المثقف - قضايا

الخطاب الديني بين التجديد والتغيير

حسن زايديبدو أنه لا يروق للبعض أن يتحدث في قضية تجديد الخطاب الديني لا تصريحاً ولا تلميحاً باعتبار أنها تمثل خروجاً علي الدين، إن لم يكن من باب الكفر والزندقة، فلا أقل من باب التفلت من الدين، والتخفف من أعباءه وتكاليفه علي نحو أو آخر. كما لا يحلو للبعض الخوض في غمارها دفعاً للباب الذي تأتي منه الريح، فيتم إغلاقه كي يستريح، لأنه يعفي نفسه من مؤونة المواجهة والصدام مع القائل بوجوب تجديد الخطاب الديني، والقائل بعدم وجوبه أو لزومه. ولا يرغب البعض في الولوج فيه  بالقبول أو الرفض درءاً للفتنة المحتملة بين الفرقاء.

والأغلبية من الناس لا يشغلها ما يعتقده كل بعض من هذه الأبعاض، ويمارس الدين علي نحو مبسط، كما وصله علي ألسنة الخطباء والوعاظ. ويعتقد أن الدين قد جاءه علي نحو ما جاء غيره، دون سفسطة أو فذلكة، ودون تعقيدات فقهية أو عقائدية. وقد جاء الدين للعوام كما جاء للمتخصصين الخواص، وجاء للشخص الأمي كما جاء للفيلسوف الألمعي. وليس هناك دين مخصوص لكل فئة.

وتجديد الخطاب الديني من الأمور القديمة  قدم الدين، وإلا لما كان هناك علوماً للدين من الأصل، وقد كان باب الإجتهاد مفتوحاً علي مصراعيه، فظهرت علوم العقائد، وعلوم الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن، إلي آخر قائمة علوم الدين. وظل الأمر هكذا حتي أغلق باب الإجتهاد، فتجمدت العلوم وتوقفت عند الهوامش والشروح، وهوامش الهوامش وشروحها، وشرح شروح هوامش الهوامش.

ويعد من نافلة القول الذهاب إلي تأكيد المؤكد من أن لا محل للقول بتجديد القرآن أو الثابت من السنة النبوية الصحيحة، فالقرآن محفوظ بحفظ الله له إلي أن تقوم الساعة، وكذا السنة الصحيحة سنداً ومتناً. والتجديد حين يلحق قولاً متعلقاً بهما، فهو تجديد للفهم عنهما. أي أنه تجديد للأفهام وليس تجديداً للنصوص. وهذا كان مما يلزم توضيحه ابتداءاً، من باب ما لا يلزم الواجب إلا به فهو واجب.

ولو سئلت عن قناعتي الشخصية بضرورة تجديد الخطاب الديني، فستكون إجابتي أنه ضرورة وفريضة. ضرورة وفريضة تاريخية، وضرورة وفريضة واقعية، وضرورة وفريضة مستقبلية.

فمن حيث كونه ضرورة وفريضة تاريخية، فذلك لمواكبة الأزمان وتطاولها، وامتدادها عقوداً وقروناً. فإذا اعتبرنا أن الخطاب الديني في القرن الأول هو الفهم الأول للدين، كنا أمام أحد احتمالين هنا، هما : الإحتمال الأول : أن تتجمد أفهام القرون التالية عند هذا الفهم. وبالتالي تتجاوز الأفهام فهم القرن الأول إلي القرون التالية باختلاف ظروفها وأحوالها، فيمارس الإنسان الدين في جانب، ويمارس حياته في جانب آخر. وهذا الفصام النكد بين الدين والحياة ليس من مقاصد الشريعة.

الإحتمال الثاني: ألا تتجمد أفهام الدين عند فهم القرن الأول، وبالتالي يتواكب فهم القرن الأول مع أفهام القرون التالية، مراعياً الظروف والأحوال الخاصة بكل قرن. وبذلك لا تلمس أي انفصام ما بين الدين وسلوك الإتسان، إذ أن ممارسة الدين في الحياة، وممارسة الحياة في الدين ممارسة آلية آنية بلا تكلف، ولا افتعال، ولا مشقة. وذلك يتوافق مع مصادر الشريعة. ولو جري إعمال هذا الإحتمال لما كان للجماعات الدينية أي إحتمال للوجود، إذ أن تجديد الخطاب الديني متواتر، بما لا يحتاج الإنسان معه إلي متطفلين علي علوم الدين، كي ينقلون له أفهامهم السقيمة باعتبارها هي الدين.

أما من حيث كون تجديد الخطاب الديني ضرورة واقعية، فذلك حتي نستدرك ما فاتنا، وقد فاتنا الكثير. فإذا لم ندرك ذلك، ونعترف به، فسيظل فهمنا للدين كما هو، ويظل البون شاسعاً بين فهمنا للدين وفهمنا للواقع، ويتسع الفارق إلي حد استغراق وتجمد فريق في القرون الأولي، وتفلت الفريق الآخر من الدين، وتحلل الروابط بينهما، بحيث لا تبقي رابطة قائمة تحفظ علي المرء دينه، وتحفظ للدين كينونته.

وإذا لم نستدرك ما فاتنا لأطلت الجماعات الإسلامية بقرونها علي رؤوسنا بأفهام شاذة مغلوطة، منقوصة ومدسوسة، مهدت السبل لدعاوي التطرف والإرهاب. ولن تنهض المؤسسات الدينية الرسمية في مواجهتها، لتراخيها وترهلها وضعفها، لاعتمادها لغة الخطاب الديني النمطية بصورتها التقليدية، الموجودة في كتب التراث المفتقرة للقراءة المعاصرة، سواء الموجود منها علي أرفف مكتبات التراث، أو تلك الموجودة في قاعات الدرس في أيادي الطلاب. وتمثل هذه الجماعات البديل الموضوعي لغياب هذه المؤسسات لملء هذا الفراغ، والقيام بدورها سواء علي نحو علني، أو تحت أقبية السراديب علي نحو سري.

وإذا لم نستدرك ما فاتنا لأسلمنا أجيال الأطفال للمجهول من حيث بناء الشخصية وبناء العقل، وبالتالي بناء المستقبل كله وفقاً للطرح الراهن للتربية والتعليم. فلو بدأ التجديد بالتربية لأسلمنا الطفل لوالدين حالهما كما أسلفنا بشأن الشباب. وإذا أسلمناه للتعليم لاقتصر التجديد علي تغيير غلاف كتاب التربية الإسلامية إلي غلاف القيم والأخلاق، ولتم  كما ذهب البعض  بحذف بعض الآيات القرانية والأحاديث النبوية من الكتاب المقرر، وكأنه لا مصدر للمعرفة الدينية سوي هذا الكتاب. وقد غاب عنهم المعارف التي تبثها الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي بلا توقف.

وإذا توافرت لنا بحق الإرادة الكاملة لتجديد الخطاب الديني، لأدركنا أن ذلك لا يمارس من خلال بعض المعالجات الشكلية والجزئية، وإنما من خلال المواجهة الشاملة، والتجديد الكامل، الذي تتواكب فيه الأفهام الدينية مع الأفهام الواقعية بلا مسافة فاصلة سوي مسافة الضابط بالمضبوط.

أما من حيث كون تجديد الخطاب الديني ضرورة وفريضة مستقبلية، فذلك متعلق بالمستقبليات وعلومها، حيث يجري العمل فيها بعقليات محكومة بأفهام الدين. وتكون لدينا أجيال تفكر في هذه المستقبليات بعقول مسلمة. ولن تكون هذه المرحلة كائنة إلا إذا سبقتها خطوات في المواجهة الشاملة والتجديد الشامل.

أما عن تغيير الخطاب الديني فلا محل له من الإعراب، ولا وجود له في الواقع، ولا سبيل إلي الإلتجاء إليه. لأن التغيير يعني محو تاريخنا القائم واستبداله بآخر، أي : هدم تاريخنا القائم، وبناء تاريخ جديد. وبعض التاريخ دين.

 

حسن زايد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4447 المصادف: 2018-11-08 01:57:36