الجماعات المسلحة وعمالة الأطفال والاستغلال الغير أخلاقي وزواج الأطفال، كما انه يمنح اللاجئين المعرفة والمهارات اللازمة ليعيشوا حياة منتجة ومثمرة ومستقلة.

غير ان الواقع المعاش يبرز وقائع مريرة يعيشها اللاجئون ويكشف عن حرمان الكثيرين من اللاجئين من حق التعليم، وهو ما تؤكده الإحصاءات الدولية وأن نسبة أطفال اللاجئين المحرومين من التعليم حول العالم تتجاوز نسبة أقرانهم من غير اللاجئين بخمس مرات. وهناك أطفال لم يدخلوا المدارس، وكل ذلك بسبب أزمات نقص التمويل.

واليوم أرى أثرياء العالم يزدادون ثراءا ومع ذلك لا يهبون لنجدة اللاجئين وتخصيص ولو1% من ارباحهم في دعم تعليم اللاجئين عبر تمويل المؤسسات الدولية المعنية بذلك، ولا أدري لماذا لا يشعر هؤلاء الأثرياء بالمرارة التي يعيشها اللاجئون وحرمانهم من التعليم وهي كارثة كشف عنها مؤخرا التقرير السنوي الثالث للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، من أن 4 ملايين طفل لاجئ، لا يرتادون المدارس، وبزيادة بلغت نصف مليون طفل، خلال عام واحد فقط.

ولاشك ان زيادة الحروب والنزاعات في المنطقة العربية خلال السنوات السبع الماضية قد ساهم بشكل كبير في زيادة عدد اللاجئين ومن زيادة حاجتهم للتعلم في دول اللجوء، ولذلك أوضحت المنظمة الدولية، في تقريرها، أنه رغم الجهود التي تبذلها هي والحكومات، إلا أن تسجيل الأطفال اللاجئين في المدارس، فشل مع تزايد أعداد اللاجئين.

ففي نهاية العام الماضي، كان هناك أكثر من 25.4 مليون لاجىء حول العالم، منهم 19.9 مليون تحت رعاية المفوضية، وأكثر من نصف هؤلاء وبنسبة تصل إلى 52 % هم من الأطفال وبينهم نحو 7.4 مليون طفل في سن المدرسة.

وهذا يعني بالطبع إن مستقبل هؤلاء الأطفال ومجتمعاتهم، سيواجه مخاطر اجتماعية واقتصادية جمة، خاصة وانه وفق لهذا التقرير الدولي، فانه يلتحق 61% فقط من الأطفال اللاجئين، بالمدارس الابتدائية، مقارنة بـ 92% من الأطفال على مستوى العالم.

تصاعد الازمة

تصاعدت ازمة اللاجئين في الحرمان من التعليم بعد توقف خدمات التعليم التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الاونروا " بعد تخفيض الولايات المتحدة الامريكية لمساهمتها في تمويل الاونروا بنسبة 83%، وهو ما دفع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الى وصف هذا الامر" بالكارثة".

وهو أمر كارثي فعلا، لأن المساعدات المالية الإضافية التى تلقتها الأونروا لتعويض خفض الدعم الأمريكي، لا يكفي لسد العجز الحاد في الاحتياجات المالية لهذه الوكالة، حيث قدرت حجم حاجتها الى أكثر من 200 مليون دولار لإكمال السنة. وغياب تأمين هذه المخصصات المالية سيؤدي الى توقف الكثير من المدراس الفلسطينية.

وانني أضم صوتي لكل الشرفاء في العالم ومنهم الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، برفض القرار الأمريكي بمنع الدعم عن (الأونروا) والتأكيد على مخالفته لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (302) لسنة 1949، الذى ينص على وجوب قيام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بتقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين.

وهنا يجب التوجه بالتحية الى المملكة الأردنية الهاشمية لدعوتها الى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية في القاهرة مع انعقاد الدورة العادية لمجلس الوزراء لبحث سبل مساعدة أونروا ماليا وسياسيا، بجانب تنظيم الأردن بالتعاون مع الوكالة والسويد واليابان وغيرهم مؤتمرا لدعم الأونروا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الجاري؛ لحشد الدعم المالي والسياسي لأنروا ودورها.

وعلى الشرفاء من رجال الاعمال في العالم شرقا وغربا ان يسرعوا في تقديم تبرعاتهم للمؤسسات الدولية المعنية بإغاثة اللاجئين وكذا لوكالة الاونروا لتوفير التعليم لكل أطفال اللجوء تصديقا لحق الانسان في التعليم.

 

سارة السهيل

 

محمد العباسيهل ولي الأمر "يمتلك" من في رعايته ويملك كامل الحق في تقرير مصائرهم كيفما يشاء؟ هل الأب يمتلك الأبناء ويتسلط ويتحكم في إرادتهم، فقط لأنه يدير أمورهم في مراحل معينة من حياتهم؟ هل كل أب أو أم، بغض النظر عن ممارساتهما الإيجابية أو السلبية، يستحقان من الأبناء الولاء والطاعة مدى الحياة دون قيد ولا شرط؟ هل الزوجة ملكية خاصة للزوج؟ هل المواطن في ظل حكومة ما مجرد ترس من تروس ديمومة تلك الدولة دون رأي أو قرار؟ هل يحق معاملة هؤلاء الأبناء والزوجات والمواطنين كسجناء تحت رحمة سجانين غلاظ القلوب دون حقوق ولا إرادة؟

رغم دخولنا الألفية الثالثة لا يزال بيننا آباء وأولياء أمور يفرضون على بناتهم الزواج قسراً رغماً عنهن.. وأحياناً دون السن القانوني.. وأحيانا لرجل يكبرها بعشرات السنوات.. وفي بعض الأحيان تكون عملية التزويج نوع من المبادلة، زوجة مقابل التنازل عن ديون مثلاً.. أي تصبح الفتاة في هكذا عملية مجرد بضاعة يمتلكها شخص بحكم أبوته وسلطته عليها إلى شخص آخر، ليغتصب براءتها وطفولتها تحت مسمى الزواج.. ويتم التضحية بهذه الإنسانة والحكم عليها بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة في كنف من يستعبدها.. ولن يستحي الأب من تكرار جملة "أنا حر في عيالي".. وكذلك لن يتوانى الزوج المفرض على الفتاة من تكرار القول "أنا حر في حلالي".

وقد نرى زوج يعامل زوجته كأنها ملك خاص اشتراها من ذويها وله السلطة في أن يعاملها كيفما يريد.. يطالبها بمطالبات زوجية فوق طاقتها تحت مسمى حقوقه الزوجية.. يفرض عليها الالتزام بأمور هو فقط يراها مناسبة دون الأخذ برأيها ومصلحتها.. يستحوذ على مالها أو معاشها ليتحكم بها ولا تخالفه في أمر.. يفرض عليها الحمل وتحمل أعباء الحمل دونما مراعاة لصحتها وقدرتها الجسدية.. يتحكم بعلاقاتها الأسرية وزياراتها لأهلها وزيارتهم لها تحت ذرائع واهية.. تصبح الزوجة مجرد أداة تخدم شهواته ورغباته وتطيع أوامره وتسير في ركبه دون أدنى مراعاة لحقوقها وكينونتها.. تعيش هذه المسكينة جسداً بلا روح في ظل "سي السيد" الطاغي غصباً عنها.. وقد يتمادى الزوج بكيل الإهانات أو حتى الضرب لزوجته بلا أدنى مراعاة لحقوقها ومشاعرها.. ولا ولن يقبل النصح تحت مقولة "أنا حر".

يقول الأستاذ "جاسم المطوع" (الأنباء) أن كثير من الآباء لا يتدخلون من أجل الدفاع عن بناتهم المتزوجات من زوج ظالم بذريعة أن "ما عندنا بنات يتطلقن" أو أن الزوج هو "جنتكِ وناركِ".. وكأنما الزوج يمتلك الحرية التامة في معاملته السلبية للزوجة، بينما الزوجة لا تمتلك ذرة من الحرية أو الحقوق في شئونها ومصيرها.

وقد كتبت زوجة مظلومة في مدونة (مكسات) رسالة لزوجها الظالم: "احترتُ كيف أبدأ رسالتي ..من أين.. وكل شيء يرسم ملامح نهايتي ..أريد منك أن تفهم قبل أي شيء أنني لست كلمة تكتبها متى تشاء وتمحوها متى تشاء ..لستُ العصفورة التي برصاصة منك تُسمِعكَ ألحانها والغناء ..لستُ المدفأة التي تطفئها في صيفك وتشعلها في شتائِك ..لستُ المكان الذي تأوي إليه فقط في شتاتِك ..لا أعتقد أن الفراق قد غيرَ بكَ شيء يُذكر ..لا أعتقد أنك تنوي أن تبني ما تدمر ..سنين أمضيتها معك في ناري وأنيني ..أفنيت معكَ عمري.. أفنيت معكَ سنيني ..طالَ صبري عليك ..و أنت تهينني وتضربني بيديك ...طال صبري عليك ..وأنت تُريني من العذاب كل ما لديك ..وفي كل مرة أصمت وأبكي ..لا أتكلم ولا أشتكي ..سنينٌ وأنا أحاول أن أغير شيئاً فيك ..سنينٌ وأنا من نبع الغرام أسقيك ..سنينٌ وأنا أصرخ من عذابي في وصالك ..فوجدت نفسي خاسرة وقلبي هالك ..اسمعني يا زوجي المصون ..يا سفينة عذابي في بحر الظنون .. يا قدري المرير والقدر لا يوقفه القانون ..إن كان ابتعادي لم يؤثر فيك .. وإن لم تشعر بملائكة الرحمة تناديك ..فليس بوسعي إلا أن أقوم بفعل ما أفكر فيه .. لن أنتظر بعد أكثر.. فجرحي محتاج لأحدٍ يداويه".

إن مفهوم الحرية له دلالات عديدة.. وبالذات في مجتمعاتنا التقليدية، نمارسها على هوانا.. نحقها لأنفسنا ونمنعها عمن سوانا.. وفي شئون زواج الأبناء مثلاً قد نلزم البعض بالطاعة العمياء والولاء فقط لأننا نعتقد بكل أنانية أننا أدرى بمصالحهم منهم.. كما هو الحال مع الأبناء واختيار الزوجات.. بل قد يأمر أب أو أم أحد أبنائه بتطليق زوجته التي يحبها فقط لعدم قبولهما هما بها.. لأسبابهما الخاصة بهما، دونما اكتراث لرغبة الابن ولحرية اختياره لشريكة حياته.. هذا مجرد مثال قد يحصل في أي أسرة حولنا.. فهل يحق لأولياء الأمور بمثل هذا التدخل الصارخ ومطالبة الأبناء بطاعتهم وتنفيذ رغباتهم بذريعة "بر الوالدين"؟ بينما بر الوالدين لا علاقة له إطلاقاً بالزواج، بالذات إن كانت هذه الزوجة مؤمنة تطيع زوجها.. لكن لمجرد أن يكون الأب مثلاً لا يحبها فيأمره بتطليقها.. هذا الأمر لا يتوجب تنفيذه إطلاقاً.. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. ما ذنبها، وما ذنب الزوج أيضاً؟ هذا مجرد مثال بسيط قد ينطبق على أمور أخرى كثيرة تتعدى على حقوق وحرية من نعتبرهم ضمن دائرة سلطاتنا.. نفرض عليهم كل شيء حسب أهوائنا نحن ورغباتنا.

لو توسعنا قليلاً إلى أمر أكثر اتساعاً وشمولية.. ونظرنا إلى أحوالنا كرعية ومواطنين محكومين ضمن منظومة الولاة وسلطة الحكومات والملوك.. فهل السلطان أو الأمير أو الحاكم أو الملك أو شيخ القبيلة يملك حق التملك؟ هل للمسئول الحق في أن يتحكم في مصائر من تحت سلطته وضمن دولته أو عشيرته؟.. هل مفهوم "الملك" يعني أنه "يمتلك" الأرض بما فيها من خيرات .. ويمتلك كل ما عليها وكل من يعيش فيها؟ هل للسلطان حقوق وحريات في التصرف كيفما يشاء، بينما الشعب محروم من حقوقه ومن حرية اختياراته وأسلوب حياته؟ وإلى أي مدى يحق للحاكم أن يتحكم في الحريات المتفق عليها دولياً في مسائل تتعلق بالتعبير والرأي؟

موقع (مواطن) الإلكتروني يشرح ذلك: "أمام هذا التدفق اللامتناهي لاستخدام أو توظيف كلمة "الحرية" سيبدو أي حديث عنها مملا وغير مجد ربما، خاصة وأننا في الشرق الأوسط نشاهد أكثر المعاني سوءاً لكلمة الحرية، وأكثر الطرق بشاعة في توظيفها! فقد نجحت الأنظمة القمعية وبكل اقتدار وتفنن في تصوير "حرية" التعبير والرأي في مجال السياسة، على أنها الدمار والخراب وانعدام الأمن.. كما نجحت التيارات والمذاهب الدينية المختلفة إلى تقديم الحرية على أنها عدم الالتزام بالضوابط الشرعية ومناداة إلى العري والتردي الأخلاقي.. وكذلك نجح "المحافظون" في مختلف المجتمعات العربية إلى تقديم الحرية على أنها "فيروس" سيتسبب انتشاره إلى غياب كافة هوية المجتمع وأصالته وعراقته.. من هكذا نوع من الأمثلة بصورة عامة مع الإشارة إلى مظاهر "قمع" السلطة أو الدين أو المجتمع لأي صوت مختلف معارض.. حتى تطوّر هذا الوضع ليصل إلى النخب المثقفة والمتعلمة في كل مجال.. والتي بدورها قد تمارس القمع مستندة على "الأمن" و"الدين" و"الأعراف والتقاليد".. إمّا كل حجة على حدة، وإما جميعهن سواء".

فهل يحق للمواطن أن يمارس حريته وينتقد سلطة وسيطرة ولاة الأمر على خيرات وطنه؟ فمن المعروف أن بعض الدول قد تكون طاغية ويحكمها طغاة مستبدون.. ويتحكم الولاة بشعوبهم وكأنهم سُخرة لديهم وعبيد.. لا حق لهم إلا فيما يجود به الوالي عليهم من عطاءات، وبالتالي عليهم القبول والرضوخ و"تقبيل الأيادي" الكريمة دون اعتراض.. وقد يتم منع كثير من أشكال الحريات المدنية المتفق عليها عالمياً بذريعة درء أسباب الشقاق والانشقاق عن سلطة الدولة.. وربما تهرباً من المسائلة والمحاسبة.. وقد ينتج عن مثل هذا التحكم المطلق في كبح الحريات إلى خلق بؤر للطامعين في الصيد في الماء العكر، والقيام ببث الفتن والنعرات و"تسيس" المطالبات المستحقة إلى مآرب أخرى لا يُحمد عقباها.

يقول الأستاذ "حسين التتان" (الوطن): "هناك الكثير ممن "يخلطون" بين أمرين متعاكسين للغاية، بين حرية التعبير، وبين التعدي على الآخرين، تحت شعار "حرية التعبير".. فالأولى هي الفضاء المفتوح لإبداء الرأي، دون الحاجة إلى مهاجمة الطرف الآخر بشراسة أو دون امتهان لكرامته وهويته وإنسانيته، أما التعدي على حريات الآخرين والطعن في كرامتهم وشرفهم والسخرية من معتقداتهم أو أي أمر آخر له علاقة بخصوصيات الأفراد والجماعات فهذا الأمر لا علاقة له بالحرية مطلقاً، وإنما هو نوع من أنواع الجريمة التي يعاقب عليها القانون وترفضها الأخلاق".

مثل هذه المغالطات إنما تنشأ في ظل الحرمان من المشاركة في موارد الدولة، ومن الحرمان من المشاركة في تسيير دفة الحكم لما فيه مصلحة الجميع.. أما إذا تحكمت بعض الأنظمة في كل شيء ومنعت من شمول موارد الوطن كافة المواطنين، فهنا تتكون بذور عدم الرضى والنشوز والاختلاف مع أصحاب السلطة.. ومن ثم تنمو الاختلافات إلى خلافات تأكل في مسارها "الأخضر واليابس". فكما قد نستهجن سيطرة الأب على الأبناء والتحكم بمصائرهم، ونرفض الزوج المتسلط الظالم، نرفض تحكم الدول وأصحاب الشأن والمتنفذين الأقلية في مصائر الأغلبية من أفراد الشعب.. ولا يستقيم الوضع إلا بتنفيذ بنود الدساتير المتفق عليها بالعدل ونبذ كل تلك الممارسات التي تخدم فئات بعينها وتحرم الآخرين.

و تبقى الحرية مثار نقاش وتأويل.. فحرية التعبير أو حرية الرأي هي الحق السياسي لإيصال أفكار الشخص عبر الحديث.. وقد يُستخدم مصطلح حرية التعبير أحياناً بالترادف، ولكن يتضمن أي فعل من السعي وتلقي ونقل المعلومات أو الأفكار بغض النظر عن الوسط المستخدم.. عملياً، حق حرية التعبير ليس مطلقاً في أي بلد.. ولا ضير من بعض القيود لمنع الانفلات الشاذ والضار بحقوق الآخرين.. لكن لا بد من السماح لحيز من الحرية للسيطرة على تمادي بعض الأنظمة المغالية في سلطاتها.. وهنا يأتي دور المجالس النيابية لطرح مشاكل وحاجات الشعب والدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم.. فالأصل المتعارف عليه أن الحكومات تخدم شعوبها وتراعي مصالح المواطنين.. فالعلاقة بين الوطن والمواطن كما العلاقة بين كل راعي ورعيته، علاقة تكاملية، ترسخ مفهوم الانتماء الحقيقي، وتترتب عليها آثارها العظيمة، وتعّبر عن صدق الفهم وحُسن المعاملة والحرص على المصلحة العامة.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

صائب خليل(الجزء الأول من الرسالة(1) كان عبارة عن تقديم لرؤية اينشتاين عن الاشتراكية، وفي هذا الجزء يتحدث باختصار عن علاقة الفرد بالمجتمع وتأثير الرأسمالية على تلك العلاقة ودفعها للفرد نحو الانعزال والغربة، لينتهي إلى أن البشرية ليس مقدر عليها ان تبقى تذبح بعضها البعض، وأن الطريق الى ذلك هو التخلص من القواعد الرأسمالية التي تدفع بهذا الاتجاه _ صائب خليل)

"تنبه أصواتٌ لا تُحصى منذ وقت طويل بأن المجتمع البشري يمر بأزمة، وبأن الاستقرار قد تحطم على نحو شديد. ومن دلالات هذا الوضع، أن الأفراد يشعرون بعدم الاهتمام، بل وحتى بالعداء حيال المجموعة البشرية التي ينتمون إليها، صغيرة كانت (قومية مثلا) أم كبيرة (تشمل الجنس البشري كله).

ولكي أوضح قصدي، دعوني أذكر هنا تجربة شخصية لي. ناقشت مؤخراً مع شخص ذكي وطيب النية موضوع احتمال نشوب حرب أخرى [حرب عالمية ثالثة] والتي برأيي، ستعرض وجود البشر إلى الخطر الحقيقي؛ وبينت أن ذلك الخطر لا يمكن درؤه إلا بواسطة منظمة أممية (عابرة للدول). عندها سألني محاوري الزائر بهدوء وببرود تام: " ولماذا تعارض بهذه الشدة انقراض الجنس البشري؟ "

أنا على يقين أنه حتى قبل حقبة قصيرة من الزمن لا تتجاور القرن الواحد، ما كان يمكن لأحد أن يسأل مثل هذا السؤال بهذه الدرجة من الاستهانة، هذا السؤال إنما قاله شخص حاول سدى، تحقيق التوازن مع ذاته، ولكنه فقد الأمل في تحقيق ذلك! هذا يعبر عن الانزواء والانعزال الذين يعاني منهما الكثير من الناس في هذه الأيام، فما السبب في ذلك؟ وهل ثمة خلاص؟

من السهل طرح مثل هذه الأسئلة، ولكن من الصعب الإجابة عليها على نحو مؤكد بأي درجة كانت. لذا، ينبغي لي أن أحاول ذلك، بأفضل ما أستطيع...(..)

الأنسان مخلوق فردي واجتماعي في آن واحد. كمخلوق فردي، فإنه يحاول حماية وجوده الذاتي ووجود الأقربين إليه، وتطمين رغباته، وتطوير قدراته الموروثة.

وكمخلوق اجتماعي، فإنه يسعى للفوز باعتراف وتعاطف البشر الآخرين، والمشاركة في أفراحهم، وبمواساتهم في أتراحهم، وبتحسين أوضاعهم الحياتية. لذلك فإن الدرجة التي يستطيع فيها الفرد تحقيق التوازن الداخلي والقدرة على المساهمة في رفاه الشعب لا تتحدد إلا بأخذ كل هذه الحسابات والتوجهات المختلفة والمتضادة غالباً في شخصية الإنسان وتركيبها، بنظر الاعتبار.

قد تكون القوة النسبية لهاتين النزعتين محددة وراثياً، لكن شخصية الفرد تتأثر على نحو كبير وتتقولب بالمحيط الذي يجد الإنسان نفسه فيه خلال نموه. فتؤثر تركيبة المجتمع الذي يترعرع فيه، وتقاليده، والتقدير الذي يوليه ذلك المجتمع لأنماط معينة من السلوك دون غيرها.

المفهوم المجرد لـ " المجتمع " يعني بالنسبة للإنسان الفرد: المجموع الكلي لعلاقاته المباشرة وغير المباشرة مع الناس سواء معاصريه أو الأجيال السابقة. صحيح أن الإنسان يستطيع أن يفكر وأن يشعر ويسعى ويشتغل بنفسه، ولكنه يعتمد كثيراً جداً على المجتمع في وجوده المادي والفكري والعاطفي بحيث يستحيل أن نفكر فيه أو أن نفهمه خارج نطاق المجتمع. فهذا " المجتمع " هو الذي يزود الإنسان بالمأكل والملبس والمسكن، وأدوات العمل، واللغة، وأنماط التفكير، واغلب محتواه الفكري؛ كما أن حياته لا تصبح ممكنة إلا بفضل عمل ومنجزات ملايين البشر في الماضي والحاضر، وكل ما يختفي خلف كلمة " المجتمع " الصغيرة هذه.

إن اعتماد الفرد على المجتمع هي حقيقة طبيعية لا يمكن محوها - مثلما هي الحال عند النمل والنحل. ولكن، في حين يكون تنظيم الحياة بأكملها لدى النمل والنحل مثبت في أدق تفاصيله بالغرائز الثابتة الموروثة، فإن النموذج الاجتماعي والعلاقات المتبادلة بين البشر تتميز بالتنوع الكبير وبالقابلية على التغيير. فالقدرة الذهنية وإمكانية تكوين تركيبات جديدة، وملكة التواصل الشفهي باللغة، كلها، جعلت من الممكن حصول تطورات بين البشر لا تمليها الضرورات البيولوجية. مثل هذه التطورات تظهر في التقاليد، والمؤسسات، والمنظمات؛ وفي الأدب والمنجزات العلمية والهندسية وفي الأعمال الفنية. وهذا يشرح لنا كيف يمكن للإنسان التأثير في حياته من خلال سلوكه، وأن بمستطاع التفكير الواعي والإرادة أن يأخذا دورهما في هذه العملية.

يكتسب الإنسان عند مولده، ومن خلال الوراثة، نظاماً بيولوجياً (جسمانيا) ثابتاً نسبياً، ويحدد الدوافع الطبيعية المميزة للنوع البشري عن بقية الكائنات. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان يكتسب خلال حياته من المجتمع نظاماً ثقافياً. ولكن هذا النظام الثقافي معرَّض للتغيير بمرور الزمن، وهو الذي يحدد إلى درجة كبيرة العلاقة بين الفرد والمجتمع.

تعلِّمنا الأنثروبولوجيا [علم الإنسان] المعاصرة، من خلال المقارنة مع الحضارات البدائية، بأن السلوك الاجتماعي للبشر يمكن أن يختلف كثيراً من مجتمع لآخر، اعتمادا على النماذج الثقافية السائدة وعلى طرق تنظيم المجتمع. وعلى حقيقة إمكانية هذه الاختلافات، يؤسس أولئك الساعون لتحسين مصير الإنسان آمالهم: فالبشر ليس عبارة عن مخلوقات مجبرة بسبب تكوينها البيولوجي (الجسمي) على التوجه لإبادة بعضها البعض، ولا مكتوب عليها أن يضعوا انفسهم تحت رحمة مصير قاس يسلطونه على أنفسهم بأنفسهم."

في الجزء الثالث والأخير يحاول آينشتاين ان يبحث التساؤل عن كيفية تغيير المجتمع، فيبين ان الانسان لا يستطيع ان يجعل لحياته معنى خارج المجتمع، مؤكدا ان الفوضى الاقتصادية الرأسمالية هي مصدر الشرور. ثم ينتقل بعد ذلك الى محاولة مقتضبة لشرح بعض مبادئ الاقتصاد الاشتراكي ومفاهيم الفلسفة الماركسية.

 

..........................

(1) رسالة ألبرت آينشتاين:" لماذا الاشتراكية؟ (1)

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/930799

 

أديب عبدالقادر ابوالمكارمحينما تمر على شباب المجتمع المسلم موجة من الإلحاد تسترعي انتباهه وتجذبه، وحينما تعصف بذهنه مجموعة من التساؤلات عن الذات، عن هدف الوجود، عن قيمته، عن علة خلق الكون، وعن خالقه، إضافة إلى تساؤلات كثيرة لا حصر لها تقفز في ذهن هذا الكائن المتميز بالعقل والتفكر، فلا بد لعلماء الدين والمفكرين أن يصدعوا بالأمر ويواجهوا موجة التشكيك والتساؤلات المشروعة بالحجج العلمية والمعرفية لا بالإهانة والتحذير والوعيد. موضوع الإيمان والإلحاد بات يلحّ على العلماء طرحه، وقد تناوله الشيخ حسن الصفار في الليلة العاشورائية الرابعة لهذا الموسم 1440ه، تحت عنوان: الإيمان أقوى... مواجهة التشكيك والإلحاد.

المحور الأول: الإيمان حاجة فطرية عقلية

حين يتفتق وعي الإنسان بوجوده في الحياة، ويتأمل الطبيعة والكون الرحيب وما به من مخلوقات متنوعة وما يحكمه من قوانين دقيقة، لا بد أن تنتصب أمامه تساؤلات عميقة، فهو كائن مفكر. منذ طفولته يبدأ بطرح الأسئلة على والديه. قد يتجاهلها حينًا من الزمن، لكنها تعاوده إذا لم يحل لغزها. ومن تلك التساؤلات ما يكون عن الوجود.

قال بعض المفكرين ليس هناك وجود، بل هو وهم، وهو أشبه بأطياف المنام. لكن هذا غير مقبول وكما يقول ديكارت: "أنا أفكر إذن أنا موجود".

مفكرون آخرون قالوا: إن الوجود صدفة. وضربوا مثلًا: لو جلست ستة قردة على آلات كاتبة وظلت تضرب على حروفها ملايين السنيين فلا غرابة أن نجد في أوراقها قصيدة لشكسبير، والكون كذلك. لكن هذا الكلام على غرابته لا يمكن أن يفسر لنا الوجود، فالصدفة قد تكون سببًا للوجود لكنها لا تفسر وجوده. القردة والآلات والأوراق من أوجدهم؟

هذا الكون الوسيع فيه أكثر من ألفي مليار مجرة، وفي كل مجرة مئتي مليار نجم، وحول كل نجم منظومة شمسية متكاملة، فكيف يكون صدفة؟! ولهذا قال آخرون بأن الكون خلق نفسه. لكن نظريات العلم الحديثة لا تؤمن بهذا، فللكون بداية فهو ليس أزلي. فمن خلقه؟

يدرك الإنسان وجوده. والقول بالوهمية والصدفة والخلق، ما عاد يتقبلها إنسان العصر. وتبقى الأسئلة تفرض نفسها عليه بفطرته، وعقله يدفعه للبحث عن إجابات، وهذا يقوده للإيمان.

المحور الثاني: هل العلم بديل عن الدين؟

لم يكن الناس في العصور السالفة الأولى يعرفون شيئًا كثيرًا عن الطبيعة وقادتهم تساؤلاتهم لعبادة ما اعتقدوا به. لكن تطور العلم أوضح وفسر كثيرًا من الظواهر، فما عادت الإجابات القديمة مجدية. يرون المطر ينزل فيدرسون ما هيته وكيف يتكون من تبخر البحار وتكثفه في الجو مع مؤثرات أخرى ثم ينزل مطرًا، فهو ضمن قوانين طبيعية ولا داعي لافتراض إله مجهول. إلا أن التأمل يقودنا إلى أن العلم فسر الظاهرة، لكنه لم يفسر لنا كيف حصلت عناصر الظاهرة، فالطبيعة لا تفسر لنا شيئًا من الكون بل هي بحاجة إلى تفسير. العالم الفيزيائي ستيفن هوكنج يقول: "إن توصلنا لمعادلات تشرح كيف بدأ العالم، لا يعني أن الإله غير موجود، ولكن يعني أنه لم يخلق الكون عشوائيًا، لوكنه خلقه تبعًا لقوانين".

فالعلم ليس بديلًا للدين، بل يوضح لنا كثيرًا من الغموض، ويلح في البحث عن إجابات.

يدعي البعض بأن الإجابات الدينية لا تقدم شيئًا محسوسًا، والعلم عودنا على قبول ما نحس به. وهو كلام غير صحيح، لأن الحقائق نوعان: محسوسة ومستنبطة. والمستنبطة لا نراها بحواسنا ولكن نرى أثرها. نحن لا نرى الروح ولكن نرى آثارها. وكذلك الإله لا نراه ولكن نرى آثاره.

المحور الثالث: الإيمان والمعنى في حياة الإنسان

يدرك الإنسان محدودية وجوده في الحياة، ويواجه تحديات من داخل جسمه كالأمراض، وأزمات نفسية كالكآبة والانفعال، وفي علاقاته الاجتماعية. فيريد أن يفهم ذاته، وقيمتها في الحياة، و يتطلع إلى قوة تحميه حينما يرى نفسه أمام المخاطر..

هذه الحياة التي يحبها ويتشبث بها، ويرسم آمالًا طويلة يريد تحقيقها، هل يستطيع أن يدوم فيها؟ الموت يشكل صدمة عنيفة له. فكيف يواجهه؟

ليس هناك معنى للحياة والوجود إلا بالإيمان. المؤمن يؤمن بأن له إلاهًا خلقه لهدف، وجعل له قيمة، ويشعر بقربه منه أمام التحديات (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب). يسأله الخلاص في الشدائد: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة".

الموت ذلك الصدمة المرعبة عند الإنسان، هي غير ذلك عند المؤمن. فالموت عند المؤمن لا يشكل الفناء والنهاية، بل هو قنطرة وجسر يعبر به لحياة الخلود والنعيم الدائم. يخرج من الدنيا بطمأنينة ورضا: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية).

الإيمان يعطي المعنى الحقيقي في حياة الإنسان. وحينما نقارن بين حياة المؤمن وغيره نرى الفارق الكبير في الاطمئنان، مهما توفرت للإنسان المغريات. ولذلك فالمؤمنون بالله، من شتى الديانات، هم الأكثر في العالم، فنسبة الإلحاد في العالم كله 11 %. لأن الإنسان يجد قيمته وذاته بالإيمان. وإلا ما الذي يدفع الشباب المرفّه في الدول المتقدمة للبحث عن الديانات والإيمان وربما دخلوا في جماعات متطرفة؟! إنهم يبحثون عن قيمتهم في هذه الدنيا. الأولياء والصالحون كانوا يعيشون الثبات والصمود لإيمانهم بالله عز وجل.

 

أديب أبو المكارم

 

محمد العباسيلقد دخلت مؤخراً في نقاش مع زميلة مثقفة من دولة الكويت حول دورنا نحن الرجال في خلق الصورة النمطية لعلاقاتنا مع النساء.. فنحن من نروّج للصورة السلبية لزوجاتنا وأمهات زوجاتنا.. ونظهرهن وكأنهن كوابيس تقبع على سعادتنا وحريتنا.. عبر خلق وترويج النكات واللوحات الكرتونية والمسلسلات الكوميدية من أجل الضحك! نتبادل كماً هائلاً من هذه النكات عبر مراسلاتنا الهاتفية والإلكترونية كنوع من التواصل الخفيف الظل.. ولا ننتبه لدورنا المدمر في هذا الشأن وكأننا نشن حرباً نفسية وعملية "غسيل" لدماغ المجتمع ليتقبل السخرية الموجهة ضد المرأة ودورها ومكانتها!

فبالكاد نجد رجلاً يمتنع عن نشر مثل هذه المواضيع.. وحتى بالنسبة للزوج السعيد في حياته الزوجية، نجده يجاري الوضع السائد أمام أصحابه ويسخر من حياته الزوجية كما يفعلون من باب السخرية "البريئة"!!.. أظنها أمست مسألة تتعلق بموضوع إثبات الذات في مجتمعاتنا الذكورية.. وصار من المعيب أن يظهر الرجل "ضعفه" أمام النساء ومحبته لشريكة حياته.. كأن إحترام المرأة يتم تفسيره على أنه خنوع وعيب.

لقد أعجبتني تغريدة للدكتور "محمد رشيد العويد" حين قال : "يحسب الزوج أنـه يمزح، ويضفي جو المرح، حين يسخر من زوجته.. شكلها، كلامها، رأيها، تصرفها، اختيارها.. ولعله لا يعلم أنه يحدث جرحاً غائراً فيها قد لا يندمل سريعاً.. السخرية أحد معاول هدم الزواج، وتقويض أركانه من أساسها، وينبغي أن يمتنع عنها الزوجان طاعة لربهما، وحماية لزواجهما.. وتزيد السخرية في الألم والحزن حين تكون أمام الآخرين، فحين يسخر الرجل من زوجته أمام أولادها فإنه بهذا يحرجها وينقص من قدرها. .و كذلك حين يسخر منها أمام أهله فإنه بهذا يحرضهم عليها ويضعفها أمامهم ويفقدها احترامهم لها".

و قد أرسلت لي زميلة عمل منذ فترة رسالة نصية عبر "الواتسأب" مفادها: "عدم تشجيع وإعادة نشر مثل هذه التعليقات لتفادي تفقيم وتعزيز الصورة النمطية السلبية للنساء في عالمنا".. فالنساء في الإسلام مكرمات معززات.. فمن إكرام الإسلام لها أن "أمر الزوج بالإنفاق عليها، وإحسان معاشرتها، والحذر من ظلمها، وعدم الإساءة إليها".. فلذا تكون السخرية منها ولو لمجرد الضحك ومن باب النكتة هو ظلم وإساءة لها من حيث ندري ولا ندري.. فتكرار وترسيخ هذه الصورة النمطية لا بد أن يجرح مشاعرها و"يكسر" همتها ويضعف شخصيتها.. وإذا ضعفت شخصية المرأة "الأم" فذلك ينعكس على دورها في تنشأة أبنائها ورعايتها لأسرتها.

فعملية غسيل الدماغ تتعدى كونها عملية نفسية بسيطة.. فكثيراً من الدول والأنظمة قد تلجأ إلى ما نسميه "الأجندة الخفية".. كسلاح تكتيكي تبثه عبر المناهج التعليمية لتوجيه أجيال من الناشئة نحو فلسفات ايدولوجية معينة.. سلاح يستغله الشخصيات الدينية لتوجيه التابعين لأفكار طائفية بغيضة.. سلاح حربي لتثبيط عزائم الأعداء أو تغيير ولاءات الأسرى.. "د. عبدالله حسين النجار" في موقع "الحصن النفسي" يشير إلى هذا الموضوع بالذات: "تنمية الإحساس بالذنب لدى الأسير (أو السجين) بحيث يُطلب من الأسير مراجعة تاريخ حياته السابقة وتبرير أفعاله السياسية والشخصية والأخطاء التي قام بها مما يثير لديه الإحساس بالذنب والخطأ وبالتالي كراهية الذات، والإحساس بالدونية والضعف، وعدم الثقة بالنفس.. مما يجعله يتقبل آراء الآخرين وأفكارهم ويخدم مصالحهم" .

بل يقال أن السخرية من الصعايدة نشأت على يد المستعمرين الإنجليز كحرب نفسية في ظاهرها السخرية والنكتة.. وفي باطنها عملية تثبيط للصعايدة وتشويه لصورتهم كرجال أشداء ومحاربين أقوياء كان الإنجليز يخشون مواجهتهم.. التاريخ الحديث يشهد لأهل الصعيد والجنوب رجال مشهورين مثل: الرئيس جمال عبدالناصر، البابا شنودة الثالث، الجراح العالمي مجدي يعقوب.. وأدباء مثل طه حسين، عباس العقاد، حافظ إبراهيم، صلاح عبدالصبور، عبدالرحمن الأبنودي، أمل دنقل.. وسياسيين مثل عبدالحكيم عامر، عمر سليمان، وأثرياء مثل نجيب ساويرس.. ورجال دين مثل عبدالباسط عبدالصمد، محمد صديق المنشاوي.. وممثلين ومغنيين مثل جورج سيدهم، هاني رمزي، علاء ولي الدين، محمد منير.. وسيدات مثل سوزان مبارك، جيهان السادات، هدى الشعراوي، سناء جميل، شيرين.. والعشرات من المشاهير.

و كذلك لا نزال نرى في أمريكا عبر إعلامهم وأفلامهم تشويه لصورة الأمريكيين من أصول أفريقية وذوي الأصول اللاتينية.. فهم مجرمون وعنيفين وجهلاء وكثيروا الأولاد الغير شرعيين.. وتكثر في شأنهن النكات والسخريات.. ذات عملية غسيل الدماغ التى يراد منها الإزدراء وخلق صورة نمطية سلبية تترسخ في العقول عبر أجيال متلاحقة.. عملية غسيل الدماغ هذه لا تختلف كثيراً عن الأهداف الخبيثة لبعض الأفلام الغربية التي تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين من خلال خلق صورة نمطية للتخلف والشبق الجنسي والثراء الفاحش والإرهاب.. إنها ذات السلاح وذات النتيجة السلبية!

أما عندنا في الخليج فقد تعودنا على السخرية من السعوديين "الرعناء" والبحرينيين "الفقراء" والكويتيين "المغرورين" والقطريين "الأغبياء" والإماراتيين "الأثرياء" والعمانيين "البسطاء".. وهي صفات نمطية قد تنطبق على البعض منا لكنها كلها تصنيفات نمطية خاطئة دأبنا على تبادل النكات بشأنها لسنوات من باب النكتة والسخرية "البريئة".. لكننا كرجال خليجيين إجتمعنا على مقارنة المرأة الخليجية بالمغربية والسورية واللبنانية.. وأجمعنا بأن الخليجية "ناشفة" وتفتقر للأنوثة وفنون الدلع ومقومات الرومانسية.. ونسائنا بالمقابل تصفننا بصاحب "الفانيلة والسروال" والطبع "الجلف"!!

مثل هذه المواضيع المثبطة هي نتيجة حتمية للموروثات الخاطئة عبر سنوات من عملية غسيل للمخ نتعرض لها عبر الشاشة الصغيرة.. فأغلب المسلسلات العربية تركز على إظهار "الحماة" سواء كانت والدة الزوج أو الزوجة على أنها شريرة.. هدفها في الحياة التنغيص على الحياة الزوجية لـ "كنتها" أو زوج ابنتها وإن كانت بشكل كوميدي.. ولكم في ذلك المسلسل الخليجي "خالتي قماشة" مثلاً واحداً من بين العشرات من المسلسلات والأفلام العربية.. ومن قصة "سندريللا" بتنا نتصور أن زوجة الأب دائماً تكون قاسية ظالمة.. وباتت المسلسلات الرمضانية الخليجية تركز على كم الخيانات الزوجية والعلاقات الغير سوية والصراخ والعويل والصفعات ومن ثم لجوء الزوجة "المكلومة" لمكالمات عتمة "تالي الليل" بحثاً عن الدفء والحنان.. لتقع ضحية لذئب بشري يتصيدها في ساعة ضعف وإنكسار.

لقد كتبت ذات مرة في عشقنا للنساء:

العشق شوق..

و الشوق جنون..

فنحن الرجال..

من دونهن لا نكون..

فهن لنا قمة السكون..

نحن من غيرهن..

كالأموات..

كالنور إذا غاب..

عن مقل العيون..

الرجال دون النساء..

كالجثث إذا توارت..

تحت التراب..

كالبيوت العامرة..

إذا هُجرت..

تحولت إلى خراب !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

صائب خليل(مع ملاحظات صائب خليل)

"هل أن من المستحسن للمرء غير الخبير بالاقتصاد و بالشؤون الاجتماعية أن يعبر عن وجهات نظره بصدد موضوع الاشتراكية؟ باعتقادي، نعم، و ذلك لأسباب عديدة."

(هكذا يبدأ اينشتاين رسالته التي كتبها عام 1949، والتي يحاول ان يشرح لماذا يرى ضرورة في الاشتراكية، ويبدأ بالتساؤل إن كان من حقه كعالم فيزائي أن يبدي رايه في قضية اقتصادية. في الفقرة التالية ان يشرح نقاط التشابه بين العلوم، والتي تتيح لعالم ما ان يتحدث في علم غير اختصاصه، كما يشير الى وجود فروق هامة تستوجب الحذر- التعليقات بين الاقواس مضافة مني ويمكن تجاوزها لمن لا يشعر بالحاجة لها _ صائب خليل)

"دعونا أولاً ننظر إلى هذه المسألة من وجهة نظر المعرفة العلمية: ليس هناك - مثلاً - أية اختلافات في المنهج بين علم الفلك و علم الاقتصاد: فالعلماء في كلا هذين الحقلين يحاولون اكتشاف القوانين التي تجعل الترابطات بين ظواهر ذلك العلم، قابلة للفهم بأوضح ما يمكن. لكن الاختلافات المنهجية بينهما موجودة فعلاً، فاكتشاف القوانين العامة في حقل الاقتصاد أمر عسير بسبب حقيقة أن الظواهر الاقتصادية تتأثر بعوامل عديدة يصعب جداً تقييمها كلاً على انفراد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التجربة التي تراكمت منذ بداية ما يسمى بالفترة المتحضرة من تاريخ البشرية، قد تأثرت و تقيَّدت كثيراً بمسببات ليست ذات طبيعة اقتصادية خالصة بالمرة."

(في التالي، يذكر اينشتاين أننا قد لا نستطيع ان نقيس مدى نجاح نظرية اقتصادية من خلال نتائجها، لأن تلك النتائج اعتمدت على أمور ليست ذات طابع اقتصادي، فقد يكون نظامك الاقتصادي غير كفوء لكنك تحصل على الكثير من خلال الاحتلال العسكري أو غيره _ صائب خليل)

"فمثلاً، أغلب الدول الكبيرة التي شهدها التاريخ دانت بوجودها لسياسة الاحتلال لأراضي الغير التي اتبعتها، حيث نصَّبت الجماعات المحتلة نفسها - شرعاً و اقتصادا - كطبقة صاحبة امتيازات في البلد المحتل، فاحتكرت لنفسها ملكية الأرض، و عينت رجال الدين من بين صفوفها نفسها، و رجال الدين هؤلاء، بفعل هيمنتهم على نظام التعليم، جعلوا من التقسيم الطبقي للمجتمع مؤسسة مستديمة، و خلقوا نظاماً من القيم يرسم للناس قواعد السلوك الاجتماعي بشكل غير واع إلى حد كبير، من ذلك التاريخ فصاعداً."

(ينبه آينشتاين هنا ان مقاييسنا للنجاح في طور الرأسمالية "المتوحشة" او الافتراسية قد لا تصلح لقياس المجتمع الاشتراكي المتوقع _ صائب خليل)

" ولكن هذا الميراث التاريخي إنما يعود للبارحة [وليس للمستقبل] ، و لا يوجد مكان استطعنا أن نتغلب فيه على ما يسميه " تورشتاين فيبلين " بـ: " الطور الإفتراسي " للتطور البشري. إلى هذا الطور تنتمي الحقائق الاقتصادية الحالية؛ لذلك لا تنطبق القوانين التي نستطيع اشتقاقها من هذا الطور على الأطوار الأخرى. و لمّا كان الهدف الحقيقي للاشتراكية هو بالضبط التغلب على الطور الافتراسين للتطور البشري، و التقدم عبر تجاوزه، لذا، فإن علم الاقتصاد بوضعه الحالي لا يستطيع تسليط إلا القليل من الضوء على المجتمع الإشتراكي للمستقبل".

        

(ينبه اينشتاين هنا إلى أن للاشتراكية اهداف أخرى، والاهداف تنبع دائما من الموقف الأخلاقي وليس العملي. فهذا الأخير مهمته إيجاد الطريق لتحقيق الهدف الأخلاقي _ صائب خليل)

"ثانياً، الاشتراكية موجهة نحو تحقيق هدف اجتماعي- خلقي، و لكن العلم لا يستطيع خلق الأهداف. أقصى ما يستطيعه العلم هو تجهيزنا بالوسائل لتحقيق أهداف معينة، أما الأهداف نفسها، فتستوعبها الشخصيات ذات القيم الخلقية السامية، فإذا كانت هذه الأهداف ليست مجهضة، بل حيوية ونشطة، وإذا ما تم تبنيها و المضي بها قدماً من جانب العديد من هؤلاء البشر، فسيحدد هؤلاء بأنفسهم - الارتقاء التدريجي للمجتمع."

(بإشارته أولا إلى التشابه في أساليب بحث العلوم، وثانيا الى ان العلم لا يحدد الأهداف، يكون اينشتاين قد قدم حجته بحق غير المتخصصين بالاقتصاد ان يدلوا بدلوهم فيه، وضرورة ان لا يترك للعلماء المتخصصين وحدهم تحديد الحلول للمشاكل البشرية _ صائب خليل)

"و لهذه الأسباب، يتوجب علينا أن نتوخى الحذر كي نتجنب المبالغة في دور العلم و الطرق العلمية عندما تتعلق المسألة بالمشاكل البشرية، و لهذا، أيضاً، ينبغي علينا أن لا نفترض بأن الخبراء هم وحدهم لهم الحق في إبداء رأيهم بصدد المسائل المؤثرة في تنظيم المجتمع".

(نهاية الجزء الأول من الرسالة – وهي من مقال كتبه الأستاذ حسين علوان حسين -سمحت لنفسي ان ابسط التعابير المستعملة وبتجزئة النص وحذف الزيادات غير الضرورية للمعنى منه- انشره بشكل أجزاء هذا أولها، وسيكون هناك جزءان تاليان للرسالة – بدون تعليقات- وجزء رابع حول موقف اينشتاين من الاشتراكية والمضايقات التي تعرض لها – صائب خليل)

 

في الستينات من القرن الماضي كانت الإذاعة "الإسرائيلية" تحاول ان تملأ مساحة الشك بل وانعدام الثقة بين المواطن العربي وأجهزة الاعلام العربية عبر مصداقية تحاول ان تضفيها على برامجها الإخبارية والتحليلية من جهة وعبر التوجه الى عامة الناس من خلال " شخصية شعبية " تتحدث بلغة المواطن العادي وتتناول هموم الشارع، بدلا من حذلاقات وتَفيقُهْ الاعلام العربي ومكابرته الرسمية اتجاه المواطن وبعده عن الاهتمام بأسئلته وشكوكه وهواجسه ... وكانت الشخصية التي توجهت الى العراقيين، حينذاك، هي شخصية "ابن الرافدين"، التي بقي المواطن العراقي، رغم بلادة الاعلام المحلي وتهافت وسائله، ينظر اليها بشك وريبة ولا ينسى انه اتجاه عدو يحاول تيئيسه وهزيمته معنويا .

لكن عصر الاعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي اصبح بموجبها تداول المعلومة والاتصال والتفاعل اكثر شخصية وحميمية من جهة، وأوسع نطاقا بما لا يقاس، من جهة أخرى، بحيث شمل الفتيان والصبابا وؤالشباب وربات البيوت والشيوخ، كمتفاعلين وليس كمتلقين فحسب، كما انه لم يعد مقصورا في التوجه على المتعلمين والمثقفين او المهتمين بالشأن العام كما كان الحال قبل ذلك، تطلبَ موائمة جديدة للوسائل مع الأغراض وشخصيات جديدة ولغة مناسبة . وبدلا من التوجه الى متوسطي الاعمار لغرض تشكيكهم وبذر بذور اليأس والإحباط في نفوسهم وتعزيز حدار الفصل بينهم وبين حكوماتهم وقياداتهم السياسية اوبينهم كواقع وبين كل ما يمكن ان يشكل تطلعا او حاجة حقيقية لديهم، كما كان شأن توجه الاعلام " الإسرائيلي " في الستينات والسبعينات . تطلب الحاضر التوجه بقوة الى الشباب، ليس فقط بسبب كونهم الكتلة الاجتماعية الأكبر في المجتمعات العربية والعراق خصوصا بل وبسبب قراءة او توقع ما يمكن ان تفعله هذه الكتلة حاضرا ومستقبلا في ظل انهيار الأنظمة السياسية المركزية وتولي الامر من قبل أنظمة سياسية شديدة الضعف اتجاه الضغوط الخارجية والداخلية بفعل تركيبتها ذاتها، لذلك تعيّن ان يتوجه الى الشباب عبر شخصية مثل افيخاي أدرعي، " الصهيوني الطريف "، الذي يقدم لك جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال المشاركة والنكتة والترنم باغنية شعبية محلية وأساليب خفيفة الظل وربما استشهادات قرآنية، تجعل من " ادرعي " صديقا محتملا والصلة معه ممكنة ولا تكلف شيئا، مع التأكيد المستمر على إنسانية والتزام "جيش الدفاع الإسرائيلي " بالقانون والقيم الاخلاقية، إضافة الى قوّته الجبارة وعينه التي لا تنام ! وكالعادة، ولأن لعبة الطيب والخبيث ما تزال نافعة في مواجهة وبلبلة الأعداء المستهدفين، فقد تعّين ان يتبع ادرعي الطيب والأخلاقي والملتزم بالقوانين والقيّم، بشخصية أخرى تمثل،الجريء والصلف والمتسم بالرعونة مع جرعة عدوانية صارخة أحيانا، فكان ان أُنزل الى الحلبة " ايدي كوهين " !

ايدي كوهين الذي رغم تقديمه لنفسه كمتخصص واكاديمي وباحث في " مركز بيغن السادات "، اختار او اختير له ان تكون لغته وطريقته موجهة ومناسبة لأقل فئات الشباب ثقافة وتجربة . لغة، هي عبارة عن خليط، زلاطة salad، كما توصف لغة المرضى العقليين، صادمة ومبلبلة الى ابعد الحدود . فمن التدين التلمودي والاستشهادات التوراتية التي تؤكد على قدسية بني إسرائيل ووعد الله لهم بارض المعاد، إسرائيل الكبرى، الى الدعوة العلمانية والاشادة بالديمقراطية التي تتميز بها إسرائيل ويفتقدها العرب . ومن التعصب الصهيوني الصريح والبالغ الرعونة حّد القول ان برج الساعة في مكة يقع على انقاض بيوت او احياء بني قينقاع او بني النظير وان اليوم الذي سيطالب بها اليهود ليس ببعيد ! الى التباكي على الشعوب العربية من سطوة وطغيان حكامها، اللذين يغمزهم كوهين بين فترة وأخرى بانه على اطلاع على مستوى وسعة علاقاتهم السرية مع تل ابيب . اما ثقل عداءه الرئيسي فهو موجه بالطبع، بعد الفلسطينيين وكل ما يتعلق بهم، الى ايران " المجوسية، عدوة العرب الأولى والتي لابد من تحطيمها بالتحالف مع " إسرائيل " الى حزب الله ونصر الله ونظام بشار وانتهاءا بالشيعة اللذين يجب ان ينتبه العرب السنّة المساكين الى مخططاتهم الشريرة ونواياهم الاجرامية ولا يصدقوا اكاذيبهم ابدا ! لكنه لا يستثني أحدا، في الحقيقة، فلغته وهدفه أوسع من العداء المباشر، انه يهدف الى التشكيك بكل شيء وتحطيم الثقة بأي شيء، من ايران الى السعودية وتركيا، ومن مصر الى الجزائر والمغرب، مرورا بالخليج، وليس انتهاءا بالصين وروسيا :

- " تلقيت نداءات من العراق وسورية واليمن والان ليبيا، يريدون جميعا تدخل إسرائيل لانقاذهم من سفلة قومهم وانهم سيستقبلون الجيش الإسرائيلي بالارز والورود .... لا حول ولا قوة الاّ بالله "

او

" ما رأي أصدقائي في سوريا او العراق بتحريرهم من قبل الجيش الإسرائيلي وان تحكمهم إسرائيل ؟ سيتنعمون بالنظافة والصحة والسلام والحرية، إسرائيل اقوى دولة بالعالم ! "

او " توسطت أمريكا لغرض عقد صفقة سرية بين دولة خليجية كبرى وإسرائيل " .....الخ !

بل وتهوي لغته الى درك غير متوقع من الانحطاط أحيانا، واستنادا الى قراءة سايكولوجية مؤكدة للنفسية العربية :

" هناك ثلاثة حكام عرب يعانون من الشذوذ الجنسي السالب، هل تعرفونهم ؟ لدينا معلوماتهم الكاملة وتسجيلات سرية لهم "

مما يرجح ان كوهين يعمل كمسبار او بالون اختبار متحرر من كل قيد و يمكن ان يدفع في أي اتجاه لقياس ردود الأفعال والانفعالات .

يتناغم مع كوهين ويعيد تغريداته ويعلق عليها ويتحمس الى ابعد من حدودها كثيرا، خصوصا حينما تكون ذات محتوى طائفي مثير، قراء ومدونون من الشباب العرب في ظاهر الحال (يتبعه اكثر من 70 الف منهم كما يقول موقعه على تويتر)، لكن من المحتمل ان نسبة كبيرة منهم غيرحقيقية وتعمل تحت أسماء زائفة، ذات رنين معين وايحاءات طائفية محددة مثل " عمر الدليمي " او " علي عبد الحسين " او غير ذلك من الأسماء المهيأة دائما لحرف أي نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي الى مسارات معينة يمكنها من تأجيج سعير الحرائق الطائفية عبر الشتائم المقحمة على السياق أحيانا من " الذباب الالكتروني الإسرائيلي " ممن يديرون " المعركة " من غرف عمليات الكترونية إسرائيلية، كما كشفت التقارير والصور التي نشرت بهذا الخصوص . دون انكار او التهوين من حقيقة ان واقع المنطقة المرير ومنذ فترة ليست بالقصيرة، هيأ الاجواء المناسبة لعمل كوهين وغيره وحفز اعداد محزنة من الشباب العربي للتعاطي بهذا النفس وفهم الوقائع والمجريات على أساسه .

تطلب عصر الهجوم الامبريالي والصهيوني الشامل لتدمير مرتكزات القوة في المنطقة والسيطرة على ثرواتها وتحويل مجتمعاتها الى امارات وقبائل متقاتلة . عصر التطبيع العربي الإسرائيلي الشامل والتام، إعادة تأسيس وعيها الرسمي والشعبي وفق مقولات جديدة واولويات وقضايا تنبع من مصلحة وخارطة هذا الهجوم بتسمية أعداء جدد، زائفين، ليحلوا محل الأعداء الحقيقيين، وخلق اصطفاف لأصدقاء جدد يتناسب وهذا المحتوى بدلا عن الأصدقاء الحقيقيين الذين تجمعهم الينا المصلحة الحقيقية وحرف بوصلة الكفاح العربي باتجاه عكسي، تطلب كل ذلك من جهاز الدعاية الإسرائيلية الموجهة إعادة تدوير بعض محتوياته القديمة وتلميع الأخرى وإعادة برمجة خطابه ومفرداته ولغته اليومية والتسلل بها من باب العواطف وإعادة رواية التاريخ للجيل العربي الشاب، جيل المحنة الكبرى، ولهذا شهدنا احياءً لأسماء قديمة بإلباسها ثوبا اسطوريا جديدا، مثل قصة ساسون حسقيل . او إعادة رواية وقائع قديمة في ضوء مطالب وغايات جديدة، مثل قصة فرهود اليهود، وغير ذلك الكثير مما استدعى منا مراجعته مراجعة نقدية وفق ما تتيحه إمكانات فردية، خصوصا، مع ما يثيره هذا الجيش اللجب من المتطوعين العرب والعراقيين للعمل ككورس مجاني (او ربما غير مجاني؟!) مع جوق الانشاد الصهيوني !

 

عارف معروف

 

عبد الرضا حمد جاسمإضافة الى ما سبق...

ثانياً: أن عثمان بن عفان جاء بعد عمر بن لخطاب ونافسه عليها علي ابن ابي طالب.

1.في ص 256 / مهزلة العقل البشري كتب الراحل الوردي التالي: [لقد كان عثمان سيء الحظ الى حد بعيد فهو قد تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب وكان منافسه عليها علي بن ابي طالب وهذان الرجلان قلما يجود الدهر بمثيل لهما من حيث التقوى والزهد والشدة في ذات الله اذن فكل عمل يقوم به عثمان لا بد ان يجذب انتباه الناس ويدفعهم الى المقارنة بينه وبين ما فعله عمر بالأمس او ما يفعله علي غداً] انتهى

2.في ص 76 وعاظ السلاطين كتب: [وكان من سوء حظ الخليفة عثمان ان القنبلة انفجرت في عهده ...يقول المؤرخون عن عثمان انه كان ضعيفا وقد ساعد بضعفه انفجار القنبلة وهذا ظلم لعثمان يأباه المنطق الاجتماعي] انتهى

أقول:

* في الجزء السابق نقلنا طرح الراحل الوردي بخصوص توقف الفتوحات في عهد الخليفة الراشد عثمان ابن عفان حيث كتب:" ولسوء حظ الخليفة عثمان ان الفتوحات توقفت في عهده" وناقشتُ ذلك "سوء الحظ" ...والان يكررها "سوء الحظ" مرتين: "لقد كان عثمان سيء الحظ الى حدٍ بعيد "لأنه جاء بعد عمر بن الخطاب ونافسه عليها علي بن ابي طالب و"من سوء حظ الخليفة عثمان ان القنبلة انفجرت في عهده"...

كما قلت في السابقة فأن هذه الأمور "الفتوحات" لا دخل للحظ فيها وهنا اعيدها ان لا دخل للحظ في "الخلافة" و"الانفجار" فالخليفة الراشد عثمان بن عفان بايع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بعد أن نَصَّبَهُ الخليفة الراشد أبو بكر الصديق عن قناعة كما ورد، ونافس علي بن ابي طالب عن قناعة تامة ورغبة بالفوز وتحقق له ذلك وهو يعرف ما جرى خلال عملية "انتخابه" ويعرف ما جرى وحصل في عهد الشيخين الراشدين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

* لقد كتب الوردي وهو محق من ان أعمال من سيأتي "تصرفات / إجراءات / قرارات...الخ" تُقارن بأعمال من سبقه وهذا جاري منذ الانسان الأول ورئيس العصابة الأول والسلطان الأول والملك الأول والزعيم الأول والنبي الاول والخليفة الأول والامبراطور الأول. لكن الغريب ان الراحل الوردي سبق الاولين والتالين بقول جديد وغريب حينما كتب: "...وما يفعله علي غداً"!!!!!... أن ما "يفعله علي غداً "هو "بعلم الغيب" كما يعرف الراحل الوردي ولا يمكن ألتنبأ به ...وحتى لو تَّنَبأ أحداً ببعض الاعمال او توقعها او تمناها لن يتمكن من مقارنتها مع أفعال (عثمان بن عفان) في خلافته واثناء "الثورة / الانتفاضة / الفتنة" لأن "ما يفعله علي غداً" غير معلوم وليس له نتائج ملموسة لأنها لم تحصل / تقع بعد. فلو كانت العبارة بالصيغة التالية لقُبِلَتْ:"" اذن فكل عمل يقوم به عثمان لا بد ان يجذب انتباه الناس ويدفعهم الى المقارنة بينه وبين ما فعله عمر بالأمس وسيقارِنْون "ما يفعله علي غداً" مع ما فعله عثمان اليوم ""

3. في ص76وعاظ السلاطين كتب الوردي التالي:[يبدو ان عمر كان يحاول ان يؤجل انفجار القنبلة، فالقنبلة لابد من أن تنفجر يوما ما. إن البارود قد اُعِد والفتيلة قد أُحْضِرَتْ وهي لا تحتاج الا الى عود صغير من الثقاب. كان عمر يمنع بكل جهده ان يولع العود على يد أحد رعاياه] انتهى

وفي نفس الصفحة 76 وعاظ السلاطين أكمل بالتالي: [فلو كان عثمان قويا كعمر لأخر بقوته انفجار القنبلة. ولكنه لم يكن قادراً على أي حال ان يزيل خطرها نهائيا فهي محتومة الانفجار في عهده او بعد عهده فلابد ان يظهر في سلسلة الخلفاء حلقة ضعيفة في يوم من الأيام وحينذاك ينفجر البركان........الخ] انتهى

وفي ص110 وعاظ السلاطين كتب الراحل الوردي: [... وكان عمر ابن الخطاب يخشى ان تندلع تلك النار في عهده فكان يداريها ويلطف منها ما استطاع الى ذلك من سبيل وقد تنبا عمر كما رأينا بقرب اندلاع النار ولو بقي عمر في قيد الحياة مدة أطول لربما رأينا منه أشياء كثيرة في سبيل القضاء على جذور تلك الفتنة او للتلطيف منها على اقل تقدير ...] انتهى

أقول:

السؤال هنا: لماذا "كان عمر يحاول ""فقط يحاول" ان يؤجل انفجار القنبلة" وهومن هو؟ لماذا سمح بإعداد البارود وإحضار الفتيلة حتى ولو لم يكن يعلم ولوان الراحل الوردي قال عن تنبأه باندلاع النار؟ ماذا فعل لمنع اندلاع النار بعد ان تنبأ بها وكيف كان يداريها ويُلَّطِفْ منها ولا يُطْفِئُها؟ هل ان قوة عمر وعدله واجراءاته التي سنأتي على ذكر بعضها ادناه وانشغال الأعراب بالفتوحات وانهيال الغنائم على الخلافة، فقط أجلت من انفجار القنبلة؟ ثم ما / من هو البارود الذي قصده الوردي هنا ومن "أعَدَهُ" وما هي تلك الفتيلة وكيف اُحْضِرتْ ومن اين اُحْضِرَتْ؟ ومن رَّكَبَ تلك القنبلة وجهزها للانفجار؟

ماهي الأسس التي استند عليها الوردي في قوله: "ولو بقي عمر على قيد الحياة مدة أطول لربما رأينا منه أشياء كثيرة في سبيل القضاء على جذور تلك الفتنة...الخ"؟ ألا يمكن اعتبار عملية اغتياله / قتله بمثابة إشعال عود الثقاب في فتيل تلك القنبلة لينفجر البارود بعد خلافة عمر وتولي عثمان بن عفان؟ ألا يمكن أن نعتبر اغتياله / مقتله هو بداية السلسلة الطويلة من قتل الخلفاء والصحابة المبشرين بالجنة والتقاتل فيما بينهم حد انتهاك حرمة بيت نبيهم؟

البارود كما أعتقد / أتصور أو فهمت / استنتجت هي مجموعة تلك الإجراءات / القرارات التي اتخذها الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب عندما استلم راية الخلافة والتي كما أتصور انها أججت الكثير وكانت السبب في مقتله وبداية التجاوز على حرمة موقع الخلافة الديني والإداري.

ومن تلك الاجراءات حسب ما ورد في كُتب الوردي:

* أولاً:

في ص 270 مهزلة العقل البشري كتب الراحل الوردي التالي: [ولهذا صح القول بأن الذي أثار الناس على عثمان هو عمر بن الخطاب فقد اثارهم وهو راقد في قبره ذلك ان سيرته صارت عند الناس بعد وفاته بمثابة "العقد الاجتماعي" يقرؤونه ويهتفون: واسنة عمراه! والى هذا أشار الامام علي بن ابي طالب عندما أبَّنَ عمر فقال: "لله بلاد عمر فقد قَّوم الاود وداوى العمد واقام السنة وخَّلَفَ الفتنة...رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال ولا يستقين المهتدي"] انتهى

اقول: أراد هنا الراحل الوردي مدح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتعظيم اجراءاته لكنه أساء اليه بالصياغة وأساء اليه بذكره قول الخليفة الراشد علي ابن ابي طالب حيث أشار الى ان عمر "خَّلَفَ الفتنة...رَحَلَ وتركهم في طرق متشعبة...الخ".ولم يبين لنا الراحل الوردي عن تلك "الأود والعَمَدْ" ولاعن "قَوَّمَ وداوى".(سأبين بعض ما كتبه الوردي عن عهد عمر "صرامته وشدته وتجاوزه للنصوص وما نتج عنها ومنها).

* ثانياً:

في ص324 مهزلة العقل البشري كتب الوردي: [اتضحت معالم الدولة في عهد عمر لأول مرة في تاريخ الإسلام وكان الذين يسوسون الدولة آنذاك من الصحابة الذين تلقوا تعاليم الإسلام على يد نبيه ومرنوا على الثورة معه وكان عمر ينظر الصحابة بإحدى عينيه وينظر جيوشه الفاتحة بالأخرى وقد وُهِبَ عمر من الحنكة وبعد النظر قسطا كبيرا لكنه رغم ذلك كان يشعر بالصعوبة حين كان يحاول التوفيق بين نزعة الدين ونزعة الدولة في مملكته المترامية الأطراف] انتهى

أقول:

يفهم من "ينظر للصحابة بإحدى عينيه" ان هناك بعض الشكوك او بعض الظنون بما هم فيه وعليه، ما يفعلون ويتصرفون...اي فيها عدم الاطمئنان لبعضهم وقد لَمَّحَ / ألْمَحَ الراحل الوردي الى ذلك حين كتب عن الصحابة ..ففي ص 117من وعاظ السلاطين كتب التالي: [أشرنا في فصل سابق ان أصحاب النبي كانوا بشرا مثل غيرهم من الناس تحدو بهم مصالحهم وتؤثر في سلوكهم العقد النفسية والقيم الاجتماعية فهم لم يكونوا ملائكة معصومين من الذنوب] انتهى

وفي ص118 من نفس الكتاب كتب التالي: [أن من أفظع الاخطاء التي يقترفها المؤرخون هو انهم يتصورون المسلمين الاولين انقلبوا اخيارا بعد ان كانوا اشرارا فجأة واحدة. انهم اغفلوا بهذا مفهوم الشخصية البشرية فليس من المعقول ان ينقي الانسان قلبه فجأة من العقد النفسية والقيم الاجتماعية ويصبح ملاكا طاهرا بمجرد قوله لا إله الا الله وقال النبي محمد "والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام"] انتهى

* ثالثاً:

في ص125وعاظ السلاطين:[ومن الغرائب التي قام بها عمر إنه عين عمار بن ياسر واليا على الكوفة وعين سلمان الفارسي على المدائن] انتهى

و في ص285 / مهزلة العقل البشري كتب: [فالصحابة الذين اشتهروا بالتشيع لعلي كانوا في عهد عمر عمالاً وقواداً يأتمرون بأمر الخليفة ويخدمون الإسلام بالتعاون معه نخص بالذكر منهم: عمار بن ياسر وسلمان الفارسي والبراء ابن عازب وحذيفة اليمان وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وحجر بن عدي وهاشم المرقال ومالك الاشتر والاحنف بن قيس وعدي بن حاتم الطائي] انتهى

اقول:

يمكن أن يقول من يريد القول ان الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب ووفق ما كتبه الوردي عنه كما أوردته في "ثانياً" (وقد وُهِبَ عمر من الحنكة وبعد النظر قسطا كبيرا) وبحنكته تلك وبعد نظره تَلَّمَسَ / شَعَرَ / تَوَقَعَ ان هناك من يمكن أن يشكل خطراً عليه / على الاسلام فأغراه بالمنصب أو أبعده عن عاصمة الخلافة أو زاد له العطاء... حيث كتب في ص90 وعاظ السلاطين التالي:[ابي ذر الغفاري كان يوزع معظم عطائه على المحتاجين وكان عمر قد عين لابي ذر عطاء سنويا ضخما باعتباره من السابقين الاولين في الإسلام ولو شاء أبو ذر لوفر من عطائه هذا ثروة لا بأس بها ولكنه اثر ان ينفق جميع ماله حتى كان لا يملك ساعة موته كفناً] انتهى

وفي نفس ص90 وعاظ السلاطين أكمل بالتالي: [ويروى مثل هذا عن سلمان الفارسي أيضا فقد كان يتصدق بعطائه على الفقراء حالما يخرج من بيت المال ويأكل من عمل يده ويحكى عنه انه كان يخزن في بيته قوت عامه فلما سئل في ذلك قال: افعل ذلك لكي أستطيع ان اُصَّلي الى ربي مطمئناً ويبدو ان سلمان كان يعتبر "الكنز" ما يريد من مال المسلم على قوت اهله لمدة سنة] انتهى

أقول: معروف دور الصحابي أبا ذر والصحابي سلمان الفارسي والصحابة الاخرين فيما جرى من "ثورة / انتفاضة / فتنة" خلال عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان...ويمكن لكل دارس او قارئ ان يلاحظ الفرق في حالهم وحالتهم خلال عهدي الراشدين بن الخطاب وبن عفان.

* رابعاً:

في ص126 وعاظ السلاطين بَيَّنَ تعمد عمر بن الخطاب إهانة للقرشيين في تعامله معهم وأضاف التالي: [لم يكتف عمر بهذه الاهانات التي وجهها الى قريش اذ سلط عليها عبيدها السابقين. إنه فَعَلَ شيئاً اخر أدهى منه، ذلك انه أبطل نصيب "المؤلفة قلوبهم" من الفيء وحرم قريش بهذا من عطاء كانت تتنعم به في أيام النبي وأيام خليفته أبو بكر. إن نصيب المؤلفة قلوبهم مذكور في القرآن ومفروض فيه حيث لا يجوز ان يعبث به عابث لكن عمر لا يبال بهذا فلقد نسخ امرا صريحا جاء به القرآن احتقارا لقريش وإضْراراً بها وقال عمر تبريراً لعمله هذا: ان رسول الله كان يعطيهم يوم كان الدين ضعيفا محتاجا الى نصرهم اما اليوم فقد أصبح الدين قويا لا يحتاج الى تأليف قلوبهم او استرضاهم. ومن الغريب ان نجد عمر ينسخ اية من القرآن ولا يبالي... ان عمر نظر في ذلك الى مصلحة الإسلام فهو لم يتقيد بالشكليات او يتمسك بحرفية الدين كما يفعل اصحابنا من رجال الدين في هذه الأيام... الخ] انتهى

وفي ص 121 وعاظ السلاطين كتب: [لا نكران ان محمدا ألف قلوب القرشيين بالأموال ولكننا لا ندري ماذا كان يصنع بهم بعد ذلك. ان شخصية محمد كانت بعيدة الغور ثاقبة البصر من طراز فذ عجيب.ولعله كان ينوي ان يجذبهم الى الدين اول الامر ثم يروضهم على تعاليمه اخيراً] انتهى

وص121 وعاظ كتب: [اخذ محمد يتألف رؤساء قريش ويجذبهم الى جانبه بشتى الوسائل فقد صار يسميهم المؤلفة قلوبهم ويعطيهم من الغنائم حصة كبرى ويعينهم في المناصب الجديدة والقيادات...الخ] انتهى

أقول:

لماذا تجاوز الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب على النص القرآني وعلى سُنَةْ وسيرة نبيه ونبي الإسلام محمد بن عبد الله الذي كان كما وصفه الوردي "أن شخصية محمد كانت بعيدة الغور ثاقبة البصر من طراز فذ عجيب"؟ اعتقد أن اعتماد مثل هذه الروايات وتداولها والتثقيف بها فيه إهانة كبيرة لكلا الطرفين / الأطراف فالنبي محمد بموقفه من قريش مَيَّزَهُمْ عن الأعراب وعن المهاجرين والأنصار وحاشى محمد النبي من ان يتصرف مثل هذا التصرف كما أتصور واعتقد...و بالنسبة لتصرف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في تجاوزه على النصوص هو إهانة له ولقدسية القرآن وسُنَةْ النبي محمد وحاشاه ان يقوم بذلك كما أتصور واعتقد...العجيب ان من طرح هذا ويطرحه يعتبر النبي محمد معصوم من الخطأ و"إن هو الا وحيٌ يوحى" وان الخليفة من المبشرين بالجنة والسائرين على هدي وهدى النبي محمد. لكنه التعظيم المهين الذي ساد الكثير من الروايات والأحاديث والسير المتناقلة دون تفكير او حرص او اهتمام.

في ص260 مهزلة العقل البشري كتب الوردي في تبريره لتجاوز عمر على القران والحديث بخصوص قريش التالي: [مما يلفت النظر ان عمر بن الخطاب كان يجري في سياسته على أسلوب مخالف لأسلوب عثمان وكثيرا ما وجدناه يخالف النص الشرعي من اجل الموازنة بين قريش وغيرهم فكان يضيق على قريش ويعاقبهم أكثر مما "يقتضيه" الحد الشرعي لكي يبعث الطمأنينة في قلوب المهاجرين والأنصار بوجه خاص وفي قلوب الاعراب بوجه عام] انتهى

أقول: يمتدح الوردي تصرف الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب هذا في تجاوزه على نص قرآني وعلى السنة النبوية في بداية نهوض او تشكيل الدولة كما أشار الوردي انها تشكلت في عهد عمر، واعتبر ذلك انه من مصلحة الإسلام لكن الوردي في انشغاله في تعظيم دور عمر ليهيئ للفرق بين عهده وعهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان اخفق في تفسير ذلك حيث ان الإسلام لايزال حديثاً ودولته فتيه وتجاوز نص قرآني مقدس وسنة محمدية مقدسة هو إهانة للكِتابْ والسنة ولمن انزل الكتاب ومن حمله للناس وبشر به وهي حجة كبيرة بيد المتضررين "القرشيين" من ذلك في ان الخليفة لا يحترم الدين ولا مُرْسِلْ الدين ولا المُبَشِرْ به ولا من حمل لواءه. يمكن لي أن أتصور وفي ضوء طرح الوردي هذا، او هذه الرواية ان الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب هو أول من وضع راضياً مرضياً اللبنة الأولى في ازمة الإسلام التي توارثها المسلمون وامرائهم ورؤساء وملوك دولهم لليوم حيث اعتبروا كل شيء جائز ان كان هناك ما يستدعي تجاوز النصوص فتجاوزوها وتلاعبوا بها مستندين الى "حكمة" ابن الخطاب في ذلك... وأعطى الخليفة عمر في تجاوزه ذاك الحق لمن تصرف بالحديث والسنة من بعده .والعجيب أن الوردي يُفسر تلك التجاوزات "العُمرية" في تجاوزها الحد الشرعي، بأن ذلك لإشاعة الطمأنينة في قلوب الأنصار والمهاجرين بوجه خاص وفي قلوب الأعراب بوجه عام وكأن هؤلاء كانوا يعيشون في قلق وخوف وتعاسه على زمن النبي محمد والخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق وهذه إن صَحَتْ أو قُبِلَتْ إهانة كبيرة للإسلام وللنبي محمد وللخليفة أبو بكر وللقرآن...و تشير الى فشل هؤلاء في إشاعة العدل والأمن والأمان. وتُشير ايضاً الى أن "كره" قريش للخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب كان لجاوزه على نص قرآني وسُنَة نبوية. [ملاحظة:((هكذا يمكن ان يقول من يريد ان يقول من محبي بني امية ومنهم العلامة "بن خلدون" حيث كتب الوردي انه من محبيهم))].

* خامساً:

ص126 وعاظ السلاطين: [ومما يُضْحِكْ ان عمر امر بمحاكمة خالد بن الوليد على ما كان يهب الشعراء من جوائز على طريقة قريش القديمة وقد سئل خالد اثناء المحاكمة عن تلك الهبات اهي من ماله ام من مال المسلمين؟ فسكت خالد فقام اليه بلال الحبشي فتناول عمامته ونقضها ثم شده بها وخالد لا يمانع] انتهى.

أقول:

لا اعترض على ذكر / ورود تلك العبارة في الروايات لكن اعتراضي كيف يُصَّدِقُها عالم اجتماع مثل الدكتور علي الوردي ويقدم لها ب "ما يُضْحِكْ" وكأنها حدثت أمامه أو كان شاهداً عليها...و هذا استخفاف بعقول القراء.

في ص125 وعاظ السلاطين: [كان المسلمون في عهد عمر طبقتين، طبقة عليا مؤلفة من اشراف قريش وطبقة سفلى مؤلفة من سواد الاعراب أبناء القبائل البدوية اما الاعاجم فلم يكن لهم شان في ذلك الحين اذ لم يكن قد دخل منهم عدد كبير في الإسلام آنذاك] انتهى

ص129: [اما في اخر أيام عمر فقد كانت قريش قوية غنية اذ استعادت في خلافة عمر كثيرا من نفوذها الضائع وقد كان عمر نفسه يخشاها كم رأينا ويحذر الناس من مكايداتها] انتهى

اقول:

يؤكد الوردي انهم كانوا اشراف قريش وهم الطبقة العليا وان قريش كانت قوية وغنية إذ استعادت في خلافة عمر كثير من نفوذها الضائع وكان عمر يخشاها.

اي خلل وأي تناقض وأي عدم انتباه كان فيه الدكتور الوردي. الحقيقة هذه العبارة او هذا المقطع يثير علامات استفهام كثير حول قدرات والراحل الوردي ودقة ما كتب ويضع علامات تعجب على استنتاجاته وتحليلاته لا يمكن ان يجد لها مبرر او ردود لو طرحت عليه في حياته له الذكر الطيب. هذا القول ينافي ما ورد أعلاه من ان الخليفة عمر بن الخطاب كان يهين قريش ورموزها ومنع عنهم الفيء وحجزهم في المدينة.

* سادساً:

في ص26: [...فقد كان بين عمر ورعاياه تجاوب نفسي عميق والسر في ذلك هو ما كان عليه عمر من زهد وتعفف وعدل صارم...علم ذات يوم ان أحد أولاده شرب خمراً فامر بجلده حتى مات. فانتشر خبر ذاك في الناس واخذوا يتناقلونه ويبالغون فيه وبهذا أصبح عمر في نظر الناس فوق الشبهات فإذا انتقده أحد على شيء صرخ فيه الناس قائلين: اسكت...لو كان عمر كما تقول لعفى عن ولده وفلذة كبده...وبهذا أصبح الحاكم والمحكوم جسماً واحداً لا فجوة فيه وتماسك المجتمع تماسكاً قوياً] انتهى

في الجزء التالي اُناقش المقطع الأخير"سادساً"

 

عبد الرضا حمد جاسم