محسن الاكرمينلست أدري حين أكتب أحس أن روحي تتنفس هواء نقيا من داخل مواجع الأحزان. لست أدري أن الكتابة ما هي إلا تعبير صريح عن الألم ومجاراته بدمع لا يسيل. كل حروفي وأسطر جمل كلماتي أشتم فيها رائحة مداد نكوص حياة وتعب التفكير. مرات قليلة ألمح فيها الأمل الممزوج بالأنفة الصامتة، مرات عديدة أعدم حروف بالوأد الطوعي قبل أن ترى نور التداول الجماعي وتفكيك شفراتها الخفية.

هي عنيدة حروفي حين تقض مضجع نومي وتنادني نهوضا إلى سحر الكتابة ليلا، هي مفزعة حين ترفض الخروج إلى الوجود وأنا منتشي بالفرحة و البسمة الشريكة. عجيبة هي حروفي الوفية للماضي والحاضر والتي تأبى إلا أن تركب عن الصدق  وتغور عن الرياء، هي حروفي التي تصدق المعنى في التركيب لتصير كلمات وجمل دالة حينا، وأخرى تحتاج للتأويل والتحليل ثم التركيب الثاني.

لمن تكتب؟ ولما تكتب يا رجل؟، كم أنت دالة أيتها الحروف النكرة حين يتم تعريفك بالنداء القريب. غير ما مرة يصيبني التأسي حين أمسي بلا رصيد تعبئة مضاعفة من كلمات أختطها بمداد أسود على مساحة بيضاء عن يومياتي حياتي. يصيبني العوز الكاشف حين أنظر في صفحاتي مذكرتي فأجدها بيضاء خالية من مداد خط حياة و لو بالخربشة الحانقة و المفرطة في تعرية الذات.

أعاتب يوميا أقلامي الحادة، ذات الألوان المتنوعة، حتى منها قلم الرصاص والممحاة. ألوم فيها أفكارها الجارفة نحو النقد الحارق، ونفض واقع معلوم ولو بحبر رصاص قابل للتعديل. حين أفكر بالوفاء لقيم الماضي والحاضر أبعثر حروفي الطيبة المسكينة وأتركها تتحمل التأويلات المفرطة، وحتى اللوم والحنق عن دلالاتها المشكلة. أترك كلماتي الطيبة بينكم للتحرر من سلطة التقادم التي سجنتها طوعا بمخيلتي منذ معرفة خطيئة آدم .

حين نطقت حروفي لأول مرة ثورة، وهي تجابهني بقوة الشدة، أصبت بالذهول أمام تعسفي عليها مرارا ولم أنصت لها يوما. حين اشتدت لون احمرار عيون نقطها الفوقية والتحتية بالصياح والرفض بالقول، لما لا تكتب عن البهرجة والتسلي؟ لما لا تترك حروفك تأكلها أرضة الكساد وتريحنا كليا؟. حينها وجدت أن حروفي تحترق نارا من الداخل، وجدتها تقاوم على البقاء والاستمرار في الخط دون اعترافها بنقط الحذف... الأخيرة.

 

ذ محسن الأكرمين.

 

كان شيرون Chiron ذا طبيعة خاصة، فلم تكن طبيعته بشرية، بل كان قُنطورًا Centaur؛ والقنطور هو كائن خرافي عند الإغريق نصفه العلوي رأس وجذع إنسان، ونصفه السفلي جسم حصان.

عُرف عن القناطير في الميثولوجيا الإغريقية انغماسها في الشهوات، ومعاقرتها الخمور، وعدم عنايتها بتلقي العلم والمعرفة، وأن نشأتها كانت من اتحاد إيكسيون Ixion ونيفيلي Nephele.

لكن شيرون لم يكن كباقي القناطير؛ جسميًا كان يمتاز عنهم بوجود أيدي بشرية تخرج من الجذع. وصفاته الخُلقية كانت مختلفة أيضًا، فقد كان متحضرًا، وديعًا، كريمًا، ومتعلمًا، بل كان أكثر أهل زمانه علمًا، كما أنه نصف إله؛ فقد كان شيرون ابن الإله كرونوس Cronus والحورية فيليرا Philyra.

ووالده كرونوس هو أحد آلهة التيتان الذين -وفقًا لأساطير الإغريق- قد حكموا الأرض قبل آلهة الأولمب الاثنى عشر. وكرونوس لم يكن والد شيرون وحده، بل كان أيضًا والد زيوس Zeus كبير آلهة الأولمب.

عاش شيرون على جبل بيليون Pelion مع زوجته الحورية تشاريكلو  Chariclo، وكان لديه ثلاث بنات وابن واحد.

ولأنه كان أعلم أهل زمانه كان معلمهم، وجميع آلهة وأبطال الأساطير الإغريقية كانوا تلاميذ شيرون، مثل أخيلس Achilles بطل طروادة، الذي مات بالسهم المسموم في وتر قدمه الذي كان نقطة الضعف الوحيدة في جسمه، وكذلك هرقل Heracles ابن كبير الآلهة زيوس كان تلميذه. وعلى يدي هرقل حدثت مآساة شيرون!

بدأت المآساة عندما كان هرقل في زيارة فولس Pholus في كهفه لإتمام بعض أعماله، وعندما كان فولس يفتح زجاجة من الخمر ترحيبًا بهرقل، جذبت الرائحة مجموعة من القناطير الظلامية، التي هاجمتهما في محاولة لانتزاع الخمر. استخدم هرقل سهامًا مسمومة وسددها نحوهم، وقتل العديد منهم، لكن أحد تلك السهام المسمومة أصابت أستاذه شيرون عن طريق الخطأ.

وفقًا للأسطورة؛ ولأن شيرون نصف إله فهو خالد، وليس من المفترض أن يموت، لكن من الممكن أن يتألم، ولأن الألم لم يكن محتملًا، فقد قرر شيرون أن يتنازل عن الخلود في مقابل الحرية، ولكنها ليست حريته هو بل حرية بروميثيوس Prometheus. وأيضًا منح خلوده إلى بروميثيوس.

وقرر كبير آلهة الإغريق زيوس تعويض شيرون، فقام بتحويله إلى مجموعة من النجوم التي تشكل صورته، وتكون ما يُعرف ببرج أو كوكبة (القوس) أو (الرامي) أو (المحارب).

انتقى زيوس لشيرون المجموعة النجمية التي على صورته لتكون التاسعة في دائرة البروج؛ لأن الإنسان يُولد بعد تسعة أشهر، فذلك رمز لتكامل القوة الجسمية مع القوة العقلية التي يمثلها شيرون؛ جسم الفرس مع نصف الإنسان العلوي برأسه ويديه، فكأن إنسانًا كان سيخرج من جسم الفرس لكنه لم ينفصل عنه، وهو تعبير عن التحام الطبيعتين المادية والعقلية الروحية أقوى مما لو كان على صورة فارس يركب على فرس. وتُمسك يد الإنسان بالنصف العلوي من القنطور قوسًا مُصوَّبًا يحمل سهمًا.

وقرر زيوس أن يكون مسئولًا بنفسه عن تلك المجموعة النجمية. وزيوس Zeus عند الإغريق هو جوبيتر Jupiter عند الرومان، وهو مردوك عند أهل بابل، وهو ذاته المشتري عند العرب؛ فهو كبير الآلهة الذي يقابله أكبر كواكب السماء وأجملها. أسماه العرب (التبر) أي الذهب السائل لشدة لمعانه، كما أسموه (المشتري) لأنهم قالوا: كأنه اشترى الحُسن لنفسه!

صفات مواليد الكوكبة وعلاقتها بالأسطورة

بناءً على تفاصيل الأسطورة فمن يولد في تلك الفترة الزمنية التي تقابل البرج التاسع في دائرة البروج، وتمتد في الفترة من 22 نوفمبر وحتى 21 ديسمبر له جسم متناسق قوي عضلي البنية، وعقل واعٍ حكيم، لديه مزيج فريد –وربما عجيب- من حب الحياة والانطلاق والسفر، وحب العلم والتثقف؛ ولنقل أنه أكثر الحكماء تهورًا. هو مزيج من الحرية والمحافظة، بقدر تلقائيته لا ينفك عن التفكير! مزيج من الذكاء وبراءة الأطفال الساذجة؛ فذكاؤه لا علاقة له بالخبث، وهو مثل السهم ينطلق في خط مستقيم لا يعرف اللف والدوران، وغالبًا صراحته جارحة. بقدر عفويته وصدقه هو غامض لا يفهمه إلا قلة. وبقدر خجله هو شجاع وجريء فيما يستلزم الشجاعة. وبقدر طيبته يكون متمردًا وعنيدًا. وبقدر هدوئه يغضب كالسهم المنطلق.

ويحمل هذا المولود صفات الخيل، والخيل هي خلاصة كل جميل في الخُلق؛ فالخيل معقود بنواصيها الخير، والفرس هو الحصان (الحصن الذي تلوذ به)، وهو الجواد (من الجود والكرم). تقول العرب عندما يشعر أن صاحبه بحاجة إليه أن يسرع به سيبذل أقصى قوته في الإسراع بالجري دون وخز جانبه. مولود القوس لا يتخلى أبدًا عمن يكون بحاجة إليه.

والخيل هي أحنّ المخلوقات؛ في حديث الرحمة في صحيح البخاري خُصّت الفرس بالذكر حين ترفع حافرها عن ولدها. والخيل هي رمز الشجاعة، وهي أيضًا رمز الكرامة وعزة النفس والإباء. وأرقى الحزن هو حزن الخيل؛ تنزوي ولا يصدر عنها صوت.

كما أن (فرس) إذا قُلبت حروفها صارت (سفر)، ولا ننسَ أن شيرون تنازل عن الخلود في مقابل الحرية؛ فالحرية عند هؤلاء المواليد أغلى من الحياة.

ويمكن أن تقلب (فرس) أيضًا لتكون (رفس). لكن الخيل تبتعد عمن يحاول أن يؤذيها في البداية، ولا تؤذيه إلا إذا لاحقها. وهذا ما يفعله مولود القوس. لا يسعى في إيذاء أحد، لكنه يعرف كيف ينتصر وينتقم ممن أذاه.

بالنسبة لرمزية القوس التي يحملها شيرون في يده، وتشكل جزءًا من كوكبته النجمية، فهو يرمز لأمور عديدة؛ فالقوس هو قوس كيوبيد إله الحب، وبالرغم من أنه مما اشتُهر به زيوس (المشتري) الذي يُصاحبهم حبه للنساء، فإن السهام تنطلق منهم لا إليهم، يخافون الحب وليس من السهل أن يصيب سهم قلوبهم؛ وغالبًا يتأخرون في الزواج، والقوس أيضًا هو قيثارة الغناء، كما أن الحصان يطرب للموسيقى، فتجد هؤلاء المواليد يعشقون الموسيقى، والقوس هو قوس الفارس المحارب، ولطالما اقترنت الفروسية بالرماية خاصة عند العرب، والقوس هو قوس الصبر أيضًا؛ فالسهم لا ينطلق إلا بعد أن يُشد القوس إلى آخر مداه، وعندها لا يمكن إيقافه؛ لذا تقول العرب: لم يعد في قوس الصبر منزع. والرمي بالقوس في العربية كناية عن إنفاذ الكتب والرسائل، وبالتالي فهم غالبًا معلمون أو قادة في أعمالهم مثل شيرون. الرمي بالقوس عمومًا هو تعبير عن إصابة الهدف أيًا كان، فهؤلاء المواليد يعرفون طريقهم صوب النجاح.

ولكن هذا المولود على كثرة ما أُعطي من مزايا يعاني في حياته كثيرًا؛ فدائمًا ما تصيبه سهام مسمومة –مثلما حدث لشيرون في الأسطورة-، لكنه أقوى من أن تؤثر فيه؛ فهي لا تقتله، لكنه يبقى يتألم. وإن كانت مشاكله تُحل دائمًا بعد عناء؛ لأنه وفقًا للأسطورة أيضًا فإن زيوس (المشتري) يصاحبه بنفسه. ومعروف أن المشتري نفسه لأنه أكبر الكواكب كتلة وأعلاها جاذبية يتعرض لقذف كوني متواصل من الأجسام السماوية الصغيرة، لكنها لا تؤثر فيه!

رمزية الخلود في الأسطورة تنعكس في أن هؤلاء المواليد ينساهم الزمن بالتعبير العامي؛ فهم دائمًا يبدون أصغر من أعمارهم الحقيقية.

ولأن هذه الكوكبة لا تضم نجومًا كثيرة؛ فمواليدها قليلون للغاية، وهم الأندر إحصائيًا بين كل الأبراج، وذلك على مستوى العالم.

 

د. منى زيتون

 

في الحقيقة ان برامج السويشل ميديا غزت جميع البيوت العربية حتى اصبح من الصعب السيطرة على اطفالنا واهلينا في استخدامها، ولكن هناك امور عدة لفتت انتباهي وانتباه الكثيريين منا وهي المثالية التي يدعيها الجميع في هذا العالم اقنعة لا نهاية لها حتى تجعلنا نتسائل اذا كان الجميع مثاليين هنا فأين يوجد الشر والجهل والدكتاتوريه والعنف ..الخ   

عالم السويشل ميديا عالم كبير لا حدود له  يحدثني احد الاشخاص قائلاً كنت اتصفح احد برامج التواصل رآيت شخصاً يقرب لي قد قاطع اخاه لانه قد استلف منه مالاً ولم يعيده له  ويعلق على احد الصفحات ويتحدث عن الاخوة وعن صلة الارحام وكيف يجب ان يتعاون مع اخوته في كل امور حياتهم  واخر لم يعطي اخته من ورث ابيها ويتحدث عن حقوق المرأة  ازدواجية واقنعة يرتدونها دون حياء  ومنهم من يطعن بصديقه خارج عالم السويشال ميديا ويأتي الى العالم الافتراضي ويكون امامه وامام الاخرين كأنـه صديق حميم له لا اعلم هل هذا نقص بداخلهم يشعرون به ويأتون الي عالم السويشال ميديا ليسدوا تلك الفجوة التي بداخلهم،  البعض ايضاً قد غزتهم السويشال ميديا بشكل فضيع يكلفون انفسهم او اهاليهم فوق طاقتهم فقط  من اجل التصوير في (السناب او الستوري) على البرامج، تقول احدى الصديقات عن صديقتها انها تستحي ان تأكل اكل رخيص او تذهب الى مطعم رخيص حتى لايهتز منظرها امام جمهورها في المواقع التواصل تحمل نفسها فوق طاقتها تستلف من عندنا لأجل ان تشتري ارقى الهواتف وفي يوم قد تعذرتها قاطعتني، هذا التصنع والتكلف الذي يتعامل به هؤلاء الاشخاص يجعلهم لا يقتنعون بشيء ويرميهم الى الهاوية . وايضاً انتشار الجهر في عمل الخير وكأننا نعمل الخير وندفع الصدقات لاجل ان يشكرنا الناس او يقولون انه يساعد الفقراء او المحتاجيين لا لأجل الله وحباً بعمل الخير يستغلون الفقير والمحتاج لتحقيق غاياتهم الاعلامية قد اثرت بنفسي صورة طفلة قد شوهت حقيبتها المدرسية من اجل ان تمحي شعار طبعة الجهة المتصدقة عليها بهذه الحقيبة نسينا  حديث الرسول صل الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم  (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) الكثير يتحدثون بأسم الانسانية وحب الخير واحدهم لايحب الخير لاخيه جميع تلك الصور والمقاطع والاعلانات ماهي الا حملات ترويجية لاجل غايات معينة يريدون ان يصلون اليها  وتجدون هذه الاشياء غالباً في العالم العربي  اكثر عكس. المجتمعات الغربية، لا اعلم هل لاننا مجتمعات تحب التدخل في شؤون الاخرين مما دفعنا الاهتمام بالاشياء الخارجية والتصنع خوفاً من اراء الاخريين فينا .  

عالم السويشال عالم وبحر عميق لتبادل الافكار والتعرف على الشعوب والثقاقفات الاخرى لجمع بين اصدقاء قد ابعدتهم الظروف عن بعض  لا لجعل منه ملجأ لاكمال النقص الذي نشعر فيه في داخل ذواتنا المريضة  تعد الوسائل التواصل الاجتماعية وسيلة للكثيرين لتسهيل عملهم وايجاد فرص عمل عبرها والدعوة لمساعدة المحتاجيين  لا لنملئ حائطنا بمنشورات النسخ والصق دون اي ثقافة اذا كنت في عالم السويشال ميديا تبحث عن ذاتك فلن تجدها . تعلم كيف تستخدم تلك الوسائل حتى تكون نعمة عليك لا نقمة اذا ملأت خواء روحك من كل تلك الاشياء التافهه  ستصل حينها الى مرحلة النضج والاسخدام السليم لهذا العالم الافتراضي  .

 

‏‫ غروب الجبوري

العراق | الموصل  

 

سعيد مقدمفي قصتي التالية، جاءت الفكرة فدونتها؛ وبقى العنوان:

صلت وهي تبتهل إلى ربها وتطلب رحمته،

في سجدتها الأخيرة دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها،

ضربته بقسوة على يديه وقالت:

اللئيم، كاد يقطع خيوط الرحمة التي نسجتها بيني وبين ربي.

وفي القصة القصيرة جدا اختيار العنوان أصعب من القصة نفسها.

وبما أن أحداث القصة تدور حول امرأة عجوز، فاخترت (امرأة عجوز) عنوانا للقصة، وتركتها حتى يوم غد.

عند الغد وجدت العنوان طويلا ويمكنني أن أحذف كلمة (امرأة) وأكتفي بكلمة (عجوز)؛ فمن يقرأ القصة سيعرف أن العجوز تعني امرأة عجوز.

وأغلقت صفحة الجهاز اللوحي.

بعد صلاة العصر نظرت إلى قصتي أراجعها ثانية، ووجدت أن مفردة العجوز لا تصلح أن تكون عنوانا، ذلك لأن وجود الحفيد في النص يشير إلى أن المرأة عجوز.

فحذفت العنوان وصرت أبحث عن عنوان آخر.

اخترت (الرحمة) عنوانا جديدا، فالرحمة لها ارتباط بطرفي القصة، من جهة إنها سجدت لتطلب الرحمة من ربها، ومن جهة أخرى وعلى النقيض تماما إنها لا ترحم الطفل فضربته؛ ولذا فإن هذا العنوان يناسب القصة تماما، وأمست القصة كالتالي:

الرحمة

صلت وهي تبتهل إلى ربها وتطلب رحمته،

في سجدتها الأخيرة دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها،

ضربته بقسوة على يديه وقالت:

اللئيم، كاد يقطع خيوط الرحمة التي نسجتها بيني وبين ربي.

وتركتها مرة أخرى لأعود إليها لاحقا، وعند عودتي وجدتها طويلة تحتاج إلى تكثيف، فأعدت صياغتها لتصبح أقصر من ذي قبل:

الرحمة

وهي تصلي دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها،

ضربته بقسوة على يديه وقالت:

اللئيم، كاد يقطع خيوط الرحمة التي نسجتها بيني وبين ربي.

ونظرا إلى أن القصة القصيرة جدا يجب أن لا تكون فيها ولا كلمة واحدة زائدة، رأيت أن أحذف فعل (قالت)، فالنقطتان تعنيان أنهما جاءتا بعد قول، ولا حاجة لهذا الفعل:

الرحمة

وهي تصلي دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها،

ضربته بقسوة على يديه:

اللئيم، كاد يقطع خيوط الرحمة التي نسجتها بيني وبين ربي.

وتركت القصة إلى يوم غد، ورحت ألعب مع فاروق.

وفي صباح الغد رجعت إلى القصة ثانية وقرأتها وكأنها ليست لي، وكأني أريد أن أنقدها، فوجدت أن العنوان أي لفظ الرحمة جاء في النص أيضا، وهذا ليس محببا في القصة القصيرة جدا، ولذا علي أن أغير العنوان أو أحذف مفردة الرحمة من النص.

ثم قررت أن أصيغ القصة صياغة أخرى وبكلمات أقل من ذي قبل، حتى أضحت على الشكل التالي:

عجرفة

دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها، رفعت رأسها من السجود فضربته على يديه بقسوة:

كنت أرجو رحمة الله يا لئيم.

ولم يعجبني العنوان هذه المرة أيضا، فاخترت (صدمة) عنوانا للقصة، ثم (عبادة)، ثم (عابدة).

ولم أقتنع بها كلها؛ حتى اخترت (جفاء) ليكون عنوانا نهائيا، ولتستوي قصتي بعد شوط طويل من التغيير والتجديد والتعديل كالتالي:

جفاء

دنا حفيدها ذو العشرة أشهر إلى سجادتها، رفعت رأسها من السجود فضربته على يديه بقسوة:

كنت أرجو رحمة الله يا لئيم.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

 

شاكر فريد حسنأدبنا الفلسطيني له طابعه الممير في نظري، واعتبره أدبًا طليعيًا في الأدب العربي والانساني، لأنه يلتزم أكثر من سواه، بصدق، بقضية الحرية، دون تزلف او رياء.

ومن نافل القول، أن الشعر الفلسطيني التزم بالناس والجماهير وقضاياها، والتفت وانحاز للطبقات الشعبية الكادحة، للعمال والفلاحين، وأن شعراءنا قاوموا الاستعمار، وهذا يعود الى الوعي السياسي والوطني والطبقي الذي تمتعوا وتسلحوا به.

لقد حافظ شعراؤنا عبر محطات التاريخ الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني وحتى اتفاق اوسلو، على شرف الكلمة والموقف الوطني الواضح، ما جعل الشعر الفلسطيني طليعيًا في الشعر .

ولعل من الأسباب التي جعلت شعراءنا يتخذون هذه المواقع هي القضية الوطنية المقدسة، التي جعلتهم يذودون عن القيم الوطنية، والدفاع عن الهوية والوطن والأرض والتراث والحرية والعامل والفلاح والشعور بأن معارك الحرية هي واحدة لا تتجزأ.

وتميزت قصائده بالطابع الغنائي،فيها موسيقى وايقاعات خلابة مدهشة تعانق روح المتلقي وتهز احساسه وتطربه، وتتصف بكثافة المعاني والمفاصلة في صورها وأفكارها المختلفة، فهي فياضة، متجددة، لا تمل القلوب من قراءتها، ويعود ذلك الى حسن اختيار شاعرنا المرحوم منيب فهد الحاج للكلمات والتعابير التي تقارب أحاسيسه ومشاعره، وما الشعر سوى محاولة لايصال ما يصعب التعبير عنه لعمقه وقوته أو لتفاصيله الكثيرة المتداخلة، قد نجح وأبدع في ذلك.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

صائب خليلكيف نحفظ أسماء الأشياء؟ هذه الحيرة مرت علي وأنا اقرأ بداية كتاب الأستاذ طه باقر، الرائع والمفقود من السوق لسبب لا يعلمه الا الله والراسخون في المكتبات..

يشير طه باقر إلى بداية الحضارة في العراق، وكيف انها ابتدأت بعد نهاية العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث، حيث سميت تلك الحقبة التي بدأ في منتصفها استعمال المعادن في العراق، بالعصر الحجري – المعدني والذي بدأ في منتصف الالف السادس قبل الميلاد (5500 قبل الميلاد) واستمر لألفي عام. وفي هذا العصر تحققت العديد من الإنجازات كتطور الزراعة والري ونشوء أوائل المدن وظهور أنظمة الحكم والمعابد، وسجلت بداية ظهور الاختراعات الأساسية التي مهدت للحضارة الراقية لبلاد ما بين النهرين التي ستظهر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد.

هذا كله منطقي وسهل الحفظ نسبيا، حتى جاء في  النص، تعداد الأدوار التي توالت في هذا العصر وسميت الأدوار حسب مناطق اكتشافها، وتبتدئ حسب قدمها بدور "حسونة" نسبة الى تل حسونة في الموصل و دور "سامراء" ودور "حلف" ودور "العُبيد" الذي بدأ استيطان الإنسان العراقي السهول الرسوبية في وسط العراق وجنوبه.

ثم ظهر "العصر الشبيه بالكتابي" عندما بدأت اشكال الكتابة المبسطة (الصورية) فيه بالظهور، حيث انها من البساطة مما يصعب اعتبارها "كتابة"، فلا يمكنك ان تعتبر رسماً مبسطاً لبقرة مثلا على انه كتابة بكل معنى الكلمة، حتى ان كان القصد منه التدوين. لكنها كانت ولادة الكتابة في ما بين النهرين وكانت بحدود 3500 قبل الميلاد، ويشمل هذا دور "الوركاء" و دور "جمدة نصر" الذي شهد تطورات حضارية مهمة مثل فن النحت والاختام الاسطوانية التي اختصت بها حضارة وادي الرافدين وتطور بناء المعابد لتظهر أوائل الأبراج التي تسمى "الزقورات" التي مازلنا نشاهدها حتى اليوم!

إذن، كانت الفترة المقدسة بين بدء الحضارة في العراق، وحتى بناء الزقورة.. ألا تستحق ان نحفظ تسلسلها وأسماء أدوارها؟

الحقيقة اننا نقصف بكم هائل ومتزايد من المعلومات التي يجب ان نتعامل معها. وليس الأمر فقط بسبب التطور العلمي والتكنولوجي والمعرفي بشكل عام، فهذا ربما يمكن تدبيره. إنما السبب  الأكبر في التسونامي المعلوماتي الذي يجب علينا هضمه، هو أننا نعيش في عالم معادي للإنسان! لقد ادخلتنا الرأسمالية وكل تداعياتها ونتائجها الطبيعية من فردية  في حالة حرب دائماً وتهديد مستمر لحياة ورفاه وحرية الإنسان، ابتداءاً بالشعوب المتخلفة وليس انتهاءاً بها. وصار لزاماً على كل انسان ان يتحصن بوعي اكبر بكثير مما كان يكفي في الماضي لدرء استغلاله ونهب ثروته وتحطيم مصالحه وحياته.

ومما يزيد الطين بلة، ان الرأسمالية استولت ايضاً على وسائل الإعلام وحولتها إلى وسائل تضليل وإيهام، وهذا زاد بشكل كبير من كمية الوعي الضرورية للبقاء على قيد الحياة. وكمية الوعي تعتمد على الجهد الذهني والقراءة والتذكر ايضاً. فالذاكرة مهمة بشكل خاص لمن يريد الدفاع عن الحقيقة بوجه الإعلام التضليلي بشكل خاص. وهكذا سلط على الذاكرة حمل لم تخلق لحمله. ولذلك توجب ابتكار التقنيات الضرورية التي تسهل الحفظ، لتكون المعلومة جاهزة حين نحتاجها.

الأرقام والاسماء صعبة الحفظ بطبيعتها ما لم نجد لها ارتباطا ما بما نعرفه. وإن لم نجد، فحتى لو كان ارتباطا اعتباطيا. أنا احفظ تاريخ الثورة الفرنسية مثلا بأنه 1789 لأن 789 متسلسلة (والألف طبعا سهلة). لكن للأسف ليست كل الأرقام بهذه الطواعية للقواعد.

وعندما كنت طالباً في الابتدائية كنت اخطأ بمكان الـ "w" في كلمة "two"، وكثيراً ما يتبادل مع "o" المكان، فحفظته بتذكر ان "دبل يو" تعني "اثنين يو"، وتسلسله هو 2 ايضاً في حروف الكلمة! 

ومثل عنوان هذه المقالة، اخترعت قصة صغيرة لا تحتوي من كلمات "الضاد والظاء" إلا تلك التي تستعمل الظاء، وكل كلمات الظاء. فكنت عند كتابة كل كلمة أحاول ان أتذكر فيما اذا كانت تلك الكلمة موجودة في تلك القصة أم لا.

عودة إلى عنوان مقالتنا، أقول أن الأسماء بشكل عام قد لا تعني شيئا كثيراً، لكنها ايضاً قد تعطي هيكلا لمعارفنا يحدد أماكن الأشياء في ذاكرتنا وعلاقتها ببعضها، زمنياً وغير زمني. مفيد ان نعرف لو رأينا حجراً كتب عليه انه من دور "حلف" ان نفهم أنه كان في وسط الفترة بين "حسونة" و الوركاء.. أن جمدة نصر هي التي اطلقت الاختام الاسطوانية مثلا.. فإن وجدنا ختما مدوراً مثلا يعود إلى دور "سامراء" نقول: أها، يبدو انهم كانوا يستعملون الاختام المدورة او البسيطة قبل ان يخترعوا الاختام الاسطوانية لاحقا قريبا من عصر الوركاء! 

أو إن عرفنا ان اليونانيين قد عرفوا الكتابة فقط قبل الف عام من الميلاد او اقل ، نعلم اننا عرفناها في "الوركاء" 3500 عام قبل الميلاد، ونحاول ان نتخيل كم هو الفرق بين الف عام و 3500 عام!

إعطاء التاريخ شكلا وهيكلا، عملية تتطلب بعض الجهد، لكنها توفر الكثير لاحقاً. وأنا حين قرأت "حسونة" تذكرت اسم اختي، فركبت الجملة التي هي عنوان هذا المنشور، لأحفظ التسلسل، ولكل معارفه وخزينه الذي له ان ينهل منه ما يساعد ذاكرته.

531 تل حسونة

الصورة لفخارية من تل حسونة مزينة برسوم فنية تدل على اهتمام عراقيين ذلك العصر بالجمال، وذوقهم الرفيع فيه

 

صائب خليل

 

ضياء نافعولد اندريه الكساندرفيتش جدانوف العام 1896 في الامبراطورية الروسية، وتوفي العام 1948 في الاتحاد السوفيتي . التحق عام 1910 (كان عمره 14 سنة) للدراسة في مدرسة للتأهيل المهني وتخرج فيها عام 1915 (وهذا هو كل تحصيله العلمي طوال حياته، التي امتدت 52 سنة فقط !!!)، وتم تدريبه في الخدمة الالزامية عام 1916 (كانت الحرب العالمية الاولى مستعرة منذ 1914 كما هو معروف، وكانت الامبراطورية الروسية مشاركة فيها) .

 انضم جدانوف الى صفوف الحزب الشيوعي منذ كان عمره 15 عاما، واصبح عضو لجنة محلية في الحزب عام 1917 عندما سقطت الامبراطورية الروسية وانتصرت ثورة اكتوبر 1917، وأخذ يعمل في الصحف الحزبية المحلية التي كانت تصدر في منطقته مثل (الفلاح والعامل) و(الطريق نحو الكومونة) و (أخبار الشيوعية)...الخ، ثم انتقل للعمل في لجان الدعاية الحزبية بمختلف اقسامها وفروعها وطبيعتها، وأخذ يتقدم بالتدريج في صفوف الحزب عن هذا الطريق، الى ان وصل الى المساهمة  بعدئذ في أعمال اللجان الخاصة بالاعداد لكتاب - التاريخ الوجيز للحزب الشيوعي البلشفي، وهو اول وثيقة يصدرها الحزب عن تاريخه، والذي كان يجري الاعداد لها باشراف مباشر من قبل ستالين نفسه، والذي ثبّت فيه ستالين - كما هو معروف - نظرته الشخصية الذاتية البحتة الى الحزب وتاريخه ومسيرته واحداثه ورجالاته ومواقعهم ودورهم، وهكذا وصل جدانوف الى المشاركة باعمال المؤتمر التاسيسي لاتحاد الادباء السوفيت، والذي انعقد العام 1934 في موسكو، وجلس في منصة ذلك المؤتمر العتيد جنبا لجنب مع مكسيم غوركي، اذ كان ينفّذ في ذلك المؤتمر رأي الحزب الصارم والدقيق (والذي يعني رأي ستالين بالضبط) بشأن ما يجب كتابته وما لا يجب كتابته من قبل الادباء، رغم انه (اي جدانوف) لم يكتب اي شئ في الادب، بل ولم تكن له اي علاقة بالادب اصلا. وفي هذا العام ايضا (اي 1934) تم اغتيال كيروف – سكرتير لجنة لينينغراد للحزب الشيوعي (لازالت القضية مجهولة لحد الان، وهناك أقاويل كثيرة عن ذلك ولا مجال للحديث عنها هنا)، ولم يجد ستالين أفضل من جدانوف ليحل محل كيروف، وقد تطورت العلاقات بينهما لدرجة ان ستالين أصرّ ان تتزوج ابنته سفيتلانا (التي هربت من الاتحاد السوفيتي بعدئذ) من ابن جدانوف، ويقال ان ستالين حتى أجبرها ان تنفصل عن زوجها الاول من اجل ذلك، وهكذا اصبحا (ستالين وجدانوف) أقارب . واستمرت مسيرة جدانوف في الحزب صعودا واصبح عضوا في المكتب السياسي، وهو اعلى هيئة ادارية في تنظيمات الحزب كما هو معروف.

صدر لجدانوف اثناء حياته عدة كتيبات لا غير، هي في الواقع خطابات ألقاها باسم الحزب في مناسبات مختلفة، وكانت تحتوي  على قرارات وتوصيات اتخذها الحزب رسميا، ومع المفاهيم والاستنتاجات التي جاءت في تلك الخطابات وتبلورت

بعدئذ، ارتبط اسم جدانوف في تاريخ الادب الروسي، وولد ايضا مصطلح الجدانوفية في الادب العالمي .

هناك ثلاث خطابات ترتبط بالادب بشكل او بآخر، الخطاب الاول كان في المؤتمر التأسيسي الاول لاتحاد الادباء السوفيت، والذي حدد مفهوم الواقعية الاشتراكية باعتبارها منطلق كل النتاجات الادبية والفنية في الاتحاد السوفيتي (انظر مقالتنا بعنوان – غوركي وستالين والواقعية الاشتراكية)، والخطاب الآخر ألقاه جدانوف اثناء مناقشة كتاب بعنوان – تاريخ الفلسفة الاوربية الغربية، اما الخطاب الثالث، وهو الاهم بين كل تلك الخطابات، فقد كان عن مجلة (النجم)، ومجلة (لينينغراد) . في هذا الخطاب جاءت تلك الاحكام المشهورة لحد الآن حول الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا (التي قال عنها انها بعيدة عن الشعب بشكل مطلق)، وحول االقاص الروسي زوشينكو (الذي قال عنه انه ضمن قوى الظلام الرجعية في السياسة والفن).

يتفهم الانسان الروسي ويعرف بشكل جيد، ان الآراء التي تحدث عنها جدانوف تعود الى ستالين شخصيا، وان جدانوف هو احد تابعيه (المخلصين!) ليس الا، الذين كانوا يؤيدونه بشكل مطلق ودون تحفّظ في كل شئ، ويذكرني ببعض الشخصيات العراقية الباهتة، الذين كانوا يطبّلون للقائد الضرورة في تلك الايام بمناسبة وبغير مناسبة، مثل (وزير التعليم العالي والبحث العلمي!!)، الذي استدعانا مرة (كل اساتذة جامعتي بغداد والمستنصرية) الى اجتماع عاجل في القاعة الكبرى للجامعة المستنصرية وألقى امامنا خطابا قال فيه، ان صدام حسين (نبيّ)، ثم أردف – (أستغفر الله، ولكني لا أجد غير كلمة نبيّ يمكن ان تصفه بشكل صحيح !) .

جدانوف من هذا القبيل، وقد تم نسيانه بعد موت ستالين، ولم يظهر في الاتحاد السوفيتي مصطلح الجدانوفية بتاتا، وانما ظهر هذا المصطلح في الغرب، وهو نتاج الحرب الباردة طبعا، وقد (تسرب!!) الينا من هناك ليس الا، وتلاشى بالتدريج في الغرب وعندنا ايضا، لانه غير صحيح وغير موضوعي بتاتا .

ختاما، نود الاشارة الى قرار اتخذه الحزب الشيوعي السوفيتي العام1989 حول جدانوف، وجاء فيه (..انه واحد من منظمي القمع الجماهيري في الثلاثينات والاربعينات .. وانه يتحمّل المسؤولية مع الآخرين على ما جرى في تلك الفترة من أعمال اجرامية ..)، وقد قرر الحزب رفع اسمه من كافة الاماكن والمؤسسات التي تم اطلاق اسمه عليها في الاتحاد السوفيتي ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسناعرف الأستاذ يوسف جمّال منذ شبوبيتي، فكنت اقرأ له الكثير من الذكريات والصور القلمية واللوحات القصصية في مجلة "الغد" الشبابية التي كانت تصدرها الشبيبة الشيوعية، وتوقفت عن الصدور لأسباب شتى، وبعدها التقينا وتعارفنا في ساحات وميادين النضال والكفاح والفعاليات الوطنية، وبقيت مواكبًا لمسيرته الأدبية الابداعية المتواصلة حتى اليوم، المتسمة بغزارة النتاج، وخصوصًا بعد خروجه للتقاعد.

يوسف جمّال من قرية عرعرة في المثلث، عمل مدرسًا فترة طويلة، يكتب القصة والخاطرة والقصيدة الشعرية والنثرية، وينشر كتاباته في صحيفة "الاتحاد" العريقة، وفي عدد من المواقع المحلية.

وهو قاص وشاعر مرهف يتمتع بحس وطني وثقافة انسانية واعية وملتزمة، يحلق في سماء التواصل الانساني، وفي فضاء أدبي  باحساس عالٍ  بالأشياء، متفجرًا بالمشاعر الوطنية العفوية، ولكتابته خصوصيتها ونكهتها الفلسطينية، وهي متعددة الرؤى والأبعاد والموتيفات، وعلى المستوى اللغوي فيحاول تطويع اللغة هائمًا، مفتونًا باللغة سابرًا أغوارها.

يوسف جمّال كاتب قصصي ينتمي الى المدرسة الواقعية في الأدب، يستمد موضوعات قصصه من واقعنا السياسي والاجتماعي، وهو يعالج في أعماله القصصية العديد من القضايا والمواقف والحالات النفسية والاجتماعية التي صادفها أمام عينيه ومحيطه والواقع الاجتماعي، فيرصد ويصور بدقة مشاكل الحياة التي يعيشها مجتمعه وشعبه ومعاناته اليومية، مستعينًا بالأشكال الأدبية والأساليب الفنية التعبيرية المناسبة، بقدر ما يكون واقعيًا.

وقد قطع يوسف جمّال شوطًا طويلًا في كتابة الفن القصصي، الاقصوصة والقصة القصيرة والطويلة، بوساطة اللغة المبسطة والتعابير السهلة، وباسلوبه السردي التسجيلي والحواري المشوق، متخذًا أبطاله وشخوص قصصه من الناس الفقراء والطبقات المهمشة الكادحة وعامة الشعب. وتميز بالتجدد المستمر والتنوع الثري والتطوير الدائم لأساليبه الفنية وأدواته الجمالية وموضاعات قصصه، مستفيدًا من تجارب غيره من رواد القصة ومواكبته المتلاحقة للتطور الفني والجمالي في تقنيات القصة العربية والعالمية.

أما قصائد يوسف جمّال فهي كقصصه تعكس التزامه بقضايا شعبنا الوطنية والطبقية، وايمانه المطلق بالانسان، وانحيازه التام لفقراء الوطن وجياع العالم والمسحوقين والكادحين في كل مكان.

وهي نصوص شعرية مختلفة المضامين والأشكال والأبعاد، وإن كان محورها الأساس يدور في بقعة هذا الوطن، إلا أنها تاخذ طابعًا انسانيًا امميًا، فتجسد الاحداث وحراك الجماهير في اطار الكفاح العربي والعالمي للتحرر الوطني والاجتماعي، وغالبًا ما تأتي في خضم الحدث، وفي الوقت المناسب، وتهتم بالموضوعات الوطنية والسياسية الأكثر بروزًا،  كقصيدته عن المسعفة الغزية رزان، التي قضت في المعركة، حين كانت تقوم بعملها الانساني والوطني. وهي نصوص تظهر بجلاء ووضوح انتماء يوسف الفكري الثوري والوطني والطبقي الملتزم.

تتدفق قصائد يوسف جمّال بالصور الشعرية الجميلة المفعمة بالصدق الفني التعبيري، ونجد فيها احساس وطني ووجداني، فكر وخيال وتأمل واسع، وبساطة آسرة، وموسيقى ناعمة عذبة، وسلاسة وانسيابية، ولغة نابضة حية، ومضامين ذات نزعة فلسطينية وانسانية خالصة، فلنسمعه يقول في قصيدته الرائعة الموسومة  " أيها القادمون من بلاد الغياب ":

أيها القادمون من دروب الغياب

لا تبكوا على أطلال خولة

ولا على سمار جدائلها

انتظروها

ستخرج من بين خطوط الوشم

وسجون المنافي

ونافدة القدر

انبشوا في رماد موقدها

ستجدون بقايا جمر

فقبلات رحيل بيتها مرسومة

على جبين حيّها

بالحجارة والتراب والقهر

و بحنين صلاة الواح الصبر

انظروا حولكم

ستجدون وراءها

بدلة عرسها

وكحل عينيها

وحِنٌاء يديها

لا تبكوا على رسمها

فالدموع تمح وشمها

وتطفىء الجمر

أيها المارون من دروب الجليل

قفوا على جبل حيدر

على مشارف البطوف

وحيٌوا ..

القادمات من البروة

وهضاب الروحة

يحملن قصائد درويش

وقوافي زيٌاد

وحلم الميعاد

ويطلبن حطين مسكنًا وظلال

ويصحن..

وا .. صلاح الدين .. وا .. صلاح الدين

فخرجت بنت لهم

من بحيرة طبريا

وزغردت..

أيها الراجعون من السفر

ستجدون أرضنا قد تعلمت

حكاية غربال أمي

ولغة الحجر

وتحنان لوزتنا عند الزهر

وكما لمسنا في هذه القصيدة يبرز المكان الفلسطيني في نصوص يوسف جمّال، حيث يكثر وبشكل جميل مميز، وبكثافة، استخدام  وتوظيف وذكر المدن والقرى والامكنة الفلسطينية ومخيمات البؤس والشقاء واللجوء الفلسطيني:

الطريق بين يافا واليرموك طويل

نعبر الزمان

بين قتيل وقتيل

بين رحيل ررحيل

نبحث عن المكان

على ضوء من القنديل

في مسارب خارطة الجليل

رضعنا زفرات الحنين

مع حليب ذكريات حطين

وشربناه من ماء الاردن

سنين وسنين

وتنفسناه من زبد بحر عكا

وهوا زيتون سخنين

وزرعنا على صفحات الغياب

اشتال الرياحين

وعلقنا مفتاح بيتنا على

الحائط ينتظر

بزوغ حلم العائدين

تجربة يوسف جمّال تشكل ملمحًا ومعلمًا واضح القسمات، جلي الصوت، عميق الدلالة ، بالغ الايحاء والشفافية، وموسيقاه عذبة شجية تنساب انسياب النسغ في قلب النبات المزهر.

إنه كاتب وشاعر متصوف فلسطيني، وعاشق حنيني يؤجج الشوق اللاهب في النفوس الظامئة لمدينة الغد المرتقبة التي لا يلجها سوى الفقراء والأطفال والشمس. فله المحبة والتقدير لحروفه الباذخة الزاهية ونصوصه الفلسطينية قلبًا وقالبًا، وروحه العارمة بحب الأرض والوطن.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسناحمد عبد الفتاح اسدي شاعر مخضرم معتق ومغمور من جيل الستينات، بقي في دائرة الظل بعيدًا عن الأضواء الكاشفة، احتجب وانسحب من المشهد الثقافي احتجاجًا.

جمعتني به صداقة طيبة في اواخر السبعينات من القرن الماضي، تبادلنا الرسائل والأراء والأفكار والخواطر وتزاورنا، وأجريت معه مقابلة نشرت آنذاك في مجلة " الحصاد " الفلسطينية، التي كان يصدرها المحامي حسين الشيوخي، كذلك كتبت مراجعة نقدية لديوانه اليتيم " التيه والأوهام "، ورغم أن لديه عشرات النصوص الشعرية الا أنه لم يفكر، نتيجة استغلاله من قبل دار النشر التي طبعت ديوانه الأول، باعادة التجربة مرة أخرى.

ولد احمد عبد الفتاح اسدي في قرية دير الأسد الجليلية العام ١٩٤٠، انهى دراسته الثانوية في مدزسة يني يني بكفر ياسيف عام ١٩٥٩، بعدها اشتغل مدرسًا في قريته ردحًا من الزمن حتى خروجه للتقاعد، وكان يقضي جل أوقاته بين صفحات الكتاب، حيث وجد في ذلك لذة ومتعة كبيرة.

احمد عبد الفتاح اسدي من رواد القصيدة العمودية المقفاة الموزونة التي تعتمد بحور الخليل ابن احمد الفراهيدي.اقتحم ميدان الكتابة منذ الصغر، ونشر نتاجه الشعري في مجلة " الجديد " المحتجبة ، وفي صحيفة " الاتحاد "، ثم انقطع، لكنه عاد من جديد للنشر في اواخر السبعينات في صحيفة "الاتحاد" و "صدى التربية" ومجلة " مشاوير " المتوقفة عن الصدور، ثم اصدر ديوانه الآنف الذكر " التيه والأوهام ".

وفي قصائد احمد عبد الفتاح اسدي نستشف حالة من الوجع الانساني والألم الوجداني، لما آلت إليه أحوال وأوضاع مجتمعنا وأمتنا العربية، فيصور لنا مأساة الانسان الفلسطيني في مخيمات اللجوء والبؤس والشقاء، ويطرح همومنا السياسية والمسائل القومية والوطنية، وينتقد المجتمع والظواهر السلبية المدمرة فيه، ويدعو للتمسك باهداب الفضيلة والقيم السمحة، ويحاكي الوطن والعروبة والحب ويتغزل بالمراة، يتأمل الطبيعة ويناجي العشيقة.

وفي كتاباته الشعرية يرتفع احمد إلى اعلى درجات الحرفية الفنية والخصب والابتكار، فيجمع في قصيدته بين العبارة القديمة والحديثة، ويمزج بين التعبير القديم والحديث في سلاسة تامة، وما يميزه تعابيره الخلابة، ولغته التعبيرية الرشيقة، متصفًا بسعة الخيال الرؤيا البعيدة، وحدة الانفعال، والشكوى والحزن على ما وصلت اليه احوال الوطن والمجتمع والأمة في ظل الضياع والتيه.

احمد عبد الفتاح اسدي شاعر مرهف الاحساس، عميق المعرفة، غني التجربة، ومبدع حقيقي وسط الابداع المصطنع والجعجعة الفارغة، فاذا تحدث صدق، واذا كتب ابدع. وهو يرسم بريشته عالمًا كاملًا معبأ بالانسانية والأسى والغضب باسلوب أدبي وشعري ناضج يعتمد الصورة والايحاء والايقاع الموسيقي الداخلي والخارجي، محققًا جدلية الشكل والمضمون.

ومن نماذج شعره هذه القصيدة التي كان نشرها في مجلة " مشاوير "بعددها الثالث الصادر في آذار العام ١٩٨٠، حيث يقول:

ماذا أقول وعذري غير مقبول

ماذا أقول وعتبي غير محمولِ

قد جئت والشؤم باق لا يبارحني

حتى انتزى وعلى المعلوم مجهولي

أشكو وقد أغفل التاريخ مظلمتي

حتى تناهى وفضٌ الأنس تخذيلي

واستجهل الدرب يا عيني، أمبصرة

كي تستشٌفي المدى من خلف مجهولٍ؟

ودثر الليل آفاقا سعيت لها

واستقطب البؤس يأسا منه تشكيلي

واستنفر الآه قلبي اثر موجدة

حتى غدا شوك روضي جل محصولي

مخايل الفجر، هلاٌ لحت وانكشفت

جوانب الدرب كي أردي لتضليلي

لست الوحيد بهذا الكون مغتبنا

لكنٌما الغبن أضحى شرع تدويلٍ

بات التلاحي على السفٌود ينظمنا

لحما يمزق بين القال والقيلِ

جلٌ الزعامة قد أضحو مسيلمة

ضٌلوا الرشاد، وقد عقٌوا لتنزيل

واستنفرت دول أعلامنا شيعا

نادوا بها بين ( تحرير) و(أيلولِ)

(شعبية) دعيت اخرى ويجمعها

غير التآلف في هتر وتضليلِ

نادوا بها جبهات لا مفاد بها

قد حد منها، وقد باءت بتنكيلِ

من قال أمنَكم يوما على سبلي

تالله نصحو على وعد وتبديلِ

لولا اجتماع على العٌلات وحٌدنا

لما تحمٌل أمري أيٌ مسؤولِ

(صفين) موعدهم منها قد استلفوا

دون الشقاق جهادا غير مجزولِ

حطٌم على شرف الاسراء فرقتنا

وناد بالشام ان هبٌي، وبالنيلِ

(القادسية) تدعوكم وقائعها

كم من أسير بذلٌ القيد مكبولِ

لا ينقص الدهر حقًا حوله همم

أو يضعف الهول عزما اثر تهويل

سجل على صفحة الرايات ما ارتفعت

أيدي الرجال بتكريم وتبجيلِ

سجل عليها انتسابي انٌني عربي

سجٌل عليها فحقٌي غير ممطولِ

سجٌل (فلسطين) عين الله تكلؤها

سجٌل بمهبط قرآن وانجيلِ

قد قيل طبعي والتخريب قد خلقا

قد صاغها تهمة تحظى بتمويلِ

كل الذين جنوا فينا تفرْقنا

كل الذين سعوا دوما بتضليلِ

قالوا وقد نعتوا التخريب غايتنا

سجٌل نعوتا بتزمير وتطبيلِ

هذا افتراء، ولولا أنه كذب

ما ارتضت دول الدنيا بتمثيلِ

يمكن القول، احمد عبد الفتاح اسدي شاعر التمرد الحار العام، وشاعر المعنى بما يخفيه من رموز ويسبغه من تأويلات في زمن التيه والأوهام والقهر والتردي، ومَن يقراه تتحرك مشاعره وتهتز من الأعماق.

ويبقى السؤال: هل يعود احمد إلى ربة الشعر مجددًا وبهمة أقوى، أم أنه طلاق بالثلاث، وكيف لشاعر مثله أن يصمت؟!

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعكلاهما عاشا وأبدعا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في روسيا وأصبحا اسمين بارزين في دنيا الادب والفلسفة، وكلاهما يمثلان الآن (ونحن في القرن الحادي والعشرين) روسيا امام العالم المتحضّر، وكلاهما يقفان في طليعة الفكر العالمي، وكانا بالطبع يعرفان بعضهما البعض عن بعد ويتابعان نتاجاتهما التي تنشر، ولكنهما لم يلتقيا مع بعض بتاتا طيلة حياتهما، وكم تأسف تولستوي في حديثه مع أرملة دستويفسكي لانه لم يلتقيه اثناء حياته (كما أشارت ارملته في ذكرياتها عن اللقاء، الذي جرى بينها وبين تولستوي بعد وفاة دستويفسكي)، وكان هذا اللقاء يمكن ان يحدث في بطرسبورغ، عندما كانا كلاهما (تولستوي ودستويفسكي) حاضرين في جلسة واحدة، حيث القى محاضرته المفكر الروسي سولوفيوف الشاب آنذاك (والذي سيرتبط اسمه لاحقا بالرمزية الروسية). لقد قال تولستوي لارملة دستويفسكي، ان ستراخوف (وهو الصديق المشترك لكليهما) لم يعرّفهما مع بعض عندئذ، ولكن ستراخوف قال، ان تولستوي كان في زيارة عمل ببطرسبورغ، وانه اشترط على ستراخوف الا يقدمه الى اي شخص اثناء تلك المحاضرة . وهكذا ضاعت (بالنسبة لتاريخ الادب الروسي) فرصة اللقاء التاريخي بين هذين العملاقين.

الحديث عن تولستوي ودستويفسكي معا حديث قديم في مسيرة الدراسات المقارنة في الادب الروسي وفي الادب العالمي ايضا، وقد ابتدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولازال مستمرا لحد الآن، ويكفي ان اذّكر القارئ الكريم بالكتاب الذي نشره ميرشكوفسكي بعنوان – (تولستوي ودستويفسكي) الصادر عام 1902 في موسكو (انظر مقالتنا بعنوان – الاديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) حيث توقفت عند هذا الكتاب، الذي تناول فلسفة الكاتبين والمقارنة بينهما، اذ أشار ميرشكوفسكي هناك الى انهما يجسّدان    العلاقات غير المتكافئة وحتى المتناقضة الى حد ما  بين حقيقتين كبيرتين في الفكر الروسي، والتي يمكن ان نسميهما (حسب ميرشكوفسكي واجتهاداته) – حقيقة الاله، وحقيقة الانسان . الحقيقة الاولى يجسّدها دستويفسكي، والثانية يجسّدها تولستوي، وكلاهما (الحقيقتان) ضرورية للانسان ومسيرة حياته وعلاقاته المتشعبة في المجتمعات البشرية على الارض.

استمرت الدراسات المقارنة بين الاديبين الكبيرين في مسيرة الفكر الروسي، الى ان حدثت ثورة اكتوبر1917، والتي اصبح دستويفسكي بعدها ضمن قائمة الادباء والمفكرين (المغضوب عليهم !)، ولكن تلك المقارنات ازدادت في الاوساط الروسية خارج روسيا، اذ استخدم اللاجئون الروس عندها اسم دستويفسكي رمزا لحملاتهم ضد ثورة اكتوبر، ولنتذكر الفيلسوف الشهير بيرديايف مثلا (انظر مقالتنا بعنوان – بيرديايف ودستويفسكي)، ولكن عندما خفتت مسيرة الاحداث (الطنانة والرنانة!) بعد وفاة ستالين في الاتحاد السوفيتي وبدأت مرحلة (ذوبان الجليد!) كما استقر هذا المصطلح الطريف في تاريخ الفكر الروسي و العالمي، عاد دستويفسكي الى الحياة الفكرية الروسية من جديد (بل وانتصب تمثال كبير له امام مكتبة لينين بالذات في قلب موسكو . انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل دستويفسكي)، وبالطبع، عاد الحديث عن المقارنات الفكرية بين دستويفسكي وتولستوي في روسيا مرة اخرى وبحيوية واضحة جدا . ومن غير الممكن التوقف عند سلسلة هذه الكثرة الكاثرة من الكتب والبحوث والمقالات والتعليقات المتنوعة جدا، التي تتناول المقارنة بين هذين العملاقين ونتاجاتهما وتأثيرهما على المجتمع الروسي المعاصر، ولكننا نريد الاشارة هنا فقط الى نقاش حاد وطريف جدا جرى عام 2016 ليس الا  في روسيا حولهما . لقد كتبت الصحافية الروسية ليزوكينا مقالة بعنوان – (تولستوي ودستويفسكي – كلاسيكيان لا يستسلمان)، تناولت فيها موقف رئيسة الجمعية الروسية للتأليف فيربيتسكايا حول هذين الاديبين في المناهج المدرسية بروسيا، اذ دعت رئيسة الجمعية الى حذفهما من تلك المناهج، لان عقل التلاميذ غير مؤهل لاستيعابهما . وتهاجم الصحافية رأي رئيسة الجمعية هذا، وتعتبره غير صحيح بتاتا، وتدعو الى اعادة النظر ليس في مفردات المناهج، وانما في الاسلوب السائد في نظام التربية المدرسية، وفي الطريقة التلقينية التي يقوم بها المعلم  اثناءعملية تدريس هذه المواد، وقد أثارت هذه المقالة ردود فعل كثيرة ومتنوعة جدا لدى القراء، وكلها كانت تؤيد رأي الصحافية المذكورة .

ختاما لهذه المقالة الاوليّة والوجيزة جدا، اريد ان استشهد بما كتبه تولستوي، عندما علم بوفاة دستويفسكي. لقد جاء في رسالة تولستوي الى صديقه ستراخوف بتاريخ 5 شباط / فبراير من عام 1881 ما يأتي – (لم أر هذا الانسان، ولم تكن لديّ علاقات مباشرة معه، وفجأة، عندما مات، فهمت بانه كان أكثر الناس قربا، وعزيزا وضروريا لي ... لقد كنت أعتبره صديقي، ولم افكر بشكل آخر، واننا سنلتقي، ولكن الان لن يحدث ذلك.. لقد انفصل سند من كياني ..... بعدئذ اصبح واضحا، كيف كان غاليا بالنسبة لي، وبكيت، وانا أبكي الآن ...).  

 

أ. د. ضياء نافع

 

مصدق الحبيبكلمات خالدة للروائي الأمريكي إرنست همنگوي

 (961-1899)

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف:

مصدق الحبيب

***

- لا تعتقد أبداً بأن الحرب ليست جريمة، مهما كان تبريرها، عادلا أو ضرورياً.

- كانوا يقولون لنا: ما أحلى الموت في سبيل الوطن! ولكن في الحروب الحديثة تركوا الشبان يموتون ميتة الكلاب ودون أي سبب وجيه.

- قوة المرء تكمن في الأركان التي كسرتها الحياة فيه.

- كل من يستطيع ان يفكر، لابد ان يكون ملحداً.

- الناس الاذكياء نادراً ما يكونوا سعداء.

- أفضل الناس هم أولئك الذين لديهم إحساس عال بالجمال، الذين يقفون مع الحقيقة ويلتزمون بها، الذين يخاطرون بشجاعة، والمستعدون للتضحية. ولكن للأسف هذا ما يجعلهم في قلب الخطر وهم يتلقون الجراح، وقد ينتهون نهايات مفجعة.

- أحسن طريقة لمعرفة فيما إذا تستطيع أن تثق بشخص ما هي ان تمنحه الثقة. 

- كل التصرفات اللعوبة تبدأ من البراءة.

- جميعنا قد نتصرف بحماقة...لو سنحت لنا الفرصة.

- ليس هناك أي نبل في التعالي على الآخرين. النبل الحقيقي هو ان يعلو المرء على نفسه.

- الموت كالعاهرة الشمطاء المرابطة في زاوية البار! أستطيع ان اشتري لها قدحا من النبيذ، لكنني أرفض الصعود معها الى الغرفة العلوية.

- هي: ربما تقع في حبي مرة أخرى

هو: أنا احبك ما فيه الكفاية الان، فماذا تريدين أكثر من هذا؟ تحطيمي؟

هي: نعم أريد ان احطمك

هو: وهذا ما اريده انا أيضا.

 

شاكر فريد حسنولدت الشاعرة والباحثة رقية زيدان في قرية "يمة" بالمثلث في بيت دافىء العام ١٩٥، أنهت تعليمها الثانوي بمدرسة يمة الثانوية الزراعية، ثم التحقت بمعهد اعداد المعلمين في هدار عام وتخرجت في العام ١٩٨٠.

بعد ذلك عملت مدرسة للغة العربية وآدابها في قريتها، وفي الوقت نفسه اكملت دراستها الأكاديمية ونالت اللقب الأول من معهد بيت بيرل، ثم حصلت على اللقب الثاني في اللغة والأدب العربي من جامعة النجاح الوطنية في نابلس.

بعدها انتسبت الى جامعة القاهرة ونالت شهادة الدكتوراة عن اطروحتها " أثر الشعر اليساري في الثقافة الفلسطينية ". ثم اشتغلت مدرسة للغة العربية في المدرسة الاعدادية بقريتها.

أحبت رقية زيدان اللغة العربية بكل تفاصيلها منذ الصغر، وعشقت الكتابة وهي على مقاعد الدراسة الأولى ولقيت تشجيعًا من والدتها لمواصلة كتابة الشعر وقراءة الأدب، وكانت تعرض محاولاتها وتجاربها الشعرية على معلمي اللغة العربية، فلقيت التشجيع والدعم منهم.

انكبت على القراءة وطورت أساليبها اللغوية والبلاغية، ودرست القرآن الكريم بكل آياته، وتعمقت بالنحو الكلاسيكي والاعراب.

تحب رقية زيدان سماع القرآن الكريم بصوت المتلي المرحوم عبد الباسط، والاستماع إلى أغاني فريد الأطرش وعبد الوهاب واسمهان وفيروز، وتعشق السفر، والتمتع بالطبيعة الغناء والجمال، وتمني نفسها بالتأمل.

كتبت رقية النثر والشعر والمقالة ونشرت نتاجها وكتاباتها في عدد من الصحف والمجلات الأدبية والثقافية في البلاد.

من اصداراتها: عندما ترخى السدول، دخلت حدائق أمتي، قراءة في سفر العدالة، حفيف فوق الأديم، دعيني كعباد الشمس، تفاحة آدم واحدة، تجاعيد على الخد الاملس، نجمة تضفر جديلتها، لا تقتلعيني أيتها الريح، ياسمينة تتذوق تبرعمها، والعناقيد.

وفي مجال الدراسة لها : " وجع القصيدة ونبضها " عن الشاعر الفلسطيني راشد حسين، و " أثر الأدب الشعبي في الشعر الفلسطيني " وتتركز حول الشعراء محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد . وحصلت رقية على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية منها جائزة توفيق زياد.

تؤمن رقية بالأدب التقدمي، أن كان نثرًا أم شعرًا على حد سواء، ذلك الأدب الملتزم بقضايا الوطن وهمومه من أجل تقدمه ونهوضه ورقيه إلى مدارج الحضارة، والتقدم.

ونهجت في بحثها عن الراحل راشد حسين المنهجية العلمية، واعتمدت على المنهج البنيوي والاستقراء، ابتداءً من الملاحظة، فالتجريد، فالتصنيف، فالتقعيد والتحقق من الصحّة، وحاولت قدر الإمكان الالتحام مع المعيارية والالتزام بالموضوعية، والشمول، والتماسك، من حتمية، وتجربد الثوابت، وعدم التناقض.

تنوعت موضوعات رقية زيدان ومضامينها، وتراوحت بين الرومانسية والواقعية، فحاكت الطبيعة والحب والوجدان، وكتبت عن آلام وعذابات شعبها، وهموم الناس، وعن الوجع والجرح الفلسطيني النازف المتواصل.

وقصائدها كأتها نجوم زاهرة تشع بالروح الفلسطينية والانسانية، والأمل والتفاؤل، والحنين لكل جماليات الأشياء، وتشرق عليها شمس الحب والسلام، والتوحد مع الوطن والانسان.

ما يميز نصوصها عفوية الطرح والأسلوب، الصور الشعرية المبتكرة، توظيف الرمز والأسطورة، اللغة الماتعة الجذابة الحسية والحية، الايقاع الذي يسري في مفاصل القصيدة، والجمال الفني.

من قصائدها :

قصيدة سنابل القمح من ديوانها "ياسمينة تتذوّق تبرعمها "الصادر سنة 2016

-سنابل القمح-

-1-

أنا لستُ بالماس،

أنا تمثال جبس

يُزينني إحساسي .

-2-

الطائر الغريد يشدو

والنبع يتدفق

والنهر يفيض

والزهرة تفوح

كل منهم لا ينتظر التصفيق،

كل منهم لا ينتظر المديح .

-3-

أحبُّ خلوتي

لأن فيها صفاء نفسي

-4-

العاصفة لا ترحم

لا ترحم الشجرة العاليّة الضخمة

ولا ترحم الشجرة الصغيرة

فكيف بورقة خريف صفراء

تتطاير، فتسقط أرضًا

ثم تندثر .

-5-

البرعم لن يتوقف عن تجدده

ينتظر موسمه القادم

فيبرعم، فيورق ورقة ربيعيّة، خضراء، غضّة .

-6-

ثبّت قدميكَ على صخرة صلدة

انظر إلى السماء مسبحًا

ارفع يديكَ شاكرًا الله

واحمده،

فمع العزيمة تتلاشى الهزيمة .

-7-

الكوكب السيّار لامعٌ

له مداره،

له مساره،

له سراجه،

يراه، يقف

يبتهج، يلتحف مسرته

يمشي

قف، انظر، تأمل

سبحان من أبدعه

هو الخالق البديع، المصوّر،

اسجدْ قليلًا

"اسجد واقترب " .

-8-

الطائر الغريد

يطير، يجنّح

يحلّق، يغرّد

يبتهج، يطير

في الحدائق، في الفضاء

يحلّق مجنحًا، مبتهجًا بصوته العذب النمير

لا يسأل الغراب

هل ابتهج من صوتهِ العذب

وفي سرّه يعرف شتان ما بين الشدو والنعيق .

-9-

لا تبتئس من اللون الاصفر

فاللون الاصفر هو كالأخضر

سنابل القمح الصفراء

تتراقص تحت المنجل عند حصدها .

شعاع الشمس الأصفر ينتشي

عند شروقه

الذهب الاصفر يلمع، ليجمّل رسغ حسناء

وفي القرآن قال الله تعالى :

" إنّها بقرة صفراء فاقع لونها

تَسُرُّ الناظرين ".

-10-

لا تمش ِ متثاقلًا،

لا ترجع القهقرى

سارع الخطى

أقف مع العدل

مع المظلومين

في وجه الظلم

لا تقف

فبعد فوات الأوان

تصبح الشاة بيد الجزّار.

-11-

كل العيون محدّقة

في الغروب

أعشق الغروب

كعشقي للشروق .

-12-

في الغابة الحيوانيّة،

غزالة تُرضع طفلًا بشريًّا

في الغابة الحيوانيّة،

قردة تُرضع طفلًا بشريًّا

هذه غابة حيوانية، تتجلّى فيها إنسانية

الانسان.

في الغابة الانسانيّة،

طفل جائع،

طفل مشرّد،

أخ يقتل أخاه

وجار يقتل جاره

هذه الغابة الانسانيّة،

فيها حيوانية الانسان.

أليس الله بقائل : " مَنْ قتلَ نفسًا بغير نفس ٍ

أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها

فكأنما أحيا الناس جميعًا ".

-13-

وأنا في حضرة الله

في قُبّة الاقصى

لحظة التجلّي تشرق

هنا معراجه

هناك اسراؤه

عليكَ السلام يا نبيي، يا محمد، يا رسول الله

في لحظة التجلي

يعانق ركوعي سجودي

في حضرة الله

-14-

تصوغ من حروف الوهج

سبيكة ماسيّة

تنغمس أناملك المبدعة بالتراب

تنحت تمثالًا ناطقًا الحياة

من نبض قلبكَ، ترسم لوحة زيتيّة

هي طقس الحياة

يعزف قلبكَ ترنيمة، موسيقى، كمقامات

زرياب

وتجنّح في أبديتكَ الخالدة

وإن كنتَ ستموت،

ستحيا بالفنون.

-15-

في العرين

يقف الملك

ينتظر فريسة جديدة

تتثاءب اللبؤة

يسترخي الشبل

يشم الملك رائحة فريسته

ينقض عليها، يهشمها إربًا أربًا

تستسلم، ما أجملها من غزالة تُزيّن الغابة !.

لن يغفو، جفناه مفتوحان،

متيقظان لانفراج الظلام

ليلاقي فريسة أخرى .

-16-

ابتعد عن الضبابيّة

إن قوّة الريح في لحظة مرورها

وإن قوّة النار في اشتعالها

فأنت بين قوة الريح حين تمشي

وبين خمود الرماد حين لا تسير .

-17-

شكرًا للفجر

لأنه يهديني

ابتسامة شعاع

وزقزقة عصفور .

-18-

إنه الانتماء

لا يسكن الاسد الاصطبل

ولا يسكن الحصان العرين

ولا تسكن البومة برج الحمام .

-19-

توصلني إلى السعادة

بإشعاعاتك

أتمسك بالحكمة

من هذا المداد .

أتمسك بحبري، بقلمي، بورقتي

حبري صديقي

ماذا تحصد أصابعي؟

تحصد سنابل الحكمة

وما سوى ذلك فراغ وعطب

حتى لو امتلكت ماسة برّاقة في يدي .

-20-

الشفق كلون دمي

الغروب يعصر ألمي

أحب أن أرى في الصباح

الاقحوان

وفي المساء نعناع الوطن .

ألف تحية للشاعرة والباحثة د. رقية زيدان، مع التمنيات لها بحياة عريضة ومديدة حافلة بالعطاء والابداع المتجدد، والمزيد من التألق .

 

شاكر فريد حسن

 

علي المرهجالشفافية بعيداً عن بعدها التداولي في مُعجمية "الجعفري" هي رقة التصرف في الخُلق، وقُدرة الصديق ودرايته بما يكتنزه صديقه له من محبة بحكم طول مدة التوادد والمشاركة في الفرح والألم، ولربّ صديق شفيف تعرفه بعد حين يكشف لك عن جمال روحك في مواضع، أو عن قبُحها في مواضعٍ أخرى، أفضل من صديق عرفته لسنين خلت، وتلك ـ برأيي ـ مُنتهى "الشفافية" في الكشف عن معاني الصداقة التي لا تُحسب بمقدار السنين، بقدر ما تُحسب مقدار المحبة والإيثار.

ولا أروم الخوض في مفهوم "الشفافية" من جهة مرامي المعنى في السياسة والاقتصاد، وتلك معانٍ كثر الحديث فيها، ولكن ما أروم الكشف عنه هي مهمات "الشفافية" في الكشف و"المُكاشفة" لادامة التواصل الإنساني الشفيف باستعارة للمفهوم واشتقاق له من سمات "الزُجاج" بوصفه مادة نستطيع أن نكشف بيُسر وسهولة عما هو خلفها.

وفي "الصداقة الحقة" وهذا مُصطلح قلَ وجوده في عوالمنا نحتاج لصديق صدوق "شفاف" يُشاركنا الحُزن والفرح بمصداقية، وإن لم يكن حاضراً بيننا، فوجود صديق صدوق كمثل (زجاجة دُرية) نرى صورته فيها وكأنها انعكاس رؤية لأنفسنا كي نراها على حقيقتها من دون رتوش.

أظن وبعض الظن إثمٌ أن مُنتهى السعادة حينما تجد صديقاً يكشف لك عن نفسك التي لن تتعرف عليها بماهيّ إلَا على قاعدة سقراط "اعرف نفسك"، ولن تعرفها إن كُنت مزهواً بها أو كُنت مسؤولاً أو من الطُغاة.

لا تعرف مقدار نفسك إلَا من خلال صديق مُستغنٍ عنك بلاوحقك، مُكتفٍ بما هو فيك حقاً ب (جوهريتك) ولا حاجة له بصفتك مسؤول أو مشغول بقدر ما هو مُحتاج لك بصفتك صديق، فترفق بنفسك في معاشرة مثل هكذا صديق ولا تأخذك معه العزة في الإثم، ولا تتجاهل قوله لك، لأنه مُحبٌ يقول قوله لك صادقاً ولا ليس حاجة له يطلبها لنفسه، ولم يكن يوماً ـ كما عرفته ـ يقف على أبواب السلاطين، فخذ منه قوله وضعه "ترجية" في أذنك، لأنه غير مُحتاج لك، ولم يطرق يوماً بابك بوصفك مسؤول أو سلطان، وإن كُنت بحاجة لرؤية نفسك فأبحث عن مرآة ذاتك في صورتها الحقيقية عند (صديقك الصدوق) وتلطف وتأمل قليلاً في مسارك الحياتي، واكشف عن ذاتك بقول هذا الصديق.

كل مسارات الحياة فيها كشف عن نزوع الذات، في توهماتها وهيامها في (الأنا) بوصفها الناطقة بالحق، ولكن (الأنا) مُحتالةٌ، وتُغير جلدها بين الحين والحين.

دع الحُزن صديقي وتوهم أن في صداقتك الحقة فُسحة للمُزاح وترويح للنفس، ونقد لها حينما يقتضي النقد ساعة الجد، ونقد الآخر إن كان هذا الآخر يعدُ نفسه صديقاً، لأن في النقد الذات خروج عن توهامات الأنا وخداعها بحُكم الألفة، وليس كل مألوف عندك مرغوب عند الآخرين، كما ليس كل مألوف عند الآخرين ترغبه الذات، فما ألفناه محبة "الأنا" وفي نقدها تجريح وإن كان ليس من مهمات النقد التجريح.

النقد ليس سمة نقبل بها، وتلك من طباعنا نحن العرب والمُسلمين، وإن كان في شفيف الحُزن ومأساة ما عشناه ما يقتضي النقدُ.

الحُزن "الشفيف" رديف السعادة، ففي التعبير عن الحُزن مكامن للتعبير عن السعادة وإن خفيت ملامحها لشيوع صورة الحُزن، ولكن شفيفه فيه ترسيمات لوجوهنا الباسمة حقاً وإن بان على مُحيّانا بعض من "شفيف الحُزن".

دع الحُزن ترنيمة شجن، أو دع الفرح سلطنةً وطرباً تعيش في ذكرياته لحظات فيها من الألم بقدر ما فيه من اللذة.

عيشنا في الحياة مسورين تُحيطنا أسيجة التقاليد وأسيجة التدين السطحي بكل ترسانتها الاسمنتية، وهي نافذة في حياتنا ولا قُدرة لنا على خرق نُظم الحياة التي أطرتنا بها، لا لأننا راغبين بها، بل لأنها حياة ورثناها بكل ما فيها من رتابة وسكون، فألفناها وكأنها حقائق لا يعتريها النقص ولا مناص لنا من الخضوع لها، وخضعنا لها مُرغمين لكثرة المؤيدين لها والمنافحين عنها، فصرنا أسرى نسير بهدي صانعيها ومُريديها.

ربما حاول البعض منَا الخروج عن سطوتها لما امتلكه من وعي وأدوات نقد معرفي يأبى إلَا أن يكون حياً رغم أن كثير مما فيه فقد قُدرته على التنفس والشعور بجدوى الحياة بقيمها المُعاصرة.

كُلما امتلكت وعياً ودراية بالمناهج النقدية المُعاصر وحاولت الخروج عن سطوة "الجدران الاسمنتية" سيحسبك الأغلبية من الذين يدورون في فلك هذه الجُدران أنك ضال مُضل، وستظل تنوء بحمل تراث نحلم بأن نُعيد نهضته في حاضرنا، وتناسينا "أن لكل زمان دولة ورجال".

ولا أخفيكم سراً أن بعض من مظاهر الألم والحزن المرسومة خُطاطته في لوح وطني الجريح سببها هيامنا في هذا الماضي وسعينا للعيش فيه وكأننا نروم العودة بالزمن، ولم يدرَ بخلدنا أن الزمن لا يعود كما نبغي له أن يعودا!.

دع كل قحط السنين صديقي، وتمثل حياة اليوم فأنت إنسانها، وغادر سطوة "جدران الماضي الاسمنتية" المُتحجرة، وعش يومك، وتذكر لحظات الماضي على أنها لحظات حزن شفيف وفرح أشف، ولكنها لحظات مضت وعليك أن تعيش مُتغيرات الحال والأحوال، ولا تندم على الفائت من العُمر أو على فرصة ضاعت، وابحث في حاضرك ومستقبلك عن فرصة أمثل، فمثلما في الماضي فرص تفوت، ففي الحاضر والآتي فرص قادمة ربما تكون أفضل.

التوق للسعادة يعني أن تعيش الحياة بطعم الحاضر والآتي، لا أن تعيش الحياة حسرات وتأوه على ما فات من العُمر، فكل يوم جديد يعني أمل جديد وحياة تستحق أن نعيشها بطرق تعامل بحسب المُتغير الحياتي، ولكن مهمتك هي بث الأمل في قلوب وعقول الشباب، فلا يأس مع الحياة، كما لا حياة مع اليأس ـ كما يُقال ـ فجميل أن تُشعر الآخرين ممن هم في محيطك الاجتماعي أنهم يستحقون العيش في هذه الحياة بطريقة أفضل، وعليهم أن يعملوا لتجاوز الصعاب لا أن يستكينوا ويستسلموا، فالحُرية لا توهب، بل تؤخذ بقوة وعزيمة الشغوفين بها.

فاستمتع وتلذذ بشفيف الحُزن بسماع أغنية شجن تلعب على وتر العاطفة الجياشة كي تستفز عواطفك، وهذا حق لك لا يُحاسبك عليه أحد، ولكن تلطف بمن هم حولك ولا تُدخلهم مدخل حُزن وتصنع لهم مسرحية من عوالم "المأساة"، لأن ما يخصك يخصك، وما يخص الآخرين من حولك عليك أن تُعطيهم جرعات أمل لا ألم.

في التوق للسعادة أن تضحك من دون خوف أو وجل، وتصنع الضحك إن كان في تصنعه سعادة لمن هم حولك، فكل منَا يبحث عن بسمة ضاعت في همَ السنين ـ وهذا ما صدح به صوت طلال مدَاح ـ في أغنيته الشهيرة (زمان الصمت)، وهو يروم زرع البهجة في نفوس مُتلقيه فزاد عليها توق محبة وزرع للسعادة بأغنيته "وردك يا زارع الورد".

فمن شفيف الحُزن استحضار الألم واللذة في الآن نفسه، وكأنه تبادل الأدوار بين الليل والنهار، فكم االسنين بما فيها من ألم وفرح يُشابه غروب الشمس، ولكن الشروق آت لا ريب، فلا تطوي الآخرين بجنح الظلام وحاول أن ترفعه بأجنحة النهار حين الشروق لحياة أبهى وأجمل...

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

نايف عبوشلا شك أن القراءة بمعنى مطالعة الكتب، والمجلات، والصحف، والدوريات الورقية، مفيدة في تحصيل المعلومة، وزيادة المعرفة، وتنمية عملية الفهم، وتوسيع الإدراك لدى القاريء،سواء كانت قراءة على سبيل الهواية،او أنها تتم على سبيل الاحتراف، والمنهجية .

ومع انتشار الثقافة الرقمية، وانحسار دور الكتاب الورقي، وانتشار ثقافة الصورة، في الوسط الثقافي المعاصر من خلال الواقع الإفتراضي على نطاق واسع، وانغماس المتصفحين فيه بشكل تام، فقد تراجع أسلوب القراءة بالكتاب الورقي على النحو التقليدي بلا شك، وفقد القاريء آصرة الانجذاب إلى الكتاب، والتعلق به، وتأبطه إلى المكتب، والمقهى، وفي الشارع، كما كان الحال عليه أيام زمان.

 ومع ذلك تظل القراءة في الكتاب الورقي، وخاصة في المجالات الأدبية، مهمة في صقل المهارات الكتابية، وتساعد على اكتساب، وتنمية مهارات التعبير،مع كونها موهبة إبداعية ابتداء . فالقراءة في الأدب تسهم بشكل كبير في تنمية مهارة التواصل عبر الكتابة، والحديث، لأنها توسّع الملكات اللغوية للقارئ، وتزيدها ثراء، ومعرفة.

وإذا كانت اغراءات الصورة، وعبارات البوستات الجاهزة، لاتحتاج سوى كبسة زر للاستدعاء، ومن ثم الحضور الفوري أمام المتصفحين، ومستخدمي الإنترنت، ومن دون عناء يذكر، فإن القراءة الرقمية مع ذلك، تظل عرضة للتشوش أثناء التصفح، وذلك نتيجة تزاحم انسياب المعلومات، والصور، والمشاهد، بالانبثاق المفاجىء، مما يستهلك الكثير من وقت المستفيد، ويشتت انتباهه، ويضعف قدرته على التركيز في اللحظة .

ولذلك تظل المطالعة من خلال تصفح الكتاب الورقي التقليدي، مركزة، وأكثر رصانة، ومن ثم فإنه لا يزال لها سحرها الخاص، وبالتالي فإنها لاتزال تحتفظ بنكهتها الأصيلة في وجدان القاريء، وخاصة قراء ذلك الجيل من مثقفي أيام زمان

 

نايف عبوش

 

حميد طولستكم هو مربك لعقل وروح الكاتب، أن يتثاقل انسياب أفكاره وأساليبه الأثيرة، ويتباطأ تدفق إنتاجيته المثرية التي اعتاد ممارسة حياته عبرها،  ويداخله إحساس شديد بأن الإلهام قد هجره، وأنّ القدرة على الكتابة قد تخلت عنه، وأنه فشل في مواجهة ما فاجأه من توقف عن الكتابة رغم تكرار المحاولة مرارا، تماما كما حدث معي مند مدة، حيث خفت نور الكتابة،الذي  ظننت أنه لا ينطفئ أبداً، والذي سلبني توقفها - جسدياً وليس فكرياً -النوم، وجعلتني الرغبة الملحة فيها "كالزمار يموت وأصابعه تلعب" كما يقول المثل العربي، ودفع بي للتساؤل، هل تأتي على الكتاب والمبدعين أوقات يشعرون فيها بعدم القدرة على الكتابة ؟ وهل تمثل حالة الانقطاع قلقا وألما لمن يصاب بها، وأُسائل أهل القلم إن هل هناك وصفة سحرية لمواجهة السكتة الأدبية، أو طقس خاص يحرر الذاكرة من مكابح ملكة الكتابة، أو استراتيجية فعالة لتحفيز السجية للعودة للسباحة في مساحات الكتابة المثرية كما كانت في السابق.

مؤلم فعلا أن يكتشف الكاتب أنه لم يعد قادراً على التعامل مع ما كان يغريه من الأوراق والأقلام وشاشات الحواسب الفضية، وهو الذي يعتبر أنه لا جدوى لوجوده خارج إطارها وإطار فعل الكتابة التي ليست عنده حاجة فقط، بل قدر وعادة وملاذ وقدر ووجود وعيش لا معنى لحياته بدونها..

 

حميد طولست

عبد الله الفيفيمن شِعرٍ منسوبٍ إلى (القاضي علي بن محمَّد العنسي)، غَنَّى كثيرون على لحنٍ من التراث الصنعاني:

وا مُـغَــرِّدْ بِــواديْ الــدُّرِّ مِـنْ فـــوق الاْغْــصـانْ

وا مُـهَـيِّــــجْ صَــــبابـاتي بـِــتَـرْجِـــيْـع الاْلْحــانْ

ما جَـــرَى لَـكْ تُــهَــيِّــجْ شَـــوق قلبي والاْشْجانْ

لا انـتَ عـاشِـقْ ولا مِــثلي مُـفـارِقْ للاْوْطــانْ

بُــلْــبُلَ الــواديَ الأَخْضَـرْ تَـعــالَ اْيْـــنَ دَمعـكْ؟

تـَــدَّعـــيْ لَــوْعَــةَ العــاشِـقْ ومـا العِــشْـق طَبعَكْ

فاســتَرِحْ واشـغــل الــبانَةْ بِخَــفْـــضَــكْ ورَفْـعَــكْ

واتْـــرُكِ الحُــبِّ لاْهْــلِ الحُــبِّ يا بُلْـــبُــلَ الـبـــانْ

حِـــبَّــــتي بَــعـْـدَكُــمْ واللــهْ جَـفــاني هُـــجــُــوْعـِـــي

وجَــــرَحْ مُــقْلَـــتِيْ يــا اْحْـــباب جـَــاري دُمـُـوْعِــــي

آهِ  وا حـــســـرتــي منكُــمْ  ألا  يــــا وُلُــــــوْعِـي

كُـــلِّ ذا مِنْ جَفــاكُمْ لَـــــــيْتْ يا لَـــيْتْ لا كـــــــانْ

يـــا أَحِــبَّةْ رُبـــَى صَــنــعــا سَقَـــى اللـهُ صَـــنـعـــا

حَـــيِّ ذاك الــــرُّبَـى لا زالَ لِــلْــــغِــــــيْـــدِ مَـــرْعَــــــى

لَــوْ يـَــقَعْ لِـيْ إليه اسْعَـى على الرَّاسْ لاْسْعَى

يا بــرُوْحِــي (نَجِيْ؟) رُوْحِـــي بَلابِـــلْ وأشجـــــانْ

لَيتَ شِعــــريْ متَى شَا اْلْــقِيْ عَصاةَ المُسافِــرْ

وايِّ حِيْنْ شَا يَطِــبْ ليْ عَيْش قدْ كان نـــافِــــرْ

وايِّ حِــيْنْ شَا تـخَــطَّـرْ بَـــــيْـنَ تــلكَ المَـنــاظِـــــــرْ

هُوْ قَريبْ ذا على اللـهْ إِنْ يَـقُـلْ لَـهْ يَكُـنْ كـانْ

غناه مغنُّون من اليَمَن وغير اليَمَن. وأجمل من غنَّاه مطرب اليَمَن الكبير (العبسي، أيُّوب طارش). وهو فنّان نادر، بفخامة صوته وعذوبته معًا، ومقدار الشجن والطرب فيه. فما وزن هذا النص؟ إنه من مجزوء البحر الخفيف، المخبون المقطوع العَروض والضَّرب، ويُسمَّى: (المكبول)، بحيث تصبح (مستفعلن): (متفعلْ= فعولن).  ويُسمِّي العَروضيُّون العِلَّة هاهنا (قَصْرًا)، لا (قَطْعًا)؛ لأنهم يفترضون أن التفعيلة في هذا البحر تتكوَّن مقاطعها هكذا: (مستفعِ لن). وهو افتراضٌ تحكُّمي لا يدعمه منطق، ويجعلنا أمام تفعيلةٍ وهميَّة مختلَقة، لا مبرِّر لها. بيد أن البيت من مجزوء الخفيف يصبح في نصّ العنسي شطرًا من بيت. جاعلًا توزيع القوافي على النمط الموشَّحي، أو الحُمَيْني. وقد قيل إن أوَّل من أضاف هذا الوزن الشاعر العباسي (أبو العتاهية)، وحين نُبِّه إليه وأنه قد خرج به عن مألوف العَروض، قال: "أنا أكبر من العَروض!"  وعليه أبياته: 

عُتْبُ، ما لِلخَيالِ ** خَـبِّريني ومـالِــي؟

على أن للغناء عبثه أحيانًا بعَروض الشِّعر. فتقطيع الأبيات هكذا: "وا مغردْ/ بواديْ الدْ/ دُرِّ من فو/ ق الاْغْصانْ": (فاعلاتن/ متفعلْ/ فاعلاتن/ متفعلْ (+نْ)). بزيادة حرف ساكن، وهذه الزيادة لا نذكر لها شاهدًا من الشِّعر الفصيح، حتى لدى أبي العتاهية. لكن المغنِّين يكسِّرون بعض الأبيات: فنسمع بعضهم، كالفنّان (علي الآنسي)، يقول: "تدَّعي لوعة العشَّاق وما العشق طبعكْ". وبعضهم يقول: "وا مهيّج صبابتي بترجيع الالحانْ". والبيت: "آهِ وا حسرتي منكمْ وآه يا ولوعي"، لا يستقيم وزنًا، ولا بُدَّ أنه، مثلًا: "آهِ وا حسرتي منكمْ ألا يا ولوعي". ولن تفهم ما يقوله المغنُّون في البيت الثامن، ولا حتى المنشدون! فالكلمة الثالثة من الشطر الثاني تسمعها تارة "نجح" وتارة "نقح"، وفي النهاية بلا معنى ظاهر! ويبدو أنهم لم يفهموه، فغنَّوه هكذا، وإنْ من غير معنى! ولعلَّه: "يا بروحي نَجِيْ روحي بلابل وأشجانْ". فالشاعر يفدي بروحه "نَجِيَّ" روحه، وإنْ كان نجيَّها بالبلابل وبالأشجان. وأمّا (محمَّد عبده)، فقد غنَّى الأبيات قديمًا غناءً جميلًا، صوتًا، عجيبًا، لحنًا ونصًّا، فضلًا عن تكسيره الوزن! (ولمن شاء العودة إلى موقع "اليوتيوب" لسماع المواد المشار إليها:  http://www.youtube.com/watch?v=PtJu4AmOyQw )

مهما يكن من أمر، فإن للغناء عالمه الموسيقي، وللشِّعر عالمه اللغوي الموسيقي. غير أن نماذج المقارنة بين الضربَين تشير إلى أن أُذن الشاعر أرهف حِسًّا غالبًا من أُذن الموسيقي، وأن "نوتة" الوزن العَروضي هي أدقّ وأكثر صرامةً في قوانينها من نظيرتها لدى المغنِّي أو الموسيقي.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

ابراهيم مشارةقومي من تحت الموج الأزرق، يا عشتار

قومي كقصيدة ورد..

أو قومي كقصيدة نار

لا يوجد قبلك شيءٌ.. بعدك شيءٌ.. مثلك شيءٌ..

أنت خلاصات الأعمار..

يا حقل اللؤلؤ..

يا ميناء العشق..

ويا طاووس الماء

من قصيدة :يا ست الدنيا يابيروت " نزار قباني.

بيروت أم الشرائع، عروس المدائن، باريس الشرق، دالية الحسن التي اشمخرت وتجلت عناقيد جمال في وجوه حسانها وفي حدائقها،في أرضها و في سمائها.

لبيروت رائحة كما للربيع رائحة وللورد شذا وللمسك أريج رائحة بيروت من رائحة العشق من رائحة البحر المضمخ برائحة أرزها وصوت فيروز.

بيروت، سرة الدنيا، التاريخ الضارب الجذور إذا فاخرت المدائن بعراقتها، وبيروت السحر الذي يتعانق فيه الماء اللازوردي بالعمران الأبيض في بياض الياسمين وجماله.

بيروت التي أعطت العالم العربي قواميسه اللغوية ومتونه الفكرية في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين ومزجت بين رصانة الثقافة العربية العريقة وجدة الثقافة الغربية الحديثة حتى استوت درة في تلك المقولة الذائعة"القاهرة تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ" هذه هي ثلاثية الثقافة العربية منشورة على هذا المثلث القاهرة بيروت وبغداد، لكن لا فبيروت تكتب وتطبع وتقرأ وتنقد وتتمرد.

بيروت فرس جموح لا تسلس القياد لكل فارس، بيروت جنية لا يستهويها أي غناء ولا يراودها أي فارس أحلام فعمرها من عمر التاريخ وجمالها من متون الجمال لا من حواشيه،هي شهرزاد لا تحكي لشهريار الزمان ألف ليلة وليلة بل مليون مليون ليلة وليلة !

تبدو بيروت من الطائرة مجرة بيضاء يعانقها الماء ويمعن في عناقها يهصر غصنها الميال في خليجها المشهور مجرة بيضاء تمتد إلى اللامنتهى من جهة الشرق أو الغرب وترتفع الأبراج الحديثة لتشير إلى حركة عمرانية تحديثية لبيروت كأنما بناها مردة سليمان !

ها أنذا في شارع الحمراء سان جرمان بيروت أتأمل مقاهيه تلك التي ادخرت بين جنباتها مجد الخمسينات وتمرد الستينات من الحمراء مر كل شاعر وكل مثقف حر وكل متمرد على آداب القبيلة ومراسيم الجبر السياسي والثقافي من هنا من مقهى" ستاربكس" الذي هو "فلور" الشرق مر نزار وغادة السمان وأدونيس ومحمد الماغوط وبين جنباته يدخر المقهى ذكريات المجد الغابر من روعة المغامرة مع يوسف الخال وأنسي الحاج وبول شاؤول وغيرهم.

مازالت مكتبة أنطون معلم من معالم شارع الحمراء لولا أن معدل القراءة انخفض وثمن الكتاب ارتفع كثيرا،أواصل الطريق مستقيما باتجاة "الروشة" واجهة البحر حيث الصخرة المشهورة والتي هي معلم بيروت الطبيعي ويسميها البعض صخرة الانتحار هنا المدينة تشبه كثيرا مدن جنوب فرنسا،تبدوحواشي بيروت وأطرافها المتلألئة في الليل مجرات وسدما كونية، من الحمراء في الاتجاه الآخر أنعطف باتجاه البحر أمر بالجامعة الأمريكية وجه بيروت الأكاديمي المشرق أتذكر شاعري الأثير كذلك خليل حاوي الذي كان يسكن قريبا من هنا والذي انتحر صباح يوم عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 لم يتحمل رؤية ذلك المشهد ولم يتحمل قبل ذلك الخذلان العربي وكان يمهد لرحيله في شعره:

والضوءَ المداجى عبر عتمات الطريق،

ومدى المجهول ينشقّ عن المجهول،

عن موتٍ محيق،

ينشر الأكفان زرقاً للغريق،

أمر بحديقة بيروت والسرايا كاتدرائية سان جورج ثم مسجد الأمين أحد أفخم مساجد الدنيا حيث يرقد الشهيد الحريري ومرافقوه الذين استشهدوا معه إلى جوار المسجد الباذخ المترع جمالا وجلالا بلونه الذهبي وقبته الزرقاء اللازوردية ومآذنه الأربع والذي يشبه كثيرا مسجد علي باشا في القاهرة وحين يرتفع الآذان منه للصلاة تتيه في ملكوت الروح بين سحر الصوت وجاذبيته وثقل الأمانة ثم ساحة النجمة حيث البرلمان تعطر أنفي رائحة الأركيلة المنبعثة من المقاهي الباذخة التي تذكرني بمقاهي الحي اللاتيني هنا الجمال الصارم والمجد العريق في ما يعرف ببيروت الغربية، إلى الأمام الخط الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية.

الخط الأخضر أو الوهم الفاصل بين أنانية الإنسان وطيبته في ذات الوقت!

والذي دفعت بيروت فاتورته جسيمة بين أعوام 1975 و1990

بيروت ياسمينة لا شرقية ولا غربية عرشها على ماء الجمال والسحر والغنج .

كم أكره المدن المتبرجة تلك التي تاريخ ميلادي أعرق من تاريخ ميلادها إن الخريطة التي نعيش عليها تشبه كثيرا ميناء الساعة أرقامه بضع مدن وعقارب الساعة تشير إليها والباقي خارج الميناء وكم أعشق بيروت رائحة بيروت وسحر بيروت برغم زحمة السير فيها وغلائها برغم مشاكلها التي لا تمنعني من عشقها والتذلل إليها ومراودتها عن نفسها لتفضي إلي بسر السحر فيها وأنا أسمع صهيل طرقاتها في جوف الليل وحمحمة الحنين إلى زمن معين .

بيروت الصمود برغم كل شيء برغم الجراح، بيروت الأمل الواعد بيروت الكنز المخبأ، بيروت السحر المعتق .

أيتها الفينيقية !

ياسليلة الورد والنار

مازال في الكأس صبابة

من عشق وجنون وإباء

فأنا بعد الخمسين

أخطو خطواتي الأولى

بين الورد والنار

لم تثنني المراسيم ولا الآداب المرعية

عن الجموح والكبرياء

هل ربحت الرهان؟

يوم رميت خلف ظهري

علم "ماكان وما يكون "

ونبذت الدرويش والبحار على السواء

وضعت في متون العشق والضباب

يلفه الضباب؟

أساطير من نسج حوريات القمر

تنهل من أقواس الغمام

وتغمغم أناشيد الغرام

إذا الليل عربد والنهار نام

فهات العنقود من كرم تلك الدالية

واعصريه من جموح تلك الرابية

في صحة الإباء

يلفه الإباء

***

ابراهيم مشارة

 

ابراهيم يوسفأنا يا عصفورةَ الشّجنِ مثلُ عينيكِ بلا وطنِ

أنا لا أرضٌ ولا سكنٌ أنا عيناكِ هما سَكني

من حدودِ الأمسِ يا حلماً زارني طيراً على غُصُنِ

أيُّ وهمٍ أنتَ عشْتُ به كُنْتَ في البالِ ولم تَكُنِ

علي بدر الدين

العينُ مرآة اللهِ في الخلق

كاشفةُ أسرارِهم وخبايا عقولِهم

*

والكائنات التي تعيشُ على القِمم

تعاشرُ الشمسَ والغيمَ والرِّيح..؟

تُحبُّ الله وتهوى شقائقَ النّعمان

وجيرة العصافير

وتستلهمُ قلبَ الإنسانِ  في عينيه

*

وأنتِ يا صديقتي كاتبةٌ موهوبة 

تعجنُ المفردة  بخيالِها الخصب

وتعصرُ خمرَها مواسمَ نشوةٍ وأفراح

من كروم كفريَّا أو كسارة.. دار السلام

وتقدمها نبيذاً مُبْهِجاً

 في عتمِ الغربةِ والوحشةِ والحنينْ

*

ولئن كان للشوكولا سحرُ المذاق

وهي تذوبُ في الفَمْ

وتضفي متعة على سائرِ الحواس؟

فإن "روافد القلب"..؟ له خصائصُ الشِّعرْ

ونكهةُ الحلوى بجودةٍ عالية

*

فكاتبتُه تتميّزُ بدقَّةِ المفردة

ووهجِ الإحساسِ العميقْ

ولا أحسبُني أنصفُها بتعقيبٍ مقتضبْ

مهما اجتهدتُ فيه؟ يبقى قاصراً عن التعبير

وأٌقلّ من أن يفيكِ حقَّكِ

مما في خاطري من الشكرِ

وخالصِ المودّةِ والتقديرْ.

*

شكراً على فطنتكِ في الإشارة إلى كليلة ودمنة، وبيدبا الحكيم ودبشليم الملك، ولو كانتِ المقارنة مجحفة للغاية، كما الفارق بين النّقطة والمحيط، ونحن نعيشُ في عالم تحكمُه المصالح، وسلطة المال فيه لا تقلُّ عن الحنكة في تطويعِ الكلمة ودِقّة التعبير. والشكرُ الآخر للإشارة الملفتة إلى "ديدال وإيكار"، "وأريادني" المسعفة من متاهة "كريت"، التي امتدَّت سطوتُها ونفوذها إلى الخطوط السِّلكية عبرَ البر والبحر، وسرعةِ الاتصالات في حقبةٍ لم يمضِ عليها زمنٌ طويل.

ولا أكتمُكِ دهشتي وإعجابي ومودَّتي واحترامي الشديد، لغزارةِ معلوماتِك وأنتِ شابة حديثة العهدِ بالدّنيا، وهذا الاطلاع الواسع على الحكايا وتاريخ الأساطير، مما لا زالَ يغريني كما أغراني في الزّمن القديم. والشكرُ الأخير على الإرادة الطموحة الطيِّبة والجهد المبذول، لتجدي لنفسكِ مكانة مرموقة على صفحاتِ المواقع والمجلات، تليقُ بنجاحكِ وإصراركِ وهذا التّحدي العنيد.

كنتُ على أطرافِ الماضي البعيد، أساعدُ ابنتي في شرحِ أمثولة فرنسيّة. اللغة الثانية المُعتمَدة في مناهجِنا الدراسية، بتأثيرٍ من ثقافة الانتداب الفرنسيّ المنكود. وكان الدرسُ يتناولُ رحلة أوديسيوس من أبطالِ طروادة، وما عاناه من الأهوالِ على يديّ بوسيدون، في طريقِ عودتِه إلى موطنه إيتاك، مروراً بجزيرة كاليبسو وحكايتِه معها تمعنُ بالاستبدادِ بعواطفِ ضحاياها الرجال، فلا تعيدُهم إلى بلدانِهم ونسائِهم، مهما طالتْ غربتهم وجارتْ عليهم نوائبُ الزَّمان.

وتقولُ الأمثولة إن كاليبسو، كانتْ قد احتفظتْ بأوديسيوس رهينة في جزيرتِها، لسبعِ سنواتٍ على التّوالي، حينما رقَّتْ لحالِه أثينا حامية البطل العائدِ إلى موطنِه، مكافأة له على صراعِه وتضحياتِه من أجلِ طروادة المجيدة. هكذا توسّلتْ أثينا إلى زيوس والآلهةِ الآخرين أن يبادروا إلى إنقاذِ أوديسيوس، من سلطةِ كاليبسو واستنزافِها مخزونَ قلبِه وجسمِه، ليرجعَ بسلامٍ إلى زوجتِه وديارِه؛ فلا معنى لوجودِه بعيداً من بلادِه؛ ما لم تكنْ أرضُه وأهلُه ملاذُهُ ومأواهُ الأخير.

لكنَّ القراراتِ المصيريّة في اليونانِ القديمة..؟ كانتْ تستلزمُ التوافقَ والإجماع، "كما حالُ وطنِ الأرزِ وسياسة الحكَّامِ في لبنان". وهكذا تمَّتْ موافقة زيوس والآلهة الآخرين على القرار، وأوفدوا إلى جزيرةِ كاليبسو، هرمس مثلث العظمة بقبعتِه وصندِله المُجَنّح وعصاهُ المذهّبة.

آخنوخ المحنَّك عندَ المصريين القدماء، وأدريس من أوائلِ النبيين عندَ العربِ في الإسلام، هو نفسه هرمس حامي القوافلِ منذ الصّبا، والسارق الحرامي للأبقارِ والقطعان في اليونان. وهو إلى ذلك إله التجارة ورب الاحتيال. قدمَ إلى الجزيرة موفداً من الآلهة، يحملُ قراراً مُبرَماً بالإفراج عن أوديسيوس، لكي تعيدَ كاليبسو الحرية للبطلِ العائد، وتطلقَ سراحَه بلا مماطلةٍ أو تسويف.

هكذا يصلُ هرمس إلى الجزيرة وبحوزتِه أوامرَ الآلهة، يطالبُ بها كاليبسو إطلاقَ سراحِ أوديسيوس، تنفيذاً لقرارٍ اتّخذَته الآلهة بالإجماع. وتسخطُ كاليبسو على الموفدِ والتّعسّفِ في اتخاذِ القرار قائلة له: تَبّاً لكم من آلهة مستبدين، تنهشُ الغيرةُ قلوبَكم من نوازعِ إلهة مزهوةٍ بشبابِها تهوى المتعة - قبل الشرائع بآلآف السنوات - وتستبدُّ بها قدرة عظيمة، على ممارسةِ الحبّ علناً مع الرجال. ولما كان ملزِماً قرارُ آلهة اليونان؟ فقد رضختْ مكرهة لتنفيذِ القرار.

أسطورة لها مفعولُ السِّحر على الفكرِ والوجدان، شعرتُ وأنا أطالعُها ببهجةِ من يتعاطي الخمرةَ لأوّلِ مرَّة، فتسري مع الدمِ وتحملُ المتعة والخيال إلى القلبِ وسائرِ الأطراف..! أو كمخدرٍ له مفعولُ حشيشةِ الكيف..!؟ "الحشيشة المطروحة هذه الأوقات على التشريع في لبنان، لأغراضٍ طبيَّة بعيدة من تجارة المخدرات..! وربما بإجماعٍ على التصويت في وقتٍ قريبٍ بعونِ الله". 

بتأثيرٍ من الدَّرس حدثَ ذلك كلّه. ربما لأنني فهمتُ روحَ الحكاية؟ وأستمتعتُ بهذه المشاهد المدوَّنة، تتجسّدُ في لوحةٍ ساحرةِ الأشكالِ والألوان، حينما ضَبَطَتْه الحورية متلبساً بالغربةِ والحنين، يتطلعُ ساهماً  إلى الأفقِ البعيد، ويبدو الشوقُ لزوجتِه وموطنِه إيتاك في قلبِه وعينيه. 

پينيلوب؛ المرأة التي ذاعَ صيتُها في جنباتِ الكون، فاشتهرتْ على مرِّ العصور بأعلى مراتبِ الوفاء؛ فلا يعادلُها في التاريخِ اللاحق، وفاءُ السموألِ في حفظِ الأمانات. أدْرَكَنا الله بهذه المرأة من الفردوس، ليعلمَنا كيف نقدِّسُ سرَّ الخلقِ فيها، وكيف ينبغي أن نرعاها ونصونَها؟ هكذا انتصرتْ كاليبسو على ذاتِها، وقرّرتِ الافراج عن البطل، تنفيذاً لأوامرِ الآلهة في العودةِ للديار.

وتسرحُ كاليبسو بخيالِها إلى البعيد عبرَ البحارِ والمحيطات، تدندنُ بحسرةِ الهائمِ ترنيمةَ العشَّاق، وهي تتكىءُ باستسلامٍ على مدخلِ الغار، تتلاعبُ الرِّيحُ بردائِها الشفّاف، ويخيِّمُ الغيمُ فوقَ رأسِها في الفضاء، وأطراف شالها على كتفيها، يحاكي لونُه زرقة البحرِ وصفاء السّماء. هكذا أغوتْ حبيبها بالخلودِ الأبدي والشبابِ الدائم، فلا يهرمُ ولا يذوي مهما توالتْ عليه السنواتُ الطّوال. 

ويشعرُ أوديسيوس بالمرارةِ وسرابِ الوعدِ والحرمان، وهي تمعنُ في خنقِه والتضييق عليه، وتزيدُ من همِّه وحنينِه وحمّى خواطرِه للإبحار، فيروحُ يسري عن نفسِه  في البراري والحقول، بعيداً من سجنِه في الفراش، فيجوبُ أرضَ الجزيرة ضائعَ القلبِ، مضطربَ البالِ مكتومَ الأنفاس.

 ثم يتوهُ من حيثُ لا يشعرُ ولا يدري، ويصلُ إلى مقعدٍ حجريّ في أعلى جرف، يشرفُ على أرضِ الجزيرةِ ومدى البحر، فيجلسُ يحدِّقُ بعينينِ حزينتين ويسرحُ بخيالِه في متاهةِ روحه من جديد. هكذا تعوَّدَ أن يفعلَ ويطلقَ ناظريه في الأفقِ البعيد، كلما دهمتْه الغربةُ واستبدَّ به الحنين.   

وتُقْبِلُ إليه حوريةُ الجزيرة متلبساً بالجرمِ المشهود، وهو في أشدّ أحوالِ الحنين..؟ فترقُّ لحالِه وتناوله *"دلوار"اً وتشيرُ بيدِها إلى غابةٍ في الجوار كأنّها تقولُ له: سأتجاوزُ أنانيتي ورغباتي يا كلَّ عمري الجميل. هيّا جهِّزْ لنفسك طَوْفاً من خشبِ الغابة، وعدْ بالسَّلامة إلى دياركَ وذويك. 

فتشتُ لاحقاً عن الكتابِ الذي يزهو بالحكايةِ السَّاحرة، لأستعيدَ معه متعةَ القراءةِ ونكهة الخيالِ العميق. لكنّه آلمني حقاً أن يضيعَ من عندي الكتاب، فلا أجده بعد جهدٍ وتنقيبٍ طويل، دون أن يراودَني الإحساسُ باليأس وأنا أفتشُ عنه بعنادٍ شديد. لم أتركْ دُرجاً في المكتبة ولا زاوية في المنزل، إلا وقلبتُها رأساً على عقب. تعبتْ أعصابي من الإصرارِ على استعادةِ الكتاب "اللعين". 

وإمعاناً مني في العناد..؟ رحتُ أفتِّشُ عنه في مختلفِ دورِ النّشر، والمكتبات التي تتعاطى تسويقَ أصنافِ الكتبِ المدرسيّة الجديدة أو المستعملة ومختلفِ الروايات، فلم أجدْ ما يحقِّقُ رغبتي في العثورِ على الكنزِ الضائع، أو الحصولِ ولو على نسخةٍ مستعملةٍ أو باليةٍ من الكتاب.

أسطورةُ أوديسيوس وكاليبسو، هي كل ما أتذكُره من الكتابِ الضّائع، وغلافه المدهش وسائر الصّور الملونة السّاحرة، التي تمثِّلُ أطفالاً يلعبون في حلقاتٍ وسطَ أشجارٍ مزهرة، وحقولٍ مليئة بالنّحلِ والفراشِ والغدران. كل ما يسبي العقولَ ويلهبُ خيالَ الصغارِ والكبارِ على السّواء.  

وجدتُ كثيراً من الكتبِ الحافلةِ بمختلفِ أنواعِ ألأساطير، من أسطورةِ أيزيس وأوزوريس في مصرَ الفراعنة، ومن اليابان أوراشيما الصياد، والسلحفاة ابنة ملكِ البحر. ومن اليونان القديمة وجدتُ ما لا يُحصى أو يتسعُ له خيالُ الكتّابِ والشعراء..؟ بدئا "بأندروماك" للكاتبِ الفرنسي راسين - المسرحية التي أطراها فرانسوا مورياك، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، ممن نادوا باستقلال الجزائر. وما هذا الجنوح عن السياق إلاّ من بابِ الأمانةِ فحسب - وانتهاءً بالدكتور عماد حاتم، المعني إلى حدٍ بعيد في دراسةٍ رائعة، وتفسيرٍ عميق لتاريخِ الأساطير.

لكنني لم أجدْ في كلّ الكتبِ التي وقعتْ لاحقاً بين يديّ، ما يعادلُ ما قرأتُه في الكتابِ الضّائع. فلم أنسَ بعد أنّنا أول ما اشتريناه وقبلَ بدءِ الدّرسِ الأوّل؟ رحتُ أراقبُ ابنتي بحسدٍ كبيرٍ وحبٍّ أكبر، وهي تتأملُ الغلافَ بدهشةٍ أشعلَها خيالُ الأطفال. وتركتُها تفعل قدرَ ما تشاء، حتى إذا ما انتهتْ من متعةِ التّأمل في صورةِ الغلاف، وقبلَ مباشرةِ الدَّرسِ الأول؟ شعرتُ بمزيدٍ من الغيرةِ والحسد، حينما لم أسعدْ فأحظَ في طفولتي، بمثلِ هذا الكتاب الزاخرِ بأصنافِ الصّورِ وأحلى الحكايات.

 كل ما عرفتُه في زمني التعيس عصا الأستاذ، وكتاباً فرنسياً واحداً بالأبيض والأسود. الكتابُ الفريد بأجزائِه الثلاثة (Le livre unique)، وفيه الحكاية اللئيمة عن الجندبِ والنملة. 

هذه الأجزاءُ الثلاثة المقرَّرة، كانت تقتضيها المرحلة الأعدادية، التي تسبقُ مرحلة ما قبلَ الجامعة. "ولا زلتُ أذكرُغلافَه الدّاكن الأسمر الذي ينفِّرُ القلبَ محتواهُ الصارم، ومادّةُ ورقِه الصفراء تثيرُ حساسيةَ الحلقِ وتحملُ على السّعال، بفعلِ العث الذي يعشِّشُ بين دفتيّ الكتاب".

ليبقى مدرِّس اللغة الفرنسية، أسوأ من الكتاب الفريد الذي عرفناه، وهو يضربُنا لتقصيرِنا في مادتِه، بدلاً من أن يشجعَنا ويساعدَنا في فهمِ الدروس. وعندي من الأدلةِ والبراهين ما يكفي ويفيض، بأن المدرِّس المبجل كان يجهلُ اللغة التي يتولى تدريسها، بعدما تجاوزتُ بعضَ مراحلِ التعليم، مما يحملُ على ابتسامةٍ عريضة مليئة بالشماتة والسخرية، تنالُ من المُدَرّس ومن هيبةِ التعليم، وهو يبتكرُ تفسيراتٍ من مخيّلته، ويحاولُ أن يقنعَنا بقسوتِه المقيته وجهلِه المبين. 

لم تكن ابنتي سعيدة بكتابها فحسب..؟ بل كانت سعيدة مع زملائِها وزميلاتِها ومُدَرِّسيها أيضاً، والصور السّاحرة الملوَّنة المعلقة في الصفوف. وحينما كانتْ تسمعُ بوقَ حافلةِ المدرسة يناديها عندَ الصّباح..؟ كانت تختزلُ الدرجتين بقفزةٍ واحدة، وطلاقة مليئة بالفرح في النزولِ من البيت.

بينما كنتُ أنافقُ لأهلي في طفولتي، عن اهتمامي وشدّة محبّتي لمدرستي والنشيدِ الوطنيّ، ولا زلتُ أنافقُ حتى اللحظة أن لبنان بلدٌ عظيمٌ بحكّامِه! وإمعاناً منّي في النفاقِ والخسّةِ والتّدليس؟ رحتُ أستخدمُ في مؤخراتِهم "وسطى الأباخس"، بتعبيرِ أخينا عبد الجليل لعميري من المغرب.

أما أقصى ما باتَ يمارسُه معلمو ومعلمات اليوم من العقوبةِ بحقِّ الطالبِ "المسيء"؟ فلا يتعدى عتباً يقرأه الطالبُ في عيونِ المدرِّسين، أو موقفاً يتَّسمُ ببعضِ الجفاءِ كحدٍ أقصى، وعقوبةٍ تحترمُ أساليبَ التربية، والمناهج المقررة وسلامة التعليم الحديث. 

لكنّ مدرّسَ اللغة الفرنسية، الذي تعلمتُ على يديه يا طيَّب الله مثواه؟ فكان تمادياً في عقابنا وتزكية من أهالينا، يستخدمُ عصاً يختارُها من شجرِ الرّمان، عصاً كثيرة العقدِ يلهبُ بها أصابعَ أيدينا، فتفقدُ الإحساسَ بأطرافِها إبانَ الشتاء. ولهذا لا أكتمكِ يا صديقتي أنني حتى اللحظة، لا زلتُ أشعرُ بندامتي كيف ضاعَ مني الكتاب، وضاعتْ معه رحلة أوديسيوس وقصة حبّه لكاليبسو سيدة الجزيرة وحورية البحر. ولا زالتِ اللهفة تراودُني والأملُ يحدوني في العثورِ على الكتاب. 

تعلمتُ من الأمثولة معنى مفردةٍ فرنسية كنتُ أجهلُ علامَ تدل..؟ وكانتْ كما بدا لي من سياق الدرس تتصلُ بالعيونِ الجميلة، اجتهدتُ في تفسيرها وأخفقتُ في معرفةِ ما تعنيه على وجهِ التحديد، حينما رحتُ أستجلي معنى المفردة العصيَّة، في "المنهل" قاموس الدكتور سهيل أدريس صاحب "الحي اللاتيني"، ومراجعة الدكتور صبحي الصالح ممن قتلتهم حربُنا الأهلية. 

تعلّمتُ يومَها من خلال "المنهل" معنى Pers"": مزرورقتان أو مخضوضرتان، كلمة فرنسية جديدة على قاموسي في تفسيرِ المفردات. وتشيرُ إلى خليطٍ مدهشٍ ومتجانس من الأزرقِ الصافي والأخضرِ الشَّاحب، يفيضُ بنقاءِ البنفسج جنباً إلى جنب. ويقولُ المنهل في تفسيرِه للمفردة: La déesse aux yeux pers هو اللون الذي تتصفُ به عينا أثينا. وأنّ الإس "s" على الطرف حرفٌ أخرس، وبعضُ المراجع الأخرى تفيدُ أن المفردة تعني ظلالَ ألوانٍ يخيِّمُ عليها الأزرق والأخضر والأرجواني؛ وتتمُ الإشارة إلى هذا اللون للتعبيرِ عن عمقِ وسحرِ العيون.   

أما "شربات جولا": الأفغانية البشتونيَّة حفيدة أثينا، ومن بذورِها عبرَ تاريخٍ طويل، فقد سَرَتْ في مفاصلي رعشة مُخَدِّرة وأنا أرى عينيها، ليقعَ اختياري على صورتِها بين فيضٍ من الصورِ السّاحرة أزيِّنُ بها النصّ. هذه المخلوقة عصيَّة على الوصفِ المنصف، ففي عمقِ عينيها يستوطنُ وميضٌ من التَّحدي والشَّهَب، وألوان يدركُها القلب ويخونُ وصفَها اللسان، وتوحي بما كانت عليه جدّتُها أثينا، إلهة الحرب والحكمة والقوة وكلِّ نبيلٍ من الأوصاف. والسؤالُ الذي يلحُّ على خاطري، كيف يتعاطى خيالُ الأطبّاءِ الرجال، مع مرضى العيونِ الفاتنة من النِّساء.!؟ 

ومن أسراري يا صديقتي؟ أنني ضعيفٌ أمامَ المرأة ومولعٌ بالعيونِ الفاتنة. تلك التي تشبه أثينا وقد شغلَتني عن نفسي زمناً طويلاً..؟ وشَغَلَتْها عني تربية الأولاد..! فهل أدركتِ يا صديقتي كيف يكون التفاوت بين الطبيعتين..؟ تلك هي عطايا الرب للمرأة دون سواها من سائرِ الخلق. 

لكن الزَّمن يا صديقتي نالَ منّي ومن زوجتي. كبرَ ألأولادُ وتزوَّجَ معظمُهم وتراجعتْ عواطفُنا، لتنوبَ عنها العشرةُ الطيِّبة والهَمّ المشترك بأحفادِنا، دون أن يخفتَ إعجابي بالعيون الجميلة، ودون أن تتنازلَ زوجتي عن آنيةٍ بلونِ العيونِ التي أحبَبْتُها، بل تمادتْ في الحفاظِ عليها. 

هي مجموعة مميزة وغالية الثمن، من أواني القيشاني الفيروزي الأزرق، تدهشُ القلبَ وتبهجُ العين. شَحَنَتْها من الخارج ودفعتْ ثمنها نقداً أجنبياً غالياً. احتفظتْ بها عقوداً طويلة تتوهجُ أنيقة في خزانةٍ زجاجيّةٍ مُضاءة، تزيّنُ بها قاعةَ الجلوس في إحدى الزوايا المقابلةِ للمدخل.

هذه المجموعة العريقة الرائعة، التي تباهتْ بها طويلا..؟ رافقتْها مذ تزوّجنا فلم تعطِ منها شيئاً لأبنائِها أو بناتِها، ممن تزوجوا وغادرونا إلى بيوتِهم تباعا. وكانت شديدة الحرصِ في التّعاملِ مع الآنية، فلم تكسرْ منها قطعةً واحدة خلالَ عقودٍ طويلة من الزّمن. ولم تفتحِ الخزانة مرةً إلاّ  لكي تزيلَ عنها الغبار، وهكذا لم تستفدْ منها ولم تستعملْها على الإطلاق. 

لكن العدوان الإسرائيلي على البلاد العام 2006، لم ينلْ من العيونِ الملوّنة الجميلة والحمدُ لله. بل دمَّرَ إسمنتَ المباني وحَطّم الآنيةَ المدهشة، حطَّمها كلها دون أن ننتفعَ بها أو نستخدمَها مرةً واحدة. هكذا لم أجدْ غضاضة أن أشمتَ بزوجتي التي أحبّها، دون أن أشعرَ بالأسف على آنيةٍ لم نستعملها؛ هي كل ما حطّمه العدوان من تصميمنا، ومقاومتنا في التصدي وصلابة إرادتنا.  

 

إبراهيم يوسف – لبنان

......................

حاشية:

*"دلوار": مفردة فرنسية "Doloire" آلة لقطع أو حك الخشب لعلها: "القدُوم أو القادوم" مما يشبه أدوات النجارة..؟

 

ضياء نافعتوفي نيقولاي غوغول في بداية شهر آذار / مارت من عام  1852، وصدر آخر كتاب له  العام 1847 بعنوان – (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)، كما استقر عنوانه لاحقا في الترجمات العربية، اما الترجمة الحرفية للعنوان فهي – أماكن مختارة من مراسلات مع الاصدقاء . الكتاب معروف للقارئ العربي (عن بعد) ان صح هذا التعبير، اذ انه غير مترجم الى العربية حسب معلوماتنا، ولكن الباحثين والقراء العرب غالبا ما يتحدثون عنه، وحتى يلعنونه في كثير من الاحيان، دون الاطلاع الدقيق والموضوعي والشامل على نصوصه بلغتهم العربية، بل انطلاقا من مواقف (ورثوها!!!) من قراءآت  سابقة حول هذا الكتاب ليس الا (انظر مقالتنا بعنوان - حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول)، وهي مسألة جديرة بالتوقف عندها والتأمل فيها فعلا، اذ انها نادرا ما تحصل في الاوساط الفكرية، وقد حصلت مرة في تاريخ الادب الروسي في القرن العشرين بالنسبة لباسترناك وروايته (دكتور زيفاغو)، وهو ايضا آخر كتاب صدر لباسترناك، وكذلك حصلت بالنسبة لكتاب غوغول الاخير هذا في مسيرة الادب الروسي في القرن التاسع عشر.

يتضمن الكتاب (32) فصلا مختلفا ومتنوعا جدا، وهو واقعيا مجموعة مقالات فكرية معمقة، ويمكن القول بكل ثقة، ان بعض تلك المقالات لازالت مهمة لحد الان بالنسبة  للمجتمع الروسي وحركته الفكرية، رغم ان غوغول كتبها قبل اكثر من قرن ونصف، بل ان أحد النقاد قارن كتاب غوغول هذا مرة باهمية (اعترافات) جان جاك روسو. لا يمكن طبعا عرض محتوى او مضمون كل تلك الرسائل المتنوعة (او فصول هذا الكتاب) في اطار مقالتنا، ولكنني – في الاقل -  أود ان أعرض للقارئ بعض عناوينها ليس الا، والعنوان طبعا يبين للقارئ - بشكل او بآخر- المضمون العام لتلك المقالة بلا شك .

 يبتدأ الكتاب بمقدمة، ثم تعقبها الفصول كما يأتي -  وصية //  المرأة في العالم // اهمية الامراض // ما هي الكلمة //  قراءة الشعراء الروس امام الجمهور // عن مساعدة الفقراء // عن الاوديسه بترجمة جوكوفسكي // بعض الكلمات عن كنيستنا ورجالاتها // عن الشئ نفسه // عن ليريكية شعرائنا // نقاشات// المسيحي يذهب الى الامام // كارامزين // عن المسرح، وعن النظرة الاحادية الى المسرح، وبشكل عام عن الاحادية// مواد للشاعر العاطفي (الليريكي) في الوقت الحاضر// نصائح // التربية // اربع رسائل لاناس مختلفين حول الارواح الميتة // ضرورة ان نحب روسيا //  ضرورة السفر في ارجاء روسيا // الاقطاعي الروسي //  الفنان التشكيلي التاريخي ايفانوف // / كيف يمكن ان تكون الزوجة للزوج في الحياة البيتية البسيطة حسب النظام الحالي للاشياء في روسيا // مخاوف روسيا و اهوالها // الى صديق قصير النظر// الى شخص يشغل مكانا مهما //  ما هو اخيرا جوهر الشعر الروسي وباي شئ  تكمن خاصيته// عيد الفصح المنور//.

هذه هي عناوين بعض فصول الكتاب او رسائله كما أسماها غوغول نفسه، واظن، ان مجرد القاء نظرة عامة على هذه العناوين - ليس الا- يمكن ان  تعكس للقارئ  طبيعة هذا الكتاب الطريف و الفريد وباهميته الفكرية الكبيرة في تاريخ روسيا الثقافي، ففي كل فصل يتناول غوغول – وبروحيته واسلوبه الغوغولي المتميّز المعروف - موضوعا مختلفا من المواضيع المطروحة عندئذ امام الانسان الروسي، واتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا ان اتوقف بشكل وجيز عند فصول مختارة من هذا الكتاب المهم، واستعرض للقارئ العربي اهم الافكار التي وردت هناك، ولا أقول ترجمته الى العربية، اذ ان تلك مهمة اخرى، اتمنى ان يحققها المترجمون العرب الشباب في المستقبل القريب، وذلك  لان ترجمة هذا الكتاب ضرورية لنا فعلا في هذه المرحلة الفكرية المشوشة، التي نمرّ بها. 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

 (الثمار الجيدة تاتي من جذور اكثر جودة)

ساستهل حديثي هذا بمناسبة اقامة سماء الامير معرضها الخامس..

ان المتتبع لمسيرة الاستاذة الفاضلة اسماء سيجد قبسا متلألأ ابتداءا من سني دراستها وتفوقها وصولا الى اخر انجازاتها وهو تاسيسها لمجلة مشرقات..

لقد خاضت الحياة الصحفية بامتياز وكفاءة وطوّعت الكلمة الحرة الصادقة وسكّتها بقوالب من ذهب لكي تصل بالقارئ والمتتبع الى منابع المعرفة باسلوبها الراق ونهجها الانيق في اختيار الموضوعة المناسبة باتقان وقدرتها على الخوض والابحار بالتفاصيل بمنتهى الشفافية..

لقد تقلدت الاستاذة مناصب عديدة وساهمت اسهاما فعالا باثراء الصحافة بكل ماهو جيد وجديد واخذت على عاتقها التشجيع والاخذ بيد المواهب الشابة والواعدة الى جادة النور عن طريق اقامة المعارض ودعم فئة الكاتبات والمثقفات من خلال تاسيس مجلة مشرقات التي تعنى بانجازات المراة..

ولقد بدا جليا ان ليس هناك وجود لكلمة "مستحيل" في قاموسها ،فهاهي ابنتها سماء الامير تنتقل من زهرة الى اخرى تقطف الوانها لترسم عالمها القزحي رغم ظروف مرضها الذي قهرته باصرارها وهي تحلق كفراشة في سماء الابداع ،فتركت بصمتها كأم مع مرتبة الشرف استطاعت ان تصنع المستحيل لخلق اجواء السعادة والامل لابنتها التي دعمتها بكل ماتملك من قوة لتظهر للعالم ان القوة الحقيقية تكمن بقوة الانسان الداخلية وايمانه المطلق بارادته في سبيل تحقيق هدفه وذلك هو الكنز الحقيقي واللامتناهي الذي يبقى قبسا مضيئا ينير دياجير العتمة..

ان تاسيسها لمجلة مشرقات اعطى مساحة واسعة وفتح الباب على مصراعيه اما انجازات المراة العراقية ،لكي ترسم وتكتب وتبدع وتثري الحياة بانجازاتها وابداعاتها واصرارها على الحياة..

تحية احترام وتقدير لهذه المراة والام المعطاء التي تستحق ان تكون امراة بدرجة النخبة..

 

مريم لطفي