مجدي ابراهيمعطرُ الأحبار كعطر الأحباب : جَمالٌ تستنشقه الرّوح، لكنه يعزُّ ..! ليس في المقدور أن ينال في كل حال، ولا في أي حال!

مَنْ ينال عطر الروح يتألم ويعاني. والمعاناة ليست حالاً دائمة وكذلك الألم .. إنّ الصبابة التي تنبعث من الألم هى غُصَّة روحيّة يكابدها من يعانيها، ومَنْ يتذوق الجمال الذي تدركه الروح يتذوق في الوقت نفسه نسمات عطره الفوَّاح برائحة طيبة زكية تتجاوز الأبدان لتنفذ إلى أعماق القلوب.

هذه الرائحة العَطرة الزَّكية هى الرائحة التي يتذوقها من يعاني تجربتها. العطر هنا هبة موهوبة تهبُّ عليك فيضاً من نَسَمَات الروح! فكما أن للعطور المادية أشكالاً وألوناً، فكذلك عطور الروح هى كذلك أصناف وألوان : كلُّ يألف اللون الذي تستقبله روحه وترتضيه، على ديدن التذوق وصبابة العشاق.

فالذي يتذوق شذى نوع ما من العطور، يتنسَّمه ويرتضيه : يتذوَّقهُ؛ لا يلزمك أن تصرفه إلى غيره، فليس في مثل هذا التذوق إلزامُ من خارج، وكذلك عطور الأرواح هى أعلى في الخصوصيّة وأخص في الدلالة؛ لأنها صادرةٌ عن معاناة صاحبها مستمدة من تجربته الخاصة المخصوصة به وحده دوناً عن سواه، فليست من ها هنا مُلزمة لأحدٍ، ولا من حق أحد أن يفرضها على أحد.

فما يَصْدُرُ عن الرُّوح هو عطرها الخاص يميزها فتمتاز به عن غيرها، فلا تتشابه ولا تتشاكل مع هذا الغير لا في رائحة ولا في شذى ولا في لفتة ولا في ملمح ولا في خصلة من خصال التفرُّد والامتياز.

طول التعامل مع الشيء يجعلك تألف أسراره، لا بل قد يكشف لك عن أسراره ما دُمْتَ قد ألفته وألفك، فتلك معرفة بعد الألفة لا قبلها. المعرفة هنا ليست مُتَاحة ولا هى ميسورة بمُجرَّد العبور عليها عبور الكرام، لكن يلزم أنْ تألف طريقها أولاً، ثم بعد الألفة تجيء المعرفة؛ لتأتي على التوالي مرحلة التكشُّف عن السرِّ الكامن فيها. هذه معرفة نوعية؛ خَاصَّة إلى أقصى درجات الخصوصيّة، الشيء الذي تألفه فتدركه قد تُصيبك منه رائحته، تصيبك في روحك، وفي قلبك، وفي أعمق أعماقك؛ لترى عطره الفوَّاح يجود عليك فيما لا يستطيع أن يجود عليك به شيء آخر سواه!

ماذا أقول؟ فهل من حقي أن أقول إنني هكذا أستنشق رائحة الحبر الذي استخدمه وأكتب به على الدوام؛ لتجيء نفَّاذة مليئة بالمعاناة، كرائحة المعاناة نفسها التي يعانيها القلم حين يكتب، وما امتلأت عندي بالمعاناة إلا لأنها ملآنة على الدوام بالمعاني مُتْرَعَة بفيض عجيب يُذَاقُ ويصفو في عالم التجريب.

إنّ المعاناة الحقيقية من أجل فكرة علوية نافعة لا تضيع، وأن مقاساة التجربة على مستوى النظر والتفكير تُشْبِه مقاساتها على صعيد العمل والممارسة؛ وأن فعل الكتابة نفسه هو من صميم التجربة الروحيّة مع المقروء والمكتوب؛ فلئن كانت المُعاناة ذاتها تجربة، وكانت "الكتابة" معاناة صاحبها؛ فلا أقلَّ من أن تأتي آثار تلك المعاناة تعبيراً عن خصوصية الكاتب فيما يمرُّ به من أحوال تماماً كما أن صاحب التجربة الروحيّة تمرُّ به أحواله في الطريق.

إنّ تدوين التفكير من أصعب ما يمكن فيما لو كان التفكير تجربة ومعاناة، وفيما لو كانت الفكرة حياة صاحبها ولا تزيد. هنالك تجد الكاتب في أغلب حالاته مُغيَّباً عن الواقع الذي يعيشه مع وجوده فعلاً في الواقع العملي، تنتابه حالات تشبه الغيبوبة أو هكذا يُخيَّل إلى من يراه، ولا أحد يدري كوامن ما في صدره من مراجل تغلي وتفور، شأن الشاعر فيما يحسُّ به وفيما يشعر، وشأن الموهوب فيما يعمل فيه وفيما يقْدِم عليه، وشأن الأديب في معاناته مع التجربة ومعاناة التجربة له. وبمقدار انفصاله عن واقعه يُبْدع حين يرى ما لا يراه الآخرون ممَّن ينغمسون في الحياة العامة والخاصّة انغماساً لا يتيح لهم ولو للحظة واحدة فرصة التأمل داخل ذواتهم كيما يدركوا منها ما لا يدركه سواهم، يدركوا منها المعنى الكبير لهذه الحياة الإنسانية العامرة بالفعل الإلهي العجيب.

لكن التأمل في الحياة - كما كان أبو تمام يقول - يزيدُ أوجاع الحياة، ومعنى أن تزيد فيك الحياة بأوجاعها لهو هو المعنى نفسه الذي يحيطك منها بكثير ممَّا لم تكن من قبل قد أحطت به علماً ومعرفة من طريق النظر والتأمل، فضلاً عن الإدراك والتحقيق.

بيد أن ضريبة هذه "الإحاطة" قاسية جداً، هى الزيادة في الوجع وفي الألم وفي المعاناة ناهيك عن ضريبة التَّحقُّق ذاتها : سحب النفس بالجملة عن مجراها الطبيعي، وخروجها عن التمحور حول ذاتها أو حول الواقع الذي تعيشه بكل ما فيه ومَنْ فيه، والإلقاء بها في مَرَاجل التأمل التي تَغْلي وتفور لتفعل فيك تجربة الروح والفكر والتأمل فعلها الذي ينتظرك على موعد منه وعلى لقاء!

التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك، ولست أنت القائد ولن تكون. التجربة هى التي تفعل، ولست أنت الفاعل ولن تكون. هنالك يكون التخلي عجباً من أعاجيب القدرة: أعني التخلي عن وهم تمثل في الوعي المحفوظ دوماً بالأنانية، واستبداله بمحيط السلامة النفسية بداية حين تتحلى بمجموعة "قيم علوية" تعتقدها وتدين لها بكل الولاء، وشيئاً فشيئاً تصبح عادة التحلي طبعاً لا يقبل الانفطام ولا التخلي عنه بحال.

بَقَاءُكَ مرهون بعقيدتك في هذه الحالة ما في ذلك شك، وَتَقَدُّمُكَ موقوف على الولاء كل الولاء لما تدين ممَّا عَسَاَكَ تحلَّيت به في السابق وتزكيت.

***

سَهْلٌ جداً أن ينطلق لسانك بما تفيض به جوانحك من مشاعر وأحاسيس، لكن هذا كله شيء، والمعاناة شيء آخر. إنّ هذه المعاناة هى في الواقع تاريخ يحمل تجربة، فتحمل التجربة تذوقاً، فيتولدُ عن التذوق شذى يعطي رائحة فلست تعرف أيَّاً منها هو الأعلى أو هو الأدنى هو النافذ بسحره إلى الأعماق أو المتبقي على السطح بلا نفاذ، كلها درجات عالية متساوية في الشعور، وإنْ كانت متباينة في الإدراك.

هذه الرائحة الشَّذيَّة النَّديَّة ليستْ صادرة عن لا شيء، بل صادرة عن التاريخ المُعبَّق بعبق الروح، عن تراكم فكري ومعنوي طويل، عن تجارب قد لا يجود بها الزمن أبداً لمن لا يعرف لها قدراً ولا ينصف لها في معطياته حكماً.

إذا ارتبطت المعاناة بالألم، تصورنا على الفور كيف ترتبط رائحة الحبر الزكية بالنسمة التي تَرف عليك كما ترف عليك نسمات العليل في يوم قائظ ليس فيه نسمة تهفو ولا ترفو!

فكما أن المعاناة مقاساة تندفع عن ألم يعيشه ذلك الذي يُعاني تجربته؛ فكذلك مثل هذه الرائحة الشَّذيَّة المُعَطرة إنْ هى إلا ترياقُ للألم الذي تعاني، حين لا تجد ترياقاً آخر تشفي به غُلَّة الشوق إلى فردوس مفقود : بمجرَّد أن تستنشق عبيره الفوَّاح يتلطف لديك الألم وينزاح.

وإذا كان ألمُ المعاناة همَّاً من هموم الفكر علوياً هو، قد يتسبَّب في آلام بدنيّة ومادية وأوجاع جسديّة، ففي تلك الرائحة التي تنبعث من حبر المحبرة وتتقطر من قطرات القلم كذلك شذي علوياً يَتَسَرَّب إليك من طول الألفة وحنين المعاشرة؛ ليطفئ لديك أوجاع الروح بل يشفيها حين يُرضي عندك القناعة بما تعمل فيه وتعمل لأجله، إذْ تحسُّه في روحك وتدركه في قلبك، وتتلقاه في أعمق أعماقك، وهو مادة، ثم تستشعره شعور الأحياء؛ وهو ميت أو فيما يُشبه الموات، وما من عجب؛ فإن كل شيء تتناوله الروح ويعانيه الفكر وتُبَاشره التجربة، لم يعد في عرف تلك الأقانيم العلوية مادة، ولكنه ينعكس من فوره لتتغلب الروح فيه على الشيء، فيصبح هو نفسه روحاً ولو كان شيئاً مادياً فيما يبدو في الظاهر.

وليس هنالك من عجب؛ إذْ ليس في التجربة عجباً .. كل مُعاناة حقيقية مُخلصة على الأوراق هى حياة، لكنها ليست ككل الحيوات؛ لأنها الحياة العقلية والروحيَّة التي تنحصر في نقطة مُركّزة يتجمَّع فيها كل ما في الإنسان من أعصاب وخلايا ومدارك وأذواق وتجارب ومشاعر وإحساسات ثم معارف وثقافات؛ كل ما في الإنسان على التعميم؛ لا .. بل كل ما في الإنسان على التخصيص.

خصوصية الإنسانية فيه هى التي تعطي عصارة تفكيره ومداركه وأذواقه ومواجيده خالصة ومُعَبِّرة .. الخلاصة الإنسانية التي يمكن أن تُعَبِّر بدقة عن معنى الإنسان تتركز في هاته "النقطة" ليمضي العقل من فوره في أن يخرجها على الورق حياة رُوحيّة وعقلية وشعورية خالصة ومُعَبِّرة؛ لكنه حين يخرجها لا يخرجها مُجَرَّدَة عن عطرها الفوَّاح، بل يخرجها ممزوجة برائحة علوية كريمة ونبيلة، هى بغير شك رائحة "عَرَق المعاناة"؛ مشهوداً في ذلك المداد الأسود الداكن الكثيف الذي تألفه ويألفك، ويعيشُ معك وتعيش معه كما لو كان طعاماً لك وشراباً، لا بل هو أغلى وأعز وأبقى من كل طعام وشراب؛ ذلك لأنه مداد الروح بأعجب ما تنفردُ به الروح من حيوية خلاقة واتصال بالملأ الأعلى نادرٌ وعجيب !

 

د. مجدي إبراهيم

 

ضياء نافعلم نسمع باسمها عندما كنّا طلبة في بداية الستينيات  بجامعة  موسكو، الا ان الطلبة الروس حولنا كانوا يتهامسون حولها، خصوصا عندما بدأ ايليا ايرنبورغ  بنشر مذكراته (الناس . السنوات .الحياة) في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد)، حيث أشار هناك الى اسماء عدد من الادباء الروس، الذين كانوا  ممنوعين من التداول العلني آنذاك، ومنهم تسفيتايفا، وعندما سمعنا باسمها، اعتقدنا، انها شاعرة مضادة للاتحاد السوفيتي وبنيته وآيدولوجيته، مثل كل مهاجر روسي الى الغرب بعد ثورة اكتوبر1917، وكانت هذه الآراء متبلورة وجاهزة عندنا دون ان نقرأ حتى سطرا واحدا من شعرها .

عندما انتقلت الى جامعة باريس في النصف الثاني من الستينيات، اصطدمت (نعم اصطدمت) بواقع آخر يختلف تماما، اذ وجدت، ان جميع الاوساط الروسية هناك يعرفون شعرها، ويتحدثون عن انتحارها التراجيدي بعد سنتين من عودتها الى وطنها روسيا (عادت عام 1939 وانتحرت عام 1941) وكان عمرها 49 سنة ليس الا . وقرأت قصائدها طبعا في باريس، ولم أجد ايّ أثرهناك لذلك التصوّر الساذج الذي كان لدينا ايام الدراسة في موسكو، بل اكتشفت عالما في غاية الروعة والجمال من الشعر الروسي، ولهذا، حرصت – أشدّ الحرص - على تعريف شعرها وحياتها لطلبتي  في جامعة بغداد لاحقا، وقد ذكّرني أحد طلبتي السابقين، عندما التقيته صدفة في موسكو مرّة قبل فترة قصيرة، انه لايزال يحفظ عن ظهر قلب قصيدتها الشهيرة – (يعجبني انك لست مريضا بي)، والتي كانت ضمن منهجنا الدراسي في الصف الثالث بقسم اللغة الروسية لمادة الشعر الروسي، وألقاها هذا الطالب امامي كي يثبت لي انه لازال يحفظ عن ظهر قلب تلك القصيدة  وهو يبتسم، وابتسمت أنا ايضا، وقلت له، ان القصيدة هذه قد تحولت الان الى اغنية روسية شهيرة جدا .

الحديث عن تسفيتايفا (ذو شجون) كما يقولون، لكني اريد ان اتوقف في هذه المقالة عند مجموعة مدهشة الجمال من القصائد، التي ترجمتها تسفيتايفا الى الروسيّة، والتي اطّلعت عليها قبل فترة قصيرة ليس الا، قصائد مختارة بعناية ورشاقة من الشعر الالماني والانكليزي والفرنسي والاسباني والبولوني  والجورجي والبلغاري وغيرها، وهي قصائد تستحق القراءة و التأمل فعلا، اولا، لأن شاعرة رائعة مثل  تسفيتايفا هي التي اختارتها، وهذا يعني انها كانت معجبة بها طبعا، و ثانيا، لان شاعرة عظيمة بمستوى تسفيتايفا هي التي ترجمتها الى الروسية وصاغتها، فما أروع ذلك وما أجمله.

 و نبدأ الحديث قليلا عن مترجمة الشعر الاجنبي الى الروسية، الشاعرة مارينا تسفيتايفا، ونحاول ان نعطي نموذجا من تلك الترجمات .

ترجمت تسفيتايفا من الشعر النمساوي، ومنها قصيدة بعنوان – من قال لكم، ان كل شئ سيختفي، ومن الشعر الانكليزي، ومنها اغنية ستيفانو من المشهد الثاني لمسرحية شكسبير العاصفة، وترجمت من الشعر الالماني، ومنها اغنية شعبية بعنوان – اليوم الابيض لي أكثر سوادا من الليل، ومن الشعر الفرنسي، ومنها اغنية شعبية بعنوان – وأنا اقبّل حبيبتي، اقتطفت وردة، ومن الشعر الاسباني ترجمت تسفيتايفا  مجموعة مختارة من قصائد غارسيا لوركا، واقدم للقراء – ختاما - مقطعا من قصيدة  لوركا بترجمة تسفيتايفا، والقصيدة بعنوان – القيثارة .

القيثارة

=====

..........

يبدأ

  بكاء القيثارة .

آه، لا تنتظر منها

الصمت،

لا تطلب منها

الصمت.

القيثارة تبكي

كما المياه تبكي

في المنحنيات،

كما الرياح  تبكي

فوق الثلوج،

......

كما الغروب يبكي

وهو يودّع الفجر،

كما الطير يبكي

وهو يودّع الحياة

تحت تهديد

لدغات

 الحيّات...

....

.....

تحية حب وتقدير للشاعرة مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها، وتحية حب وتقدير للمترجمة  مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

حميد بن خيبش(أدب الفقهاء) كتاب ألفه العلاّمة عبد الله كنون[1326-1410هـ /1908-1989 م] ليحامي عن العطاء الإبداعي للفقيه، ويُثبت أن له قدما راسخة في دنيا الأدب والتعبير الجمالي عن أحوال النفس البشرية. غير أن المطلع على سيرة هذا المفكر والأديب المغربي يشعر أن صاحب (النبوغ المغربي) ينافح عن نفسه، ويدافع عما طرأ من تحول في مسار حياته.

نشأ عبد الله كنون في كنف أسرة تتصف بالعراقة والمكانة العلمية. وتلقى منذ صغره تعليما دينيا حيث حفظ القرآن على يد والده، وتبحر في علوم الشريعة واللغة العربية بحسب المناهج السائدة آنذاك في المغرب. غير أنه أظهر ميلا مبكرا للأدب والتاريخ، وتجاوبا واضحا مع حركة النهضة والتجديد التي كانت طلائعها تلوح من المشرق.

وجّه كنون اهتمامه منذ شبابه للحياة الفكرية والسياسية كتعبير عن نضاله ضد الاحتلال الأجنبي. وسعى لإعادة الألق للأدب المغربي وربطه بالمشرق، من خلال الكشف عن ذخائر العطاء الحضاري للمغرب وأعلامه. والتمكين للغة العربية وآدابها في فضاء يعج بألوان التفرقة وإحياء النعرات، وتفكيك عرى الوحدة الوطنية. ويشهد إنتاجه الذي ناهز مئة كتاب على الدور القيادي الذي اضطلع به كنون كأحد رواد الثقافة العربية، والنموذج الريادي للمثقف المؤمن بمقومات الشخصية المغربية وإسهاماتها في إثراء الفكر الإنساني.

ضمن هذا السياق يَرد مؤلَفه (أدب الفقهاء) الذي سعى من خلاله إلى تحقيق غايتين:

أولاهما هي توجيه الدراسات الأدبية إلى استيعاب العطاء الأدبي للفقهاء، وإبراز قيمته الفنية والجمالية. وهنا يكشف كنون عن تذمره من حالة الانشطار السائد داخل الثقافة العصرية، والأحكام الجاهزة بحق الفقهاء، فيعلل إصداره بالقول:" هذا بحث طريف في موضوع أدبي شائق، طالما أغفله الكتاب وتجنى عليه النقاد، وهو أدب الفقهاء وأعني شعرهم المغموز ظلما بالضعف، والمضروب مثلا لكل شعر ليس بذاك."

والثانية هي تحقيق الصلة بين الأدب المغربي ونظيره المشرقي، ضمن خطوة لإزاحة الستار الكثيف الذي اجتهد الاحتلال الأجنبي في إسداله بين أقطار الأمة العربية. ناهيك عن إصراره الدائم على إدراج أعلام المغرب ضمن السياق الطبيعي لتطور الحركة الأدبية والفكرية بشكل عام.

بداية يؤكد المؤلف على أن معيار النقد الذي يجب أن تسترشد به الدراسات الأدبية في تقييمها للمنجز الإبداعي، بشقيه النثري والشعري، هو التمكن من المادة الأدبية، ومدى توفر المَلَكة بما تعنيه من جمع بين طاقة الإنتاج والذوق. وهذه الموضوعية كفيلة بأن ترد لأهل العلوم الشرعية اعتبارهم، وتُحرر النقد الأدبي من التحيز والفرضيات المسبقة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكشف المؤلف عما تمتع به بعض أعلام الفقه من ثقافة أدبية متينة، وشاعرية تعبر بعمق عن أسمى مظاهر الوجدان الإنساني وتقلبات الروح في عالمها الفسيح؛ دون أن يخدش ذلك مكانتهم العلمية أو وظائفهم الشرعية. ولا ينسى كنون في هذا الصدد أن يبدد التمثل السائد لدى أغلب الكُتاب بكون الشعر الذي ينظمه الفقهاء ليس سوى قالب أدبي لاستعراض الأحكام الفقهية، والمواعظ والاختلافات المذهبية؛ حيث يخصص القسم الثاني من مؤلفه لتناول الموضوعات التي تطرق إليها الفقهاء في إبداعاتهم، وهمّت كل أغراض الشعر دون استثناء.

في القسم الأول الذي يُعنى بالناحية التاريخية، يحشد كنون جملة من الأدلة التي تلغي المسافة القائمة اليوم بين الفقيه والأديب، ففي مدرسة الصحابة تردُ نماذج حية جمعت بين الفقه والشعر كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفي طبقة التابعين يتردد اسم الفقيه المحدث عروة بن أذينة، الذي روى عن ابن عمر وروى عنه مالك بن أنس. وكان له شعر عاطفي رقيق كَلف الناس به، ويكشف فيه عن روح الإسلام والثقافة السمحة التي تمتع بها مجتمع المدينة المنورة آنذاك.

أما بقية الفقهاء وأئمة العلم فلم يشغلهم تفريع المسائل والفتوى في النوازل عن التعبير عن مكنونات صدورهم كسائر الناس، واستلهام أنماط التعبير الأدبي الشائعة في كل عصر لتناول الهموم الاجتماعية، وأحوال النفس وآمالها. كل ذلك بعبارة رشيقة، ولغة رصينة، وإحساس عميق بالجمال.

فالشافعي رحمه الله إلى جانب فقهه وإمامته في العلم كان شاعرا مفلقا. وديوانه في الآداب وأحوال الدنيا أشهر من نار على علم.

ولعبد الله بن المبارك أشعار ذائعة الصيت في إصلاح المجتمع، وانتقاد أهل السياسة المتلاعبين بالدين. ولا يزال صداها يتردد حتى اليوم في ثنايا الدروس والكتيبات التي تُعنى بالإصلاح الديني.

وكان للقاضي عبد الوهاب بن نصر، أحد أعلام مذهب مالك ببغداد، أشعار غاية في الرقة والجمال. وقد أثنى أبو العلاء المعري على شاعريته عند اجتياز القاضي لبلدة المعرة في طريقه إلى مصر، حيث أنشد قائلا:

والمالكي ابن نصر زار في سفر

بلادَنا فحمدنا النأي والسَفرا

إذا تفــقــه أحيـــا مالكــا جدلا

وينشر الملك الضلّيل إن شعرا

فشبهه بالملك الضلّيل، وهو امرؤ القيس، تأكيدا لنبوغه الأدبي.

كذلك أبدى ابن حزم الظاهري باعا طويلا في قول الشعر على البديهة. وخلّف أبو الوليد الباجي والقاضي عياض وأبو علي اليوسي وغيرهم، قصائد تنم عن تمكن من الصنعة الشعرية.

إلى جانب المعطى التاريخي الذي يحتج به كنون على رسوخ قدم الفقيه في القول الأدبي عموما، ينتهج في القسم الثاني من الكتاب سبيلا آخر هو الناحية الموضوعية التي تهتم بأغراض الشعر وفنونه، ومدى تجاوبهم مع تفاصيل الحياة اليومية، وانشغالات الناس التي تدور حول المعاش قبل المعاد؛ فيعرض لنماذج من أدب الفقهاء تغطي المواضيع المتعارف عليها بين الدارسين. ويحدد الخصائص التي تميز القول "الفقهي" كل غرض من أغراض الشعر.

على سبيل المثال يتميز العطاء الفقهي في شعر العاطفة والوجدان بشيء من التحفظ الذي يقتضيه وقار العلم، ولذلك ابتدعوا الأسلوب الرمزي واهتموا بالصفات المعنوية، مما جعل أشعارهم خالية من دواعي التهتك وتحريك الغرائز البشرية. و بالرغم من ذلك لم يسلم بعضهم من التشنيع، مثلما حدث للقاضي أبي حفص بن عمر الذي اشتهرت بين الناسِ مُقطعاته الرائعة في الغزل؛ فسعى به الوشاة إلى الخليفة المنصور الموحدي، وزعموا أنه "غير حافظ للناموس الشرعي "،فنقله من قضاء فاس إلى قضاء إشبيلية.

وفي الشعر الفلسفي عرضوا لبعض المباحث الفلسفية، كالوجود، ومصير الإنسان، وفلسفة الحياة و الموت، دون دخول في التفاصيل أو استدعاء لآراء الفلاسفة؛ كالقصيدة العينية لابن سينا، وقصيدة ابن الشبل البغدادي التي يقول في مطلعها:

بِربكَ أيها الفلك المُدار      أقصدٌ ذا المسيرُ أم اضطرار؟

أما شعر الآداب والحِكم فهم مصدره وواضعوا قواعده؛ لذا احتوت قصائدهم على زبدة ما جاءت به الشريعة وأيدته الحكمة، يقول المؤلف، كما في أدب الشافعي والجرجاني وأبي الفتح البستي و غيرهم.

وفي باب المدح لم يكن معظمهم يمدح رغبة في المال أو جوائز الأمراء، لأن ذلك يتعارض في حالات كثيرة مع واجب التصدي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحق الرقابة على سياسة الدولة. ومعلوم أن هذين الركنين يقتضيان صراحة وشفافية لا تتحملها قصائد المدح كما هو الشأن لدى بقية الشعراء، ممن يبالغون في مدحهم إلى درجة الاستهتار والكذب. لهذا نجد أن أغلب عطائهم في هذا الباب موّجه لتمجيد الذات الإلهية، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعض من يستحقون الثناء من الأمراء والعلماء والصالحين.

ولأن الفقهاء بشر من الناس، وتستفزهم أهواء النفس فيغضبون ويثورون، وتنشأ بينهم أسباب النقد والخصومة، فإن عطاءهم امتد كذلك لغرض الهجاء؛ إلا أنه هجاء لا يحمل صاحبه على الفحش و السباب، بل يلجأ في معظمه إلى التعريض والكناية. ومجمل قولهم الشعري في هذا الباب لا يتعدى أبياتا قليلة.

وكما هو الشأن في المدح فإن مراثيهم كانت تصدر عن عاطفة صادقة بلا مجاملة أو تكلف. بل منهم من اشترط ألا يكون الرثاء إلا في حق خمسة هم: العالم، والإمام العادل، والكريم، والمجاهد، والتقي الزاهد. ويختم بقوله:

فهم خمسة يُبكى عليهم وغيرهم          إلى حيث ألقت رَحلها أمُ قشعم

ويتوقف المؤلف عند نقيصة ألحقها النقاد بالأدب العربي، حين يثيرون مسألة خلوه من الأدب الملحمي الذي حفلت به الآداب الأجنبية. ويستغرب كيف اندفع بعضهم لتأكيد وجود نماذج منه في القصص الشعبية مثل السيرة الهلالية وسيف ابن ذي اليزن، في حين أن الفقهاء تصدوا لهذا اللون بامتياز في المطولات التي تتناول السيرة النبوية، كبردة البوصيري وهمزيته، والوتريات لابن رشيد البغدادي وغيرها. وتكشف الخطوط العريضة لهذه القصائد عن مزاوجة فريدة بين سرد الوقائع والأساليب البيانية، وعرض الحدث ضمن صورة شعرية. لذا يرى المؤلف أن هذه المطولات ليست نظما للسيرة النبوية ولكنها عمل فني ذاتي موضوعه السيرة.

وفي الختام يثير المؤلف مسألة النظم التعليمي، والمتون التي يعتمدها طلاب العلم في دراساتهم؛ منبها إلى أن الأدباء هم أول من تعاطى هذا اللون، حين نظم الأديب العباسي أبان اللاحقي كتاب (كليلة ودمنة) ليسهل حفظه. ورغم أن مراميه تعليمية صرفة إلا أنه يتطلب قدرا من المعاناة في صياغة قواعد العلم، والحرص على المزاوجة بين السهولة التامة وقيود النظم.

لم يُخف عبد الله كنون توجسه من استمرار الفجوة بين الدراسات الأدبية والإنتاج الشعري القيّم المتصل بالدين وعلوم الشريعة. ويرى أن الثقافة الإسلامية تقتضي رأب الصدع المفتعل بين الفقه و سائر الآداب والفنون التي تروم تهذيب الحس الإنساني، وتغذيته بقيم الجمال والخير والحب الصادق. إنه الوضع الأمثل الذي يُحررنا من انشطار مؤلم، عبّر عنه أبو الفضل النحوي بقوله:

أصبحـت فيمـن لهم عـلـم بلا أدب     ومَن لهم أدب عـارٍ عن الديـن

أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا    كبيت حسانٍ في ديوان سحنون.

 

حميد بن خيبش

 

 

محمد الزموريبعيدا عن اخبار الموت المتلحف بوشاح اليأس والفقد، وبعيدا عن جائحة "كوفيد 19"، وأخبار الانتقام الطبيعي أو الغزو المخبري البيولوجي، تجتاحنا في عزلتنا الإلزامية العديد من الأفكار ومنها دور الموسيقى في الحياة الإنسانية ففي شتى أنحاء العالم ومنذ ولادتنا، والجميع يسمع للموسيقى، سواء كان غناء مسيحي أو مديح نبوي إسلامي، أو ايقاعات بوذية أو موسيقى عبدة الشيطان، أو شخص مثلي يستمتع بالأهازيج الشعبية، أو رقصة فولكلورية، الموسيقى دائما معنا، ولا يوجد من لا يستمتع بالموسيقى والغناء، لأنه ببساطة جزء من نظام حواسنا، حاسة الذوق للاستمتاع بالأكل والشرب، حاسة البصر لاستمتاع بالجمال الطبيعي والبشري والفني، حاسة الشم للاستمتاع بعطور شانيل أو بتفاعلات ريح اخرجته أثناء اجتماع رسمي ولم يكشفك أحد، وكذلك حاسة السمع للاستمتاع بالجمال الموسيقي، من ايقاع موزون وشعر ملحون وكلام مرصون.

الحواس تعمل بشكل عاطفي للغاية، تتفاعل مع الهرمونات، بل هي ما يؤثر على عقلنا لكي يرسل اشارات للغدد وتطلق هرمونات في اجسادنا، كل شيء له تفسير علمي، وإذا أدركت كيف يعمل جسدك علميا سوف تعيش بشكل مريح.

الموسيقى أحد انواع التسويق، وعبر التاريخ كان التلاعب بالأصوات أكبر تحدي عاشته البشرية في ظل صراعها مع الطبيعة، الرعد مثلا كان يخوف الى حد كبير أجدادنا النياندرتال، كما كان الأسد والذئب يجعلهم يتغوطون مكانهم. الموسيقى هي أحد وسائل التعبير عن القوة والاستعداد للقتال او الاحتفال بالفوز في حرب أو بعد موسم صيد جيد، كما هي زئير الاسود، واصوات الحيوانات الاخرى، وهكذا بدأنا بالطبول ووصلنا لمكبر الصوت Wilson Benesch الذي يطرب مدينة بأكملها.

وجدت الموسيقى لكي توقظ فينا التيستوستيرون وأحاسيس أخرى، وتلاعب انفعالاتنا، بالأول كانت مرتبطة بالحرب، حتى وصلت اليوم الى الموسيقى التصويرية والرومنسية وموسيقى الرعب، فهناك بالفعل بعض الألحان بفعل التدريب الهوليودي للمتلقي تدل على أشياء معينة ورسائل مشفرة.

كل شيء بدأ مع القبائل الأولى في تاريخنا البشري، متمثلين في خمس تفرعات أساسية كبرى، ظهر الفن الغربي في البحر الأبيض المتوسط، وفي افريقيا مع القبائل الزنجية، وفي أمريكا اللاتينية مع قبائل المايا والأنكا والأزتيك، وفي أوروبا الشمالية ظهرت الموسيقى السلتية مع الشعوب الجرمانية والساكسونية، وفي اسيا مع الشعوب الهندية والصينية، كل تلك الموسيقات هي من اشتقاقات الطبول. وبفعل التلاقح الثقافي والحضاري والحروب والتوسعات الامبريالية والتصاهر الفكري والمعرفي تعددت المدارس الموسيقية.

اذا تتبعنا هذه الموسيقات كلها انثروبولوجيا سوف نجدهم يتشابهون، الحرب والقتال والتيستوستيرون، البشرية كانت مسعورة للحروب، باستثناء الأمريكيين الأصليين الذين كانوا يعيشون في أراضي شاسعة ومليئة بالموارد، لذلك فموسيقاهم كانت أكثر هدوء، وتخاطب الباطن النفسي والتناغم المتوازن مع الطبيعة، بعدها بدأنا التخبط، فتناسلت موسيقا متعددة، وبدأت الموسيقى توظف في الاحتفال وأشياء أخرى، وهذا التلاقح هو ما ولد لدينا تعدد الأذواق، بشكل او بآخر كل تركيبة جينية تتفاعل مع موسيقى معينة، وغالبا الانسان الذي لا يتمتع بمستوى ذكاء مرتفع يستمتع بأي كان، ويقتنع بأي تفاهة، لان دماغه لا يتمتع بمهارة حب الحفر والتنقيب على التموجات والابداعات الموسيقية، دماغ غير مدرب وفارغ، على عكس الناس بمستويات ذكاء مرتفع، الموسيقى ان لم تكن معقدة فلن يسمعوها، وهناك قاعدة تقول: بقدر ما انتشرت الموسيقى وكان عدد مشاهداتها على اليوتيوب كبير، بقدر ما تكون سوقية وبليدة وتساهم في استغبائك، فكل موسيقى منتشرة بشكل كبير بين الناس ابتعد عنها فقط وركز على التعقيد، حيث الموسيقى تدريب لاذنيك وعقلك.

الموسيقى المعقدة تحتاج الرياضيات والعلم والتمعن والانصات العميق، مثل باخ وموزارت وبيتهوفن، لذلك موسيقاهم ارتبطت بالعلماء والطبقة الراقية من هرم القوة المجتمعي. الموسيقى كلما كانت مركبة كلما ارتفعت جودتها وكلما ساهمت في ارتقاء ذكائك.

موسيقى باخ جد معقدة، لأنه جد ذكي، وهناك العديد مثله فهم مثل الفلاسفة والعلماء العظام ويستحيل أن تستوعب جمال الموسيقى من اول مرة، لذلك فبيتهوفن مشهور، بالرغم من انه لا يقارن بباخ او موزارت، لكنه يبقى مع العظماء، بالرغم من أن سمفونياته غير معقدة كفاية. والتعقيد هو عملية علمية وزمنية، وليس ابداع لحضي طارئ، لذلك الأوبرا وغيرها من الأنواع الموسيقية الراقية يصل ثمن تذكرة مقعد حقير في الصفوف الأخيرة الى أكثر من ألف يورو، لأنها الموسيقى الحقيقية، والباقي هو تعوق ذوقي مزمن.

الموسيقى عرفت قمتها في القرون الوسطى، لأن الملوك الفيوداليين الاقطاعيين كانوا يهتمون بالفن، كما وقع نسبيا عند المسلمين مع زرياب، وكان الملوك والسلاطين الكبار مثل هارون الرشيد يدركون جيدا قيمة الفن والثقافة في الارتقاء بالذوق البشري، وعرفت الموسيقى قمتها في العهد الاسلامي في الشرق، والعهد الفيودالي في الغرب، من بعد هذا التاريخ اصبح التخبط هو السمة البارزة، بسبب السياسة، ولم ترجع الأمور الى التطور الا في القرن العشرين بسبب الاستقرار السياسي أولا، وبسبب التطور التكنولوجي ثانيا، من راديو وآلات موسيقية، وكل شيء سوف يبدأ مع أحد اهم الابتكارات في التاريخ البشري: المايك، وطاولة التنسيق والدمج الصوتي والقيثارة الالكترونية.

صودف هذه الابتكارات تطور النزعة التحررية التي نمت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت الناس تثور على قواعد التعقيد، وبدأ الهمج في الصعود، ولكن بسبب الاوليغارشية التي كانت تسود، لم تكن هناك إمكانية أن تعرف تلك الموسيقى طريقها الى المذياع والتلفاز، وهذا ما عزز موقف ظهور الأساطير، واولهم "تشوك بيري"، ثم "جيمي هندريكس". لكن الموسيقى تنحوا نحو أيقاظ التيستوستيرون والرقص، ولم يعد الرقص حكرا على الفلكلور، وهذا بسبب أن الناس تأثروا كثيرا بالحروب، فحاربوها بالرقص، عكس شمال افريقيا الذي لم تتطور مفاهيمه الموسيقية وتجمدت مع الشيخات.

وخلال تطور نزعة الرقص والتعبير عن المعاناة ظهر "البلوز" و"الجاز"، فبرز "ذادورز" ومن بعده "الپينك فلويد"، وأصبح الاتجاه السائد هو لتفريغ التيستوستيرون.

خلال فترة السبعينات سوف ترتفع أصوات عديدة عبر العالم لتنادي بموسيقى أكثر شراسة، لتلبية الرغبات التيستوستيرونية، وسوف يظهر نوع من الموسيقى أميل إليه شخصيا، وهو موسيقى الميتال، لأنها تجمع بين عمق التلحين الموسيقي والسرعة التيستوستيرونية في الاداء وقوته الواقعية. وهاد النوع الموسيقي شكل ثورة ثالثة بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه بدء يرجع الامجاد الموسيقية لباخ، ولكن بسرعة أكبر بكثير، وتركيز موسيقي رائع. هاد النوع الموسيقي سوف ينتشر في مناطق متفرقة في العالم، في وقت واحد، بل في سنة واحدة، وهذا ما حير علماء التاريخ الموسيقي المعاصر، وتطور الوضع مع فرق موسيقية مثل "ميتاليكا" و"ميڭاديث" و"السيپولتورا" و"السلاير".

وخلال الثمانينيات قاومت الميتال الوضع واستمرت في الانتشار والاكتساح الى جانبها كانت الموسيقى اللاتينية تمثل رافدا قويا للانتعاش في اللحن والكلمة، ومع نهاية التسعينات أصاب الموسيقى الركود، واقتصرت على تقليد كل ما سبق في إطار من الركاكة والتشوه. حيث ظهر خلال هذه الفترة الراب وهو ليس بموسيقى، ولكن تعبير فني شاعري بذيء، كردة فعل سياسية للجهل الذي يقبع فيه السود الأمريكيين، ولا أنكر اعجابي بهذا النوع الفني، لكن فقط أغاني "دي ام اكس"، "ان دبليو أي" وتوباك"، "ايمينيم"، أما الراب العربي فلا يزال غير مصنف.

واخيرا، كنصيحة حاولوا ان تنقوا آذانكم، اسمعوا لموسيقى راقية، امنحوا لهرموناتكم القدر الكافي من الغضب ولخلاياكم العصبية القدر الكافي من التعقيد لعل وعسى أن يتطور لديكم مستوى الذكاء. فالذكاء والتيستوستيرون هي أهم العناصر اللازمة لتحقيق الاهداف والانجاز بصفة عامة.

 

ذ. محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية والإنسانية. 

 

 

نايف عبوشمتلازمة فرط استذكار أم تواصل عضوي مع جذور النشأة

توصف الثقافة العربية التقليدية بأنها ثقافة طللية من الجاهلية إلى اليوم.ولكن ذلك قد لا يعني أنها ثقافة متبلدة،وانها ليست سوى بكائيات جافة لا جدوى منها، لاسيما وأن حرارة الانتماء إلى المكان، والالتصاق العضوي الأصيل بعناصر بيئة النشأة، يمكن تلمسها فيها بسهولة. فالإنسان العربي مجبول طبعه ابتداءً، بطين بيئة ما سكن من الديار، وبود من عاشر من القوم.

ففي الشعر الفصيح قال امرؤ القيس في معلقته قديماً في هذا الصدد:

قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل...... بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ......... لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ

وفي الشعر الشعبي المعاصر يقول أديب البادية سهيل الجغيفي في التغني بالديار :

يادار من غيرج فلاكو طرايف....... ياكن تربانج على الروح نوار

وشعاد لو نسكن كصورن نظيفة....تبقى تراسيمج على البال تذكار

بينما نجد الشاعر أحمد العلي السالم ابوكوثر يقول في زهيري جميل له، يتوجد فيه بالماضي، ويتأوه عليه:

راحن ليالي السعادة ياحمد مايجن

رمدن عيوني وعكب كت الدما مايجن

افطن عليهم ويوجعني الجرح مايجن

ليلي علي، وأدور للجرالي طب

والسكم هدم اركاني وعلى عظامي طب

راحو الجانو طبعهم يزرعون الطيب

عفية علعكل صاحي ياحمد وما يجن..

هكذا إذن يبقى الحنين والانتماء إلى المكان، إلى الوطن، جدلية متواصلة عبر الزمن، ولا انفصام لها، لدى الإنسان العربي، ولاسيما لدى إبن الريف، وابن البادية على نحو خاص،فلعل جيناتهم التراثية، إذا جاز التعبير، عصية على التهجين، فهي لا تتقبل التهرمن بضغط تداعيات العصرنة الجارفة، مهما تم حقنها بجرعات من إيجابيات منجزاتها المتتالية، وذلك لأن اصالتها متجذرة في أعماق الوجدان الشعبي ، وغائرة في صلب المخيال الجمعي للأجيال.

ولذلك نجد أنفسنا، وفي زحمة ضجيج عصرنة صاخبة، نشعر وكأننا نعتاش اليوم، على ما يختزنه عقلنا الباطن، وما تحمله مخيلتنا من ذكريات الماضي، حتى وان كان بعضها مؤلما، وذلك استشعارا منا لسعادة وجدانية تلقائية خلت ، نتجاوز بها تعاسة استلاب الحاضر، وصخب الحياة الراهنة، بعد رحلة متواصلة من المعاناة الشاقة، والمرهقة، نفسياً، على كل ما في حياتنا المعاصرة من مغريات تفوق الخيال ،حيث يبدو أن تعدد مفردات الحياة الراهنة، وسرعة ايقاعات حركتها، قد افرزت هموما تفوق بعبئها، حجم قدرة التحمل المتاحة لإنسان العصر الراهن، مما يفوت عليه في نفس الوقت، فرصة تذوق نكهة تلك المغريات، ويدفع به إلى الانكفاء نحو الماضي، ليتلذذ باستذكار سعادة مضت، من سالف تلك الأيام الخالية.

ولعل المدهش حقا، هو انثيال عاطفتنا الجياشة، وطريقة تعبيرنا عنها بهذه التلقائية الوجدانية الخالصة ، عما يجول في خاطرنا، وما نكابده من معاناة تلك الهموم، والعزلة، بفجوة الجيل، في حياتنا الراهنة، هو ما يدفعنا للسعي لتجاوز مرارتها، بلجوئنا لإعادة إنتاج صور الماضي،واستيلادها بذهننا، بطريقة وردية، لنشاطر زملاءنا الآخرين، الإحساس بوحدة المعاناة، ونشاركهم الحنين الى تلك الذكريات، رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها. إذ لا شك أن البعض منا يكون قد عاشها في سعادة، في حين عاشها البعض الآخر في تعاسة.

وبغض النظر عن التفسيرات الأكاديمية البحتة ، لمثل هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي، بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة، فإن وصفها ب(هايبرثيميسيا) أو ( متلازمة فرط التذكر) باعتبارها حالة مرضية،تجعل الشخص المصاب بها، يتذكر كل لحظة مرت في حياته بكافة تفاصيلها، ولا ينسى منها شيئا،ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل تلك التأويلات العلمية البحتة لها، والتي غالبا ما تختزلها في تفسيرات مهنية صرفة، قد تبدو بعيدة عن سبر كنه هذه الظاهرة، بمدلولاتها التراثية، والاجتماعية، المرتبطة ببيئة النشأة الأولى ، فإنها تظل حقيقة انسانية، ماثلة بيننا، نعيشها بعفوية في وجداننا، بين الحين والآخر، ولطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا،كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية، بالعودة الى دهاليز ذاكرة الماضي، والتسكع في وهادها السحيقة، تلمسا لبصمات وردية حياة ماضينا الجميل،التي نلفيها تغمرنا بجرعة سعادة معنوية، كلما هربنا اليها من صخب ضجيج حياتنا المعاصرة، حتى وان بدت لنا سعيدة، وممتعة ، وطافحة بالرفاهية في كثير من جوانبها.

 ولعل استذكارات مرابع الصبا، وفضاءات فلاة أيام زمان، وانين الناي، وثغاء الأغنام، ونهيق الحمير، وصرير الجرجر، وزقزفة العصافير، وطقطقة صوت اللقالق في أعشاشها في أعلى خرائب الطين، وهي تزق فراخها بما جلبته لها من غذاء ، وقهوة العصر وشبة الضحى،تمنحنا فرصة استرجاع تفاصيل مفردات حياة عشناها، لتفيض علينا سعادة وجدانية،تفوق في تأثيرها النفسي ما تمنحه وصفات عقاقير مكافحة الاكتئاب، من سعادة مصطنعة، سرعان ما تنكفيء بمجرد زوال تأثير العقار .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبودالاناقة بحسب المعنى الوارد في قاموس المعاني، من التأنق وهو من الفعل يتأنق، أي ما يسعى اليه الإنسان لأن يكون أنيقاً في مظهره، ولسانه، وعمله، وذلك يحتاج الى وقت ومجهود ودقة وتأن.

وبيت القصيد هو انني صرت ابحث عن طريقة أستبدلُ فيها ما تم التعارف عليه عن ذات المعنى، خاصة ونحن نخوض عصرا تسود فيه لغة المظاهر الفارغة، والأزمات لتكون بديلا عن القيم والأخلاق والرقي.

ذلك عبر سؤال مفاده كيف يصبح الإنسان أنيقاً كالنجم اللامع، اوكالشجرة المثمرة، كيف يصون بريق ذاته في فضاء هذا العالم الملئ بالمنافسات، والمتناقضات، كيف لهذا الكائن ان ينتزع شرور نفسه، ليحل رموز هذا الكون الملئ بالألغاز؟

لذلك توقفت قليلا عند فكرة ادلني اليها احد فلاسفة القرن العشرين الأستاذ الدكتور G، الذي يعمل استاذا محاضرا في احدى جامعات ساندياكو في قسم الفلسفة، حيث قال لي بالحرف الواحد: عقيل اذهب الى برنامج TED، وهو برنامج علمي وثقافي يمكن متابعته عن طريق ال YouTube.

انذاك لم اكن متابعا جيدا لهذا البرنامج، لكنني بعد حين وجدت نفسي منغمسا بتتبع محاضرات اولئك الذين يقفون امام ذلك الكم الهائل من الجمهور، وديدنهم إيصال ما يريدون قوله عبر أبحاثهم العلمية بتأنق مؤثر.

فالمحاضر بطريقة إلقائه وحرصه يصل بسرعة الى عقول مستمعيه عبر قلوبهم وهو بدقة متناهية وأسلوب جذاب يسعى لإستعراض ذلك الكم الهائل من المعلومات الى الجمهور من خلال استخدام وسائل التكنولوجبا المتطورة.

الصالة التي يرتادها اولئك الناس ليست على نمط صالات الطرب والأغاني التي ما زال بعض العامة من اصحاب الدخول العالية يتبارون للوصول اليها، بل هي قاعات كبيرة تستوعب جميع من يهمهم امر الإبداع والبحث بغية استكشاف لغة العلم واسرار المعرفة.

النقطة الأساسية هي كيف ان المحاضر يحظى باحترام وانصات الجالسين، وتلك في تقدير المعنيين، أسمى خاصية لمعنى الاناقة، كونها من خلالها يستدرك المظهر الجمالي للمعرفة، حيث بها تتجلى القيمة الحقيقة للعلم والعالم، وبها يصبح للحياة معنى، وللإنسان معنى وللكلام معنى.

لذلك ومن باب المقارنة عدت منكفئا حاملا حقيبة غربتي الى بلدي الذي انهكته جيوب المنتفعين، وسرقات البطالين ممن تظهرهم شاشات التلفاز بتلك البدلات الأنيقة واللقطات الزائفة.

فلم اجد للأناقة محلاً، الا مخلفات هذا الركام الهائل من البؤس، والأمراض والفقر والفوضى، والخطابات الفارغة، وتلك صور أفرزتها موائد المتخمين من الساسة، ومؤتمرات احزابهم الفارغة.

 

عقيل العبود

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس

ترجمة: صالح الرزوق


شيء له معنى أن يقول كيلمان عن قصته المعروفة “شيء رائع أن تكون رائعا” إنها “محاولة مبكرة لتدوين صوت المتكلم بلغة أدبية أو صوتية”.  ولتكون القصة ناجحة احتاج لعدة مسودات، لكن الدقة الألسنية لم تكن هدفه النهائي، أو أنه لم يتعامل معها على أنها بحد ذاتها هي الغاية وخاتمة المطاف، فالاستثمار الذي يقصده كان أدبيا قبل أن يكون صوتيا.  وقد أكد كيلمان عن تحسسه من النقد الذي يعتقد أنه وضع “أدوات التعبير” في “رأس أولوياته”، بينما “الشيء المعبر عنه لم يحصل على ما يستحق من عناية”. اللغة وسيط فني وبه حاول أن يصنع شيئا. أن يكون الوسيط “صالحا” ضرورة من الضرورات، ولكن هذا ليس كل شيء. إنها نقطة جوهرية أن تفهم روح الجانب الإستاطيقي في مقاربة كيلمان لما هو شفوي.. اللهجة وصوت المتكلم.  كيلمان فنان واقعي، وهو لا يستلهم لفظيا “الثقافة الشفوية” دون تعمد (دون وعي بذاته). فهي ثقافة مرتبطة بنشاط اللفظ “الطبيعي”. علاوة على ذلك لم تكن إضافة كيلمان على المستوى الألسني “فجة” - بمعنى أنه لم يحاول تجاوز تقاليد “شكل الأدب الإنكليزي الرسمي”، وفي ذهنه هدف واحد هو كتابة “المضمون الاجتماعي” مباشرة في داخل النص، كي يؤسس لأسلوب أصيل دون وسيط. إن ما تجده في محكيات كيلمان، يبدو “مادة خاما”، وبلا مواصفات فنية،لكنه في الحقيقة أسلوب مقصود بحد ذاته، ووراءه عمل حرفي متعمد. لنأخذ هذه الفقرة من رواية “عليك أن تكون حذرا في أرض الأحرار”، وفيها يقوم البطل جيريمياه براون بمتابعة حوار بين متشردين يتسكعان حول المطار حيث يعمل بصفة حارس: 

سحبني الموضوع إلى أعماقه، وكلما طلع اهتمام هومير وجيثرو، طلع في دماغ كل منهما حكايات مسحورة وفوق طبيعية عن عالم الفضاء الخارجي وألغازه وعمالقته. وهل هيك عجيب بحضور ويسكي 147 روتغات المركز الذي يشربانه. الزلمتان مغرم بالكتب المسلية التي تتكلم عن عجائب الحياة في  باطن الأرض ومخلوقاتها وعن الأولاد الزغار الذين يسبقون بذكائهم المشعوذين والعرافين الخطرين.  كانا يعتقدان أن “العالم كما نعرفه” لن يتحسن حتى نعود إلى أخلاق وآداب عصر لانسلوت وجوينيفير وفرسان المائدة المستديرة. 

من المعروف أنه طالما كان الحوار في الأدب الواقعي  يميل لتوظيف مثل هذه اللغة المنطوقة في كلام الشخصيات الهامشية والغريبة - شخصيات من نوع هومير وهيثرو. ولكن الصيغ السردية هنا - الصوت “المرافق” الذي يخبرنا بالحكاية، عوضا عن أن نراه بميتا لغة سردية -  كان مشبعا بـ “المحلية” والطرافة والغرابة. لقد فرضت الصيغ الإسكوتلاندية هوية سردية “عميقة” (مثل كلمة طلع mair بمعنى زاد، هل هيك nay  بمعنى لا.  الزلمتان  baith بمعنى كلاهما). ويبدو أنها كلمات تؤصل هذا الصوت كما هو مبين أعلاه. ولكن كانت نبرة الصيغ السردية، كما يبدو، تخفف من تأصيل صوت الراوي، وتقدمه  بشكل صناعي ومتعمد (مثلا: تراكيب الأفعال ومنها قوله “حتى نعود إلى”). والسخرية من التوظيف الاحتفالي للمفردات والعبارات الرسمية والأدبية “المفخمة” في اللغة الإنكليزية من الأدوات المتكررة  في كتابات كيلمان، غير أن الهدف أو اتجاه السخرية الذي نلاحظه هنا (المشعوذين الخطرين) غير واضح..  قوالب السرد الفانتازي تصنف بشكل عابر في فئة “الكتب العجيبة”، يعني: الكتب المليئة بالغرائب و“ما فوق الطبيعي”، ولكنها “عجيبة” بنظر أبناء الطبقة التوسطة. ومثلما أن “الحركة إلى الأمام” تتحقق بالعودة إلى الرومنس القروسطي، تجرنا المستويات المختلفة لهذا العبور بعدة اتجاهات. وإذا تكلمنا بمصطلحات سردية،  النتيجة غريبة ومقلقة بدرجة أكبر مما هو عليه الحال في هاري بوتر. إن العالم “كما نعرفه” عبارة تترك لدينا انطباعا بالابتعاد والانفصال. نحن مستغرقون في كون متخيل أسلوبه شديد القصدية لدرجة كبيرة (إن لم يكن على درجات غير متفاوتة)، وهو أسلوب يعاني من الاستلاب لدرجة الغربة عن بروتوكول الواقعية “المباشرة” والتي تتبلور بالعادة بتوظيف الكتابة المحكية باعتبار أنها “خطاب موضوع” (ترعاها “ا ل ذ ا ت = الذات”). وليس هناك إشارة مرجعية يمكن لنا بها تصوير “الحقيقة” أو “الآثار الحقيقية”. وليس هناك واقع ملموس ومحسوس  للـ “أصوات” لنتمكن من قياس ومعاير إخلاصها.  وبكل تأكيد كيلمان معروف على نحو شائع أنه يوظف الأسلبة الفنية والأدوات الناطقة ليزيد من حضور، وليس من فوضى، الوصف الواقعي:

ربما ترغب أن تبتسم ولكن اللعنة على كل  ما تبتسم له، هذا هو الواقع، وعليك أن تكون حاضرا من أجله، تعلم ماذا أعني إن لم يكن لديك مجال لتختار يا رجل، هذا وضع مقلوب يقف على رأسه. يا للمسيح إنه يرتعش، يرتعش. توقف عن ذلك. ولكنه لم يتمكن من التوقف. إي يمكنه. نهض عن السرير وتقدم للأمام بأربع خطوات صبيانية، ثم أربع خطوات صبيانية إلى الخلف. أتعب نفسه وبدأ يتنفس، يتنفس فقط، حسنا، ثم إلى الجينز، ارتداه، وتوازن بيد واحدة اتكأ بها على الجدار، ثم القميص الرقيق الذي بلا ياقة.

يستعمل كيلمان هنا الكلام وتأثيراته ليمنح حياة سامي مسحة درامية: إيقاع هذه الفقرة من روايته “كما تأخر الوقت، كم تأخر” تصور قلق الشخصية وجهده الفيزيائي والعاطفي لضبط ومعايرة تدفق “تنفسه” الذهني، ويقودنا في النهاية لنكون في حالة انسجام عبثي مع ظروف سامي. حتى أصبحنا جاهزين لنشعر بما يصوره. إن المؤلف يستعمل، برؤية خاصة، اللغة كمادة مرنة يمكنه قولبتها ليحقق بها أثرا نوعيا.  غير أن  كيلمان ينأى بنفسه عن الاستعمال السلبي للغة والتي يجب على “أصالتها” النقية أن تكسب أكبر قدر من اهتمامنا، ولذلك يركز، من أخمص قدمه لمفرق شعره، على تشكيل وتطوير الانطباعات الألسنية التي يعتقد أنها طريقه للتأثير بالقراء. وغالبا ما يحاصر سبلنا الروتينية التي نحلل بها الأصوات ” أو شكل الألفاظ”.

وهذا يذكرنا أن اللغة موجودة لتستعملها لا لتعيشها، وهي ليست ببساطة “تجسيدا” للهوية الثقافية أو التجربة. وهناك شيء محير جدا بخصوص الافتراض الذي يقول: إن هويتنا الثقافية “محبوسة بطريقة ما داخل لغتنا. وأن هناك علاقة عضوية وطبيعية بين اللغة والثقافة” كما ذكر بيل أشكروفت. بالعكس من ذلك “اللغة ليست ببساطة موضعا أو مخزنا للمضمون الثقافي، ولكنها أداة، وغالبا سلاح”، ويمكن استعماله لأغراض متعددة، أداة هي بذاتها جزء من التجربة الثقافية التي نستعملها”. وكما سنرى لاحقا، إن صعوبة تجريد اللغة من الواقع الاجتماعي الذي يستعملها يشكل تحديا لأية محاولة تراكم المقاربة الجمالية فوق الأشكال المحكية. لكن حاليا، يكفينا أن نلاحظ أن اللغة هي وسيط وذات في الجانب الفني من أدب كيلمان. وهكذا نحن لا نتلاعب باللغة الإنكليزية، ولكن أيضا بعادات القارئ الألسنية في الاستقبال والفهم، وذلك  لفرض أسلوب يصنع فرقا  أو أثرا.  غير أنه غالبا ما يتم تجاهل نطاق هذه الآثار اللفظية. على سبيل المثال، معظم المونولوج الداخلي المومأ إليه أعلاه يكون “مقنعا” لما ينطوي عليه من محاكاة، ويمكننا بسهولة تخيل سامي (صاموئيل) وهو يفكر بهذه الأفكار.  ولكن بمكان آخر من الرواية تلعب المشابهة دورا مختلفا جدا.

يركع على ركبتيه حتى يلامس الأرض، باردة ولكن صلبة. بسط راحتي يديه على الأرض. وانتابه هذا الإحساس أنه بمكان آخر من العالم. وبدأت موسيقا تعزف في رأسه، موسيقا حقيقية جدا،  نومته مغناطيسيا، وها هي الآلات الموسيقية تقرع تم تم تم تي، تم تم تم تي، تم، تم، تم تي تم، تم تم، تم تي، تم، تم تم تم تي، تم تم تم تي، بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ.  والآن هو في الأسفل يستدير ليستلقي على ظهره، يستلقي هناك مبتسما، ثم يبرز وجهه المتقلص والمتجهم، وهو يتألق بالألم. 

هذه “الموسيقا الحقيقية جدا” تعمل بواسطة إعادة تشكيل اللغة السردية، وتبدو على أساس أنها ألفاظ خام. وعوضا عن أن تكون نافذة على الكون السردي، أصبحت اللغة في حكاية سامي هي الحكاية، “أداة” تنجز ولا تصف إدراكاته فقط. إن الطلاء اللفظي يترسب بطبقات سميكة وداكنة،  فكيلمان يعمل على “تغريب” الإطار الذي نستغله لتحديد موضعنا من النص وبروتوكول تمثيله. لقد أصبحنا واعين تماما باللغة، فهي عامل يعمل بذاته و بمنطقه، ويكون وسطا تمر منه خبراتنا عن شخصيات من الواقع. يمكن القول أنه أصبحنا متأقلمين مع وجه المحكاة غير اللفظي للغة نفسها: بضجيجها الفيزيائي والمادي الملموس. سامي لا يفكر ولكنه يسمع، وفي هذا المشهد نحن مستمعون مثله.

هذه “الموسيقا حقيقية جدا” لأنها تعلق في فراغ الميتا خطاب الواقعي، وفيه لا يكون للغة السرد مادة، بل تكون نتاجا لغير الملفوظ.

هل ما يجري هو تعميق وتصعيد للواقعية، أو أنه انفصال ونأي عنه؟. هنا يوجد أثر مشابهة وتطابق - نوع من الاتكال على الصوت “الحقيقي” الذي يصخب في رأس سامي، على افتراض أنه مرتبط “بالألم المبرح المتفجر” - ولكنه ألم يستمد معناه من التعاطف التخيلي “لأذن القارئ الداخلية”، وليس لأي سيناريو “موضوعي” مسجل وممكن. عليه نحن قريبون من “الحلم الرومنسي للكلمات التي تفضح عالم الإنسان الداخلي”. إن أدوات كيلمان تركز على دراما اللحظة للعالم الداخلي وتركز على الإرث الرومنسي (وبالأخص في روايته “نفور”). وهذا يتضمن سعي ووردزورث من أجل صياغة أشعاره “بلغة بشرية حقيقية”. ويقتبس ديريك أتريدج نبوءة ووردزورث في “مقدمة” الحكايات الشعرية Lyrical Ballads” ، أشهر مقولة عن فن الكلام باللغة الإنكليزية، فيقول: 

على قراء الشعر أن “يكافحوا شعورهم بالاغتراب والغرابة”. والمعنى واضح  إن عبرت عنه بلغة مجازية:  ما نعرفه عن الشعر في عصر ووردزورث لا يعكس لغة البشر “الحقيقية”، ولكنه اجتهاد وجد الفرصة للانتشار..  وإن موقفهم من شعره المختلف - والذي تشع منه تلك اللغة “الحقيقية” وتضيء - يعبر عن حيرة واستنكار”.

وأحد مفاهيم غرابة “الحقيقي”، أن التقاليد المألوفة منفصلة تماما عن الواقع، ولكنها أيضا تحدد إدراكنا، فيبدو الواقع غريبا. وهذه مقاربة للكتابة بالمحكية والتي كان كيلمان، أحيانا، يدعمها كما يبدو. فهو يؤكد “أن الكتابة بالطريقة التي يعيش بها الناس” تظهر غريبة فقط بسبب الفرض القاسي للمعارضة المصموت عنها والتي تواجهها”.  أيضا يمكننا ملاحظة كيلمان من زاوية معاكسة، زاوية تحدد دورا مختلفا للغريب الألسني، من أجل تمكين رؤيا تحررية أوسع تفتح الباب على وسعه للإستاطيقا المحكية “جماليات اللهجات المحلية”. وعوضا عن رؤية مشروع كيلمان وفق سياق بارادايم رومنسي، و“يتضمن” اللغة الحقيقية للناس في إطار شكل أدبي نخبوي (أو أنه يولد أشكالا أدبية جديدة لتستوعب اللغة الحقيقية التي يتكلم بها الناس)، وهو ما يمكن أن نعتبر أنه أداة للاستيعاب، أو أسلبة، الغاية منها الاكتشاف والريادة: إن هذا ألأسلوب مقاربة “للغة” الفن “الغريبة”، ومن مسافة تفصلها عن وحل الواقع.

 

......................

* جيمس كيلمان James Kelamn: روائي اسكوتلاندي من أنصار اللامركزية السياسية.

* سكوت هايمس Scott Hames: أستاذ الأدب الإنكليزي الحديث في جامعة استرلنغ البريطانية. والترجمة مقتطفات من كتاب صدر عن جامعة إدنبرة حول شخصية وكتابات كيلمان.

         

 

 

ضياء نافعمن التماثيل الجديدة التي اقيمت في موسكو في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تمثال لرئيس وزراء روسيا القيصرية ستوليبين، الذي تم تدشينه عام 2012 في مركز موسكو (حيث تقع بناية مجلس الوزراء او البيت الابيض الروسي كما يسميه البعض)، وبحضور الرئيس مدفيديف (في حينه) ورئيس الوزراء بوتين آنذاك . ستوليبين هو واحد  من الشخصيات السياسية البارزة جدا في الامبراطورية الروسية القيصرية، وقد شغل عدة  مناصب كبيرة في حينه مثل منصب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية ...الخ، وتم اغتياله عام 1911 في مدينة كييف الاوكرانية، حيث سافر للمشاركة بافتتاح تمثال للقيصر الكساندر الثاني (القيصر المحرر كما يسمونه لانه ألغى حق القنانة، اي عبودية الفلاحين الروس. لقد كان الجميع موجودين (بما فيهم القيصر نيقولاي الثاني وعائلته) في قاعة مسرح، وهناك أطلق احدهم اطلاقات نار من مسدسه على ستوليبين، وتوفى متأثرا بجراحه بعد فترة قصيرة في المستشفى، وتقول المصادر الروسية، ان ستوليبين توجه الى  ناحية القيصربعد اصابته وقال انه سعيد بالموت في سبيل القيصر .

اقامت روسيا القيصرية تمثالا ضخما لستوليبين في مدينة كييف بعد اغتياله، الا ان البلاشفة ازالوا هذا التمثال عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وكان اسم ستوليبين في العهد السوفيتي رمزا للفكر الرجعي المعادي للثورة . واتذكر الان الحوار الذي حدث مرة

    بين مجموعة من العراقيين اليساريين في موسكو بالستينيات حول نوري السعيد العراقي، وكيف قارنوه بشخصية ستوليبين الروسي، اذ ان كلاهما – حسب ذلك الحوار - لعبا دورا كبيرا في مسيرة الاحداث السياسية، وكلاهما حاولا – وبكل قواهما - تثبيت النظام الملكي الذي كان سائدا في بلاديهما، وكلاهما حاولا ايقاف وعرقلة المد الثوري الجماهيري بمختلف الوسائل، ولهذا، فان المتحاورين وصلوا الى استنتاج مفاده، ان مقتل ستوليبين ساعد على انتصار ثورة اكتوبر الروسية عام 1917، مثل مقتل نوري السعيد، الذي ساعد على انتصار ثورة 14 تموز في العراق .

الامور تغيّرت طبعا بعد انهيار الدولة السوفيتية عام 1991، وحاولت بعض العناصر القومية المتطرفة الروسية ازالة تماثيل الحقبة السوفيتية هنا وهناك، كما حدث بعد ثورة اكتوبر آنذاك، ولكن اغلبية الشعب الروسي كانت ضد تكرار هذه العمليات غير الحضارية في تاريخ الشعوب، وقد كنت شاهدا اثناء زيارة لموسكو في اواسط التسعينيات لنقاش جرى في جامعة موسكو التربوية (وهي الجهة التي دعتنا واستقبلتنا آنذاك) بين رئيس الجامعة ومساعده ومجموعة من عمداء كليات تلك الجامعة، وكان من الواضح وجود اختلافات كثيرة وعميقة  بينهم بشأن ما كان يحدث في روسيا من احداث عاصفة، الا انهم كانوا جميعا – رغم اختلافاتهم الشديدة تلك حد التناقض - متفقين تماما على ضرورة ابقاء كل المعالم العمرانية في موسكو وبقية المدن الروسيّة كما هي، لأن هذه المعالم تعكس (تعبيرا لعصرها وخصائصه الدقيقة بغض النظر عن الافكار السياسية التي كانت سائدة عندها)، وكانوا يستشهدون بالمدن الاوربية العتيدة وكيف احتفظت بمعالمها رغم الاحداث الهائلة التي جرت هناك، وهو الرأي الذي انتصر فعلا رغم كل الخروقات التي حدثت هنا وهناك، وهكذا نرى الان تماثيل لينين لازالت في مختلف المدن الروسية، ومنها طبعا موسكو، ولا زال جثمانه مسجّى في مرقده الخاص الشهير وسط الساحة الحمراء بموسكو. 

 تغيّر الامور في روسيا الاتحادية قد انعكس ايضا باعادة النظر في بعض الافكار السوفيتية السابقة، وهناك نماذج كثيرة جدا حول ذلك، ومنها مثلا، الموقف تجاه ستوليبين، اذ ان هذه الشخصية السياسية دخلت التاريخ الروسي لانها ترتبط بمقترحات اصلاحية هائلة تقدّم بها ستوليبين في مختلف الامور، وخصوصا بشأن المسألة الفلاحية وتوزيع الارض على الفلاحين، وهي مسألة حسّاسة جدا في مسيرة روسيا، اذ ان المجتمع الروسي فلاحيّ بالاساس . الموقف من ستوليبين ابتدأ في برنامج تلفزيوني حاول ان يحدد اسماء شخصيات روسية بارزة في تاريخها، وقد شارك حوالي نصف مليون مشاهد بالتصويت، وكانت النتيجة تحديد ثلاثة اسماء هي - نيفسكي وستوليبين وستالين (وجاء بوشكين الرابع) . اما اقامة تمثاله، فقد تم طرح المقترح في مجلس وزراء روسيا الاتحادية، وكان رئيس الوزراء بوتين آنذاك، والذي اقترح جمع تبرعات لاقامة هذا التمثال وافتتاحه في الذكرى ال150 سنة على ميلاده، وتبرع بوتين نفسه براتبه لذلك الشهر، وساهم الكثيرون بحملة التبرع تلك .

ختاما لهذه المقالة، نود ان نشير، الى ان وزير الخارجية الروسي لافروف احتفل في مايس 2020 بالذكرى السبعين لميلاده، وقد جرى تكريمه من قبل الحكومة الروسية بمنحه ميدالية ستوليبين (صدر الامر باقامتها عام 2008)، اي ان الدولة الروسية لم تكتف بتدشين تمثال له، وانما قامت بتأسيس ميدالية تحمل اسمه، ومنح هذه الميدالية الى لافروف تعني، ان الدولة الروسية تقرن اسم ستوليبين بالخدمة الوطنية المتميّزة لروسيا، فما أعظم هذا الاعتراف بهذه الشخصية الكبيرة، وما أعظم هذا الاعتذار امامه ... 

 

 أ.د. ضياء نافع

 

1428 اغتارب امراةفي رواية: اغتراب امرأة، للروائية الاردنية هدى رواشدة

عندما يضع الشاعر شاعريته الايجابية، في عمل تسريدي، يعرج - حتما - إلى مباني التعاضدية فتكسن كفاءة السلاسة التبيين والبيان واستنباط الرؤى في تعاضديتها وفي عمليات إسقاط متراصة، تتصاهر مع معابر الفلاش باك

هذا ما اجتليته في قراءة أولى لرواية اغتراب امرأة ، للشاعرة والروائية الأردنية هدى رواشدة، وقد أهدتني مشكورة الرواية ممهمورة بإمضائها .

فتيحة من المغرب تحط وجدا بالكويت، فتحمل معها أنفاس بني ملال وتيفلت ، و ندى الأردنية التي درست بالمدرسة الابتدائية بذات المدينة، تستحضر وجدا حقائب الاثرياء والعوزين، في جوى التجنح كسلوك نمطي ارتدادي في تسريد المباني بارتدادية القوافل البنائية الكامنة في غور المخيال، كالصورة بذات الارتدادية ، والمنتظرة من الخالة بالمغرب كنبض تشويقي بنائي محكم: طردا وجانيا وهدية قدرية وحالة شعورية، حسية، مفعمة بالنوستالجيا.

وأنا أقرأ الان في ظل الحجر ا لكلي بالبليدة هذه الرواية، رحلت مع معارج الزيتون الاردني، وقوارير المتجر الذي لامس أصداء يد ندى وهي تغمض عينيها لتنتقي قارورة زيت الزيتون، وتمنت لو كانت تتوفر على قليل من المال، فتقتني قارورة أخرى رفيقة، كما جاء في مبناها التراجيدي السلس، الشاعري الفعال، جارتها القرورة على الرفوف، هذا مثل بسيط من عديد الامثلة في المبنى الهندسي التعاضدي، بين بني ملال، والعباءة الفاسية للمغربية العزيزة فتيحة القادم المنتظر للتدريس بالكويت.

كما قال الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، أو في ما معناه أشرب الماء من الماء إلى الماء، هكذا الشاعرة، والروائية هدى رواشدة، تشرب التسريد المحكم من الماء الى الماء، من طنجة / فاس / بني ملال الى الغرفة 23 بالكويت مقر إقامة فتيحة المغربية،

الرواية اغتراب امرأة إغتراب أسلوب بالتقسيط الواعي، وحكايا الحكّاء في الوجد النوستالجي الآسر مرورا بتقميط ولف التسريد في خرقة بالية في وجدان الشاعرة هدى رواشدة التي استطاعت في هذه المباني، أن تقمط هذه الاطمارالبنائية بوعي تسريد محكم جعل منه بدلة وفستانا للفرح، للقول، لترويض الصور الايحائية في تجليات مسالك لم تخل بتعاضديته في تحكيم السرد كمعطى وكمنعطف للحفاظ على فصول وفصوص اغتراب امرأة، مكلللا بأدب الرحلة في ذات الأوان كهامش مشهدي أدبي .

أتوقف هنا، حتى لا أكشف فعاليات أجل فعاليات هذه المحفلية الشاعرية، و هذا السلوك الاستنباطي في عمل متكامل: مبنى / هندسة: تشويقا: تبني المأمول في تسريد مأمول، أترك للقاريء اكتشاف باقي المباني، ولي أوبة عند انهائي مبان أخرى جديرة بالقراءة واقتفاء السرد فارسا شاعريا بألف معنى، بألف مبنى .

 

أومض: من البليدة أحمد ختاوي

 

احمد الشيخاويصحيح أن أي ممارسة إبداعية تتسم بالبساطة والسلاسة اللغوية، مع الحرص على عمق الرسالة،وحيازتها للمتون التي يغذيها الحس الإنساني، يكون لها بالغ الأثر في نفسية المتلقي، وأكثر استحواذا على جوارحه على امتداد العملية التواصلية وطيلة طقس التلقي، المنذور لولادات ثانية للنص، بوصف هذا الفعل الاستقرائي أو التأملي انعكاسا لمرايا إدراكنا المتجاوب مع منظومة ما هو بسيط وموغل في صميم المأساة الإنسانية.

في روايته المعنونة " كثير من الوجع " الصادرة سنة 2018، عن دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، والواقعة في 280صفحة، نلفي الكاتب يونس البوتكمانتي، حققّ بعضا مما رمينا إليه، في هذا الاستهلال ضمن هذه الورقة التي نحاول من خلالها وضع تجربته الروائية، داخل دائرة الضوء، ولو أن عتبة هذا المنجز خانته، على اعتبار عناوين الكتب، إنما تمثل نصوصا موازية وضمنية، يجب مراعاتها،وانتقاؤها بدقة وعناية، فأن تكون العتبة جاذبة، لهو أمر مطلوب، حتّى لا يتم الجور على المنجز بأكمله مع أنه يحمل من العمق ودوالّ المجتمعي والإنساني، وفرة وغزارة قد يغفل عنها كثيرون ممن ينخدعون بالعناوين، فيزهدون، بالتالي في كنز معرفي وجمالي، دون قصد .

من تمّ أجد الروائي وقد بسّط عتبة الولوج إلى عوالم سرديته  هذه، والمثخنة بجراحات الكائن،والمغرقة في رصد الأوبئة المجتمعية، على نحو من الإسراف في النهل من أدقّ تفاصيل اليومي، والإصغاء إلى نبض الشارع، وكله صبّ في نجاح العملية التواصلية، وقاد إلى توأمة حقيقة ما بين النص ومتلقيه.

[بديعة أحزن مني بكثير . البيت يبدو مهجورا رغم أنه مرّ على زواجنا سبع سنوات . لم نصل بعد إلى سماع بكاء طفل أو طفلين .لم يكتب النجاة بعد لمن يكسر صمت المكان، ويلطف برود الطقس .لم نصل بعد إلى ما يجعل لعلاقتنا معنى...'](1).

إنها سردية تجسّم واقع الأحياء الأموات، وتغذيها معانيه، بحيث يبدو أن الذات الساردة،وهي تمعن في تنويع الأمكنة والشخوص والأحداث، بحيث تجري في سياقات ذاكراتية ونفسية، كي تدور دورة كاملة، تُختزل بعدها في الحضور الرمزي لبطل الرواية الأول، خالد ولد احمد، الطفل الذي لا يعرف شيئا، حسب تعبير السارد، مما يدلل على خلل وجودي كبير، الجيل القادم،معني به، ونحن بأخطائنا التاريخية، سواء المقصودة أم لا، إنما نربي قيامة سوف نحترق بها، ما لم يتم الإلتفات إلى بؤرها، بكل أمانة ومسؤولية، ومحاولة اجتثاثها من الجذور.

[كنت أتسلى بإخراج المخاط من أنفي،وأستمع إلى أنين معدتي التي لم تذق الطعام منذ ساعات، حين وقف على رأسي رجل بدين نوعا ما؛ لباسه أنيق ومهاب، حذاؤه ملمّع للدرجة التي أستطيع أن أرى على سطحه الغبار الذي علق بشعري الأشعث . تبدو عليه آثار النعمة، وهذا ما أعجبني فيه. حين وقف تلك الوقفة، تذكرت عمي احمد،الحارس بمركز رعاية الطفولة بالناظور،نفس الوقفة،ونفس المشهد، ونفس الإحساس. أطال الله في عمرك يا عمي احمد . كم أنت رحيم مشفق عطوف .' رفعت رأسي بثقل لأتفحص محيا الواقف . لم يعد يخيفني شيء، لص، أو متشرد، أو شرطي، أو مغتصِب، أو نشال، لا يهم. حدثني بكلمات لم أفهم منها شيئا . ربما كررها مرات عديدة،لكني لم ألتقط مما كان يتفوه به شيئا.فهم الأمر، فسألني بإشارة إن كنت أريد أكلا،أوليس ذاك ما أبغيه؟] (2).

بتأمل هذه السردية نخلص إلى جملة من الأغراض، والعديد من المفارقات الموجعة، فهي بمعنى ما تصنع مشهدية للعودة أو الغوص في طفولة بعيد جدا، كما أنها تحاكم واقعا للطبقية والتمايز، ضمن خرائطية لتجاوز التابو،وإنتاج جديد ومغاير للمأساة، بما يتناغم وروح الحكاية الشفافة المنتصرة لإيقاعات التفاؤل والإيجابية، والمزيد من النضال والإبداع الحياة والنفسي والمجتمعي، والاستعصاء على الرؤية الانهزامية.

سردية تنزف بالرسائل العارية، من جوانية وبرزخية ذاتية، لتوسل صور الحياة الحاملة لألوان ما ومعاني ما، قد تبرر حضور الكائن الهشّ والمهمّش والمحاصر بهزائمه وانكساراته ومعاناته المركّبة،وتبصم هوية وجودية تليق بملائكية صلصاله.

يقول الراوي في كلمة أخيرة :

[هذه الكلمات كتبتها نصف سنة بعد الخروج من مليلية، والهروب من كنيسة سينيور خوان فابريغاس .كتبتها في رحاب مسجد قروي عتيق بإحدى دواوير بني ورياغل، ضواحي بلدة آيت عبد الله . كتبتها وكأني أكتبها في الحين الذي حدثت فيه تقريبا .كتبتها لأحس قدر ما استطعت أني أعيش تلك اللحظة . في الشهور التي كتبتها، كنت قد تعلمت حروف العربية،وصرت أكتب بها شيئا ما . وكنت قد حفظت حزبي " سبح " و " عم " من القرآن] (3).

بهذه الواقعية إذن، تتم تعرية راهن من الأوبئة المجتمعية،ويحصل فضح زمن للانتحار النفسي، بكثير من الثقة التي تجود بها بساطة وبراءة الخلفية، في تلوين بياضات اللامعنى الذي تولّده حياة البرزخية،وتفتي به أبجديات الضياع .

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

......................

هامش

* كثير من الوجع (رواية)،يونس البوتكمانتي، إصدارات دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، طبعة 2018.

 (1) مقتطف من نص "إلى الأقمار الثلاثة .. رواية عزيز"، صفحة 10.

(2) مقتطف من نص" مليلية / النور ــــ الفصل الثاني "، صفحة269.

(3) مقتطف من نص " كلمة أخيرة "، صفحة276.

 

علي ناصر الركابيلأجل ان نخوض في صلب الموضوع والدخول في رومانسيات الحب بمفهومه الصحيح، دعونا نتفق على مبدأ قد يجده الكثيرون بأنه صائب ويدخل في حياة الإنسان، مفاده: بأن الرضى والقناعة هما سبب السعادة.

أبتداءاً يمكن بيان الفرق بين مفهوم الحظ والقدر والصدفة التي تقع في حياة الإنسان سواء سلباً أم إيجاباً وكيفية ايمانه بها، من عدمه.

حيث أن المشاعرلا تكفي أحياناً، فهناك الكثير من العوامل التي تفرض نفسها وتحدد مستقبلها. فالحظ يلعب دوره هنا، أو بعبارة أخرى بأننا نسمع دائما عن الحظ، فإما أن يكون سعيدا أو تعيسا، فيقال عن فلان محظوظ، وفلان حظه سيء، لذلك يربط الكثيرمن الناس مصير حياته بالحظ، ويعتمد عليه في كل أمور حياته، فليس معنى سوء الحظ الفشل، لأن الإنسان من الممكن أن يبذل كل ما في وسعه وتكون النتيجة غير موفقة. كالزوج الذي سعى وحاول وصبر على أن يرضي زوجته بكل الأساليب من أجل أستمرار الحياة الزوجية معها، أو العكس أي سعي الزوجة لزوجها، إلا أن النتيجة ترجمت بالطلاق، وهنا هو موضع الفشل. أو حال الخطيب، أو المخطوبة التي أودعت كامل الثقة بخطيبها وأمنته على حياتها وصبرت عليه وتحملت على أن تكون محظوظه بإختيارها كزوج مستقبلي لها، إلا إنه خطيب فاشل بمعنى الكلمة، بعد أن كشفته بخيانته مع الأخريات، حينها قالت للجميع بلا ندم وبدون تردد بانه : لايشرفني البقاء مع رجل سهل الوصول إليه... تتهافت عليه العابثات من النساء. 

أمثلة الحظوظ كثيرة:

فالمال حظ والأولاد حظ والصحة حظ والزواج حظ.. فهناك زواج ناجح وهناك زواج فاشل.. وهناك زوج صالح وهناك زوج سَيئ.. وهناك ولد صالح.. وهناك ولد عاق.

وكما يقول البعض بأن هذه الحظوظ وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء ولابد أن توزع ثانية في يوم آخر توزيع جزاء. فالذي نِلْتَه في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به وسيأتي يوم تجازى على عملك، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (44)- يونس.

فالإنسان المؤمن القوي في إيمانه، يعلم بأن هناك أسباباً تتلوا مسببات... حيث نعتقد ان الله تعالى قسم الارزاق وقَدر لكل مخلوق رزقه وما يجري عليه من ولادته الى مماته

يقال في الحظ بانه اذا أتاك فتمسك به جيداً وعندما يدخل دارك دعه يجلس. وبقدر حظك من الدنيا تقسوعليك القلوب، وبقدرعلوك تنظر اليك العيون حسدٌ وغيره.

الحظ يكون دائماً من نصيب من لا يحسب حسابه لأنه يختار الحمقى ويكون الى جانبهم، والكارثة عندما يضعهم في غير موضعهم المناسب، فعكس المبدأ هو: (الرجل الغير المناسب في المكان المناسب).

هل الحب قدر؟

أولاً يجب ان نعترف بثبوتية القدر أوالقدر الثابت، وهو الثابت في اللوح المحفوظ عند المولى عز وجل والمكتوب فيه الميلاد والموت والعمر والرزق... ولا يمكن تغيير المكتوب والمعلوم بعلمه سبحانه وتعالى.

أما القدر في الحب أمراً لا يمكن تغييره، فهو يحدث دون تخطيط ودون معرفة أو إدراك من المحب، حيث

 يرى الكثيرون بأن كل أمور حياتنا تبدأ بالقدر، والحب من أمور الحياة، ولكن نتحمل ألم البعد لسبب او لأخر ونتخيل قرب الحبيب وننظر إلى الأطلال ونسهر ونبكي ليلاً ولا ننام، وحيناً نشعر أن ما نفعله ما هو إلا تخيل وشعاع من نور سرعان ما يختفي، وان كل البيوت ما هي إلا رمال على شاطئ البحر ولا تتعدى الأوهام، كل هذا يحدث بسبب الحب وبعد الحبيب ولكن هل فعلاً الحب قدر؟

أن تجاهل الحب يساوي تجاهل الإنسانية، كونه يعد ضرورة من ضرورات الإنسانية وهو القوة المحيطة بالمحبين من خلال التفاني والتوحد مع الحبيب، وهوعلاقة فطرية جميلة بين الرجل والمرأة، تحمل هذه العلاقة التوافق والمشاعر والتفاهم والانسجام والحنان واللقاء الروحي والفكري، وكل من المحبين يريد إسعاد الأخر وتذليل كل سبل الراحة والطمأنينة أمامه، ويريد كل من الطرفين التضحية بسعادته وبذاته في سبيل إسعاد الحبيب مهما كانت الظروف ومهما بعدت المسافات ومهما طال الانتظار للقاء مجدداً.

فيما يتعلق بالصدفة، فبعد البحث المستفيض عن مفهومها ومن وجهة نظر الشرع، وجدنا وفقاً لذلك بأن المصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، لان كل شئ عند الله عز وجل معلوم وكل شئ عنده بمقدار، وهو – سبحانه وتعالى – لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبدا، ولكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له صدفة. مثلاً شخص ما يقول رأيت فلان صدفه، كان مقدر له ذلك ان يراه في هذا المكان أو في ذلك الوقت.

الصدفة كلمة ومفهوم يستعمل بصورة شائعة، فنجد أشعار حب وقصائد وقصص وأغاني تحمل كلمة "صدفة" اي حدث يحصل بصورة غير متوقعة.

أنَّ الحب وليد الفرصة والمصادفة، أي أنَّه متعلَّق بالحظ والقدر الذي يجلب الشخص المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب، لتتلاقى الأنفس وتتآلف وتنشأ عاطفةٌ سريعة تولِّد السعادة والسرور في قلوب المتحابين دون جهد منهما أو تعب أو مبادرة.

لو سأل سائل : هل تصدق عن ما يقال بان الحب ياتي نتيجة العشرة ؟

من وجهة نظري المتواضعة أقول بانها اضحوكة يعبر عنها العاجزون عن الحب الحقيقي، كون الحب يأتي عفوياً، دون إستأذان أو موافقة، دون أسباب أو سبق أصرار، دون تخطيط مسبق أو وعد أو نتيجة تفكير، لا يحمله رحم ولا تنجبه العشرة...

الحب هو صدفة لقاء في زحمة العالمين

نعم هي الصدفة التي جمعت بين شخصين من كوكبين جميلين، جمعتهما سماءُ صافية، مرصعة بنجوم الحب الفضية، وأقمار زاهية تعلو بحرٌعذب وساحل جذاب وحدائق بهيه وورود عطره. صدفة لم تكن بالحسبان.. فالحبيبة قالت لحبيبها: احببتني.. وعشقتني.. وملكتني صدفة.. وصدفة اخرى لي انك تركتني أبكي عند رحيلك الهادئ.. صدفة المواقف والذكريات حقيقة الواقع ووعودك بالحب الابدي.. صدفة بكائي في غرفتي المظلمة بدونك وخفية عن أمي، وخلف قوتي الضعيفة وراء ظلم الزمان بجفاء الاحبة، في زمن قلة الاصدقاء للفضفضة في يوم الضيق القاهر في لحظات الانهزام، خلف الدموع المشتاقة لحضن محبه صادقة بعيداً عن الظروف والبشر.. بعيداً عن الرجولة الشرقية.. بعيدا عن التسلط الذكوري، بعيداً عني وعنك كل

على عدم وجودك المادي بقربي مرت أشهر... وسيمرنصف عام على ذلك، فكيف حياتي ستكون بدونك ؟

فكان رد الحبيب لها: أنا لم أحبك لأن الاجمل رغم أنك الاجمل.. ولم أعشقك لأنك الأوفى رغم أنك الاوفى.. إنما أحببتك لأنك نصف الروح ونصف العقل وكل القلب.

لا يمكن أن يكون عثوري على شخصٍ مثلك مجرّد صدفة، بل ترتيب إلهي، هذه رحمة الله، رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شي.

الحب جمعنا أنا وأنت بالصدفه وما أحلاها من صدفه، جمعتنا باشياء ثمينة لم نكن نحلم بها حتى في عالم الخيال.. والأجمل ان تكون تلك الصدفة بداية علاقة ذات هدف نبيل. واعدت نفسي عندما يتحدثون عن جمال الصدف، سأتحدث عن يوم جميل جمعني بك، وأضف لهم بانني أنام الليل ولكن عقلي مستيقظ يبحث سبب تعلقي بها!

فما أجمل أن تجد قلبا يحبك دون أن يطالبك بأي شئ سوى أن تكون بخير. فخلف الإهتمام تختبئ كل معانيِ الحٌب، ليس كل من قال: أحبك يهتمٌ لأمرك، بل كٌل مهتم بك ثق تماماً بأنه يحبك.

فمهما كان حظ أم قدرأم صدفه كلها معاني جميلة، أشكرهم جميعاً لأنهم جمعوني بك...

وسأحبك أكثر رغماً عني وعنك...

 

الدكتور علي ناصر الركابي

 

  

رحمن خضير عباس"لكي تجود قريحتك كفنان بالإبداع، عليك أن تتذوق الفناء عدة مرات"

ينتهي فيلم الرسام رامبرانت بهذه العبارة، التي تترجم حجم ما كابده في حياته، والظروف الحياتية التي مرّت به، والتي حوّلته من فنان يسيل الذهبُ والمال من ريشته الماهرة، إلى شخص مفلس ومريض، فيموت وهو ممسكٌ بريشة الرسم، ثمّ يُدفن بدون ما تقتضيه طقوسُ الموت في مقبرة الفقراء والمُعدمين. هذا ما طرحه الفلم الفرنسي (الرسام رامبرانت) الذي تناول جزءاً من حياة هذا الفنان الكبير، والذي ولد في بداية القرن السابع عشر، وتوفي عن عمر يناهز الثالثة والستين، بعد أن فقد كلّ أحبائه، وآخرهم ابنه الوحيد تيتوس، الذي مات بداء الطاعون عن عمر لا يتجاوز السابعة والعشرين . ذلك الطاعون الذي تفشى في تلك الفترة من أواسط القرن السابع عشر وحصد الملايين من البشر، واكثرهم من الطبقات الفقيرة،لكثرة القذارة التي تجلب الجرذان التي ملأت البيوت والأسواق والحانات ومجازر المواشي. بينما كان أغنياء أمستردام  في منأى عن العدوى.

الفيلم من إخراج وسيناريو شارل ماتو،ومن بطولة الممثل الفرنسي كلوز براندوير.  يتناول حياة الفنان الهولندي الكبير رامبرانت،وهو يعيش في خضمّ حياة العاصمة أمستردام،حيث فوضى الحياة التي تتجاذبها خطوط الفقر المُدقع والغنى الفاحش، وحيث الفروقات الطبقية التي تنخر المجتمع، والتي عبّر عنها أحد المختلين عقليا، والذي كان يخطب بين الناس في أحد الشوارع العامة، ويتكلم عن الأمراض الاجتماعية، ومنها ممارسة العهر وارتكاب الموبقات في تلك المدينة الصاخبة، محذّرا الفنان رامبرانت أثناء مروره بقوله:

" إيّاك من المكفوفين فهم يحقدون على الذين يَرَون الضوء "

وكأنّ هذا الرجل المُختل عقليا قد تنبأ بالمخاض الذي سوف يتعرض له  رامبرانت،في مجتمع لا يعرف قيمة إبداعه.

يبدأ رامبرانت أعماله في بيته الكبير الذي يضمّ الكثير من الخدم . يضجّ بالحيوية والإبداع وهو يرسم الوجوه بشكل مُتقن وساحر، وكأنّه يغور في عمق الشخصية، وقد اشتهر برسم نفسه مرات عديدة، قد تربو على المائة، ليس بدافع الغرور، وانما كان يسجل مذكرات ملامحه بواسطة الريشة.وقد فسّر ذلك في يومياته التي يقول فيها:

"أقول إنّ وجهي تغيّر كثيرا،صار بمرور العمر أكثر بروزاً ويأساً وغربة.حينما أرسم نفسي فأنا أبحث عن نفسي"

كان رامبرانت يعشق النساء والفن والحياة، لذلك فهو بارع في جذب المرأة التي لا يستغني عنها، ومن خلال هذه النظرة الشبقية، فقد عشق الشابة ساسكيا حينما كان يُنَفّذ بورتريتا لها،وهي بنت عم صديقه تاجر اللوحات الفنية ، وكانت من عائلة ثرية،فأصبحت زوجته، وعاش معها سبعة أعوام حافلة بالحب والعطاء،وقد انتقلا إلى بيت كبير، وقد نجح في بيع لوحاته، وتنفيذ العديد من البورتريهات لوجهاء المدينة، والتي كانت تدرّ عليه دخلا كبيرا . ولكنّه كان مبذرا في نفقاته، كما كان يشتري الكثير من الأنتيكا الغالية كي تكون اكسسوارات للأشخاص الذي يقوم برسمهم.

ولكنّ ساسكيا كانت تُفجع بالأطفال التي تنجبهم بعد شهر أو شهرين، وبعد ثلاثة أطفال أنجبت ابنها تيتوس الذي عاش، ولكنها تعرضت إلى داء السل الذي جعلها تذوي وتموت،دون أن تتمتع بالفرح مع رامبرانت  وابنها الصغير .

بقي تيتوس الرضيع يتيما بين أحضان رامبرانت. ولكنّ السيدة ديركسن والتي كانت ممرضة لساسكيا تتكفل بتربية الصغير ، وبعد فترة من الزمن مال رامبرانت إليها، فتزوجها، فكانت البديل لزوجته الأولى.  وبعد فترة طويلة تعرف بفتاة جميلة، تدعى (هنريكشة) التي أحبها بصدق وكأنها تعيد له ذكرياته مع زوجته الأولى، مما أثار غيرة الممرضة التي أقامت عليه دعوى (انتهاك العهد) وقامت بحرق اللوحة التي رسمها لغريمتها.

كان رامبرانت محبوبا من النساء، وعاشق لهنّ، حتى أنّ الأخيرة هندريكشة قد أحبته بعمق وحاولت أن تتشبث به، وأن تعوضه السعادة التي افتقدها. لكنّ الزواج منها يعني حرمان رامبرانت من ثروة زوجته التي كتبتها لابنها تيتوس وجعلت زوجها وصيا.ورغم أن الكنيسة هددتها وخيّرتها بين هجرانها لرامبرانت أو اتهامها بالزنا. ولكنها ضحّت بكل شيء من أجل أن يقف رامبرانت ضد قوى المجتمع وسلطة المدينة التي وقفت ضدّه وقد وصفها  في يومياته :

"هندريكشة تحبني بعمق وصدق وبلا تذمّر، ومن أجلي وبّخها رجال الدين وطردوها من الكنيسة، لقد تقبلت أن تعيش معي وتقترف الخطيئة"

كان رامبرانت يقضي بعض أوقاته في الحانات لرسم بعض الوجوه. وفي أحد الأمسيات راق له أن يرسم رجلين إفريقيين كانا يجلسان في الحانة أيضا. وكان أحد الأثرياء من الهولنديين يـحطّ من شأنهما، ويسخر منهما بعبارات عنصرية، تنمّ عن فكرة التفوّق للبيض على السود ، مما أغضبَ رامبرانت الذي دافع عنهما  بقوله:

"أفضّلُ بَشَرَتهما السوداء على جلدك الأحمر المترهل"

وقد أهدى رامبرانت البورتريت لهما، فشكراه وأهديا له قردهم الجميل، والذي جلبه إلى المنزل وأحبه. وأصبح القرد أنيسا للعائلة.  وحينما قُتل القرد في الشارع من قِبَل مجهولين، تألم رامبرانت لموت القرد واحتضنه، وإراد أن يخلد لحظات موته على قماش الكنفاس، ولكنه لم يجد قطعة قماش فارغة، فلجأ إلى نفس اللوحة للسيدة التي كان منهمكا برسمها والتي منحته مبلغا كبيرا. لكنها رفضت أن تتقاسم قماش اللوحة مع الحيوان ، مما جعله يطردها بغضب رغم حاجته القصوى إلى المبلغ الذي دفعته. كان غير مكترث للمال، بل لكرامته الفنية التي كانت مهدورة في هولندا آنذاك.

كانت لوحته الشهيرة (حراس الليل) سببا في إفلاسه ودمار حياته الفنية والشخصية، فقد تعاقد مع مجموعة من كبار الضباط السامين في ستوكهولم لرسمهم في لوحة كبيرة، وقد دفعوا عنها مبلغا كبيرا. وحينما انتهى منها، أصيبوا بخيبة أمل،لأن وجوههم تغرق في مزيج من الظلّ والضوء،وذلك لأن رامبرانت يوزع الظل والضوء على تضاريس الوجوه والأشياء والملابس والملامح، بحيث يتعمق الفنان في مكوّنات الشخوص، وكأنه يُبرز مشاعرهم الدفينة. ولكنّ هذا الأسلوب الفلسفي في الرسم لم يرق لهؤلاء الضباط، لجهل منهم واعتقادهم بأنه يسخر منهم ويسيء إليهم .  فشنوا عليه حربا شعواء،وحالوا بينه وبين العمل في كافة المجالات الفنية، وجعلوا الجميع يقاطع أعماله، ولم يسمحوا له بالاشتراك بالمعارض الفنية. ولم يعلموا بأنّ هذه اللوحة التي حاربوه بسببها ستخلدهم إلى الأبد، وتجعل منها واحدة من أهم الأعمال الفنية  في مختلف العصور.

وهكذا وجد رمبرانت نفسه مفلسا ومحبطا وغير قادر على سداد ديونه، لأن طبقة النبلاء والارستقراطيين قد عزموا على تدميره، تساعدهم نقابة الفنانين التي منعته من ممارسة الرسم وبيع اللوحات،وحينما عجز عن تسديد المستحقات قاموا ببيع بيته ووأعماله وآثاثه بمبلغ بخس، متعمدين إيذاءه. ولكنّه بقي على نفس كبريائه، ينظر إليهم باحتقار  .

انتقل رامبرانت إلى بيت صغير في مكان بعيد عن مركز المدينة، وبقي معزولا وحزينا،غير قادر على تدبير تكاليف الحياة. ومع ذلك لم تتوقف فرشاته عن إبداع أجمل اللوحات. وقد فقد زوجته وحبيبته هنريكشة، والتي ماتت بعد صراع مع المرض، ولكنها تركت له طفلته الجميلة كورنيليا.

وبعدها بفترة وجيزة توفي ابنه تيتوس بوباء الطاعون الذي اجتاح هولندا.

لكنّه أحس باليأس والمرض حينما فقد ولده الوحيد، فبقي يعاني من الحاجة والوحدة والعزلة، ومات وهو يحاول رسم بورتريت لولده الراحل.

وهكذا تنتهي حياة هذا العبقري الذي شكّل منعطفا في تقنيات الفن الكلاسيكي.

لقد تناول هذا الفلم إنسانية رامبرانت، وشخصيته المتواضعة، وصراعه مع الطبقات الارستقراطية المتنفذة التي تبتز الطبقات الاجتماعية الفقيرة، ومع أنّه ينتمي إلى هذه الطبقة الثرية، ولكنّه رفضها وحاول تعريتها. ووقف ضدها وحيدا لا يمتلك سوى مبادئه وعبقرية فنّه التي لم تُكتشف الا بعد موته . تلك العبقرية التي عبّر عنها النحات الفرنسي الكبير رودان بقوله:

"مقارنتي مع رامبرانت تُعَد بمثابة تدنيس للمقدسات،يجب أن ننحني لرامبرانت ولا نقارن أي شخصٍ معه"

 

رحمن خضير عباس

 

ضياء نافعهذه المقالة حول شخص روسي مجهول تماما للقارئ العربي اسمه فلاديمير ياكوفليفتش لاكشين، والذي اريد تقديمه للقارئ العربي، لانه يستحق ذلك فعلا، اذ انه متخصص بارز في تاريح الادب الروسي، بل يمكن القول انه عاشق متحمّس للادباء الروس الكبار ابتداء من بوشكين الى دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وانتهاء بسولجينيتسن، ولازالت هذه الظاهرة واضحة المعالم لحد الان في مؤلفاته العديدة من كتب ومقالات ودراسات عن هؤلاء الادباء، والتي يتداولها القراء الروس في المكتبات العامة والخاصة او في مخازن بيع الكتب، او يطلعون عليها في المواقع الالكترونية المفتوحة للجميع، رغم ان لاكشين قد رحل مع الاسف الشديد عن الحياة منذ اكثر من ربع قرن، وكان آنذاك في الستين من عمره .

ولد لاكشين في موسكو عام 1933، وعاصرفي طفولته الحرب العالمية الثانية، والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945) وسنواتها المرعبة الرهيبة، ثم عاصر اواخر زمن الستالينية الصارمة الصعىة، ثم (وبعد وفاة ستالين عام 1953) عاصر بدايات مرحلة (ذوبان الجليد !) زمن خروشوف فصاعدا، ثم شاهد بعد ذلك كل التغييرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي، وشاهد ايضا انهيار الدولة السوفيتة عام 1991، اذ انه توفي عام 1993، وكان دائما في قلب كل هذه الاحداث الكبيرة في مصير روسيا، وكانت له مواقف محددة وواضحة تجاه كل ما حدث في وطنه، لانه كان الابن المثقف الروسي الحقيقي لبلده، وقد انعكس موقفه هذا في نشاطاته الفكرية تلك في الصحف والمجلات الادبية، التي كان يعمل فيها، او في الكتب العديدة التي اصدرها .

اصبح لاكشين في بداية الخمسينيات طالبا في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو وتخرّج عام 1955، ثم التحق بقسم الدراسات العليا في الكليّة التي تخرّج فيها، وحصل على شهادة الكانديدات في العلوم الفيلولوجية (دكتوراه فلسفة)عام 1962، وكان موضوع اطروحته حول تولستوي وتشيخوف، هذه الاطروحة التي بلورّها بعدئذ واصدرها في كتاب، وهكذا ظهر كتاب لاكشين الاول عام 1963، وكان بعنوان – تولستوي وتشيخوف . جلب هذا الكتاب انتباه الباحثين و القراء رأسا بموضوعيته وعلميته وابتعاده عن الكلمات الطنانة والرنانة الجاهزة، والتي كانت سائدة بشكل او بآخر، اذ كان هذا الكتاب تعبيرا حقيقيا عن طبيعة المرحلة الجديدة في البحث العلمي السوفيتي، الذي كان يسعى الى تثبيت المفاهيم الحياتية (ان صح التعبير) كما هي، وليس كما تريد الايديولوجية السائدة آنذاك، ولهذا، يعدّ هذا الكتاب ولحد الان واحدا من المراجع المهمة في موضوعة علم الادب المقارن بين علميين من أعلام الادب الروسي هما تولستوي وتشيخوف . لم يصدر لاكشين اي كتاب جديد منذ عام 1963 والى عام 1975، اذ كان يعمل في الصحف والمجلات الادبية، وكان ايضا يحضّر اطروحة للحصول على شهادة دكتوراه العلوم (دوكتور ناووك)، وهي أعلى شهادة اكاديمية في روسيا، وقد حصل عليها لاكشين فعلا عام 1975، وكانت اطروحته عن الكاتب المسرحي الروسي الكبير أستروفسكي (انظر مقالتنا بعنوان – أستروفسكي شكسبير روسيا). وهكذا بدأ لاكشين باصدار سلسلة كتبه بعد ذلك، اذ أصدر الطبعة الثانية المزيدة من كتابه الاول (تولستوي و تشيخوف) عام 1975، ثم أصدر عام 1976 كتابه الثاني – (أستروفسكي)، ثم (اللقاء الثاني)، ثم (مسرح أستروفسكي)، ثم (خمسة أسماء عظيمة)، ثم (الباب المفتوح)، ثم (طرق صحفية)، ثم (نوفي مير في زمن خروشوف)، ثم (شواطئ الثقافة)، وغيرها ...اما نشاطه في الصحافة، فقد نشر اكثر من 300 مقالة متنوعة عن الادباء الروس، اذ انه عمل بعد تخرجه في اواسط الخمسينيات في صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) ثم في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد) عندما كان الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي رئيسا لتحريرها، واصبح لاكشين نائبه الاول، وبالذات عندما نشرت هذه المجلة رواية سولجينيتسن القصيرة – (يوم واحد من حياة ايفان دينيسيفتش)، هذا النشر الذي فتح الطريق امام سولجينيتسن في الاتحاد السوفيتي والعالم، وهي مسألة معروفة طبعا، ولا ضرورة لاعادتها هنا . لقد كتب لاكشين عن موقف سولجينيتسن ودافع عنه، الا انه اختلف معه سياسيا عندما سافر الى الغرب، وهو موقف يحتاج الى دراسة موضوعية هادئة الان، اذ ان لاكشين لم يتقبل الهجوم الحاد على روسيا آنذاك، وكانت آخر مقالة له عام 1993 تدافع عن اسم روسيا والروس، اما آخر منصب في الصحافة الادبية، فقد كان لاكشين رئيسا لتحرير مجلة الادب الاجنبي، اضافة الى ان لاكشين عمل في مجال التلفزيون، وقدّم برامج تلفزيونية مشهورة جدا عن الادباء الروس الكبار، وهو الذي ارشف الافلام الروسية عنهم .

الصورة القلمية التخطيطية لهذا الناقد الادبي تعني، اننا يجب ان نتوسع بدراسة آثاره الفكرية، وان نتعمق في تحليلها . لاكشين هو الارض البكر، التي تنتظر جهود الباحثين العرب لحراثتها ....

 

أ. د. ضياء نافع

 

سوف عبيدكُنّا بدوًا نسير طويلا تحت الشّمس ونتأبّط البَلغة لنحافظ على لمعان جلدها المدبوغ وللأقدام أن تتحمّل عِوضًا عنها العثرةَ والشّوكة ولسعةَ العقرب. نعم كنّا بدوًا نأكل ما حضر ونلبس ما ستر ونصبر على الجدب أعواما ونتحمّل العطش أيّاما ننزل ونرحل في أرض اللّه الواسعة ولا نَحْنِي رؤوسنا لأحد من البشر وقد يهلك الرّجل منّا ودونه قطرة الماء الأخيرة يُؤثر بها رفيق الطريق!

(2)

نعم .. كنّا بدوا إذا تكّلمنا صدقنا فالكلمة عندنا – وما أدراك ما الكلمة – نقول إنها تخرج من الحلق كالرّوح تماما فإذا وعدنا أنجزنا وإذا توعّدنا فخذ حذرك !

ولكن لا خوف عليك ولا أنتَ تحزن إذا مررت على البدويّ ضيفا فهو سيرحّب بك وسيهتف لك من بعيد على المدى ومن النظرة الأولى أهلا وسهلا ومرحبا

والجود بأحسن الموجود طيلة ثلاثة أيام

(3)

أجدادُنا البدوُ

كانوا يعرفون السّاعةَ باِنكسار الظلّ

يعرفون الأرض المِعطاءَ بقبضة التّراب

وباِتجاهِ البرق يعرفون المطرْ

وباِقتفاء الأثرْ

يعرفُون الذي مَرّْ

أجدادنا البدوُ

كانوا يُؤرّخون بعام الصّابة

أو بعام الجراد

أو بعام الوباءْ

مُحمّدٌ وعليٌّ وعائشةُ

عندهم أحسنُ الأسماءْ

وليس في الدّنيا عندهم أحبٌّ

من الأولاد

والخيل

والنّساءْ

(4)

كُنّا بدوًا نشتاق الى البحر فنتخيّل الأمواج والماء والأسماك بالوصف فنتصوّر الرّمال مياها زرقاء كالسّماء تماما لكنّنا تقف حائرين عند تصور السّفينة والسّمك وحدث مرّة أن سافر جماعة من الأقارب الى البحر فحملوا معهم إلينا ماء البحر في بعض الزّجاجات. كانت أعجب شيء عرفناه في صبانا فجعلنا نتذوّق المُلوحة ـ العذبة ـ ذلك أن البدويّ لا يشتاق الى ماء زمزم كاشتياقه الى ماء البحر فماء زَمزم عنده بَركة وشِفاء أمّا ماء البحر فهو شيء آخر يُثير الخيال والمستحيل!

(5)

نخلةٌ في الشّموخ

وجَمَلُ في الجَلَدِ

ذلك هو البدويُّ

(6)

كُنّا بدوًا…

في الأرض نصُول ونجُول

السّماءُ السّابعة لم تكن أطول من أنف أقصرنا قامةً ولكنّه الزّمان يمضي ويأتي زمانُ العماراتِ الشّاهقةِ التي لا نملك فيها أرضا ولا سماءً

إنّه زمان المُدن القصديرية وزمان المخيّمات إنه زمان الهزائم والمسلسلات: مسلسل التلفزات ومسلسل الاِنشقاقات والخلافات العربية. نعم كُنّا في زمن البداوة حيث الشّهامة والعزّة فدخلْنا في زمن سجائر رُعاة البقر حيث التبعيّة والمَذلّة... إنّه زمن التَشيُّءِ فلا شيءَ كما هو وكلّ شيء في محلّ نظر الى أن يأتي ما يُخالف ذلك !

في زَمن بَوادينا القديم

يُسمَّي العريسُ

سُلطانا

يختارُ له وزيرًا

هُو الآمرُ النّاهِي

العارفُ بدقائق الأمور

*

نحنُ الصّغارُ

نُهيِّئُ الخيمةَ

نَفرُشُ الزّرابيَ والنّمارقَ

ونَهُبُّ بِقِصَاع الكُسكسِي

في نشاطٍ وحُبور

ثمّ نمضي بمَخالي الشّعير إلى الخَيْل

الخيلُ أيضًا

لابدّ لها مِنَ وليمةٍ قبل الغُروبِ

*

في زَمن بَوادينا القديم

نترقّب لحظةَ يُطلّ السّلطانُ من خيمتهِ

بالمِنديل الأحمر

إنّه ـ الفَتحُ المُبين ـ

إِذْ تَتَسارعُ طلقاتُ البَارودِ

مع قَرع الطّبول

والزّغاريدِ

فَتمتلئُ جيُوبُنا بالحلوى

نحنُ السّلاطينُ الصّغار

***

* سُوف عبيد ـ تونس

 

محمد غانيتصور معي اخي القارئ ان يتاح لك الجلوس وجها لوجه لتتبادل اطراف الحديث مع نجباء الكون في هذا العصر، فكم ستكون سعادتك مبهجة لما تعلمه من مقدار الاستفادة العظيمة التي قد تستقيها من هؤلاء، طبعا في جلسات متتالية، كل منهم على حدة، فما بالك ان ترجع بك كبسولة الزمن لتجالس من تريد من النخبة من عظماء الفكر والعلم عبر التاريخ، لترتشف منهم العلم والمنهج وشحذ القريحة على حد سواء، نفس هاته الفكرة هي ما صوره ديكارت في قولته البديعة "ان قراءة افضل الكتب جميعها يشبه محادثة مع  نجباء القرون الماضية".

اظن ان مثل هاته القولة تكون كافية في الغرب لتمرير أهمية القراءة للآخر، لكن في بعض الأحيان تمر إشارات بليغة كهاته مرور الكرام امام اعيننا، دون ان نلقي لها بالا، لأننا لم نتصورها تصورا واعيا كما ينبغي، لذلك نجد انه في غاية الأهمية، البحث عما يعضد هذا الطرح الذي نجده كافيا لجعلنا لا نفتر عن القراءة طيلة أيام الأسبوع بل قد نبحث دون جدوى لاضافة يوم ثامن لقضاء اغراضنا كما صاغت ذلك السيناريست والاديبة الامريكة لينا  دونهام بذكاء"لنن واقعيين فنضيف يوما ثامنا للأسبوع المخصص بالكامل للقراءة".

وليست السيناريست دونهام هاته وحدها من استوعب الأهمية اللامتناهية للقراءة فهذا الفيلسوف الأمريكي مورتيمر جيروم ادلر ،مقرب الفلسفة الى الجماهير الشعبة بالولايات المتحدة الامريكية بسبب سلسلته الشهيرة "كيف تقرأ كتابا"، قد صاغ حكمة عظيمة نجدها متممة للفكرة أعلاه، "في حال الكتب القيمة، لا يهم كم مقدار ما تستطيع ان تحمله معك بقدر ان الأهم هو مقدار ما يمكن ان تمرره مما تحمله بين ثناياها الى جعبتك".

عندما نلتقي النخبة عبر قراءة كتبهم، فنعجب بافكارهم، ونتأثر بها، ونصطحب خلال حياتنا بعضا من افكارها التي ابت ان تتركنا، ينبغي ان نبحث في تراجم هؤلاء عن الكتب التي اثرت في حياتهم لنقرءها، كما ينبغي ان التقينا ببعضهم حقيقة ان نسألهم مباشرة عن اهم الكتب التي اثرت في حياتهم وكونت شخصياتهم فنستلهم منها، وهذا الامر نفسه الذي دعا اليه الاديب والفيلسوف الأمريكي رالف ولدو ايمرسون رائد الفلسفة المتعالية ومن دعاة الفردانية بالولايات المتحدة الامريكية خلال القرن التاسع عشر حيث صاغ ذلك كالتالي" اذا سنحت لنا الفرصة بالتقاء شخصية متقذة الذكاء فينبغي ان نسألها أي كتب قرأت".

وما اشد تشابه تعبير الكاتب والصحفي الأمريكي باتريك جايك أ.رورك عن القراءة بحديث نبوي شريف عن أهمية الغرس، كما لا يخفى التشابه بين غرس النبات وغرس الأفكار، فكلاهما ينتج الثمار، فهذا الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم يدعو الى الغرس ولو في آخر رمق حيث روي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، وهذا باتريك جايك أ.رورك يعبر عن أهمية القراءة لآخر لحظة بقوله "اقرأ دوما شيءا يجعلك تبدو جيدا وانت لم تتممه بعد".

 

د. محمد غاني،  كاتب، المغرب

 

ولدت توكارتشوك في 29 يناير1962في سوليكوف غرب بولندا لابوين يعملان بالتدريس، درست في العاصمة البولندية في جامعة وارسو ونالت شهادة في علم النفس، وعملت لفترة معالجة نفسية في جنوب غرب البلاد قبل ان تبدا الكتابة، وقد اصدرت ديوانا شعريا قبل ان تنطلق في عالم الرواية،، وبعد نجاح اول كتبها كرست نفسها للادب، وقد الفت 12 عملا ادبيا، وتسجل كتبها افضل المبيعات في بولندا، وقد ترجمت اعمالها الى اكثر من 25 لغة من بينها الكاتالونية والصينية، وقد حولت الكثير من اعمالها الى مسرحيات ومسلسلات وافلام سينمائية.

وتتراوح اعمالها المتنوعة جدا بين القصة الخيالية الفلسفية (الاطفال الخضر) عام2010وصولا الى الى الرواية التاريخية الواقعة في 900 صفحة (كتب يعقوب) عام 2014 .

في عالمها الشعري يختلط المنطق واللامنطق، فعوالمها في حركة دائمة دؤوبة دون نقطة ارتكازوثبات مع شخصياتها لتشكل لوحات جمالية رائعة تحاكي الواقع، وتتمتع بلغة رصينة غنية دقيقة وشاعرية تهتم بادق التفاصيل.

تصف توكارتشوك نفسها على انها شخص من دون سيرة شخصية، فهي تجسد جميع شخصيات رواياتها التي اخترعتها وخلقتها من تفاصيلها الذاتية المؤلفة من عدة حبكات، ومن اللافت للانتباه بساطتها وسلاسة لغتها وتسريحتها التي تتميز بعدة ظفائر افريقية.

ويبدو ان عامي 2018و2019 عامي الحظ بجدارة للكاتبة البولندية توكارتشوك، حيث فازت اولا بجائزة (البوكرمان) عن روايتها "الرحالة" وتعد اول كاتبة بولندية تفوز بالبوكر على مدى تاريخها، ثم جائزة نوبل للاداب.

وشاركت اولغا في كتابة سناريو فيلم"سبور" للمخرجة انييسكا هولاند والمستوحى من رواية"عظام الموتى" الذي يتراوح بين العمل البوليسي البيئي والرواية الفلسفية المتخيلة، وقد فاز بجائزة الفريد-باور في مهرجان برلين ومثل بولندا في السباق الى جائزة اوسكار افضل فيلم اجنبي.

 

مريم لطفي

 

نجيب طلالأي لغة وأي خطاب يمكن أن يقال أو يستقيم قوله؟ أمام الوجه المكشوف والبشع الآن تجاه (اليوم/ العالمي) (للمسرح) الذي أمسى أياما تداخلت فيما بينها بسرعة متناهية؛ منتجة  عرضا "مسرحيا" دوليا / عالميا/ كونيا / بطله "فيروس" يُمسرح أحداثه بكل وثوقية وجرأة متناهية النظير!

"فيروس" يمارس فعله التلقائي أمام  شخوص عالمية اختلفت لغتهم وتميزت قدراتهم الفكرية والفنية.

إنَّه يحاور ويلاعب بإبداعه الواقعي/ الزئبقي، جموعا بشرية  تميزت ديانتهم وسلوكياتهم وذهنيتهم .

بذلك مقدما عرضا ["كورونِيّا"] دونما تداريب ولا اتفاق مسبق ولا قبل رفع الستار؛ وبدون استقبال الجمهور لصالة العرض؛ مغيرا عوالمنا وأحلامنا وطموحاتنا لكوابيس لم تكن متوقعة؛ ماسحا من الخريطة السنوية  [اليوم العالمي] للحميمية والحركة الخلاقة في بقاع العالم؛ وإن كان اليوم العالمي للمسرح في (العالم العربي) يأخذ طابع (الشكوى) وصناعة (الأزمة) والبحث عن أفق الإنتظارات ! لكن المثير في 2020 العالم بأناسه وعباده وحيواناته وطيوره وجدرانه ومعالمه تشرئب أعناقها وأرواحها لأفق الإنتظارات من سينتصر: هل الطبي أو الفقهي؟ أم السياسي أو المشعوذين؟ أم الديني أوالسحرة؟ أم العلمي أو الدجالين؟ أو مروجي الشائعات والإشاعات؟ أم اللجوء إلى بركة الأولياء والشيوخ وترديد الأدعية ؟ أم فيروس كورونا؟

ذاك الفيروس (اللعين)  لقد حصد أرواحا في الشرق الأقصى؛ وهو يحصد أرواحا بكل قناعة وجرأة في أوروبا التي حولها إلى – جريحة – بكل المقاييس ! معلنا فتوحاته في الشرق الأدنى و إفريقيا؛ التي حول ركحها المظلم سلفا إلى روايات سوريالية ومشاهد مسرحية تراجيدية اختلط فيها الواقعي بالديني والخيال بالسياسي ! وأيهما حقيقة ؟ أمام الحزن المؤجل والبكاء المضمر بين قتامة الوجود؛ وجود يزاحمه ويسعى أن يلتهمه الوباء؛ ذاك الوباء الذي يحمل مملكته فوق تاجه / إكليله المتطور؛ الذي أوقف الحركة الإبداعية من فوق الركح وخارجه  وشل جمالية الإبداع و نسف جغرافية الجسد في بلاغته؛ فارضا إغلاق مسارح عالمية وغيرها وخلت من العاملين والممثلين والجمهور بدون فتوى فقهية بل بقوة وجوده الحارق ! وإضفاء الأنوار بدون سند قانوني بل بقوة وجوده القاتل ! وإعادة أموال كثيرة لجمهورها الذي حجز " تذاكر" العروض بشهور قبل اجتياح " فيروس كورونا" بدون دعاوي ولا محاكم بل بالأخلاق السامية والاتفاق المبدئي بين المسارح التي تحترم جمهورها؛ وتحترم نفسها قبل كل شيء . علاوة على الإغلاق هناك عزلة ثقافية / فكرية / جمالية مرفوقة بتكبيل وإيقاف ملامسة الأيادي أو تحريكها بدون تدخل سلطوي بل بشبحه التخويفي؛ تلك الأيادي والأكف التي كانت تصفق طربا واستحسانا ولذة وفرحا بعطاء الممثلين الموهوبين والمبدعين، الذين فرض عليهم  (الفيروس المشؤوم) معانقة الجدران (الآن) كبقية الخلق في مملكة الربِّ . والذين اعتقلوا بدون جريرة ولا جريمة تذكر؛ ليظل مولانا " الكوروني" يقدم عرضه المسرحي الساخر؛ معاندا مسرحية [الخرتيت] (ليونيسكو) ومتحديا [حياة جاليليو] (لبريشت) أو [الوباء] (لوكتاف ميربو) لكي يسري بعناده ويتحرك بكبريائه وغروره بين المناطق ويهرول ويزحف بطمعه  واندفاعه بين الفضاءات؛ يخترق ويطير عبر الأقاليم المعلومة والجهات المعروفة والقارات المرئية؛ لكنه هو غير مرئي؛ ليس جنيا ولا شيطانا بل فيروسا يحطم ويهدم ما تبقى من رمق الإنسان؛ حينما يلتصق به ! حتى اختلطت حولنا الحقيقة بالوهم كرواية [الطاعون] (لألبير كامو) فانمحى الرمز ليظل الوهمُ متناسلا بالإشاعة والإشاعة بالشعْوذة والشعوذة بالعِلم والعِلم بالدجل والدجل بالطب؛ وأيهما سينتصر؟ والإنسان في خطئة المأسوي يسقط تراجيديا أمام عرضه الساخر. كما سقط يومه 24/03/2020 الكاتب المسرحي الأمريكي (تيرينس ماكنالي) بسبب مضاعفات إصابته بفيروس كورونا. ليفقده مسرح برودواي (نيويورك) للأبد.

يالسخرية القدر " فيروس" ملعون السلالة؛ منبوذ المعاشرة؛ مكروه المصافحة. يمثل ويشخص دوره البطولي في اليوم العالمي للمسرح؛ عرضا مسرحيا لوحده . ! إنه بطل أسطوري ! تيمته [تدمير إنسانية الإنسان] وكل مسرحيي العالم يكافحون بالكاد من أجل البقاء؛ لكي يعودوا على الأقل لعوالم الأضواء ومعانقة الستارة الحمراء. وليس بحثا عن سبب الوباء الذي ضرب مدينة " طيبة"  وأهلك نسلها ورجالها؛ حتى سادت الفوضى وامتلأت المدينة بالجثث و... كما فعل " أوديب ملكا" سوفوكليس. الذي دون في  القرن الخامس (ق؛ م) كاشفا سريان وباء الطاعون وآثره الإجتماعية والسياسية ؟ فهل هذا العمل  بضخامته وروعته الأسطورية؛ سيفكر في إنتاجه أحد المسرحيين؟  إيفاء وعربونا لأرواح من فارقونا بسبب  مسرحية " فيروس كورونيا" وللتخفيف من أعراض الوباء الذي أصابنا في اليوم العالمي للمسرح "الكوروني" ولو نفسيا. أو مسرحية روميو وجولييت (لشكسبير) هذا العمل الذي وظف الدين في الوباء والوباء في الحب بعدما تم حجز الراهب الذي ساعد "جولييت" الحبيبة؛ ليصبح محجوزا في الحجز الصحي؛ وذلك لاشتباهه بإصابته بمرض الطاعون؛ رفقة  كاهن آخر.

هَذا بعْد شفاء العالم من وقع صدمة العَرض المسرحي "التراجيدي" حقيقة. بحيث لما لا يفكر مسرحيو العالم العربي (تحديدا) إعادة إنتاج أغلب الأعمال الدرامية التي تناولت الوباء بشتى تلويناته وأسمائه؛ تعويضا لما ضاع في اليوم العالمي للمسرح . لكل من يعمل في هذا الفن ال رغم هشاشة الفن المسرحي . وتعويضا عن المخيلة ، لأن المخيلة في العالم العربي قد جفت أو توقفت لأسباب متعددة. فتلك الأعمال على الأقل ندرجها من باب الاستئناس وإعادة روح الإبداع لموقعه أو كإعادة قراءة أولفهم من أين جاءت قوة وضراوة هذا الوباء (الكوروني) الذي فاق كل الأوبئة التي اجتاحت تاريخ البشرية .

 

نجيب طلال

 

محمد سعد عبداللطيفزمن ردىء والأردأ منه المُناخ الذی أناخٰ کل قافلة وعصّف بالکرة الأرضیة من کوارث طبیعیة جعل العالم الذی أصبح قریة صغیرة یعیش حالة من الرُعب، والخوف، وکیف تفرز الکوارث الطبیعیة کالأوبٸة والفیضانات، والزلازل، أنماطؑا سلوُکیة مختلفة وغریبة تمتزج فیها سلوُکیات عدوانیة من الاحتکار والنهب والسلب والجریمة والارتدادؑ نحو التطور البداٸی، حیث یُصبح الأنسان مُفترسؑا لکل شیء ویقع العالم الآن تحت عالم الخرافه والسحر والشعوذة، إن السلوکیات الإنسانیة التی تقوم علی الإبداع والتدابیر العلمیة والعملیة لإدارة أزمة الوباء والتغیرات المناخیة والاحتباس الحراري.

کان الإنسان جزءا مُهمًا ومتهمًا فی خؑلل الطبیعة.. هل یستطیع الإبداع أن ینقل صورة تراجیدية للمأساة التی تتعرض لها البشرية کما جسدها الکاتب المسرحي الإنجلیزي (ولیام شکسبیر) وهل تستطیع مدینة الفنون ومدینة الرسام "دافنشی " میلانو التی تتعرض لوباء کورونا فی الوقت الحاضر ۔

أن یخرج رسام من حول  "میدان الدومة " لیرسم لنا لوحه عن هذه المآساة وبعد تصریحات زعماء العالم وفقدهم فی السیطرة علی الوباء من تصریح "رٸیس وزراء إیطالیا " إذا استمر الحال علی ما هو علیه۔ ستحصد إیطالیا نحو" 4 ملایین " من جراء هذا الوباء، وکأن التاریخ یعید نفس السیناریو فی القرن الخامس والسادس، عندما ضرب وباء (الطاعون) مدینه میلانو شمال إیطالیا وراح ضحیته نحو نصف عدد السکان، إنها مدينة رسام ومهندس عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي " نجا فنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي من وباء الطاعون الدبلي " الذي ضرب ميلانو نهاية القرن 15، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون أکثر من ثلث سكان المدينة، التي تعيش هذه الأيام على واقع تفشي فيروس كورونا (کوفید 19).

وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين (1487 و1490)، وتوجد في مخطوطة لا تزال باقية حتى الآن، وعمدؑ فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو -التي كانت ضيقة، يصعب التنقل فيها، وقذرة، ومزدحمة، وتساعد في انتشار المرض، نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسيا إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف.

وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذريا ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت بناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، وسعى دافنشي لتقسيم المدينة عموديا، وفصل المناطق المستخدمة للتجارة والنقل عن تلك المستخدمة للترفيه والمعيشة.

ويمكن القول إن هذا التخطيط يشكل محاولات مبكرة للتقسيم الحديث، وهو نهج للتخطيط الحضري لم يدخل حيز التطبيق البارز إلا بعد الثورة الصناعية بوقت طويل، وكان عدم كفاءة شوارع العصور الوسطى المختنقة مصدرًا لانتشار الطاعون الدبلي، لذلك كان تحويل الطريقة التي يتحرك بها الأشخاص والمركبات وسيلة فعالة لحصار هذه الأوبئة، واعتمد تصميم دافنشي على طرق متعددة المستويات للمركبات والمشاة.

وانقسمت مدينة میلانو لمستوى علوي للمشاة والمجتمع والعناصر الجمالية، بينما خصص المستوى السفلي لشبكة من القنوات والطرق التي تستخدم لحركة البضائع والحيوانات والتجارة والمخازن، واعتمد شوارع واسعة وارتفاعا منتظما للمباني، ومداخن طويلة، ونظام صرف صحي متطورا لمواجهة الطاعون.

ولتخيل هذه الفكرة يمكن التفكير في مستوى تحت شارع المشاة والمركبات لتوصيل البضائع والأطعمة وتفريغهما في المخازن، ويمكن مقارنة هذا التصميم بتخطيط مدن حديثة تمنع استخدام السيارات في مراكز المدن، مع مراعاة الحد من الانبعاثات وتقليل الازدحام، ومنع تكدس الناس بشكل يعرضهم للعدوى المميتة كما حدث في ميلانو خلال العصور الوسطى.

کذلك أبدع الأدیب المصري " طه حسین "فی روایته (الأیام) والاعتقادات فی زمن انتشار وباء الکوليرا فی مصر ۔ففی ستینیات القرن الماضي کتب " الادیب المصري ذکی نجیب الکیلاني " روایته (لیل وقضبان) أو سجن بلا قضبان لیعیش العالم الآن فی سجن کبیر اختیاری وإجباري، وقد برع الکاتب والأدیب البریطاني (ولیام شکسبیر) فی مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن الـ16، واستلهم كذلك أدب شكسبير في نهاية القرن " 16 "وأثناء تفشي وباء "الطاعون الدبلي"، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة، وكانت القاعدة الرسمية أنه بمجرد تجاوز معدل الوفيات ثلاثين أسبوعيا سيتم إلغاء العروض كافة.

وتوفي بسبب الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سنا وكذلك ابنه الوحيد (هاملت) الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة "مأساة هاملت" تأثرا بوفاة ابنه التی کانت مقررة علینا فی المرحلة الدراسیة الثانویة.

وفي العقد الأول من عهد: الملك جيمس " الأول الذي حكم بين عامي 1603-1625م، كان الطاعون يعني أن مسارح لندن ستغلق أغلب الوقت، وكانت لندن تعیش حاله فزع ورعب جسدها شکسبیر فیما یعرف بـ(تراجیدیا وباء الطاعون) وعلى العكس مما هو متوقع ألهم كتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان يعتقد البعض أن شكسبير تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة "فينوس وأدونيس" التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح عام 1606 سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات "الملك لير" و"ماكيث" و"أنطونيو وكليوباترا".

وبالنظر إلى أن الطاعون الدبلي أهلك الشباب بشكل خاص، فقد قضى أيضًا على منافسي شكسبير المسرحيين من شركات المسرحيين الشباب الذين هيمنوا على مرحلة أوائل القرن الـ17، واستحوذت فرقة شكسبير على مسرح بلاكفرايرز في عام 1608، مستفيدة من غياب أحد المنافسين الشباب بسبب الطاعون.. وبالإضافة إلى الفرص التجارية، قدم الطاعون مخزونا قويا من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوص شكسبير في تلك الفترة، وفي أحد مقاطع مسرحية "روميو وجولييت" تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ (جولييت) وتجد (روميو) قد مات تنزع خنجرا من غمده وتقتل نفسها. هکذا أبدع فن ومسرح (شکسبیر) فی نقل جزء مهم من تاریخ البشریة. هل سینجح الإبداع والمسرح الراقی والأدب والفنون ان یتربع علی العرش، بعد حیاه من المادیه والنزعه الآنانیه التی إجتاحت العالم ۔

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرفیا السیاسیة

 

جمال العتابيوقفت على أبواب مدن عديدة، أنصت الى الاصوات الآتية من قيعانها، لم افلح يوماً ما في إسترجاع صوت حضيري ابو عزيز، بل يداهمني ضجيج الآلات، ودوي المركبات، نشوة سحرية تمتلك حواسي كلما أنصت لـ (عمي يبياع الورد)، مثل عزف رائع يمتد عبر العصور، بصوت حضيري، تتردد أصداؤه متخطياً الأبعاد، يلتقي بنا دون ان يحجبه عامل الزمن، أو يغيبه النسيان، كما لوكان نبضة حية في وحدة الوجود .

الشاب حضيري القادم من ريف الشطرة الى المدينة، يحمل بين جانحيه موهبة مغني، وطموح انسان، لم يستسلم للصعوبات، موهبة فريدة في الغناء منذ ايام صباه، الصوت الجنوبي الممتلىء عذوبة في الأداء واللحن، يبزغ صوته في أجواء المدينة، يستفز الصبايا، وغرام المراهقات فينهمر الورد مدراراً، ليرشّه ابو عزيز على خدود زينة البنات(هدية).

كان حضيري يجيد ترديد اغاني ملا منفي، وملا شنين، وملا جادر، في محل خياطة يعود لخاله، الذي رعاه بعد وفاة والده، وعلّمه اسرار المهنة قبل ان يلتحق بجهاز الشرطة، كان صوت ماكنة الخياطة يخفق مع نبضات قلبه حبيس الحسرات، ملهماً صوت حضيري القوة والإتساع، لا يحجبه جدار نحو الآفاق ينادي: (على درب اليمرون أريد أگعد ونادي)، وفي الليل تنتظر المدينة ان تنام، ولا تنام، فصوته يوقظ المدن النائمة، والبيوت لها صدى تنحاز له كذلك، تفتح نوافذها الخشبية الخرساء، ليتفجر الألم الدفين، حضيري كمن يصلي صلاة الاستسقاء في (عمي يبياع الورد)، يستمطر ماءً ونقاء، ليوقظ الازهار من رقدتها، انه الورد لاتقترب منه الصحراء .

العمر يا ابا عزيز مازال ندياً، وهدية (شالت) !!إرتحلت بعدما روت بدموعها أمانيها ..إلى أين ارتحل مرفؤك السماوي؟ واين سماؤك الأولى ؟تختلج اللوعة في أصدائها وتنتهي بأمنية، من يخفف عنك حرقة الشوق، ويبعث فيك السلوى ؟؟غير صنوك داخل حسن، يشاركك النواح، في ثنائية لعاشقين معذبين (يحضيري بطل النوح شالت هدية) .

أيها المغني، الارض تسمعك، وتصغي لك الريح (فاهجع شوية) لا تتوسل بالحمام ان يذكرك بالأنين !(حمام لتون على روس المباني)، بصوت ينسل بطيئاً، مابين الشهقة واللوعة، لعل زفير الحمام يردّ هدية اليك، لكنها غابت مثل محارة لبدت في أعماق البحر، كنت تجهش بالبكاء، وتخلع ثوب الاسلاف، وتلعن (أهلك) الذين ضيعوك، تتشفى بهم، لتغني مثل شهقات طير مأسور( هلي يظلام، ما جابوا ولفي إلي، تره الفرگة چوت گلبي چوي) وتعيدها بنبرة أشد( صلت گلبي صلي)، هلي يظلام مارحم عدكم !!

يلزمك وقت يا حضيري كي تجمع أحزانك توزعها بين عيادات الأطباء، من يعين فتى مثلك، مثقلا بالحزن ؟؟ غير نداء تستغيث به عطف طبيب( عاين يدكتور ! الگلب چم جرح مجروح) وتتمادى اكثر وبميانة مع الطبيب (لك عاين)، الروح ما تحمل بعد لا حزن لا جور، عاين يدكتور !!

انت كمن يتهجى الشهادة، لتلم شظايا الروح، ربما تريد ان تسترد(حُميّد)، محلقا في السماء، تغوص في الارض، تبحث عن(عشبة)، او مطفأة، لكنك تغرق في (مصايب الله). متوعدا حميد: آنه لك وانت لي، لون بين السما والارض ايصير اصعدلك منو اليعترض!! ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقا بين ارض لا تجيب، وسماء تسأل : حميد انت لو موش انت !

يصعب ان نصنف حضيري ابو عزيز كأحد مغني الريف، لأنه كان يتطلع نحو التجدد في اللحن والإختيار، وإن لم يكن يعي مواجهات الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، ومفاجآت ضاربة، بيد ان لديه طاقات حبيسة تريد ان تعلن عن ذاتها بطريقته الخاصة، حاول ان يبقي على علاقة سليمة مع جذوره الأولى، قد لا تسعفه في المضي بالتجربة حتى النهاية، إذ يجد نفسه بحاجة الى معين متجدد لا ينضب من طاقة الحياة، فإمتلك جسارة ابن المدينة ليسافر الى بلاد الشام، في نهاية الثلاثينات، واتصل بمغنين عرب، وعقد اتفاقات مع شركات تسجيل أجنبية، ومثّل في افلام بزي مدني .

حضيري اراد ان يصير حراً بتصميم وشجاعة لايمتلكها زملاؤه المغنون، في تلك الفترة الثرية، ظهر صوته، كانت سنوات كشف وارتياد المجاهيل، منذ مطلع الخمسينات بدأت رحلة البحث عن تجارب جديدة، كان الفنان العراقي يقع من خلالها على بعض الحلول للمعضلات الفنية والادبية، وهكذا غدت تلك التجارب اشارات جديدة اقتحمت جدار المسلّمات التقليدية السائدة في الاوساط الثقافية حينذاك.

أراد حضيري ان يتآلف مع الجديد بمنظوره الريفي، ونوازعه الانسانية الصافية، فإستطاع ان يهيمن على المشاعر لعذوبة صوته ومساحته قراراً وجواباً، انطلق به ليأخذ مداه الواسع بكامل طاقته، ما دام في قفصه بقية خافق.

هذه النظرة العابرة لا يمكن لها ان تستقصي كل أبعاد أغاني حضيري، كما انها لا تستطيع ان تقع على حرارة الاخلاص التي تشع منها، الا انها تستطيع ان تؤكد (مدنية) حضيري، لا ريفيته، ولو كان على الفنان الراحل ان يجرح احساسنا بلسان صمته الأبدي لأسمعنا مرّ العتاب .

ياحضيري بن حسن رهيف العبودي، كان سحر صوتك الموّشى بالأنين، يغيض بغربة الروح الجنوبية، من يغني سواك عن الورد في ذاك الزمان؟ ومن يبيعك الورد يا ابو عزيز الان؟ ومن يواصل النداء (بالك تدوس على الورد وتسوي خِلّه)؟ فالارض ما عادت مرتعاً للحمام! بل يسكنها الشوك والحزن، والحكومات ضيعت الاوطان وضعنا، ومحت فتنة الورد.

 

جمال العتّابي

 

مما لاشك فيه إنَّ القصة القصيرة جداً من أحدث الأجناس الأدبية وأكثرها تعسراَ في التكوين والهيكلة، فقد عانت ولازالت تعاني حرباً ضروساً؛ لإثبات مكانتها الأدبية والإجناسية بين من سبقها في الحقول السردية (الرواية، القصة، القصة القصيرة) مع ما يُشن ضدها من حملات تسقيط وقولبة هامشية على يد بعض الكتَّاب المتعصبين للنوع الأدبي وبعض المنظِّرين المعارضين لكل جديد، وهنا يتوجَّب علينا الوقوف على بعض المساقات الديالكتي؛ لتصبح القاعدة الرئيسة التي سننطلق منها وهي: أسباب ظهور القصة القصيرة جداً، وأبرز شروطها، ومعيارية شكلها الفني، وهل أصبحت آخر الحلول لهواة الكتابة؟

تزامناً مع الصراعات التي شهدها الواقع البشري في عقوده الأخيرة خاصة، ظهرت القصة القصيرة جداً كنوع أدبي يُعبِّر بطريقةٍ جديدة عن الاحتدامات الداخلية والخارجية للإنسان الذي لم تعد تكفيه مساحة الرواية ولا اختزال القصة لإيصال هواجسه المكبوتة وغاياته الخفية، وأنا من هنا لا أتفق مطلقاً مع الرأي الذي يعزو ظهورها للممارسات الجديدة والمتمثلة بعصرنة السرعة واضمحلال الرغبة في قراءة النصوص الطويلة، بل أصبحت القصة القصيرة جداً الميدان الأكثر مناسبة لولوج الموضوعات الوعرة والتابوات والمضامين الصلدة التي تُعالج في باقي الأجناس بطريقةٍ تقريرية ومسارٍ مكشوف، مما يجعلها محدودة الأهداف والنتائج، أما في القصة القصيرة جداً ونظراً لمواصفات شكلها الفني والتي تتمثل بالرمزية والإيهام والتشفير والتكثيف بدا التشخيص يتسم بالفخامة وسعة الفكرة وتعددية التأويل، إذ يحتمل النص الكثير من الغائيات العميقة التي تمكِّن سهامه من إصابة أكثر من هدف، وهذا الأمر يجعلها في الغالب موجهة للنخبة من القرَّاء الذين يتَّسمون بحذاقة التفكيك والنظر لما وراء الفكرة، وإذا كانت موضوعاتها وأغراضها عميقة والحال ذاته بالنسبة لمتلقِّيها، فالأولى في كاتبها أنْ يكون على قدر كبير من المسؤولية والفطنة والذكاء في صياغة نصوصه حتى يصل بها إلى ناصية الإبداع والفرادة، وما يشاع اليوم من كثرة المؤلفات ووفرة الكتَّاب الغير جادِّين يجعل القصة القصيرة جداً تعرج في طريقها لنقطة البداية، وكأنما أصبحت في وقتنا الحالي آخر الحلول لمن يرغب في الكتابة والحصول على لقبِ كاتب؛ لأن معظم القصص يغلب عليها التقريرية والمباشرة وبساطة الفكرة ورداءة السبك وضعف الأسلوب اللغوي الذي أجده العمود الفقري الذي ترتكز عليه جماليتها وفنيتها.

 

دعاء عادل آل عزوز