المثقف - قضايا

الإصلاح والثورة في روسيا: العبرة التاريخية والبدائل المستقبلية (6)

ميثم الجنابيلم يستدع انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي شعور الفرح الطاغي وروح التشفي العارم إلا في الولايات المتحدة وأوربا (أي في العالم الإمبريالي القديم) وإلى حد ما ضمن الأوساط الشعبية في الدول الاشتراكية نفسها. وهي مفارقة تعكس أولا وقبل كل شيئ الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها اليسار الحاكم آنذاك، ولعل أكثرها جوهرية هو بقاء ذهنية وسلوك هذا النوع من اليسار ضمن المعايير والمفاهيم الضيقة في بعض جوانبها من ماركسية القرن التاسع عشر. أي أن اليسار المعني لم يتعلم معنى الحقيقة القائلة بان اكثر المفاهيم غنى وعمقا لا يمكن أن تكون مرشدا دائميا للعمل، وأن الأيديولوجيا، مهما كانت محكمّة الصياغة والدقة، ما هي إلا مجموعة تصورات مرحلية واجتهاد إنساني ينبغي وضعه وفهمه ضمن المساعي الإنسانية الحرة الباحثة عن الحقيقة أو العدل، أو الجمال. وبهذا المعنى تكلم ماركس وانجلس عن "شبح الشيوعية" الذي اخذ يرعب "أوربا العجوز". لقد أتقنت أوربا (أو بصورة أدق الأوساط الإمبريالية الحاكمة فيها) أسلوب الترهيب والترغيب، وحاولت أن تجعل من الشيوعية "شبحا" تستعيد به عالم الطفولة المميز للوعي الجماهيري والتأثير عليه بتخويفه من ذكريات ورموز القروسطية الأوربية نفسها.

وليس مصادفة أن تستعيد الهجمة الأيديولوجية الجديدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، نفس الفكرة القديمة ولكن من خلال إعطائها أبعادا جديدة. لقد حاولت تصوير هذا الانهيار كما لو انه أمر طبيعي، انطلاقا من أن الشيوعية "شبح" أو خيال جرى إدراك خياليته أو طوباويته بعد نضوج الأمم. إلا أن التاريخ الحقيقي الذي لا خيال فيه ولا طوباوية، هو تاريخ الليبرالية (الرأسمالية)،التي توصله إلى نهايته المنطقية. فتحاول من جديد تخويف العالم بشبح الشيوعية وترغيبهم بجنان الليبرالية. وهي نظرة وسلوك يعبران عن افتقاد الرأسمالية المعاصرة لمعنى وروح الليبرالية المميز للبرجوازية الأولى. إذ لا حرية في الاحتكار المعاصر. والأنماط الجديدة المتبلورة في هيئة "نظام عالمي جديد" و"حضارة جديدة" و"مدنية جديدة" و"قيم جديدة" ما هي إلا  تغليف جديد لنظام وحضارة ومدنية وقيم إمبريالية في محتواها ديمقراطية في العبارة والمظاهر، لأن الحوافز القائمة وراء كل ذلك ليست حوافز الحرية والديمقراطية بل مساعي الهيمنة والاستكبار.

لقد أعطى سقوط اليسار (البيروقراطي) الحاكم في الدول الاشتراكية "للديمقراطيات العجوزة" قوة جديدة. من هنا قسوتها الماكرة وروحها الكلبية وطموحها الأيديولوجي الشديد لعزل الشعوب عن تاريخها من خلال محاولة نقلها إلى فلك التصورات الاوروأمريكية الضيقة ورمي التراث الإنساني الحقيقي الذي مثلّه "اليسار" ومستوياته المتنوعة تاريخيا. بعبارة أخرى، إن فكرة "النظام العالمي الجديد" أيديولوجية ترمي في نهاية المطاف إلى تأسيس آلية "النسيان الحضاري" لانتزاع ذاكرة الشعوب وتواريخها الخاصة، أو مرجعياتها الثقافية. وإذا كان لهذه الأيديولوجية مقدماتها في الحضارة الأمريكية، التي لا أساس مرجعي ثقافي موحد فيها، فان غايتها تؤدي بالضرورة إلى تهشيم الأسس الثقافية للوجود الإنساني. لأن النموذج الأمريكي في نهاية المطاف هو نمط حياة "أمريكي" وليس فكرة فلسفية كبرى ذات مرجعيات تاريخية ثقافية وروحية كبرى.

وهذا بدوره يشير إلى أن الفكرة الجوهرية بالنسبة للحركات المستقبلية تقوم في ضرورة إدراكها بأن نسيان تجارب الأسلاف وعدم استخلاص العبرة منها سوف يؤدي حتما إلى تكرار نفس الأخطاء والمآسي. والمقصود بالعبرة هنا هو النظرة النقدية الشاملة إلى القيم والأفكار والسلوك في مستويات العلم والعمل (النظرية والتطبيق).

وتجربة اليسار في القرن العشرين وثيقة الارتباط بالتجربة البلشفية الشيوعية السوفيتية التي كانت حدثا تاريخيا عالميا قدّمت إحدى الصيغ الجديدة لفكرة التحرر الفعلي للإنسان والمجتمعات والأمم. وتجاوزت في بعض مساعيها الكثير من النماذج المثلى للتجارب التاريخية السابقة. وبذلك مّثلت قيمة كبرى للوعي التحرري الإنساني، فضلا عن مرجعيتها التاريخية بالنسبة لليسار المعاصر. وبهذا المعنى، كانت التجربة البلشفية الشيوعية السوفيتية هي تجربة اليسار الروسي، وصيغة من صيغ التجربة الثقافية لروسيا، لها تاريخها الخاص المرتبط  بتنامي قوة الدولة الروسية وازدهارها الثقافي، وكذلك بضعفها وصراعاتها الداخلية. فتجربة اليسار الروسي هي أولا وقبل كل شيء تجربة التاريخ الروسي، وحصيلة هذه التجربة وحقائقها محدودة بهذا التاريخ. أما أبعادها العالمية ففي عبرتها العميقة المحتوى والإنسانية النزوع والغاية، وذلك بفعل ارتباطها بالخصائص الكبرى للثقافة الروسية المعذبة في بحثها عن توليف معقول بين الشرقي والغربي، المادي والروحي. الأمر الذي ميّز ويميزّ تجربتها السياسية عن الشرق والغرب التقليدين. ولكنها تجربة في جوهرها اقرب إلى روح الثقافات الشرقية الكبرى (عالميتها الإنسانية، وروح التضحية الذاتية باسم المبادئ الأخلاقية). غير انه لم يجر إدراك هذه الحقيقة برح نقدية. والغريب في الأمر أن اكثر من ساهم في تعمية الروح النقدي هو الحزب الشيوعي السوفيتي، الذي ادعى باطلا بالطليعية العالمية والإقرار المباشر وغير المباشر بها من جانب اغلب الأحزاب الشيوعية. ومن ثم ساهم بوعي أو دون وعي  في إضعاف اليسار العالمي المعاصر. وإخماد حرية النقد وفرض عبودية "مبدئية" طوعية لا معنى لها بالنسبة للروح اليساري المفترض. ومع ذلك فان هذه النتيجة لها تاريخها الخاص وإشكالاتها العديدة التي لا مجال لحديث عنها الآن.

إن العداء "الغريزي" والهجوم الدائم (العسكري والأيديولوجي والاقتصادي والثقافي) من جانب الغرب الاوروأمريكي سبقه هجوم (إمبريالي) ضد الدولة السوفيتية هو في جوهره هجوما ضد اليسار بشكل عام واليسار الشيوعي بشكل خاص، أي ضد المصالح القومية الصميمية لروسيا. وإذا كان اليسار، على الاقل من الناحية التاريخية (وبالأخص خارج الدولة الإمبريالية) هو الممثل الحقيقي للمصالح الوطنية والقومية العليا، فان هذه الإمكانية ليست صكوك غفران، بل هي وثيقة الارتباط بقدرة اليسار نفسه على استيعاب واستخلاص حصيلة التجارب العالمية من خلال استناد رؤيته السياسية إلى المرجعيات الثقافية الخاصة.

وليس مصادفة أن يبدأ الهجوم "الديمقراطي" (الإمبريالي) الأيديولوجي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية بحملة حاولت تثبيت أيديولوجيا العداء لليسار من خلال اتهامه بكل الشرور، ومن اجل البرهنة على انه لا آفاق للاشتراكية بعد الآن، وأن الاشتراكية بطبيعتها معادية للإنسان والحرية. وحصل هذا الهجوم الأيديولوجي على انعكاسه في التأييد الدعائي الضخم لأيديولوجية "نهاية التاريخ" (الاشتراكي والشيوعي واليساري) و"حضارة السوق" و"المدنية الغربية"، و"النظام العالمي الجديد".  

وشكلت هذه المحاور أركان الصرح الأيديولوجي الإمبريالي الجديد في هجومه على اليسار(الاشتراكي - الشيوعي). وهي أركان قوية المظهر رخوة الباطن. فالادعاء الأيديولوجي بتمثيل الديمقراطية الإمبريالية للحق والحرية والإنسانية يتسم بالزيف ويمكن مقاومته من خلال تمّثل حصيلة التجارب الاشتراكية وإعادة تجسيد روح القوانين (الاجتماعية والقومية) والحرية (الفردية والجماعية) والنزوع الإنساني (الأممي)، لان ادعاءات الديمقراطية الإمبريالية كلمات حق يراد بها باطل. الأمر الذي يجعل من مهمة نقد الذات الحقوقي والتحرري والإنساني المقدمة الفكرية والسياسية الأولية لتكامل الرؤية البرنامجية لليسار. وهي مقدمة قابلة للتنفيذ في حالة وضع مكوناتها النقدية في إدراك حي للأولويات الوطنية والقومية الواقعية.

احتقرت الليبرالية الروسية قيمة الزمن ومحتوى صراع الأجيال وتضحياتها، مما جعلها في غضون سنوات معدودة محط  الاحتقار الوطني في الخفاء والعلن. فقد ساهمت في تعميق خلل القيم والتوازن الداخلي للمجتمع والدولة ونظرت إلى "إصلاحها" باعتباره ثورة، في حين نظرت إلى الثورة (الاجتماعية) باعتبارها مصدرا للخراب والدمار الشامل. وهي نظرة أيديولوجية صرفة تتميز بالسطحية والابتذال. والقضية هنا ليست فقط في أن "إصلاحها" كان تدميرا وخرابا، وأن ثورتها كانت ثورة مضادة، بل وفي تهافت حكمها الأيديولوجي القائل بان للثورة طابعا تدميريا. في حين أن الثورات هي الصيغة الهائجة للحرية وأسلوب تجذيرها في الوجود الاجتماعي والإبداع الإنساني. أما "الثورة الديمقراطية" فقد كانت فعلا تدميريا بالنسبة لروسيا لأنه لا علاقة لها بالتاريخ الروسي. واذا كان الواقع المعاصر يسير اكثر فاكثر صوب ادراك قيمة وأولوية الاصلاح على الثورة بالمعنى التقليدي، فان النماذج، ولتكن غير الناحجة لحد الأن، من الثورات قد كشفت عن قيمتها التاريخية والمستقبلية، كما كان الحال بالنسبة لصعود وسقوط ثورة "الربيع العربي".

اما بالنسبة لروسيا، فقد بدت اللبرالية الروسية حينذاك كما لو أنها ممثل طارئ على خشبة المسرح التاريخي لروسيا يهتف لحاله، بان كل ما في المسرحية من أشخاص هم أظلة وأشباح، وأن الكيان الوحيد الحق هي نفسها فقط! غير أن للتاريخ منطقه، وللصراع الاجتماعي مقدماته وأحكامه. فالليبرالية المتهورة والرعناء والمتخلفة هي رد فعل على يسار متهور ارعن متخلف. وذلك لأن الحركة المتناسقة للتطور الاجتماعي تستلزم وجود مكونات أو نسب اجتماعية تعي وجودها ضمن نظام  لعلاقات يكفل للمجتمع والدولة توازنهما واعتدالهما الديناميكي. أما فقدان هذا الاعتدال فانه يؤدي بالضرورة إلى قلب الموازين والقيم. وليس مصادفة أن تتهم الليبرالية الروسية اليسار الشيوعي بالجمود والمحافظة والتخلف والاستبداد والتوحش. وهي إحدى المفارقات الكبرى لتاريخ الحركة اليسارية المعاصرة بشكل عام والشيوعية بشكل خاص. بعد أن جعل سلوك الأحزاب الشيوعية الحاكمة ممكنا إقناع الكثيرين بان الرأسمالية أعلى مراحل الاشتراكية، وأن الاشتراكية إن لم تكن وهما وطوباوية فأنها درجة أدنى في التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. إذ أعطت الحركة الشيوعية مبررات لاتهامها بالجمود والتخلف والاستبداد، وكشفت في سلوكها النظري والعملي عن إمكانية ابتذال وتسخيف اكبر النظريات ثورية وتجانسا في المنطق والرؤية والبدائل.

ومع ذلك ينبغي التفريق بين الحقيقة والرجال، أو بين المبادئ (النظرية) وسلوك الحركات السياسية. فقد كشف ذلك أيضا عن أن الانتماء للشيوعية ليس ضمانة الانتماء لليسار، وأن الادعاء بالشيوعية والدفاع المستميت عن "نقائها" ليس صكوك غفران لدخول جنة اليسار أو جحيمه. وإن حقيقة اليسار أوسع من أن يمّثلها تيار  مذهبي سياسي، أو فكري عقائدي. وأن الحقيقة العامة لليسار تتمثلها مبادئ دولة القانون، وسيادة المصلحة العامة، والمؤسسات الديمقراطية الاجتماعية، والاستقرار الديناميكي. وهي المكونات التي فشلت الليبرالية الروسية في تحقيقها. لقد جاءت إلى السلطة باسم هذه المبادئ وابتذلتها بطريقة فجة أعطت لليسار الروسي المعاصر من جديد فرصة استظهار حقيقة الفكرة اليسارية، ومن ثم مبرر وجوده التاريخي ومشروعية كلامه عن الطليعية والبديل الشامل.

إذا كان اليسار فيما مضى ضرورة للتقدم والحرية والنزعة الإنسانية، فان هذه الضرورة مرتبطة الآن بمستوى إدراك وتجسيد المبادئ الكبرى المتصيّرة تاريخيا عن حقيقة الحرية والعدل والمساواة. وبالتالي، فإن لليسار بهذا المعنى تاريخه العريق في الحقيقة الإنسانية. من هنا سطحية وضيق أفق محاربة اليسار رغبة في القضاء عليه. لأن سلوك كهذا  لا يجهل قيمة اليسار بالنسبة للوجود الاجتماعي والقومي والإنساني فحسب، بل ولم يتعض بالحقيقة القائلة، بان التاريخ الاجتماعي والسياسي للدول والأمم يفترض كحد أدنى وجود النظام والحرية. وهي مكونات أبدعتها وساهمت في ترسيخها، الجهود النظرية والعملية لليسار.

 اعتقدت الليبرالية الروسية بعد عام 1991، وبالأخص بعد تجميد نشاط الحزب الشيوعي السوفيتي، بأنه لا إمكانية بعد اليوم لنهوض اليسار. لقد طابقت الليبرالية الروسية بين الحزب الشيوعي السوفيتي وبين الفكرة اليسارية. وهو وهم أيديولوجي. غير أن اكثر من تمثل الفكرة الإمبريالية المعادية لليسار في روسيا هم أولئك الذين تزعموا المواقع الحساسة في الحزب والدولة السوفيتية! وهي مفارقة لها عبرتها الخاصة ليس بالنسبة لليسار الروسي فقط. وقد حاولت الليبرالية الروسية إعادة الصيغة "التوتاليتارية" ولكن بأكثر أشكالها تعاسة عبر إرساء اسس نظام ليبرالي تام واحد، مبني على قاعدة العداء لليسار والفكرة اليسارية، دون أن تعي أن الليبرالية في تاريخها الأول هي حاملة الفكرة اليسارية(البرجوازية). أما الليبرالية الروسية فإنها رجعية سافرة حتى مقارنة بالشيوعية البيروقراطية القمعية. مما اضطرها للبحث عن تبرير أيديولوجي يحاول إعلاء شأن اليمين والفكرة اليمينية (المحافظة) باعتبارها ذات قيمة بالنسبة للاستقرار والتقدم. وهي فكرة سليمة، ولكن فقط في حالة وجود يسار سياسي قوي متجذر في البنية الاجتماعية والفكرية للدولة والأمة. وبما أن المجتمع الروسي الجديد لم يعد متجانسا إلا في مجال التناقض الحاد بين فئة صغيرة فاحشة الغنى وأغلبية مسحوقة فقيرة، فانه لم يعد لفكرة اليمين واليسار التقليدية معناها وقيمتها التقليدية في الحياة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والروحية. إذ لا طبقة وسطى في روسيا تجبر اليسار واليمين على الاعتدال. أما "الطبقة الوسطى"، التي لم تكن في الواقع اكثر من مجموعة مضاربين وتجار صغار وباعة متجولة وحثالات أسواق، فأنها اندثرت بين ليلة وضحاها في منتصف عام 1997. عندها انقسم المجتمع، أو بصورة أدق عاد إلى حقيقته بعد أن زالت غشاوة المضاربات الصغيرة، إلى تيارين هما التيار الحكومي المالي الطفيلي (الليبرالي) والتيار المعارض الاجتماعي والقومي.

لقد أدى ذلك إلى واقع تعارض الدولة والمجتمع (الأمة) وتعارض المال والإنتاج مع ما يترتب على ذلك من تسلسل في تعميق التناقضات الاجتماعية والسياسية والفكرية. وهي تناقضات لم يعد بإمكان الليبرالية الروسية تذليلها. لقد تحسست خطر هذا الواقع للمرة الأولى قبيل انتخابات الرئاسة عام 1996. واستطاعت بالتزوير والتزييف والابتزاز والدعاية السافرة وشراء الذمم وغيرها من الأساليب من اجل خلق "قوة ثالثة" لمساعدتها في التخفيف من ثقل هذا الخطر.  وتمّ إيجاد هذه "القوة الثالثة" بالدعم المالي والإعلامي العلني والخفي. وجهدت من اجل جمع كل من يتخوف من اليسار الشيوعي ومن يخجل عن إعلان تأييده المباشر لسياسة السلطة الحالية. وجرى ترشيح احد الجنرالات المثيرة بمظاهرها فقط  (الجنرال ليبد، والذي قتل لاحقا في حادثة سقوط طائرته) لتمثيل هذا الدور. فاستطاع إلى جانب (حركة التفاحة) بقيادة يفلينسكي، ومجموعة غورباتشوف(!) في اختطاف ما يقارب 17% من الأصوات التي معظمها كان ميالا لليسار. وقبل أن تبدأ الجولة الثانية بين اليمين الليبرالي(بزعامة يلتسن) واليسار الشيوعي الوطني (بزعامة زوغانوف) جرى ضم الجنرال ليبد إلى السلطة فأعلن تأييده لها ضد اليسار. وهو فعل يكشف موضوعيا، عن خدمة وخضوع "القوة الثالثة" للسلطة اليلتسنية بوصفه صنيعتها الاضافية، وكذلك عن دورها التخريبي لقيم الاعتدال والحرية. لقد كانت "القوة الثالثة" جزءا من لعبة السلطة الماكرة وجزءا من نفسيتها السياسية المتمرسة على تكنيك المؤامرات والخديعة.

لم تكن "القوة الثالثة " قوة اجتماعية سياسية مستقلة، بل كانت جزءا من اللعبة السياسية والأيديولوجية، وحلقة في سلسلة الوسائل المدمرة التي استخدمتها الليبرالية الروسية في تخريب القوى الاجتماعية. فقد كانت وظيفة "القوة الثالثة" إشاعة الخراب الأيديولوجي والسياسي وتشويش الثقة بالقوى "التقليدية" (اليسارية والشيوعية). لكنها أسهمت، بدون وعي، في إضعاف وتهشيم الليبرالية الروسية نفسها. إذ أدركت منذ انتخابات الرئاسة عام 1996، أنها قوة مؤقتة بمعايير التاريخ والاجتماع والفكر والروح غايتها تمديد عمر الليبرالية لسنوات إضافية (أي للسرقة والنهب). وبهذا الصدد يمكن القول بان الليبرالية الروسية تحرق كل الحثالة الاجتماعية والسياسية التي تراكمت في مرحلة البيروقراطية السوفيتية وسوقية الطفيلية المالية. ففي السنوات العشر الاولى ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تعرض للاندثار شبه التام اغلب التيارات الليبرالية مثل تيار (روسيا الديمقراطية)، وأخذت بالتلاشي بقاياه السياسية في حركة (روسيا) وحركة (الاستقرار)، وينطبق هذا على حركة (خيار روسيا). وتعرضت للانحلال حركة (نساء روسيا) وضعفت بشكل جلي حركة (روسيا - بيتنا) و(الطريق الروسي) و(الحزب الليبرالي الديمقراطي) وكذلك (حزب تفاحة)، وكذلك تيار (مجموعة المحافظات) وغيرها. وقد كانت اغلب هذه التيارات ان لم يكن جميعها قد نشأت بإرادة السلطة وتأييدها ودعمها المباشر وغير المباشر، أو التي أيدت النظام بدرجات متفاوتة من الحماسة. وهي ظاهرة تشير إلى ضعف القاعدة الاجتماعية للنظام اليبرالي. في حين أخذت تنمو بعد ذلك محاولات السلطات المحلية في المحافظات للاستفراد بالمناطق من اجل صنع كتل سياسية تابعة لها. وإذا كانت هذه العملية تساهم في إضعاف السلطة المركزية (ممثلة الطفيلية المالية)، فأنها تؤدي أيضا إلى تخريب وحدة الكيان السياسي للقوى الإجتماعية، وذلك نتيجة تدميرها روح الانتماء السياسي للكلّ الروسي والهموم الكبرى. غير أن هذا التيار كان عرضة للزوال، لأنه عادة ما يجري تكوينه وربطه بأشخاص (موظفين) في الدولة، كما كان الحال بالنسبة لحزب (روسيا – بيتنا) وغيره من الاحزاب. وهي ظاهرة مازالت سائدة في الحياة السياسية الحزبية الروسية لحد اليوم. ويبدو انها ستبقى لفترة طويلة نسبيا وذلك لضعف تقاليدها السياسية المستقلة.

تعكس هذه الاتجاهية تقاليد البيروقراطية السوفيتية وبقاياها المتحجرة، ولكن في ظل سيادة المال والعصابات لا الحزب والأيديولوجيا. مما جعلها اكثر خطورة بالنسبة لوحدة المصالح العامة للدولة والمجتمع. وهو أمر يعكس الخلل الجوهري في الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري للنظام الليبرالي الروسي. فقد أدى هذا النظام إلى تعميق خلل التوازن الشامل في الدولة والمجتمع، وإلى مفارقة صنع رأسمالية مالية (اوليجارشية) مفلسة أوصلت الدولة إلى حال ليس بإمكانها حتى دفع نسبة الفائدة السنوية على ديونها الخارجية.

لقد كانت الدولة السوفيتية بأكملها "يسارية" الشكل والمحتوى على الصعيد العالمي. إلا أنها كانت يسارية محافظة من وجهة نظر النقد اليساري المتطرف والحقيقي. لهذا كان اليسار السوفيتي المعارض (في حالة إرجاء الحديث عن تاريخ المعارضة للستالينية منذ العشرينات حتى الستينات) جزءا من تاريخ اليسار المغمور. وهو يسار محاصر وضيق لحد ما بفعل "شرعية" و"ثورية" القمع السلطوي للدولة السوفيتية حينذاك. فقد تعاملت المخابرات السوفيتية وأجهزة الأمن بقسوة مع ممثلي اليسار الراديكالي، الذين لم  يحصلوا (كما سيحدث في وقت لاحق بالنسبة لأولئك المدافعين عن "حقوق الإنسان") على دعم وتأييد، لا من جانب الدول الإمبريالية ولا من جانب اليسار العالمي بمختلف تياراته "الرسمية". على العكس، لقد شاركوا جميعا في تحويل الطاقة الحية لهذا اليسار إلى قوة مدمرة أو جرى استعمالها حجة للبرهنة على دموية أو إرهابية اليسار. فقد عملت أجهزة المخابرات والأمن بكل الطرق والوسائل على تخريبه من الداخل، إضافة إلى سجن قياداته أو حتى اغتيالهم. ومّثلت هذه الممارسة أحد الأخطاء الكبيرة للسلطة السوفيتية، التي احتقرت كل معارضة وتعالت عن كل نقد بحكم بيروقراطيتها وانحرافها الشديد عن تقاليد الروح النقدي المميز للفكر الإنساني الكبير. وأدى ذلك لاحقا إلى إرساء أسس نظام كنائسي يتميز بالصرامة الشكلية والجفاف الوجداني بكيل الاتهامات لكل معارضة بأنها تمثل التطرف والانعزالية والتحريفية والانتهازية واليمينية وما شابه ذلك. وجعلت من نفسها الممثل الشرعي الوحيد لأناجيل الماركسية اللينينية. بينما كشف حل الحزب وقلب النظام عن خواء هذا الكيان، وعن أن نقد "اليسار المتطرف" كان سليما على الأقل فيما يخص جوانبه الوجدانية والأخلاقية. ومن الناحية التاريخية والسياسية والنظرية أيضا كان ذلك النقد وما يزال رصيدا ضروريا لليسار والفكرة اليسارية.

لقد نشأ التيار اليساري المتطرف بعد موت ستالين، وبالأخص بعد أن اخذ بالظهور تيار المعارضة العلنية والنقد العلني للستالينية من جانب الحزب الشيوعي السوفيتي نفسه. وتحول هوا اليسار لاحقا إلى جزء من المعارضة الخفية للسلطة السوفيتية الرسمية نفسها وفيما بعد إلى معارضة الحزب الشيوعي السوفيتي نفسه. حيث وجد في السلطة السوفيتية الرسمية انحرافا عن حقيقة السلطة السوفيتية، ووجد في الحزب نفسه جهازا إداريا بيروقراطيا يتسم بالجمود والفساد. وتشبع هذا النقد بعناصر متناثرة من التروتسكية والماوية والوجودية وأيديولوجيات اليسار الجديد (مدرسة فرانكفورت بالأخص) وشذرات من آراء دوبريه وفانون وأمثالهم.

وإذا كان هذا اليسار النقدي المعارض للنظام السوفيتي الرسمي يعمل دون قاعدة اجتماعية مستقلة، فان انحلال الاتحاد السوفيتي وسقوط السلطة السوفيتية، وضعه أمام حالة افتقد فيها تاريخه السياسي السابق، وضاعت موضوعات نقده التقليدي. لقد وقف أمام إشكاليات جديدة، بينما كان تاريخه النظري محصورا بقضايا الموقف من السلطة السوفيتية والحزب الشيوعي السوفيتي وستالين. وهي قضايا فقدت حيويتها المباشرة في الصراع السياسي الحالي. إلا أن التيارات الفوضوية والتروتسكية الشبابية مثل (الحزب القومي البلشفي) و(مبادرة الفوضويين الثوريين) و(الدرع الطلابي) وعشرات أمثالهم، تعكس في ظهورها وانحلالها الحالة المميزة لليسار المتطرف في مراحل الفتن الاجتماعية وانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي. فهو يتبلور وينحل بصورة عشوائية بفعل ضعف أسسه الاجتماعية وحماسه الوجداني المفرط. ومن هنا مروره السريع رغم بقاياه الملتمعة هنا وهناك أحيانا. (يتبع....).

****

ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4446 المصادف: 2018-11-07 07:57:19