محمد صالح الجبوريرسائلي التي اكتبها مع قهوة الصباح، وهي تحمل كلماتي الجميلة وشوقي واحساسي، تلك التي كتبتها بلون شعرك الذهبي، وحبرها من دموع عينيك، رسائلي من طراز خاص ، مطرزة بالوان فساتينك، الوانها متعددة، جميلة، لايفهما غيرك، (الا انت)، تحمل اجمل العطور التي تحبينها، رسائل ممزوجة بالحنين، ومعطرة بشذى الورود، رسائلي تحمل حكايات العيد وافراحه، رسائلي يحملها (الحمام الزاجل)، وهو يعلم انها أمانة، رسائلي تصلك بأسرع وقت، لان الطيور لاتعرف الكذب و الغش والخداع، رسائلي تبحث عنك في كل مكان، رسائلي تحمل أغاني فيروز، في صباح ربيعي مشمس، رسائلي تحمل قصائد قيس، وقصائد جميل، تحمل حب العاشق الولهان الذي اتعبه الزمان والمكان، رسائلي ربيع دائم، وعيون ماء تروي الأرض وتجعلها جنة خضراء تسر الناظرين ، رسائلي رقيقة عذبة طيبة، رسائلي وفاء ومحبة واخلاص، رسائلي صدق ووفاء وعهد وميثاق، هذه رسأئلي التي أبعثها اليك نامي قريرة العين، وأطمئني لأني لااعرف الغدر والخيانة والخداع، مهما طال الزمن الحب شيء مقدس رغم عذاب السنين، وأعلمي ان الأصالة والوفاء والصدق نادر في هذا الزمان ، والايام قادمة و سوف يظهر اليقين.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحافي

 

 

صائب خليلمرت الإنسانية بعصور تغيرت فيها التركيبة الاجتماعية مرات عديدة، فبدأت بالمشاعية حيث كان الجميع يعمل بشكل مشترك من اجل الجميع. بعد ذلك جاءت مرحلة العبودية، ثم مرحلة الاقطاع، لتنتهي بالرأسمالية فالاشتراكية التي تراجعت وحوصرت مؤخراً، رغم انها مازالت تقاوم الاندثار. لكن هذه الانتقالات ليست متساوية في أهميتها، ويمكننا ان نقسمها إلى ثلاث مراحل من الناحية المبدئية. فالعبودية والإقطاعية والرأسمالية يمكن تسميتها بمرحلة واحدة تتميز بالاستغلال الاقتصادي للإنسان. ومن السهولة ان نرى مدى التشابه بين العبودية والإقطاع. فيمكن النظر الى الفلاح كعبد يعمل في الحقل لصالح سيده مقابل حصة ما. كذلك يعمل العامل بالأجر لصالح الرأسمالي. لكننا لا نجد شخصاً يعمل من اجل آخر في المرحلة المشاعية، لماذا؟

ليست القضية أخلاقية أو تعاون انساني، بل هي مسألة اقتصادية بحتة. فأدوات الإنتاج التي كانت متوفرة لذلك الإنسان في ذلك الزمان، لم تكن تتيح للفرد أن ينتج ما يزيد كثيراً عن حاجته للبقاء على قيد الحياة. ولا فائدة من عبد لا ينتج إلا ما يكفي لإدامة حياته. ولكن ما أن تطورت تلك الأدوات والمهارة، واصبح إنتاج الفرد يجعل منه شيئا قابلا للاستغلال، حتى بدأ عصر الاستغلال.

ومرت القرون الطويلة، واخذ الاستغلال اشكالا مختلفة، ولم يتم الاعتراض عليه حتى وصل الانسان الى الأخلاقية التي تتيح له ان يرى حقيقة ان لا افضلية لأحد على أحد، فعاد ليضع علامات الاستفهام ويرى الاستغلال ظلماً مرفوضاً، ويطرح الأسئلة حول النظام الاقتصادي الذي يعتمد عليه وما يسببه من آلام للبشرية.

ماركس بين هذا الظلم بشكل حسابي بسيط واعطاه اسما رياضياً هو: "فائض القيمة". أما جيفاراً فأعطاه الرمز حين قال: "حيثما يكون الظلم، سأكون موجوداً" معلناً ولادة الانسان الذي يشعر بألم المظلوم ويشعر بالمهانة لأي ظلم يسلط على أي شخص، ويبدي الاستعداد التام للسفر إلى حيث يكون هذا المظلوم ليقف معه وكأن الظلم يمسه هو ويجرحه في كرامته.

لم يكن جيفارا أول من شعر بذلك بالتأكيد ولم يكن أول من اعلن تلك المبادئ، لكنه ربما كان اكثر من تفرغ لهذه المهمة النبيلة وارتبط اسمه بها على نطاق العالم. فصارت صورة وجهه دعوة للإنسان بجميع لغات الأرض إلى رفض الظلم، والى الشجاعة اللازمة لذلك، وقد قدم حياته لتكون شهادة صدق على ما كان يقول.

جيفارا.. هدية الارجنتين إلى البشرية.. كان يمكن ان نحتفل بعيد ميلاده التسعين (14\6\1928) لولا عصابات مرتزقة السي آي أي التي اغتالته غدراً. لكنها لم تستطع اغتيال الرمز في نفس البشرية. الرمز الذي يحفزها فتتطلع إلى عالم سعيد يخلو من الاستغلال.

لنحتفل به مع الموسيقى، رغم كل شيء:

https://www.youtube.com/watch?v=-RYQQ518aEo

صائب خليل

 

عبير خالد يحيىلا شك أن المرأة الشاعرة أو المرأة الكاتبة لها في الكتابة الأدبية أسلوبها الذي يميّزها عن الكاتب الرجل أو الشاعر الرجل، وأعتقد أن هذا القول سيثير علي العديد من الآراء المعارضة من الجنسين على حدّ سواء (وقد حدث هذا فعلًا) بادعاء أن الإبداع لا يقف عند حدّ جنس المبدع، وأنا لا أنكر ذلك، لكن أي إبداع؟ هل نستطيع أن نوازي بين رجل يكتب الأدب النسوي وبين المرأة عندما تكتبه؟

والأدب النسوي هو أدبٌ مُختلَفً على ماهيّته- و انقسمت الآراء حوله بين مؤيّد ومعارض، يمكننا أن نقول: "بأنه الأدب الذي يكون فيه النص الإبداعي مرتبطًا بطرح قضية المرأة والدفاع عن حقوقها دون ارتباط بكون الكاتب امرأة"

وبغض النظر عن المؤيدين والمعارضين للمصطلح، من وجهة نظري، مجرّد الجدل في هذا الأمر هو إقرار بموقع ومكانة هذا النوع من الأدب، وترسيمه بسماته العامة، مع مطواعيّته لقبول سمات أخرى يفرضها التغيّر المجتمعي بمقتضى التطوّر المتسارع للعالم المحيط. فأنا مِن مَن يقرّ هذا النوع من الأدب، سواء كتبه ذكر أم أنثى، وأميل إلى معقولية أن الكاتبة الأنثى تكتبه بمصداقية أكبر.

بالعودة إلى ادعاء أن المرأة تنقصها التجربة في كتابتها، أطرح السؤال التالي :

هل كل ما يكتبه الرجل كان عن تجربة شخصية ؟ هل كل من كتب عن المعتقلات و والسجون كان مسجونًا أم معتقلًا ؟ لا أريد أن اذهب بعيدًا جدًا أنا امرأة وكتبت عن المعتقلات شعرًا، وكتبت عن الحرب قصًّا وشعرًا، وأحسب أن معظم شاعرات وكاتبات طروادة نون النسوة قد كتبن في مواضيع كثيرة مشابهة لم تكن أقل إبداعًا مما كتبه الرجل في نفس تلك المواضيع...

ويكفينا أن نعترف أن الأدب هو قليل من الواقع، وكثير من الخيال، فإن كان الواقع هو التجربة فهي بالأساس الجزء الضئيل الذي يمكن الحصول عليه بسهولة بالسؤال والبحث عنه، وما أكثر الألسن التي تحكي، وما أوسع معلومات جوجل وما أثراها! ويبقى للخيال فضاءه الواسع الذي يتنافس فيه الجميع...

وأما الادعاء الثاني، بتمحور شعر المرأة حول الرجل، فلي فيه رأي أتمنى أن تعيه المرأة الشاعرة، خُلقت المرأة من ضلع الرجل، نعم، من داخله هو، فوجب أن تكون هي المركز، ذلك أبدع نزار وغيره عندما تغزّل فيها، لكن لمّا انعكست الآية، وتغزّلت هي بالرجل، بدت انبطاحية ! ولا يليق بها الانبطاح، فهي خُلقت لتتربّع على عرش قلبه، لا لتتمرّغ على أرض الوجد تطلب الوصل وتشكو من هجر الحبيب و التولّه به، هذا يتنافى حقيقة مع بنيتها التي صوّرها الله عليها،

لذلك نجد أن قصائد نزار التي أطلقها بلسان (هي) لم تأتِ بذات الصدق في الشاعرية التي قال بها بقية قصائده بلسانه هو كشاعر رجل، وهذا لا يعني أن المرأة الشاعرة لا تجيد كتابة قصائد الحب، تجيدها جدًا عندما تكتبها بأنفة وعزة وعفة، برمزية بعيدة عن الإسفاف، وصدق ينعكس من الصور الشاعرية بعيدًا عن التصنّع والقولبة البلهاء ...

وتكتب المرأة شعرًا لا يموت عندما تكون حرّة، خارج المدارات التي تتمركز حول مفهوم واحد هو من يناصفها أساسًا، عندما تؤمن أن عليها أن تكون في مكانها اللائق بغض النظر عنه، ليس مطلوبًا منها أن تكون في مواجهته، ولا في إثره، ولا حتى في مجاراته، هي حيث يحتّم عليها النجاح أن تكون، عندها ترى العالم من منظار كبير، ترى كلّ قضاياه و مشكلاته مادةَ كتاباتها، تتقمّص كلّ شخصياته دون وجل، و تكتب برسالة مجتمعية راقية بعيدًا عن الإسفاف...

والأدب النسوي تحديدًا هو ساحتها، إن صالت وجالت فيه لن يجاريها كاتب أو شاعر، لكن دون أن تقصر مداد قلمها عليه فقط، بل لها أن تناوش به في ساحات الأدب كافة لتخطّ به وفيها عملها الخالد.

 

د. عبير خالد يحيي

 

 

ضياء نافعقدّم المرحوم العلّامة طه باقر لنا – نحن العراقيين – ترجمة (كلكامش) قبل عشرات السنين، وارتبط اسم طه باقر منذ   لملحمة ذلك الحين ولحد الان في وعينا باسم بطل تلك الملحمة، والذي كتبه طه باقر هكذا – (كلكامش) بالكاف. تذكرت ذلك وانا اود ان اتحدث عن الكتب الروسية حول هذه الملحمة الفريدة والرائعة في تاريخنا الرافديني وتاريخ البشرية ايضا، واحترت كيف اكتب اسم الملحمة وبطلها، هل اكتبه (بالكاف) كما جاء عند استاذنا طه باقر، ام اكتبه (بالقاف) كما جاء عند استاذ عراقي كبير آخر هو المرحوم عبد الحق فاضل، ام اكتبه (بالجيم) كما استقرت كتابته في معظم المصادر العربية؟ وقررت اخيرا كتابته بالجيم (على وفق اللفظ المصري لحرف الجيم هذا) لانه الاقرب الى كل المصادر العربية والاوربية ايضا، واعتذر لاستاذي عالم الآثار العراقي الكبير طه باقر، والذي يبقى رائدا لنا جميعا في مضمون عمله التاريخي العلمي الكبير ذاك، واعتذر لاستاذنا عبد الحق فاضل، الرائد الكبير الآخر في دنيا الترجمة والفارس في عالم اللغة العربية وآدابها .

ونعود الى جلجامش وملحمته بالروسية . قام الشاعر الروسي غوميليوف بترجمة نص هذه الملحمة عام 1919 عن الفرنسية (انظر مقالتنا بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم)، وغوميليوف هو شاعر ومنظّر روسي كبير أعدمته السلطة السوفيتية عام 1921، وبقيت محاولته الترجمية تلك شاهدا على عبقريته شاعرا ومترجما في تاريخ الادب الروسي، الا ان النقد الادبي الروسي لاحقا لم يتناول طبعا اعمال هذا الشاعر والمترجم بالبحث والدراسة بعد اعدامه، بل وانعكس هذا الموقف سلبا حتى على زوجته الشاعرة آنّا أخماتوفا وابنه الباحث والمؤرخ ليف غوميليوف (ولا مجال هنا للحديث عنهما)، وهكذا بقيت ملحمة جلجامش منسية بترجمته، على الرغم من انها كانت محاولة رائدة في تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية، وبقيت كذلك منسية لحد الان، رغم عودة النقد الادبي الروسي للكتابة عن غوميليوف في روسيا الحديثة، وربما يعود السبب في كون ترجمته ليست كاملة اولا، وثانيا لوجود بعض الاخطاء هنا وهناك وحتى اضافات كتبها غوميليوف نفسه (واشار هو نفسه اليها كي يجعل النص قريبا من القارئ ومفهوما له)، ومن المؤكد ايضا ان السبب يعود ايضا لظهور ترجمة اخرى بالروسية عام 1961 عن الاكدية مباشرة، والتي قام بها دياكونوف وصدرت في كتاب رائع الاخراج مع دراسة لتلك الملحمة وهوامش غنية جدا حولها . ان صدور هذه الترجمة في عام 1961 يعني ايضا، ان الكلام عن غوميليوف كان لا يزال (غير مرغوبا به!) رغم بعض الكتابات هنا وهناك حوله، وهكذا اكتسحت ترجمة دياكونوف عن الاكدية (ان صح التعبير) ترجمة غوميليوف عن الفرنسية، والتي اصبحت الان تمتلك اهمية تاريخية ليس الا باعتبارها اول نص بالروسية للملحمة رغم كونها غير متكاملة كما اشرنا آنفا. هناك اسم آخر في تاريخ ترجمة جلجامش بالروسية وهو شليبكو، الذي انهى ترجمتة للملحمة عام 1920، وكان من المفروض ان تنشر، ولكن ظروف عشرينات السلطة السوفيتية حالت دون ذلك، ولم تظهر هذه الترجمة الا عام 1987، ولم تكن كاملة، وظهرت كاملة عام 1994 ليس الا، وفي كل الاحوال بقيت ترجمة دياكونوف في صدارة كل الترجمات (اعيد طبعها عام 1973) لدرجة، ان معهد الثقافات الشرقية القديمة في جامعة الدراسات الانسانية الحكومية قد أصدر عام 2012 كتابا بعنوان – (محاولة ترميم ترجمة دياكونوف)، وذلك من قبل مجموعة متخصصين في قسم تاريخ وآداب الشرق الاوسط القديم في الجامعة المذكورة، وهي محاولة فريدة في تاريخ نشر الكتب او اعادة طبعها في روسيا، وتدلّ بلا شك على اهمية هذه الترجمة في الاوساط الثقافية الروسية منذ صدورها في الاتحاد السوفيتي آنذاك، ولحد الان في روسيا الاتحادية اليوم .

اما الجديد في هذا المجال، فهو كتاب صدر عام 2015 من تأليف يميليانوف (وهو عالم متخصص في علم السومريات)، وجاء ضمن سلسلة مشهورة جدا من الكتب عنوانها – (حياة العظماء) (الترجمة الحرفية لهذه السلسلة هي – حياة الناس الرائعين، وهي سلسلة كتب بطباعة فخمة وتحتوي على العديد من الصور الملونة، والتي تصدر منذ زمن الاتحاد السوفيتي واستمرت دون انقطاع لحد الان) . يقع كتاب يميليانوف في(358) صفحة من القطع المتوسط، وقد تم طبع (3000) نسخة منه، وجاء باخراج مدهش الجمال ابتداء من غلافه الرائع الذي يحمل ثلاث صور لجلجامش وزقورة اور الخالدة.

لا يمكن بتاتا ايجاز محتوى هذا الكتاب المهم، الا اننا نحاول هنا في ختام عرضنا السريع ان نقدم للقارئ بعض الكلمات التي جاءت في تقديم هذا الكتاب، وهى كما يأتي –

اذا ما وضعنا كل الكتب التي اصدرتها هذه السلسلة، فان كتاب جلجامش يجب ان يحمل الرقم الاول، اذ ان بطل هذا الكتاب هو الاول في مسيرة الانسانية، فهو اول قائد سياسي، واول بطل محارب في المعارك، واول البناة، واول انسان اراد ان يتغلب على مصيره وعلى الموت، واول بطل ثقافي أبقى قصته وسيرته الذاتية للاجيال القادمة ... وما أروع هذه الخلاصة، وما اعمقها !

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

هنالك اجناس ادبية اعتقدنا بانها انقرضت، منها فن المقامة الذي يقوم على فنون كتابية كنا نعتقد كذلك بانها انقرضت كالجناس والطباق والسجع والبديع وسواها من اساليب كتابية قديمة كانت تشكل مساحة واسعة من ادبيات تراثنا القديم . وركن النقاد الى ان فن المقامة اقتصر على عصري الهمذاني والحريري، الذي وصل فيه فن المقامة ذروته كجنس ادبي مستقل لا يشبه الشعر ويختلف عن النثر باستخدامه للمؤثرات التي يشغلها الطباق والسجع والجناس والبديع وسواها، اضافة الى الصوت فهي تعتمد في جزء كبير منها على الاصوات سواء بتبديل الحروف او الحركات الاعرابية او بتقابل الحروف والحركات لتؤدي معان مختلفة تأتلف احيانا وتتناقض في احيان اخرى كما في المقطع الاتي من مقامة حكايات بغدادية "2" :

"فقد نَضَبَتْ أنْهارُنا وجَّفَتْ آبارُنا ويَبُسَتْ اشْجارُنا وأفَلَتْ أقْمارُنا؛ خَيْرُنا إنْحسَرْ وشَرُّنا إنْتَشَرْ؛ مَوارِدُنا تَذْهَبٌ إلى غَيْرِ مَواضِعها وأمْطارُنا تَأتي في غَيْرِ أوانِها؛ فأصْبَحْنا في زَمَنٍ لا يُطيقُنا ولا نُطيقُه؛ وطَقاطيقُنا غَيْرَ طَقاطيقِه؛ طَقاطيقُنا أغاني جَميلةٌ وألحانٌ وطَقاطيقُه ُ إنْفِجاراتٌ وغُبارٌ ودُخانٌ؛ وعلى هذا المِنْوالُ سارَ ويَسيرُ الحالُ"

فن المقامة يقوم على اللعب بالالفاظ والمعاني المتقاربة شكلا والمختلفة معنى واداء، ومثل هذا الفن يحتاج الى قدرة استثنائية ومعرفة واسعة بمعاني المفردات ودلالاتها المعنوية والصوتية لتؤدي فكرة الكاتب او المؤلف او يوصلها الى القاريء بشكل صحيح وعلى قدر من المتعة والفائدة.

نجد في مقامات زاحم جهاد افكار ومعان عصرية او معاصرة في منحى مقاماته ولولا ذلك لظن القاريء بانها تنتمي او من عصر الهمذاني والحريري، ويكاد القاريء لا يعرف غير هذين الاسمين اللامعين في فنون كتابة المقامة ماضيا وحاضرا، ولكن زاحم جهاد استحق بمقاماته المسماة "مقامات بغدادية" التي اصدر منها ثلاث مقامات، استحق الانضمام الى كتاب المقامة الاوائل المجددين بمقاماته الجديدة والمعاصرة بمواضيعها ولغتها .

هنالك مواضيع معاصرة لكن يمكن ان تنطبق على عصور اسلامية عديدة قديمة وحديثة كالحوار التالي الذي يشكو من سوء المسؤولين والحكام، وهذه الشكوى تمتد بعمق في التاريخ العربي والاسلامي لاكثر من 1400 سنة عدا فترات قليلة بهذا التاريخ الطافح بالحكام الجائرين :

"جَعَلْناهُم وُلاةَ أمْرَنا فَجَنَوا خَيْرَنا وشَكَروا غَيْرَنا؛ وَعَدُونا بِالمَنَّ والسَلوى ووَهَبونا الفِتَنَ والبَلْوى؛ فَعادَتْ حواضرنا قُرى وغَدا ماؤُنا قِرى .قلت: ومَنْ هؤلاءْ ؟

قال: أتَحَدَّثُ عَمَنْ يُريدُ أنْ يَعودَ مِنْ جَديدٍ بَعْدَما نَكَثَ بالوُعودِ والعُهودِ مُنْذُ زَمَنٍ لَيْسَ باِلبَعيدِ"

مقامات بغدادية "2"

وهذا هو واقعنا بالفعل الان فمن حكم 15 عاما ما زال متشبثا به ويريد العودة للحكم باستعماله الوسائل والحجج والمكر والعهود والوعود الزائفة عن طريق انتخابات مشكوك بنزاهتها، بالف طريقة وطريقة التوائية .

ما يبذله الشاعر والاديب زاحم جهاد من جهود في اعادة الاعتبار لفن المقامة، جهد كبير لا يضطلع به الا قلة من الادباء لانه يتطلب جهدا مضاعفا بتطويع فنون المقامة الصعبة كالطباق والجناس والبديع والسجع والحوار والقص وغيرها لتستوعب مواضيع معاصرة، سواء كانت ذات منحى سياسي او اجتماعي او لغوي باعتبار ان فن المقامة يقوم بالاساس على اللغة، وما يمكن ان يستخلص منها من تأثيرات صوتية ومعان مختلفة تؤدي الاغراض والمعاني التي يريد ان يوصلها المقاماتي الى القاريء، والمثال الواضح في هذا الصدد : "مقامات بغدادية" . اضافة الى توظيفة للموروث الديني وغبر الديني بطريقة عصرية ممتعة بلغتها ودلالاتها كما في هذا المقطع من مقامة "مِنْ دالِ العُنْقودِ ولآلئ العُقودِ" :

تَحْتَ سَقْفٍ مَرْفوعٍ غَيْرِ مَسْنودٍ؛ وعَلى بِساطٍ غَيْرَ مَزْرودٍ؛ جَزاءٌ مِنَ الحَميدِ الوَدودِ؛ كَما جاءَ في الكِتابِ المَسْرودِ؛ والحَديثِ المَسْنودِ؛ وكَلامِ أَسَدِ الأُسودِ أمامِ الشُّهودِ؛فَكَيْفَ تَتَنَكَرُ الحُشودُ للعُهودِ والوعودِ؟

مقامات بغدادية "1"

جميعها تصور واقع الحال في العراق بشكل واقعي وحقيقي بتطويع فن المقامة، الذي يحتوي على وسائل او فنون كتابية تشد القاريء وتبعد عنه الملل كالطرائف والايحاءات الطريفة والممتعة لمعاني بعض المفردات وجناساتها، لتشكل في النتيجة لوحة فنية باهرة لا تدخل الملل في نفس القاريء، خاصة ان مواضيعها معاصرة تنتقل بين اجواء حقيقية يمر بها المواطن على الصعيد السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي .

الشيء الجديد الذي اضافه المقاماتي والاديب زاحم جهاد مطر لفن المقامة اضفاء الطابع القصصي الحديث على المقامة بتوسيع الحوار والسرد الذي يتخلل المقامة، واهتمامه بالمكان كاحد العناصر الاساسية، وهذه العناصر تدخل في اطار التقنيات القصصية او من مقومات كتابة القصة المعاصرة، اي اننا امام عمل يمزج فن كتابة المقامة باساليبه وشكله التراثي مع استخدام التكنيك والتقنيات الحديثة بكتابة القصة وابرزهما الحوار والسرد اللذين يضفيان على المقامة طابعا ممتعا ومعاصرا، وهذا يدخل في التجديد والريادة بكتابة المقامة اي الحفاظ على اصولها والتجديد بالمضامين واساليب وطرق الكتابة باستخدام التقنيات الحديثة، بحيث يمكن ان نطلق عليها اسم "مقامات معاصرة" لتمييزها عن "المقامة التراثية" التي اشتهرت على يدي الهمذاني والحريري .

لم يكن ذلك متنافرا مع المقامة، فهنالك من يرجع المقامة او اصولها الى الحكواتي، او انها مستمدة منه وتمثل الوجه الاخر للحكواتي، فهذه العناصر ليست دخيلة او متنافرة مع فن المقامة بما فيها الحوار والسرد والقص والمكان والزمان وغيرها من عناصر القصة وتقنيات القص، ولكنها لم تأخذ طابعها المعاصر او ابعادها المعاصر في المقامة التراثية كما يفعل زاحم جهاد،فقد استفاد من جميع هذه العناصر مع المحافظة على اصالة المقامة باستخدامه للبديع والجناس والطباق والسجع التي تشكل البنية الاساسية لفن كتابة المقامة .  

المقامات او النماذج المقاماتية التي قدمها زاحم جهاد مطر لحد الان ذات مستوى رفيع الى حد ما، لا يقل عما وصل اليه فن المقامة في ازهى عصوره كفن كتابي وتراثي ممتع ومفيد، وبذلك فانه اعادة الاعتبار اليه كفن تراثي بعد ان ركن للنسيان لقرون طويلة من خلال توشيحه بمواضيع معاصرة بلغة تتوسط الاعتماد على الجناس والطباق والسجع والبديع التي كادت ان تختص بفن كتابة المقامة وحده، رغم وجودها بكثرة احيانا في العديد من النصوص والخطابات التراثية .

واذا اردنا ان ننقب عن المقاماتية في وقتنا المعاصر نجد ان زاحم جهاد مطر ربما يكون الوحيد بين الادباء، تجاوز حدود كتابة المقامة الى محاولة التجديد في مضامينها واشكالها من كتاب المقامة في عصرنا، كذلك نجد اليازجي الذي استطاع ان يحاكي الهمذاني والحريري بلغته الرصينة، ومعرفته المتشعبة باساليب الجناس والسجع والطباق والبديع، فاستحق ما كتبه بهذا الفن الصعب السهل، ان نطلق عليه اسم مقامة حاضرا وماضيا، تضاهي المقامة التراثية التي عرفت اوانتشرت على يدي الهمذاني والحريري في تراثنا القديم .

 

قيس العذاري    

  

 

احمد فاضلإنها ليست الجُمل فقط التي نقرأها للشواعر وهن يكتبن رواية على الرغم من أننا يمكن أن نقف لنقول:

- أي جُمل ؟

إنها حساسية الكتابة عندما تحول الشواعر أيديهن إلى السرد، فقد تنتمي تلك الأيدي إلى ما يمكن أن نطلق عليها بالملك " ميداس " الذي له القدرة على تحويل أي شيء يلمسه حيث يتم نقل فلسفة الشعر والبراعة فيه إلى النثر السردي كما هو في أغلب كتاباتهن، لقد نشأتُ في قراءة الشعر والمسرحيات لأن ذلك كان في البيت وبمجرد أن أصبحت معتادة على تلك القراءة بدت الرواية وكأنها شيء فضفاض، شاق، لا يمكن الوصول إليها كروايات " نانسي درو " المخيفة، ومع مرور السنوات وجدت طريقي إلى الشكل الجديد أولاً كقارئة وفي وقت لاحق ككاتبة حيث بدأت أرى أن المسافة بين هذين النموذجين لا تحتاج إلى أن تكون شاسعة، وأحياناً ليست كذلك إنها مسألة العثور على الروايات الصحيحة حيث يمكن للروائية أن تشترك في حسّ الشاعرة بالدقة، والكرم، والشعور المائل، والرؤية، والوداعة، والعلاقة مع اللغة، والتصوير، والاستعارة، فهل رواياتهن خيانة لهن على هذا النحو؟ إذا كان الأمر كذلك أعرض هنا لخمسة منهن يعرفهن القارئ لشهرتهن حيث بدأتُ في تجميع قائمة من رواياتهن المعاصرات المفضلة لبعضهن كشواعر، لكن هذا لا يفشل العكس تماما .

جانيت فرام، "صراخ البوم"

رواية مفعمة بالحيوية لا تُنسى ومذهلة، نتابع الرواية مع دافني ويذرز التي تروي كيف عاشت أختها في مستشفى للأمراض العقلية في ثلاثينيات القرن العشرين في نيوزيلندا حيث نجت من أهوال ووحشية موثقة بشكل كبير، الرواية يمكن أن تجعلني أبكي إنها قصيدة نثرية كتبت بأسلوب سردي مثير .

ايريس مردوخ " البحر البحر " 1978

في مجلة "نيويوركر"، تصف لورا ميلر "رواية الشاعرة بأنها " استبطانية "، مليئة بممرات طويلة من الوصف، وقطعة نادرة من السرد الروائي إذا كانت هذه هي معايير رواية الشاعرة مردوخ الحائزة على جائزة مان بوكر، يتوافق مع الصورة النمطية حيث ينتقل الفاعل وهو الشخص المتقاعد إلى المنزل بعد سنوات طويلة قضاها عاملا في البحر متفرغاً للقراءة وتناول الطعام بعد أن أعياه طعام البحر وكتابة المذكرات مما سنجد أنفسنا نضحك مع هذه الشخصية وشخصيات أخرى، هذه الرواية الذكية والمذهلة هي حول من نعتقد أننا في مقابل من نحن، شاعرة مقابل روائية ؟ مردوخ على حد سواء .

سيلفيا بلاث " جرة الجرس " 1963

في كل من شعرها ونثرها صوت بلاث هو مميز مثل إميلي ديكنسون من تركيبتها السردية إلى صورها، من إلحاح روايتها إلى سخرية وصفها، فإن غلاف هذا الكتاب هو خوذة دراجة نارية يضعها القارئ فإن العالم خارج الخوذة يبدأ في الظهور بعيداً، وأقل واقعية، وأقل اقتناع، ومفهوماً، وبالتأكيد أقل احتمالا، "جرة الجرس " هي رحلة في عقل الشاعرة، إنها رواية خطيرة نواجهها .

ديبورا ليفي، " حليب ساخن "

غرق ليفي في التأثير الحداثي الذي ترك آثاره عليها وعلى عملها الأخير " حليب ساخن "، جاء نتيجة لتأثرها بعزرا باوند، ديفيد هربرت لورانس، فرجينيا وولف، جيمس جويس وت . س . إليوت تستكشف من خلالها جوانب غير معتادة من الأمومة قد تصل لدرجة البشاعة أحيانا من خلال علاقة معقدة بين امرأة مسنة تعانى من شلل غامض الأسباب فتصل وابنتها لقرية صغيرة مدفوعتين للبحث عن علاج خارج حدود الطب التقليدى وتنفق الابنة كل ما تملك لعلاج والدتها، وتعانى خلال ذلك من علاقة غريبة وصعبة مع الأم المريضة التى دائما ما تكون غاضبة لحد يقترب بعلاقتهما دائما من حافة الانهيار .

إنها رواية شجاعة حميمية،، غنية بالحواس، أما حواراتها فهي شهادة على مهارات ليفي ككاتبة مسرحية لها رمزيتها، جملها، وحياة شخصياتها الداخلية، ومهاراتها كشاعرة أولا .

كيري هولم، " سكان العظام " 1983

مع هذه الرواية المؤلمة والمروية بغزارة

أسطورية، والمذهلة والمبهجة والمدهشة، كانت كيري هولم أول كاتبة نيوزيلندية تفوز بجائزة مان بوكر وأن كل صفحة فيها أصيلة، موثوقة، خالدة، تنبيهة، حالمة، ترابية، ميتافيزيقية تجعل منها رواية كبيرة حقا، تلخص عالماً واحداً في هذا البلد متعدد القوم مثل أي شيء آخر قرأته، إن تعقيد المناظر الطبيعية، ورفاهية العزلة والظلم، وما زال طابع ما بعد الاستعمار يحمل آثاره السلبية على المكان وقد أصبحت هذه الرواية أكثر وضوحًا الآن من أي وقت مضى، نظراً لأن لحظتنا التاريخية تتصارع مع قضايا الوطنية والتقاليد والتعايش والتسامح، وتقع المسؤولية علينا جميعاً - نحن الشعراء والسياسيين والشعب أيضاً للتعبير بصراحة - .

 

كتابة / الكاتبة الإيرلندية كاولن هيوز *

ترجمة / أحمد فاضل

.................................

* كاولن هيوز كاتبة إيرلندية فازت مجموعتها القصصية " جمع الأدلة " بجائزة Irish Times Shine / Strong، وهي زميلة في مؤسسة جيمس ميريل، مؤسسة بوغلياسكو، ورشة تين هاوس، وحصلت على منحة أدبية، وقد ظهرت أعمالها في عديد الصحف والمجلات الأدبية الرصينة كمجلة " جرانتا " ومجلة " شعر " و Best British Poetry، وغيرها، تقسم وقتها بين هولندا وايرلندا.

عن / مجلة جرانتا الأدبية

 

 

مادونا عسكر"أعتقد أنّ صمت الشّعر والعجز عن كتابته ومأزق الورقة البيضاء هي جميعها جزء من الشّعر نفسه. إنّها النّاحية الخفيّة من الكتابة الشّعريّة. إنّها ما يمكن تسميته ما وراء الشّعر أو ذاكرته الغائبة". (عبده وازن)

صمت الشّاعر الفرنسيّ بول فاليري قرابة الخمسة عشر عاماً قبل أن يكتب قصيدته الطّويلة الرّائعة "بارك الشّابة". ولعلّه صمت قسريّ يخشاه جميع الشّعراء ويشكّل هاجساً حقيقيّاً في حياتهم. ولعلّه شبح العجز الّذي يتراءى لهم كلّما تأكّد أنّ الشّاعر لا يكتب متى يشاء بل ينتظر لحظة وحيٍ تزلزل كيانه وتضرم فيه نار الشّعر فيكتب. قد تكون الفترة الزّمنيّة بين نصّ شعريّ وآخر سنوات، أو أيّاماً أو حتّى ساعات، فهل هو الوحي الّذي يصمت، أم إنّه الشّاعر الّذي ما عاد ينفتح على هذا النّور الموحى به؟ فمن العسير القول إنّ الوحي ينقطع، وذلك لأنّه خيوط نور تتجدّد كالخلق فيكون الإبداع. ومن العسير استحضار النّور عنوةً بهدف كتابة الشّعر. والشّاعر الّذي يصارع ورقته البيضاء لينتصر عليها أتى بنصّ فارغ هشّ فاقد للحياة.

قد يكون مأزق الورقة البيضاء كما يسمّيها الشّاعر الفرنسي مالارميه، هاجس جميع الشّعراء، لكنّه في الحقيقة ليس مأزقاً بقدر ما هو لحظة اتّحاد الوحي بالشّاعر ليكون الاثنان واحداً. فيستحيل الشّاعر هو القصيدة. ولئن كان الشّاعر يتعامل مع هذا الصّمت الشّعريّ كمأزق يضطرب ويخاف من فقدان القدرة على الكتابة الشّعريّة في حين أنّ الشّعر هو الّذي يكتبه وليس العكس. لا بدّ من صمت يفرض نفسه، إنْ على مستوى الوحي أو على مستوى الشّاعر ليتاح للّغة الجديدة أن تولد وتتفجّر من أعماق الشّاعر. فيكون صمت الوحي المتّحد بصمت الشّاعر ذروة الولوج في الشّعر لا أحد يتكلّم ولا أحد يسمع. لحظة تأمّل وارتقاء خالصين إمّا يدخلان الشّاعر في الصّمت النّهائي، وإمّا تولد قصيدة تُنسي ما قبلها ليتجلّى الإبداع خلقاً متجدّداً.

الشّاعر الحقيقيّ لا يكتب ذاته الّتي لا يعرفها يقينيّاً بل ينتفتح على نور الوحي يقطف ومضاته ليكتشف قدراته ويصغي إلى صوته الدّاخليّ، ويتعرّف على ذاته من خلال هذا الوحي. وكلّما تقدّم بالمعرفة ازداد التّأمّل والإصغاء وقد يبلغ هذا الصّمت الكبير الّذي يعتبره مأزقاً في حين أنّه القصيدة الأمّ، القصيدة الحقيقة الّتي هي الشّعر عينه. ومتى استحال الشّاعر لغةً بلغ منتهى العالم الشّعريّ وما عاد بحاجة إلى ورقة بيضاء يسكب فيها ذاته بل احتاج إلى كون أرحب يجسّد فيه هذه اللّغة/ القصيدة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

شاكر فريد حسنيوم أحببتك

داعب قلبي دفء المكان

وطغى سحر حضورك

كأمير قرأته في كتاب

يوم علمتني التحكم بدفة القارب

في مواجهة الأمواج

يوم رقص حولنا المساء

وتبسم لنا القمر

وغازلتنا النجمات

يوم نقر سنونو الزجاج

وطار منتشيا باتجاه الأضواء

ففرت دمعة جوى

فوق ساعديك

فمسحتها وخبأتني بين الاهداب

عندها انكشفت مخاوفي في أول لقاء

فمسحت شعري الطويل

بحفنة حنان

لكني عرفت انذاك

معنى جنة الله في الارواح

عرفت الفردوس في عيون ملاك

صاحبة هذا النص الوجداني الرهيف الشفاف والدافىء، هي ريم أبو ريا ابنة سخنين في الجليل الأشم.

والمربية ريم أبو ريا شاعرة ناعمة ورقيقة تكتب الشعر الحر، ولها حضورها في المشهد الشعري الجديد، تنشر نتاجها الشعري والنثري وخواطرها الأدبية على صفحتها الفيسبوكية، وفي عدد من المواقع الأدبية الالكترونية المحلية والعربية، ولها مشاركات في الأمسيات الشعرية والأدبية.

وكان قد صدر لها مجمع شعري بعنوان " شموخ البيلسان " .

تتنوع مضامين وموضوعات ريم أبو ريا، مما يكسبها رونقًا وجمالًا وبهاءً، ونصوصها مفعمة وممتلئة بالكثير من المشاعر الانسانية الوجدانية والوطنية الصادقة الجياشة.

وفي نصها المنشور أعلاه نجدها شاعرة عاشقة، مجمورة ومكتوية بلهيب العشق، تعبر عن مكنونات القلب، فتخاطب الحبيب وتناجيه، وتحرس حبه بأريج البنفسج وعطره المنثور، فنعيش معها قي أجواء من الرومانسية الحالمة، حيث الحب والشوق والحنان والجوى والاقحوان والنجمات والقمر، ونستشف في كلماتها الكثير من الشفافية والحس المرهف والعاطفة والأناقة المحببة.

كتابة ريم أبو ريا تتميز بتكثيفها اللغوي الشديد، الذي يجعلها تندرج في اطار ما يعرف بقصيدة الومضة أو الفكرة، وهي قصائد غالبًا ما تكون العلاقة مع الآخر/ الرجل هي محور النص، ما يجعل الخطاب موجهًا في الغالب من ضمير الفرد المؤنث/ الشاعرة، الى الآخر/ الرجل، حيث تبثه أشواقها وحنينها وتستعيد معه أجمل لحظات السعادة والفرح، حتى يتحول الى محور عالمها الذي تظل تدور حوله وتستمد منه احساسها الجميل بالحب والأمل.

ويبدو عالم ريم أبو ريا الشعري عالمًا ورديًا زاهرًا تظلله الأحلام، مزركشًا ومرخرفًا بألوان قوس قزح، انه عالم سحري خاص يتميز بنقاوته وجماله ورقته، وهي كزهرة ربيعية يفوح من بوحها رائحة الوفاء والنقاء والبراءة القوية.

ومن نافلة القول، قصيدة ريم أبو ريا تشدنا بعفويتها وأجوائها ولغتها الشعرية البسيطة الخلابة، ولما تتميز به من عدم التصنع في صياغة التعبير، والقدرة على الابحار في نهر المعاني والعبارات، فتنجح في انتقاء المفردة، التي تنساب معها بلا تصنع وبلا نحت متعب للذهن والفكر، ما يجعلها شاعرة جيدة تحث الخطى نحو مستقبل شعري واعد وأخضر.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

خلود البدري.. سفر الذاكرة .

في الإهداء كتب القاص :

" إلى كل من أسعدني، وأيقظ في نفسي طعم الصبا وسحر مذاق

الماضي، ورماني منذ طفولتي إلى ... الحياة

إلى زمن :

عبد الحليم حافظ .ص7

دائما كنت اسأل نفسي كيف كنت أحصل على الكتب ؟

ومن زرع في روحي حب القراءة .. نعم لقد وجدتني أقرأ كل شيء وأي شيء .لا أعلم كيف عشقت القراءة، كنت أقضي الساعات الطوال فيها، كان لا يشغلني شيء عنها، ذاكرتي تحتفظ بذلك. قرأت أمهات الكتب ولا زالت في مكتبتي، لمن تقرع الأجراس، زوربا، الجريمة والعقاب، البؤساء والكثير من الروايات العالمية. كانت كتب جبران خليل جبران معي دائما كالنبي، والمجنون وكنا في مرحلة الشباب الأولى نبحث عن الروايات العربية، ودواوين نزار قباني كديوانه "أحبك أحبك والبقية تأتي ".

وقع في يدي في أحدى المرات كتاب لعبد الستار ناصر "رسائل امرأة عاشقة " بحثت عن رسائل رجل عاشق، أتذكر قرأتهما بشغف، أحببت في هذا الكاتب الروح الرقيقة، الحلم بالسفر ورؤية العالم، الرومانسية العذبة.

قد يسأل أحد ما ويقول: لماذا أكتب هذا اليوم !؟ : اليوم، عادت بي الذاكرة لكل هذا وأنا أطالع المجموعة القصصية التي تحمل عنوان السفر إلى الحب لعبد الستار ناصر، والتي ضمت القصص التالية :النورس في مدريد، خصائص النوافذ، السيد دعبول، أبواب مفتوحة، ثمان قصص قصيرة جدا، السيد، طعم الصبا .

في قصته المعنونه " النورس في مدريد "اخترت مقطعا منها يُظهر رشاقة قلم الكاتب، وحسه المميز في الكتابة ." " كيف لهذا الهاجس ينمو، وأنا في بلد غريب جدا،لا أعرف إنسانا فيه، ولا أفهم حتى هذه اللغة الجميلة الناعمة؟ من ترى يطارد امرأة مثلي، ليس في ملامحها إلا ما يمكن أن ترى في شوارع أسبانيا، بل أدهشني جدا، هذا النفور الأنثوي الطاغي في وجوه النساء، هذه السعة الباذخة في العيون، تسحرني، وأنا امرأة على جانب بسيط من الجمال، كل طفلة وكل صبيّة وكل امرأة تمر حولي،تبهرني، كأني في شارع تتسابق فيه النساء . كنت ألتفت، مرة بعد أخرى،أبحث عن سر هاجسي، أقف فجأة، في منتصف الشارع، أو عند نافورة ماء، أو خلف عمارة أو عند باب سينما، أو قرب مكتبة، أو أحدق في إعلان .. وفي كل مرة، أنظر حولي، خلف ظهري، على يسار يدي علّني أرى هذا الشبح الذي يمرق في عروقي، يشق مساماتي ويدخل أبواب جلدي ..

لكنني أبدا لم أعثر على أحد، أو أثر، أو جواب .. وأهملت البحث عن هذا الكائن الخفّي، وبدأت أبحث عن أسرار هذه المدينة ."

من قصة النورس في مدريد /..عبد الستار ناصر ص42

رجعت بذاكرتي إلى أحدى محطات الحياة، السفر إلى الحب .. إلى صدى الأصوات البعيدة، إلى الشعر من خلال جهاز راديو صغير كان معي انصت إليه في الليل .. لأصوات إذاعية تصدح بقراءة الشعر الفصيح والشعبي،احلق معها حيث العالم الآخر، حيث الخيال الباذخ، لمعلمي الذي عُوقب بعد فوزي بالجائزة الأولى في مسابقة الخطابة، بسبب غيرة زميلاتي في الصف وكيدهن له، أتذكر شخصيته المميزه وأناقته، منذ فترة طويلة أحاول أن أتذكر أسمه، لكني أخفق في ذلك . والسؤال لماذا أتذكر هذه الأشياء الآن هل هو بسبب " السفر إلى الحب " !؟

ضياء نافعتوفي تشيخوف عام 1904، واول تمثال له – وياللغرابة !- تم تدشينه في المانيا عام 1908، وفي المدينة التي توفي فيها، أما في وطنه روسيا، فقد نسوه، بسبب الاحداث الجسام التي مرّت بها روسيا منذ ثورة 1905 ثم الحرب العالمية الاولى 1914 ثم ثورة اكتوبر1917 ثم الحرب الاهلية التي اعقبتها ثم المرحلة السوفيتية الصعبة في العشرينات، وتذكرته روسيا في الثلاثينات، عندما استقر الوضع فيها نسبيا، وهكذا ظهر اول تمثال لتشيخوف في المدينة التي ولد فيها وهي (تاغنروغ) في جنوب روسيا عام 1935، وهو تمثال نصفي تم وضعه امام البيت الذي عاش فيه تشيخوف، وقد حضر في حفل افتتاحه اقاربه، وقصّت شريط افتتاح التمثال اخته مارينا، واندهشت (مع زوجته الفنانة المسرحية اولغا كنيبر- تشيخوفا) من دقة تشابه وتطابق التمثال مع ملامح تشيخوف نفسه . وقد تم استنساخ هذا التمثال بعدئذ في معمل البرونز في مدينة تاغنروغ نفسها، ووضعوا النسخة المستنسخة في ساحة المدينة الرئيسة (الساحة الحمراء)عام 1944، الا انهم أزالوه بعدئذ ووضعوا بدلا عنه تمثالا ضخما لتشيخوف عام 1960 بمناسبة مرور مئة عام على ميلاده، وهو التمثال المركزي (ان صحت التسمية) لتشيخوف في روسيا و لحد الان، وليس من باب الصدفة ابدا، ان سافر الرئيس الروسي آنذاك دميتري مدفيديف خصيصا من العاصمة موسكو الى مدينة تاغنروغ كي يضع باقة ورد عند هذا التمثال، وذلك عندما احتفلت روسيا بذكرى مرور (150) سنة على ميلاد تشيخوف عام 2010، وهو حدث لم يتكرر في تاريخ الادب الروسي ابدا، ولا نرى ان هناك ضرورة للتعليق حول عملية التكريم هذه واهميتها من جانب الدولة الروسية لرجالات الادب والفكر فيها.

التمثال المركزي هذا يقع في مركز مدينة تاغنروغ، ويصوّر تشيخوف جالسا على كرسي وبيده اليمنى كتابا، ويبلغ ارتفاع التمثال اكثر من ثلاثة امتار وارتفاع قاعدته ايضا اكثر من ثلاثة امتار، وتحيطه حديقة غنّاء، وقصة هذا التمثال بدأت عام 1904، اي في سنة وفاة تشيخوف، عندما توجهت مجموعة من وجهاء المدينة بنداء الى مجلس الدوما آنذاك، يطلبون فيه الموافقة على وضع نصب لابن مدينتهم تشيخوف (والتي أصبحت مدينة مشهورة بسببه)، ويعلنون عن تشكيل لجان لجمع التبرعات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع، وقد وافقت السلطات المحلية على هذا الطلب في حينها، وتم جمع تبرعات من اجل تنفيذه، وتم نشر اسماء المتبرعين في الصحف المحلية فعلا، الا ان الاحداث العاصفة في روسيا (كما أشرنا آنفا) حالت دون ذلك، وهكذا تم افتتاح التمثال النصفي امام بيت تشيخوف عام 1935، وعلى الرغم من ذلك، تم وضع حجر الاساس في مركز المدينة لذلك التمثال من قبل اخت تشيخوف، الا ان الحرب العالمية الثانية حالت دون تنفيذه، وهكذا وضعوا نسخة من التمثال النصفي كما مرّ ذكره، وعادوا الى تنفيذ الفكرة عام 1960 في الذكرى المئوية لميلاد تشيخوف .

بدأت تماثيل تشيخوف تتكاثر في المدن الروسية المختلفة، وخصوصا في تلك المدن التي ارتبط بها بشكل او بآخر، واهمها طبعا سخالين، التي زارها كما هو معروف وكتب عنها كتابه الشهير – جزيرة سخالين، اذ تم اولا افتتاح تمثال نصفي له عام 1959 في الكساندرفسكي – سخالينسكي، ثم تمثال نصفي آخر في عام 1975 في جزيرة سخالين نفسها، ثم في مناطق اخرى هناك في أعوام 1990 و1994 و1995 و2000، ثم ظهرت تماثيل اخرى في مدن روسية عديدة منها – تومسك ورستوف وسامارا وميليخوفو ...، ومن الطريف ان نتوقف هنا قليلا عند تمثاله في مدينة تومسك، اذ انه تمثال كاريكاتيري غير اعتيادي بالمرّة، وعنوانه – (انطون تشيخوف بعيون رجل سكران يرقد في ساقية ولم يقرأ قصة كاشتانكا)، ويرى بعض الباحثين ان هذا التمثال الكاريكاتيري جاء مضادا لتشيخوف لانه وصف المدينة في احد ى رسائله وصفا سيئا، ولكن اكثرية الباحثين يرون العكس، ويعتقدون ان مدينة تومسك قدّمت لتشيخوف تمثالا فريدا جدا، اذ لا يوجد في روسيا اي تمثال لاي كاتب بهذا الشكل، وقصة كاشتانكا الشهيرة لتشيخوف (والتي جاءت في عنوان هذا التمثال) تتحدث عن كلبة بهذا الاسم ضاعت من صاحبها ويصف تشيخوف معاناتها وحتى مزاجها، ثم وجدها صاحبها بعدئذ، و يكتب تشيخوف كيف عرفته وعادت اليه، وهي قصة معروفة جدا في اوساط القراء في روسيا وخارجها، وقد كتب ايليا ايرنبورغ مرة عن هذه القصة يقول، ان والدته قد هزّته وهي تخبره عن وفاة تشيخوف وتقول له – (لم يعد موجودا ذلك الانسان الذي كتب قصة كاشتانكا).

ولابد من التوقف اخيرا عند تمثال تشيخوف في موسكو طبعا، هذا التمثال الذي تم تدشينه عام 1998 عندما احتفلت روسيا بالذكرى المئوية الاولى لتأسيس مسرح موسكو الفني، الذي يرتبط بستانسلافسكي ونميروفتش دانتشينكو، المسرح الذي قدّم من جديد مسرحية تشيخوف الشهيرة – (النورس) وأعاد لها المجد (ولا زالت الستارة في هذا المسرح لحد الان تحمل صورة النورس)، وهي قصة معروفة في تاريخ المسرح الروسي والعالمي . تمثال تشيخوف هذا يقف امام بناية المسرح القديمة، وهو من البرونز وقاعدته من الغرانيت الاحمر، ويمثّل تشيخوف واقفا برشاقته وتواضعه وهو في حالة تأمل ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمار حميدمثل دجاج حُشِر في أقفاص على عجلات كنا كذلك في الستوتة الزاحفة وسط زحام شديد في شارع الجمهورية وقد زُينت من الداخل بورق رخيص رسمت عليه الزهور "لأضفاء لمسة من الجمال !"والصمت يخيم على النفوس بينما يعلو هدير المحركات التي ترفع درجة حرارة المكان يساعدها في ذلك حر لاهب وأسفلت غصَّ بالسيارات التي لاتعد ولاتحصى ليتحول الجو العام الى "أنفيرنو دانتي" ولكن هذه المرة في بغداد حين تتميز بالأنفيرنو الخاص بها، يخطر في الذهن ان دانتي عندما كتب ملحمته عن الكوميديا الألهية (مع التحفظ على بعض تفاصيلها) كان ينعم بأجواء ايطاليا اللطيفة الوادعة ونسيمها العليل فماذا لو عاصر السيد دانتي أجواء بغداد اليوم في صيفها الساخن خصوصا ليكتب القسم الخاص المتعلق بالجحيم (أنفيرنو) هل كان خياله سيذهب بعيدا في وصف جزئها المتمثل في الجحيم بأعتبار انه كان قاب قوسين او ادنى منه او انه كان سيهلك قبل ان ينتهي من كتابة أشعاره مختنقا برائحة وحرارة الأدخنة والغبار وانعدام الكهرباء.

أتصور انه سيقوم بأدخال واستعارة عناصر من الأساطير العراقية مبتدءاً بالأله (أنكي) أله الحرف والمهن والصناعات والمياه العذبة والخصوبة وهو يحزم أمتعته طالبا اللجوء في بلد آخر هاربا من ضيم وجحيم بغداد بدل ان يلتقيه ليكون مرشدا له في المدينة ثم يستعير شيئا كثيرا من ثيمة الحزن المميزة في بلاد الرافدين من خلال فنونها حيث سيقضي دانتي يوماه في جحيم زحام شارع الجمهورية وأسواق الشورجة والرشيد واصفا عذابات الناس هناك ومعاناة الحمالين والباعة المتجولين ثم سيقف بعدها على اطلال قناة نهر دجلة المشرف على الهلاك على يد وحش غريب يدعى (أليسو) مخاطبا اهل البلاد بكلماتٍ غنتها سليمة مراد لسكان أرض الرافدين ، فبعد ان كان يتغنى بـ(على شواطي دجلة مر) صار يعاتب الأن ويقول (الهجر مو عادة غريبة لا ولامنكم عجيبة).

ثم بدلا عن بياتريس (المرشدة التي يذكرها في ملحمته) سيجد مكانها في بغداد طيف تلك المرأة المجهولة التي نظم الملا عبود الكرخي على لسانها قصيدة المجرشة تجلس قبالة النهر المذبوح واصفةً حالة البؤس الأجتماعي والمعيشي الذي لاينتهي على هذه الارض وهي منشغلة بالمجرشة عاكفةً عليها تشكو ان الحروب والقهر قد طحنت الناس وسالت دمائهم انهارا ويتناهى الى سمعه كلماتها التي يكتبها على عجل ... ساعة وأكسر المجرشة وألـعن أبو راعـيها ... في تعبير عن رغبة مكبوتة مغلوبٌ على امرها للثورة على هذا الظلام.

ويستمر دانتي بأنتقاله في جحيم بغداد حيث يرى المعذبين على ايدي الشياطين الذين اتخذوا هيأة وزراء ونواب برلمان يجلدون ظهور المواطنين بسياط من اللهب وهم يركبون عرباتهم المصفحة ذات الدفع الرباعي فيما اتحد كل ثلاثة رؤوس منهم بجسد واحد كناية عن (السيربيروس) وهو من كلاب الجحيم التي ذكرها دانتي في ملحمته الأصلية ينهشون لحوم المعذبين البسطاء ويمزقونها.

سينتهي دانتي من كتابة فصل الجحيم في بغداد ويغادرها ولكن المعذبين في هذا الجحيم أمتد بهم العذاب لسنوات طوال لايعرفون متى سيصلون بعد ذلك الى مرحلة (المطهر) ومابعدها الى (الفردوس)! ، اما انا فنزلتُ لأكمل مشواري مشيا على الأقدام بعد ان يئست من عدم تحرك الستوتة وسط الزحام الشديد.

 

عمار حميد مهدي

 

محمد عبد الكريم يوسفأفكر دائما وأنا أقلب المواقف في الحياة أتدبر فاصلة هنا ونقطة هناك وأسأل نفسي دائما عن رمزية باب السنديان العتيق الذي يفصل حديقتي عن حديقتك وفكرك عن فكري ورؤيتك للحياة عن رؤيتي وكلنا في مسيرة العمر نمر بنفس المسار بين لحظة الأوج ولحظة الحضيض ، بين فرح الأولى الغامر، وحزن الثانية القاهر وكلاهما تحدثان من دون إرادة صاحبها في معظم الأحيان .

لحظة الأوج هي أجمل لحظات العمر وفي أحيان كثيرة نطرب لها ونشعر بالنشوة وأحيانا كثيرة تأتينا لحظة الأوج بعد أن نصير تحت التراب وحالنا حال جميع المبدعين في العوالم المتأخرة عن ركب الحضارة والتي في معظم الأوقات لا تكتشف مبدعيها إلا بعيون الغير .

ولحظة الحضيض من أقسى لحظات العمر لأننا نخسر فيها الكثير مما حققناه بعرق السنين وفي معظم الأوقات تأتينا ونحن فوق التراب وتقطف ثمرات عملنا كما يقطف الخريف أوقات الشجر ويذروها أدراج الرياح وفي لحظات أخرى تأتينا لحظة الحضيض بعد أن نكون تحت التراب وفي هذه الحالة يأكل الآباء الحصرم والأبناء يضرسون .

وبين فرح الأولى وحزن الثانية يصبح المرء حكيما وتصقله تجارب السنين ويدرك أن الفرح والحزن بنفس السوية والحكيم فقط هو من يقابل الفرح والحزن بنفس الدرجة من التروي .

يحكى أنه كان ولي العهد وكانت هي أميرة البلاط في مكان من الهند . وكان هو أجمل أمير وكانت هي أجمل أميرة وما كاد كيوبد إله الحب يهمس لهما أغنيته الرقيقة حتى صارا أجمل حبيبين وكانت سعادة العاشقين حديث الشعب الهندي بأسره. قضى العاشقان أجمل لحظات العمر على ضفاف الأنهار وعلى أطراف السواقي وتحت ظلال السنديان وفي يوم من الأيام أراد الملك أن يقتطع لحبيبته جزءا من الفردوس ويبنيه على الأرض فأقام الحدائق والممرات والمنتزهات وزرع أصنافا لا تحصى من الأشجار والظلال وأجرى العيون والينابيع لتسعد الملكة وتهنأ في عيشها . كانت الحديقة تحتوي من كل بستان زهرة ومن الكروم أصناف وأصناف وكان يرسل من ينظف ممرات الحديقة حتى تمشى الملكة حافية القدمين مرسلة شعرها الطويل متمايلة كغصون الشجر .

وفي إحدى الليالي وهما عائدين في ضوء القمر وإذا بالملكة تصرخ من الألم من لسعة أصابت قدمها ، لينظر الملك ويرى أفعى تنسل بين الأعشاب . لقد لدغتها الأفعى وأفاعي الهند من الشهرة بمكان لأنه الأكثر غدرا على وجه البسيطة والأكثر سمية وتنوعا . سقطت المعبودة الجميلة أرضا تتلوى من الألم لتهمد بعد أن خيم عليها الموت .

جن جنون الملك العاشق وألقى بين أيدي الأطباء ما يمتلك من ذهب وأحجار كريمة مكافأة لمن ينقذ الحبيبة الساكنة لكنهم وقفوا حيارى أما الجسد الهامد فقد فعل السم فعله بسرعة تلك الليلة المشؤومة . بكى الملك بعد ذلك وبكى طويلا وسقى بالدموع الحمراء قلبه وخدوده وقرر أن يقضي باقي أيام عمره بجانب قبر زوجته الحبيبة .

أمر أن يبنى لها قبرا لا مثيل له من الرخام الفريد الملون الشفاف والمرمر الملون اللامع . واستغرق بناء الضريح عاما كاملا . وعندما شاهده الملك الحزين رآه أقل مما تستحق الحبيبة الغائبة جسدا الحاضرة فكرا في قلبه وروحه فأمر بإنشاء الأعمدة والقباب الملونة بجانبه وعاد الملك العاشق الحزين فرأى أن المكان أقل مما تستحق حبيبته الغالية فأمر بإنشاء الأجنحة وتزيين الأعمدة وفرش الممرات بالسجاد العجمي الفاخر وطاب من المصممين إعمال عقولهم واختار أجمل ما في الكون من تصاميم داخلية وخارجية لتزيين المكان بما يليق بها وبجثمانها النائم تحت التراب . وقال لهم: " يا سادتي أريد أن أرى الجنة هنا مهما كلف الأمر ." وصار يتردد إلى المكان كل مساء وصار يزيل من الجوار كل منظر يشوه المعبد الجميل للنائمة الحبيبة .

وفي كل مرة كان يزور بها المعبد كان يعدل هنا ويزيل هناك واستهلك الملك كل خياله في التجميل والتزيين والزخرفة وكان يزوره الكثير من الأمراء ليستمتعوا معه في الجنة الجميلة التي لا مثيل لها .

في يوم الأيام ، كان الملك يتجول في فناء القصر الجميل وخلفه حاشيته والبنائين والمعماريين فوقعت عينه على قبر صغير منكمش بائس وسط هذه الجنة الساحرة التي استخدم فيها كل الفنون والعلوم . التفت إلى رئيس البنائين وقال له: " أزيلوا هذا القبر من هنا ." لقد كان هذا الضريح لتاج محل .

أليس هذا ما يفعله المبدعون مع حبيباتهم والفنانون مع ملهماتهم والأحبة فيما بينهم والأحزاب السياسية مع أنصارها والحكومات مع أعضائها . كلهم يفتقدون الاستدامة في الحب والعطاء ، يأتي الحب دفعة واحدة ويذهب دفعة واحدة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

عبد الرضا حمد جاسمفي بغداد كتب الاستاذ أحمد فاضل/ بتاريخ 19/05/2018 وتحت عنوان: شارع المتنبي و المدينة الثقافية في جلسة بحثية أقامتها وزارة الثقافة و السياحة و الأثار : الدكتور سعد ياسين يوسف يدعو الى المباشرة بتنفيذ مشروع المدينة الثقافية في بغداد:

[دعا الباحث الأكاديمي الدكتور سعد ياسين يوسف إلى ضرورة وضع استراتيجية ثقافية تتولى رسم الخطط والسياسات الثقافية الرامية للارتقاء باستثمار المواقع التراثية ثقافيا لتفعيل ثقافة المجتمع والحفاظ على المواقع التراثية وديمومتها والمباشرة بتنفيذ مشروع المدينة الثقافية في بغداد واستثمار المواقع بين الباب المعظم وشارع الرشيد والمتضمنة لشارع المتنبي والمركز الثقافي البغدادي وبيت الحكمة والقشلة والسراي ومجمع المحاكم القديم والقصور العباسية ووزارة الدفاع].

.......................

رأي و اقتراح :

نعم شارع المتنبي معلم من معالم بغداد والاهتمام به واضح جداً سواء من محافظة بغداد او امانة العاصمة وفق تصورات و امكانات الدائرتين.

المهم الان الناس او "مرتادي" الشارع اتمنى او يجب ان يلتقوا ليمنعوا "تسييس" الشارع حيث هناك نَفَسْ بهذا الاتجاه نتمنى ان لا يتوسع وانتم تعرفون عندما يدخل السياسة والمال السياسي في ظروف مثل ظروف العراق ماذا ستكون النتيجة...

اقتراحي هو بهذا الاتجاه اي ان يدير المثقف هذا المكان الذي يحب، لأنه سيبحث بصدق عن تطور الثقافة ومن بعدها البلد....سيكون هذا المكان اكبر من شارع فهو يتمدد في شارع الرشيد باتجاه ساحة الميدان وباتجاه تمثال الرصافي وربما سيكون يوما المتحف البغدادي والمدرسة المستنصرية وحتى خان مرجان و جامع الخلفاء.

اتمنى ان "يُدفع" بهذا الاتجاه وان "يُتعاون" حتى ولو بالكلمة الصادقة للمساهمة في نشر المحبة والسلام والحفاظ على هذا الموقع/ الْمَعْلَمْ/ التاريخ/ الحاضر/المستقبل.

صور كثيرة لشارع المتنبي / قلب هذا المجمع الثقافي المقترح اولها واهمها وأجملها ... هي صورة المجتمع العراقي المُتآخ المتسامح المحب للثقافة الذي يمثله المتواجدون في شارع المتنبي كل يوم جمعة صباحاً...تجد العراق كله هناك لغات ...ديانات... قوميات... اشكال... اطوال... أعمار... مستوى معاشي... ومن الجنسين. تلك الصورة الجامعة التي يتمناها محب/ محبي العراق للعراق.

وانت تُقبل عليه (شارع المتنبي) تشعر بالانشراح والتَمَّيز والانفتاح لصور السمو والتسامح والهدوء في الكلام الذي يتراوح بين العادي و الهمس وردود الافعال والاختيارات و تعاملات البيع وزحمة الحضور و تنوع التواجد .

شارع المتنبي و المثقف العراقي هو الجزء الصالح النشط الحي الباقي من كبد العراق الثقافي أن صح القول...هذا الجزء الذي يجب أن يُنشط بالفعاليات والاحتفالات والمهرجانات حتى لا "يتشَّمع" و يفقد الجسم الثقافي العراقي حيويته ويصاب ب"الاصفرار ""النحول "و "الهزال" في طريقه الى "الموت".

في شارع المتنبي تجد كل الافكار وكل الاصدارات وكل المسميات وكل اللغات وكل الفعاليات لثقافية،

ندوات...مهرجانات..."استذكارات"... قراءات... اصدارات... محاضرات... ابداعات... محاولات... لوحات ... ذكريات... قاعات تعليم الرسم للأطفال... القنوات الفضائية... اللقاءات التلفزيونية... المقاهي الشعبية...الاكلات... المشروبات غير الكحولية... الندوات الجانبية... التعارف والمعارض

تجد الأساتذة وبعديد الاختصاصات والمواقع والاجيال كنت تتمنى ان تلتقي أحدهم يوماً... الروائيين ...الاجيال الجديدة من الشعراء... السينمائيين ...المسرحيين... مقدمي البرامج... اساتذة الجامعات وكل المهتمين بالشأن الثقافي. تجد عوائل كاملة...تقلب وتتصفح وتشتري الكتب وتحضر الفعاليات وتشارك وتساهم في جلسات مع من تحب بعيداً عن كل مضايقات...او تتنسم عبق المكان وتتمتع بذلك المنظر المعبر الجميل على شاطئ دجلة الخير. يرافق ذلك مرسى الزوارق الذي تحول الى مسرح عائم .لا يستطيع اي شخص ان يحضر او يشارك في كل ما يجري في تلك السويعات... الحياة النابضة تجعلك تسرع و تتباطئي و تلتقي و تتذكر و تستقبل و تودع و ترحب و يُرَحَب بك.

من يدخل الشارع يشعر انه يُنَظِفْ رئتيه وعينيه واذنيه وخلاياه العصبية من بعض /الكثير مما علق بها/فيها خلال اسبوع من متاعب و أحزن و آلام و ضيق....تجد نفسك هناك اخف وزناً من اي لحظة خلال الاسبوع الذي انتهى بتلك الجمعة لأنك ازحت بعض/الكثير ما حملته على كاهليك من تعب و عصبية... ينزاح هناك لتبدأ اسبوع جديد تتمناه أحسن.

شارع المتني يحتاج الى اهتمام خاص و بالذات/الخصوص من رواده بأن يلتقوا وهم كثر و بمختلف الاختصاصات الادبية والفنية لإعادة تنظيمه و وضع برنامج سنوي لنشاطاته كأن تُشكل لجنه يتم انتخابها من اصحاب المحال و رواد الشارع و المهتمين به و بالثقافة و من كل الاختصاصات بعيداً عن السياسة و العصبيات ...تلك اللجنة تتبنى و تُنظم الفعاليات و تلتقي مع الدوائر الحكومية وغير الحكومية المهتمة بشأن الثقافة و تبحث عن تمويل لتلك الفعاليات و النشاطات...وتتكفل بالاتصال او التنسيق مع النقابات و الجمعيات و النوادي الثقافية داخل العراق و خارجه و تطرح على المعماريون والمصممون والفنانون ان يقدموا مشاريع افكار لتنظيم الشارع و اختيار ما يناسب من الوان و اشكال و مجسمات للأرصفة و واجهات عرض الكتب وبيعها و تأثيث الأرصفة وتنظيم مسابقات لتصميم المطبوعات والتصميم بشكل عام لأن انتشار ثقافة الابتكار و التصميم جزء مهم من أو أحد مفاتيح تطور البلد والتفتح ونشر ثقافة الخيال والتأمل...و العمل على ايجاد/تخصيص مكان مفتوح دائمي للتصميم تنفيذاً او عرضاً ويشمل حتى تصاميم الأجهزة والمعدات والملابس والأحذية وعبوات التغليف والتعبئة والاثاث المنزلية وغيرها.

و العمل على ان يكون يوم خاص فصلي(اربعة ايام في السنه مع بداية كل فصل) للقراءة و تبادل الكتب و التبرع بها بحيث يكون يوم لكتب الاهالي لتشجيعهم على الاهتمام بالكتاب و حركة الكتاب و القراءة و ليس اصحاب المحلات او باعة الكتب فقط ويتم فيه او خلال ساعاته جمع الكتب النادرة و الثمينة بصيغة التبرع او البيع بثمن رمزي من اجل حفظها في طريق تأسيس مكتبة عامة كبيرة في ذلك المجمع محتوياتها من تبرعات الناس... لتكون يوماً مسرحاً عاماً و قاعة تضج بحركة الثقافة للندوات وتوقيع الاصدارات و الاتفاقيات الثقافية و تشجيع حركة الطبع والتوزيع والاعلان والنشر و الدعاية.

يحتاج شارع المتنبي الى وضع علامات ارشادية في المنافذ المؤدية اليه بتصميم متميز من تنفيذ رواد الشارع. وان تتبنى اللجنة المنتخبة القيام بأيام للكتاب في مناطق متفرقه في بغداد و نقترح ان تبدا بيوم في الكرخ واخر في الرصافة لغرض التجربة و متابعة ردود افعال المواطنين فيهما ثم يمكن تطوير ذلك بعد الدراسة.

*يحتاج شارع المتنبي ان يكون فيه مكان مخصص لمبدعي العراق و مثقفيه الذين اسهموا بدور فعال في اي شكل من اشكال الثقافة و ان يكون لكل واحد منهم تمثال نصفي مع لوحه تعريفيه و يوم يقترن بميلاده...كأن يكون للرصافي و الجواهري و السياب و يوسف العاني و جواد سليم او محمد غني حكمت...او الكرملي وبهنام ابو الصوف والقبانجي و علي الوردي و وغيرهم ...بغض النظر عن انحدارهم القومي او الديني او السياسي..

ان تعمل اللجنة على أن يكون هناك يوم للتراث الشعبي للقوميات التي يتشكل منها النسيج العراقي أو المطرز بها و بثقافتها و تراثها...ازياء... موسيقى... مأكولات

اي ان تكون هناك كرنفالات تشيع الفرح والسعادة و تكسر حالة الحزن التي تلف البلد.

ان تطرح اللجنة مشروع تشجير ووضع احواض للزهور و تسقيف الشارع بشكل يتلاءم مع صيف العراق اللاهب يُراعى فيه الجمال و الفائدة البيئية والسرعة في انجازه وتحريكه و ليس بسقف يجعل منه حمام او مسلخ في الصيف وتتبنى اللجنة مشروع استغلال أمثل لشاطئ دجلة المحصور بين جسر باب المعظم و جسر الاحرار.

................................

أقترح ان:

1.تتبنى كل صحيفة تصدر في العراق نصب كشك يحمل اسمها وبألوان جذابة لعرض الاعلانات وبيع الصحف وان يتواجد فيها أحد العاملين في تلك الصحيفة بلباس خاص يشيع الانفتاح والبهجة...وان تُقدم فيها الدعايات لإصداراتها. وان تتمكن شركات الاعلان من البروز هناك وتشجيع ثقافة الاعلان ...

2. توضع اماكن خاصة للمشاريع المستقبلية لتطوير بغداد والمحافظات وتأخذ راي الاخرين بها من خلال الاستبيانات وسجلات الملاحظات. هذا سيفتح المجال لنشاط ثقافي تجاري يزيد من حركة النشر والطباعة والاعلان والتوزيع الذي تعاني كل الجهات من كسادها وتخلفها.

3. يكون هناك يوم سنوي لكتاب الطفل يقام في شارع المتنبي يخصص للطفل وفعالياته بحيث يتحرر الاطفال حتى من مصاحبة اهاليهم لهم ليمارسوا الانطلاق والحرية والفرح وان يُفسح المجال لهم للشراء بأسعار زهيده مدعومة وتبادل الكتب والاستعارة. (تحت انظار الاهل من بعيد نوعما).

4. يكون هناك يوم مخصص لعرض وتبني براءات الاختراع والابداع والمساهمة في نشرها وتسويقها داخلياً وخارجياً... ومن فعاليات هذا اليوم ايضا تشجيع او نشر ثقافة الخيال العلمي وطرح الافكار او المنجزات بكل حريه وان يكون الشعار لذلك: اطرح اي فكرة حتى لو كانت مضحكه او غريبه، حتى لو كانت تقترب من الجنون لنشيع ثقافة الخيال العلمي التي لا تُمارس وربما لم يفكر بها وبأهميتها البعض.

5. يكون في شارع المتنبي يوم خاص للنكتة والقاء الحكايات والقصص القديمة التراثية والاغاني الشعبية.

6. يكون هناك يوم يخصص للأزياء الشعبية او التنكرية يشمل المتجولين واصحاب المحلات.

7. يكون هناك مكان للمواقع الالكترونية العراقة المهتمة و المهمة مثل (مؤسسة المثقف العربي) و(مؤسسة الحوار المتمدن) و(موقع الناس) و(موقع ينابيع العراق) و غيرها حيث الكثير من رواد الشارع هم من كتاب و متصفحي تلك المواقع كما لمسنا و عايشنا...

أسسوا تلك الهيئة و ادعوا الى انتخابات حرة لها في يوم محدد... ليتقدم كل راغب ليطرح افكاره و مقترحاته... ويحدد يوم له تاريخ ثقافي للانتخاب بشكل علني في الشارع و امام الجميع... وتُشكل اللجنة لتجتمع و تحدد نظام /طريق عملها بروح ثقافية عالية و شعور عالي بالمسؤولية

اذهبوا بارتياح و شفافية و صدق الى تجربة الحياة الصح التي ما عاشها الكثير منا لحد اليوم وهي حياة التعاون والابداع والامل والتضحية والبناء للمستقبل.

هل من مجيب ينتفض على الحال ويلتقي مع آخرين مثله ليكسروا (أحنه ما علينه)... ليكون شارع المتنبي موقع دائم لمهرجان ثقافي عراقي يستطيع ان يكون عالمي يوما ما.

ان شارع المتنبي بدون الفعاليات والتنشيط والتنظيم سيتحول الى بازار لبيع الكتب او الى مقهى كبير تعاد فيه الجمل و الاماني البعيدة فقط.

نتمنى ان يزداد الاهتمام به فوق المُلاحظ من اهتمام محافظة بغداد وامانة العاصمة وبعض دور النشر واهتمام الأساتذة من خلال تواجدهم...لكن التنظيم والتفكير الدائم به والابداع في انشاء واقامة الفعاليات يكسر الرتابة التي اكيد تتسلل اليه مع الوقت.

العراق بلد فيه شعب مر بالكثير و تحمل الكثير و عاش الكثير ...شعب منه و فيه اجيال ولدت والقصف والموت والدمار و العوز والمرض يحيط بها او احاط بها اينما توجهت...فلنجعل من هذا المكان او المركز او المنطقة الثقافية مكان للتأثير في الاجيال و اشاعة الامل فيها و السعادة و البحث عن النجاح و تبنيه و دعمه.

اتمنى ان يحفزنا هذا الطرح على ارتباكه و بساطته للتفكير بالعراق وبالذات الوجه الثقافي له وان يلتقي المثقف العراقي في الداخل والخارج لإنجاز مشروع ثقافي يستمر ليساهم في المحافظة على العراق المتنوع.

 

عبد الرضا حمد جاسم

عبد الباسط محمدتتكاثف الغيوم فى الافق شيئاً فشيئاً فتتكون السحب، وتتراكم السحب ببطء حتى يتحول الغيم الى مطر. غير أن المطر، الذى قد يكون بشرى خير وبركة، قد يستمر فى الهطول حتى يتحول الى سيل عارم . وهنا تنقلب البشرى الى كارثة وبدلا من الارتواء والازدهار يكون الخراب. ما اشبه هذه الغيوم بالتغيرات الدراماتيكية التى احدثتها الانترنت والهواتف المحمولة التى تكتنف مختلف الطبقات والعلاقات فى عالم يرفع شعار "التغير هو الثابت الوحيد" .

ولقد أضحت الانترنت وعائلتها او بالاحرى ثقافة الشاشة كما يشير اليها الكاتب أحد الموضوعات التي باتت تفرض نفسها على بساط النقاش والتمحيص لالحاحها وطغيانها على العلاقات بين بنى البشر و بين إخوانه من البشر، حتى أن كثير من المفكرين يصيفون هذا العصر بعدة أوصاف حيرتهم فوضعوها في شكل تساؤلات منها هل هو عصر العلم و التكنولوجيا؟ أو عصر الذرة و الرعب النووي؟ أم عصرا الاغتراب والقلق و الوحدة؟

و في ضوء ذلك فهم يرون أن أزمة الإنسان المعاصر إنما ترجع في صميمها إلى اغترابه عن الطبيعة و عن الأخرين بل حتى عن ذاته الذى انسلخ منها واصبحت كل افعاله وتصرفاته كما الاخرين الذين يقطنون العالم الافتراضى، لذلك يحدث الصراع و التوتر بين الفرد و واقعه الخارجي و يسؤ توافقه مع نفسه ومع الأخرين.

فبالرغم من إيماننا الكامل بعظيم الاثر الايجابى الذى خلفته الانترنت وعائلتها فإننا كذلك نؤمن بعدم وجود نظرية مثلى كما علمتنا الادارة وإذا كان الامر كذلك فإن التساؤل الذى يطرح نفسه فى رحى القضية .

هل حقاً ادت الانترنت وسائر تطبيقات التواصل الاجتماعى بهشاشة بالعلاقات الاجتماعية؟ وتاتى إجابتنا على هذا التساؤل أسفاً بالإثبات .

حيث جعلت الإنسان يقضي أغلب وقته وهو مطأطئ الرأس تجاه هاتفه الذكي أو جهازه الذي يمتلكه، فتمر الساعات دون أن يشعر. بل انه يحدث ذلك احياناً بأن يجلس أعضاء الاسرة بالساعات في المنزل ولا تسمع لهم صوتا، فكل واحد يكون في حاله ومع نفسه تقريبا، فضلاً عن وسائل المواصلات التى لا تخلو من ذلك أيضاً .فتجد الشخص مشتركا في عدة وسائل "كتويتر" "وفيس بوك" "وانستجرام" أو" اسكايب" يخرج من هذا لذاك. بل الادهى من ذلك ان تحادث الام بنتها وهى فى المطبخ والثانية فى حجرتها.

اليس لتلك المقدمات نتائج تعصف بالعلاقات الاجتماعية، وتخلف البرودة العائلية، وتضعف النوازع الانتمائية للاسرة . بل أننى أزعم أنها تؤدى إلى إحداث خلل في العمليات البيولوجية التي تتطلبها حالة التفاعل الشعورى والعاطفى مع تلك العلاقات .

فالخطر هو ليس أن يتحول العالم الى عالم افتراضى تختلف فيه الثقافات وتنصهر بداخله العلاقات فحسب، بيد أن مكمن الخطر هو أن هذه التغيرات تتفاعل مع بعضها بشكل خفى، الى أن تؤدى الى ظاهرة اخرى تسمى بالافلاس الفكرى. سنسلط عليها الضوء فى مقام غير هذا المقال لخطورتها الدامية.

وإذا كان ذلك كذلك فإن على عاتق وسائل الأعلام يقع – دورًا إستراتيجياً في تسليط الضوء وتوعية المتعاملين بأضرار وسلبيات أدوات التكنولوجيا، وحثهم على الاستخدام الانسب المتوازن الذى بمقتضاه لا يجعل السلبيات تقفز على الايجابيات. فلا ينبغي لنا التخلى عن هذه التوعية بحجة الانفتاح الحضاري والثقافى.

 

عبد الباسط محمد

فاروق مواسيلن أتوقف هنا على تعريف الموشح، وبداياته، وفنونه وأغراضه، وأشكاله، وما صدر عنه من كتب، ومن نظم فيه من وشّاحين، بل سأتوقف على سبب التسمية، وذلك من خلال مطالعاتي في مصادره، والمصادر عنه.

..

الموشح (موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح) من الفعل (وشّح)- بمعنى زين أو حسن أو رصع. وهو فن شعري يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في الشكل الشعري، وبخروجه أحيانًا على الأعاريض الخليليلة، وباستعماله اللغة الدارجة او العجمية في خَرْجته، ثم باتصاله القوي بالغناء الذي استلزم هذا التغيير في أجزاء البيت (أي مجموعة الأقسام).

وقد اصطلح النقاد على تسمية هذه الأجزاء بمصطلحات هي :

1- المطلع 2- القُفل 3- الدَّور 4- السِّمط 5- الغصن 6- البيت 7- الخرجة

وثمة تسميات أخرى للتوزيعات المختلفة.

..

يقول ابن خَـلدون في مقدمته أن هذا النَمَط الشعري برع فيه أهل الأندلس:

"وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنًا منه سموه بالموشح، وينظمونه أسماطًا أسماطًا وأغصانًا أغصانًا، يكثرون منها، ومن أعاريضها المختلفة".

(المقدمة: ص 583 المطبعة التجارية- القاهرة)

..

سمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوِشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر.بأشكاله وتطاريزه.

يقول صاحب لسان العرب نقلاً عن الجوهري في "الصحاح":

"الوشاح- بضم الواو وفتحها- يُنسج من أديمٍ عريض، ويُرصّع بالجواهر،وتشده المرأة بين عاتقيها وكَشحيها.

وهو كذلك في (لسان العرب):

"كِرْسانِ من لؤلؤ وجوهر منظومان مُخالَفٌ بينهما معطوف أَحدُهما على الآخر، تَتَوَشَّحُ المرأَةُ به."

(الْكِرْسُ : الْقَلاِئدُ الْمَضْمُومُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ هِيَ مِنَ الْوُشُحِ وَنَحْوِهَا، وَالْجَمْعُ أَكْرَاسٌ. وَيُقَالُ قلادة ذَاتُ كِرْسَيْنِ، وَذَاتُ أَكْرَاسٍ ثَلاثَةٍ، إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ".

ملاحظة: لم يرد معنى "الموشح" بمعنى النمط الشعري في (لسان العرب) ولا في المعاجم القديمة.

المراد بالعاتق: مابين العنق والكتف، وبالكَشح: الخاصرة التي يدور الحزام حولها.

..

يبدو أن الاسم جاء كناية عن إضافة البهجة للشعر الغنائي، فالموشح وُضِعَ للغناء، وذلك لما فيه من زينة وتنويع. يتضمن الوشاح لؤلؤًا وجواهر مصفوفة بالتناوب، والموشح مصنوع من أقفال وأدوار بالتناوب، والشبه ظاهر، وذلك في اختلاف الوزن والقافية.

..

يصف حبيب حزان في كتابه الموسوعي المغمور عن الأندلس (الأدب الأندلسي) ، ج2، ص 1059 الوشاح بما فيه بعض التفصيل:

" الوشاح: قلادة من نسج عريض ترصع بثمين الجواهر على حاشيتيها من اليمين واليسار بصفّين يتقابلان في عقدة، ويتنافران مرة أخرى، وهكذا يستمر الترصيع بين التلاقي والتباعد، فيشكلان رسمًا جميلاً وبه تتحلى المرأة حيث تضعه على عاتقها الأيمن، وتعقد طرفيه على كَشحها تحت إبطها الأيسر".

..

يضيف محمد عناني في كتابه (الموشحات الأندلسية، ص 21) رأيا آخر:

"ولعلهم استلوا المعنى من "الموشحة" من الظباء والشاة والطيرالتي لها طرّتان على جانبيها".

(الطّرة القطعة الجانبية المختلفة).

..

هناك من رأى أن اللفظة سريانية "موشحتا"- (ܡܘܫܚܬܐ)- أي بمعنى "إيقاع" أو "ترتيلة من المزامير". وهذا الرأي مؤسس على أن الموشحات ظهرت في المشرق العربي، وتأثرت بشدة بالموسيقى الكنسية السريانية، حتى أن الردّات في أقدم الموشحات كانت تحوي ألفاظا سريانية.

(صلاح فضل: طراز التوشيح، وفي عدد من المواقع على الشبكة).

أما مصطفى صادق الرافعي فيسوق رأيًا آخر في سبب التسمية:

" الموشح، ويقال له التوشيح أيضًا، والذي نراه في أصل هذه اللفظة أنها منقولة عن قولهم "ثوب موشَّح"، وذلك لوشي يكون فيه، فكأن هذه الأسماط والأغصان التي يزينون بها هي من الكلام في سبيل الوشي من الثوب، ثم صارت اللفظة علمًا".

 

ب. فاروق مواسي

.........................

تاريخ آداب العرب، ج3، ص 140- دار التوفيقية للتراث.

 

محمد صالح الجبوريالبريد من الدوائر التي لها علاقة في حياة الاهالي، فهو يقوم بتقديم خدمات نقل الرسائل، والطرود، والحوالات والاتصالات والتوفير، البدالة مهمتها توفير الانصالات الهاتفية بين المواطنين، وكلمة البريد من البردة وهي العباءة الحمراء التي يلبسها صاحب البريد في الماضي، وجاء في الحديث الشريف، (اذا ابردتم فاجعلوه حسن الوجه والاسم)، والبريد بالقياس مسافة (٢) الى (٤) فرسخ، وكانت دوائر البريد تقدم الخدمات الى الاهالي، وكان الحجاج يذهبون بالطريق البري الى الاردن والقدس والى السعودية يرسلون رسائل الى ذويهم للاطمئنان على صحتهم، ترافقهم بعثة بريدية، اما الخدمات الهانفية تتولى البدالات تقديمها، وهناك مشتركي خدمة الهاتف، ويوجد قسم الرسائل البريدية والطرود والحوالات، وتستخدم الطوابع البريدية في الرسائل المسجلة والعادية، وتصل بواسطة البريد الصحف والمجلات والكتب والطرود، وهواة الطوابع يقومون بجمع الطوابع الحديثة والمستعملة، وتبادل الطوابع بين الأصدقاء من مختلف أنحاء العالم، وفي الماضي كانت دوائر البريد مزدحمة بالمراجعين، منهم من يبعث الرسائل، والقسم الأخر يستلم حوالات وطرود ورسائل، اما اليوم تحولت هذه الخدمات الى الاننرنت، ومكاتب الصيرفة، اما اليوم، وم تبقى من البريد الا المشاهد الجميلة التي كنا نتذكرها، وصورة ساعي البريد الذي يتجول بدراجته وهو يوزع الرسائل الى أصحابها، المشاهد أصبحت من الماضي.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحافي

جواد غلوممن منا لا يريد ان يكون سعيدا في حياته ليقضي بقية عمره هانئا وديعا ويرى أسرته ومُحبيه وأصدقاءه وحتى بلاده وأهلها بأفضل حال ومآل!؟

كيف تجعل من هرمون الفرح والنشوة النفسية والتوادّ والذي يسميه النطاسيون "الأندروفين" ان يتغلغل في أعماق نفسك ويخلق من كيانك إنسانا راقيا مبتهجاً رفيع الخلق خاليا من الكراهية والتذمّر والتأفف والضجر وضيق الصدر؟

لست ميّالا لمن يقول لك لا تبحث عن السعادة فلن تجدها اذا سعيت وراءها ، فهناك وسائل بسيطة جدا وغير مرهقة أو مكلفة على الصعيد الشخصي تجعل منك مرحا مليئا بالبهجة كأن تلاعب أطفالك وأحفادك ومن تحب من الصغار الغرباء وخاصةً ممن أصابه اليتم وحنوّ الأسرة وتقوم باحتضانهم قريبا من صدرك ، فما أرخص العناق دواءً شافيا وبلسما يزيد من الهدأة والسعادة وتقضي معهم ردحاً من الوقت ولابأس ان يكون لعبُك معهم في متنزه مليء بالخضرة والساحات العريضة المفروشة بالعشب تفترشها أنت وعائلتك وصغاركم وتمدون سُفرة الطعام وتتحلقون حولها ضاحكين مستبشرين في التئام شملٍ ومحبة طاغية ، فليس أشدّ من " بتر الحنان والمحبة " كما يسميه علماء النفس جالبا للتعاسة وطاردا للسعادة المنشودة .

لابأس أيضا من إطالة النظر الى البحر وترافق مع تحب من افراد العائلة وخاصّة الاصدقاء والمقربين ومدّ البصر بعيدا في هذا الخضم المائي الكبير لتقضي ساعات في هذا الرحب المديد لتنسى منغصات الحياة الضاجة المزدحمة بالهموم وتنعم بهدوء البحر وصخبه معا ؛ فهذا الصخب المائي المؤنس يختلف كثيرا عمّا نعانيه من ضجيج حياتنا اليومية المعتادة وهرجها ومرجها .

ولتزداد سعادة اكثر عليك ان تسافر بين حين وآخر سائحا بعيدا عن محيطك المألوف تغييراً لروتين حياتك المعتاد لترى الجديد من بقاع الشعوب وتتعرف وتندمج مع بعض سلوكهم وتأكل من صحونهم وتُجاري سلوكهم وقد ترطن لغتهم وتتعامل مع فئات قد سمعت عنهم لكن لم يسبق أن رأيتهم من قبل وعرفتهم عن كثب واقتربت منهم تماسّاً .

سعادتك أيضا تكمن في القراءة السليمة المنتخبة بعناية وتأنٍ وتوسعة أفق الفكر وتنوير العقل بمصابيح العلم والأدب وتطهير النفس بالغناء الراقي والرقص المهذّب وولوج دروب الفنّ الرفيع والنظر الى جوانبها الخضر الزاهية بالورود والاوراق اليانعة والرؤية الى الحياة بتفاؤل وأملٍ تتطلع اليه وتأمل نزوله في ربوعنا ومقاسمة الآخرين أفراحهم وأتراحهم وتعطي جزيلا وتأخذ قليلا وتشرح صدرك وتُنشِّط عقلك وتصلُه بالصلاة كيفما كانت عقيدتك ترويضا للدماغ الثقيل الوزن (1700) غم والذي يسبح في سائل النخاع الشوكي فيقل وزنه الى 50/ غرام عندما تنحني ركوعاً او سجودا ً دون ان نشعر بثقله وفقا للنظرية الفيزيائية فيفقد وزنه بقدر وزن السائل المزاح وكلما سجدت او ركعتَ فأنت تعمل مساجاً مريحا للدماغ من خلال التحريك في حالتي الركوع والسجود لتشعر بعدها بالراحة والسعادة النفسية والذهنية .

وليعلم الغافل والطامع وذوو النزوات المريضة ان السعادة ليست بإشباع الملذّات الجسدية والتخمة المفرطة والسعي نحو الثروة والاكتناز وملء الأرصدة في البنوك وامتلاك العقارات والضياع والتسلّط على الملأ المتعب والغرور وإشباع الشهوات والاستحواذ على حقوق الغير وارتداء طيلسان الغرور والتبختر والتهديد بالعصا والسوط والسيف . فالأهم ان تشبع حاجاتك الروحية والنفسية أول الأمر وتغذّي انسانيتك قيما سامية ونبلا وتشذّب ماعلق في نفسك من صدأ الاخلاق غير السويّة وتزيح غبار اللامبالاة مع الغير وتقترب من المكدودين والمتعبين والمنهكين بصفاء المودّة والتراحم والعطف والحنوّ تجاه من يحقق السعادة لك .

ابدأ بالطريق الأسهل للوصول الى السعادة بإرواء عصفورٍ صغير قطرةَ ماء وتغذيته حَبّة قمحٍ صغيرة واعتنِ بشجرة تريد ان تنمو وتثمر وتحيا معك وتهبك عطاءها السنوي لانهما تشاركانك الحياة، فالحيوانات والنباتات كائنات حية تشاركانك العيش بهذه الارض ومدّ بصرك الرحيم ليوسع وطنك وأبناءه وأوسع أفق رؤياك للعالم كلّه في هذه المعمورة وساكنيها وأعدك بانك ستحقق ثروة من السعادة تضاهي كثيرا خزائن الأرصدة المالية وما في الجيوب من أموال خالطها الحرام والحلال معاً .

 

جواد غلوم

 

شاكر فريد حسنتصادف هذه الأيام ذكرى رحيل المفكر والروائي والمثقف النخبوي العروبي السوري وداعية التنوير العربي مطاع صفدي، الذي توفاه الأجل في السادس من حزيران العام ٢٠١٦ في بيروت بعد حياة حافلة وزاخرة بالابداع في مجال الفلسفة والأدب، وغادر الحياة وهو يتحدث عن براءة الفكر والصيرورة.

مطاع صفدي من أبرز وأشهر اعلام الفكر الفلسفي العربي المعاصر، كان له دور بارز في نشر وتأصيل الفكر التنويري، ورعاية وترجمة العديد من أهم أمهات كتب الفلسفة والفكر الى العربية.

تأثر صفدي الفلاسفة الغربيين المعاصرين الملتزمين بهموم وقضايا شعوبهم، فبدأ وجوديًا متأثرًا بالتيار الوجودي الذي تزعمه جان بول سارتر، ثم تبنى الفكر القومي العربي منهجًا للتحرير، فانضم الى حزب البعث العربي، لكنه سرعان ما استقال منه بعد فترة وجيزة، وانتقده في كتابه الشهير الموسوم " حزب البعث.. مأساة المولد ومأساة النهاية "، وقال أنه اكتشف أن البعث لا يخدم الأهداف الحضارية العربية. انشأ صفدي مجلة " الفكر العربي المعاصر " العام ١٩٧٩ وسخرها لاحياء " فكر التنوير " وجعلها فضاءً واسعًا للتفاعل بين الفكر العربي والفكر الانساني العقلاني، واعتبرت من أهم الدوريات العربية الصادرة التي عنيت وتخصصت في نشر دراسات الفلسفة والفلاسفة المؤسسين وخاصة الفلسفة الحديثة.

كذلك أسس مركز الانماء القومي في بيروت، الذي تبنى مشروع الترجمة البحثية العلمية للكتب التأسيسية في مجال الفلسفة، وكذلك طباعة كتب أساسية لفهم الحضارة الاسلامية في مراحل نهوضها وانحطاطها. وكان صفدي يدعو الى عصر تنويري عربي معاصر لا يمكن أن تقوم نهضه بدونه، لأنه حتى الآن لم تمر الحضارة العربية بعصر تنوير فيما بعد انحطاط حضارتها.

وكان يرى في التنوير "فعلًا كفاحيًا ينازل فيه النور الظلام في وضح النهار"، ولأحداث هذا التنوير برأيه فان العقل بالذات يحتاج الى اعادة نظر في ذاته وليس فقط في موضوعاته، وهذا هو عمل الفيلسوف العربي الآن اذا كان هناك فيلسوف عربي، وهو أن يشتغل على تحليل البنية العقلانية للعقل العربي بالذات، والعقل العربي طبعا عقل انساني ليس عقلًا خاصًا لكنه ضمن تجربته التاريخية أصبحت لديه أنواع من العقد الباطنية التي يجب الكشف عنها ليحدث في يوم من الايام تغير حقيقي ".

ولم يقتصر انتاج مطاع صفدي على العمل الفكري والكتابة الفكرية الفلسفية، بل اهتم بالانتاج والابداع الأدبي.

وكان قد نشر مجموعة من القصص القصيرة في مجلة الآداب اللبنانية الشهيرة، التي شكلت حاضنة للفكر القومي العروبي والمنهجية الوجودية، وألف أعمالًا في الرواية والمسرح، منها: جيل القدر وثائر محترف، وأشباح وأبطال.

أما في مجال الفكر والفلسفة فقد صدر له: فلسفة القلق، والثورة في التجربة، واستراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة، نظرية القطيعة الكارثية، نقد الشر المحض، نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة، والأدب الحدسي وأزمة البطل المعاصر.

مطاع صفدي مثقف اشكالي، أسهم في اثارة الكثير من الأسئلة حول جدية المشروع الثقافي وعيوبه النخبوية، وحاول عبر الكثير من طروحاته وأفكاره ومشاريعه فتح قنوات حوار وتثاقف وتلاقح مع اسئلة العقل العربي، وهو يعد من أهم الوجوه النقدية الفلسفية العربية المعاصرة، وسندباد الفكر الفلسفي الحر .

فسلامًا لروحه وعاشت ذكراه خالدة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

رسالة لم تنفذ بسبب مجهولية الاقامة

استاذتي المحترمة طاب يومك

عزيزتي تأبق من قلمي حروفي المونقة المعبرة، فذلك الجهد المبذول بين يديّ النهار وعيون الليل ضاع سدىً لما ادّعاه دعاة الأدب وجهابذة القول . كأنّ الله وقفهم على ألسنة العباد وعلى نزف القلوب وجعل ميزان البلاغة حكرا عليهم . هم يحتكمون الى الرجل الذي - مع الاعتذار له - ما ادعى قط انه يعرف كل كلام البشر وطرق تعبيرهم عن ذواتهم عبر المكان والزمان، شبابهم وشيوخهم في كل وقت وزمان . بل وضع الرجل ثبتا بما وجده في زمانه، غير ان ما وضع صُنّف في دواخلهم وعرفهم كأنّه كتاب مقدس - بعد كتاب الله وسنة نبيه - وعلى ذلك ساروا وتصرفوا . وآتي أنا تلميذتك النكرة غير الموصوفة بدفتري وأوراقي الهزيلة الى بابهم العالي، غير مسندة بجاه ولا توصية، تجاوزني زمني بعقود - وقد كنت أنشر شيئا من قصائدي بين حين وآخر كما تعلمين - فتشمخر أنوفهم وتقتحمني النظرات، دخيلة الى صرحهم الممرّد من قوارير ويقول قائل منهم بعد أن خط بقلمه الأحمر العريض تحت بضع كلمات مما أقول : لقد انتهكت كتاب رجلنا الذي لفه الموت منذ أكثر من الف عام . كان ما قالوه حقا وما قلت (في نظري) أكثر صوابا فلست أدين لأحد حي ولا ميت بما أقول . تعلمين ان القانون العام للنظم يحتم أن الترفيل في العجز فقط، أما ذوقي أنا فيقول ليكن الترفيل في الصدر والعجز معا فهذا قانون التوازن عندي، ولم أخرق بذلك أيَّما حكم سماوي . وهنا حلّ الاختلاف فالرفض . كانت هناك نقاط اخرى لاعتراضهم على ما أكتب غير اني فندّتُها جميعا الا هذا . بقي عظمة ناتئة في حنجرتي . تخزني كلما ابتلعت ريقي . وكان من وساوسي التي ركبت رأسي انّي عدت لما كتبت في أوراقي الصفراء عبر السنوات في مثل هذه الحالة، وجدتني كلما كتبت على مجزوء الكامل - وهو وزن أعشقه كثيرا - ورفلت أرفل الشطرين معا أغلب الأحيان، وربما لأنه سائغ لم يعترضني أحد . نمت على خيبتي . بعد يومين أو أكثر حلمت حلما في غاية الغرابة اذ رأيت (ثلة من الأطفال يرتدون ملابس نظيفة مهندمة وجميلة يسيرون على الطوار بانتظام وهدوء كانوا من كلا الجنسين وكانت ضفائر الصغيرات حسنة الجدل زينت بشرائط بيضاء كانوا يتجاذبون أطراف الأحاديث بأصوات خافتة حلوة تزيدهم طرافة وحسنا غير أن شيئا ما كان يعيبهم جميعا اذ كانت أرجلهم التي ارتدوا فيها أحذية جميلة ونظيفة فوق جوارب بيضاء كانت احدى القائمتين لجميعهم على الاطلاق تامة كاملة والاخرى مبتورة من فوق القدم بقليل) اقشعر جلدي لمرآهم واستيقظت متسائلة ما هذا الحلم الغريب وماذا يعني لا أدري ؟. وما مرت الا بضعة أيام واذا بالحلم نفسه بحذافيره وتفاصيله كبيرها وصغيرها يعرض كاملا على لوحة نومي العريضة (الأطفال أنفسهم بملابسهم وسيرهم وأحذيتهم بجواربها البيضاء الأنيقة وحسن انتظام مشيتهم غير أن البتر في أحد الطرفين أخلّ بالمشهد كله) غير انّي انتفضت من نومي هذه المرّة وفي ذهني التفسير كاملا واضحا كالشمس - كما بدا لمندليف جدوله الذري حسبما يُشاع - انه الترفيل الذي حرت فيه ولم أعرف كيف أرد من عاب عليّ ايرادي له في صدر البيت وعجزه فمع انتظام سير البيت بوجوده في العجز فقط فأجمل من ذلك وربما أصح أن يكون في كليهما مع الاعتذار للذي وضع القانون المتبع في هذه الحالة وفي حالات اخرى أيضا .

استاذتي العزيزة أحببت أن اشاركك بهذا من تلميذتك المخلصة ودمت .

 

سمية العبيدي

....................

معلومة / الترفيل / لمن لا يعرفه هو سبب خفيف يضاف في نهاية الضرب (العجز) في مجزوء الكامل كما انه يضاف في نهاية العروض (الصدر ) في مطلع القصيدة في البيت الأول فقط .

 

 

نايف عبوشسألت زميلي عن حاله في اطار تبادل التحايا معه.. وقد استرعى اهتمامي ما اجابني به بصريح القول.. من (اننا يا اخي انما نعتاش اليوم على ما يختزنه عقلنا الباطن من ذكريات الماضي، حتى وان كان بعضها مؤلما)..في رد مثير منه، يمثل استشعارا لسعادة مضت، نتجاوز بها تعاسة غربة الحاضر،وصعوبات الحياة المعاصرة، بعد هذه الرحلة الطويلة من العمر..

ادهشتني بحق عاطفته الجياشة، وطريقة تعبيره بهذه التلقائية المباشرة، عن حقيقة ما يجول في خاطره، وما يكابده من معاناة العزلة المؤلمة، بفجوة الجيل، في حياته الراهنة..التي يسعى لتجاوز مرارتها، بلجوئه لإعادة إنتاج صور الماضي،واستيلادها بذهنه بطريقة وردية.. ليشاطر زملاءه، الاحساس بوحدة المعاناة، ويشاركهم الحنين الى الذكريات.. رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها.. إذ قد يكون البعض منهم، قد عاشها في سعادة، ورفاه، في حين عاشها البعض الآخر، في تعاسة، وبؤس .

وبغض النظر عن التفسيرات النفسية لمثل، هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي، بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة.. التي عكستها عبارة زميلي لي..ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل التأويلات العلمية البحتة لها، التي غالبا ما تختزلها في تاويلات باهتة، تقف بها عند حد اعتبارها ظاهرة مرضية، تعرف بـ(النوستالجيا)، فأنه يبدو ان هذه الظاهرة، تظل حقيقة انسانية، ماثلة بيننا.. نعيشها بين الحين والآخر.. فلطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا،كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية، بالعودة الى دهاليز الذاكرة،والتسكع في وهادها السحيقة.. تلمسا لبصمات ماضينا الجميل.. التي تغمرنا بجرعة سعادة معنوية، كلما هربنا اليها من صخب ضجيج حياتنا المعاصرة، التي ارهقتنا بتداعياتها المتواترة حقاً.

ومن هنا قد نستطيع القول، بأن ظاهرة الحنين إلى الماضي، والتي نمارسها بين الحين والآخر، والتي حتى وان بدت لنا الذكريات معها، أقل سعادة، وقد تكون طافحة ببؤس واضح، في كثير من جوانبها، بحيث ان البعض بالغ في تسفيهها، عندما وصفها بقوت المفلسين، والفاشلين، إلا إنها مع ذلك، تظل، على ما يبدو، ظاهرة اجتماعية نفسية، تتآزر مع حسنا المرهف،للتنفيس عما في دواخلنا من إرهاصات ضغوط الحياة، ومن ثم، فإنها تتجاوز كونها مجرد مرض حنين للماضي، وحسب، كما قد يبدو للبعض

 

نايف عبوش