صادق السامرائيالبوحية: من البوح أي إظهار أو كشف ما في الشخص من مشاعر وأحاسيس، فهل يعني ذلك الإظهار شعرا؟

ربما يُعرَّف الشعر بأنه  "كلام موزون ومرتّب ومقفى" (عيار الشعر)، أو أنه "الكلام المولود من مخيلة الشاعر، ويؤثر في مخيلة المتلقي" كما يرى إبن رشد.

وهو "الكلام الخالد" كما يصفه العقاد.

قد نتفق أو لا نتفق مع ما ورد من تعريفات للشعر، لكن أي موجود مهما كان نوعه يجب أن يستوفي شروط وعناصر وخصال ما يميزه عن غيره، لكي يفوز بتسميته.

فمملكة الحيوان فيها أنواع من المخلوقات وكل منها يتصف بما يشير إليه، فالقطة ليست كالكلب، وفي كل منهما أنواع متباينة بصفة ما.

وفي عالم الإبداع، هناك القصة والرواية والمقالة والشعر وغيرها الكثير من الأشكال، التي تدل على نفسها وتتمسك بإسمها، لتوفر الشروط الكفيلة بالحفاظ على الجنس الإبداعي.

وعندما نأتي للشعر، فأن المقاييس تكاد تغيب أو تتصف بالتشويش والهلامية، ويُحسب كل ما هو مكتوب بمداد المشاعر والوجدان والعواطف شعرا أيا كان شكله، وفي هذا تمييع لمعنى الشعر وإفراغ لطاقاته المؤثرة في المتلقين.

فالشعر بحاجة لذائقة شعرية، وليس لكتابات بوحية تأتي كيفما شاءت، حتى لتتعجب هل أنها شعر أم نثر، ولا يمكنك أن تُقر بغير ما يريد لها كاتبها أن تكون رغما عن أنف الشعر.

إذا وصلنا إلى مرحلة تسمية الكتابات الوجدانية المنثورة المشحونة بالمشاعر والأحاسيس شعرا، فلنقرأ السلام على الشعر!!

أو لنضع له تعريفا آخر إن إستطعنا إلى ذلك سبيلا!!

فما هو الشعر؟!!

قد يبدو السؤال ساذجا، لكنه أصيل ويستوجب رؤية إبداعية ذات قيمة حضارية، وإلا فأننا بتوهمنا الشعر سنقتل الشعر!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

قاسم محمد الساعديما السر الذي يخفيه الحنين تحت جنحه في هذا الاغنية وألزعِلَ شاهدا"على تقلبات طّقْسُ الحب

 فلا حقول فِرْدَوْسيّة، مادامت الأيام تشبهُ غيبوبة وميتة سريريا"

ولا أحد سوى العشاق من يرون ِالجزء المخفي من السماِء، حتى وأن أغلق باب القلبِ بقسوةِ حبيب

 فمن يغفر ... وكل مرة يبدو الزعل ٍإيذانا "بالرحيلِ النهائي .. 

(مـره و مـره

ومره طبعك صاير صاير ومره

مره ومره قلبك حاير مره ومره

تزعل مره وترضى مره

وكم مره تبعد وغفرلك

متكلي اليغفر كم مره كم مره

طبعك صاير مره ومره)

2-

الورد المعترش على الشباك يتمايل مع صوته ويمد ذراعيه على اتساع ضوء القمر كأنهما جناحان يريدان الطيران به

وظنا "ان الزعل يركب دراجته الهوائية بانتظارِ تبديل اضويه المرور، وعندما هتفت بضعة نوارس صار صوتك مطرا" يسقط على غابة ِالروح لغاية الفجر ....

وبنبرة اعْتِذار من بصريِ ليس على ما يرام، يحمل ُملامح قَمَرا"

 خجولا" تحجبه غيوما" عابسات !

 (من تزعل توحشني الدنيا واتصور غيرت اضنونك

من ترضى يظل شوق البي يذوبني بنظرات اعيونك)

3-

ايها الجنوبي مثل كل الجنوبيون الذين تاهوا في أَزِقَّة المدن تبدو عديم الحيلة ومكتوف الأيدي وايقنت ان الحياة في المدينة عديمة اللون ولا وجه ثابت لها حتى في المرآةِ

(حبيتك حبيتك وانه أدري دربي ويه أدروبك ما يتلاكه

حبيتك وانه أدري بكلبي مايكدر يكتم أشواكه)

4-

كل هذا الزعل المتكرر وتغفر !!

 وبحرك مقفر من السفن، تركض وقلقك غير قادر على ترويضه ؟

مَا الْعَمَلُ

 و الْحُبِّ قدر مَكْتُوبٌ ... منذُ الأَزَلُ

 (بس حبك قدري المكتوب تدري شكد حملني ذنوب

كم مره تبعد واغفرلك متكلي اليغفر كم مره كم مره

طبعك صاير صاير مره ومره

5-

بعد رحيلك يا رياض أحتل البلاد المغول يعاونهم لصوص و سفلة وقطاع طرق ورجال عصابات و بغايا، قالوا انهم حاملين اوامر الكهنوت على الرماح

و بمراسيم جديدة البسوا الوقت عباءة سوداء وقالوا أن الغِناء من اعمالِ السحرة والشياطين .

ايها الوطن لماذا (طبعك صاير صاير مره ومره)

 

قاسم محمد مجيد

................................

* الاغنية مره ومره كلمات طاهر سلمان و من تلحين الفنان الكبير جعفر الخفاف

         

اختلف المفكرون حول بداية استخدام هذا المصطلح والاختلاف جاء من معنى الاستشراق، فلربما الكل على صواب حول بدايات استخدام الاستشراق وفق تعريفهم له، ومن هذا المصطلح ظهرت لنا ايديولجيا ابطالها شرقيون يدرسون المستشرقين كيف قراوا الشرق ولعل الدكتور ادوارد سعيد ابدع في هذه الدراسة لسعة اطلاعه بل انه يستشهد بافكار العشرات من المستشرقين والتي تدل دلالة واضحة على كثرة اطلاعه وقراءته لمؤلفات هؤلاء المستشرقين .

هنالك غايات من اجلها يقتحم الغربي الشرقي وهذه الغايات يمكن تمثيلها بالحسنة والسيئة وحب الاطلاع، فالحسنة وهي التي تستحق عن يسمى صاحبها بالمستشرق هو من يقرا ويدرس ثقافة الشرق بكل علومها وتاريخها ومن ثم ليعتنقها اي يعتمدها في حياته دينيا ومجتمعيا، واما السيئة فهم الذين يقتحمون علوم الشرق او يتلصصون على علوم الشرق بمختلف المسميات لاجل غايتين ليس اكثر الاولى تدنيس وتحريف تراث الاسلام من خلال الاستحواذ على علوم الشرق بالمخطوطات الاصلية والقيام بتحريفها ومن ثم عرضها من خلال مكتبات الغرب للشرق فينخدع الشرقيون في دراستها ويصبحون اداة لنشر تحريف الغرب كما حرفوا مقدمة ابن خلدون بتغيير كلمة (الاعراب) بكلمة (العربي)، والغاية الاخرى هو الاستفادة من علوم الشرق دينية وغير دينية ومنعها عن اصحابها الشرقيين ليصبح لهم الكعب المعلى في قيادة العالم، واما حب الاطلاع فهذا ديدن المثقفين الذين يرغبون بالاطلاع على ثقافات العالم ومنها الشرقية لمعرفتها وتقييمها وفق رؤيتهم بعيدا عن النزعات النفسية اتجاه الاسلام .

المعيار الاخر الذي يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار ماهو المجال الذي يقتحمه الغربي حتى يقال عنه مستشرق؟ فهل يقتحم المجالات التي ينفرد بها الشرق مثلا الديانة والعادات والتقاليد ام انه ياخذ علوم جابر ابن حيان والرازي وابن الهيثم وابن سينا والرماحي وغيرهم؟، وهذا المجال اخذ هويته حسب ما يصدر عن المستشرق من اراء بخصوص دراسته الشرقية .

معيار اخر اخذ تاثيره على تحوير الافكار تحت مصطلح التنوير، وهذا التحوير عن طريق اسلوبين بالاغلب الاعم الاول هو الترجمة، فالترجمة تؤثر بشكل قوى على العقول التي تقراها والمترجم له الدور القوي في ترسيخ مفاهيم معينة وفق نزعات شخصية او تنظيمية مدروسة وموجهة للغرب يساعدهم على ذلك ان القارئ العربي لا يتتحقق مما يقولون ويكتبون بل انه ينبهر بها، وكتاب الاستشراق للدكتور ادوارد سعيد ترجم مرتين، المترجم الثاني اصاب في تبريره للترجمة حيث قال ان اسلوب طرح الافكار تختلف من جيل الى جيل فعملية الترجمة هي نقل اصل الفكرة دون تحريف وفق اسلوب يستسيغه القارئ اليوم . وكثيرا من الكتب التي ظهر تحريفها مع تعدد ترجمتها ومنها كتاب ادوارد سعيد كما ذكر المترجم د محمد عناني .

وقد ابدع الدكتور سعيد في قراءة عقول المستشرقين وكيفية ترسيخ مفاهيمهم في عقول القراء فقد ابدع المستشرقون وبكل تقنية عالية في استخدام الرواية هذا الفن الادبي الذي اخذ مجاله في حيز القراءة والتاثير .

من خلال قراءة ادوارد سعيد في كتابه الاستشراق وضمن فصل عنوانه حدود اعادوا رسمها وقضايا اعادوا تعريفها ودين جعلوه علمانيا ص198 وقد استشهد بالمفكر الروائي جوستاف فلوبير ( ت 1889) وبطلي روايته بوفار وبيكوشيه، فيقول عنه سعيد استخدم اسلوب الفكاهة والسخرية في حواراتهما لينقل عقل القارئ مما هو فيه من افكار او فراغ فكري الى ما يريد ان يحمل من فكر، فكان يريد نقل ثقافة اسيا (الهند) الى فرنسا 

وهنا لابد لي من الاشارة الى اسلوب الرواية فانها تعتمد على دراسة طبيعة المجتمع النفسية ومعرفة غرائز المجتمع وباي شيء تتاثر فيستخدمها الراوي مهما كانت حتى ولو ضد افكاره يستخدمها كوسيلة للعبور من خلالها الى ما يريد اولا ولتشويهها ثانيا، والاشارة الاخرى دائما الافكار السلبية فيها بعض الفقرات ايجابية او حسنة اي لا توجد ايديولوجيات 100% سلبية والا رفضت ولكن المحطات الايجابية هي لتغطي على سلبية الافكار فيجعل ابطال الرواية يتحاورون بالافكار الايجابية للفكر الاخر التي تتفق وطبيعة نفس المجتمع فيتعاطف القارئ مع ابطال الرواية بحيث انه لا يشعر وبشكل تلقائي يبرر جرائم ابطال الرواية ويتقمص افكارهم في حياته، هذا الاسلوب تستخدمه افلام هوليوود الاكشنية في تعبئة عقول الشرقيين بما يريدون فالبطل الذي يقتل المجرم يغتصب ويسرق فيتعاطف معه المشاهد لان صورة البطل في ذهنهم انه ضد المجرم فتبقى هذه الصورة لتبرر كل الادوار الدنيئة التي يقوم بها فيكون الاجرام عمل طبيعي في تفكير الشرقي وهذا ما ادى الى تمزيق جزء كبير من نسيج الافكار الاخلاقية التي رسخها الاسلام في المجتمع الاسلامي .

 

سامي جواد كاظم

 

علي سيف الرعينيلن يقف المستقبل الى جانب شخص اوشعب ان لم ينصرف لنمائه وارتقائه، ويستنفذمن الزمن جميع استطالاته

الم يقل العرب قديما ..

الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك

.. الا يشير ذلك بمباشرة فاضحة الى زمنناالمسوربالمعدات الزمنية..

فالساعة في مقبضك وفي مكتبك وغرفة نومك في جهازالكمبيوتر

والتلفزيون والرسيفروالسيارة ..الساعة في كل مكان

في ابعد الزوايا عن التخيل ..انه عصرالزمن بمانتج عنه من لهاث ..اللهاث ذاته جزء من ايقاع الزمن اترانا في بلدي الطيب اهله نواكب  ايقاع الزمن . .وان كنان  نو للمستقبل بشغف كبير

 

علي سيف الرعيني

 

نايف عبوشومتطلبات التفاعل البناء مع المجتمع

لاشك أن الثقافة العامة، والارتقاء بالوعي الإنساني إلى آفاق رحبة، مهمة نبيلة، لها مردوداتها الإيجابية، في مغادرة حالة الجهل، والتخلف، والانطلاق نحو فضاءات العلم، باعتباره مصدراً للأشعاع والتنوير، حيث العلم نور والجهل ظلام، كما يقال.

ولعل من الجدير بالذكر، الإشارة إلى أن المعرفة والثقافة العربية، كانت في الصفحات المشرقة من ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، افقية الفضاء، ومتغلغلة في أوساط الجمهور، بكل شرائحهم الاجتماعية، فكانت ثقافة موسوعية النزعة، ومفتوحة الآفاق ، وعمومية الانتشار . ولذلك كان الاتجاه الجمعي العام للجمهور علمي التوجه، وموسوعي الفهم،وجماعي الثقافة، وتنويري المقصد.

ولأن البيئة المعرفية والثقافية العربية كانت افقية الاتجاهات، وموسوعية النزعة، فقد طفح عطاؤها بالإشعاع والتنوير خارج ساحة ابداعها، إلى الآخر، فكانت مصدرا للمعرفة، ومرجعا للتعلم والعلم، عندما انتقلت الى البيئة الأوربية، عبر مراكز وحلقات انتاجها فى الأندلس يوم ذاك.

ومع التراجع الذي حل بالحال العربي المسلم، في ظروف الانحطاط اللاحقة، وغياب معايير النهوض والتطلع، وغياب الأمة ونخبها عن ساحة العطاء والتأثير، سادت روح الانكفاء، وانكمشت روح البحث والتتثقيف، وجفت منابع المعرفة، وساد الجهل والتخلف، والإحباط في أوساط الأجيال التالية،ليصبح سمة غالبة لوصف الحال المعرفي المنهك .

ولا ريب أن الحال ازداد سوءا، بعد أن أصبح العالم الصناعي الغربي الراهن، هو مركز الإبداع العلمي والتقني والمعرفي، وظل عالمنا العربي الإسلامي منكفئا على ذاته، متلقيا للعلوم والتكنولوجيا والمعرفة من مصدرها الغربي، ومستهلكا لها وحسب، في ظل هيمنة علمية واقتصادية صارمة، تعرقل اي ملامح مرتقب للنهوض العلمي والمعرفي، في عالمنا العربي والإسلامي، وعموم البلدان النامية.

والملاحظ في ضوء تلك التداعيات السلبية للعصرنة الصاخبة، بوسائلها المفتوحة في كلِّ الاتجاهات، وبلا قيود، أن المثقف العربي اليوم غارق في الانكفاء على الذات، ومنغمس في ثقافة عمودية متمركزة، محدودة التداول في إطار النخبة فقط ، وفي أضيق الحدود ، مما يجعل عملية التثقيف الجمعي محدودة الأفق، وضعيفة التأثير في الوسط الاجتماعي، في الوقت الذي ينبغي أن يكون التكوين الثقافي تبيسطيا، ومنفتحا على جمهور المتلقين، بشكل متوازي مع انتاج ثقافة الاختصاص الأكاديمي الصرف.

ولذلك فإن الأمر يتطلب، أن يكون المثقف العربي أيا كان نمط ثقافته، منفتحا، ومتفاعلا في تحصيل مدخلات ثقافته، وكذلك في وسائل تواصله مع جمهور المتلقين، بحيث يكون التأثير جمعيا، وإيجابيا، باتجاه النهوض بالثقافة العامة، ورفع مستوى التنوير في المجتمع، وبالشكل الذي يرسخ ظاهرة الموسوعية الثقافية الاجتماعية، في بيئتنا الناهضة مجددا، ويغادر حالة النكوص والإنكفاء، ويحفز نوازع النهوض العلمي والحضاري، من خلال تفجير الطاقات الكامنة، والواعدة، بين الجمهور، مبدعين، ومتلقين، في آن واحد.

 

نايف عبوش

 

ناجي ظاهريعالج الكاتب الروائي الانجليزي سمرست موم. في روايته الخطيئة السابعة. موضوعا خطيرا هو الخيانة الزوجية. اما وصفه لها بالخطيئة السابعة، فان هذا يعود الى انها الوصية السابعة بين الوصايا العشر في الكتاب المقدس. وهي: لا تزن.

يفتتح موم روايته هذه بحوارية بين امرأة وعشيقها. بعد ان شعر الاثنان باكرة الباب وهي تتحرك واعتقدت المرأة ان من حركها هو زوجها. نفهم من هذه الحوارية كل ما يريد الكاتب ايصاله الينا. وينتهي هذا الموقف وكأنما شيئا لم يحدث الا ان ما يحدث في الواقع عكس ذلك. الزوج وهو طبيب في مهنته. يكتشف خيانة زوجته ويخبرها انه يمتلك كل الادلة على خيانتها له. ويخيرها بين امرين كلاهما مرّ. اما ان ترافقه الى بلدة منكوبة بالكوليرا. واما ان يفضحها ويفضح عشيقها. وبين هذين التخييرين يتوصل معها الى خيار ثالث هو ان تطلب من عشيقها. المتزوج اصلا. ان يرتبط بها. الزوجة تتوجه الى عشيقها. لتكتشف ان كل ما كان يقوله لها عشيقها ما هو الا كلام في كلام. ولتجده يشجعها على مرافقة زوجها الطبيب الى مدينة الكوليرا. مدينة الموت. في هذه الاثناء نعرف عبر عودة الى الماضي ان هذه الزوجة وافقت على ارتباطها بزوجها الطبيب لسبب ابعد ما يكون عن الحب، وانها انما ارادت ان تتزوج منه لان اختها ستتزوج قريبا.

بعد ان تكتشف الزوجة عبث حبيبها المعبود. توافق على مرافقة زوجها الى مدينة الموت. وهناك تكتشف انسانية زوجها، عبر تقدير الجميع له ولعطائه للأهالي المنكوبين، بل انها تكتشف انسانيتها خلال تطوعها لمساعدة الاخوات الراهبات في مواجهة وباء الكوليرا القاتل.

ما ان تستقر امور هذه الزوجة حتى تجد نفسها وقد فقدت زوجها.. بعد ان توفي بعدوى. سرعان ما يوحى اليها انه قد يكون جرّب مصلًا جديدا للكوليرا على نفسه. هذه المرأة تعود الى هونج كونج. لتعرض عليها زوجة عشيقها المغفلة ان تقيم معها ومع زوجها في شقتهما. بعد تردد توافق الزوجة. لتكتشف مدى نذالة عشيقها وخداعه لها اكثر فاكثر. تقرر هذه المرأة الزوجة العودة الى مسقط راسها. وهناك تقرر مرافقة والدها المحامي الى الجزائر. لكن هذه المرة بعد ان تكون قد تعلّمت الدرس تماما. وثابت إلى رُشدها.

كما في رواياته السابقة. منها ليلة غرام. يبرع موم في تقديم الحبكة القصصية. كما يبرع في تقديم الشخصيات. حد انك تكاد تلمسها بيدك. وتشعر انك تعرفها. هذه الرواية اشبه ما تكون بفيلم سينمائي. يصوّر حياةً كاملةً. لها بدايةٌ وسطٌ ونهاية. رواية ممتعة. مشوّقة وجديرة بالقراءة.

 

ناجي ظاهر

......................

* صدرت عام 1985 ضمن روايات الهلال القاهرية. وهذه هي قراءتي الثانية لها.

 

صادق السامرائيكنتُ أتجوَّل في جامعة كيوتو اليابانية، أبحث عن أفكارٍ علوية، أسأل عن عقلٍ بأروقة الذات العربية، بإحدى قاعاتها، قالوا كنتَ تنادي: "أنتَ أنتَ، أنا أنا، وأنا أعيش كما أعتقد"!!

أطلقتَ الأفكار من معاقلها، أطعمت الناس خلاصتها، أعلنت ميلاد الإبداع والإقتدار، في بلاد الشمس الأزلية، أمعنتَ كثيرا في تحرير الإنسان، من أسر الضلال وقيود العبودية!!

نيشيدا

أبحثُ عنكَ في شوارع كيوتو، أسألُ الأغصان وأزهار الأنوار الإنسانية، ومضيتُ أسير في "طريق الفلاسفة"، أتصيَّدُ أفكارا توقظنا من نوم الأبدية، عربٌ نحن، وكم بَرعنا بذبح الأفكار، وإجترار الأشياء المنسية!!

مَنْ نحن؟

في زمن الإنجازات الديمقراطية، أخوة أعداء، إستبداد، طوائف ومذاهب، وحروب تدميرية

أتساءل، وخطواتي تدوس آثار خطواتك اليابانية، وعيوني تطوف فضاء خيالٍ، تطارد أفكاراً

كنتَ تجنيها، وتقرؤها بعيونك الإمعانية، أما نحن، فنقرأ أوهاما، ونترنمُ بالأحلام المأساوية

، ونهرول وراء الأجداث، ونستكين لطعنات الماضي، ونأبى أن نخرج من بئر الآهات الأزلية!!

نيشيدا

أمضي مستفهما في دروب الأفكار، أراقبُ السواقيَ وأتأملُ الأشجارَ، لماذا تقطفُ منها ما لا أقطفُ، ولماذا تعطي خطواتُكَ، ما لا تعطي خطوات العربي، التائه في سوالف الأزمان.

أسأل ذاتي، أحرقها، أتهاوى في ماء البهتان؟!!

 نيشيدا

غابَ الدينُ، وابتعدَ الفرقانُ، والمراؤن أعزة الأوطان، والجمع "يعرف من الإسلام إسمه

ومن القرآن رسمه"، ويقول أعرف، وأدري، وإياكَ أن تدري غير ما أدري!!

نيشيدا

أنتَ أنتَ، وأنا لا أنا، فأنا أعيش كما تعتقد الأحجار، لا عقل، لا أنوار، لا أفكار!!

نيشيدا

اليابانُ هي اليابان، والعربُ أنكروا العقلَ وخربوا الإنسان، فلماذا أمشي في "طريق الفلاسفة"، وأجهد العقل بالتفكير والتساؤل والإمكان؟

لا لن نكون، ما دامت السلطة للأوثان، لا لن نكون، ما دامت القشور لبا وحقائقا، واللب في طي الإهمال والنسيان، فالأمة جثة في مشرحة الخسران!!

 فهل ستلدُ جيلا يرفع رايات "أكون" ويؤمن بالإنسان؟!!

 

د. صادق السامرائي

9\6\2009

..................

* نيشيدا كيترو فيلسوف ياباني أسهم في بناء حضارة اليابان المعاصرة.

 

 

قاسم المحبشينسيت تقليم الاظافر وغسل الهدوم ونشرها

تنهض من سريرك كيفما أتفق  وتحمد الله وتشكره الذي أحيان بعد أن أماتك ثم تفرك عيونك وتنظر إلى الساعة وتتعوذ من الشيطان وتذهب الحمام وتتوضى وتقيم الصلاة وتصلي. ثم تعود إلى الحمام وتفرش الأسنان وتستحم بالصابون والشامبو وتحلق دقنك لو كانت خشنا أما النواعم فلهن شؤون في الحمام لا يعلمها إلا علام الغيوب! ثم تضع الماء بالكوز على النار وتفتح جوالك wi-fi أو البيانات الخلوية وتنظر إلى صفحتك وواتسابك والماسنجر وتويتر لترى الرسائل والأخبار والتعليقات والاعجابات وتحايا الصباح واشياء أخر. ثم تتذكر الماء المغلي وتذهب مسرعا لتضع فيه الشاي والسكر أو البن والزنجبيل إذا وجدته لم يتبخر. أما إذا تبخير الماء فعليك إعادة العملية من جديد، تشرب القهوة أو الشاي وأنت تفكر فيما سوف تكتبه في صفحتك بالفيسبوك. تكتب ما تيسر ثم تفكر بالأفطار ماذا سوف يكون؟ إذ يكون عليك أن تلبس هدومك الخارجية والذهاب إلى المخبر لجلب العيش الساخن وفي الاثناء تشتري بيض وجبن بلدي وخضار وبعض الحاجات الملحة. تعود وتخلع الهدوم وتفتح الموبايل ثم تذهب المطبخ لإعداد الأفطار. بعدها عليك بغسل المواعين وشرب ما كتب لك الطبيب من أدوية تقوى المناعة ثم تقيس الضغط وأنت ممدد على سريرك بعدها عليك الرد على الرسائل والتسجيلات الصوتية والمكالمات العائلية ثم الرد على تحيايا اصدقاء وصديقات العالم الأفتراضي. وبعدها عليك الرد على التعليقات والاطلاع على منشورات اصدقاءك وصديقاتك وابدا الأعجاب بها أو التعليق عليها. الوقت يمر بدون أن تدرك وفجاءة تسمع آذن الظهر وأنت ما زالت منهمكا في عالم الفضاء. تفزع وتتعوذ من الشيطان وتذهب الحمام وتتوضى وتصلي الظهر وتلبس هدومك وتسرح شعرك وتتعطر على عجل وتغلق نوافذ شقتك ومفاتيح الكهرباء الغاز وتأخذ الزبالة بيدك وتذهب لدوامك وتلبس الكمامة. تركب العربية في أوج الزحمة وتصل بعد فوات الدوم ثم تعود من حيث أتيت. تعود منهك القوى وعليك التفكير بوجبة الغداء وغسل الهدوم. تغسلها وتنشرها وتنام وحينما تصحى يكون بياع السكر قد وصل فتفتح الثلاجة وتأكل أي شيء قابل للأكل فيها. تحس بالشبع وتفكر بالشاي وهلمجراء. هذا في النهار فقط

أما في الليل فحدث ولا حرج!

 

أ. د. قاسم المحبشي

 

علي سيف الرعينيما يثير كوامن المشتغل بالفعل الثقافي  ايا كان هو مدى اتساع المشهد الثقافي لاي بقعة تحتويه . ثم يتسلسل فضوله متسائلا عن مديات تنوعها وحراكها ومخرجات الفعل الثقافي سواء كانت منشورة عبر منافذ النشرالمتعددة صحف مجلات كتب مواقع النت عبر مواقع التواصل الاجتماعي او كانت مسموعة مرئية عبر الاذاعة والتلفزيون مرورا بالمنتديات الثقافية العامة اوالمتخصصة ..

وكلما تعددت هذه المفردات . .ازدادت ديناميكية المثقف المبدع في المكان الذي يحل فيه فالمكان لاينفصل عن سمته الثقافية

واذا كان هنا لابد من اشارة فاننا نشيرالى ا لجهودالذاتية لبعض المنتديات مساهمة في  رفد المشهد الثقافي با سهامات تعد متواضعة

مع ما تقتضية حتمية مواكبة قافلة الثقافة العالمية التي تحث خطاها نحو خطاب. ثقافي طاغ تلونه طروحات   المسارعة بالكثيرمن محاولات الغاءوطمس الثقافات المتباطئة .....

 

علي سيف الرعيني

شاكر فريد حسنلقد تأخر ظهور القصة في السودان، بيد أن هذا التأخير لم يمنع الكتاب والأدباء السودانيين من اللحاق بركب الاخرين من الكتاب العرب، فشحذوا هممهم وراحوا يقرؤون ويكتبون ويبدعون رغم تعثر البدايات والبواكير عند البعض.

وحملت القصة السودانية الطابع الرومانسي والمضمون العاطفي الوجداني، الذي طغى على كتابات الأدباء الشباب، وذلك نابع من تأثرهم بالتجارب القصصية الرومانسية العربية والعالمية المترجمة في تلك الفترة. ثم ظهرت القصة الواقعية التي استمدت موضوعاتها ومحاورها من الواقع السوداني المعيش، وطرحت القضايا والمشاكل الاجتماعية والعادات التقليدية البالية السائدة في المجتمع السوداني.

ولم تأخذ القصة دورها الطليعي والريادي الفاعل في المشهد الثقافي السوداني سوى في أواخر الخمسينات والستينات وما بعد ذلك، حيث برزت القصة المرتبطة بقضايا الناس وهمومهم، والملتصقة بالواقع السوداني، التي تصور وتعبر عن أوجاع وهموم الشعب وأحلامه وطموحاته المستقبلية.

وبرز عدد من كتاب القصة والرواية، الذين اشتهرت أعمالهم الأدبية القصصية، وفي طليعتهم ومقدمتهم الكاتب الروائي الراحل الطيب صالح، الذي حقق حضورًا واسعًا، وترجمت أعماله الإبداعية إلى أكثر من لغة. وقد صدر له مجموعة من الأعمال القصصية والروائية، منها : " عرس الزين، ضو البيت، دومة ود حامد، حفنة تمر،و مريود "، بالإضافة إلى روايته " موسم الهجرة إلى الشمال "، وهي من أشهر وأجمل رواياته، وحققت انتشارًا واسعًا واهتمامًا نقديًا كبيرًا.

وتختلف هذه الرواية عن الروايات التي اعتاد القارئ العربي أن يقرأها، فهي مغرقة في التعقيد والغموض والتجريب، ولا تسير وفق الزمن والذوق العادي، ويختلط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل، ويمتزج الواقع بالحلم والأسطورة، ولذلك من الصعب على القارئ العادي أن يستوعب ويفهم أبعادها من القراءة الأولى، إذ لا بد له أن يعيد قراءتها أكثر من مرة بتعمق واهتمام. فهي رواية محيرة، مكتنزة، متلاحمة، مشوقة وداكنة في آن.

ويلجأ الطيب صالح إلى استخدام عدة أساليب لعرض أحداث روايته، حيث يستخدم أسلوب السرد التقليدي، والترجمة الذاتية لأبطال القصة، مما يساعده على تصوير ورسم شخصياته بصدق وعفوية. فضلًا عن استخدام الحوار/ المونولوج الداخلي، ما يتيح لشخصياته فرصة التعبير عن هواجسها وأفكارها وعواطفها وانفعالاتها. وكذلك يستخدم أسلوب المذكرات والرسائل والوثائق التي توضح أبعاد هذه الشخصيات.

وقد نجح في ترسيم صور شخوصه الروائية، ولم يجعلهم يتحدثون فوق مستوى وعيهم وادراكهم، وإنما التحدث والاعتراف والبوح عن مكنونات عوالمهم الداخلية.

المشكلة الأساسية التي يطرحها الطيب صالح في روايته هي المشكلة ذاتها التي عالجها من قبله عدد من الروائيين والقصاصين العرب، وعبّر عنها توفيق الحكيم في روايته " عصفور من الشرق "، وعبّر عتها يحيى حقي في روايته " قنديل أم هاشم "، وعبّر عنها الكاتب اللبناني سهيل ادريس في روايته " الحي اللاتيني "، وهي مشكلة الصراع بين الشرق والغرب، وكيف تواجه شعوبنا هذه المشكلة، وكيف تعالجها وتتصرف تجاهها، وهل تتخلى هذه الشعوب عن ماضيها وتكون أسيرة الحضارة الغربية وتذوب فيها وتقلدها تقليدًا تامًا، أم تعود هذه الشعوب لماضيها، فترفض الحضارة الغربية وتدير لها ظهرها وتنكرها إنكارًا لا رجعة فيه، أم تتخذ موقفًا آخر يختلف عن الموقفين السابقين، وما هو هذا الموقف الجديد؟؟!. هذا هو الموضوع ولب المشكلة الرئيسية التي تعالجها رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال ".

فالطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبّر عنها من خلال إنسان افريقي ذي بشرة سوداء، يسافر إلى لندن وهناك يصطدم بالحضارة الغربية اصطدامًا عنيفًا مدويًا من نوع غريب. وعنصر اللون هنا له اهميته الكبيرة، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها، التي انصب عليها غضب الغربيين وحقدهم المرير، وهي التي تفنن الغرب في تجريحها انسانيًا قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا.

فالإنسان الأسود عاش قرونًا من التعذيب والإهانة النفسية على أيدي الغرب، وهذه الإهانات تركت في النفوس الأفريقية جروحًا لا تندمل بسهولة. وهنا تكمن حدة المأساة والمعاناة ومرارتها كما يصورها ويرسمها الطيب في هذه الرواية العظيمة، فقد صور أقدار متضادة إلى اقصى حدود التضاد.

فمصطفى سعيد بطل الرواية لا ينتقل من السيدة زينب إلى لندن، أو من السيدة إلى باريس، أو من بيروت إلى باريس، كما نجد في الروايات العربية التي تناولت هذه المسألة، فالبطل الروائي الجديد ينتقل من قلب أفريقيا السوداء إلى لندن. والأحداث الرئيسية في الرواية تجري في أوائل القرن العشرين حيث كانت أفريقيا تغوص في وحل الظلم والظلام لا حدود لهما. ولكن هذا لا يعني أن الرواية ركزت تركيزًا حادًا على هذا الجانب من مشكلة اللون، وإنما العكس تمامًا. فالطيب صالح يمس هذه المشكلة ويطرحها بكل رقة وخفة ورشاقة، ومن بعيد جدًا، حتى أننا لا نكاد نلتقي بها إلا بين السطور.

ويمكننا القول أن الجرح الإنساني هو الذي ينزف داخل هذه الرواية الفذة، أكثر عمقًا من أي جرح آخر، وهو جرح الإنسان الأفريقي الأسود.

والحل الذي يطرحه ويراه الطيب صالح أمام بطل روايته القلق المضطرب المعذب، هو العودة إلى أصوله ومنابعه وجذوره ليبدأ من جديد هناك. فهذا هو الحل الصحيح والسليم. فلن يجد نفسه في لندن مهما أخذ من علمها وثقافتها، ومهما طاردته نساؤها وتعلقن به جسديًا شهوانيًا عنيفًا. ولن يشعر بالطمأنينة والراحة إلا إذا عاد إلى النبع وألقى ظهره لقشور الثقافة الغربية، وأبقى على جوهر هذه الثقافة ثم مزج هذا الجوهر بواقع بلاده ومجتمعه. فيهما فقط يصبح إنسانًا منتجًا فاعلًا وله دور حقيقي في الحياة والمجتمع.

وكل شيء في هذه الرواية له معناه وأبعاده، الحب والجنس والجريمة. وهي تعد من أنضج النماذج الروائية العربية في معالجتها لموضوع الجنس، إنها تواجه هذا الموضوع بجرأة فنية بدائية، لكنها شديدة الصدق والأصالة، ورغم جرأتها فهي لا تستسلم لموضوع الجنس، الذي يشكل عنصرًا مهمًا بين عناصرها، يخدم العمل الروائي الفني، وتظهر المواقف الجنسية طبيعية في موضعها ومكانها من الرواية وفي تعبيراتها عن ضرورات فنية موضوعية، وهذه المواقف يجب أن تقابل بجرأة وشجاعة، ولا يجوز أبدًا أن نخفي رؤوسنا في الرمال.

وعلى صعيد اللغة والنواحي الفنية في الرواية فقد تبدت مقدرة الطيب صالح اللغوية، وتمكنه من لغته الجمالية، وامتلاكه لزمامها. فتعابيره سليمة تعتمد على لغة رشيقة في غاية الصفاء والأناقة والشاعرية، لغة ناصعة مليئة بالشحنات العاطفية، وغنية بالأضواء والظلال، بعيدًا عن الثرثرة الفارغة والحشو الكلامي.

وهو يستخدم اللهجة العامية ويحافظ على الصياغات اللفظية الفصيحة ويضمن روايته أمثالًا شعبية وأغانٍ سودانية، ويشعر القارئ من خلالها بالروح الشعبية الأصيلة باستعماله اللهجة السودانية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

القاريء الكاتب3.2

يتمسك بعض المؤلفين بمفاهيم قديمة لاتلائم تطورات عصرنا ، فقد اصبح القاريء هو الكاتب والعكس صحيح . وفرت مواقع التواصل الاجتماعي فرصا نادرة للقراء بالاشتراك بالكتابة او التعليق على المقالات والمنشورات والمؤلفات وازيلت الكثير من الحواجز بين القاريء والمؤلف بدون وسيط ، واصبحت العلاقة تفاعلية مباشرة ادت الى تطورات باتجاهات مختلفة ومتناقضة احيانا .

وتغير تبعا لذلك مفهوم المتلقي من دوره كمتلق بين طرفي العملية الاعلامية لان طرفها الاول المؤلف او الكاتب تغير الى دور تفاعلي او مباشر يساهم في صياغة او اعادة صياغة بعض الافكار واقتراحات التجديد واداء فعل الكتابة على قدم المساواة مع الكتاب والمؤلفين .

طرفا العملية الاعلامية : المرسل "الكاتب او المؤلف او كاتب الرسالة" والثاني المتلقي "القاريء" ، سمي اعلاميا المتلقي لانه يقرأ ما انجزه غيره من الكتاب والمؤلفين ، ولكن العملية تغيرت واصبح فاعلا ومشاركا حقيقيا للكاتب والمؤلف من خلال قنوات التواصل والمرسلات الفورية ومناقشة الرأي حول ما قرأه وكتابة ما يوازيه دحضا او تأييدا لمحتويات الكتب والمؤلفات اي مشارك حقيقي وفاعل مع المرسل او المؤلف ، اشبه بعملية : "ديمقرطة التأليف" لذا ليس المؤلف الطرف او الفاعل الوحيد في العملية الاعلامية .

واسقطت التغيرات التي احدثتها التقنيات الجديدة الكثير من الحصون والابراج العالية التي كان يتحصن بها المؤلفون واصبحوا اكثر عرضة للمشاركة والانتقاد من مستويات ثقافية متعددة للقراء وازيلت المسافة الفاصلة بين المؤلفين والقراء لتغير دورهم من متلقين الى فاعلين ومنتقدين وموجهين ومشاركين لمحتوى المؤلفات .

ورغم هذة التغيرات في المفاهيم الاعلامية تبقى بصمة المؤلف التي تميزه عن غيره من الكتاب والمؤلفين محافظة على استمراريتها وقد تساعد بشكل او اخر على تجذير تميز الكتاب والمرلفين عن بعضهم لانها في النتيجة تساهم الى حد ما في تطوير مراحل التأليف اوالكتابة بما فيها الكتابة الابداعية .

وتصل بها الى درجة عالية في سلم التطور الذي احدثه العالم الرقمي في الحياة والسلوك وطرق ووسائل العمل .

ونما يزيد حضور القاريء ليس كمتلق صامت كما كان يحدث في الماضي او قبل ثورة المعلومات او عصر الملوماتية ان وسائل النشر متاحة له على قدم المساواة مع الكتاب والمولفين بدون تمييز مما يعزز حضوره وتغيره من متلق صامت الى مشارك بطرح افكاره ورؤيته الخاصة به مع توفر فرص نشر واسعة لديه لايصالها الى جمهوره او الجمهور .

اثبت بعض القراء بشكل عملي من فئة من ليس لديهم خبرة واسعة بالكتابة اوالتأليف وفقا لاحصائيات السوشيال ميديا ان اعداد جمهورهم يفوق اضعاف المرات جمهور وقراء الكثير من الكتاب والمؤلفين اذ استثنينا النخبة المثقفة من القراء .

ان اهم ما احدثه عصر المعلوماتية ان لا اعزالية او ابراج عالية للكتاب والمؤلفين فقد الغيت من قبل عصر التقنيات الجديدة اما من تبقى متحصنا بتلك الابراج فقد وسفقد ما تبقى له من جمهور في المستقبل اشبه بعملية انحسار جمهور القراء عن شراء الجرائد والصحف الورقية وقراءتها على الانترنيت او قراءة الاخبار على مواقع وكالات الانباء مباشرة ساعة بساعة وقد تشثمل هذه التطورات العديد من الوسائل الاعلامية التقليدية "الكلاسيكية" كالمجلات الاسبوعية والشهرية والفصلية والكتب الورقية فاضافة الى سهولة الوصول الى هذه المطبوهات على الانترنيت فانها عايرة للحدود وبالامكان قراءتها من اي بلد كان ، مما يضفي قتامة واضحة على مستقبل عمليات النشر الورقية مستقبلا ومدى الجدوى منها .

وهذه الاستنتاجات ليست تنبؤات او استنتاجات شخصية لان الاخصائيات تشير الى تضاعف اعداد مرتادي الانتريت من مختلف مستويات القراءوان وسائل الاعلام الكلاسيكية "التقليدية" بحاجة الى التكيف مع التغيرات الجديد ، ولم يعد في عصرنا ما عرف سابقا بالمتلقي او المتلقي الصامت او من يتجشم عناء شراء الجرائد والمجلات من المكتبات لان الانترنيت والموبايل "ايفون" اصبحا الخيار الاسرع والامثل للاجيال الجديدة في البحث عن الكتب والمصادر والمؤلفات والمعلومات والاخبار من الاجيال القديمة .

كما ينسحب ذلك ايضا على مشاهدة القنوات التلفزيزنية ومن اي بلد تبث لحضورها على الانترنيت على مدار اليوم ولميزاتها الفريدة وتحكم المشاهد في الوقت الذي يود مشاهدة هذه النشرة الاخبارية او ذلك المسلسل او الفليم او ما شاء من البرامج الرياصية او الثقافية ومعارض الفنون التشكيلية والنحتية او الندوات الثقافية والفنية .

وهذ الخدمات وهي غير مجانية تتيح كذلك مشاركة المشاهد بطرق تفاعلية او مباشرة مع ما يبث من برامج واخبار وندوات .

ورغم هذه التطورات التقنية العملية التي اوجدها عصر المعلوماتية هناك من يدعو الى التريث ، اما لماذا التريت؟

الجواب :

لاننا لحد الان لا نعرف اتجاهات وتطورات عصرنا!

بينما عمليا نقضي معظم اوقات فراغنا على الانترنيت والعالم الرقمي او "الافتراضي" .

 

قيس العذاري

 

 

 

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب 

ذات ايلول، كنت أضيق ذرعا بوجع صامت تعودت أن ابقيه متواريا، بعيدا عن التلصص . فقد علمني جبروت الحياة وتعنت أوجاعها، ان كل الطرق الى رحاب الفرح ضيقة، وأن امضي مبتسما بخطو لا ضجيج لانينه . كنت اعايش غربة هلامية ، كثيرة التفلت لا تنام، دندناتها تقاسيم داخلية حزينة . بحثت مطولا في غيبوبتها الرجراجة عن حجامة لمشاعري، بعيدا عن عاشقات المظاهر وثرثرات الأنا .

على ضفاف السياسة المحلية التقيتها . في إحدى المحاججات، اطلت    على سجيتها، محاطة بابتسامة مهذبة، تفوح فرحا يغنيك عن التأويل والتوجس . إعتقدت للوهلة الاولى، انها مزاجية تترفع بالصمت، وتعاتب بكل لغاته . ولكن سرعان ما بددت ذاك الانطباع، وأن الصمت الأبكم ليس من طباعها، ولا اعتزال الكلام الموزون .

في أول لقاء، ارتطمت اصطفافاتنا باحترام كيس . مع كل طريق اخذني اليها، كانت نضارة تفكيرها تقلم ذاك الارتطام، حتى تماهت آفاق اهدافنا . قادتني دعابات روحها اللماحة لخلخلة الكثير من توجعاتي التي لا يليق بها، وبما يغشاها تلميحا أوتصريحا من عطر .

عصر الاول من ايلول مضى قبل سنين وايام، صحوت من قيلولة متأخرة على صوتها يسأل :ماذا لو كنا نحتسي قهوتي معا هناك هذه الليلة ؟ مَسحت بقايا النعاس المتبقي في عيني، فتحتهما على اتساعهما، ثم أغمضتهما مستكينا وكأني أسلم الروح . أبحرت في الخيال بلهفة، وأنا أقول مستجيبا، أي دعوة خرافية هذه .

مع اول ليل ازدحم بعتمة مكتظة بالنجوم، وصلنا تباعا الى مغاريب عمان، انتبذنا مكانا مطلا على فلسطين . اشعلت شموعا احضرتها معي . ناولتني قهوة احضرتها معها . ما أن اعتدلت على كرسيها قبالتي، بادرتها وانا اتامل عينيها بالقول : مثلك أنا أؤمن بان الارواح في الليل لا تنام، بل تتلاقى اكثر . ومثلك احب متعة احصاء النجوم بعيدا عن اضواء المدينة  .

ابتسمنا ونحن ننصت لصرصار الليل البري، خلته يترنم معي سنة حلوة يا جميل . ناولتني فنجالها لتشعل سيجارتها . وقالت بعد ان نفثت دخانها باتجاهي، واستعادت قهوتها من يدي، صحيح أنك جئت مختلفا عن كل من جاء ومن يزال، ولكنك مثير في المضامين . حدثني عنك بما ييسر ابحاري فيك  ؟!

كمن كان ينتظر هذه المكاشفة، قلت مقدما اوراق اعتمادي : انجبتني نجما قدماه على الارض، كي لا أشبه احدا . اوصتني أن أكون سيد نفسي وظرفي وأنا انحاز للحياة . وكي لا انتظر على شطآنها، اوصتني بالسباحة المتقنة باتجاه حلمي، وأرضعتني تنويعات هائلة من الثقة والكبرياء، لاواجه مفردات التحدي على حواف الحياة ولججها . 

وفي المضمون، ثمرة لرضا أب ودعوة أم، إعتادت أن تكرم ولدها البكر، بدعاء استطال حتى لامس أسماع رب كل الناس . سألته ان يسعد ولدها برزق طيب، يتكئ على صحة في الجسد، ومعرفة في العقل، وسلامة في القلب، وصفاء فكر، وسكينة روح، ونفسا مطمئنة محبة للناس وسعة في حب الناس له . وقبل رحيلها سألته ان يتم نعمته عليه، بحب اجمل خلقه . من تلك اللحظة لم يعد ينافسها أحد بدعاء مثل هذا. ابواب السماء كانت مشرعة آنذاك .

في اوقات هاربة من التأريخ، كبرت وصرت أنا . وبقي وعيي في متناول هذا الدعاء . في ظلاله، تحركت بي رغبة الاستكشاف. حرصت على أن أبحث عن فرحي، بالحد من رغباتي، لا بمحاولة إشباعها . فتعلمت أن الموسيقى بلا شريك ضجيج، وأن الرقص بدونه عبء جنون . صبرت مطولا على وقت مضى خاليا منها .

كنت مؤمنا ولا زلت، أن امتلاك المرأة لتضاريس ملكةَ جمالِ ليس ضروريا، ولا حاجة لأن تمتلك حكمة زنوبيا، ولا ذكاء مريم العذراء عليها السلام أو خديجة رضي الله عنها، لتقوى على الحياة، وتتعرف على عتبات القلوب، وتتقن فنون الشراكة . يكفي ان تمتلء جنباتها بظلال وارفة والفة طازجة، لتعبر بسلام  شراكة دافئة، وأن تبحر بنجاح متجدد، في كل مفاصل الشراكة ومطباتها.

العمر جميل ولكني لم اذق اغلبه، ولم اتكسر عبر معارجه، وان تشوهت كثرة من احلامي، تشظى بعضها وضمرت اخرى، ومبكرا وصل بعضها الى نهايته . كنت لا استطيع رد الاذى الا بأنين لا يسمعه الا الله، ومن تمنت علي ان لا أخذلها . لأستحق القوامة على وصيتها، ضمدت بعضي ورممت بعضا، وحرصت على ان لا يسقط شيئا من أحلامها . فامي فيما تمنت تتكئ على الكثير مما نقشته في روحي .

وهي تجدد لي قهوتي قالت : في ما سمعت منك، كثير من الرسائل المغلقة، تشي كلها بانك قد ولدت وفي فمك ملعقة من تعب . وصمتت لتنفث دخان سيجارتها في الهواء المتجه الى رئتي .

وشفتاي تداعب حواف الفنجال الساخن الذي احتضه كعاشق بين راحتي، قلت : لست متعبا مما يحدث حولي يا سيدتي، بقدر ما انا متعب مما يحدث داخلي . شعور مؤلم ان ياتيك ما كنت تتمناه، وقد تاخر الوقت، وتغيرت انت، وتغيرت الامنيات .

قالت تسعفني : نعم فالصمت الاجباري عدو وإن كان لينا، فهو قاضم للروح، ببطء يفقدها شهيتها للحياة، رغم ما يحيط بشباكها من سمك.

رفعت شفتي عن حواف الفنجال، وقلت وانا ابحر في عينيها : لاني ملاح، لا احب العيش بلا قلق . أتمنى ان تعاد لي طفولتي، لاستمتع برفقتها واعايش شغبها من جديد .

انتصبت باسقة كالسنديانة التي كنا نجلس تحتها وقالت فرحة : رضيت بك وطنا وفرحا، اترضى بي طفلتك المشاغبة  ؟

بت أعرف معنى أن تكون أخت شعيب هي اخت هارون بالذات . فمع منتصف كل ايلول، سنة حلوة جديدة، تتمطى على وجهي فرحة كقطة شيرازية، تأبى أن تشيخ، وبلا كلل تتزنر ببسمة تخضعها لصد ما قد يطفو من حزن لا يقال، وتتسع  لألف تأويل وتأويل . 

 

 الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 15/9/2020

 

 

حاتم جعفريكفي أنه شاعر حقيقي، لذا لا مناص من أن نضفي على سيرته شيء من الخيال، وكان اﻵتي:

 ما بين باب المراد وباب الدروازة وأبوابها اﻷخريات، سنوات من العشق وضروب من اللوعة واﻷسى وبينهما أيام وليال لا تخلو من المسرة وإن على خجل. فَلَكَمْ جالها صاحب السيرة في صباه جيئة وذهابا، وَكمْ تخبَّرَ درابينها وناسها، وَكمْ من مرة دخل المقام الذي تحتضنه مدينته الكاظمية وطاف حضرتيها بجلال وخشوع، حتى أختزِنَتْ في ذاكرته لتمسي رصيدا ثمينا،سيهتدي اليه كلما داعبه الهوى وهام في رجعه، واﻷهم أن يكون شفيعه في قادم اﻷيام.

توقف هنا حيث محل بيع الزهور، إستنشق شيء  من عطرها فهالته ألوانها ومظهر بائعها الخمسيني الشديد اﻷناقة، حيث إتخذ من الرصيف الملاصق لمحله متاهة للتأمل والراحة، قاطعا بدراية منه أو دونها طريق السابلة، محاولا بعد يأسٍ وتردد وحياء إستعادة ما فاته من عذب الكلام وأرقَّهُ، يوم كان يغازل هذه ويداعب تلك أو يرمي قبلة حتى وإن ضلَّت طريقها. متطلعا بالمقبلة وأكثر منها بالمدبرة: آه كم هو مغرٍ شكل العباءة حين تنتصف غرة النسوة والصبايا.

ذهب بك العمر يا فلان، قالها بحسرة في سرِّه، ساحبا نفسا عميقا من سيكارته التي كادت أن تحرق سبابة يساره والوسطى، ليدخل محله مسرعا بعد أن باغته أحدهم، طالبا منه باقة ورد، زاهية بألوان الطيف، تفوح منها رائحة المسك. أرادها أيضا وهذا اﻷهم أن تليق بمن ستكون قرينة قلبه في غضون شهر من اﻵن، بعد أن حسم أمره، تاركا ورائه إرثا وهمّاً ثقيلين، عدا عن سنوات من الجري والصبر والإنتظار .....حتى حانت الساعة أو قيامها وليستقرَّ القمر أخيرا بين يديه.

لولا إنشغال صاحب محل الزهور بزبون آخر، لكان عاشقنا الولهان قد شكا وكشفَ له سرّه وما لاقاه وما كابده. فَمثلا أمر الإنزواء والتفرد بمعشوقته كان يُعَدَّ ضربا من  الخيال والوهم والمستحيل، حتى أوشكا هو وحبيبته على أثرها الفراق سبيلا، غير أنَّ ضربات قلبيهما التي ما إنفكت توجعهما كل يوم بل كل ساعة، هي التي حالت بينهما وبين إتخاذ القرار المرّ. عمّا أحدثك يا صاحب الزهور، عن رهط  من اﻷبناء واﻷقرباء وهم يحيطون بنا أينما إخترنا خلوة للتناغم والكلام الحلو ! أم عن لوعة غياب لسبع ليالٍ ونهارات مثلها! أم عن سفر بعيد، باغت حبيبتي مرة وباغتني مرتين.

تأمل طويلا باقة الورد التي باتت بين يديه: أنها حقا تليق بمعشوقتي دون غيرها. قالها بزهو وبصوت مسموع حتى لفت إنتباه بعض المارة. وقال أيضا: لا زال في الوقت متسع، فالساعة اﻵن لم تبلغ بعد الخامسة عصرا ولا بأس من إستراحة قصيرة حتى مجيءصديقي الذي سيرافقني وجهتي. لذا ولتزجية الوقت الفائض قرر حامل الورد التوجه صوب باب القبلة حيث مقهى محمد علي الكاظمي. وفي الطريق الى هناك لاح له من بعيد روادها وكان بها من الكثرة ما ضاقت بهم أرائكها، ولاح له أيضا علي الوردي بحضوره البهي ومسبحته وسدارته الفيصيلية ونظارته الطبية التي زادته مهابة ووقارا.

آه أي مصادفة جميلة هذه وكم تمنيتها، فها هو( الوردي) بجسده الطاهر يمشي تبخترا، لعله يتأمل ما يدور من حوله، أو ربما تجده منهمكا وعلى عادته في وجوه المارة وأزيائهم، ذاهبا الى قراءتها بتأنً وروية رغم شدة الزحام. فهذا مثلا وعلى رأيه قادما على أكثر تقدير وأرجحه من البادية الغربية، فلفحة الشمس بادية على وجهه. وذاك الذي يعتمر عقال سميكا، تبدو عليه ملامح ريف العمارة وطيبة أهلها. أمّا تلك المرأة اﻷربعينية العمر، بطولها اﻷهيف ونحافة خصرها وزيّها المديني، فهي  تعود بأصلها إن لم أكن مخطئا الى أرض نينوى، أو ربما تكون من بلاد الشام وقد جاءت لزيارة مَنْ على صلة بها، أو لحضور حفلة عرس ﻷحد اقاربها.

 قال حامل الورد محدثاً نفسه: انها فرصة نادرة. ماذا لو أرجأتَ زيارة أهل حبيبتي وأجَّلتَ مرادي بعض الوقت، وأذهب لتحية (الوردي ) وأقاسمه بعض الهموم! لِمَ لا وهو المعروف عنه ببساطته وبشاشته وطيب سريرته، وهذا ما فعلت. فبعد التحية والسلام والتفاعل السريع بينهما راح (الوردي) يشكو بُعد المسافة بين منطقة سكناه في أعظمية أبو حنيفة النعمان، وبين مقهى الكاظمي الذي إعتاد إرتياده عصر كل يوم. وبين أخذ ورد وإذا بالحديث يجرنا بعيدا حتى إستغرق منا وقتا طويلا. وﻷن في كلامه ما يؤنس الجلسة ويمتّعها، فرحتُ هاديا إياه باقة الورد، ناسياً أو متناسياً الإثنين معا،صاحبي الذي كنت أنتظره، وحبيبتي التي تنتظرني.

 على أرضية من هذا الإرث والبيئة اﻵنفة وما تخللها من أسباب وظروف جاذبة وحاضنة للجمال والموهبة، تشكلت ذائقته الشعرية. انه سيف الدين ولائي، الكاظمي الولادة، العراقي الهوى، البغدادي اﻷصيل. وعنه نقول: هو سيد اﻷغنية البغدادية أو العراقية إن شئتم يوم زهوها وتألقها، وربما تربَّع على عرشها دون أن ينازعه في ذلك أحد. قد يلومني أو لا يروق للبعض قول كهذا، لكن ما حيلتي فلكل أمرئ مما إجتهد نصيب ونصيبي في رأي هذا لا أظنه عاثرا أو مبالغا فيه.

إذن قدرة ولائي على كتابة الشعر الغنائي وبهذا الزخم والقوة، لم تأتِ بعفو خاطر أو محض صدفة، بل هي حصيلة عوامل عديدة، تظافرت في ما بينها لتنتج لنا هذه الموهبة الكبيرة وهذه القامة. ودون أدنى شك كان قد أصغى وبإمعان لسيرة اﻷغنية العراقية ومنذ بدايات القرن الماضي، بالغا أ`على درجات التفاعل معها في فترة الخمسينات واﻷكثر منها في الستينات حيث تساميها. ومذ تلك الفترة بدأ بالتوقف طويلا عند أشهر قيان بغداد ومطربيها وعلى رأسهم قراء المقام العراقي كمحمد القبانجي وحسن خيوكة، وأصغى كذلك لمنيرة الهوزوز وصديقة الملاية وغيرهم.

لم يكتفِ سيف بما لديه، ولابد والحال كذلك من تدعيم وتطوير ما بين يديه من موهبة وصولا لتحقيق حلمه وغايته. فراح مركزا على قراءة الشعر والقريب منه الى قلبه حصرا، مبتدءاً بديوان الحاج زاير بلهجته العامية الجنوبية المحببة، مارا بالعديد من أطوارها، كالحسجة والزهيري واﻷبوذية. وقرأ أيضا من شعر البادية وما حمله من قيم وأعراف ومبادئ سامية. واﻷهم من ذلك قرأ وبإمعان لملا عبود الكرخي ومنه إستمد وعلى ما أزعم ذلك الكمّ الكبير من المفردات واﻷجواء التي يمكن وضعها في خانة اللهجة الوسطى، والتي تُُعدٌ قاسما مشتركا لكل لهجات أهل العراق.

 وبذاك الخزين وذاك الثراء، دخل معترك كتابة اﻷغنية، على الرغم من وجود كتاب كبار في هذا المجال كخزعل مهدي وجبوري النجار. وما إن تجاوز العتبة اﻷولى في مسيرته، حتى تفتحت أمام سيف الدين كل اﻷبواب، وكانت بحق واسعة، رحبة. ولتتراقص من بعدها بين يديه أعذب الكلمات وأكثرها شيوعا وتقبلا وألفة. انه وبإختصار شديد، قد شرب بل قُلْ إحتسى عصارة خزين شعري هائل، بعاميته وفصحاه، بعد أن سقاها بكؤوس من أثير وتأمل.

إذن يمكن القول بأنه إخترق اﻷغنية البغدادية وبكلمات سيطرب لها المتلقي وبصرف النظر عن طبقته وفئته الإجتماعية. فسيف في كتابته وإنتقاء مفرداته كان كما الموحد والجامع بين مختلف اللهجات. وتأكيدا على هذا الرأي ستجد أغانيه حاضرة في كل مناسبة سعيدة ومحفل، فما من عرس عراقي الاّ وتكون أغنية سمر سمر حاضرة، بل هي خير ما يُفتتح به المقام حتى تحولت الى أيقونة خالدة، حُفِرَتْ  في ذاكرة العراقيين.

وإذا أردنا أن نحصي عدد اﻷغاني التي كتبها سيف الدين ولائي فهي كثيرة بل كثيرة جدا وربما بلغت اﻷلف. ومن بين تلك اﻷغاني على سبيل المثال والتي لاقت رواجا ملفتاً، أغنية هذا الحلو كاتلني يا عمة وأغنية  خالة شكو والله الله من عيونك والردته سويته وادلل عليَّ ادلل وجيرانكم يا أهل الدنيا وغيرها. وإذا نظرنا بعين فاحصة فسنجد كلمات هذه اﻷغاني تدور بجلها حول العائلة والبيت والحنين والعشق وكذلك ألم الفراق.

واللافت للنظر أيضا أن معظم الملحنين المعروفين آنذاك وممن كانت لهم بصمة واضحة في الغناء العراقي واﻷغنية البغدادية على وجه الخصوص، قد تعاملوا وتفاعلوا مع الشاعر سيف الدين ولائي ومنذ بدايات رحلته في هذا الفن وبحماس شديد، لتجد أشعاره وقد طافت سماء بلاده ودخلت أغلب البيوت العراقية، لتغنّى على نغمات من مقام الصبا والحجاز والسيكاه وغيرها. ومن أبرز هؤلاء الملحنين كبيرهم أحمد الخليل وكذلك ناظم نعيم ومحمد نوشي وخزعل مهدي. أما عن أبرز اﻷصوات النسائية التي غنت من كلمات الشاعر طيب الذكر، فستحضر هنا مجموعة ليست بالقليلة من اﻷصوات، وفي مقدمتهم الفنانة مائدة نزهت، كذلك لميعة توفيق وزهور حسين وأحلام وهبي وصبيحة ابراهيم وسليمة مراد. ومن اﻷصوات الرجالية التي تعامل معها شاعرنا، فاضل عواد وفاضل رشيد وياس خضر وعباس البصري والقائمة تطول.

وإذا كان لنا من حديث عن التلحين وأكثر من تعامل معهم شاعرنا ورافق رحلته الفنية، فسيحضر هنا أسم الملحن الكبير الراحل رضا علي. وأكاد اجزم بأن العدد اﻷكبر من أغاني شاعرنا طيب الذكر والمناسبة، كان قد لحنها هذا الفنان، ومن بينها تلك التي لا زالت تتردد على ألسنة العراقيين.

وما دمنا نتحدث عن اﻷغنية وشاعرها، فإنَّ أركانها  لا تكتمل الاّ بظلعها الثالث، وأي ظلع هذا إن لم تكن صاحبته فاتنة بغداد عفيفة إسكندر، وليس من فاتنة سواها، إذ كان لها النصيب اﻷكبر والقدح المعلى من أشعار سيف الدين ولائي، ومن ألحان رضا علي.

وﻷن أشعاره تحمل من الرقة والعذوبة ما تفوق الخيال وتطرب لها النفوس وتطيب، فقد عَبَرت أغانيه حدود بلاده لتصل دول المشرق العربي، ولتنافس كبار الكتاب العرب في هذا المجال. وإذا كان لنا من أن نستذكر بعض اﻷسماء من المطربين والمطربات من الذين غنّوا من كلمات شاعرنا، فستكون السيدة نرجس شوقي في مقدمتهم وكذلك الفنانة الكبيرة فائزة أحمد ورائعتها خي لا تسد الباب خي بوجه اﻷحباب واغنية ما يكفي دمع العين يا بويه. وأيضا لا ننسى المطربة راويه ونهاوند وأغنيتها يبا يابا اشلون عيون عندك يابه. من جديد نقول: إنّا نتحدث عن الشاعر الكبير سيف الدين ولائي.

......................

في إحدى سنوات القحط وإندلاع الحرب التي أكلت وحرقت ولمّا تشبع. في سنة 1980، سيجد سيف الدين ولائي نفسه حائراً بين التيه والدهشة، فالمكان ليس مكانه واﻷهل ليسوا بأهله، ومقهى محمد علي الكاظمي بات بعيدا، بعيدا جداَ. في جوٍّ كهذا، راح شاعرنا يتلفت في كل الإتجاهات عمَّن يدله على (شريعة النواب) وعن البلاّمة ومساءات دجلة الخير، وعن سوق حماده ورفيق مسيرته رضا علي. وعمَّن يدله على إحدى بوابات مدينته التي تركها هناك كي يستجير بها، وعن جهة القلب، عن بغداده، ولكن دون جدوى.

وما أن مشى سيف الدين ولائي بضع خطوات حتى وصل مسامعه ومن إحدى مقاهي السيدة زينب، واحدة من أجمل أغانيه وبصوت راويه: أدير العين ما عندي حبايب.... غريبه الدار بس وين الكَرايب. لم يطل به اﻷمر كثيرا، فقد أعلِنَ عن وفاته بتأريخ  25-11-1984وليُدفن هناك في مقبرة الغرباء، ليكتب على قبره: مات شاعرنا كمدا على وطنه. هل سنجد في بلاده التي تغرَّب منها أو غُرِّبَ، شارعا أو زقاقا أو حديقة ورد تحمل إسمه؟ تضم من الزهور أجملها وأعبقها عطرا، كتلك التي أهداها الى علي الوردي يوم التقاه قبل بضعة عقود.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

 

 

 

حميد بن خيبشهي ثورة اتصال يعيشها العالم، وتتراجع فيها قسوة الجغرافيا أمام التحام غير مسبوق بين أبناء آدم في شتى ربوع الأرض، حيث يفتح المرء حسابه على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي ليجد أمامه فرصة ذهبية لتشكيل قائمة تضم مئات، وربما آلاف الأصدقاء، ويؤسس لتعارف كوني لا تؤثر فيه المسافات.

بالمقابل تتزايد الشكاوى من هشاشة العلاقات الإنسانية، ومن روابط الصداقة التي تنحل في ظرف وجيز، وربما لأتفه الأسباب. ونطالع كل يوم عشرات التدوينات والتغريدات التي تتأوه من ضربة صديق، أو جفاء صديقة. وكما هائلا من الانفعالات التي تتحدث عن غدر الخلان، وإيثار العزلة على صاحب لا يرعى المودة، وتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب!

 هل يصح أن نسمي كل علاقة بنيت على التجاوب والارتياح النسبي صداقة؟

وكيف يمكن الوثوق بمشاعر افتراضية لم تتعرض لخبرات الواقع؟

أليس لزاما على المرء أن يتقبل الصداقة بكل ما يتخللها من مظاهر الضعف الإنساني، أم هو السعي الزائف خلف أنموذج للكمال؟

عديدة هي الأسئلة التي تكتنف هذا الموضوع بالنظر إلى تمثلات الأفراد حول الصداقة و الصديق. وبالتالي لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال تقريب ماهية الصداقة، والأبعاد الأساسية التي تميزها عن سائر العلاقات الاجتماعية. ولست هنا أعرض للمسألة من داخل دائرة البحث العلمي أو الفلسفي، أي من منظور علم النفس أو الاجتماع، أو حتى النظرية الأخلاقية كما عرضها الفلاسفة، وإنما أستجدي خبرات مبثوثة في بعض المصنفات، حيث يمتزج الانطباع والتأمل بتجارب شخصية، ترسم الإطار المحدد للصداقة الحقة، باعتبارها قيمة مركزية مترسخة في صلب الطبيعة البشرية.

في مشهد من مشاهد الحسرة المؤلمة التي تنتاب أهل النار يوم القيامة، يكتسب الصديق الحميم مكانة مميزة توحي بأهمية تلك الرابطة الاجتماعية. يقول سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فمالنا من شافعين. ولا صديق حميم﴾[96-101]. أما الصديق، يقول الزمخشري في معرضه تفسيره، فهو الصادق في ودادك، الذي يُهمه ما يُهمك، والحميم هو القريب الذي يُحزنه ما يُحزنك، فكأنه استوى في الحرقة مع أصل الحميم الذي هو الماء الحار.

إن رابطة بهذه الأهمية يجدر بالعاقل أن يسعى لتأسيسها والحفاظ عليها، ويصونها من تقلبات النفس والدهر. لكن الأمر رهين أولا بإدراك ماهية الصداقة، والأسس التي تنهض عليها بمعزل عن باقي العلاقات الأخرى سريعة الذوبان ! إننا إزاء حاجة أساسية تمثل برأي ميشيل مِتياس أرقى أنماط الحياة الاجتماعية، والشرط الذي لا يمكن الاستغناء عنه للتطور الإنساني، بل يمكن أن نذهب مع مونتين إلى القول بأنها ذروة كمال الحياة الإنسانية.

تنشأ الصداقة في نسيج الفرد كميل طبيعي، لا تستحق الحياة أن تعاش بدونه على حد تعبير الفيلسوف ديموقريطس. فما إن يولد المرء في هذا العالم حتى يشعر بمسيس الحاجة إلى روابط تحقق له البهجة، وتُمده بالسند المعنوي والحافز للعمل والنجاح. تحقق الأسرة نصيبا من ذلك بحسب الإمكانات، قبل أن تبدأ رحلة البحث عن المشاركة الوجدانية، وقدر من التشابه مع الآخرين. وخلال المدى الذي تستغرقه التجربة الإنسانية ينبثق التساؤل حول محددات الصداقة الحقيقية وتجلياتها، ومؤشرات التوافق التي يمكن من خلالها ضبط شبكة العلاقات الاجتماعية لتمييز الصديق الحميم عن غيره من الأدعياء.

أجمل توصيف للقرب الوجداني الذي تنطوي عليه الصداقة هو مقولة أرسطو حين سئل: من الصديق؟ فأجاب: إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك! فالخصائص المشتركة، والقرب الوجداني، بالإضافة على عامل الثقة، كل هذي العناصر تسهم في تحقيق التوحد الذي يفضي في النهاية إلى الوحدة؛ أو كما قال الأعرابي لصديق: كن ببعضك لي حتى أكون بكلي لك!

ومن محدداتها أيضا تلقائية التفاعل، وشعور كل منهما بأنه على طبيعته، ولا يحتاج إلى تنميق خطابه وتصرفاته. وهي تتولد عن فهم كل طرف لشخصية الآخر وتفضيلاته ودوافعه. بمعنى أن تتجاوز الصداقة الحقيقية كل المواضعات الاجتماعية التي ألف الناس من خلالها تزييف حضورهم وسلوكهم تماشيا مع المظهر العام. وهذا المحدد رصده يحيى بن معاذ فأجاد التعبير عنه بقوله : بئس الصديق صديق تحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديق تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديق يُلجئك إلى الاعتذار !

يبدو المطلب صعبا وربما عسير المنال، لذا تتردد في أدبيات المكتبة العربية أقوال مأثورة، تغذي الانطباع باستحالة العثور على صديق حميم، أو النجاح في تشكيل صداقة حقيقية تتحمل نوائب الدهر. فينسب إلى روح بن زنباع قوله لما سئل عن الصديق: هو لفظ بلا معنى، أي شيء عزيز حتى كأنه غير موجود.

ولحكيم حين سئل: أي الناس أطول سفرا؟ قال: من سافر في طلب صديق.

وآخر أمضى عشرين سنة يطلب صديقا إذا غضب لم يقل إلا الحق، فما وجده !

وهذا أبو حيان التوحيدي يهزأ ممن يثني على صديق بالخير فيقول:" وأما الذي قال في أصدقائه وجلسائه الخير، وأثنى عليهم بالجميل، ووصف جده بهم، ودل على محبته لهم فغريب!" وقس على ذلك أمثلة عديدة، تغذي السوداوية والكآبة في مئات الخواطر و التدوينات المبثوثة في مواقع التواصل تحت وطأة الانفعال وسوء التقدير.

يلعب عنصر الزمن دورا مهما في تشكيل الصداقة الحقة. فإلى جانب القرب الوجداني و الخصائص المشتركة، وغيرها من السمات الواردة آنفا، يتطلب الأمر هزات وتجارب مؤلمة في الغالب، تسهم إما في تمتين الرابطة أو تفكيكها. وغالبا ما يكون سبب انحلال الرابطة هو المنفعة والمصلحة، أو اللذة العارضة، في حين أن استمرارها رهين بقدر من التضحية والعطاء والتحمل؛ لذا حين سمع ابن عطاء رجلا يقول: أنا في طلب صديق منذ ثلاثين سنة فلا أجده، قال له: لعلك في طلب صديق تأخذ منه شيئا، ولو طلبت صديقا تعطيه شيئا لوجدت!

يُخلّ الناس بواجبات الصداقة، إما عن جهل بها أو تقليل من أهميتها. ولمّا تنفك الرابطة يُلقون بالتبعة على الزمان وفساد الحال. وأهم تلك الواجبات التي توحي بأنها وليدة تجربة شخصية وتأمل في طباع الناس: كتمان الأسرار، والمواساة في الشدائد، والنصح و المعاتبة، ثم احتمال العيوب التي لا يخلو منها بشر.

إن ما يحدث من اشتباك إنساني، في الحياة اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن يندرج دائما تحت مسمى الصداقة. فالرغبة في اكتساب قبول الآخرين تدفع المرء للمسايرة، والمبالغة في إرضائهم ولو على حساب القناعات والمبادئ. وهنا يتبدد جوهر الصداقة الحقة أمام صيغ المجاملة الزائدة، والتملق، وتداول عملات زائفة في سوق القيم!

ما أحسن قول بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكّرك برؤيته ربك، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا !  

 

حميد بن خيبش

  

 

علي سيف الرعينيأن بلوغ الهدف مرهون بقوة العزيمة وثبات الإرادة وعدم الوقوف بحسرة عند أول الطريق وبالتالي يصبح الاهتداء إلى الأمل هو الوسيلة المثلى.. وباعتباره مصدر قوة تدفعنا إلى الأمام.

 انه الكفيل والحافز الذي يعطينا حب الإصرار والاستمرار ويبعث فينا مزيداً من العطاء والاقبال والرضى.. كما ان الأمل يعد الوقود الذي يزودنا الطاقة في الحركة والنهوض ومواجهة الحياة بيقين النصو بل ويضع النهاية نصراً وفوزاً وان لم تكن قد أتت وهذا بحد ذاته يمنحنا السير بخطى واثقة ومتتابعة.. وباعتبار أن الأمل جزء من النجاح إذ أن فقدان الأمل يعني تصحر النفس وتقريب للفشل وبالتالي فالنتيجة تأتي عكسية وسلبية أيضاً لكن يختلف الحال عندما يكون شعورنا بالتفاؤل والأمل لابد أننا سنحظى بالنجاح أيضاً حتى وان لم يحالفنا الحظ في بلوغ مانتمناه في المرة الأولى وما زلنا متمسكين بروح التفاؤل فذلك سيجعلنا نعيد المحاولة في تخطي درجات الصعود إلى الأعلى إلى نيل الهدف المنشود.

وعلاوة على كل ذلك يبقى الأمل سفيرنا إلى آفاق رحبة تتجلى فيها جوانب النجاح المتعددة في حياتنا اليومية الوقوع في شباك اليأس والتذمر من الواقع مسألة تولد الكثير من التعاسة

ان النظرة إلى الواقع بنظرة سوداوية بلا شك تجعلنا محبطين دائماً وبالتالي فإن الأشخاص الذين يسوقون مكاييل الشتائم على الوضع ويلعنون الواقع دائماً ماتجدهم يشكون الظروف والأحوال السيئة وأنها لم تفرج وتقرأ في عيونهم اليأس والتعاسة وكأنهم يعيشون مأساة متواصلة هؤلاء الأشخاص هم من يصنعون لأفسهم واقعاً كئيباً ويتخلون عن الأمل والتفاؤل الذي بدوره سيغير من سلوكهم وسيعيشون كما يعيش الآخرون ومن الأجدر بهم أن يجدوا في مساعيهم في التفاني وحب الخير للجميع والرضى والقبول ليتولد لديهم القناعة واليقين من أن الواقع وحالنا أحين بكثير وعند إحساسهم بذلك ستنجلي المة وحينها سيعرفون من أن الحاضر والمستقبل سنصنعه نحن بقدرما نمتلكه من عزيمة وارادة وأمل وتفاؤل.. وبالتالي ان الأمل والتفاؤل ضرورة حتمية في حين أنه عامل مساعد لبهجة الانسان في ظروف الحياة وتقلبات الأحوال فهو المعين على التغلب على فواجع الأيام وفي الحقيقة أن بعض الأشخاص يعيشون أزمة التخبط في دائرة التشاؤم والاحباط ودائماً يطلبون في الزوايا المظلمة ويتكهنون بل ويؤكدون لأنفسهم أن ما سيأتي هلاك وأن القادم موت محقق في حين أن ذلك كله لا سبيل له إلى الحقيقة انما هي دعوة جهل من قلوب مظلمة.. ودعوتي لهم أن يعيشوا الأمل والتفاؤل

معان ومدلولات..

 الأمل كلمة ذات معان ومدلولات تقودنا دائماً إلى التفاني وحب الآخرين كما أنه من أسباب جلب السعادة والبشرى في حياتنا إذ أن الأمل باب تدخل منه السعادة لتطرب نفوسنا وتجعلنا في أحسن الأحوال بل قد نصل مع الأمل إلى القمة في النجاح.

كما ان الأمل مقرون بالعزيمة والارادة لدى الانسان فرذا فقده سيكون ذلك بلاشك فقدانه إلى العزيمة وفيما أن الخضوع لتداعيات الإحباط والتذمر هزيمة تسكن في النفس قبل معرفة النتائج وبالتالي فإنه من الصواب أن نتمسك بالأمل كعنوان بارز في حياتنا العملية لتحقيق أهدافنا المرجوة أيضاً يستحسن أن ندير أعمالنا ومهامنا والأمل يكسونا ويغمرنا التفاؤل في كل اللحظات بعيداً عن التذمر والندم وإطالة الشكوى لابد أن نعمل ونواصل ونستمر ضاربين عرض الحائط بكل ما يكدر حياتنا من عوامل الاحباط واليأس اللاتي دائماً ماتقودنا إلى الهاوية.. ولولا الأمل لداهمنا الضنك والقلق قبل أن نرى صباح الغد انه السعادة التي نعيشها كل لحظة وهو النظارة التي من خلالها يظهر جمال الحياة واشراقة المستقبل.. انه المركب الذي نأوي إليه كل ليلة لنفيق في اشراقة كل يوم جديد.. لحظات فرح وبشرى بأن كل شيء سيبدوا جميلاً وسيصبح أحسن وأفضل فهو يمنحنا الاستدلال بأن الغد خير من الأمس وأن الحاضر أكثر اشراقاً من تعاسة الماضي.

كلمة مضيئة..

هي كلمة مضيئة بدايتها الرس ونهايتها نضع ثماره الأمل هو كل شيء نحلم به.. يكون قريب.  عن أعيننا فنحن الشباب لدينا أمل وطموح وخيال يوصلنا أحياناً خيالنا إلى خارج الواقع المعاش نعم ان الأمل هو الضوء الذي ننتظره كلنا وهو الكنز الذي .ننتظره نحن الشباب هو الجوهرة الثمينة التي لا ندري كيف. نحصل.عليها ان الأمل هو الجائزة الدنيوية التي تصل بنا إلى سفينة الشاطذ الذي تتوقف فيه موجات الأمل وآهات الحاضر وبالأمل نصل إلى كل ما نبتغيه من الحياة وبه نحييا ونعيش على انتظاره وبالأمس نعيش حياة استقرار وتفاؤل بالحاضر المقبل إلينا المحمل ببواخر من الهناء.. لا حياة بدون أمل ولا أمل بدون حب .. الحب هو جزء من الأمل لأنه لا يمكن أن يكون أمل بدونه لأنه هو مركز من مراكز الأمل الذي نحلم به .. الأمل هو المستقبل الواعد اذا كان أملنا هو أمل واقع لا أمل خيالي لا نستطيع الوصول إليه فإن أملنا لابد أن يكون أمل واقع نستطيع الوصول إلى.  حياة مستقرة لا تفكك ولا نزاع ولا قتل ولا تدمير لا هتك ولا تفجير .. نحن الشباب نريد تحقيق كل الآمال ولكن لا نستطيع بسبب عدم وعي المواطنين وحاجة ولاة الأمر.

نأمل ونطمح بأن تكون هناك حياة استقرار وحب وتفاهم ومن هذا الجانب فإن ولاة الأمورلا يستطيعون أن يقفوا معنا إلى نهاية المطاف مثل إكمال الدراسة الجامعية وبعدها المطالبة بدرجة وظيفية فمن هناينتهي الأمل ولن نستطيع تحقيقه فالأمل هو الغاية والهدف في مستقبلك الواعد بالخير فالأمل هو الحلية الثمينة التي تعلقها في ضدرك أيها الشاب ولكن يبقى القول اننا لن نفقد الأمل تماماً من حياتنا وخصوصاً أن الواقع اليوم يبشر بكل ماهو خير فالأمل سيظل خيطاً يهدينا إلى النجاح وحافزاً قوياً يدفعنا إلى التقدم .. وطالما ونحن متمسكون بالأمل لا تثنينا الصعوبات والمعوقات عن تحقيق طموحنا وأهدافنا في الحياة واننا على يقين من أننا اليوم نعيش أحسن حال وهذا ما يجعلنا أكثر أملاً بالمستقبل الواعدبالخير والأفضل.

 

علي سيف الرعيني

 

حسين يوسف الزويد(لا أدري هل هي قصة قصيرة أم مقال لكني فقط أقول أنها ليست كلمات من نسج الخيال وإنما هي حقائق.)

في عصر يوم ربيعي مشمس وجميل، وما أحلا الربيع في مدينة الموصل الحدباء، كنت يومها طالباً في المرحلة الثالثة من الدراسة في قسم المدني / كلية الهندسة.. أقول في عصر ذلك اليوم وبعد انتهاء المحاضرات وتناول الغداء نزلت بالباصات من المجموعة الى منطقة باب الطوب قاصداً شارع الدواسة تحديداً والذي كان حينها من أهم وأجمل الأسواق التجارية في المدينة خصوصاً للملابس والأحذية كما كان عامراً بدور السينما والمطاعم الفاخرة... أمضيت بعض الوقت في شارع الدواسة وكان أن اشتريت قميصاً من أحد المحلات ثم عدت ادراجي قبل الغروب وبالباصات أيضاً الى منطقة المجموعة قاصداً القسم الداخلي حيث كانت الأقسام التي يسكنها طلبة كلية الهندسة داخل الحرم الجامعي.

دخلت غرفتي في القسم الداخلي وبعد استراحة بسيطة فتحت العلبة الكارتونية واخرجت منها القميص والمعروف أن القميص مثبت بالدبابيس على ورقة من المقوى داخل العلبة وبعد انتزاع الدبابيس ولسبب لا أعرفه وضعت ورقة المقوى داخل دفتر ملاحظاتي الخاص بمادة المواصلات (Transportation) ربما لأن ذلك الدفتر كان قريباً مني لحظتها.

في اليوم التالي عصراً وفي نفس الأجواء الربيعية الرائعة كنا نستعد  لامتحان الفصل الثاني لمادة  (Transportation) وكان يدرسنا تلك المادة الأستاذ الدكتور عبد البر قاسم الجليلي (رحمه الله) وصادف أن اتفقت مع الزميل والأخ العزيز احمد طيبان احمد العبيدي وهو من أهالي منطقة النمرود ويعمل حاليا رئيس مهندسين في ديوان محافظة نينوى والأخ والزميل إبراهيم رمضان احمد الجبوري وهو من أهالي قرية الموالي وتقع بعد الطريق المتفرع من سوق المعاش في مدينة الموصل باتجاه تل عبطة وهو مقيم حالياً في دولة الامارات العربية، وكاتب هذه السطور  حسين يوسف الزويد من منطقة الشرقاط جنوب الموصل.

اتفقنا نحن الثلاث على الخروج للمذاكرة استعداداً للامتحان المذكور الى منطقة التلول شمال الأقسام الداخلية لطلبة الهندسة التي تقع داخل الحرم الجامعي. وأخذنا معنا فراشاً بسيطاً كان الجو مشمساً وفي شهر آذار حيث تكثر الأزهار والورود في هذا المكان وخصوصاً زهرة البيبون.

لقد كان من طبعي انا شخصياً أن تكون ملاحظاتي مبعثرة وغير منظمة ومشتتة وقد عرفت السبب في ذلك لاحقاً وبعد تخرجي ففي إحدى اللقاءات دار حديث بيني وبين الأستاذ الدكتور الكاتب والناقد والشاعر والأكاديمي حمد محمود الدوخي المختص باللغة العربية وادابها فقلت له يا دكتور أنني أعاني من ضياع بعض المسودات والمذكرات وغالباً ما تكون مشتتة ومبعثرة فأجابني بالقول هذا شيء طبيعي لأنك شاعر فلو لم تكن مشتتاً ومبعثراً لم تكن شاعراً.

أعود الى جلسة المذاكرة مع زميليَّ أحمد وأبراهيم وطبعاً كان معي دفتر ملاحظات المادة وكان بداخلة ورقة المقوى انفة الذكر بدأنا بالمذاكرة والمناقشة وكالعادة كان دفتري لا يحتوي على المعادلات والاشتقاقات أو فقط يحتوي على نتف غير مترابطة منها وبعد كل جولة مناقشة يتم التوصل الى المعادلة النهائية وبالمناسبة كانت مادة الأمتحان تتعلق بتصاميم الأقواس الأفقية والعمودية بكافة أنواعها بالطرق بالإضافة الى مواد اخرى.

اقول بعد كل نقاش كنت التقط من الزميلين المعادلة النهائية التي تخص كل قوس وحسب نوعه واقوم بتثبيتها على ورقة المقوى وهكذا الى أن امتلأت الورقة بكافة المعادلات.. أوشكت الشمس على الغروب فقررنا العودة الى القسم الداخلي يومها قلت للزميلين أحمد وأبراهيم أن مادة الامتحان اصبحت كلها في هذه الورقة من المقوى فضحكنا وعدنا.

في اليوم الثاني كان الأمتحان وحقيقةً كانت الأسئلة شاملة وهي ثلاث أسئلة :-

السؤال الأول يتضمن تصميم قوس أفقي (horizontal curve) بحيث تتضمن منطقة القوس وجود جسم او شيء على الجانب الأيسر (object) وهنا على المصمم أن يتلاعب بنصف قطر القوس تلافياً للحوادث عند الاجتياز ويعلم ذلك جيداً كل الزملاء الذين اتجهوا بعد التخرج الى العمل في ميدان الطرق والجسور، درجة هذا السؤال كانت (40).

اما السؤال الثاني فكان يتضمن تصميم قوس عمودي (vertical curve) وعليه (40) درجة أيضاً.

أما السؤال الثالث فكان من نمط الاختبار المقالي كما يسمى في طرائق التدريس وهو يتعلق بذكر فوائد الجزرة الوسطية ال(medium) وعليه (20) درجة.

بعد حوالي أسبوع أو أقل أو اكثر ظهرت نتائج ذلك الأمتحان. وبعد أن اعتلى الأستاذ المرحوم عبد البر قاسم الجليلي المنصة حاملاً معه اوراقنا الامتحانية وقبل ان يبدأ بتوزيع الأوراق علينا أخبرنا بأنه لا يجوز الاعتراض على الدرجة إطلاقاً.

تم توزيع الأوراق وكانت نتيجة الزميل أحمد طيبان فوق ال (60 من مئة) أما الزميل إبراهيم رمضان فكانت درجته فوق ال (70 من مئة) وانا كانت درجتي (80 من مئة) قلبت ورقتي فوجدت فيها درجة السؤال المتعلق بتصميم القوس الأفقي هي (40 من 40) ودرجة السؤال المتعلق بالقوس العمودي هي ( 40 من 40) أيضاً والدرجة المتعلقة بذكر فوائد الجزرة الوسطية هي (20 من 20) أي أن درجتي هي 100‪ من 100‪  وأن ما حصل هو خطأ في جمع درجات الأسئلة، فرفعت يدي معترضاً حاملاً الورقة فقال الدكتور عبد البر لا يجوز الاعتراض كما قلت لكم سابقاً فمشيت باتجاة المنصة وو ضعت ورقتي على المنضدة إمامة فقلت له يا دكتور أنا لا اعترض على الدرجة لكن هناك خطأ في جمع الدرجات من فضلك دقق ذلك وفعلاً راجع جمع الدرجات وقال جملة لا زلت أحفظها

(هذا حق أن الله لا يستحي من الحق) فشطب على درجة (80) وثبت بدلاً عنها  100‪ من 100

و بعد المحاضرة قال لي الزميل أحمد طيبان :- ( البارحة ما كانت عندك المعادلات مكتملة واليوم تأخذ مئة من الان فصاعداً بعد ما نذاكر معك).

 

د. حسين يوسف الزويد

 

 

شاكر فريد حسنمنى عادل ظاهر شاعرة نامية ذات نزعة رومانسية، تحمل عذابات الكلمة وتلجأ للغة البوح وتقتحم الصياغة اللغوية المحلقة وتكتب نصها بوجدانها، وهي ذات خصوصية وبراعة كتابية وفرادة ابداعية تتجلى وتتألق بين فضاءات القصيدة ومقامات الشعر والنثر، ومنذ أن ولجت ميدان الابداع الواسع وأنا أرصدها من بعيد وأترصد قصائدها التي تنشر لها بين حين وآخر في الصحف والمجلات والدوريات الثقافية المحلية، وفي كل مرة اقرأ له نصًا شعريًا أو نثريًا أحس أن وراء هذا النص نبضات وخلجات امرأة عاشقة وحالمة وروحًا معذبة، مرهفة، مصفّاة وصافية تبحث بالتياع عن الحب المفقود والامل الضائع.

وقد صدر لمنى ظاهر أعمال أدبية منها : " شهريار العصر، ليلكيات، طعم التفاح، حكايات جدتي، وأصابع "، وعملها الذي عنونته بـ " أصابع " نص أدبي ابداعي وجداني جميل يعبق بعطر الحب والجمال وشذا الحبق والليلك والريحان، ويجمع بين الشعر والنثر، وهو قصيدة حب آسرة وأخاذة، وضاءة بالألم والوجع والبوح الانساني وتزخر برقة العاطفة وصفاء التودد وحرارة الشوق وتتجلى فيها منى ايما تجلٍ وتخرج عن العادي والمألوف. فتكتب بحميمية ودفء وجرأة وصراحة لم نعهدها في ادبنا، وبلغة تعبيرية وايمانية مشحونة بتجربة العشق وحالة الحب والهوى السرمدي التي تسيطر على عالمها وظمأها لعناق وقبل " من يحيا على قيد الحلم وحافة الواقع"، وتوقها الدائم لمعبودها الساكن في قلبها وروحها الذي اسال شموعه على جسدها، كما تقول، ولا ترتوي كم حبه ابدًا، رغم انه لا يزال في عالم المجهول.

وتتوزع احلام منى ظاهر الانسانية المتوثبة، وزفراتها وآهاتها على مساحة اصابعها وتبدو انسانة جريئة ومتمردة وواثقة، تتحدى التقاليد الاجتماعية السائدة والموروثة وتعبر عن الذات الانسانية المقهورة والمعذبة والمقموعة، وتنقل هموم المرأة وتعلنها بصوت عالٍ وبملء الفم انها كائن بشري لها قلب واحساس وانها تحب وتعشق بقلبها ووجدانها ولا تعرف حدودا ولا قيودا لهذا الحب وانها تذوب وتتعذب وتتألم وتكتوي بنار الوجد ولظى الشوق وحرقة الفؤاد والنوى، وتقدس الحب وتعبده، الحب الذي تتحول فيه الغريزة الى وجدان حيث العطاء والتفاني والذوبان والامتزاج مع الحبيب في روح واحدة وجسد واحد.

واننا نتلمس في "أصابع" جمالية رفيعة تمتلكها شاعريتها الدافئة المتمردة داخل النص وفي الحياة على السواء والقدرة الفائقة على تطويع اللغة ومراودة النص واستخدام مهاراتها اللغوية والابداعية في التجلي الشعري والارتقاء والسمو بكتابتها الشعرية والنثرية الفنية، واستطاعت ان تفجر صورها الوانا زاهية جديدة ومعاني منسابة تجعل لها ظلالا على ظلالها.

إن " أصابع " منى ظاهر تمتاز بالحس الوجداني والطابع الرومانسي الحالم وجيشان العاطفة الثائرة وتوقد النار المستعرة في جوفها واحشائها ونفسها الشفافة الهائمة، كما تمتاز بالحركة الرشيقة والنعومة والطلاوة وقوة العبارة وجزالة اللغة ودقة التعبير وتماسك النص وبناء الهرم الشعري، وهي تغلف عباراتها بالرمز الشفاف وتتكئ على روافع الابداع وتركز على الصورة الفنية شديدة العمق والتنوع وعلى الموسيقى الشعرية والمستوى اللغوية والفني والرؤى المشفوعة بالحلم الوردي، وتبتعد عن التنميق والتصنع وتحفل نصوصها بضروب البديع من استعارات وتشابيه ناصعة وجناس وطباق.

منى ظاهر علامة جديدة في روضة الشعر المحلي، تمسك بتلابيب الدهشة وتغرف من سحر الكلمات وائتلاف المعاني وتغمرك بدفء وانسياب نصوصها وتفرض عليك ابداعها وتلقي بك في هواجس القلق وفضاء التساؤلات والاحلام.

وفي المحصلة، " أصابع " منى ظاهر رشفة عسل للعاشقين والمتيمين وعمل ادبي راقٍ  يحرك الوجدان وينعش العواطف ويستدرج المتلقي ويشرع نوافذ الحلم ويزرع حدائق الحب بأزهار الأمل وفرح العطور والطيوب، باللغة النابضة والمنحوتة والعفوية الجميلة والمضمون الانساني الوجداني والصور المدهشة والعبارات النثرية التي تنم عن احساس مرهف وعذاب انساني وعشق روحاني، لمنى اصدق التحيات والتمنيات، ونحن بانتظار المزيد من العطاء الشعري والنثري الجميل والرهيف.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

علي سيف الرعينيكانت انفاسه تلهث متعب خائف لايدري كيف نجا من الموت

لقد رأى الموت فعلاً

هاهو قميصه ممزق من آثار سقوطه وتدحرجه في الجبل بنطاله ايضا ..تقطع....الدماء تغرق جسده ...الآلام تفتك به ماعاد يدرك موضعا لوجعه..

ظل لبرهة يلاحق انفاسه

لهج لسانه بالحمد والثناء واغمض عينيه في اعياء

أماه....لقد رأيت الموت حقاًكم هو مخيف ذلك الشعور حاول جاهدا ان يستل زفرة من اعماق صدره لكنه تهاوى غارقاً وذابت قبضة يده في الفراغ

اختفت معالم الجدران ....

ثمة اضاءة خافتة اختطفته اليها ....

تراءى له هيجان نسمات الهواء تتسابق اليه تسرق منه شهقة حياة ...وتهديه زفرة انهالت معها ابتسامة فرح

رائحة الدماء فاحت ملتصقة به

انهمرت امطار غزيرة تغسل جسده

تذوق ملوحتها انها ...ليست الا دموع والدته ...

الواقفة بقربه تمسك بأطراف ثيابه وتحاول ان تضم روحه الهاربة منه

تناجي بهمساتها

يااااااااا...الله

لم يدر كم بقى من الوقت مغمىً عليه

انتشل بعضًا من ذاته المغرقة بساعات النشوة

هل انتصرنا؟

كانت اخر كلمة قالها قبل ان يعود الى حديقته الغناء وحلمه المفقود المخضر بحرية وطنه ...يلاحق فراشات السلام ...ويقبل ازهار الحب المتلونة بدماء كثير ..كثير جدا من احرار وابطال ضحوا مثله

وتستمر الحكاية اقصد

وتستمر الحرب والموت في نسج الحكايات

***

كتب/علي سيف الرعيني

 

عبد الله الفيفيالمؤسَّسات الثقافيَّة وإدارة المرحلة

أشرتُ في المساق السابق إلى أنَّ المؤسَّسات الثقافيَّة في ديار (بني عبس) ما فتئت تتخيَّل المجتمع يعيش في العصر العبَّاسي!  وتتصوَّر أنه سيحضر إلى دواوينها، وأنديتها، ومهرجاناتها، زرافاتٍ ووحدانًا، وإلَّا فليس مثقَّفًا من طراز (الجاحظ)، أو (جحظة)، أو حتى (أبي العميثل الأعرابي)!  وهيهات؛ هذا زمنٌ ولَّى بخيره وشَرِّه!

ولولا ذلك لكان من الضروريّ جدًّا تدشين مواقع حيويَّة متجدِّدة لتلك المؤسَّسات على شبكة "الإنترنت"، منذ نهايات القرن الماضي، تبثُّ فعاليَّاتها، و"تؤرشِف" أعمالها، وتسجِّل مسيرتها، وتصل إلى المتلقِّي في أيِّ مكان في العالم، وتقدِّم مادَّةً مرجعيَّةً للباحث والدارس والقارئ والمشاهد، بصفةٍ مستمرَّة، لا موسميَّة.  بحيث يظلُّ موقع تلك المؤسَّسة الثقافيَّة الإنترنتِّيُّ كتابًا مفتوحًا طوال العام والعالَم، وقناةً متدفِّقة، تصل إلى الناس مباشرةً حيثما كانوا.  وهذا لا يكلِّف الكثير. ومَن لا يصدِّق، فليسأل أصغر أطفاله!  بل لو أُخِذ بذلك لكانت تلك المواقع الإلكترونيَّة مصادر معرفةٍ، وإفادةٍ، ومراجعةٍ من قِبَل القائمين على المؤسَّسة أنفسهم؛ لتطويرها والنهوض بمستواها. 

على أن الخَلل يكمن في إدارة الثقافة على نحوٍ عصريٍّ فعَّال، وفي تنظيم فعاليَّاتها بصفةٍ تُراعي تعقيدات الحياة اليوم، وإتاحة تلقِّيها على نطاقٍ واسع، وبأسلوبٍ يواكب المستجدات، بحيث لا يُحرَم كثيرون من متابعة الأنشطة المختلفة والإفادة منها. ذلك الحرمان الذي ينشأ إمَّا لتزامنها، أو لتعارضها مع ظروف المستهدَفين، أو لبُعدهم عن أماكن إقامتها.  كما أنَّ الأخذ بوسائل الإعلام الحديثة تلك كان سيُلغي بعض العجز في فترات البيات الصيفيِّ وغير الصيفيِّ، التي تبدو لدينا خاليةً غالبًا من الحراك الثقافي.

إنَّ الثقافة اليوم لم تعُد: محاضِرًا يُلقِي دُرَره السنيَّة على الجماهير من عُلوِّ منبره، وجماهير تتجشَّم المشاق وتقطع المسافات للتحلَّق حول المحاضِر، قُدِّس سِرُّه!، كي تتلقَّف ما يُلقي عليها، وتهزُّ الرؤوس، وبعضها في سُباتٍ عميق أو في عالَم آخَر!

فشكرًا، (آنسة كرونا)، لقد علَّمتنا، وأدخلتِنا روضة الأطفال في العصر الراهن، ومَن لم يمتثل لإرادة الزمان والمكان والجدول الدراسي، نفيته من الوجود، أو جعلتِه عبرةً لمَن لا يعتبر!

ولكن، مع الأسف، لا ينبغي أن نفرط في التفاؤل.  بدليل أنَّه- كما أشرنا من قَبل- بمجرد فكِّ الحظر الكامل عن التجوال عادت في اليوم التالي حليمةُ البيروقراطيَّةُ الورقيَّةُ إلى عادتها القديمة؛ لأن البيروقراطيَّ الورقيَّ لا يجد لذَّته في الشعور بموقعه الوظيفيِّ إلَّا في التعامل بتلك الطريقة مع الناس.

...  ...  ...

- فَضَحَتْنا مِنْ «كُرونا» نَجْمَـــةٌ؛  ...  فـتَـوارَيْـنــا سَـــماءً ونُـجُـوْمـا!

هَـزَمَـــتْـنـا ذاتُ تــاجٍ حُـــرَّةٌ،  ...  لَـمْ تُـوَقِّرْنـا، زَعِـيْـمًا ، أو هَزِيْـما!

-  لَـمْ تَجِـدْ إِلَّا سُــيُـوْفًـا شُرَّعـًا  ...  مِــلْءَ يُمْناهـا، وإِيْمانـًـا سَــقِيْما!

*  *  *

- قالَ: يا أَعْمَى استَفِقْ!  ما هٰكذا  ...  تُـوْرَدُ الآيـاتُ إِصباحـًا سَدُومـا!

- قُلتُ: يا عَمِّيْ استَفِقْ! ما هٰكذا  ...  تُـوْرَدُ الآيـاتُ إِصباحـًا نَـؤُومـا!

 إِنَّ ضَعْـفَ الطِّـفْـلِ مِـنْ قُـوَّتِـهِ؛  ...  سيَـشِبُّ الطِّـفْـلُ  إِنْسانًا صَمِـيْـما

مـا «كُرونـا»  غَـيْـرُ  إِقْـلاعٍ  إلـى  ...  كَـوْكَـبٍ أَرْقَـى  سَيَـنْداحُ عَـظِيْما

مِنْ جَحِـيْمِ النَّـارِ  تَصْحُـوْ جَـنَّـةٌ  ...  مِلْءَ أَرْدانِ النَّـدَى  شِعْرًا حَكِـيْما!

*  *  *

«كَحَّ» مِنْ قَوْلِـيْ مَـلِـيًّا ، وانْبَرَى:  ...  - أَنا في حَجْرٍ؛ ففارِقْنِـيْ سَلِـيْـما!

»اِبْقَ.. قابِلْنِـي» إذا هُمْ أَفْلَحُــوا،  ...  بَعْدَ «كُوْفِيْدَ«، خُصُوصًا أو عُمُوما!

 

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

شاكر فريد حسنكتاب للمفكر اللبناني كريم مروة

" نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" هو عنوان لكتاب صادر عن دار الساقي في بيروت، لمؤلفه السياسي والمفكر اللبناني كريم مروة، الذي يعد أحد أبرز رموز التيار الماركسي في لبنان والوطن العربي، وأحد قيادات الحزب الشيوعي اللبناني سابقًا. 

الكتاب في 224 صفحة، يتناول واقع اليسار العربي، ويقدم مشروعًا لنهضته بعد الانكسارات والتراجعات الكبرى التي شهدها هذا اليسار، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار التجربة الاشتراكية العالمية، ويطرح جملة من الآراء والأفكار الجديدة التي يراها ضرورية لخروج اليسار من أزمته الراهنة. ويركز على اهمية القراءة والمراجعة النقدية الغير أيديولوجية للمتغيرات والتحولات في الحقبة التاريخية المعاصرة، بهدف استخلاص العبر والاستنتاجات والعناصر الأساسية لليسار أن يستند إليها في تحديد أهدافه ووسائل نضاله وكفاحه.

ويستند كريم مروة في مقاربته إلى تجربته الثرية الطويلة في العمل السياسي والفكري والنضالي، كونه أحد أعلام الفكر الماركسي العربي.

وبغض النظر عن آراء كريم مروة وتطلعاته التي تمثل وتلخص مشروعه الثقافي الفكري السياسي، إلا أنه، وعلى الرغم من الشيخوخة، تواق كروح الشباب إلى إعادة صياغة مشروع التغيير والعمل على ترجمة مفاعيله على الأرض، وما ينقص هذا المشروع هو توحيد الجهود للنهوض من الاوضاع التي تعاني منها البلدان والأقطار العربية.

وهذا الكتاب يستحق القراءة، وهو يعبر بصدق عن افكار كريم مروة والتصورات المستقبلية، وآرائه مطروحة وقابلة للنقاش.

يذكر أن كريم مروة تسلم مناصب قيادية ومسؤوليات حزبية، وبعد استقالته وتقاعده من العمل السياسي اليومي، تفرغ للكتابة، وتتميز كتاباته بالعمق والنظرة الثاقبة وتعتمد على النقد والنقد الذاتي. 

 أنجز وألف العديد من الكتب السياسية والفكرية والنظرية، منها : " البحث عن المستقبل، الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث، كيف نواجه الازمة في حركة التحرر الوطني العربية، الفكر العربي وتحولات العصر، أزمة النظام العربي واشكاليات النهضة، حوار الأيديولوجيات، التجديد في الإسلام كالتجديد في الاشتراكية " وغيرها.

 

كتب : شاكر فريد حسن