رشيدة الركيكعندما تنكشف الذات عن نفسها مستفسرة سر نكوصها، قارئة لأوضاعها بكل أبعادها بشكل جديد، منسجمة مع مكوناتها من عقل وفكر وعلم، ثم روح وكيان نفسي له حمولته العاطفية، وعمق وجودي غير منفصل عن كيانه الاجتماعي في شكل ذاكرة جماعية لها حمولتها وشحناتها من طابع خاص.

حينما تنكشف الذات عن نفسها باحثة عن عمقها التاريخي، تجد ماض تنفعل به. ماض وإن انتهى العمل فيه لم ينته التأثر به. ماض يحكي الإنسان عنه وعن أفعال ما كان لها أن تكون، ليظهر فصاحته الحاضرة في زمن مضى ولن يتكرر إلا على مستوى الذاكرة في نوستالجيا كمورد نفسي، اعتبرها المختصون آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية دليل على الاستمرارية والتطابق مع الذات.

لا يمكننا أن ننكر أننا مخلوقات زمنية، تعيش الماضي في حنين على شكل تفكير مصحوب بإحساس لن ينقطع، تتحرك قدرة الإنسان على التخيل فيرى الصور من جديد في شكل تصوير سينمائي داخلي لحياة مضت ولن تعود بل نسافر إليها ،سفر له خصوصيته باعتباره سفر عبر الزمن بدون قيود أو تذكرة.

ونعود للحاضر باعتبارنا فاعلين فيه، نغير الأحداث. لنا فيه القدرة على القبول و الرفض أمام كل ما يعرض علينا، لكن دون أن ننسلخ عن ماض صوته مسموع بداخلنا، وننصت له بكل  جوارحنا بين الحين والآخر، وكأنه أنا آخر يسكننا و يتعقبنا ويفرض نفسه علينا باعتبارنا عبيدا له ، فيتجسد في كل قراراتنا في حالة من الاستسلام دون أي قدرة على الخلاص.

نعم يمتلكنا الماضي قهرا وغصبا وعنوة، حين نتخذ مواقف  بناء على تجاربنا الماضية، هكذا يعيش الإنسان اتصالا مع نفسه في شكل تاريخ فردي كان أو جماعي، ولن يتسنى له ذلك دون حضور تصور لحياة مستقبلية، لتحركه هذه الرؤية المستقبلية أو تلك اليوم بناء على أحداث ماضية في شكل استحسان أو استهجان.

والأمر سيان بالنسبة للفرد أو المجتمع، تتشكل الرؤية المجتمعية الحالية لديه في ارتباطها بماضيه إن كان بعيدا فالذاكرة الجماعية تقربه، أما إن كان قريبا فإنها تعمل على إحيائه من جديد.

 

هكذا تجتر المجتمعات تاريخها من منظورها المجتمعي، بالكيفية التي عاشته في ارتباطه بكل جوارحها وأحاسيسها، فيعيش الإنسان الأحداث لا من منظورها العلمي أي في إطار ما ينبغي أن يكون، بل من دلالاتها المجتمعية المعاشة والكيفية التي يتفاعل معها أفرادها.

لا يمكن للإنسان أن يصمد أمام الأحداث الحياتية المتجسدة في الذاكرة الجماعية، لتحرك الكيان المجتمعي دون أية قدرة على المقاومة الفردية.

هكذا إذن، يبدو جليا كيف أن الذاكرة الجماعية للماضي حاضرة في كل يوم وفي أية لحظة  وفي مختلف الأزمنة متجسدا في سلوكياتنا ومواقفنا: فالماضي حاضر اليوم، واليوم هو من سيحرك المستقبل، وهو أيضا من سيتحول لماضي، فيعبر عن نفسه فيما بعد على شكل مواقف كمرآة تعكس صورة واضحة أو مقلوبة لتجارب حياتية ماضية.

ولعل هذا ما يجعل من الحياة الإنسانية أكثر عمقا ودسامة. فقد يتصرف الشخص دون أن يفسر فعله بمنطق السببية، لكن يفتح الباب لمحاولات الفهم والتأويل في ارتباطات متشابكة للأحداث. لهذا ربما كان على الإنسان أن يحاور حاضره باسم ماضيه ليتفهم ذاته.

فالزمن أكيد في ارتباط مع نفسه بشكل لا يقبل أي انفصال أو تجزيء في خط واحد ليشكل هوية واحدة سواء كانت للفرد أو المجتمع، بينما القفز على الأحداث في شكل وثبات يجعل منه لغزا يحتاج لفك شفراته، ومن تم العودة إلى الماضي لفهم الفرد والمجتمع وتفهمه في مساره التاريخي، ضرورة لها ما يبررها.

كل ما يحدث للمجتمعات له ارتباط بما عاشته من أحداث وظروف، لن تكون إلا وسيلة لفهم حاضرها، إما في شكل قبول له، أو رفض بشدة يفسر في شكل مواقف متمردة يٌستعصى تغييرها.

 إنها الذاكرة الجماعية -ما تحمله من مآسي صادمة- يفسر توجهات المجتمعات في شكل تجارب جماعية تتشكل في خبرة ذات مصداقية، مرجعها الوحيد الشحنات العاطفية المتمركزة في الماضي.

للذاكرة الجماعية قوة لن تقهر مع مر الزمن، بل ربما تتقوى ويكبر حجمها مع تراكمات أخرى في مراحل زمنية تليها.

وكأن المجتمعات تعيش مرحلة تعاني فيها من مرض الزهايمر في كثير من مواقفها، رافضة الحاضر متمسكة بالماضي تأبى تناسيه وإن كان مرا، مٌعاندة القدر في سنته بالمضي نحو الأمام، لتصبح الذاكرة الجماعية واقعا معيشيا تستحضر فيه شخصيات مضت وتخلد تاريخها في قطيعة مع حاضرها.

 هكذا تتعجل المجتمعات موتها بالعيش في عالم الأموات الخالي من أي فعل أو حياة.

 فأي رسالة يحمل الماضي لنا كمخلوقات زمنية؟ متى يتحول كزمن للاستفادة وأخذ العبر، دون تثبيت- كحالة مرضية -على مرحلة معينة تٌعد في خبر كان؟

هكذا يبدو وكأن المجتمع يٌحاكم الماضي بمنطق الحاضر ويٌقاضيه، يأبى أن ينفذ الحكم عليه باعتباره جزء لن يتجزأ عنه، هو مجتمع إذن في ملامح جسد موشوم بالتعب والقهر لن يقوى على النهوض من جديد، ليبقى الألم دائما قدر أية هوية وسر من أسرارها فردية كانت أم مجتمعية.

من تم يعيش الإنسان مثلما تعيش المجتمعات الزمن، وتتعلق به في شكل حنين وجودي كدليل على الاستمرار، ويتشكل هذا الترابط في الذاكرة وعن طريقها، من دونها تضيع كل هوية حقيقية.

لكن السؤال الصارخ في وجوهنا باعتبارنا ذواتا تدعو نفسها للتنمية من خلال القدرة على التغيير والتطور: كيف نجعل من الذاكرة المجتمعية مجالا واسعا وخصبا لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟

 ثم هل يمكن أن تصبح الذاكرة نافذة لرؤية مستقبلية وردية تكون مرتعا لبسمة أمل، يرسم معالمها الماضي بعيدا كان أم قريبا؟ أليس تغيير كيفية نظرتنا للأحداث وتحليلها بكل إيجابية من شأنه أن يحوّل اتجاه سفينة التاريخ حيث بر الأمان؟

لا شك أن قراءة الأحداث في رؤية مستقبلية جميلة ما يجعل ماضينا كمجتمع حاضر بشكل إيجابي، مما يجعلها حياة اجتماعية إيجابية، تتكون فيها ملامح إسعاد الغير ليتحول فيما بعد إلى مجال لإسعاد الأشخاص، وتظهر ملامح الحياة المبهجة والمغرية للعيش، تفتح فيها أبواب الأماني والأمنيات وتظهر ألوان الأزهار المزركشة تجذبنا بلهفة و إقبال لا يقاوم على كل جمال.

تبدو ملامح السعادة المجتمعية في لغة الناس وأسلوب عيشهم و سلوكياتهم وانتظاراتهم و رؤيتهم المستقبلية، دون سخط أو خوف وترقب أو هرب كمنطق يتخذ مشروعيته من هول ما قد يقع في المستقبل.

حين يلتقي الماضي المرير للأشخاص بالحاضر الأمر، يؤجج الوضع في اتجاه صور سوداوية تزيد من ظلمة الواقع، فتطفو خطابات لا تحرك ساكنا إلا في اتجاه تغذية الوضع وتأجج الغضب الجماهيري بخطابات تعزف على الوتر الحساس. خطابات شفوية لا تأخذ الإقناع والتعقل طريقا لها بقدر ما تهدف إلى التأثير في المستمع مستهدفة هيجان الماضي في شكل مشاعر عارمة يصعب التحكم فيها لشيء الذي يسبب انفعالات تتأجج وسط الجماهير، فتجد الأفراد نفسها منساقة تهتف مثلما تتوالى التصفيقات الجماهيرية  دون أي فهم جماعي، فنردد كل صدى يصلنا.

هكذا ترتفع وتزداد وتتوالى الصرخات، وإن كانت مبررة بمنطق ما، فإن بعض وسائل الاتصال والتواصل تصطاد في الماء العكر باحثة عن نسب مشاهدة عالية، تقدم صور قاتمة تغذي الإحساس باليأس الجماعي. و إلا لماذا لا تأخذ على عاتقها تقديم الرأي والرأي المضاد وتفتح عقول الناس وتترك لهم القدرة على التحليل والنقاش من أجل اتخاذ مواقف والدفاع عنها في كل مداخلاتها.

ما حصل في الحقيقة لم يعد في طي النسيان كما يقال، إنما الأحداث المجتمعية تٌستثار من جديد كلما مست شخصا آخرا يحكيها بحرقة، تٌخرج كل الذوات ما تحمله من شحنات لتجد منفذا لها.   

 ما يقع فيه المجتمع والأفراد شراك الزمن ليترك خطوطه في شكل تجاعيد على الملامح، تعكس ما مضى عبر السنين بشكل حقيقي أبدي خالد.

 بعد ما كنا نتباهى بكوننا مخلوقات زمنية، تنظم الزمن وتخضع أفعالها له، أصبحنا نهجو ما فعله الزمن فينا من تغيرات، حين يصرخ في وجهنا أن دوام الحال من المحال، وأنه علينا أن نتمتع  ببعض اللحظات الجميلة لن تتكرر، باعتبار أنه علينا أن نعيش دائما مقذوفون في اتجاه المستقبل.

 عموما يتنقل الإنسان والمجتمع عبر التاريخ  في محطات حياتية بفضل نعمة الذاكرة، هذا ما يمنحه البعد الزماني لكينونته في ارتباطه بالمكان والأشخاص، يمنحه غناه الوجودي المتفرد، لكنه يأخذ طابعه الجميل في توازنه، بينما قد يعيش مرض الأعذار في البكاء على الأطلال وضياعا للجهد والزمن ليعيش حالة من التشرد الوجودي.

 تلك هي المفارقة التي تجعل من الذاكرة الجماعية محط بناء أو هدم، تحتاج منا الكثير من الحيطة والحذر، لذلك علينا أن نحسن النظر للأحداث بشكل يجعل حياتنا أجمل، وإلا ضعنا في السخط على الحاضر، وبرمجنا سلبيا لحياة مستقبلية تدعونا للاستعداد أكثر لمعاناة بخوف وحذر بسبب ما تحمله الذاكرة من شحنات عاطفية تقودنا لا محالة للحقد والكراهية دون التمتع بحياة اجتماعية إيجابية  .

                   

  بقلم رشيدة الركيك

 

جودت هوشياركلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة، صارخة أو متنافرة الألوان، وقد اطلق شعر رأسه،على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه. أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان، تساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً، أم أن في الأمر التباساً ما؟

لم تدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً . ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. الناس يعتقدون أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك .

في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم، وتتباين حظوظهم من الموهبة، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية، ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع  الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا  في شخصية الكاتب.

دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه، ولا يكتب من أجل المال، أو المجد والشهرة . الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس، ولا تفرض من الخارج.

الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك، ليس عملا مملا فقط، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا . وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة .القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال . من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما .

نظرة متميزة الى الحياة والعالم

الناس يوجهون اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم، أو التسوّق، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضؤ القمر وعن اشياء عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من اجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع . وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها .

الإنغماس في صعوبات الحياة اليومية  قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد

الميل إلى الحوار الداخلي

نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أوالحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي . ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب  - إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص.  وتفسير ذلك، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً، ومن ثمّ  الصور.الكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية

الدقة

مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة،قد يكتسب طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً

ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر، شديد الصعوبة في كتابته . فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معينا يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه . لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى . بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح .

حب الأستطلاع

حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية اماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها . وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية

تشيخوف سافر الى منطقة (ساخالين) في اقصى الشمال الروسي وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها، وعاد ليكتب كتابه القيم " ساخالين " الذي أثار ضجة كبيرة، اضطرت معها السلطة القيصرية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي . اسحاقل بابل عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية، وعندما سأله الشاعر اوسيب ماندلشتام عن سبب دخوله الى "عش الزنابير" وخطورة ذلك على حياته، أجاب بكل بساطة: "أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع" .

حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجارفي الشارع من خلال نافذة في المنزل .

 

جودت هوشيار

 

الكلمة شرف، وشرف الكلمة الصادقة المعبرة تقوم عليها الامم  وترتقي وتزدهر حضارياوفكريا وانسانيا..

ولاترتقي الامم والشعوب الا بارتقاء ابناءها ولا يرتقي الانسان الابكلمته..

لقد نشات السماوات والارض بكلمة، ورسالات الانبياء كانت كلمة، والمبادئ كلمة، سعادة المرء كلمة وتعاسته كلمة، منطق الانسان كلمة،  الخير كلمة والشر كلمة،  الحق كلمة والباطل كلمة، ثقافة الانسان وتربيته وارثه يستند على كلمة وهذه الكلمة هي المعيار الحقيقي للانسان ومدى ثقافته ومايبقى له من ارث بعد مماته كصدقة جارية، العدل كلمة والظلم كلمة..فالكلمة داء والكلمة دواء، بالكلمة تبنى صروح وقلاع وتقام حضارات وامم، فلنكن مسؤولين عما نطلق من كلمات لان كل كلمة ننطقها محسوبة علينا خيرا ام شرا..فالكلمة سلاح ذو حدين علينا ان نحفطها لتحفظنا نخلدها لتخلدناعلى مر الزمان..قال تعالى في كتابه العزيز"الم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ اصلها ثابت وفرعها في السماء"..ابراهيم24

وقد جاء بالحديث الشريف عن رسولنا الكريم محمد(ص)

"من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان"

ولقد جاء بمسرحية الاديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي(الحسين ثائرا) اروع ماقيل عن شرف الكلمة، ساقتطف باقة منها..

(حوار بين الوليد بن عتبة والحسين(ع))

نحن لانطلب الاكلمة

فلتقل بايعت واذهب بسلام الى جموع الفقراء

فلتقلها واذهب ياابن رسول الله حقنا للدماء

فلتقلها ماايسرها ان هي الا كلمة..

الحسين:كبرت كلمة

وهل البيعة الاكلمة

ومادين المرء سوى كلمة

وماشرف الله سوى كلمة

ابن مروان بغلظة:فقل الكلمة واذهب عنا

الحسين:اتعرف مامعنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة

دخول النار على كلمة

وقضاء الله هو كلمة

الكلمة نور

وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان بين نبي وبغي

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور

ودليل تتبعه الامة

عيسى ماكان سوى كلمة

اضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

ان الكلمة مسؤولية

ان الرجل هو كلمة

شرف الله هو الكلمة..

وقد دفع الحسين بن علي عليهما السلام حياته وحياة ال بيته ثمنا

 لكلمة حق وبقي خالدا على مر العصور..

 

مريم لطفي

 

 

شاكر فريد حسنمنيب مخول من شعراء الالتزام الوطني، شعراء العروبة والوطن والأرض والتراب القلسطيني، الذي أسمعت كلماته من به صمم، وهو الذي هتف يومًا قائلًا:

مع السنديان ولدت قديمًا

بارض الجليل ولما ازل

ووقفت اخشع عند بابك لائمًا

بقيا دم شرفت به حطين

يا بسمة لمعت في ثغر الناصرة

من عين جالوت أم من سهل حطين

في قرية البقيعة الجليلية، حيث البطم والسنديان والسريس وعيون الماء والدوالي المتعمشقة واجهات البيوت والمنازل، في هذا الجو القروي الريفي الشعبي، ولد فارس القصيدة شاعرنا منيب مخول في العام ١٩٣٠، وفيها توفي العام ٢٠٠٢، وكان قضى حياته في ممارسة مهنة التعليم حوالي ثلاثة عقود من الزمت في بيت جن وغيرها من قرى وبلدات الجليل.

ومنذ تفتح وعيه الوطني والطبقي، امتطى صهوة الكلمة، والتزم بقضايا شعبه والذود عنها، فاعطى وقدم الكثير للشعر الوطني المقاوم، فأنشد وهتف للأرض والهوية والانتماء، وفاض باسمى معاني الوطنية والقومية والعروبة، مرتديًا الزي العربي التقليدي، العقال والكوفية والقمباز، ولسان حاله يقول:

جذوري تغور، تغور ، تغور

بعيدًا بعيدا ببطن الأزل

مع البطم في منحنى حيدر

شربنا معًا ماء عين العسل

وعين العوينة في قريتي

وعين الجنان وعين الجمل

مع الصخر في قمة الجرمق

مع الترب في كل واد وتل

انا يعربي رسا أصله

وطاول هامي سموا زحل

تراب بلادي معين حياتي

وبعض رفات جدودي الاول

بلادي، بلادي، فداك دميجراحي لعينيك أحلى قبل

والمرة الأولى التي رأيت فيها المرحوم منيب مخول، وتعرفت عليه، عندما جاء قادمًا من بلده الى قريتنا مصمص للمشاركة في تأبين شاعرها الراحل راشد حسين، فوقف على المنصة بكل شموخ وعنفوان يومها، والقى قصيدته " بكاء الشهداء "، التي استهلها بقوله:

لا دمع نذزفه على الشهداء

لكنما عرق ونزف دماء

وغدا مع الارض التي قد أرضعت

أبناءها من طيب الاثداء

أم غذينا المجد في أحضانها

ليس البنون وفاؤهم بسواء

فتقبلي يا أم هذا راشد

يقضي ليحيا منك في الاحشاء

خاض الكفاح على مشارف مهده

يورى الشموع بليلة ظلماء

شعرا مراميه القلوب ومنطقا

يجلو العمى عن مقلة عشواء

فيضًا من الوجدان يسقى من ظمى

من شعبنا في الواحة السوداء

ويدق في ملف الطغاة سهامه

كلما يصوبه شديد مضاء

ترك شاعرنا منيب مخول خلفه ثلاثة اصدارات شعرية، وهي: منزرعون، صامدون، ونافرون. وله الكثير من القصائد والأشعار لم تنشر وبقيت في الأدراج وبين الاوراق المبعثرة .

واذكر أنني كتبت مراجعة نقدية لديوانه " منزرعون"، وارسلته في حينه للنشر في مجلة " الكاتب " المقدسية، التي كان يصدرها الشاعر الكاتب أسعد الأسعد، لكن الرقيب العسكري في المناطق المحتلة منع نشرها.

منيب مخول تمتع بروح شعرية، وعرف كيف يتلاعب بصياغة الأشعار، تربع على هرم الشعر الوطني المقفى، وامتاز بصوره الشعرية المستقاة من واقعنا، وطغيان الغنائية على أشعاره.

وفي قصائده تناول الأحداث والمناسبات والقضايا الوطنية، فكتب عن مجزرة كفر قاسم، ويوم الارض، وصبرا وشاتيلا، وانتصار الجبهة في الناصرة بقيادة المرحوم توفيق زياد في العام ١٩٧٥، ومحاولة اغتيال رؤساء البلديات في المناطق الفلسطينية: بسام الشكعة وكريم خلف وفهد القواسمي، وخاطب بكل شموخ وكبرياء سلطان باشا

الاطرش، وحيا أبطال الجولان الاشاوس، وكتب عن معارك الزابود في بيت جن، وحاكى الأحرار في الوطن العربي وعلى راسهم الزعيم العروبي القومي جمال عبد الناصر، وعرى الزعامات والأنظمة العربية المتآمرة على القضية الفلسطينية.

وتغنى منيب مخول بالجليل والقدس والخليل والعراق بلد الرافدين وغيرها.

منيب مخول شاعر القوافي، وفحل القصيدة، وفارس الشعر الوطني والقومي الغنائي الملتزم، أبحر في عباب بحر اللغة واستل الكلمات، متمسكًا بالاصالة الشعرية وعدم الخروج عن مقاييس القصيدة العمودية الكلاسيكية وقيود الاوزان الخليلية ووحدة القافية ووحدة البيت، فاجاد وابدع ايما اجادة، واعطى للوطن والشعر كل ما يملك من مفردات لغوية، تاركًا لنا ارثًا شعريًا شفافًا، غنائيًا يتميز بالشعور القومي والاحساس الوجداني والصدق التعبيري والفني.

وأخيرًا فانني لم أشأ كتابة دراسة نقدية أكاديمية، وانما هي اضاءة عاجلة على سيرة واحد من شعرائنا، والهدف منها تعريف اجيالنا الفلسطينية بالمرحوم منيب مخول الذي سكنه الشعر، وظل مغموسًا حتى رحيله بهموم الوطن وقضايا العروبة، فسلامًا لروحه.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

إننا لا نملك الا لحظة واحدة من لحظات العمر، لكن تلك اللحظة كفيلة بان تجعلنا ننسجم مع اهداف الحياة. بمعاني اشد فاعلية من الكلمات والالفاظ. ففي مسرح العاطفة وكوميديا العقل، القلوب ارجح وزنا من الالسن واللغات. فلم تعد الانسانية بحاجة الى لغة مشتركة ولسان عالمي اكثر من حاجتها الى قلب واحد، رؤية مستقبلية واحدة، ضمير واحد. فقد ذكر في التوراة ان شعوب الارض جميعا كانت تتكلم لغة واحدة، ولكن الناس عصوا الرب حين تراءى لهم ان يشيدوا برجا يصل بهم الى السماء، وضاق الرب بهم وعرف ان الناس اذا ما ظلوا يتحدثون بلسان واحد فسوف تتهيأ للانسان الاسباب التي تمكنه من بلوغ ماربه. لذلك قرر الرب ان يشيع الاضطراب بين ألسنة البناة حتى لا يفهم احدهم حديث الاخر ومن ثم لم يكتمل بناء برج بابل. ولكن على الرغم مما تتسم به هذه القصة من سذاجة الا انها تتضمن بعض الحقيقة. إذ لو اتحدت الشعوب جميعا فانها تستطيع ان تحقق اعمالا ضخمة. وفعلا ارتقى انسان حضارة الجنون والتسلط الى السماء بغير حاجة الى ان يشيد برجا. اما حضارة بابل فقد نزلت الى الحضيض ولم ترق الا في تابوت موتها الذي بقي كابوسا يلازمنا الى يومنا هذا. ورحم الله شعبا عرف قدر نفسه. وكأن الحياة لعبة تمارسها الحضارات الدنيا على حساب الإنسانية. ونحن انفسنا من ينقذها من الضياع، نجعلها ذات ضرورية في سلسلة الحضارة العالمية، وبذلك نتخلص من حتمية السقوط  والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية. هذا التحول يتزامن مع رؤية علمية عالمية كونية تمتلك بصرا حادا يغوص في اعماق بئر اللاحتمية لينتشل سر كينونتنا الغامض.. والاشكال الغالب ضعف عقل جمع الامة المخذول يرى ان المستحيل هو الحل.. وان حياة ترمي الى هذا الهدف ستكون شاقة جدا ومرهقة؟! هذا عقلنا المغيب المؤدلج، اما عقلنا الواعي المستنير بمقاييس العقلانية فقد أقر ويقر انه ليس هناك عسل اشهى من المعرفة، وانه سيشرق اليوم الذي تكون ف  زيه السحب التي تجر الكدر غيثا يعمر الحياة.. يمطر الارض خضرة وجمال..

 

 أ. م. د. سامي محمود ابراهيم

 كلية الآداب جامعة الموصل العراق

 

مادونا عسكر"طوبى لمن حار" (ابن عربي)

يقول الشّيخ عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي في كتاب المناظر الإلهيّة: "الحيرة هي عين الثّبوت. ونهاية ما يعبّر عنه في هذه الحيرة وهذا العجز بأن يقال: إنّه يجد كمالاته الإلهيّة الّتي هي له، على ما هي عليه من عدم النّهاية الّتي يعجز العلم عن الإحاطة بها من حيث أنّها لا نهاية لها". ويقول الشّيخ السّراج الطّوسي في كتاب اللّمع: "والحيرة بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأمّلهم، وحضورهم  وتفكّرهم، تحجبهم عن التّأمّل والفكرة. والتّحير: منازلة تتولّى قلوب العارفين بين اليأس والطّمع في الوصول إلى مطلوبه ومقصوده، لا تطمعهم  في الوصول فيرتجوا، ولا تؤيسهم عن الطّلب فيستريحوا، فعند ذلك يتحيّرون".

وبين الحيرة والتّحيّر يغرق ابن الفارض في حوار داخليّ عميق ذي اتّجاهات  ثلاثة. الأوّل باتّجاه الحبيب والثّاني باتّجاه القلب والثّالث باتّجاه الذّات، فيبدو حواراً متكاملاً لكنّه يصبّ في وحدة العشق. الوحدة الّتي تمتزج فيها الذّات مع نور العشق الجاذب الّذي يتوق إليه العاشق وهو سابح فيه. إنّه رجاء الرّؤية والعذاب الّذي يمزّق قلب العاشق حتّى يبلغ الدّهشة. وتبلغ الحالة العشقيّة أوجها عند اشتعال القلب من شدّة الاشتياق لكنّ العاشق لا يكتفي ويطلب المزيد. بل إنّه من شدّة العشق يثمل ويسأل مزيداً من الثّمالة:

زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً          وارحمْ حشًى بلظى هواكَ تسعَّراً

في طلب المزيد من التّحيّر لذة الشّوق الكامنة في القلب الّذي يرجو قرب القرب ورؤية المحبوب. لكنّه يعلم أنّ الرّؤية قد تحجب عنصر الشّوق حيث إنّه إذا رأى بطل الرّجاء. ويتألّم بشدّة في هذا النّزاع، بين نار التّوق ورغبة الرّؤية. لعلّ هذه الحالة هي ذروة العشق، كأنّ العاشق أمام مرآة يهمّ للمس اليقين لكنّ الزّمان والمكان يحاصرانه.

فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي: لن تَرَى     وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقة ً

في الوعي العشقيّ إدراك تام  لطبيعة الحبيب، بمعنى أنّه يستحيل لقاؤه حسّيّاً في قلب الزّمن. لكنّ هذا الأمر لا يلغي السّؤال، فالعاشق يريد أن يرتاح من عذاب الاشتياق لأنّه بلغ ما بلغه من يقين تام بحضور المعشوق. وللحضور قوّة تستحوذ على الحواس أكثر ممّا يُظنَ. فيشعر العاشق كأنّه على بعد خطوة من هذه الرّؤية، وما يلبث أن يأسره المكان. فيضيق ذرعاً ويلتمس الرّؤية كظامئ في الصّحراء إلى قطرة ماء. فالرّؤية هنا ليست بالمعاينة الماديّة بقدر ما هي تنعّم بالجمال الأعلى. فالعاشق يرى ضمناً، لكنّه يريد أن يرى حقّاً (وإذا سألتك أن أراك حقيقةً). واستناداً إلى قول ابن الفارض نفهم أنّه ينعم برؤى القلب لكنّه يرجو رؤية وجهاً لوجه. ما يحيلنا إلى قول القدّيس بولس: "فإنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذ وجهاً لوجه. (1كورنثس 12:13). في الآن تتجلّى المعرفة العميقة في القلب فيتراءى المحبوب الحبيب واضحاً للعمق الإنسانيّ. لكن حينئذٍ، عند امتزاج العاشق بالمعشوق يكون اللّقاء وجهاً لوجه.

تلتبس المعاني عند ابن الفارض من جهة تعريف الحياة، ولهذا الالتباس فهم خاص عند الصّوفيّة أو في النّزعة الصّوفيّة. فمفهوم الحياة عند العاشق مغاير للمفهوم العام. ولعلّه لا يرى في هذه الحياة إلّا موتاً بانتظار الحياة الحقيقيّة.

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة ، فَمُتْ بِهِ           صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

الغرام، العذاب الشّديد، هو الحياة، أي أنّ ما يحياه العاشق ليس سوى أنفاس تساعد الجسد على رجاء الحياة بالفعل. كأنّ الغرام رحلة مقدّسة نحو الحبيب، والموت به حياة. وعلى الرّغم من شقاء هذه الرّحلة وعذاباتها إلّا أنّها حقّ للعاشق وحقّ له أن يموت عشقاً وألماً وإلّا انتفى مفهوم الحياة. فالحياة الظّاهريّة ليست سوى قشرة، تنهار بطرف عين. لكنّ في عمق العاشق حياة أبديّة، بها يحيا ومنها يستقي عشقه وإليها يصبو. ويمسي عاشقاً رسولاً بل نبيّاً ومثالاً يحتذى به، بل كتلة عشق تتنقّل في العالم تبشّر بالحبيب. فعناصر العشق، الشّوق، والألم، والرّجاء تُخرج العاشق من العالم وتفصله عن المحسوس مجازاً. فيتأمّل التّاريخ الإنسانيّ بشفقة ويسعى جاهداً لإرشاده للطريق المستقيم، طريق العشق. فهو العالم بقيمة الحياة، والمتيقّن أنّها تبدأ هنا لتكتمل مع الحبيب. وكلّ ما دون ذلك أيّام تمضي هباء.

قُل لِلّذِينَ تقدّمُوا قَبْلي، ومَـــــــــــــــن    بَعْدي، ومَن أضحى لأشجاني يَرَى

عنّي خذوا، وبيَ اقْتدوا، وليَ اسْمعوا،   وتحدَّثوا بصبابتي بينَ الـــــــــورى

وفي غمرة العشق، والشّوق المستعر، تتجلّى العلاقة متفرّدة بين العاشق والمعشوق. العلاقة السّرّ الّتي لا يدركها سواهما. ونرى أنّ ابن الفارض يكشف عن بعض هذا السّرّ فبعد الظّمأ إلى الرّؤية ينكشف له شعاع من النّور في خلوة مع الحبيب، حتّى إذا ما رأى ما يقوى على رؤيته بلغ  الدّهشة والذّهول، وغرق في  الثّمالة بعد الشّرب من كأس المحبّة. إنّه سرّ الجمال الأعلى غير المنطوق به. فالرّائي يتمتم إذ يعاين الجمال ولا يقوى على التّعبير أو الوصف. وينطبع جمال الجمال على وجه العاشق، فيصير معروفاً عند النّاس كما عند الحبيب. فالبحث عنه هو البحث عن الجمال، وكلّ من بحث عن الجمال كان يبحث عنه. وكلّ من لامس طرفه فهم سرّ الجمال. وكلّ من عشقه انطبع بجماله حتى امتزج به وحيا في دهشة الأبد واستحالت لغته إلهيّة:

فأدِرْ لِحاظَكَ في مَحاسِن وَجْهِهِ،       تَلْقَى جَميعَ الحُسْنِ، فيهِ، مُصَوَّرا

لوْ أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورَة ً،      ورآهُ كانَ مهلَّلاً ومكبِّــــــــــــــراً

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

شاكر فريد حسنمجدلة حنا مشرقي ناسكة متبتلة في صومعة الكلمة، تكرس حروفها للمعنى والجمال. امتطت جواد الشعر، ونبتت في بساتين الأدب، استلت سيف الحرف منذ أن كانت على مقاعد الدراسة الثانوية، وطورت موهبتها وأدواتها الكتابية، ونضجت على نار هادئة.

مجدلة من مواليد العام ١٩٨١ في عروس الكرمل حيفا، تعود أصولها الى قرية اقرت المهجرة، حاصلة على اللقب الأول في اللغة العربية، وتعمل في المونتاج التلفزيوني.

تكتب مجدلة القصيدة النثرية، ولا تتقيد بالقافية، ما يجعلها تطلق العنان لفكرتها وحروفها.

نشرت كتاباتها في الصحافة المحلية، ومنها صحيفة " الاتحاد " العريقة، وفي العام ٢٠١٥ صدر لها عن منشورات مكتبة كل شيء في حيفا، باكورة أعمالها الشعرية بعنوان " ساعة لاحصي الحصى "، احتوت على ٢٥ قصيدة نثرية، تنوعت ما بين الموضوعات العاطفية الوجدانية الرومانسية والوطنية والوجودية الانسانية.

ومجدلة شاعرة قلقة تمتلىء احساسًا بالانسان وقيمته، وقصائدها مفرطة الصفاء، تعكس التماعة روحها وخفقة بوحها، وتأسرنا بهمساتها وخواطرها ووجدانياتها ووطنياتها.

تقول مجدلة عن ديوانها الشعري البكر " ساعة لاحصي الحصى : " لطالما آمنت أن الكتابة الابداعية تصب في شغف القارىء المتلهف الباحث عن نفسه. في كتابتي احاول قدر المستطاع سبر اغوار القارىء وترجمة أحاسيسه، ولا تنجزأ عندي المفاهيم التي تصقل الانسانية في محورها وترتقي بها إلى ثقافية وفكرية حسية تختزل الحياة في كف واحدة، فالوطن والحب والانسان هم مرايا متشبثة متداخلة في بعضها لا تتجسد الواحدة دون الأخرى، ولا سيما المرأة، التي اعطيتها الحصة الأكبر لتمثيل هذا الثلاثي في دائرة الحضور مع التركيز على مشاعرها، فهي الأم والأنثى المسرحة من قضبان الكبت، والشريكة الكادحة في وطن يصارع البقاء. كما أني لم اتوان عن سرد بلدي اقرت، ذاكرتي المتوارثة من الحجارة والحنين، من منظور طفلة لم تعرف الوطن الا حلمًا، وقصصًا تعانق الذكريات، وتظهر حيفا، الواقع الجميل الذي يحوي الحزن والفرح معًا ".

مجدلة حنا مشرقي تعاين بلغتها الرقراقة هموم الوطن والهوية والانتماء والتواصل الانساني، وتحاكي الحب والأرض والمرأة والأمومة والجمال والانسان والحياة، وهي وصافة ماهرة، وكلماتها مفعمة بالشغف والبوح والوفاء، وقد نجحت في توظيف موروث اللغة، وتطويع الحروف والكلمات لتكون مدماك أساسي لقصيدتها، وتعرف كيف تنتقي كلماتها بعناية تلقائية.

انها تصطاد نصها اصطيادًا، لا تتكلفه ولا يتكلفها، فيجيء رشيقًا، وصورها جذلى دون اسهاب، وسطورها دافئة من حب وجمال ودفق عذب.

ومن نافلة القول، أن نصوص مجدلة حنا مشرقي تستهوي القارىء، لأنها تحمل عطر سريس اقرت، وسنديان الجليل، وعبق صنوبر الكرمل، ورائحة بحر حيفا، وتحمل ورقة من اوراق أشجار بلادنا، وقطعة من الحلم الكبير ، حيث نجدها تتجول في دروب الرومانسية والواقع والتأملات.

وتبدو هذه النصوص ذات حبكة صاغتها في قالب متين يحقق تناغمًا دقيقًا بين اللفظ والمعنى.

ومجدلة تجيد كتابة المراثي، وكنت قرأت لها قبل سنوات، في صحيفة " الاتحاد" وموقع " الجبهة " قصيدة بعنوان " بلسم على نبض الرحيل "، ترثي فيها المرحومة سهيلة قسيس مشرقي، وتبدو مراثيها شفافة وصادقة غير متكلفة ومنسابة، حيث تقول:

بين هذا وذاك

حطت زنبقة

على ساقها المستغيثة

أغمضت ..

عسلية العينين

ندية القلب

عينا .. وذاك المستحيل

أزهقت داءها بدمع الرثاء

ورحل للحنين.. شفاء

أقفلت..

باب ضريحها على نحيب القلوب

على متسع الذكرى

حين تستفيق

إلى حين ترحلين؟

لم يحن أوان الحنين بعد

ولم نتسلق عناقيد التين

ولا أنامل اللين

ودعتك

تركت لغربة الأبواب مطرحًا

وللعيد، وشاحًا اسود

فلم أكن لأخبر

أنك ذات الرياحين حين تزهر على النوافذ العطرة

وأنك العيد حين يأتي

لم لأخبر

أن للحزن أجنحة

أن للفرح أضرحة

وللكلام وصل الفراق

دعي عنك لوم الحزانى

فأنت الآن

على بوادر الشوق ترقدين

لا محال

وفلا الغياب ..

من أعراض المحبين

ولا لحضنك منال

فقد تبنتك السماء

عقب فجر يتيم يتوق لبسمتك

فعلى ناصية الحلم استريحي

وفي اررقة الروح تهادي

أرقدي بسلام

وتدل قصائد مجدلة على خصوبة خيال، وقدرة على الاتيان بالصور الفنية الواضحة التي لا ترهق ذهن القارىء، بل تصبغ عليه المتعة الجمالية.

ولعلني أتفق مع ما كتبه الشاعر سامر خير على الغلاف الأخير لديوانها: " مجدلة تسير على الدرب، ومن يقرأها يستمتع ويطلب المزيد ".

مجدلة شاعرة تداعب الاحساس، تنبض بالرشيق في بناء الصور، وتتصف بالمتانة في البناء الشعري، وزخم في الايقاع الداخلي للقصيدة.

تحياتي للصديقة الشاعرة مجدلة حنا مشرقي، وتمنياتي بدوام الابحار في محيطات الابداع، مع فائق التقدير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعقرر مجلس ادارة دار نوّار للنشر استحداث جائزة ثانية، ترتبط مع أهدافها في تعزيز العلاقات الثقافية العربية – الروسية تسمى – جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن اللغة الروسية، وذلك بعد النجاح الباهر للجائزة الاولى – جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، والذي حصل عليها السيد بوغدانوف وكيل وزير خارجية روسيا الاتحادية (انظر مقالاتنا حول هذه الجائزة، وردود الفعل التي أثارتها في وسائل الاعلام العراقية والعربية والروسية).

جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية هي تكملة منطقية للجائزة الاولى، اذ كيف يمكن للحوار العربي – الروسي ان يتمّ دون الترجمة ؟ وكيف يمكن ان نتحاور دون معرفة لغتي بعضنا البعض؟ بل ان هناك من قال في اوساطنا، ان الجائزة الاولى كان يجب أن تكون للترجمة اولا، وتأتي جائزة الحوار ثانيا، وأشار آخرون، ان حصر هذه الجائزة بالمترجمين العراقيين يقلل من شأنها وأهميتها، وأنها يجب أن تكون للمترجمين العرب بشكل عام، لأن الهدف مشترك والعمل الابداعي الترجمي واحد سواء جاء من قبل عراقي أو سوري أو مصري أو تونسي ...الخ، وكل هذه الآراء صحيحة طبعا وتمتلك منطقها بشكل عام، ولكن الرأي الاخير قد تبلور واستقر - بعد مناقشات واسعة ومتشعبة - على ان تكون هذه الجائزة للمترجمين العراقيين اولا، وتركنا الباب مفتوحا في المستقبل لكل الاجتهادات اللاحقة .

ستعلن اللجنة الخاصة نتائج جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية في العام  ( 2019)، ونتمنى ان تحظى بنفس الاهتمامات و النجاحات التي حصلت عليها جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، وأن تكون لها نفس ردود الفعل الواسعة، التي حدثت بالنسبة للجائزة الاولى، ونتمنى أيضا، أن تؤدي هذه الجائزة الى توسيع نشاطات دار نوّار للنشر مستقبلا، وصولا الى تحويلها الى مؤسسة ثقافية عراقية وعربية وروسية شاملة تضم دار نشر وتوزيع للكتب باللغتين العربية والروسية، وشعبة خاصة للجوائز المتنوعة في مجال تعزيز العلاقات الثقافية العراقية (و العربية) – الروسية . 

 

أ. د. ضياء نافع

نايف عبوشيقول الشاعر الكبير ابو كوثر أحمد علي السالم في تغنيه بتونس..عندما شارك في مهرجان القيروان الدولي للإبداع :

يا تونسُ الخضراءِ حُبُـكِ شهقــةٌ ...... حَنَتِ الضِّلوع واغرقَتْ ٲحْداقي

 ٳنّي عَشِقْتُكِ والهوى في مُهْجتي .... شوقٌ يساوي شــــوقَ كل عراقي

وبذلك يكون الشاعر المبدع أبو كوثر أحمد علي السالم، بهذه المعارضة الشعرية الرائعة، العفوية، أو المتعمدة، في التغني بتونس، بلد الجمال الأخاذ، والطبيعة الخلابة، قد تسلل بدهاء، عبر غزله المرهف بجماليات المكان، وعشقه المضاعف لها، إلى وجدان المتلقي دون استئذان،ليفرض نفسه نسخة إبداعية لشاعر الغزل، نزار قباني، الذي انغمس فيه بإفراط إلى القعر، والذي كان قد تغنى بتونس قبلا، عندما حضر مؤتمر الشعر العربي، في قرطاجة عام ١٩٨٠، حيث قال فيها يوم ذاك:

 يا تونس الخضراء جئتك عاشقـــا ... وعلى جبيني وردة وكتــــــاب

 إنّي الدّمشقيّ الذي احترف الهوى ... فاخضوضرت لغنائه الأعشابُ

وإذا كان نزار قباني، قد تغزل بزرقة عيني قرطاجة، وهي تغفو على ساحل البحر، حيث سحرته سعة فضائها، وأدهشته نضارة شبابها، في وقت شاخ فيه حتى الزمان،وهو الشباب الدائم التجدد، عندما قال:

بحريّة العينين يا قرطاجة ... شاخ الزّمان وأنتِ بعد شباب

فإن الشاعر أبو كوثر، كان أكثر تطلعا، في كرم جمال قيروانها، وأعلى يقيناً، في تعاليها عن الشح، وارسخ ثقة، بفيض بهجتها على عشاقها ، حيث، في ذلك، يقول:

ياقيروانُ وما ٲَراكِ بخيلةً ...... عَنْ عاشِقيكِ ببسمةٍ وعِنَاقِ

 وبهذه الأسلوبية الرصينة في توظيف حسه ابداعيا في قصيدته العصماء، ياتونسُ الخضراء ،يكون الشاعر أبو كوثر، قد نجح في معارضة، الشاعر الكبير نزار قباني، بمحاكاة إبداعية متميزة ، مع صعوبة مجاراته، ليصطف بهذه المعارضة البليغة، بجدارة، ومن خلال رشاقة حرفه،وبلاغة نظمه، ورهافة حسه، قامة إبداعية سامقة، مع فطاحل الشعراء، وكبار الأدباء، في الساحة الثقافية، والأدبية، العربية المعاصرة، كشاعر مقتدر، يشار إليه بالبنان

نايف عبوش

 

لا يقتصر فعل القراءة على المتن السردي فقط، والذي يعد عملاً متأخراً؛لأنه يسبق بقراءة اولى تنطلق من العنوان، وهو الشريان النابض والباث والجاذب في الوقت ذاته للمتن الكتابي.

وإن كل انتاج كتابي، أو صحفي، اومقالي ينطلق من مؤشر جاذب يتمحور من انجذابية العنوان  وقدرة اقطابه على شد القارىء اليه.

تشابهت اغلفة روايات الروائي (سعد سعيد)، في اقترابها من الالوان والغاية، حتى وأن أختلفت بعضها عن بعض في التسمية،إلا أنها تلتقي في غاية وهدف ولون واحد.

وهو أمتياز يحسب للروائي في قدرته في السيطرة على الفضاء الكتابي المرتبط بذاته ومخيلته.

الدلالة الكتابية لصياغة العنونة الروائية امتازت بالخط المفهوم والبارز، بين الخط الكبير والمتوسط والصغير، وهي انتقائية متقنة ذات ذوق فني.

سيطر اللون (الأبيض، والبرتقالي المحمر،والأسود)على خط عنونة اسم الكاتب، أو عنونة رواياته.

فـرواية (الدومينو،والسيد العظيم،وثلاث عشرة ليلة وليلة) سيطر اللون الأبيض على صياغة اسم الروائي، بينما سيطراللون الأسود على صياغة اسمه في (خلدلوجيا،وهسيس اليمام،و إنسانزم).

وسيطر اللون الأسود على عنونة (فيرجوالية،وقال الأفعوان،وياحادي العيس، وخلدلوجيا)، فيما سجل اللون البني وجوده على صياغة اسم الروائي في (ياحادي العيس، وثلاث عشرة ليلة وليلة، والدومينو، والسيد العظيم، وإنسانزم)، وتوافق عنوان الرواية والكاتب في اللون ذاته في (قال الأفعوان،و فيرجوالية) .

سيطر اللون البني على بعض اغلفة رواياته،وهو لون مستقر نسبياً من ناحية نظريات علم النفس،وفي الوقت ذاته اشارة الى الحركات السياسية والحزبية، ورمز للثورات.

وحققت (الدومينو) انقلابية وذكاء ؛لأنها لعبة تحتاج الى ذكاء في لعبها، وهذا الذكاء اتقنه الروائي، في اسثمار الزمن (الماضي، والحاضر، والمستقبل).

وتوافقت رواية (هسيس اليمام) في تحقيق  استقرارية اللون، الذي يشير الى رمزيات عدّة.

وهي رواية الغموض والتحفظ، والممنوع، (5) نساء سيطرن على صياغة النسيج الكتابي، بأبعاد ايروتيكية وخروق ممنوعة، واعلان الرغبة من بداية الغلاف، وشخصية ذكورية رسمت بريشة الفنان احاطت بـ(النسوة) من غلاف الرواية والى داخل المتن، وتوافق الغلاف مع فكرة الرواية .

ومن جديد اللون (البني) نرصده في رواية (السيد العظيم)، مع هيكلية صورية لرجل غامض وغاضب، وهو اشارة مبدئية ذات معنى أن كل شخص يرغب في أن يكون هو(السيد العظيم)، وحقق العنوان الجاذبية؛لأنه خليط من الألوان (الأحمر، والأصفر، والبرتقالي).

واشتركت رواية (ثلاث عشرة ليلة وليلة!) في صبغة اللون البني، ليلحق العنوان بعلامة التعجب التي تحقق التوقف لمعرفة مقصديتها.

(فيرجوالية، وإنسانزم، وقال الأفعوان)، اشتركوا في صبغة اللون الواحد،وهو اللون المحايد، لاهو ابيض نقي، ولا أسود نقي، أنما خليط ممزوج بينهما مائل الى الرصاصي المعتدل، الذي يرمز الى اللون الرسمي الذي يعد لون ممل ؛لأرتباطه بكبار السن، ويقترب هذا الدمج اللوني من البنفسجي الفاتح ايضاً.

وحققت (فيرجوالية) اشارتها الى النور والتطورالتكنلوجي، (انسانزم) فضلاً عن عنونتها الغريبة، تأتي لتقترن بصورة القرد (تيمور)، الذي يدخل في صراع الذات مع الدكتور علي، وتحمل اشارة مبطنة الى فعل وممارسات (الكولونيالية)، وهي رواية فلسفية،(قال الأفعوان) اكتفت بدلالة العنوان والغلاف من دون وضع رمزية، او دلالة عليها، وهذا يعني أنها رواية ذات عالم ولغة خاصة بها.

(ياحادي العيس، وخلدلوجيا)، مزجتا الواناً عدّة، الأولى اختصت برسم شخصيات بشرية ذات رمزيات واللوان واضحة وصريحة ومعلنة،وهي رواية الحدث اليومي الواقعي، فيما ذهبت الآخرى لتتخذ من النسر قوة في مباشرتها، وأكملت وجوده بهيئة البشر الأعتياديين.

أخيراً، حققت عنونة اغلفة روايات (سعد سعيد) أشارات رمزية عالية، ومفهومة لا تحتاج الى اعمال الذهن، لينصب الأنشغال في فحوى المتن السردي؛لأن الأغلفة أشارت الى بعد ووعي قصدي هادف الى غاية، مما يتطلب وعي وفهم دقيق لمغزى كل غلاف ونص، وعمد الى دمج التقارب في الألوان بين رواياته اغلبها، وهي هندسة متقنة تحسب للروائي لاعليه، فضلاًعن توظيفه للحيوانات التي حققت غايات قصدية للروائي، نرصدها منذ الأشارة اليها من بداية الغلاف والى نهاية المتن الكتابي.

 

بقلم : وسن مرشد

 

حسن السالميأخواتي إخوتي دعوني أبوح لكم بهذا السّرّ:

وأنا أجهّز هذه الورقة كنت كالماسك على الماء، كلّما توهّمت الامساك بخيط من خيوط الأفكار التي تتلبّد في رأسي انتهيت الى اللاّجدوى.. ولعلّ السّبب يعود الى أنّ الحديث عن الذّات أصعب من انشاء نصّ بمئات الصّفحات..

قال صاحب طوق الحمامة، الحبّ أوّله هزل وآخره جدّ.. وأنا أقول الكتابة أوّلها نشوة وآخرها همّ.. أمّا النّشوة فمتّأتية من شهوة الخلق والابتكار، ومن ذلك السّحر الكامن في كلّ ثِنية من ثنايا الابداع.. وأمّا الهمّ ففي مآلات تلك النّشوة وأثرها على العالم الذي تتوجّه إليه بالخطاب.. ومن الغريب أنّ نشوة الابداع دائما هي السبّاقة في كلّ مرحلة من مراحله، ولو كان الإبداع عذابا محضا ما أُلّفت كتب وأسفار، ولا كان ثمّةَ تاريخٌ من أصله..

الإبداع حالة عجيبة، مخاتلة، معقّدة، متقلّبة، شديدة الغموض.. تكبر معك وتنمو بنمائك، وتمرّ بأطوار تتوازى مع تلك التي تمرّ بها في الحياة.. وأنت طفل تتجلّى لك على صورة مّا وكأنّها تنبئك بقدرك القادم فتُهيِّئَك له.. ولعلّ مراكب الخيال آية من آياتها الكبرى فإذا بصرك يمتدّ إلى شطآنه الخلاّبة لتأنس به ويأنس بك.. حتّى إذا أينعت مداركك وكبرت معك أحلامك قذفت بك في لججه ورمتك في فضائه البعيد.. وما كان ينبغي لك أن تجوز إلى آفاق الخيال ودروبه وعالمه السّاحر لو لم تشرق في ثنايا نفسك حساسية مفرطة إزاء كلّ مفردة من مفردات هذا الكون الفسيح.. ومن عجيب أيضا أنّ التحامك ذاك لا يكون ملازما لك أبدا وإلّا فقدت توازنك كإنسان وسقطت قبل الأوان.. ثمّة في دهرك نفحات لا تدري متى تولد ومتى تذهب، فجأة تغمرك وتلبسك وتتغلغل في كلّ ذرة من ذرّاتك المنظورة واللاّمنظورة، شاحنة إيّاك بشعور ساحر مكهرب، لا تلبث أن تخزّنه في عمق من أعماقك البعيدة، ثم يمحوها النّسيان.. وتمر أعوام مديدة وفي لحظة من تلك اللّحظات الغامضة المجهولة تخرجه إليك بلا كيف، وتعيد نشره على دوائرك جميعها الوعي واللاّوعي والوجدان والشّعور والذّاكرة والذّهن والحلم والموقف والانتماء وهلم جرّا.. إنّها قطعة من عجين الخلق، تجدها بين يديك مع قطع أخرى لا تدري من أين جاءها النّداء، تنفخ فيها من روحك فإذا هي كهيأة الكون..

وإنّه ليأتي عليك زمن وأنت في سباحتك مع التأمّل تشعر فيه بأنّ ما يحصل معك تستحيل معه المصادفات، وما ظهوره في حياتك ذلك الظّهور المرتَّب المتدرَّج إلاّ الدّليل على أنّ إرادة مّا تقف وراء نبوءتِك. وهي بلا شكّ لا تنبع من صميم ذاتك، وإنّما هي منفصلة عنك، كانت قبلك وستكون بعدك، تلازمك وتراقبك عن كثب، وأنت في مهدك ضعيف لا تدري ما القلم وما الأحلام ؟ وأنت إنسانٌ سويٌّ تفعل بالحياة وتفعل بك.

بيد أنّها ليست هي الغالبة على إرادتك.. صحيح إنّها وُجدت فيك بلا حول ولا قوّة منك، وإنّها وُلِدت معك، وربّما تسلّلت إليك من أصلاب آبائك الأوّلين، ولكنّها تظلّ في جوهرها على طبيعتها المحايدة، وأنت الذي تمنحها اللّون والحجم والشّكل الذي تريد.. قد يتسلّل إليها من ذاتك ما لا تعيه فيمنحها السّمت والصّفة، إلاّ أنّها تظلّ دائما تنبع من داخلك أنت.. فعلى قدر ما تخزِّن من ألوان تكون هي، إن ظلام فظلام وإن ألوان طيف فألوان طيف.. وهي تكبر بك وتصغر بك أيضا.. وقد يعجّل عليها الفناء قبل الأوان، سواءً بسببك أو بسبب التّراب الذي تنبت فيه، أو بسبب الهواء الذي تستنشقه.. على قدرِك تكون، وهي لا تحيد عن منهجك قدر أنملة.. إن حملت في يدك المعول حملته معك، وإن بسطت يدك للبناء كانت جزءا من الصّرح الذي تشيّده.. إن رمت القاع وسفْساف القضايا كانت مرآة لذلك كلِّه.. وإن رفعت رأسك وأدركت أنّ السّماء أوسع من أن تحوي نجمة واحده، كانت آية من آيات التّعدد وبشارة ليوم قادم تبدأه أنت. لا تكون جميلة أبدا وهي تصدر من القبح القابع في أعماقك، وإن تقنّعتَ بالأقنعة وأحسنتَ وضع الزّينة على وجهك.. ولا تكون قبيحة أبدا وهي تصدر من جنّة الجمال في داخلك وإن ضُيِّق عليك وسجنك الظّلام إلى حين..

هذا ما جادت به قريحتي إليكم، فأرجو أن تكون قد وجدت سبيلا إلى قلوبكم وفتحت لكم من أبواب الكلام ما شئتم له أن يكون..

 

مع تحيّات حسن سالمي

 

شاكر فريد حسنحدائق الأدب في الجولان السوري تحفل بالأزاهير الشعرية اليانعة العابقة بالشذا، ومن هذه الأزاهير التي فاح عبيرها الشعري منى أبو جبل زهوه، هذا الصوت العذب الصداح بالغناء الشجي، المحلق في دنيا الابداع وفضاء الالهام، الآتي من روابي مجدل شمس، تلك البلدة الجميلة المحاطة ببساتين الكرز وحقول التفاح واشجار السريس الخضراء.

لقد راقتني واستوقفتني نصوص منى أبو جبل زهوه منذ زمن بعيد، دون ان تعلم أو تدري، فواكبت خطواتها وتتبعت تجربتها ومسيرتها، وتطورها الشعري، ونضوجها الفني، ومع كل نص جديد تقدم الأفضل والاجمل.

وقد وجدت في نصوصها وخواطرها الوجدانية رقة وجمال لفظي وعفوية وتلقائية وسلاسة وانسيابية ودفء احساس وحرارة الصدق. فنصوصها همس ياسمين وباقات نرجس فواحة وهذيانات من خلجات الروح والنفس ونبض الوجدان، وذات ايقاعات خاصة تمتاز بالجمال والتأنق، وتزخر بالصور الشعرية اللطيفة عميقة الأبعاد والايحاءات، ولا أدل على ذلك من هذا النص، حيث تقول:

أيقظتُ الوردَ الصبوحَ من مضاجعهِ

وصوتُ القلبِ يقتادني لعطرهِ الفتّانِ

فريحُ الأحبةِ تسكنُ الروح في جنباتهِ

حين هزني الشوقُ اليهِ بالوصلِ أغواني

يا ليتني كنتُ النسيم الفحُ بالجوى خدهُ

ويا ليتني كنتُ في حقول القلبِ بُستاني

أزورُ ودَّهُ كلما عطشتُ الى رحيقِ مُدامهِ

وأقتفي ظلَّهُ الحبيبَ كلما زارتني أحزاني

منى أبو جبل زهوه تمتلك روح الشعر، بذارها داني القطوف، تتأمل في الطبيعة، وتشدو فوق خمائل الرياض، وتنثال طربًا وفرحًا وزهوًا مع نبض روحها، وارتعاشات جسدها، ووقع كلماتها، وحلاوة نصوصها الحبلى بالمحسنات اللفظية والبلاغية وجمال الحروف والمعاني، وصدق البوح والاحساس، ولنسمعها في هذا النص البديع زاهي الالوان، حيث تقول:

قل لي

لماذا الدمع مالح

رغم أن ابتسامتك

تدهن مذاق قلبي كالسكر

ولماذا هذا السكون

رغم كل ثورات الروح

منذ متى عرشت

فوق ملامحي

ومحوت تفاصيل غروري

بت امرأة اخرى

أحبها رغم أنها لا تشبهني

ربما هي تشبه جنون أعماقي

وتنساب في تلابيب قلبك

أتعرف حين يتساوى الدمع والضحك

ماذا تقول لي نفسي:

أنك في داخلي

ولن تذهب بعيدًا

مهما ابتعدت

قصائد منى تمتلىء بجيشان العاطفة والمشاعر النابضة وبوح في بث الأشواق ودفء الحنين، تفيض شوقًا وحلمًا رقراقًا، وتحمل بين سطورها عبقًا ونسمات تبلل أحلامنا بالمطر، تثير فينا زهو الأمنيات، وتشعرنا بالمتعة الجمالية، مزنرة بحرارة العناصر وطقوس العشق، وغنية بالرؤى والأفكار الدالة على عناصر الجمال وسعة الخيال حتى البلوغ الى النص المؤثر البليغ ،ولنسمعها في هذه الومضة الشعرية، حيث رقة المعاني والرمز الشفاف:

لهمس ترق له السواقي

طربت وناداني التلاقي

طبيب وقد اعياه الدوا

سقيم أشفاه احتراقي

وأية رقة وأي احساس وأي بوح راق، وهي تمخر عباب سفينة الشعر، وتداعب بمجدافها أوتار الكلمات والمفردات في هذا النص الزاخر بالمعاني والصور الجميلة ودفء الاحساس:

أنا حسبي بأني

سلكت كل الدروب

كي القاك

وحسب الدروب

التي مررت بها

أنها خبأت بين المسام

ريحًا من ثناياك

حبيب يمر

بين الخوابي

فيسكرها

وتنسكب بين الضلوع

سحرًا من محياك

ويح لروح

لم تزر الأشواق

ذات يوم

مسكنها

وويح لقلب

مرت عليه

الليالي بليدة

دون أن تهديه

رؤياك

وتغرق منى أبو جبل زهوه في نصوصها، وتغرقنا بوجدانياتها التي تميل الى الرؤية التأملية والروح الرومانسية، نحو مستقبل وردي وفرح دائم لا يزول.

وما يسم هذه النصوص السلاسة اللغوية، وبنائية الجملة كاملة المعنى، والقدرة على صياغة الجملة الشعرية، والايقاع الموسيقي الداخلي.

وفي المجمل، نصوص منى جبل زهوه محملة بلغة شعرية قريبة من النفس، ملامسة لها، لغة حية تحمل سمات الصدق والأصالة، لغة فيها تكثيف وتصوير وايحاءات، وفي غاية الأناقة التعبيرية والتصويرية، والزخم الايقاعي الموسيقي، ومعجونة بماء الخيال ووهج اللغة والألفاظ الموحية المثيرة.

فللصديقة الشاعرة منى أبو جبل زهوه، باقات معطرة بجمال الحرف. دمت مميزة، مع أجمل التحايا والامنيات بمسقبل شعري واعد، والى الامام، ومزيدًا من التألق والتوهج الشعري.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالمشروع الكبير يحتاج الى جهود كبيرة والى روح الاستمرارية والمتابعة الدائمة . وانطلاقا من هذه البديهيات البسيطة والعميقة في آن واحد، توجهت مع مندوب معهد الترجمة في موسكو الى السيد بوغدانوف – وكيل وزير الخارجية في روسيا الاتحادية والحائز على جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، وذلك أثناء مراسيم منحه تلك الجائزة في سفارة حمهورية العراق بموسكو، وشرحت له بايجاز مشروعي حول تأسيس صندوق الترجمة من الروسية الى العربية في معهد الترجمة بموسكو (انظر مقالتنا بعنوان – نحو تأسيس صندوق للترجمة من الروسية الى العربية بموسكو)، وطلبنا – مندوب معهد الترجمة وأنا- منه ان يستمع الى تفصيلات هذا المشروع الكبير والمهم من وجهة نظرنا، وقد رحب السيد بوغدانوف بهذه الفكرة، واعطانا رقم هاتف مكتبه لتحقيق هذا اللقاء ، والاستماع الى تفصيلات هذا المقترح، وقد اتصل مندوب معهد الترجمة فعلا بمكتبه وتم تحديد موعد اللقاء، وهكذا ذهبنا – مندوب المعهد وأنا- الى بناية وزارة الخارجية الروسية بموسكو، حيث أستقبلنا – وبكل ود وترحاب- السيد مورغونوف، سفير روسيا الاتحادية السابق في بغداد، والذي كان حاضرا ضمن المدعوين في احتفالية تسليم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي- الروسي في السفارة العراقية بموسكو، واستمع مع زملاء له الى تفصيلات مقترحي حول الموضوع، حيث شرحت له تصوراتي بشأن ذلك، والتي يمكن تلخيصها بتقديم رجاء الى شركات النفط الروسية، التي تعمل في العراق، بتخصيص سنت واحد فقط لا غير من سعر كل برميل نفط عراقي يجري استخراجه وتسويقه من قبلهم يوميا لهذا المشروع، ووفق القوانين والتعليمات المالية الرسمية السائدة في روسيا الاتحادية، وتسجيلها ايرادا لهذ الصندوق، الذي سيكون في معهد الترجمة في موسكو، وتخضع هذه العملية الى رقابة مالية صارمة، ويقوم هذا الصندوق بتمويل ترجمة مكتبة روسية متكاملة من الروسية الى العربية، ويتم الاشارة في تلك الكتب الى انها ممولة من تلك الشركات النفطية العاملة في العراق، وان تلك العملية ستجلب فائدة كبرى للعلاقات الثقافية العربية – الروسية، لانها ستنشر الادب والثقافة الروسية بين القراء العرب، وهذا بدوره يؤدي الى تعميق التفاهم المتبادل بين روسيا والعالم العربي، اضافة الى ان الشركات النفطية الروسية لن يكلفها هذا السنت الواحد من قيمة كل برميل نفط شيئا كبيرا، بل بالعكس، سيؤدي تخصيص هذا السنت الواحد الى تعزيز مكانتها في العالم العربي، اذ ان ذلك يعني، انها سوف تلعب دورا في تنشيط العلاقات الثقافية بين الجانبين العربي والروسي . وتحدثت ايضا عن امكانية المشاركة الفعالة لكافة المترجمين العرب في عالمنا العربي في هذا المشروع الحيوي الكبير في حالة تحقيقه . استفسر السيد مورغونوف ايضا من مندوب معهد الترجمة في موسكو السيد ايغر سيد عن امكانية هذا المعهد بالمشاركة في تنفيذ هذه الافكار، فشرح مندوب المعهد امكانيات هذه المؤسسة بترجمة مكتبة روسية باللغة الانكليزية، ونجاحاتهم في هذا المجال، وكذلك بشأن ترجمة مكتبة روسية الى اللغة الصينية ايضا، وانهم طرحوا في مؤتمرهم الخامس الذي انعقد في موسكو قبل فترة (انظر مقالتنا بعنوان – المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب الروسي بموسكو) الابتداء بترجمة مكتبة روسية الى اللغة البولونية، اضافة الى ان المعهد قد ساهم بدعم ترجمة عدة كتب روسية الى اللغة العربية ايضا، ولكن ضمن نطاق محصور وضيّق، وأشار مندوب المعهد الى استعدادهم التام للقيام بهذه المهمة العلمية والثقافية الكبيرة.

لقد استمع السيد مورغونوف الى ما ذكرناه بكل اهتمام ودقّة وانتباه، وتم تسجيل ذلك، ووجدنا من الجانب الروسي تجاوبا تاما وتفهّما عميقا لمقترحاتنا، لدرجة، ان السيد مورغونوف أضاف مقترحا تكميليا لمقترحنا، اذ انه قال، ان العاملين في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد غالبا ما كانوا يطرحون عليه مشكلة عدم كفاية الكتب المنهجية لتعليم اللغة الروسية للطلبة العرب، وانه يرجو، في حالة تنفيذ هذا المقترح، ان نأخذ هذا الجانب بنظر الاعتبار ايضا، وقد وافقنا وبكل سرور طبعا على هذه الاضافة المهمة لمشروعنا، وتحدثنا ايضا عن دور النشر السوفيتية آنذاك ومساهمتها في اغناء المكتبة العربية حول الادب الروسي، واهمية ذلك الدور الرائد لتلك الدور في حينه، وضرورة دراسة هذا التراث ورعايته وتطويره، بما فيها، دراسة امكانية اعادة طبع بعض تلك الاصدارات ايضا ضمن هذا المشروع الثقافي الكبير .

اتفقنا في نهاية هذا الاجتماع على متابعة الموضوع، وضرورة متابعته من قبل معهد الترجمة في موسكو بالذات، والتنسيق بينه وبين الخارجية الروسية، وذلك ليتسنى لها (للخارجية) مفاتحة شركات النفط الروسية العاملة في العراق لدعم هذا المشروع الثفافي الحيوي للجانبين، وعبّر السيد مورغونوف عن أمله الكبير باستجابة تلك الشركات لهذه الافكار، خدمة لتعزيز التبادل الثقافي بين البلدين.

قدّمت للسيد مورغونوف في نهاية اللقاء جزيل شكري وامتناني على هذا الموقف الايجابي تجاه مقترحاتنا حول دعم التعاون الثقافي بين الجانبين، و سألته مبتسما – هل يمكن لي ان انشر ما دار بيننا في هذا الاجتماع ؟ فأجاب رأسا ودون اي تردد – نعم، نعم، بلا شك، اذ لا توجد هنا اي اسرار ...

 

 أ. د. ضياء نافع

 

ابراهيم مشارةلقد وجدت دعوة الإمام محمد عبده وتلميذه قاسم أمين وغيرهما من المصلحين آذانا صاغية في المجتمع العربي وهو يدب نحو الرقي ويسعى نحو النهضة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وفحوى تلك الدعوة أن لا رقي ولا نهضة بغير إصلاح وضع المرأة  التي هي نصف المجتمع وإصلاح وضعها يعني القضاء على عهد الحريم وإتاحة الفرصة لها بأن تتعلم وتنال كامل حقوقها التي أعطاها إياها الشرع والفلسفة الوضعية الإنسانية، تلك الدعوة المباركة التي صدع بها شعراء العربية الكبار مزكين إياها مباركين مضمونها وعلى رأس الشعراء أمير الشعراء أحمد شوقي :

وإذا النساء نشأن في أميــــــة

رضع الرجال جهالة وخمولا

وحافظ إبراهيم الذي صدع بقصيدته في فضل تربية النساء :

من لي بتربية النساء فإنهـــا

في الشرق علة ذلك الإخفاق؟

الأم مدرسة إذا أعددتهـــــــا

أعددت شعبا طيب الأعراق

وهكذا دخلت المرأة قاعات الدرس وأسفرت بعضهن إمعانا في الدفاع عن كرامتهن وتعبيرا عن مساواتهن بالرجل فالمرأة ليست كائنا جنسيا وظيفته إمتاع الرجل وإنجاب الأولاد بل إنسانا حيا فاعلا خلاقا، وليست موضوعا

غزليا يتغنى بالقد المياس والعين النجلاء والخد الأسيل فقط.

وقد أثمرت هذه الدعوة المباركة ثمارا طيبة تجلت في ظهور نساء وقفن ندا للرجل في السياسة والفكر والفن والأدب وكان منهن لبيبة هاشم  وملك حفني ناصف وعائشة التيمورية وهدى شعراوي ومي زيادة وصولا إلى مفيدة عبد الرحمن وعائشة عبد الرحمن ونعمات فؤاد وفدوى طوقان ونازك الملائكة وسهير القلماوي وغيرهن.

ولا ريب أن الآنسة مي زيادة كانت أكثرهن شهرة وشغلا للرأي العام وإثارة لطبقة المثقفين ورجال السياسة والأدب، فقد جمعت بين جمال الروح والجسد في تناغم عجيب، وألمت بالثقافة العربية والغربية إلماما مدهشا.كما أتقنت اللغات الأجنبية وفضلا عن ذلك كان جمالها الروحي والجسدي مغريا للأدباء بحبها والتعلق بها وقد اشتهر بحبها مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد وجبران خليل جبران الذي عرفها عن بعد وهو في المهجر الأمريكي واقتصرت العلاقة بينهما على تبادل الرسائل ، ولا شك أن صالونها الأدبي الذي كان يجتمع فيه كبار مثقفي العصر، زادها شهرة وتقديرا فالصالون الأدبي فكرة غربية محضة اشتهرت به بعض كاتبات الغرب فضلا عن كتابه وإنشاؤه وترسيخه في المجتمع العربي الخارج لتوه من عصر الظلمات فكرة خلاقة مدهشة تؤكد أن المرأة ليست مجرد وجه جميل ورحم ولود، هذا الصالون الذي أنشأته الآنسة مي زيادة زاد في شهرتها وفي تقدير المجتمع لها , خاصة طبقة المثقفين.

والآنسة مي زيادة هي ماري بنت إلياس زيادة المعروفة بمي لبنانية الأصل من أهل كسروان، أقام والدها في الناصرة بفلسطين حيث ولدت مي عام 1886م وتعلمت في إحدى مدارسها ثم بمدرسة عين طورة بلبنان وأقامت بمصر مع والديها حيث كتبت بمجلة " المحروسة " ثم " الزهور" وأحسنت مع العربية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية.

مات أبوها ثم أمها فشعرت بمرارة الحياة واستسلمت لكآبة اليأس، وقد قررت عدم الزواج على الرغم من تعلق الكثيرين بها وقد خطبوا ودها وذابوا شوقا وهياما في حضرتها ولربما صح ما زعمه البعض في أن الآنسة مي أحبت جبران خليل جبران المعروف برومانسيته الجارفة وأفكاره الجريئة وعباراته الرشيقة ونزعة الحرية القارة في حياته وفي فنه و أدبه، ولكنه كان مقيما بأمريكا واقتصرت علاقته بالآنسة مي على الإعجاب والتقدير المتبادل يبعث إليها برسائله من أمريكا وترد عليه برسائلها إليه من مصر وكانت وفاته عام 1931 صدمة نفسية وجرحا عميقا في روحها زادها تصميما على العزوبية وتفضيل العيش وحيدة بلا زوج تسكن إليه ويسكن إليها، ولربما توطدت قناعة مي بعدم الزواج نتيجة لمزاج و فلسفة ذاتية تخرج بها عن المألوف، فإذا كان الزواج

والإنجاب وتبعاته قدر المرأة حتى ليزهدها في الإبداع ويشلها عن الإنتاج الفني والفكري، فقد ضحت به في سبيل إخلاصها لذاتها وفلسفتها الشخصية، حتى تعطي المثل والعبرة في كون المرأة تماما كالرجل تقدر على العزوبية وتبعاتها، فلن تكون ظل الرجل ولا قاصرة تستكمل قصورها بالركون إليه و الارتماء في أحضانه،  وتؤثر الجانب الروحي والإنساني والعقلاني فيها على الجانب الغريزي والجسدي والجنسي، وفي الرجال من كانت هذه فلسفته فميخائيل نعيمة عميد أدباء المهجر آثر العزوبية والتنسك في" الشخروب " وقال جملته المشهورة " خلقت لأكون أخا للمرأة لا بعلا لها " والآنسة مي معروفة بحساسيتها الشديدة كونها امرأة من جهة، وفنانة شاعرة من جهة أخرى، وهذه الحساسية المضاعفة هدت عافيتها الجسدية وتوازنها النفسي خاصة حين تعرضت لأزمات الحياة التي قصمت ظهرها بدءا بوفاة والديها ووفاة صديقها جبران خليل جبران، وازدادت حالة المرض سوءا عليها عام 1936 وانتابها الاضطراب العقلي تبل منه قليلا ثم يعاودها حتى توفيت في مستشفى المعادي ودفنت في القاهرة عام 1941 .

وقد قالت السيدة هدى شعراوي في تأبينها " كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية المثقفة " .

وقال فيها شيخ فلاسفة العرب في العصر الحديث مصطفى عبد الرازق " أديبة جيل، كتبت في الجرائد والمجلات، وألفت الكتب والرسائل،

وألقت الخطب والمحاضرات، وجاش صدرها بالشعر أحيانا، وكانت نصيرة ممتازة للأدب تعقد للأدباء في دارها مجلسا أسبوعيا، لا لغو فيه ولا تأثيم ولكن حديث مفيد وسمر حلو وحوار تتبادل فيه الآراء في غير جدل ولا مراء ".

وللآنسة مي عدة مؤلفات منها " باحثة البادية " و" بين المد والجزر" و"سوانح فتاة " و" كلمات وإشارات " و"ظلمات وأشعة " و"ابتسامات ودموع " ولها ديوان شعر بالفرنسية بعنوان "أزاهير حلم" .

لقد كانت مي زيادة محبة للعروبة ملمة بالأدب العربي وعلومه إلماما أدهش الرواد من أدباء مصر وحبها للعربية وتعلقها بالعروبة دفعها إلى نحت اسم لها عربي خالص من اسم "ماري " هو الذي عرفت به، وإن كان "مية" اسم عربي تردد في شعر النابغة:

يا دار مية بالعلياء فالســــــــند

أقوت وطال عليها سالف الأمد

وكانت مية هي حبيبة الشاعر ذي الرمة, التي تغنى بها في شعره.

وصالون الآنسة مي كان فتحا جديدا في الثقافة العربية وتنويرا للمجتمع وتغييرا من سلوكياته البائدة وأعرافه الرثة خاصة عرف الحريم وإيحاءاته برجعية المرأة واستبداد الرجل .

كان مجلس مي يعقد يوم الثلاثاء وكان يحضره عمالقة الأدب ورواد السياسة ومشاهير العلماء وأعيان البلد كمحمد عبده، ومصطفى عبد الرازق، وأحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، وخليل مطران وإسماعيل صبري وعباس محمود العقاد وغيرهم .

وهكذا اجتمع أعلام الدين وأقطاب السياسة ورواد النثر وفرسان الشعر في صالون الآنسة مي، وهذا تقدير للمرأة العربية التي استطاعت جمع الرجال من حولها يتناقشون فيما بينهم نقاشا حرا في السياسة والأدب والدين والثقافة العالمية، وكان جمال مي الروحي والجسدي وكلامها الحلو ونبرتها الهادئة، وثقافتها الكبيرة، كان كل ذلك يضفي على المجلس بهاء ورقيا وإحساسا راقيا بالجمال في أرقى تجلياته،   ولم يكن أحد يغيب عن المجلس إلا لظرف قاهر، حتى غيب الموت صاحبة الصالون، تاركة وهج الذكرى وبريق الماضي وأصالة الفكرة وروعة المغامرة والتحدي والخروج عن الرتابة المملة والمألوف المقرف.

ولصالون مي في شعرنا الحديث حضور، فقد ذكره الشعراء في أشعارهم والكتاب في مقالاتهم، وكان الشاعر إسماعيل صبري يقول عن صالون مي يوم الثلاثاء :

روحي على بعض دور الحي حائمة

كظامئ الطير تواقا إلى المــــــــــــاء

إن لم أمتــــــع بمي نــاظـــــري غدا

لا كــان صبحك يا يوم الثلاثــــــــاء !

أما الشاعر شفيق المعلوف شقيق شاعر الطيارة فوزي المعلوف فقد قال عن الآنسة مي :

بنت الجبــــــال ربيبة الهرم

هيهات يجهل اسمـــــها حي

لم نلق ســــحرا سال من قلم

إلا هـــتفنــا هـــــــــذه مــــي

وقد كان رحيل مي وانفضاض مجلسها وغياب نبرتها الموسيقية وملامحها الهادئة الرشيقة، وكلماتها العذبة المليئة بالأفكار الخلاقة والمعاني البكر، كان ذلك حدثا مؤلما لشاعر القطرين خليل مطران الذي أقضته الذكرى، وأبكته حسرة الرحيل ومرارة الفراق وغياب اللحظات الجميلة وهو الشاعر المرهف الحس الرقيق الكلمة، الرحب الخيال، الصادق القول فقد قال في رحيل مي :

أقفر البيت أين ناديك يـــــا مي

إليــــه الوفود يختلفونـــــــــــــا ؟

في مجال السبق آل إليك السبق

في المنشئـــات والمنشئينـــــــا

نعمة ما سخـا بـــها الدهر حتى

آب كالــعهد سـالبا وضنيـنــــــا

أيــهذا الـــــثرى ظفرت بحسن

كان بالطهر والعفاف مصونـــا

لهف نفسي عل حجى عــبقري

كــان ذخرا فصار كنزا دفينا

وما أوجع الحزن، وما أشد الغصة، غصة الرحيل التي فعلت فعلها في نفس الشاعر كما يوحي بها البيتان الأخيران.

لقد كانت الآنسة مي بأدبها وبثقافتها، وبجمالها الروحي والجسدي رمزا للمرأة العربية الطامحة إلى عصر غير عصر الحريم، وإلى شعر لا يكتفي منها بوصف النهود والأرداف والخدود، بل يشيد بعبقريتها وإنسانيتها وعطائها وإنتاجها العلمي والأدبي .

ولقد كان صالونها حدثا فريدا في تاريخ المجتمع العربي، وإن كانت له سوابق في تراثنا فالسيدة سكينة بنت الحسين وهي شاعرة وناقدة كانت تستقبل الشعراء في بيتها وتكلمهم ولكن من وراء حجاب، وحدث مرة أن استمعت إلى راوية جرير ينشدها :

طـرقتك صائدة الـقلوب وليس ذا

حــين الزيارة فـــارجعي بسـلام

فقالت له قبح الله صاحبك وقبح شعره أما كان أحلى لو قال:

طـرقتك صائدة الـقلوب وليس ذا

حــين الزيارة فـــادخـلي بســـلام

غير أن مجلس الآنسة مي يختلف عن مجلس السيدة سكينة فقد كانت مي مجتمعة بالرجال مسفرة كالبدر، ومن حولها أقطاب السياسة وأعلام الأدب وأعيان البلد تناقشهم وتدلي بآرائها التي بهرت الجميع، وكان يوم الثلاثاء من كل أسبوع عيد الأدباء والمفكرين والعشاق يتأنقون ويتعطرون ويخفون إلى المجلس بهمة ووجد وهيام عجيب وكلهم يريد أن يكون فارس الندوة ورائد المجلس لعله يحظى بقلب مي وحبها فيجمع بين الثقافة في أرقى تجلياتها والجمال في أكمل صوره.

 

ابراهيم مشارة

 

ضياء نافعنعم، جلست فعلا جنب ناتاليا غانجيروفا، زوجة بوشكين، على مصطبة واحدة، وكانت في أحلى واجمل حلّتها، وهي تنظر الى الارض وتصغي بتأمل وهدوء لقصيدة يلقيها عليها زوجها الشاعر الروسي بوشكين، الذي يقف امامها . جلست أنا جنبها بهدوء ايضا كي لا أزعجها وهي تستمع الى زوجها  الذي كان يرفع يده اليسرى عاليا  و هو يقرأ احدى قصائده لها خصيصا، جلست بهدوء وبدأت أنظر الى بوشكين وأصغي اليه، ولم التفت الى ناتاليا، كي لا يدعوني زوجها بوشكين للمبارزة، مثلما دعى دانتيس، فأنا لا أقدر (ولا اريد) أن ابارز بوشكين وأقتله مثلما فعل دانتيس، ولا أقدر (ولا اريد) ان ابارزه وادعه يقتلني، وهكذا بقيت جالسا على المصطبة في موقعي ومحافظا على الهدوء دون أن أنظر اليها، كي لا أثير ردود فعل زوجها المشهور بالغيرة...

لم يحدث كل ذلك في المنام، كما قد يظن بعض القراء، وانما حدث في مدينة بودغوريتسا، عاصمة جمهورية الجبل الاسود، او (مونتينيغرو) كما يسمّيها الاوربيون، وهي احدى الجمهوريات الصغيرة (سكانها 620 الف نسمة لا غيرحسب آخر احصاء للسكان لديهم) التي انبثقت في البلقان بعد انهيار دولة يوغسلافيا الاتحادية  كما هو معروف، وقد تم اعلان جمهورية الجبل الاسود في العام 2006 ليس الا، والتي تعدّ في الوقت الحاضر أقرب الجمهوريات روحيّا (مع صربيا) الى روسيا الاتحادية ثقافيا وعقائديا (اذ ان اكثرية سكانها هم من الارثذوكس)، بل انها حتى كانت – في مرحلة من مراحل تاريخها البعيد – جزءا من الامبراطورية الروسية قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي بفترة طويلة جدا، وهناك وقائع و وشائج تاريخية كثيرة مشتركة بين روسيا والجبل الاسود، لا يمكن الحديث عنها هنا بتفصيل.

وفي تلك الجمهورية، وفي عاصمتها، شاهدت نصبا طريفا جدا لبوشكين من البرونز، وهو يقف ويرفع يده اليسرى و يقرأ شعرا لزوجته الجالسة امامه على مصطبة، ويأتي المشاهدون ويجلسون جنبها، ويلتقطون الصور التذكارية معها ومع بوشكين، الذي لا ينظر اليهم، ويستمر بالقاء القصيدة لها . وهكذا جلست أنا ايضا جنبها على تلك المصطبة، وحاولت الاستماع معها الى قصيدة بوشكين...    

النصب الجميل هذا قدمته حكومة موسكو المحلية هدية الى عاصمة الجبل الاسود – بودغورستا عندما وقّعت المدينتان اتفاقا بينهما، وتم تدشين هذا النصب المدهش والرائع  العام 2002، واصبح يمثّل معلما سياحيا وثقافيا متميّزا من معالم تلك المدينة، ويقع في مركزها، وقد تم نصبه بمستوى الشارع تقريبا، بحيث يقدر المشاهد ان يختلط مع بوشكين وزوجته ببساطة، بعد ان يصعد درجتين عن الشارع ليس الا، والنصب يقف على منصة دائرية، ويتكون من تمثال كامل لبوشكين وهو يقف امام مصطبة، حيث تجلس زوجته ناتاليا غانجيروفا، وفوقها يوجد قنديل بنكهة القرن التاسع عشر. والنصب هذا محاط باشجار باسقة وخلفية خضراء تضفي على النصب جمالا خاصا، وامام النصب توجد لوحتان حجريتان، الاولى مكتوب عليها بالروسية، ان هذا التمثال هو هدية من مدينة موسكو الى مدينة بودغوريتسا، ومكتوب على اللوحة الثانية مقطع من قصيدة بوشكين عن سكان الجبل الاسود، ويقول فيها بوشكين، ان نابليون بونابارت سأل مرة من هم هؤلاء، وهل صحيح فعلا انهم لا يخشون قواتنا وقوانا؟ وهي قصيدة تمجّد شجاعة سكان الجبل الاسود . ومن الطريف الاشارة هنا، الى ان جمهور واسع من سكان العاصمة بودغوريتسا (بما فيهم مسؤولون كبار) يجتمعون عند هذا النصب  يوم (6) حزيران من كل عام للاحتفال بيوم ميلاد بوشكين، وكذلك للاحتفال باليوم العالمي للغة الروسية، والذي اعلنته الحكومة الروسية رسميا في يوم ميلاد بوشكين بالذات، ولم يأت هذا الاعلان طبعا بشكل عفوي، اذ ان بوشكين – كما هو معروف - يعتبر واضع اسس اللغة الروسية الادبية الحديثة، ويعدّ ابداعه قمة تطور هذه اللغة والنموذج المثالي لها.

تمثال بوشكين وزوجته ناتاليا غانجيروفا في عاصمة جمهورية الجبل الاسود يعدّ واحدا من أجمل تماثيل بوشكين في العالم (انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في العالم)، ويؤكد مرة اخرى، ان بوشكين هو رمز روسيا الخالد وممثلها الشعبي امام بلدان العالم كافة.

 

أ. د. ضياء نافع  

 

سليم مطرـ آن اوان تمردنا على الحقبة الخليجية ـ السعودية (الوهابية الداعشية) السوداء!

ـ لتستعيد بلدان المشرق العراقي ـ السوري ـ المصري دورها الثقافي والسياسي!

ـ ليصبح من المعيب اخلاقيا وثقافيا ان يتذلل مثقفينا لشيوخ الجوائز وصانعي داعش وناشري التعصب الديني، ومشعلي حروب العراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائر!

ـ الخليجيون يمولون اكبر الجوائز العربية بينما دورهم الثقافي لا يتجاوز الـ 1%.. !!

ـ انهم ينفقون أكثر من 3 ملايين دولار سنويا . قطر وحدها تنفق بـ1.4 مليون دولار سنوياً. بهذا الملايين البائسة يشترون ضمائر غالبية المثقفين العرب. بينما هم يمنحون الهبات مئات المليارات لأمريكا ليشتروا منا ازبال الاسلحة لتغذية حروبنا وخرابنا.

ـ ان اخطر ما في هذه الجوائز، انها مهما ادعت الثقافة والحيادية، فان نتيجتها الطبيعية والتلقائية ان المثقف الذي ينتظرها يطوع ويدجن نفسه ومواقفة وابداعاته، بصورة واعية وغير واعية، بما يتلائم ويرضي الجهات الممولة للجائزة!

منذ اكثر من عشرين عام، تمكنت عصابات شيوخ الوهابية، بالتنسيق مع شياطين الغرب، من السيطرة على العقل العربي عبر ثلاثة طرق:

1 ـ بناء الجوامع الوهابية في انحاء العالم وتمويل أئمة التعصب.

 2ـ السيطرة على الاعلام من صحافة (مثل الشرق الاوسط والحياة والقدس)، وفضائيات (مثل الجزيرة والعربية وباقي فضائيات العهر).

 3 ـ من خلال الجوائز الثقافية التي دجنت المثقفين العرب ودفعتهم للتصفيق والتهليل لشيوخ الظلام، وفي احسن الاحوال السكوت عن جرائمهم.

هذه قائمة بأكبر واغنى الجوائز الثقافية التي يحلم بها غالبية المثقفين العرب ويتذللون لشيوخها:

ـ جائز البوكر: اماراتية ـ بريطانية

ـ جازة كتارا: قطرية

ـ جائزة الشارقة للإبداع العربى: اماراتية

ـ جائزة العويس الثقافية: اماراتية. كانت تسمى نوبل العرب

ـ جائزة اليونسكو-الشارقة (لا نفهم ابدا كيف توافق منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة ان تربط نشاطها بأمارة؟؟؟!!!!)

ـ جائزة الشيخ زايد: اماراتية

ـ جائزة الملك فيصل العالمية: سعودية

ـ جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية: الجامعة الأميركية في الكويت، (لماذا الجامعة الامريكية؟؟؟!!!)

ـ جائزة البابطين/ كويتية

ـ جائز نجيب محفوظ: الطريف والعجيب، ان هذه الجائزة هي الوحيدة المهمة الغير خليجية، لانها تصدر في مصر. ولكن ولكن ولكن، ياللعجب، انها  تابعة للجامعة الامريكية في القاهرة؟؟!!!

                                      *    *    *

الى اخوتنا في الخليج والسعودية. من المهم جدا ان تعرفوا:

نحن ابدا لسنا ضدكم كشعوب، وفيكم الكثير من اصدقائنا ورفاقنا المبدعين الشرفاء والمكافحين، وآخرهم الشهيد (جمال خاشجقي).

نحن ضد شيوخ الدم والتعصب والظلام، كما نحن ضد جميع الانظمة الظالمة في منطقتنا جمعاء.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

اسماء محمد مصطفىحين سمعت أغنية (سامحيني) لعبادي العماري، وللمرة الأولى، استوقفتني، ليس لأنها أخذتني الى عوالم جميلة من الحب وطلب السماح فقط، وإنما لأنها كانت المرة الاولى التي تناهت فيها الى سمعي أغنية عراقية تتناول موضوعة تنازل رجل عن كبريائه واعتداده ليطلب من المرأة الحبيبة السماح، وهو تنازل يمثل قمة الحب ولايقلل من قيمة الرجل كما قد يتصور بعضهم وبعضهن، بل إنه يزيد من اعتزاز المرأة به وبحبه سواء أكانت تبادله الحب وهي هنا تعتز به وتحترمه وتحبه كذلك ام لاتبادله وهي في هذه الحالة تحترم موقفه، ومثل هذا الاحترام من فنان هو قضية إنسانية تستحق مبادلتها بالمثل من الجمهور لاسيما النساء :

" سامحيني

سامحيني يانبع ريحان حبي

الغاركَ بروض المحبة

سامحيني ياملاك الرغبتني

بهالحياة المالي بيهه جنت رغبة

سامحيني ياطلبتي البلعمر

والعمر ينطي البشر بالدنيا طلبه

وآنة رايي آنة رايي

بهالحجاية البيني وبينج بسيطة وموش صعبة

يارخص حبي وغلات اجفاي عندج

يارخص عيني المسجبة

جا نسيتي افلان انه

الماصح ورك وبورد كمتي اتكاتبيني

جانسيتي افلان انه

ذاك الاجي ولو جو هلج

تحت العباية اتلبديني

جا نسيتي امرار ماجي

ومثل جية المفصلة لمن تجيني

ها ترى جدم الصخر لان وتكلم

وهم صخر لو جان كَلبج كلميني

كلميني بعد مابياش اكَلج سامحيني

واخجل النفسي وسمعتي

لني واكَف بين اديج اتوسلج وتحاسبيني "

 

وحين أطلعت على سيرة عبادي العماري (عبادي هاتو فياض المحمداوي) الذي ظهر في ستينيات القرن العشرين ليكون أبرز مطربي الأغنية الريفية لم استغرب أن يغني"سامحيني"، فهو من مدينة العمارة / المجر، المسكونة بحب الفن والجمال، لاسيما إنها قريبة من عالم الأهوار الساحرة، وللمرأة دور في الحياة الاجتماعية والعمل والكفاح الى جانب الرجل، لذا اكتسبت مكانة اجتماعية، حيث المجتمع أكثر انفتاحا وأقل تعصبا، ولم تكن مهمشة تماما كما كنت اتصور. وهذه المعلومة عن مكانة المرأة في المجر عرفتها من خلال زوجي المجراوي، فأنا بغدادية ولم أحتك بمجتمعات جنوبية قبل زواجي ـ ومع ذلك كان هناك بعض الممارسات والأعراف المرفوضة التي أخذت تتقلص مع إتساع مساحة الوعي، ومن هنا تأتي أهمية الأصوات الفنية التي نادت ومنذ عقود بالانتصار للمرأة ضد الممارسات المسيئة، وليس التغزل بها فقط، ومنها صوت المجري عبادي العماري الذي كان مطربا ذا موقف ولايغني لمجرد حب الغناء، فقد دافع عن المرأة ضد الظلم ومن ذلك تقديمها ثمناً لتسوية الفصول العشائرية وله عن هذه العادة غير الإنسانية أغنية بعنوان (فصلية) أداها عام 1973 . يقال إنّ من كتب كلماتها هو الشاعر الشعبي ناصر محسن الساري :

"جابوها دفع للدار لاديرم ولاحنه ولاصفكَه ولادف النعر بالسلف لاهلهوله لاملكَه

سالت الناس عن قصة هالبنيه شعجب جارو عليها بغير حنيه

ورديت بكَلب حزنان من كَالوي فصليه

العنت ظلم التقاليد بالف حركَه عمنهه الاخضر الهرفي بسعر اليابس تحركَه

احديثه اتكول حوريه بربيع العمر مياله حرام ادموعهه الطيبات عالخدين همالهه

وين العطف والرحمه يفصاله لاسوت ذنب لاهيه جتالهجاهيجي حكم ديوانك المهيوب ودلاله علي تحرم فناجينه وكهوته وكعدت ارجاله

غصبتوها ظلمتوها حرمتوها هضمتوها وهبتوها لشخص ظالم حتى من العقل ما يملك اوشاله

يحاجيها بدفرته وكَال فصليه عساها ابخت من فصلوا واطو مهرة الفارس لوادم ماهي خياله

وحوبتها وراهم دوم تحركَهم بكل شهكَه

تتحسر تدير العين محد يرحم الشكوى اسيره تكَول جابوها بلارحمة ولاسلوى

ياديوان السلف بسك فحطنه من الفصل والثار والنهوه " .

 

كتب عن عبادي العماري باحثون ومنهم الباحث الراحل قاسم موسى الفرطوسي الذي وثق حياة العماري وذكر (أن عبادي من عائلة فقيرة وولد عام 1941 في كوخ من القصب والبردي ... تأثر بماشاع في الأهوار من أغانٍ فضلا عن تأثره بمطربي الريف الرواد كجويسم كاظم وسيد محمد وسلمان المنكوب وصالح الحمراني ومسعود العمارتلي، وغنى الهجع والبستة في مرحلة المراهقة . هاجرت العائلة الى بغداد عام 1958 وسكنت في منطقة شعبية اسمها الشاكرية فأتيحت له فرصة الغناء في (الشاكرية والميزرة والوشاش) ومن ثم مدينة الثورة سابقا، وفي بغداد التقى عبادي العماري برواد الطرب وتعرف عليهم امثال داخل حسن وحضيري بوعزيز وناصر حكيم وغيرهم الذين سبقوه الى الإذاعة والتلفزيون وعندما ذاع صيته أصبح مطربا معروفا تلاقفته مكاتب التسجيل في بغداد والمحافظات لاسيما بعد أن شكل ثلاثيا مع الشاعر عباس الخياط (صاحب تسجيلات الخيال) وعازف الكمان الشهير فالح حسن فغنى لعباس الخياط عشرات الأغاني ومئات الأبوذيات وكذلك غنى لمعظم الشعراء الرواد بالرغم من كونه شاعرا شعبيا حيث كانت أغانيه من نظمه وكانت موجهة وهادفة ضد العادات والتقاليد الاجتماعية والدخيلة على عاداتنا الاصيلة).

توفي العماري في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بعد رحلة غنائية تمتد لأكثر من ربع قرن تاركا وراءه أغاني ومواويل مازالت ماثلة في ذاكرة مستمعيه الى جانب أغنيتي "سامحيني " و"فصلية" كـ " سليمة، بيَّن ماعندك وفه، قطار الشوق، لابالنجف لابالكوت، بت جبار، دكتور، الريم الأسمر، الشدة هينة تصير بمعاضد هواك، دار أهلي الزهية، عزاز والله أنتم علينا، ياعيني شو نمتي، شالو احبابك، إذا قال فيك الناس، وياي أخذ صورة، عرفنا أسباب زعلتكم علينه، توبة نتوب لا هايه بعيدة، هاك اسمع "، تلك الأغاني والمواويل والأبوذيات التي تمثل إرثا فنيا يستحق الاحترام والإشادة والحفاظ عليه بصفته صفحة مشعة من صفحات التراث العراقي الأصيل .

 

أسماء محمد مصطفى

 

شاكر فريد حسنأملي مرعي أبو جبل يمامة جولانية/ سورية، غزت عالم الشعر، وغردت فوق أشجار الكرز والتفاح، وهدلت بأغاني الحب، وهمس النجوم والقمر.

إنها مزدانة ومرفرفة باجنحة الفراشات المحدقة بعيون الظبيات في فضاء العنادل، تحمل ربة الشعر، وتغازل آكام النرجس والياسمين، وتتدفق رقة وحنانًا وبساطة وألفة، ترسم الضياء، وتزرع دروب العشق بالدموع.

هي موهبة شعرية مزهرة نضجت على نار هادئة، وشعرها عطر فواح متنوع الأغراض والرؤى، تمتلك روح الشعر وتصنع لنا قلادة قلم من حروف وكلمات حريرية وصور زاهية الألوان والأصباغ تزين بها أحاسيسنا وصفحات قلوبنا، التي تهفو لسماع نبضات فؤادها وآهاتها وخرير شلالاتها المتدفقة بكل ما هو جميل وانساني.

لقد شدتني منذ فترة بعيدة نصوص أملي مرعي الشعرية التي تقريتها في عدد من المواقع الالكترونية السورية، وعلى صفحتها على الفيسبوك، ووجدت فيها دفء الاحساس، ونبض الروح، ولغة العشق، والايقاع الموسيقي، والرومانسية الجميلة الحالمة، وكثافة النص، وشفافية التعبير، ورقة الهمس وصدق البوح والدفقة الشعورية. وهي نصوص نثرية تنهض على لغة الشعر الصافية الرائقة الطازجة المدهشة، فلنسمعها في هذا النص الجميل الرقراق العذب، الممتلىء بعبق الورود وعطر الريحان ، الذي يختزل بكل ما في صدرها وأعماقها من عواطف جياشة ونبضات قلب وخلجات وجدان، إلى حيث نشوة الروح وملكوت النفس، حيث تقول:

ليكتملَ صباحي

اقرأْني قُبلةً قُبلة

وأنا اقطُفك

وَردةً وَردةً

وهكذا

نُعيدُ بِناءَنا

من جَديد

أنت وانا ودائرة

من الولهِ

تلُفّنا بِجناحيّ

اللّهفة

أشهقُكَ وَردًا

من القلب

وتزفُرني عطرًا

من الوريد

واللافت في كتابة أملي هي المهارة الوصفية الشعرية، وانسيابية معانيها وكلماتها التي تتدفق بسلاسة تشتمل على التصوير التعبيري بفنية لفظية بادية للعيان، ولغتها الوردية الدافئة والاستدراجية الحية، وجرأتها في التعبير عن مشاعرها، وهذا ما نلمسه في هذا النص:

سَتبقى مائي النَديّ

الّذي يُبَلِّلُ صَحراءَ روحي

والّتي لَم تَشعُرْ قَطّ

بِمُتعَةِ هُطولِ الغَيثِ الأوّل

إلّا مِن خِلالِ مُزنِكَ الحامِلَة

ذَبذَبات الفَرَحِ المُشتَهى

أملي مرعي تسبح في ملكوت الابداع، وتحمل قصائدها المكثفة عبقًا ذكيًا، ونسمات مع حروفها ونصوصها الخصبة الموشاة برضاب الشوق والحنين، والأحلام الوردية، والهواجس الداخلية العميقة، التي تحفر أخاديد عميقة في وجداننا، وما قيمة القصيدة التي لا تعانق الروح والوجدان وتمس العواطف والاحساس ونبض القلب..؟!!!

ومن يقرأ وجدانيات أملي مرعي يطرب لها ويترنم مع كلماتها وايقاعاتها ومعانيها الأخاذة وايحاءاتها البعيدة، ويهيم ويحلق ويحيا في أجوائها وشطحاتها الرومانسية، وبين صورها الشعرية الأنيقة، ويرشف من ينابيع الالهام ، ويستمتع وينتعش من أريجها العابق المضمخ بالحب والدفء والسحر والجمال.

فهي تملك ناصية اللغة وقادرة على اختيار المفردات والكلمات والمعاني العميقة الخلابة المترعة بعوالم الرومانسية التي لها وقع على نفسية القارىء ومشاعره الخاصة ولواعجه الذاتية، ولنقرأ لها قائلة:

انتَظِرُكْ

وَحَساسين قَلبي

تَأبى الرُكود

تُزقزِقُ دونَ هَوادَة

تَقتاتُ علَى هَمسات

الأمسِ

تَلتَقِطُ المُفردات

حَرفًا حَرفًا

تُبَلّلها بِرضابِ الشّوقِ

وَعُصارَةِ الَّلهفَة

تَبتَلِعُها ثانِيةً ثانِيةً

وَتُخَبِّئُها لِلغَدِ

قوتًا وَزُوّادَة

وغني عن القول أن ما تكتبه أملي هي ومضات شعرية فيها بوح ومناجاة، وترنيمات عشق في قمة الشفافية والرومانسية، تحفل بالرشاقة والسلاسة والجمال الشعري والتصويري والايقاع الهادىء الذي يبعث الراحة في النفس والصفاء في الذهن، وتقدم لنا شعرًا نابضًا بالحياة والعواطف المؤثرة والاحساس الوجداني الجمالي، بنبرة هادئة، أنيقة راقية، تتسلل في ثناياه الحنين المتألم والعذوبة الناعمة:

بينَ الهَمسةٍ والهَمسَة

ألّفتُ لك فَقرةَ حُبٍّ

لِتكونَ تَعويذةً لِعَينيكْ

تَقيكَ مِن إعصارِ قَلبي

وَمِن لَهفَتي المَجنونة عَليكْ

وفي النهاية لك شاعرتنا المرهفة أملي مرعي أصدق التحيات مع أطيب الأمنيات بالمزيد من الابداع والعطاء والتألق أكثر.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنفريزة عوض العطية صوت شعري دافىء وواعد مفعم بالحب والانسانية، يأتينا من ربوع الشام، من سورية الحبيبة، ويحمل عبقًا خاصًا وجمالية شعرية، مشبعًا بالايحاءات، في صياغة العبارة وتركيب جمل النص، ومن رومانتيكية اللغة، ورومانسية البوح والتعبير. وتسحرنا بمضامينها وصورها ولغتها المنسابة، التي تقنعنا أن اللغة ليست وسيلة فقط.

فريزة العطية تنتمي الى قصيدة النثر، وجل قصائدها ذات اتجاه عاطفي، ولا تخلو من الروح الوطنية. وتتمحور حول قضايا وجدانية وعاطفية وانسانية، تعكس وتجسد مشاعرها الذاتية الدفينة وأحاسيسها الصادقة المتأججة في قلبها ونفسها.

ونصوصها نثرية باسلوب شعري شائق يخلو من الديباجة اللغوية الفارغة، تتوهج فيها اللغة.

فريدة العطية اقتحمت عالم الشعر منذ سنوات، ونشرت نتاجها في عدد من مواقع الشبكة العنكبوتية، وعلى صفحتها الخاصة في الفيسبوك، وصدر لها في العام الماضي ٢٠١٧، عن منشورات دار فلستينا/ الشجرة، مجموعة شعرية حملت عنوان " كلنا من ورق ".

تحمل قصائد فريزة العطية المعاني الوجدانية والعاطفية والانسانية، ويطغى عليها الصوت الانثوي الناعم اللطيف، وتحاكي الحب والجمال والحياة والواقع والطبيعة الخضراء الساحرة والكون والمطر والوطن الذبيح.

تمتاز بجيشان العاطفة، والاحساس المرهف، والعفوية الجميلة، والبوح الشفاف، والشحنات العاطفية الملتهبة المتشظية، فضلًا عن البساطة الآسرة، وسهولة الألفاظ، وعذوبة الكلمات، واللغة الحية الرشيقة المتدفقة. فلنسمعها في هذا النص المكثف المعنون " برق ولا مطر "تقول:

ما حال برقك؟

مر " وميضا " قي سمائي واختفى ...

فلا تهاطل على الروح قطرة

ولا نادم كؤوس القلب واحتفى

وهذا الغدير الذي

هيأت لك ضفافه

عكر الغياب ماءه وما صفا

حتى العناق اليتيم الذي ضمنا

ما ارتوى منه العليل ولا شفى

فما أقول لنصل الأشواق يلكؤني

وكلما أغمدته

استله الحنين

دمعة " على الهدب طفا

سأنكر قلبي ثلاثا "

وقبل صباح الفجر

إن سعى اليك ولو طوافا " وهفا

فريزة العطية شاعرة تحلق باجنحتها وتعبر بنا الى فضاءات لا حدود لها، وتخترق عوالمنا ووجداننا بالنص الرهيف والحلم الذي يدغدغ أحلامنا، وتأسرنا باحساسها الدافىء النابض بالحياة، المتدفق شلالات من نغم الروح وارتعاشات الوجدان، والخيال الخصب، والرؤى الحالمة، والصور الشعرية الأخاذة.

فأجمل التحيات لشاعرتنا السورية النامية التي وضعت قدميها في واحة الشعر، وتمنياتي لها بمستقبل شعري واعد، ومزيدًا من العطاء والتألق، والى الأمام.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

خالد جودة احمدالإنسان الفاهم لقواعد الاقتصاد حقًا هو من يحافظ على أصدقائه، فالاصدقاء موردًا يعد شديد الندرة، بمعنى أن بعض الناس قد يقضون حياتهم بحثًا عن هذا الصديق دون أن يجدوه، بالتالي حقيقة المشكلة الاقتصادية الوجدانية تتمثل فى كيفية احسان استثمار الموارد المتاحة والتى تتسم بالندرة، وهذا كلام يحتاج إلى تفصيل.

بداية تتعدد أنواع الموارد الاقتصادية حسب مفهومها الواسع إلى موارد طبيعية هبة من الله تعالى للبشر، وموارد بشرية تتمثل فى قوة العمل، ورأس المال الذى يعنى تراكم السلع والخدمات من العميلة الانتاجية وتسمى أيضا "الموارد الصناعية"، والانتاج ما هو الا التشكيل لمنافع اقتصادية بتحويل الموارد الطبيعية الغير صالحة للإشباع الإنسانى إلى موارد انتاجية صالحة لهذا الاشباع بواسطة العامل الإنسانى، من خلال مدخلات ممثلة فى الموارد الطبيعية والموارد البشرية ثم التشكيل (المعالجات) لنحصل على المنتج النهائى ممثلا فى السلع والخدمات (الموارد الانتاجية)، أما الاستهلاك فيعنى تدمير المنافع الاقتصادية الكامنة فى السلع والخدمات أي استعمالها فى الإشباع الانسانى.

أما ملخص تلك العملية من وجهه نظر اقتصادية وجدانية في بنود موجزة:

- أي إنسان فى حاجه إلى الشعور بالمحبة والاهتمام والتقدير من الآخرين وتلك حاجه انسانية غير مشبعة يسعى الانسان لاشباعها بتكوين مورد الاصدقاء.

- فى الحياة الاقتصادية تتسم الموارد بالوفرة، أما الأزمات الاقتصادية فتنشأ  أساسًا من سوء استغلال تلك الموارد وسوء توزيعها أيضًا، أما فى الحياة الوجدانية فالصورة عكسية حيث نجد ألوانا شتي من الموارد مثل المحبة والرضا وأشد تلك الموارد ندرة "الأصدقاء".

-على النقيض فالاستهلاك الوجدانى ليس تدميرا لمودة الصداقة اذا كان الاستثمار فى اشباع احتياجات المرء النفسية، ويكون الاستهلاك تدميريًا إذا لم تحافظ على موردك بمقابلة ود صديقك بود مماثل، أو إذا استغللت عطائه لك فاعتصرته اعتصارا ناسيًا تماما حقه عليك، ولعل المثل الشعبى يصف ذلك فيقول: "اذا كان حبيبك عسل فلا تلحسه كله"، فالاستهلاك الوجدانى الذي لا يؤدي للتدمير بل علي العكس، يعنى التمتع بصفاء الود وحسن التأييد وسلامة النية وصدق النصيحة من الصديق.

- وهنا تتضح قيمة الصداقة الوجدانية الاقتصادية، حيث الفقر الحقيقى هو ألا يكون للإنسان الصديق الصدوق الناصح الأمين علي صديقه، بالتالي تظهر المشكلة الوجدانية فى كيفية استثمار الموارد المتاحة على البدائل المتاحة والمتعددة حسب سلم تفضيل معين أي حسب أولويات محدده، لذلك يستخدم أسلوب التشغيل المناسب للعمل على المدخلات فى حياة الإنسان من الناس الذين يتعامل معهم، من خلال النص الشريف "الدين المعاملة"، أى إحسان معاملة الناس لاكتساب مخرجات مهمة من أسلوب التشغيل بالخلق الحسن وهم "الأصدقاء"، وهناك أدبيات كثر تدور حول أسلوب المعالجة المعتد به، نموذجًا المثل العربى: "تناسى مساوئ الإخوان يدم لك ودهم"، والشاعر العربي: (ولست بمستبق أخ لا تلمه علي شعث / أي الرجال المهذب) أي الصديق الذي اكتملت خصاله فغدي مهذبًا للغاية، ويصف مثلا عربيا آخر حالة الفشل الاقتصادى الانتكاسى الذريع فى تكوين هذا المورد الوجدانى فى حياة الناس فيقول: "الضعيف من ضعف عن اكتساب الإخوان وأضعف منه من ضيع من اكتسبه منهم".

 

خالد جوده أحمد