المثقف - قضايا

يورغن هابرمس.. من عضو في منظمة شباب هتلر الى احد أشهر الفلاسفة

حاتم حميد محسنالدين، الهولوكوست، مستقبل الاتحاد الاوربي كانت القضايا الاساسية التي شغلت حياة المفكر الشهير هابرمس.

في عام 1953، حينما كان عمره 24 عاما كتب هابرمس مقالا صحفيا اوضح فيه الكثير عن ذاته. ماذا كان يقصد مارتن هايدجر "بالحقيقة الباطنية والعظمة" للاشتراكية القومية التي أشار اليها في كتابه (مدخل للميتافيزيقا) عام 1935؟ كيف سمح هايدجر بإعادة نشر هذه المحاضرات دون مراجعة او تعليق، خاصة مع ادّعائه العضوية في الحزب النازي قبل ان تتخذ الحرب منحى خطيراً؟ تلك كانت لحظة هامة وحاسمة في التطور الفكري والاخلاقي لهابرمس.

 ولد هابرمس عام 1929 وكان من جيل مفكري ما بعد الحرب، وهو الى جانب الروائي Gunter Grass والسوسيولوجيين Ralf Dahrendorf و Niklas Luhmann جميعهم كانوا من الشباب المدافعين عن هتلر. في سن الخامس عشر كان هابرمس مثل معظم معاصريه عضوا في منظمة شباب هتلر النازية. كان في سن أصغر من ان يُسمح له بالقتال ودون السن الذي يجيز اعفاءه من الحرب. هو وصف ابيه البرجوازي كمدير لاحدى المدارس المحلية وفي اثناء الحرب عمل في الجيش الالماني كمناصر متحمس للنازية واعترف انه كشاب آمن بتلك المواقف. غير ان قناعات هابرمس اهتزت بعد محاكمات نورمبيرغ وتوثيق معسكرات الاعتقال النازية، هنا قال "كنا نعيش في نظام سياسي اجرامي"، وعمل منذ تلك اللحظة لتأسيس نظام يمنع اعادة ظهور ذلك السلوك السياسي الاجرامي. هايدجر رفض الرد على هابرمس. ذلك الصمت يوضح لماذا هو اصبح فيما بعد غير مقتنع بالنظام الفكري للفيلسوف، وبدلا من ذلك التحق بجماعة من المفكرين الآلمان اليهود من الماركسيين الجدد عُرفت بمدرسة فرانكفورت. كان كل من ماكس هوركمير و ثيودور ادرنو رائدين في معهد البحوث الاجتماعية ينظّران فلسفيا في مخلفات المانيا لمرحلة ما بعد الهولوكوست بعد منفاهما في الولايات المتحدة. كانت مهمتهما المفروضة ذاتيا وقف ما اسماه هوركمير "دراما" المانيا الغربية بعد الحرب، وتآمرها في الصمت عن الهولوكوست.

في عام 1955 اصبح هابرمس مساعدا لآدرنو حيث تعلّم منه واجبا اخلاقيا جديدا سيرسم ملامح بقية حياته الفكرية. كتب ادرنو ان هتلر فرض مبادئ اخلاقية جديدة على البشرية في ظروفها من اللاّحرية: لتنظّم افكارها وافعالها كي لا تكرر Auschwitz (معسكر الاعتقال النازي في بولندا) مرة اخرى.

ولكن بالنسبة للجيل الاول من مدرسة فرانكفورت كانت هناك مشكلة في قبول ذلك الواجب. في ظل الرأسمالية الصناعية المتقدمة، كانت الانسانية ملتصقة تحت ظل ذلك الاسم الالماني المركب المخيف او "النظام الكلي للوهم". بكلمة اخرى، كان يُعتقد، اننا مسحورين بمنتجاتنا الاستهلاكية المعمرة، اصبحنا سطحيين بفعل ثقافة التصنيع، منعتنا من استعمال الديمقراطية لتغيير النظام الممل لأنها ثقافة تلوثت بالنقود. في عام 1979 في مقابلة معه قال:"انا لا أقبل المبدأ الاساسي للنظرية النقدية، المبدأ بان العقل الذرائعي Instrumental reason (1) اكتسب مثل هذه الهيمنة لدرجة ان لا وجود هناك حقا طريقة للخروج من النظام الكلي للوهم، الذي يُنجز به الفهم فقط بومضات مفاجئة من الافراد المنعزلين مثل ادرنو.

كان هابرمس من القلائل اللايهود في مدرسة فرانكفورت. ولهذا هو لم يتفلسف ومعه الشعور بالاثم لدى الناجين من الهيليكوست كما فعل ادرنو بوعي. بدلا من ذلك، خلال مئات الاف الكلمات، هو فصّل ما يمكن اعتباره استجابة رافضة ليأس ادرنو، كفلسفة نخبوية. هذا بلغ ذروته في عمله العظيم عام 1981، (نظرية الفعل التواصلي) التي تنبّأت بـ "جماعة ذات اتصالات غير محدودة" فيها يتعلم المشاركون في الجدال من الآخرين ومن انفسهم ويستجوبون عقائد اُخذت كمسلمات.اعتقد هابرمس ان حياة الانسان الاجتماعية تعتمد على قدرتنا لنكون اكثر او اقل تواصلا مع الاخرين"نحن نتواصل، اذاً مجتمعنا موجود".

نيتشة أطلق على كانط العنكبوت الكارثي الذي ينسج شبكة فلسفية جنونية. هابرمس له نفس الميول العنكبوتية احتضن في شبكته نظرية سياسية وقانونية واخلاقية واجتماعية، وهو ايضا يميل ليحمل في كتاباته تقنيات فنية عالية. بالنسبة للاتباع، يرون ان شبكته عملت على تقوية البشرية ومنعتها من الانزلاق نحو البربرية. وبهذا يمكن ان نرى ليس فقط فلسفة هابرمس وانما ايضا تدخلاته المستمرة في الحياة العامة الالمانية – ماركسيته وما تنبأت به لآلمانيا الغربية الديمقراطية، هجومه على الطلاب المحتجين مثل Rudi Dutschke كـ (يسار فاشي) في اواخر الستينات، ودوره بما سمي بخلاف المؤرخين Historikerstreit (2) في اواخر الثمانينات – كجزء من حركة العنكبوت الفلسفية. مؤرخو جناح اليمين الآلمان اقترحوا ان الهيليكوست لم تكن حدثا شريرا فريدا. بالنسبة لهابرمس، كان ذلك هروبا من المسؤولية. ارنست نولت (3) اشار الى ان مخيمات الكولاك تأسست قبل معسكر Auschwitz النازي واستنتج من هذا ان المانيا تحولت نحو النازية لمواجهة تهديد البلاشفة. هابرمس يعتبر هذا هروبا من المسؤولية: مع ذلك هناك وسائل اخرى يمكن للالمان بواسطتها تجنب المواجهات مع التاريخ المخجل لوطنهم الام.

هابرمس وُلد ومعه تشوّه في اسفل الفم، وبالرغم من عدة عمليات اجراها في شبابه، لكنه امضى بقية حياته يتحدث بصوت لا يستطيع التحكم بانسيابيته صعودا ونزولا. كان يتجنب الظهور امام الكاميرات وحينما سُئل عن سبب ذلك قال "أحمي وقتي وراحتي لأجل العمل المهني "واضاف "هناك اسباب اخرى ذات طبيعة شخصية". ذلك جعله حساسا لأي شكل من الاستبعاد، وكما كتب، ذلك دفعه للاعتراف بان هناك شيء ما سيكون مركزيا لفلسفته الناضجة، يعني به "الوسيط في الاتصالات اللغوية الذي بدونه سيكون وجود الفرد مستحيلا".

في عام 2005 كماركسي متمرد هذه المرة قابل احد المناصرين لشبيبة هتلر، الكاردينال جوزيف رازنكر الذي سيصبح بابا المستقبل(البابا السادس عشر). كان اجتماعا بين شخصين متشابهين ذهنيا كون كلاهما كافح لمعرفة كيف يمكن للمجتمعات المتعددة ثقافيا ان تبقى متماسكة بدون مفهوم شمولي للخير (الفكرة التي هيمنت ليس فقط على هابرمس وانما على نظيره الامريكي الفيلسوف جون رولس ). في هذا الشأن كتب هابرمس، ان الدين كان ضروريا:"بين المجتمعات الحديثة فقط اولئك القادرين على ان يجلبوا للمجال العلماني المحتويات الضرورية لقيمهم الدينية التي تشير الى ما وراء عالم الانسان سوف ايضا يكونون قادرين على انقاذ جوهر الانسان".هو بذل جهدا فكريا شاقا حول أحلامه باوربا عابرة في أعقاب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي وبعد الاستياء من هيمنة المانيا على الاتحاد. هو ايضا كان عليه القبول بآراء زميله الالماني ولفغانك ستريك في ان الاتحاد الاوربي كان بعيدا عن حماية مواطنيه من سيئات هذا العالم حين ازيلت القيود فاصبحوا عرضة لرأسمالية منفلتة .

لم يكن هابرمس مدافعا مقتنعا بالوضع الراهن. في مقابلة مع دي زيت Die Zeit، هو جادل بان سيادة المانيا كانت تهديدا لمستقبل الاتحاد الاوربي:"كيف سيشعر المواطن الاسباني او البرتغالي او اليوناني عندما يفقد وظيفته كنتيجة لسياسة خفض الانفاق التي يقررها المجلس الاوربي؟ هابرمس اعترف بان تجاوز الحدود يعني للمواطن العادي فقدان السيطرة السياسية، مع انه جادل ايضا ان فكرة التأكيد على السيطرة القومية في سوق العولمة كان وهما. ما هو الحل لديه؟"الطريقة الوحيدة لإحلال الديمقراطية في اوربا هي عبر تعميق التعاون الاوربي".

حاليا وهو في سنته الـ التاسعة والثمانون لازال هابرمس مجددا وناقدا مؤثرا في طروحاته، هو يبقى سواء كان جيدا او سيئا، شيئا ما نادرا في بريطانيا كمفكر عام محترم، يسعى لمنع الانسانية من إعادة تكرار الرعب وكوارث القرن العشرين. في عام 1975 ترك هابرمس وظيفته كمساعد مدير معهد ماكس بلانك للبحوث بعد خلاف مع احد الموظفين.احد اصدقائه المقربين وهو الناقد Reinhard Baumgart اتّهمه بالدفاع عن الجناح العسكري للحزب النازي(SS). وعندما اشتبك الرجلان بعد سنة في ميونخ وبعد تبادل الكلمات الودية انسحب كل منهما الى مكان آخر، الى صمتهما غير التواصلي. ربما من الصعب للناس الذين يشعرون بالكراهية والاستياء ان يدركوا في هذا العالم المواقف المثالية التي اتخذها هابرمس لأكثر من ستين سنة.

 

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) حسب ماكس هوكمر و ثيودور ادرنو، يشير العقل الآداتي الى التحول الاجتماعي والسياسي في الافضلية من الغايات الى الوسائل، من الاهتمام بالمعاني الكبيرة والاغراض الكامنة خلف الاهداف الى التركيز فقط على الفاعلية والكفاءة التي تُنجز بها تلك الاهداف. العقل انهار الى اللاعقلانية من خلال تأكيده على الاهتمامات الآداتية. العقل الاداتي يهتم فقط في تقرير وسائل للغايات بدلا من التفكير في الغايات ذاتها. وبالمقارنة مع مفهوم ماكس ويبر للعقلانية، فان العقل الاداتي يشير ليس فقط الى صعود التفكير البيروقراطي وانما يشير ايضا الى النزعة الكبيرة في الفلسفة لتفضيل الموضوعي على حساب الذاتي. الان وكما يجادل هوكمر و ادرنو في ديالكتيكية التنوير(الترجمة الانجليزية 1972) ان الذاتي يُعامل كما لو كان تجسيدا مطلقا وخالصا بدون اي محتوى فكري، بينما الموضوعي يُعامل كمحتوى فكري خالص. هذه الطريقة في التفكير يرى المفكران هوكمر و ادرنو انها تخفي حقيقة ان ما نعتقده كسبب هو دائما نتاج المساومات بين العقلاني وغير العقلاني، بين الموضوعي والذاتي، بين ما يمكن اثباته تجريبيا وذلك الذي لا يمكن. الموضوعي جُعل مساويا للابدي الكوني الثابت دون تغيير.

(2) نزاع المؤرخين كان عبارة عن إشكالات سياسية وفكرية في اواخر الثمانينات من القرن الماضي في المانيا الغربية حول افضل طريقة لتذكّر المانيا النازية والهولوكوست. هذا الخلاف بين المؤرخين امتد من عام 1986 الى 1989 محرّضا جناح اليمين ضد مفكري اليسار.

(3) ارنست نولت Ernst Nolte هو قائد مفكري جناح اليمين ويرى ان الهولوكوست لم تكن حدثا فريدا ولهذا يجب ان لا تتحمل المانيا اي ذنب عن المسألة اليهودية.هو جادل بانه لا فرق اخلاقي بين جرائم الاتحاد السوفيتي وتلك التي حدثت في المانيا النازية، والهولوكوست كانت شيئا اُجبرت عليه المانيا في مواجهتها للاتحاد السوفيتي.الالمان يجب ان لايشعروا بالذنب ويجب ان ينسوا ذلك.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4447 المصادف: 2018-11-08 13:16:35