محمد صالح الجبوريالعرب اهتموا بذكر الديار والأطلال والاحبة في اشعارهم، وحكاياتهم، فهي أماكن الطفولة والصبا والذكريات الجميلة، لها مكانة في القلوب، تثير الشوق والحزن والبكاء، وخاصة عندما يغادرها الانسان مجبرا، وهذا الشاعر يقول :-

يا دار مية بالعلياء فالسند

اقوت وطال عليها سالف الابد

واخر يذكرنا بالاحبة الذين سكنوا الديار وكانت منازلهم في الماضي

قفا نيك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

الديار التي نشتاق إليها ليست القصور المنيفة المطلة على البحر، التي تتوفر فيها وسائل الراحة الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي والانترنت، وجنات من أعناب وتين وتخيل وزيتون، وحدائق بأنواع الورود، وسيارات فارهة، الديار مبنية من الطين، لكن لها نكهة وطعم خاص، تحمل طيبة اهلها وكرمهم وصفاء النفس،

وذكروا الحبيب بخطاب جميل، محبة الحبيب مقترنة بحب الديار، فقال شاعرهم:-

يا دار عبلة بالجواء تكلمي

وعمي صباحا يا دار عبلة وأسلمي

الشوق إلى الحبيب والديار بصورته الجميلة والمشاعر اللطيفة، والاحساس المرهف، في قول الشاعر:-

أمر الديار على الديار ديار ليلى

وأقبل ذا الجدار و ذا الجدار ا

وما حب الجدار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

ويبقى العربي يحن إلى الحبيب والديار(حنين الناقة)، وتبقى الديار عزيزة على اهلها، ومن الصعب أن يتركها الانسان الا لظروف قاهرة، ويقول الشاعر:-

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

لكن أخلاق الرجال تضيق

المحبة والشوق في القلب، والإنسان تعلم على الحب منذ نعومة أظفاره، محبا للخير، والكرم والشجاعة، ومساعدة الناس، والعيش بأمان وسلام، ما اجمل لغة التسامح والعفو والمحبة، والتواضع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

 

محمد عبد الكريم يوسفهل جربت يوما أن تعيش بلا أمل؟

هل خطر ببالك أن تعيش يوما بلا طموح أو رؤية أو رسالة؟

هل جربت يوما طعم المرارة واليأس؟

هل خطر ببالك يوما في لحظة يأس أن تطفئ النجوم حزنا على حبيب؟

ربما كان الرحيل الأول لأبينا أدم وأمنا حواء واصطدامهما بصخور هذه الأرض هو أول ألم يعانيه الزوج المقهور ثم يأتي شظف العيش و قسوة الحياة ومرارة الأيام ليكمل حكاية الأمل والألم التي يعيشها الإنسان منذ الخروج الأول في سفر الحياة الأبدية وتجرع لحظات التعب وطعم العلقم وألم الجراح . ثم تبدو الحياة وكأنها رحلة العبث تنبع من عدم لتنتهي إلى عدم ويظن المرء في هذه الرحلة أنه وحيد .

يخطر ببالك أن الحياة رحلة ألم لا ينتهي أو أن القدر لا يريد لها أن تنتهي . وتنسى أن أجمل لحظات العمر هي التي رافقها ألم وأنك لا يمكن أن تزيل الألم من حياة الناس إلا بعد أن تمر برحلة تتألم فيها كثيرا ثم تتعافى وتشفى من رحلة الشقاء الأبدية .

وحده الأمل ... والألم هو من يعيننا ويساعدننا في التغلب على الشقاء . وحده الأمل ...والألم من ساعد المجنون في حبه لليلى . وحده الأمل ...والألم من ساعد الأنبياء على السير قدما في رسالاتهم .وحده الأمل ...والألم من ساعد المكتشفين والمخترعين والمستكشفين للتغلب على الصعاب ومغالبة الضنى والعذاب والشقاء والتجارب والاحتمالات .

يحكى أنه في الأساطير الإغريقية حكاية بندورا التي تعيش مع زوجها في جنان الأرض بلا همّ ولا خوف . وفي يوم من الأيام أراد زيوس أن ينتقم منها فبعث إليها بصندوق من الخشب المطعم الثمين واشترط عليها ألا تفتحه إلا بإذنه .

وحيث أن الإنسان عدو ما يجهل بدأت بندورا رحلة التساؤل عما يحتويه الصندوق وصعب عليها أن تصبر قليلا . حاولت أن تفتحه أكثر من مرة لكنها لم تستطع وزاد فضولها أنها سمعت من داخله أنين أصوات غريبة . وفي لحظة من لحظات الفضول الجارف ألقت الصندوق على الأرض فانكسر وانطلقت في أجواء الغرفة خفافيش مجنونة هوت على بندورا وأوسعتها عضا بمخالبها الحادة . يعضها الأول صائحا " أنا المرض " ويعضها الثاني مناديا " أنا الفقر " ويهاجمها الثالث باعقا " وأنا الجوع " والرابع قائلا " وأنا النفاق " والخامس مناديا " وأنا القحط" والسادس هازجا " وأنا الذل " وكأنها في حفلة هرج ومرج . حاولت بندورا أن تغلق الصندوق لكنها لم تستطع وفي النهاية أغلقته فقط على الروح الطيبة الوحيدة المسكينة الساكنة بهدوء داخله " الأمل " . ثم سكنت بندورا طريحة الفراش على السرير تتألم وتلملم جراحها الكثيرة في حين انطلقت الخفافيش في الفضاء الواسع توزع البغضاء والنميمة والحقد والنفاق والقحط والجوع والمرض والفقر على الناس . وحين عاد الزوج مساء إلى المنزل فتح الصندوق مرة ثانية ليعلم ما حدث لزوجته الحزينة فانطلقت منه الفراشة المسكينة ترفرف فوق بندورا تلثم جراحها وتداويها وكانت " فراشة الأمل " .

ومنذ ذلك اليوم ترفرف فراشة الأمل فوقنا، ترافقنا في حياتنا وتأسو الجراح .

ويحكي أن فتاة مريضة ﺳﺄﻟﺖ ﺃﺧﺘﻬﺎ : ﻛﻢ ﻭﺭﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ؟ ﻓﺄﺟﺎﺑﺖ ﺍﻷﺧﺖ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺑﻌﻴﻦ ﻣﻠﺆﻫﺎ ﺍﻟﺪﻣﻊ: ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺴﺄﻟﻴﻦ ﻳﺎ ﻋﺰﻳﺰﺗﻲ؟ ﺃﺟﺎﺑﺖ ﺍﻟﻄﻔﻠﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ: ﻷﻧﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺃﻳﺎﻣﻲ ﺳﺘﻨﺘﻬﻲ ﻣﻊ سقوط ﺃﺧﺮ ﻭﺭﻗﺔ . ﺭﺩﺕ ﺍﻷﺧﺖ ﻭﻫﻲ ﺗﺒﺘﺴﻢ: ﺇﺫﻥ ﺳﻨﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺤﻴﺎﺗﻨﺎ ﻭﻧﻔﻌﻞ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻧﺮﻳﺪ .

ﻣﺮﺕ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﻭﺍﻟﻄﻔﻠﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ﺗﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺤﻴﺎﺗﻬﺎ ﻣﻊ ﺃﺧﺘﻬﺎ، ﺗﻠﻬﻮ ﻭﺗﻠﻌﺐ

ﻭﺗﻌﻴﺶ ﺃﺟﻤﻞ ﻃﻔﻮﻟﺔ ... ﺗﺴﺎﻗﻄﺖ ﺍﻷﻭﺭﺍﻕ ﺗﺒﺎﻋﺎً ﻭﺑﻘﻴﺖ ﻭﺭﻗﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ﺗﺮﺍﻗﺐ ﻣﻦ ﻧﺎﻓﺬﺗﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﻇﻨﺎً ﻣﻨﻬﺎ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺘﺴﻘﻂ

ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺳﺘﻨﺘﻬﻲ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺮﺿﻬﺎ .

مر ﺍﻟﺨﺮﻳﻒ ﻭﺑﻌﺪﻩ ﺍﻟﺸﺘﺎﺀ ﻭﻣﺮﺕ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﻟﻢ ﺗﺴﻘﻂ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﻭﺍﻟﻔﺘﺎﺓ ﺳﻌﻴﺪﺓ ﻣﻊ ﺃﺧﺘﻬﺎ

ﻭﻗﺪ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺴﺘﻌﻴﺪ ﻋﺎﻓﻴﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﺣﺘﻰ ﺷﻔﻴﺖ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﻣﺮﺿﻬﺎ .

ﺍﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﺃﺧﻴﺮﺍً ﺃﻥ ﺗﻤﺸﻲ مشية طبيعية، ﻓﻜﺎﻥ ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ ﺃﻧﻬﺎ ﺫﻫﺒﺖ ﻟﺘﺮﻯ ﻣﻌﺠﺰﺓ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﺴﻘﻂ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ، ﻓﻮﺟﺪﺗﻬﺎ ﻭﺭﻗﺔ ﺷﺠﻴﺮﺓ ﺑﻼﺳﺘﻴﻜﻴﺔ ﻣﺜﺒﺘﺔ ﺟﻴﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ، ﻓﻌﺎﺩﺕ ﺇﻟﻰ ﺃﺧﺘﻬﺎ ﻣﺒﺘﺴﻤﺔ ﺑﻌﺪﻣﺎ أدركت ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ أختها ﻷﺟﻠﻬﺎ ..

والكتب والقصص التاريخية حافلة بالقصص عن الأمل وأهميته في حياتنا رغم أنه دائما مجبول بالألم . هناك جمل تستوقفنا دائما في الروايات والقصص لأنها تختصر الحزن الإنساني بكلمات صغيرة وهنا سأورد بعضا منها :

" هنا يكمن سري. إنه بسيط جدا. إنه هذا القلب الصغير الذي يستطيع أن يرى أشياء لا تراها العين ." (قصة الأمير الصغير).

" يمكن أن نجد السعادة والأمل في الأوقات المدلهمة إذا تذكرنا أن نشعل النور ." (قصة هاري بوتر وحجر الفيلسوف) .

" عدني أن تتذكر دائما: أنك أكثر شجاعة مما تعتقد، وأنك أقوى مما تبدو عليه، وأنك أذكى مما تظن نفسك ." من حوار كريستوفر روبن مع بو . فيجيبه (بو) قائلا: " لا أشعر أنني أشبه بو اليوم." فيعلق بيغلت (الخنزير الصغير) قائلا : " هناك هناك...وأنا لن أحضر لك الشاي والعسل حتى تصبح قويا ." (قصة ويني الدبدوب)

" داخلنا يوجد الأمل . داخلنا يعيش الخوف . داخلنا تسكن المغامرة . هناك في داخلنا شيء متوحش ." (قصة أين تسكن الأشياء البرية)

" لا تفعل أنصاف الأشياء. افعل الأشياء كاملة إذا كنت تريد أن تنجح . كن شجاعا مسكونا بالأمل . وتأكد بأن كل ما تفعله كامل وخارق للمألوف." (قصة ماتيلدا)

" شاركت سمكة قوس قزح الماء حراشفها اليمينية واليسارية . وكلما أعطت أكثر شعرت بالسعادة الغامرة أكثر . وعندما امتلأ الماء الذي يغمرها بالحراشف اللامعة، شعرت سمكة قوس قزح وكأنها في بيتها وبين أهلها ." (قصة سمكة قوس قزح)

" لا يمكن أن يبدو صاحب الأفكار الطيبة قبيحا . قد تمتلك أنفا كبيرا وفما مجعدا وذقنا طويلة وأسنان متلاصقة نافرة ومقززة إلا أن الأفكار الطيبة تخفي كل العيوب وتشع من الوجه مثل نور الشمس بحيث يبدو صاحبها جميلا ." (قصة التغريدات)

" في اللحظة التي تشك فيها أنك غير قادر على الطيران ستتوقف عن القدرة على الطيران ." (قصة بيتر بان)

والآمال تختلف طولا وعرضا من شخص لآخر وتختلف ألوانها وزخارفها . هناك من يتعلق بالنجوم وهناك من يمخر عباب المحيط وهناك من يؤسس لفكر يتبعه مئات الملايين وهناك من يحرق السفن خلفه وهناك من يحارب قوى الإرهاب حتى لو اجتمعت عليه مئة وأربعون دولة مثل بلدي الحبيب سورية والآمال ألوان قد تكون كاسحة وقد تكون كسيحة وقد تكون وقحة وقد تكون كلها تحدٍ .

والأمل يمنحنا القوة لنستمر رغم امتزاجه بالألم في كثير من الأحيان . الأمل الايجابي الخصب الخصيب هو ما يستحق أن نذبح له قلوبنا ....قلبي وقلبك...لأننا محكومون بالأمل والألم ....

ألستم معي في ذلك ؟

 

شاكر فريد حسنلا شيء يشبهني

منفاك قلبي و سر اشتعال

أنا من يدفع فاتورة ضعفي

و هذه الدموع التي تمنحك السعادة

تمطرني وابلًا من سجيل

ليبعثرني ذاك التمرد

فلِمَ تقرُّ أنَّ السنابل حبلَى

بألف ألف اشتهاء ؟؟؟

2

لا شيء يشبهني

رُبَّما أرتعّش قبل انكساري

رُبّما سأدرك مساحة الفّراغ

ذات وقت أتقمَّص دور ليلى

المنهكة من التشظي....

عامان و السنبلات تلتحف الأخضرَ

أليس هروبك محض إرادة

ألا ترى اختيارك قتلي تموسقه

نبضك غائب تلك قناعة أبدية

أم تجبَّر ... يا وجه الرحيل

.....3

لا شيء يشبهني

القصيدة الثرثارة موبوءة بالعطش

و تزمجر تطلق أبواق الريح

منتصف الليل بعد هروب القمر

و تنذر بفجر لا لونَ له

و كم من حرف

على السطر يرثيَ!!

في جوفها المشتعل لهبًا ؟

4

لا شيء يشبهني

وردة صفراء عابثة

تجهض ألف بسمة

ترفع حدود الخوف . تستفتي الريح

أيتها القصيدة الحبلى

في نطف الأنا

وشم الكبرياء . باهت اللون

فمنذ بضع ألم

وأنتِ لستِ أنا !

5

لا شيء يشبهني

تحول .. انصهار .. تشتت

في ساحات الصمت اغتراب

فجأة رحلَ

و تُهتُ بعدها حتى نهاية الطريق

لم يقل شيئاً و القلب حزين

و شفتي تشكو سِرَّ القُبلة الأولى

لم أكن أصغي ؟؟ لصوت الريح

مضَّمخة أنا بعطر الفراق

بدتْ خرساء شّهقتي

لم أعد شهرزاد و مات شهريار.

راقني هذا النص الشعري الأخير للشاعرة السورية ليلى الصيني، ابنة حمص التي تكتب روحها ونبض قلبها ومشاعرها في قصيدتها. فقد غرست مخالب أنوثتها في عنق أنفاسه، ونقشت عشقها على صفحاتها، وغرقت في بحور آهاته، وشهقة الآه بين زفراته احتلت أنفاسها حد الثمالة، وتسلل همسه الى قلبها، فباغتها شهريار الذي انصهرت فيه حد الذوبان ، لكنه يموت وتبقى شهرزاد وقلبها يقطر حزنًا، وشفتيها تشكو سر. القبلة الأولى.

في هذا النص الذي اختمر على نار هادئة، يتجلى ابداع ليلى الصيني في الالهام والبوح الشفيف والرقة ومعانقة الحرف والتلاعب بالالفاظ، فضلًا عن الايحاءات والكثافة وجمال الصياغة والايقاع الموسيقي والطرح العفوي والاسلوب الهادىء واللغة العذبة الماتعة والصور الشعرية المميزة.

فنصوص ليلى مبعثها خلجات النفس الحرى والروح الرهيفة والوجدان الرقراق، وهي تفوح بالشذا والعطر، وتأسرنا بعاطفتها الجياشة واحساسها المرهف وعشقها النقي .

وككل قصائدها نستشف العاطفة القوية، فهي انسانة مرهفة الحس، عاشقة ومحبة ومتلهفة للتوحد مع الرجل.

ليلى الصيني تمتطي صهوة الشعر النثري بجدارة، مستخدمة الالفاظ والتراكيب الموحية، وتبدو من خلال قصيدتها " شهرزاد" جياشة المشاعر، رقيقة العواطف، مرهفة الاحساس، وفية لحبها وللقيم والأفكار التي تؤمن بها.

ومجمل القول أن قصيدة " شهرزاد " لليلى الصيني تلامس الشغاف وتمنح النشوة والمتعة والدفءالشعري، وهي ذات بعد جمالي وفني، وفيها من النثر والحداثة ما يثري الفكر ويصنع الدهشة لدى المتلقي.

انها شاعرة حالمة تؤمن بالكلمة قبل أن تبوح وتصرح بها.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

مادونا عسكر"فَإن رُمتَ الحُضورَ اليومَ لا تُغفِلهُ يا حَافِظ

متَى ما تلقَ من تَهوَى دَع الدُّنيَا وأهمِلْهَا" (حافظ الشّيرازي)

في هذين البيتين للشّيرازي تجسيد لمعنى اللّقاء بالحضور والاستغناء به عن كلّ شيء في سبيل بلوغ تمامه. كما أنّ هذين البيتين يحملان في عمقهما اختباراً عشقيّاً عبّر عنه الشّيرازي بالحضور واللّقاء والتّخلّي عن الدّنيا والاتّحاد بالحبّ. فالحضور أوّل شرط من شروط الاتّحاد بالمحبوب

من يفهم حقيقة العشق الإلهيّ ويعي أنّ الله حبّ فلا بدّ من أن يدرك معنى الاتّحاد بالله. وإن لم يخلص بنا هذا العشق إلى الاتّحاد بشخص الله، فذاك يعني أنّ بيننا وبينه هوّة كبيرة، وأنّ هذا العشق أقرب إلى الوهم. فالحب حالة تفترض التّفاعل بين شخصين، وتنمو هذه العلاقة تدريجيّاً حتّى تبلغ ذروتها بالاتّحاد الكيانيّ. وإذا رفضنا مبدأ الاتّحاد بالله فنحن ننزع عن الله جوهر الحبّ، لأنّ الله الحبّ يمنح ذاته للإنسان فيكون الحبّ فعلاً إلهيّاً. وبين الفعل الإلهيّ، إن جاز التّعبير، وردّ الفعل الإنسانيّ لقاء حميم يختبره العاشق دون سواه، ويصعب التّعبير عنه تماماً لأنّه علاقة إلهيّة إنسانيّة تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. إنّ بقاء مفهوم الحبّ الإلهيّ عند حدود تطبيق الشّرائع والالتزام بفروض الصّلاة والواجبات الطّقسيّة يندرج في إطار العاطفة أو الخوف. فقد يطبّق الإنسان الشّريعة خوفاً أو حبّاً لكنّ هذا الحبّ يبقى على مسافة بين العلو والعمق. وأمّا الحبّ الإلهيّ والصّلة الحقيقيّة الحميمة بين الله والإنسان الّتي تؤدّي إلى الاتّحاد فهي أمر آخر. العاطفة تحمل الكثير من التّناقضات وقد تتبدّل وتتغيّر وقد تخضع لتمرّد العقل، وقد تصطدم بمفاهيم جديدة تسيطر على تفكيرها أو واقع يبدّلها فتنكر الله وتستبعده. أمّا الحبّ فهو لحظة الجنون بالله، أي أنّ الإنسان يتخلّى عن ذاته كلّيّاً ليلقاها في الله. وهذا التّخلّي تجرّد عميق يحتاج إلى جهاد روحيّ وفكري واختبار شخصيّ يبلغ بالإنسان إلى هذه الحقيقة الّتي إذا ما دخلها يستحيل عليه الرّجوع. والحقيقة هي أنّ الله الحبّ لا يحبّ وإنّما ينسكب بكلّيّته في الإنسان والعاشق لله يسكن بكلّ كيانه في الله، ولكن ليس بقوّته الشّخصيّة وإنّما بالنّعمة الإلهيّة. فالله هو الّذي هيّأ الإنسان لهذا الحبّ. والعاشق لله هو من سمح للحقّ أن يأتي إليه لأنّه يعلم ضمناً أنّه لا يمكنه الذّهاب إليه أو بمعنى أصحّ لا يعرف السّبيل. وهذا الاتّحاد ليس مجازيّاً وإنّما حقيقيّ، لكنّه اتّحاد سرّيّ / Mystère لأنّ العاشق وحده معنيّ به. لكنّه بالمقابل ينعكس النّور من خلاله على العالم.

أن تحبّ الله يعني أن تحيا تفاصيل الله، أن تنغمس في حالة العشق بالنّعمة حتّى لا تعود ترى إلّاه. أن تتجرّد وتخلع إنسانك العتيق لتلبس الإنسان الجديد. فالإنسان الجديد أي الإنسان كما خلقه الله على صورته ومثاله استنار بالحبّ الإلهيّ ويمارس الفضائل الإلهيّة (الإيمان والمحبّة والرّجاء) وبالتّالي ممارسة هذه الفضائل يقود إلى الاتّحاد بالله. يقول القدّيس باسيليوس الكبير:"إن النّفس الّتي كبحت دوافعها الطّبيعيّة عن طريق النّسك الشّخصيّ وبمساهمة الرّوح القدس تتأهّل – بحسب حكم الله العادل – للبهاء الموهوب للقدّيسين". الحبّ فعل خلق والله بالحبّ يخلقنا كلّ حين إذا ما ارتبطنا به بالحبّ.

ولا يمكن للعاشق أن يصل إلى مرحلة الاتّحاد الكامل إذا لم يمرّ بحالة الحبّ المجرّد عن أيّ مصلحة سوى مصلحة الحبّ ذاته، كما عبّرت عنه رابعة العدويّة في قولها:

أحبّك حبّين حبّ الـهـوى

وحبّاً لأنّك أهـل لـذاكـا

فأمّا الّذي هو حبّ الـهوى

فشغلي بذكرك عـمّن سواكـا

وأمّا الّذي أنت أهـل لـه

فكشفك لي الحجب حتّى أراكا

فكشف الحجاب، بعد الحضور واللّقاء مرحلة ضروريّة قبل الوصول إلى الاتّحاد. إنّ هذا الكشف الّذي أظهره الفعل (أراك). والرّؤية هنا حقيقة لا مجاز استناداً إلى عبارة (كشفك لي الحجب). ما يعني أنّ الله كشف عن ذاته وتجلّى لها. وإلّا كيف تستخدم رابعة فعل (أراك) وكيف رأت؟ إنّ الرّؤية محصورة هنا بالقلب الّذي انفتح على الله السّاكن فيه حقّاً فرآه.

وحين يقول القدّيس بولس (حياتي هي المسيح) أمات ذاته بالفعل ولبس المسيح أي صار الاثنان واحداً بمعنى معنى. إنّه الكمال العشقيّ، والعاشق الكامل هو العارف. ولا يراد بالعارف الانشغال الفكريّ، وإنّما الكمال الّذي يتحقّق بتنقية الذّات. وفي ذات السّياق يقول جلال الدّين الرّومي:

"ممتلئ بك، جلداً، دماً، وعظاماً، وعقلاً وروحاً، لا مكان لنقص رجاء، أو للرجاء، ليس بهذا الوجود إلاك."، إنّ ما شعر به جلال الدّين الرّومي لهو اللّحظة البارقة الّتي تسبق الاتّحاد الكامل بالله، فامتلاء الشّخص بالمحبوب هو استعداد كامل لاستقباله كجزء في كينونته الرّوحيّة والعقليّة والمادّيّة. إنّه نتيجة الفعل وردّة الفعل، نتيجة العشق بين الله والإنسان. حين ينسكب الله فيكَ حتّى تمتلئ منه وتسكن إليه بكلّك، أنت في حالة مهيأ فيها للاتّحاد معه.

لن يصل العاشقون إلى الاتّحاد دون المرور بكلّ تلك المقامات والمجاهدات، ولكن إن وصلوا إلى هذه الحالة الّتي هي من أجلّ المنح الإلهيّة للعاشق ساعتئذ لا شيء يمكن أن يكون غيرها. فالاتّحاد بالله ليس انتهاكاً أو تعدّياً على الذّات الإلهيّة، ويجب أن لا نخاف من ذلك، فهو ممكن من أي شخص جاهد وصابر للوصول إلى هذه المرتبة العليا، فلماذا نخاف هذا الاتّحاد؟ ولماذا نرفضه؟ أخوفاً؟ أم تواضعاً؟ أم تكبّراً؟ إن كان خوفاً فالخوف لا يستوي مع الحبّ. وإن كان تواضعاً فالتّواضع هو التّخلّي عن الذّات لتلقاها في الله. ولعلّه تكبّراً على النّعمة الإلهيّة الّتي هيّأتك منذ البدء للحبّ.

إنّ سبب وجودنا وغايته واحد، ألا وهو اللّقاء بالله والتّعرّف عليه والعيش معه والانغماس به في علاقة عشقيّة حميمة حتّى نخلص إليه. إنّه حقّاً سرّ الاتّحاد بالله الّذي يفوق كلّ عقل وكلّ تصوّر. ولو كان العقل يدركه بقدرته فكأنّنا نخضع الله لقدراتنا المحدودة الضّعيفة. حاشا. "ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه." (1يوحنّا 16:4)

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

سلس نجيب ياسينتراهم يبتسمون ومن داخلهم لا يقلقون ثقتهم بنفسهم كبيرة يحتار الاخرون من اين ياتون بها يسلمون بمبدا كل شيئ سياتي مع الوقت يؤمنون بان تحقيق الاهداف الكبيرة ليس سوى مسالة استمرار وبحث. يجيدون الاستثمار في القليل ليخلقو منه الكثير امالهم كبيرة ولامتناهية تضحياتهم تبدو متهورة ولكنها مدروسة يرون الحلول وسط ظلام الصعوبات يبحثون دائما عن التحديات ويتطلعون لاكمال خططهم المرسومة. التعلم شعارهم والتقدم هدفهم والتحقيق غايتهم اما الاتزام فهو تلقائي في حياتهم يتعبون ولا يملون يسقطون ثم ينهضون يواصلون دائما يساعدون الناس وينصحون لا ينتظرون جميلا او هدايا من احد فمجدهم هو صناعة ذاتهم على الله يتوكلون وبربهم يؤمنون وعلى صلاتهم يحافظون والى ربهم يتضرعون وعلى اسمه يبدؤون وينطلقون انهم الناجحون

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

كريم مرزة الاسديسجالات شعرية ما بيني وبين الشاعر والأديب العراقي القدير أ. م . حسين عوفي ابو ليث مدير (واحة التجديد الأدبية):

أ - قد بادرني مرّة على صفحة تواصلي الفيسبوكية، وكنت منشغلاً بالردِّ على أديبة حسناء، بهذه الأبيات والكلمات:

" أربعةُ أبيات، نظمتها فخراً واستحقاقاً،لأخي وأستاذي العالِم الفذ، د. كريم مرزة الأسدي، مع محبتي

حسين عوفي أبو ليث :

زَيّنتَ بِالدُرِّ النَفِيسِ صَحائِفا ***فَسَطعنَ في غضِّ النُحورِ وصائِفَا

دِيوانُ فِكرِكَ تَمَّ فــي نُعمائِـــهِ ***حَقلاً، فَأبلجَ بالأواـــنِسِ صائِفـا

بِرشيقِ ذوقِكَ قَد جَلوتَ زَبَرجَداً ***لولا حذاقَتُكَ الزَبَرجَدُ ما صَفــا

مَنَّ المَليكُ عَليكمُ خمرَ النُهى**** فَأسِلتَهُ شَهداً على شــفةِ الصَفـا

مع محبتي أستاذي الفذ وفخر الأدب الرصين."

فرددت عليه مرتجلاً من البحر (الكامل) نفسه:

إنّي من البلد النّجافِ، وما جفا *** قسماً بما خلّفتُ خلفي من الوفا

ضيّعتُ نفسي بين نفحةِ ماجــــدٍ **** وجمالِ وجـــهٍ للأديبةِ مـا خفى

وتهافتتْ زمـرٌ تعلّـــقُ عشــــقها*** والقلبُ يرنو للقصيدِ، وقـــد هفا

صبراً جميلاً يا بن عوفٍ حجّني * ** إنَّ الكريمَ لكلِّ ذنبٍ قــــد عفا

كريم مرزة الأسدي

ب - وسبق لشاعرنا حسين عوفي قد عارض مقرظاً قصيدتي - البحر البسيط - (عيدٌ بماذا تمنّي النفس يا عيدُ) قائلاً:

قل للقريضِ اذا ماجفّ خاضبهُ ******فمِنْ يَراعِ كريمٍ فيه تجديدُ

أسالَ تِبرَ حروفٍ من لواعجهِ ***نهراً وفي إثرِهِ الركبُ الصناديدُ

صناجة الشعرِ هذا قول نابغةٍ ****في كل معنى زهت منكَ العناقيدُ

ياابن الغريِّ ويافخراً لهُ حدبت ****جحافِلُ الشعرُ والتبيانُ مشهودُ

- مطلع قصيدتي، وهي من البحر البسيط :

يَا عِيْدُ مَاذَا تُمّنّي النّفْسَ يَا عِيْـدُ؟! ***وَقــَـدْ تَوالَتْ لِمَغْناكَ الْمَقـَالِيْدُ

مَا بَيْنَ غُرْبَةِ عَزٍّ سِمْتُ خَافِقَتِي ***مِنْ أيْنَ لِي لَمّة ٌ بَسـْمَاتُهَا الْغِيْدُ؟!

غَطّـّتْ جِفُونَكَ - يَارِيْـمَ الْفَلَا - رَشَقٌ** قَدْ كَحّلَتْ وَرْدَهَا يَاقُوْتُهَا السّوْدُ

شَعْشْعْ رَعَاكَ الّذِي سَوّاكَ لَاعِبَة ً *** تَرْمي بِوَعْدٍ وَلَا تـَأتِي الْمَوَاعِيْدُ

ج - و أنا كتبت على صفحة تواصله : إلى صديقي الشاعر والأديب الأستاذ حسين أبو ليث ارتجالاً، وكان قد غاب عن صفحتي، فعارضت قصيدة له عينية على القافية والبحر نفسهما !!

لقد هـــام العراق بكم يراعا*** وقــــد أوجبت حقّاً لن يضاعا

وما لي لا أرى نجمــــاً منـــيراً *** وكان لدربنا وهجاً مشاعا

د - تنشرت (واحة التجديد الأدبية)، ومديرها الشاعر والأديب العراقيأ. م. حسين عوفي أبو ليث، و بقلم رئيسة تحرير الواحة الشاعرة والأديبة العراقية الأستاذة فادية الجبوري منشورا مما جاء فيه :

" ...من أمثلة أشعار الإخوانيات اليوم بين عملاقيّ الأدب الرصين فارسيّ القريض الشاعر ملك القوافي حسين أبو ليث أهداها للشاعر الباحث كريم مرزه الأسدي :"

الآن أستاذة فادية الجبوري تنقل منشور الشاعر الأديب أ. م . حسين عوفي أبو ليث (مدير واحة التجديد الأدبية):

" من شِعرِ الإخوانيات، نظمت بعض الأبيات،إهداءً، علها تليق بأستاذي وأخي وفخر الأدب العربي، الدكتور الشاعر والباحث كريم مرزة الأسدي.

بقلم:حسين عوفي أبو ليث

ياأيّها الصَرحُ المهيب :

القصيدة:

1 - مِنْ أيِّ عذبٍ إذْ يروحُ ويغتدي؟ *** بينَ القلوبِ نَقاءُ نَهرِكِ سَيّدي

2 - وبِأيِّ سِلكٍ إذ نظمـــتَ قلائداً***تُغري النــواظِرَ فـي بريقِ العسجدِ

3 - عَلّمتنا، أنّ الحــــروفَ جحافِلٌ **تنهــــالُ سِجّيلاً بِرأسِ المعتــدي

4 - وغَداةَ تطلقُ في الربوعِ حمائماً**صدحت بِنغمةِ ذاكَ معزفِكَ النّدي

5 - إيــهٍ كريمُ،ويا لِمثلِكَ إذْ غـــدا**ضـوءَ السراجِ على جناحِ الفـــرقدِ

6 - أغـــدقتَ واحـــتنا بِشــلّالِ النّدى***خُلُقـــاً بِكُلِّ مُشعشِــعٍ ومُــورِّدِ

7 - وحرصتَ أنّ الضادَ تسمو للمدى****بِيَراعَـــةِ الأفــذاذِ كُــلّ توقُّــدِ

8 - يا أيّها الصرحُ المهـيبُ تحـــيّةً *** مِنْ مُدنِفٍ حَمَلَ الودادَ على اليَـدِ

حسين عوفي ابوليث

واحة التجديد الأدبية

..................... إلخ

ردي :

- قصيدة شاعرنا وأديبنا الكبيرشعراً وتواضعاً وخلقاً أ. م . حسين عوفي من البحر الكامل، وأنا أسترسل الإضافة للإفاضة - وأنا أدوّن كتابي الخامس الجديد، تحت الطبع، وهو الكتاب الثالث والعشرون لكاتب هذه السطور -، أرتجل هذه الأبيات معارضاً، ولو أنها لا تفي ولا تكفي :

1 - من عذبِ روحك أرتوي يا سيدي ** أنت البهاءُ، وقامةَ الشّعرِ النّدي

2 - قلّدتني نظمـــاً تمـــاهى للعـــلا *** والمجــد، قد متّعْتنــي بالسؤددِ

3 - أخرستني بجحافلٍ من أحــرفٍ**** تنهــال فرقــاناً كنـــور الفرقـــدِ

4- يا بن الأكــارمِ، يا أبا ليثِ الّذي **** رضعَ الشـهامةَ من عراقٍ أمجِدِ

5 - كم كنتُ أهــذي باللقا أملاً بــهِ **** "عجلانَ، ذا زادٍ، وغيـــرَ مزودِ"

6 - وإذا بهِ ذاك البعـــــاد وغربتي **** والعمرُ يمضي للحضيضِ الأوهــد

7 - " لا مرحباً بغدٍ، ولا أهلاً بـــهِ ****إنّ كانَ تَفريـــقُ الأحبّة ِ فــي غَــدِ"

8 - وختام قولي (يا حسينٌ) إنّني **** أفديك َ روحي و(الشهادة ) في يدي

 

كريم مرزة الأسدي

 

نايف عبوشلعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث، لدى الجيل الجديد، وتلاشي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة ، ولاسيما بعد اضمحلال مجالس السمر في الدواوين، ورحيل العمالقة، من الرواة، والنسابة، والمدونين، والباحثين، الذين كانوا أدوات تناول، وتداول حي للتراث.

ولعل انفتاح الشعوب على التمدن والعصرنة، وهبوب رياح التغيير عليها بلا قيود، في ظل تحديات العولمة، كعامل موضوعي مضاف، بما يمتلكه، من قدرات فنية، ووسائل إعلامية هائلة، في ظل ثورة الاتصال والمعلوماتية، بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات بلا نهايات، هو الآخر عامل مؤثر،ويعمل بشكل سلبي على اضمحلال حيوية التراث،وخفوت وهجه. وذلك ما بات يشكل هواجس تحديات داهمة، تهدد التراث بالكنس، والإفناء، عاجلا أم آجلا.

لذلك فان الأمر بات يتطلب من كل المعنيين بأمر التراث، من الكتاب، والأدباء،والشعراء، والرواة، وأعمدة القوم، تشجيع التواصل مع التراث،بكل مكوناته الإيجابية، والحرص على توثيق تاريخ، وتراث كل ديرة، وفي إطار تواصل استلهامي حي مع الماضي،في نفس الوقت الذي نتعايش فيه مع الإيجابي من معطيات العصرنة،وبالشكل الذي يحقق توأمة متوازنة إذا صح التعبير، وبالشكل الذي يمكن أن يبدد القلق الماثل أمامنا، على مصير التراث.

ولعلنا باعتماد مثل تلك التوافقية المتوازنة، نتمكن من الحفاظ ،على ما يمكننا الحفاظ عليه، من بقايا تراثنا الديني، والثقافي، والاجتماعي، والشعبي ،المهدد بالاندثار، والانقراض السريع. وبعكسه فإن القطيعة مع التراث، بتفاعلها مع عوادي الزمن، ستأتي على كل ملامحه، وما يترتب على ذلك من استلاب للأصالة، ومس بنقاء الهوية، وضياع ملامحها .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبودكنت متكئا عند ثنايا كرسي مريح، بينما فكرة طارئة قفزت في فضاء هذا المحيط الهائل من العقل ذلك مثل سمكة تعوم عند أطراف سطح آمتداد مائي كثيف. أما كيفَ، فذلك تابع لمعادلة رياضية تقول ان (1+1=3، 4، أو ربما 5) وليس 2، رغم انه في بعض الحالات، قد يكون (2)هذه المعادلة لم أكن اقرأها في كتاب، ولكن فقط ربما كنتيجة لذلك التراكم من المعارف والأفكار التي تعلمتها اوسمعتها طوال هذه الفترة من حياتي، كما يعير عنها educational experience، والفكرة بحسب القانون العلمي والعملي غير معقولة، ولكن هي في حقيقتها العملية معقولة. طبعا هنا ضروري الإشارة الى ان هنالك قضية لها علاقة بموضوع ما يسمى بالواقع العملي لتلك المسالة، اوتلك. المهم انه لإثبات صحة ما تقدم، قولي، اوسؤالي ان علاقة الزوج مع زوجته هل هي في الحساب علاقة ضرب، ناقص، زائد، أم تقسيم؟ طبعا سيكون الاختيار زائد من حيث التواصل كمضمون وقانون اجتماعي تم تشريعه لبناء المجتمعات، وبعكسه الطلاق وهو في الحساب علاقة ناقص. المهم بعد ان بانت أصل العملية، أود الإشارة الى انه قضية الإنجاب هي التي تحكم علاقة الطرف الاول بالثاني، هذا الإنجاب هو قانون بايولوجي واجتماعي. حيث انه بحكم العلاقة الزوجية للقرينين ينتج ولد واحد، اوربما توأم وهكذا،

ومن الضروري الإشارة الى انه 1+1=2 هو عملية فورية في درس الحساب فقط، حيث نقول قلم+ قلم يساوي قلمان، اما في علم الإجتماع البايولوجي، socio-biology فالمسألة تختلف.

المعنى اننا لم نأخذ موضوع الوقت في الحساب، رغم ان عملية الجمع تأخذ وقتا قصيرا، لكنها نتيجتها في ما يتعلق بالتفاعل الكيمياوي والبايولوجي تختلف تماما.

إذن قضية واحد زائد واحد ليست بالضرورة ان تكون عملية حسابية، هي انما بايولوجية اوكيميائية، او جيولوجوجية، أوحسية، الخ ذلك بحسب العلوم التي تعلمناها.

أما صناعة الوقت، فمعناه الإبحار مع عالم التفاعل الحسي والعقلي معا لإنجاب مضامين حسية عقلية إنسانية متشعبة خلال فترة وجيزة من الزمن، ولذلك الكومبيوتر اختزل الزمن الحسابي أمامنا كما نراه اليوم، حيث انه بسرعة موجزة، ترانا آلاف الأفكار نقرأها ونتعلمها، ولكن بشرط عدم التفريط بالزمن الذي نمتلكه ككائنات حسية وعقلية وبايولوجية، لذلك ورد في الآية الكريمة في القران "يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه"، والكدح المقصود به العمل الفكري، والبدني، والحسي، وغير ذلك.

 

عقيل العبود/ساندياكو

 

ماذا لو تماسكنا لحظة فقد عزيز واعتبرنا أنّ الفقد حالة طبيعية كباقي حالات الحياة العابرة والتي نتأقلم بمرور الوقت معها، وبدل أن تتلبسنا حالة مضنيّة من الحزن ساحبة أرواحنا نحو متاهات من الألم حولنا تلك الطّاقة المهدرة إلى نافذة نطلّ منها على ذواتنا المكسورة بعين الرّحمة.

أن نحاول فهم حالة عصيّة على الشّرح للمحيطين بنا وأن نتقبل الفقدان كنهاية قاسية لا يعني أن نتجاوز الحزن كردّ فعل طبيعي ضد حالة عنيفة من الأسى لكن أن نتعلم فلسفة جديدة في الحزن وأن نستدعي لذلك أدوات غير تقليدية كنوع من محاربة رتابة التّوحّد في الألم، مالذي كنّا سنجنيه فكريًا وروحياً لو نبكي دون مساءلة أنفسنا وإعادة ترتيب دواخلنا أو أنْ نختار العزلة دون أن نمنحنا للحظات صافية من التّأمل أو أن نذوب كشمعة بسبب الألم المهدور دون أن ندرك غاياته بوعيّ، ماذا لو قررنا أن نتخلص من هذه العادات السّلبية واستبدلناها بعادات أقل قسوة تدفعنا لتعرف علينا من جديد كأن نرقص بدل البكاء مثلما فعل زوربا حين مات إبنه في لحظة مفعمة بالدهشة تتزاوج فيها انكسارات الروح مع انحناءات الجسد، أو اقبلنا على ذاكرتنا نتصفّحها بينهمٍ شديد كما يفعل عاشق الكتب مع كتبه ومع كل تصفّح لها نتصالح مع ما كنّاه وبدل أن نهر ب من تلك التّفاصيل التي صنعت يومًا سعادتنا تعايشنا معها، ماذا لو دخلنا في نوبة ضحك هسترية كمضاد للبشاعة، ومقاومة سليمة لعدوّ تستهويه الأنّفس الضّعيفة

يتشّبه الفقد بحالة مؤلمة من الإنسلاخ إذ نغادر ذاتًا كانت تسكننا كنا نضّبط مواعيد الحياة على إيقاع حركاتها وأنفاسها ثم دون سابق إنذار تخلف عالمنا فارغا منها، هذه اللّحظة المفصلية تدّفعنا للوقوع في حالة موجعة من الفراغ كموت بطيء تستسلم فيه أرواحنا لألم مجهول غير مفهوم، صحيح أنّ حالة الحزن هي حالة معقدة كتفاعل كيميائي صعبٌ على التّفكيك تتداخل فيه مشاعر غريبة ومتناقضة، وصحيح أن اللّحظات الأولى التي نتلقى فيها نبأ فقدان أحد أحبتنا تشبه الذّبح الذي يجعل الشّاه تتخبط دون أن تتمكن من تخليص نفسها أو كمن يحاول المشي حافياً على طريق كله أشواك دون أن يتمكن من تجفيف دمّه لكن العقل المدّرك يعي أنّ لا مجال للهرب نحو حلول تُطيل أمد الوجع دون الإستفادة من تلك اللّحظات بالغة الألم، يبدو الأمر شيزوفرنياً لكن يمكننا أن نرى الأمور من زاوية أخرى تجعلها أكثر بساطة رغم عمقها فمادمنا مجبرين على المشي في طريق محفوفة بالوجع لم لا نكون نداً لأحزاننا وجنوداً شجعاناً في معركتنا ضد النّسيان كأن نقبل على هذا التّغير الطّارئ في حياتنا كما يقبل العابد على إلهه، ثمة تكمن اللّذّة، لذّة الوعيّ بالذات والأشياء.

دموع الوعيّ أو ردّات فعل

لم تكن تجارب البشر نحو نسيان آلامهم وأوجاعهم إلّا رحلة مجهدة وفارقة في مسيراتهم الحياتية لكنها ضرورة للاستمرار بالوهج ذاته أو ربّما أكثر،في هذه الرّحلة يصبح الحزن على من خسرناهم مهما كان شكل الخسارة أو أي نوع أخر من الألم الروحي هو ملح الحياة، ولأن الدّموع شكل من أشكال التّعبير عن الإنكسار الذي تعيشه النفس المتألمة فأول ما تلجأ إليه لتنفيس عن وجعها هو البكاء كحالة بافلوفية عادية وأمام هذا ا المنعكس الشّرطي علينا أن نتساءل إن كنّنا نعي

أي حاجة توفرها لنا الدموع فثمّة دموع تمنح النفس راحة وأخرى تمنح النفس معرفة بأغوارها فيتحول البكاء من عملية تنفيس إلى

لحظة ينطلق فيها العقل بالتفكير العميق متجاوزا مسكنات البكاء الاولى، في هده اللّحظة سنتعلم أن تعامل مع البكاء على أنه خلاصنا النفسي صلاة تطهرنا من الأعماق وتسديد للذنوب الروح، فالدموع هي المطر الذي يغسل ذواتنا المتعبة بالخدلان والخيبات والخيانات والانكسارات وقلة الحيلة ... ومع كل عملية تنظيف لجراحنا تنار ظلمة قلوبنا على راي جبران خليل جبران.

نحن نبكي في لحظات مماثلة لأننا ندرك ما يبكينا ولكن قد تواصل أرواحنا البكاء دون سبب واضح، وقد نشك للحظة أننا متعبين فقط وأن كل ما يحيط بنا يتألم لسبب واحد ولأن الدموع هذه الحالة المتعلقة بمزاج القلب والتي لازال الإنسان ضعيف أمام قوتها، هي انعكاس خفي ينبعث من أعماقنا كلما بكينا أصبحنا أكثر حقيقة وأكثر شفافية ومعرفة بمواضع جراحنا لأ ن الإنسان يمكن أن يخفي حزنه حين يبتسم وهذه حالة مضللّة لكنه لا يمكن أن يكون سعيداً وهو يبكي حزناً حتى لو ادعى ذلك، في تلك اللحظة التي تبدأ أمطار قلوبنا بالهطول دون سبب مفهوم يبدأ تشكيل الوعي والإقتراب من النّفس دون حجاب لحظة الوعيّ هذه هي لحظة المعرفة المقدسة التي تمكننا من فهم ما يحدث داخلنا على حقيقته لهذا أجدني أميل لإميل سيوران حين أعتبر أنّ البكاء دون سبب واضح هو لحظة فهم كل شيء هذه اللحظة المقدسة من معرفة الذات تدفّعنا

أن نتعرف على الحياة بمنظور آخر ونقترب للإنسان ولأنفسنا بشكل أفضل ذاك أن المعاناة والألم ليستا في الحقيقة الّا طريقنا نحو معرفة الحياة وطريقنا نحو النّضج

حسب نيتشه إذ أنه ينفي نضْجاً دون ألم ومعاناة بل أنّه يعتقد أنّ سعادتنا تجاور ألما.

تقبل المحنة والتصالح مع فكرة أن نحب ألمنا مهما اختلفت أسبابه هو عمق الوعي بالذات، فالذات الواعية تفهم أن الأشياء تعرف بنقيضها بل أن متعتها مرتبطة ارتباطاً قوياً بنقيضها هذه المتلازمة بين الألم والمتعة هي من تجعلنا ننظر لأنفسنا بعين الرضى ذلك أن لا متعة في الحياة دون ألم على راي نيتشه ومن أراد كمية من المتعة عليه أن يتقبل أيضا كمية من الألم تقبلنا للألم يعني أن نقبل على الحياة وأسرارها.

الحزن ولادة قيصرية..

في رحلة الإنتصار على الحزن نحن نأمل أن نخلق من جديد متخلصين من أعباء آلام الماضي

نحن إذن أمام عملية قتل ذاتٍ منهزمة لنخلق أخرى منتصرة تقبل على الحياة بمفاهيم جديدة واعية ولأنّ الحياة ترتكز على مبدأ الاضمحلال فنحن بكلّ ما نعيشه لا نشذّ عن هذه القاعدة يبدأ ألمنا كبيراً ثم يتناقص ونحن نشيعه لمثواه الأخير نكون قد ولدنا من جديد وسندفع ورءانا تلك الأوجاع كذكرى بعيدة والتي لم تكن في الحقيقة إلّا آلام مخاض لولادة جديدة.

 

سماعلي كريمة الجزائر

 

 

سلس نجيب ياسينفي المقال سنسعى لتبسيط مفهوم البرمجة اللغوية العصبية وكذا التطرق لبعض الشروح والامثلة التي تساعد الانسان لفهم الامر طالما انه متعلق بحياته اليومية والشخصية بشكل عام وخاص وبداية وجب التنبيه ان العقل الباطن والواعي او الشعور والاشعور هما عاملان مهمان في العملية ضف الى ذلك قوة العقل والتمييز والادراك والفهم ولنبسط الامر اكثر لا باس ان نرفق الشرح بمثال: فالانسان مثلا اثناء عمله يقول لك لم اعد استطيع اكمال العمل يلزمني كاس قهوة رغم انه تناولها في الصباح الا انه اقنع عقله الباطن انها منشطة ومساعدة على اكمال العمل ومن دونها لا يستطيع ولكن قبل ذلك تم الامر على مستوى العقل والتفكير حيث انه ادرك ان تنا ولها مريح منشط مساعد على العمل وولابد له من فنجان اخر ابان العمل وهنا بالتكرار والادراك والمعلومة ما على العقل الباطن الا ان يسلم ويصدق الامر سواء اكان صحيحا او خطا وهذا فقط على سبيل المثال طالما ان القهوة لها تاثيرات منشطة ولربما اعتماد عضوي ولذلك ممكن ان تفهم وتغير المثال باخر . لن اتركك هكذا ساوضح اكثر في الثانوية وفي اول الحصص عند استاذ الرياضيات سال زميل صديقه لماذا لا تشوش هل انت خائف من الاستاذ اجاب الاخر بلا فقط اريد ان اتظاهر باني تلميذ مجتهد طيب ولا اشوش ريثما تمر بعض الحصص واعود للتشويش لكي لا يتبادر ابدا في ذهن الاستاذ اني ان صاحب المشاغب

فالتلميذ اراد ان يبرمج عقل الاستاذ على ا نه طيب ومنظبط حيث ان ملف ذلك التلميذ في العقل الباطن للاستاذ سيعدو غير متقبل مثلا انه هو صاحب المقلب او التشويش ومن هنا اجابه زميله الاخر انا ايضا سوف اقوم بالواجبات المنزلية التي يعطيها لنا لفترة ثم اترك الامر لكي لا يتبادر في ذهنه ابدا اني اتركها ولما اقول له نسيت فقط التمرين في المنزل في الكراس الاخر. سيصدقني مباشرة وهي العملية هكذا لا اكثر ولااقل فالحرص على الامر وراقب برنامجك اللغوي العصبي لاته مع مرور الوقت سيتحول الى حقائق او مسلمات تعيش بها في حياتك ولذا فان الادراك والسؤال والتعلم وتجديد المكتسبات والبحث عن الحقائق وتحدي الذات امر مهم في تحررك من الرواسب الخاطئة

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

 

 

محمد عبد الكريم يوسفربما كانت تسمية الأورويلية تنطبق على كل شيء مؤرق ونكدي في هذه الحياة فعندما تطلق التسمية على شخص ما فإنك بالتأكيد لا تمتدحه بل توجه النقد اللاذع لأنك تصفه بالظلم والاستبداد والمراقبة والقمع رغم أن جورج أورويل كاتب عبقري في منتهى اللطف والأدب . لقد أتت رواية 1984 التي كتبها الرجل لترسم خطوطا عريضة لدولة المستقبل وكأنه نبوءة مكتوبة بين جنبات كتاب جميل . على سبيل المثال لا الحصر، شاهد طيار في الايطالية للطيران في يوم من الأيام طائرة من دون طيار تحلق في الجو قرب مطار جي كي أف وغيرها كثيرا من النبوءات المستقبلية التي تحققت في المستقبل القريب وخلال فترة لا تتجاوز العشرين عاما . رواية 1984 مليئة بالكوابيس والتجسس وكميرات المراقبة على مدار الساعة ويبدو أن الرواية دليل عمل للسياسيين والمخترعين ورواد التكنولوجيا العالية .

ومن بين كوابيس جورج أورويل المستقبلية والتي تحقق معظمها يمكن أن نذكر:

المراقبة بالكميرات في كل مكان :

في عام 2003 زرت مدينة لاهاي في زيارة قصيرة استمرت عشرة أيام عمل وكنت ضيفا في إحدى الفنادق القريبة من محكمة العدل الدولية وكانت صدمتي على أشدها لرؤية كميرات المراقبة في كل مكان وأكثر ما أدهشني وجود كميرات المراقبة في السويت الذي أقيم فيه وعلى الجدار لافتة أنيقة تقول :" لسلامتك وسلامة الفندق المكان مراقب بالكميرات". هنا لا وجود للخصوصية بحجة السلامة . في رواية 1984 يبدأ جورج أورويل بهذا الكابوس وبدءا من نهاية التسعينات وحتى الآن ازدهرت صناعة الكميرات والكميرات الرقمية والمدمجة والمخفية وحاليا ينتشر الغبار الذكي الذي يعتدي على أقصى درجات الخصوصية وصارت كميرات المراقبة بأشكالها المختلفة جزءا طبيعيا من حياتنا في المنازل والبنوك والمكاتب والشوارع والزوايا وأمام البنايات والمحلات وربما كانت مدينة لندن رمزا للمراقبة الدائمة على مدار الساعة في كل مكان . تتحجج الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة بأنها تركب الكميرات في كل مكان تحسبا لشيء ما قد يحدث. في زمن جورج أوريل كانت الحديث عن كميرات المراقبة نوعا من قصص الخيال العلمي ومصدر الفكاهة والمتعة. أما اليوم وفي أقل من عشرين عاما صارت حقيقة دامغة بل ويتفنن صناع الكميرات والمراقبة بأساليب مبتكرة لمراقبة كل شيء عن بعد وعلى مدار الساعة .

اعادة كتابة التاريخ وفق ما يحلو للحكومات :

تقترح رواية 1984 وجود وزارة للحقيقة تعيد كتابة التاريخ وفق ما يحلو للحلفاء خلف المحيط وهذا ينطبق على العالم اليوم . فتاريخنا مليء بالقصص العبثية الكاذبة حيث تؤلف وسائل الاعلام الغربية والأمريكية القصص والأكاذيب والتلفيق والمغالطات المنطقية لتشويه صورة أعداء الغرب والدول الأخرى التي لا تسير في ركاب الولايات المتحدة الأمريكية وربما كانت الحرب على سورية خير دليل على الأسطول المخيف من وسائل الاعلام المتنوعة والمتخصصة في صناعة الأخبار وتصدير الموت لهذا البلد الصغير المسالم بهدف تدميره وتدمير قيم شعبه، وعلينا أن نقارن توجهات الإعلام الأمريكي نحو كوريا الشمالية قبل وبعد اللقاء بين الرئيس الأمريكي والرئيس الكوري الشمالي ويستمر الاعلام الغربي في تطوير أساليبه في اعادة كتابة التاريخ بدءا من رحلة كريستوفر كولمبوس المعروفة . لم تكن فكرة وزارة الحقيقة إلا تورية صادقة لوزارات الكذب التي انتشرت في العالم خلال الخمسين سنة التي تلت كتابة رواية 1984.

التفكير المزدوج :

وصفت رواية 1984 التفكير المزدوج على أصوله ووصفت الحالة البشرية الحكومية والفردية التي تجري في هذا الكون . فالكيل بمكيالين من سمات العصر القادم والقراءة بين السطور أهم بكثير من الوضوح في المعنى وصرنا ندرّس أولادنا طرائق استنباط المعاني التي لا يتجرأ الكاتب على قولها علنا خوفا من المقصلة أو مقص الرقيب . وقد تنبأت الرواية أن يصير التفكير المزدوج جزءا من الحياة المستقبلية القادمة وجزءا من الحياة السياسية في كل البلدان وكيف يصير تفسير القوانين والتشريعات مناقضا لنصوصها إذ ستصدر قوانين تمس الحياة العامة وستفرغها التعليمات التنفيذية من مضمونها ويمكن أن نؤكد أنه خلال السنوات العشرين الماضية ساهمت اتفاقية السماء النظيفة في زيادة التلوث الكوني وسمحت المبادرة الدولية للحفاظ على الغابات في تدمير الغابات وزيادة القطع المقونن أما القوانين التي تحافظ على الحياة البرية في الكثير من دول العالم فقد سمحت بتدمير الحياة البرية كما ساهمت الاتفاقيات الدولية لحماية التراث الثقافي العالمي في تدمير العديد من المواقع الأثرية وسهلت عمليات السطو والسرقة والتدمير بدءا من تمثال بوذا في أفغانستان وانتهاء بالأثار في سورية حيث قامت المجموعات الإرهابية ومشغلوها بتدمير كل المواقع الأثرية التي تمكنوا من الوصول إليها .

الشاشات العملاقة والمشاهدة عن بعد:

يمكن أن نذكر أن الشاشات العملاقة والمشاهدة عن بعد والتجسس بالأقمار الصناعية والتصوير الجوي والاعتداء على الخصوصية أحدى العناصر المزعجة والكوابيس المقلقة في رواية 1984 لأن الأخ الأكبر يراقب كل شيء وكل شخص من خلف المحيط عبر الأقمار الصناعية . يقوم الأخ الأكبر بالتجسس على الثروات الباطنية والذهب الموجود لدى الأخرين من دون علمهم ويتجسس على مكالماتهم وبريدهم الالكتروني وحاليا يشجع الحوكمة الإلكترونية ليصبح كل شيء في متناول يده . وتنتشر حاليا الكميرات عبر الشبكة والغبار الذكي في كل مكان يريده الأخ الأكبر بحيث يستطيع أن يعلم كل ما يجري حوله على مدار الساعة وأنت لا حول لك ولا قوة .

الخرق الفاضح والمستمر للخصوصية

بكل تأكيد ليس هذا العنوان مزحة . فأنت وأنا في متناول أجهزة مكتب التحقيقيات الفيدرالي تتجسس على المكالمات الهاتفية وتسجلها وتأخذ نسخا من الايميلات والفاكسات على مدار الساعة وتراقب الأرض والشوارع وتحركات الجيوش وتستقرئ المستقبل من دون اعتبار للحرمات أو الخصوصية وهي تتجسس بنوع من العمل المحترف على الأعداء والأصدقاء ومن دون المعرفة أو الأذن من الآخرين .

هذه مجموعة بسيطة من الكوابيس التي أتت بها رواية 1984 والحكاية مستمرة في سباق محموم نحو التكنولوجيا والتكنولوجيا العالية ونحن أشبه ما نكون بالفراشة التي تنبهر بنور الشمعة لتسرع وتنتحر فيه .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

فراس تاجيكثيرة هي الاسماء التي مرت بذاكرة سريع وتجنّى القدر ببعثرتها في ذاكرته المهشمة، لكنه نسي احداثاً ذات اهمية قصوى تتعلق بمصير اناس وذكريات تدخل من باب الاهتمام الجمعي لمدينة شهيرة كالبصرة، وأحياء لها طابعها الخاص الذي يشكل انعطافات عادة يؤكدها التاريخ وينظر لها رؤية المسجل الدقيق . فمثلاً عندما يسمع باسم الداكير تتبارى صور بيوتات الحي وواجهاته الجميلة بالطابوق العسلي اللون، وأبوابها الساجية اللميعة وشناشيلها الخشبية بتلك النوافذ المقطعة طولياً بالاسياخ المعدنية مثلما يتذكر وجوه جميلات كن يرفلن على اديم شوارعه وأزقته وقد تباهين بسمرة مليحة جعلت صديقة الملاية تترنم بـ يا صياد السمج صد لي بنية " .

فمن الاسماء التي رسخت في حفريات رأس سريع ولم تدركها معاول التهشيم في مملكة دماغه كان فاروق السامر الذي يعده من اصدقائه القدامى وله معه لقاءات لابد للأدب من عدم تجاهلها . اهمها ذلك الاعتراف من السامر بأنه سيكون كاتباً له شأن كبير في مسيرة الادب، وان ما يكتبه ناتج عن موهبة عظمى سيأتيها الحظ يوماً ليجعلها تنعم بالشهرة وترتقي إلى مصافي الابداع المميز .

مرَّ على صورة قصي الخفاجي، وقال : هذا سميي في العذاب . اراد ان يقول " أنا وقصي اكلنا من صحن الابداع معا وذقنا مرارة الاعتقال ما جعله كاتباً شهيراً يكتب عن الفقراء والمهمشين في عطفات البصرة وازقتها المعتمة بالظلال والخثرة الزنخة، وجعلني ممن يتعلقون بالمكان فيكتب عن رائحته ومنابته وانفاس من عاشوا ورحلوا او غيبوا رغما عنهم فخلفوا طموحاتهم وأمانيهم معلقة في الفراغ ... أراد أن يقول هذا لكنه نسي لماذا حدث لهما ما حدث، ومن تجنى في احداث ذلك ؟

أما عن محمد خضير فيذكر أن اول قصة كتبها وكان فرحاً بإتمامها فنشرها في صحيفة عربية وقد كتب بعد العنوان: "إلى معلمي الاول" وفاءً منه لأنه احب خضير حبا جما وأكل من مائدة ثرائه أكلا لمَّا .. وكان الرجل يشد على يده ويقول له :" طالما انطلقت عليك مواصلة الجري، فمن صمم وصل ."

ويذكر سريع انه طرق يوماً على باب محمود البريكان فاستقبله الرجل استقبال الكرماء ؛ لكن سريع وجده حزيناً . ولمّا استفسر عن سبب حزنه أعلمه انه سيقتل بعد ايام، وان حزنه ليس لأنه سيموت إنما لانَّ القاتل سيسرق كل ما كتبه فلا يخرجه على ملأ القراء ليسقيهم عسل شعره، وأنَّ القاتل سيحرق بعودِ ثقابٍ وفوّهةِ حقد يشبه حقدَ حاكم متجبِّرٍ في معاقبة معارضٍ يقف له بالمرصاد تراثاً احتفظ به ليكون ارثا للعالمين .

ولولا احتفاظ صديق طفولته باسم القطران بها لكانت من عداد النسيان واحدى خطايا الجلطة التي ضربت دماغه ورمته يشعر بصداعٍ قاهرٍ كلَّما ركَّزَ في أمرِ حدثٍ يريد استعادته فيصيبه الشده ... ثم يسقط في بئر الاحباط، فيغرق بأمواه الفشل .

 

فراس تاجي- البصرة

 

لم أكن أعلم انني في يوم ما سأكتب شعراً تملأ كلماتُه نفسي، بعد أن كنت أقف كلّ يوم خميس في ساحة المدرسة وانا في الصّف الخامس الابتدائي مع مجموعة رافعي العلم، بعدها اقرأ ما احفظ من شعر او قصيدة، ولم تكن غير:

(إذا الشّعبُ يوماً أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر) كانت هذه القصيدة ضمن ما مطلوب حفظه من المنهج الدراسي . لم اعرف الشّابي، ولا اين تقع تونس حينها على خارطة الوطن العربي؛ أمّا اليوم فلديّ من الأصدقاء هناك ما لا أقدرُ على إحصائه .

كان الشّعرُ عصياً عليًّ حفظه؛ فمع حبي للجواهري كنت أعاني جداً من حفظ ما مطلوب مني وانا اخوض غمار دراستي املاً في إنهاء الثانوية بسلامة بعيداً عن إعادةِ سنةٍ جديدة، ومجال تخصصي في الفرع العلميّ وليس أدبياً !

حتى أشعاري لم استطع حفظها بعد أن كتبتها؛ والى يومنا هذا، ومع كل هذه المعاناة أجدني احياناً احفظ الشعر منذ الوهلة الاولى لقراءته، ما سرُّ هذا التباين؟ لا اعرف .

منذ صغري حفظت لقباني اشعاراً كثيرة، وللسّياب، والمتنبي . اتعجّبُ كيف تدخل تلك الكلمات بلا استئذان الى عقلي، وتحفظها ذاكرتي، وتكمن هناك بلا قطيعة، لكني نسيت كلّ ما حفظتهُ أثناء دراستي، ولم يبقَ الاّ ما كان خارج المنهج احياناً كثيرة .

ذات مرة طَلبَ استاذنا ممتحناً؛ ان نكتب سبعةَ أبياتٍ مما نحفظ لابي الطيب المتنبي؛ كنت احفظ من المقرّر سبعة ابيات بالتّمام، والكمال؛ لكني احفظ من ذاكرتي اكثر؛ فكتبت أثنين وعشرين بيتاً، لماذا فعلت ذلك؟ قد يكون السبب هو إثارة إعجاب استاذي الذي لم يتوانَ بمنحي أعلى درجة نهاية العام الدراسي، فكانت أول درجة امتيازٍ لي، ولعله هو المطلوب حينها .

كانت اشعارُ الثّورة، والحب تتملّكني، ولا حدودَ لها؛ الثورة على الواقع، وعلى الوجدان، وحتى على الاحلام . لم احفظ لنازك، ولا للبياتي حتى هذه اللحظة شيئاً، لكني معهما أجدُ نفسي أعانق خيالاتي، واهيم مع نسائم الحياة . حفظتُ انشودةَ المطر للسيّاب لاني أحبه، وأحبّها، وما زلت الى الآن أتصورُ نفسي ذلك العاشق الذي ينظرُ للأعلى أملاً بإشارةٍ، أو ابتسامةٍ رقيقة من محبوبته، او أتعلّقُ بقطعةٍ صغيرة من الورق فيها مكتوبٌ : أحبك، أو أعشقك، أو انت حبيبي الذي لا انساه .

حفظت بيتين للجواهري :

حييّتُ سفْحكِ عن بعدٍ فحييني ..

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ ..

حييتُ سفحكِ ظمآناً الوذ به ..

لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطّينِ

لكني اقف مبهوراً جامداً امام ما كَتب؛ كانّي جالس بينه، وبين المتنبي مستمعاً لحوارٍ قلّما اعرف تفسيرَ معانيه؛ لكني أذوب في سحره، وبيانه .

أسماءٌ كثيرة؛ كنجومِ السّماء، أو شُهبٍ تتساقط كل حين امام ناظري، والمدهشُ انّ أولَ كتابَ شعرٍ قرأته كان للشّاعر بابلو نيرودا الذي ذكّرني قوله بعد مقتل صديقه رئيس تشيلي سلفادور الليندي برصاص عسكرِ الانقلاب البينوشيتي حين هجم على بيته العسكر يفتشون عن السلاح لانه صديق الرئيس، ولمّا سئل عن السلاح قال : شعري هو سلاحي .. بقيت هذه الكلمات عالقة في ذهني؛ حقاً هو سلاحٌ جميلٌ وخطير .

ومع هذا لم أكنْ أعرف نيرودا، ولا الليندي الا بعد موت الشاعر وهو يقول كلماتَه الاخيرة :

إن تلك الشخصية (سلفادور الليندي) المجيدة، الميتة، كانت تمضي وهي مخرّقة برصاص رشّاشات عساكر تشيلي؛ الذين خانوا تشيلي مرة اخرى. لكنّي لم احفظ من شعره سوى صورة البطولة، والثورة، والحرية؛ مع أنّي لم أكن يسارياً، أو يمينياً، وطالما قرأتُ في نهاري الأدبَ الروسيّ، وفي ليلي أتهجّدُ بدعاءٍ الى الآن أردّدهُ :

(اللهمّ إنّا نرغبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تخلّصنا فيها من الظّالمين) .

حتى في محراب صلواتي أتذكّرُ الشعرَ الشهيد؛ المضمّخة دماؤه بلونها الأحمر، وانا لا احبُّ كل ثوبٍ أحمر، ٱلاّ راياتِ الشّهادة، وبطولةَ الأبطال، وعلم بلادي والصّرخات الحمراء المدويّة ضدَ العنف،والاستغلال، واستعبادِ البشرِ أينما كانوا .

أمّا محمّد مفتاح الفيتوري، شاعر الحرية السوداني، فما تزال الى الآن اصداءُ كلماتِه التي رسخَت، وتعمّقت تناغيني : الملايينُ افاقت من كراها .. ما تراها .. ملأ الافقَ صداها ....

ومحمود درويش وهو يوقّعُ وثيقته الشخصيّة : أنا عربي .. ورقمُ بطاقتي خمسون ألف .. اطفالي ثمانية ..وتاسعهم سيأتي بعد صيف .

هذه الصور المتّقدة لم تعلق بالذّاكرة فقط، لكنها ترسخت في اللا شعور، او ما يسمّى العقلُ الباطن، ومتى ما أحتجتُ اليها فإنها تقفزُ أمامي كدليلٍ للسّائحين لا يفارقُ الجماعةَ خوفاً من الضّياع، لذلك ربما حفِظَتْها الذاكرةُ بلا تعبِ الحفظ .

كذلك لم يكن لعبد المحسن الكاظمي، او محمد مهدي البصير؛ عملاقا الشعر والفصاحة نصيبٌ من الحفظ، وهما لم يفارقا دراستنا اينما كنّا . وإن كان الشعر حجازياً، او يمنياً؛ لكنّ بناءه، وكمالَ عذوبته، وجمالَ سحره، وبيانه إستقرّ عراقياً بدون منازع الى الحين باعتراف الجميع؛ لذلك لم يكن غريباً عندما تطفو كلُّ الأشعار وتسبحُ في عقلي، وروحي، وذاكرتي لشعراء عراقيين، وكأنهم بالفطرة ولدوا هكذا، وجُبلوا بالشّعر، وقد تكون هذه الحقيقة . حتى كتّاب الشعر العاميّ (الشّعبي) لا يجاريهم أحدٌ فيما يكتبون، وكأنهم ينفثون سحرَهم الأخّاذ بين الكلمات؛ ليصنعوا مجدَها وعُلاها، والاسماءُ لا تُحصى .

مما أعشقه من الشّعر كلمات الغزل، وكتبْتُ ما أحسبه اجمل غزليّاتي حين اشتعلت حربُ الثمان سنوات؛ فكانت ملآذي ألآمن وانا اكتبُ بعيداً عن كلّ شيء، لئلا تقعَ إحدى القصائدَ بيد العيون الماكرة آنذاك، وأقبعُ بعدها خلف أبوابٍ من حديدٍ لا يُعرفُ لونه، فكان الغزل هو حارسي الأمين الذي فارقني الآن بعد أن ذهبَ في إجازة طويلةٍ، ربما بلا رجعة، لان الورد يعشق الماء، وأنا الآن بين ظلالٍ من لهبٍ لا يلحفُني وحدي، بل هناك ملايين مثلي تبحث عن ظِلٍّ آمن غيره، ولم تجد !

لم اكن أعلم انّ للشعر طقوساً، ومواسمَ كغيره من الكتابة الاّ بعد سنواتٍ من البعد والقطيعة، لكنها ما كانت طلاقاً خلعيّاً مؤبداً؛ إنما كان طلاقاً رجعيّاً؛ عِدّتُه جيلٌ كامل؛ فلو تزوجَتْ إحدى قصائدي وقتئذ لأنجبتْ الآن أطفالاً وأراهم تلاميذَ مدرسة.

مارستُ طقوسي من جديد بهدوءٍ مع الوانٍ تهبها لي الطبيعة تارةً، وأحياناً يهبها ظلمُ الانسان لأخيه الانسان، وارسم بها لوحاتي ساعةَ يحينُ اللقاء، أو يدقّ ناقوسُ الأرواحِ العطشى للحروف.

لم تعُد الجميلاتُ ما اطمح اليه من وصفهنَّ؛ فالجمال ليس ابداً وجهُ امراةٍ، او جسدٌ يترقرق بين القلب، والعينين . فالشعرُ له شهوة خاصّة مفضوحة، وليس لها حياء، ولا تخشى أقسى العقوبات، أمّا شهواتي فقد انحرفت صوبَ الورود، وصباها، وندى الصّباح، وأريجَ زينته، وكلَّ اوراقِ الأشجار، وما تحملُ من ألوان .

بسمةُ طفلٍ صغيرٍ، او جذائلُ طفلة جميلة تدهشُ خلجاتي لصفائها، ونقائها، أو ترجعني لذكرياتٍ لم أرَ مثلها في حياتي حين كنتُ صغيراً، وحياتي اليوم كقطارٍ يكادُ يخرجُ عن محلِ سيره، ويهوي في مكانٍ سحيقٍ لا يعرفُ قراراً، او زمناً للرحيل رغمَ الاستعدادِ والتأهّب .

أسئلةٌ شتّى تراودني كثيراً : مَنْ منّا أوصل رسالتَه بما تحملُ من جُملٍ تخلو من تعقيد؟ مَن مازال الى الآن يلهثُ خلف سرابٍ من ضوءٍ متشتت؟ من انتصفَ من نفسه قبل ان يقولَ وداعاً؟

اكملتُ كلَّ عباراتِ رسالتي الاّ سطرين قربَ الهامش، كي أذيّلُها بتوقيعٍ استنبطه مع آخر كلمةٍ، حتى لا يتكرّرُ بينَ يديَّ مرةً ثانية، فقد يضيع القلم، او لا تقوى أصابعي على إمساكِه، لأنّ الأمور غالباً ما تخرجُ من بين أيدينا ونحن ننظرُ بدهشةٍ ولا نعرفُ ماذا نفعل، أمّا أنتم أصدقائي فلا أعرفُ ماذا تضمِرون، او ماذا ستكون رسائلُكُم، ولعلّي مِن هوسِ الشّعرِ، وذكرياته أوجّه أسئلتي مُجبِراً من لا يسعى لإجابةٍ أبداً، او لا يحبّذ سماعَها منّي، او من غيري، أن يعود الى نفسه ..

 

سعد الساعدي .. شاعر واعلامي عراقي

 

داود سلمان الكعبيالظواهر المدانة، التي جاءتنا- كنتيجة حتمية فور الاحتلال الامريكي البغيض لعراقنا الحبيب- كثيرة ومتعددة الاوجه، ومنها، على سبيل المثال: ظاهرة الشعر الشعبي والتي استفحلت وتغلغلت من مجتمعنا العراقي، واصبحت كالداء العضال لا يمكن الشفاء منه، والنتيجة هو الموت المحتوم.

هذا المرض، ساهم بضخ فايروسه في جسد الثقافة العراقية، العديد من وسائل الاعلام المختلفة، والطامة الكبرى، أن هذه الظاهرة أو كما عبرنا عنه: الداء العضال، وصل الى الجامعات، والعديد من الوزارات، بحيث ذهبت هذه الجامعات والوزارات الى عقد مهرجانات تجمع فيها العديد من كتاب القصائد الشعبية، بدل الندوات والمحاضرات العلمية والاقتصادية والفكرية بل وحتى الجلسات الادبية لكبار شعراء القصيدة العربية الفصيحة. وهذا، أن دل على شيء، فإنما يدل على انحطاط الوعي وموت الثقافة، والترويج الى الفوضى الفكرية، وانحراف ادوات الوعي المعرفي والعلمي والفلسفي، نحو الانزلاق الى درك الهاوية، والضبابية التي تريد من المجتمع العراقي أن يعود القهقرة بدل التقدم والسير باتجاه الفضاء المعرفي. والسبب أنّ المفردة الشعبية واستخدامها المفرط والمتكرر، وفي كل المحافل الثقافية، ستسهم في ضياع لغتنا العربية الجميلة، لغلة البيان والبلاغة، والمعرفة بكافة أشكالها.

أيضاً، لا ننسى دور الفضائيات الـ "عراقية" من التي باتت تروّج للشعر الشعبي، وخصوصاً ما تطلق عليهم بـ "الشعراء الشباب" حيث يسمعوننا هؤلاء الشباب مفردات بذيئة، وكلمات جوفاء، وجمل مقززة، وعبارات مكررة.

والسؤال: من الذي يقف ورى هذه الفضائيات؟ ومن اعطاهم الضوء الاخضر ببث كذا خزعبلات، ونشر كذا ترهات؟.

وكيف وصل الامر الى جامعاتنا العراقية العريقة؟، اين دور الاساتذة الجامعيين والتربويين؟. كيف غاب عنهم الامر؟ بل كيف انطلى عليهم، وأنا ككاتب وصحفي عراقي، أحمّل الجميع المسؤولية الكاملة، لأنّ الجميع اسهم- من حيث يدري أو لا يدري، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر- ببث هذه الثقافة المتدنية، وهذا المستوى الساذج من المعرفة، وهذه السطحية من القيم البالية، والتي تجاوزناها منذ عقود طويلة من الزمن، وهم بهذا يرومون أنْ نعود الى تلك القيم ونحن في عصر العالم الرقمي، وتعدد أطر المعرفة، واتساع آفاق الثقافة.

الشعر الشعبي هو لغة العوام، ليس لغة المثقفين وهناك كثير من الشعراء الشعبيين انتبهوا الى انفسهم وتركوا كتابة القصيدة الشعبية الى الابد، ومنهم الراحل جمعة الحلفي وآخرون لا تحضرني اسمائهم.

وحتى لا نبخس الناس اشياؤهم، ثمة اسماء لامعة ولها ثقلها في هذا المعترك، مثل مظفر النواب وكاظم اسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف وامثالهم، (بالإضافة الى كريم العراقي كشاعر غنائي، وليس كشاعر قصيدة، فهو في كتابة القصيدة خالي الوفاض صفر اليدين)، كون هؤلاء قد كتبوا ايضاً الاغنية العراقية الجميلة وذاع صيتها في الآفاق حتى وصلت جميع الدول العربية.

وأما اليوم ما نسمعه من ضجيج فارغ "للشعر الشعبي" فيجب محاربته ونبذه وعدم الترويج له. وأعتقد جازماً: أن هذا الكم الهائل من الشعراء الشعبيين، ما هو الا انعكاس للوضع السياسي الذي يمر به البلد، وتأتي على رأس هذا تفشي ظاهرة البطالة في صفوف الشباب. فامتهان الشعر الشعبي اصبح كتكسب لسد رمق، ليس ألا.

 

داود سلمان الكعبي

  

 

خليل ابراهيم الحليكان الشاعر نزار قباني يلقى قصيدته في إحدى القاعات التي ضمت مهرجاناً شعرياً في بغداد عام 1962م فوقع بصره وهو يشدو بقصيدته على فتاة عراقية في العشرينات، شديدة الجمال، مليحة القوام، تلاقت أبصارهما مرات ومرات فوقعت في قلبه، فهام بها.

سأل عنها، فعلم أنها بلقيس الراوي، تعيش في الأعظمية في بيت أنيق، يطل على نهر دجلة، فتقدم لخطبتها من أبيها، ولأن العرب لا يزوجون من تغزل في ابنتهم، لم يوافق، فعاد نزار حزيناً إلى أسبانيا حيث كان يعمل في السفارة السورية.

ظلت صورة بلقيس تداعب خياله ولا تغرب عن باله، لكنه ظل يتبادل معها الرسائل في غفلة من الوالد.

بعد سبع سنوات عاد إلى العراق ليشارك في المربد الشعري وألقى قصيدة أثارت شجون الحضور، وعلموا أنه يحكى فيها قصة حب عميقة، فتعاطف معه الشعب العراقي بأسره، كان يقول في قصيدته:

مرحباً يا عراقُ، جئت أغنيك

                      وبعـضٌ من الغنـاء بكـاءُ

مرحباً، مرحباً.. أتعرف وجهاً

                       حفـرته الأيـام والأنـواءُ؟

أكل الحب من حشاشة قلبي

                       والبقايا تقاسمتـها النسـاءُ

كل أحبابي القدامى نسـوني

                     لا نوار تجيـب أو عفـراءُ

268 نزار وبلقيسفالشفـاه المطيبـات رمادٌ

                   وخيام الهوى رماها الـهواءُ

سكن الحزن كالعصافير قلبي

                   فالأسى خمرةٌ وقلبي الإنـاءُ

أنا جرحٌ يمشي على قدميه

                     وخيـولي قد هدها الإعياءُ

فجراح الحسين بعض جراحي

                  وبصدري من الأسى كربلاءُ

وأنا الحزن من زمانٍ صديقي

                 وقليـلٌ في عصرنا الأصدقاءُ

كيف أحبابنا على ضفة النهر

                     وكيف البسـاط والنـدماءُ؟

كان عندي هـنا أميرة حبٍ

                   ثم ضاعت أميرتي الحسـناءُ

أين وجهٌ في الأعظمية حلوٌ

                     لو رأته تغار منه السـماءُ؟

نقلت القصة إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، فتأثر بها فبعث بوزير الشباب الشاعر شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية، والشاعر شاذل طاقة، ليخطباها لنزار من أبيها، عندها وافق والدها فتزوجا عام 1969 ليعيشا أجمل أيام حياتهما.

وبعد عشر سنوات من الزواج والترحال قال فيها قصيدة غناها كاظم الساهر مطلعها :

أشهدُ أن لا امرأة ً

أتقنت اللعبة إلا أنتِ

واحتملت حماقتي

عشرة أعوام كما احتملت

واصطبرت على جنوني مثلما صبرت

وقلمت أظافري

ورتبت دفاتري

وأدخلتني روضة الأطفال

إلا أنتِ ..

ما أن أشرق عام 1981م، وبعد أن استقر بنزار وزوجته المقام في بيروت، حيث كانت بلقيس تعمل في السفارة العراقية، حتى كان الخامس عشر من الشهر الأخير من عام 1981 ودعها نزار لتذهب إلى عملها وتصافحا فتعانقا فتفارقا، فذهبت إلى عملها وذهب نزار إلى مكتبه بشارع الحمراء، وبعد أن احتسى قهوته سمع صوت انفجار زلزله من رأسه إلى أخمص قدميه، فنطق دون شعور، قائلاً : ياساتر ياربي، وما هي إلا دقائق حتى جاءه الخبر ينعي له محبوبته التي قتلت في العملية ومعها 61 من الضحايا، فكتب فيها قصيدة رثاء لم يكتب أطول منها في حياته، ولا أجمل منها في مسيرته الشعرية هذه قصة الحب والإرهاب، إنها قصة تؤكد أنه ليس للإرهاب قلب، وليس له مبدأ، وليس له إيمان.

جزء صغير من قصيدة "بلقيس"

شكراً لكم ..

شكراً لكم . .

فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيده

وقصيدتي اغتيلت ..

وهل من أمـةٍ في الأرض ..

- إلا نحن - تغتال القصيدة ؟

بلقيس ...

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس ..

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي ..

ترافقها طواويسٌ ..

وتتبعها أيائل ..

بلقيس .. يا وجعي ..

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى ..

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟

يا نينوى الخضراء ..

يا غجريتي الشقراء ..

يا أمواج دجلة . .

تلبس في الربيع بساقها

أحلى الخلاخل ..

قتلوك يا بلقيس ..

أية أمةٍ عربيةٍ ..

تلك التي

تغتال أصوات البلابل ؟

 

عقيل العبودمن الضروري الإشارة الى ان علم النفس هو العلم الذي يبحث في المعاناة الحسية والشعورية المرتبطة بنفس الانسان من حيث الماضي والحاضر، هذه المعاناة من أهمها الشعور بالإكتئاب Depression، أو القلق Anxiety هذا الشعور يراود الانسان نتيجة لظروف اجتماعية لها علاقة بنمط الحياة التي عاشها ويعيشها الانسان، وتخضع هذه الظروف الى متغيرات حياتية ، من ضمن هذه المتغيرات انفصال الزوج عن زوجته، ترك الأولاد والأم بحثا عن فرص عمل قد تكون خارج الولاية التي يعيش بها الآباء، ومن الطبيعي ان التأثيرات المرضية والصحية لها علاقة مهمة بهذا الموضوع، فقد يعاني زوجان

من أمراض مزمنة، وتجد ان القرينين تنتابهما خشية ان يموت احدهما قبل الاخر، ويبقى هذا الاخر يعاني مما يسمى الوحدة / العزلة solitude، وما احُب الإشارة اليه في هذه المقالة، هو انه لا يوجد علم نفس حقيقي بدون ان يكون هنالك دراسة تامة في باب المجتمع والتكوين الاجتماعي للاسرة، وهذا التكوين يخضع ايضا للبحث الجيني، وهذا ما تم البحث فيه ضمن مقالات عديدة للدكتور بهجت عباس علي* وعلاقة ذلك ايضا بعلم الأنثروبولوجيا، باعتبار ان الكائن الاجتماعي يخصع لهذا النوع من التطور.

 

عقيل العبود/ ساندياكو

........................

*راجع موقع الناس/ الحوار المتمدن/ المثقف مقالات د. بهجت عباس علي في علم الجينات.

 

شاكر فريد حسن"حبة قمح" هذا هو العنوان الذي أطلقته الفنانة التشكيلية سينا أحمد عبد العال، ابنة أم الفحم، على معرضها الفني الأول الذي أقامته مؤخرًا في المركز الجماهيري بالمدينة، وضم العديد من اللوحات الزيتية المستوحاة من حياتنا الريفية الفلاحية وواقع الناس، والمعبرة عن همومنا وجراحاتنا اليومية، والمستمدة من طبيعة بلادنا، حيث تأخذنا الى السهول والمروج والجبال والوهاد والحقول البعيدة، فترسم سنابل القمح بكل ما تمثله وترمز اليه بصورة جمالية وفنية موفقة.

سينا العال شاعرة وفنانة تشكيلية بالفطرة، تكتب القصيدة، وترسم اللوحة، والفن يسري في عروقها وشرايينها، وهي ترسم منذ الصغر، وكانت تستخدم قلم الرصاص، ولكن منذ خمس سنوات تحولت الى الرسم بالألوان الزيتية والمائية، ما شكل قفزة نوعية وتحول غير متوقع في لوحاتها.

وكانت سينا شاركت في معارض مشتركة في الناصرة وأم الفحم. ولكن هذا هو المعرض الفردي الأول الذي تقيمه، وقد شهد اقبالًا منقطع النظير، ولقيت اللوحات اعجاب الزائربن.

أعمال سينا العال توسم بالتمايز في الصنعة واستخدام التقنية، والتنوع في الموضوعات والألوان المختلفة.

ويمكن القول، أن لوحات سينا موسومة بالواقعية وتحمل الكثير من العناصر الفنية التي تم توظيفها التوظيف السليم في اللوحة الفنية مما اضفى على رسوماتها مسحة جمالية تلفت النظر وتشد المتلقي للتمعن والتمتع بما تحققه من انسجام وزهاء في الالوان ومهارة في دفق الحيوية.

28 سينا العال

وتكتظ لوحات سينا العال بكثير من التأويلات، رغم وضوح معالمها، فعبر دلالات مؤطرة بالأمل سعت وتسعى الى محاكاة الوجوه التي نفذت بملامحها لتجسيد معاني الألم والوجع الانساني المقترن بالصمود والمقاومة، والتمسك بالمكان والهوية.

وتعج فضاءاتها المتسعة لكل الخطوط والألوان في لوحاتها، بالمتعة الحسية، وبثورة تتفجر متها ألوانها الزاهية ما يجعلها تبرز وتركز على القيم الجمالية رغم زخم المواضيع المطروحة في تصاميم لوحاتها المرتبطة بأفكارها، وبأسلوبها الباحث عن جمالية طبيعية وقدرات تخييلية مستقبلية برؤى بدائية تحمل روح العصر.

وفي الأجمال، سينا أحمد العال فنانة مبدعة بنتظرها مستقبل فني مشرق، أثرت المشهد البصري بجماليات تغني الروح والفكر معًا.

فأجمل التحيات لها، والتمنيات بالمزيد من حصد النجاحات المستقبلية، وقدمًا الى أمام، وانني على ثقة بأنك ستحفرين اسمك عميقًا على صخرة الابداع الفني التشكيلي والأدبي.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

 

سلس نجيب ياسيناذا عرفنا الابداع فبامكاننا القول بانه ابتكار لحلول جديدة في وضعيات معقدة ويمكن ايضا القول فيه انه خروج عن المؤلوف وتميز يضيف جمالا للواقع دون ان يتمرد او يتطرف عليه.بحيث هو احترام تام للعادات والتقاليد والاعراف وكذا الشرع دون الخروج عنهم ولكن مع اخضاع المجتمع لتلك الفكرة او العمل والذي من دون شك ياتي من التفكير بطريقة مختلفة واحيانا جذرية عن ما هوكائن واول دوافعه هو وجود التحديات وباستمرار وكذا التقرير والثقة بالنفس لتحديها والتمتع بالتغلب عليها وتركها للوراء وهو ايضا خروج عن المؤلوف .وواحد من اهم عوامله هو عدم التسرع وعدم الانهزامية ووضع الصبر وتلك النظرة الشمولية محطة فارقة بين ما هزم الاخرون وبين ما تحداه المبدع ونجح في تخطيه ولا يمكن فصله (الابداع) عن حب المغامرة والاكتشاف والتعلم وطرح الاسئلة والاستمرار في التجربة وخلق الحلول الجديدة الغير روتينية

وبالتالي فهو تفكير خارج عن الدائرة المؤلوفة من دون الاضرار بها بل بالاضافة فيها واليها ويمكن الاشارة ايضا ان المبدع هو ذلك الشخص والذي بامكانه النجاح في اي مجتمع بل والاضافة لنفسه ولمجتمعه وبالتالي فيمكننا القول ان الابداع واحد من اهم عوامل النجاح

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

 

نبيل عودةنص آسر يخفق بصدورنا مع دقات قلوبنا

"من أجل عينيكِ الحياة أبيعها"، فورا أدخلني الشاعر المهجري د. جميل الدويهي الى نوسطالجيا ايام الشباب، طبعا لن نبيع الحياة، لكنه تعبير عن الشوق لحسناء سحرته، ربما شابا، وظل سحرها ينمو بين اضلاعه حتى تفجرت مثل هذه القصيدة الإنسانية في مضامينها، بصورها الشعرية الآسرة والمثيرة لكل واحد منا عايش أجمل سنوات الشباب، حرا مثل نحلة تحط على الأزهار .. ما أكثر الأزهار ويا حيرة لم تنته، ونفس لم ترتو من ظمأ الحب، بل ظلت خفقاته خالدة في أرواحنا .. رغم اننا عبرنا جيل الشباب، الى جيل ملعون يجعلنا ملك الرصانة، وروحنا منها براء.

الحنين حين يتدفق شعرا او نثرا يكشف اوراقنا العتيقة، ويغرقنا بنوسطالجيا (حنين) الى متعها التي لا تفارق مشاعرنا، رغم الجيل الذي فرض علينا رصانة واتزانا .. لكن الحنين يتفجر بين فينة وأخرى، بشكل قصة، او قصيدة .. والله لولا الذاكرة لما استحقت الحياة ان نبقى بها لحظة واحدة.

قرأت هذه القصيدة مرات كثيرة، وكلما قراتها اثارت في نفسي العديد من الذكريات والصور التي لا تغيب عن الذاكرة:

جذلانةً ً تمْشي كعزف ربابةٍ

وبنظرةٍ من عينها تغتالُ؟

تذكرني بجرير الذي اشتكى:

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ، قتلننا ثمَّ لمْ يحيينَ قتلانا

قرأت القصيدة واعدت القراءة وانا في حيرة كبرى، أي نماذج أسجل من هذا العشق الدافق؟

منذُ الولادة ِ ما لديّ هُويّةٌ،

فأنا مصيرٌ غامِضٌ، وسؤالُ

لكنّني في الحُبّ عندي ثروةٌ،

ولديّ من شِعْر الهوى أحْمالُ...

ماذا ارتكبنا من أخطاء بحقك يا جميل حتى تعيدنا لأيام بدأنا ندفنها ونحاول ان نعيش زمننا بما وصلناه من جيل ما بعد الكهولة؟

هل تريد مني تصريح يفضح مشاعري؟ كتبت قصة اثارت ضدي موجة نقد وتهما بالمراهقة، اسم القصة "كنت معها". وهي لقاء مع حب شبابي الأول، الذي ما زال يخفق في صدري بمجرد تذكر ملوحة دموع معشوقتي.

ماذا أحبُّ؟ أحبُّ أن تتدلّلي،

ويشاغبَ الخصْرُ الذي يخْتالُ...

وأحبُّ في الشفتين ِ أن تتَمرّدا...

إنّ التمرّدَ في الشفاه جَمالُ.

وأريدُ أن تتنازلي... وتُقبّلي

حتّى يَصيرَ بأضْلُعي زلزالُ

مجرد اعادتنا لنوسطالجيا الشباب وصبايا الورد هو زلزال، كثيرا ما عاتبت ربي لماذا لم يطل أيام شبابي لمائة سنة كاملة حتى ارتوي .. ثم ليميتني شابا ابن مائة، وسأكون شاكرا فضله حتى وانا اصرخ من نار جهنم. وأحيانا أغضب من انه خلقني قبل 70 عاما، ولم يكن الجمال متفجرا كما هو في هذه الأيام.. سألوا رئيس لبناني سابق هو كميل شمعون عن رأيه بموديل فستان الميني، الذي يكشف مناطق مغرية من فوق الركبة، فرد "قصروا لما قصرنا".

الصور الشعرية بهذه القصيدة من الكثافة والرقة وجمال الصياغة ما يجعلها أقرب الى لوحة بريشة رسام .. اهم أمر سحرني هي البساطة في التعبير، لكنها بساطة تحتاج الى قلم مجرب، وتجربة إبداعية وذاكرة تحمل من الورد ما تعجز عنه قاطرة ...

لا أعزائي أنا لا اكتب نقدا، بل انطباعات قارئ، تركت في نفسه هذه الكلمات باقة ورد وحنين دافق وحب للإنسان والطبيعة والابداع الأدبي الراقي.

من أجل عينيكِ الحياة أبيعُها،

فأنا بدونِك صُدفة ٌ، وزَوالُ...

ويرد على من يدعون الأخلاق وهي منهم براء:

قالوا عن الحبّ الجميلِ: خـَطيئةٌ،

فحياةُ كلِّ العاشقينَ ضَلالُ...

لكنه يعطي الجواب الشافي:

وإذا يغيبُ الحبُّ يوماً واحداً،

تبكي السماءُ، ويَعرُجُ المَوّالُُ.

أيها الشاعر المبدع جميل الدويهي، لماذا تعذبنا ونحن في جيل بتنا نرى ونحلم ان يعود الشباب يوميا؟

لا باس .. سنعيش ما تبقى لنا من عمر ونحن نحلم ان ينتصر الحب والجمال وتفنى الجريمة والدمار .. ربما ليس لنا انما لأولادنا وأحفادنا وهو أكبر حب يغرد في قلوب أبناء جيلي.

 

نبيل عودة

 

 

سلس نجيب ياسينتاليف كتابك الذي ترغب في نشره ليس بتلك الصعوبة التي تتخيلها ذلك ان تبسيط الامور من شانه ان يساهم في مساعدتك على الامر وفي المقال سوف نتطرق لبعض التقنيات المساعدة على ذلك وستكون في شكل نقاط ورؤوس اقلام كالاتي :

1- اكتب كل محور على حدى مع عنوانه المناسب

2- لا باس ان تترك ترتيب الفصول او المقالات حتى الاخير

3- راعي خصوصيات العصر وحاول الاختصار والاصابة

4- حاول او ركز على اعطاء الكتاب عنوانا مناسبا مبسطا يريح الجميع

5- بعد ترتيب كل فصول او مقالات الكتاب اذهب لوضع الفهرس

6- اذهب الى المقدمة واجعلها تشويقية فاتحة لشهية القراء

7- في الاهداء راعي استهداف اكبر شريحة ممكنة

8- كن اكثر عاطفية وحب في الخاتمة عكس كل ما سبق

9- راجع ماكتبت واضبط الاخطاء او الثغرات التي تم نسيانها

10- احصر على الجمال الخارجي للكتاب والالوان لتكتمل العملية

11- ضع في اعتبارك انه سيكون متواجدا لشرائح كبيرة خاصة عبرالنسخ الالكترونية على الانترنت فالحرص على النفع

كانت هذه بعض التقنيات والخطوات المساعدة والميسرة للانطلاق في تاليف وكتابة كتابك الذي تريد فانطلق لللامر ولا تتردد

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين