 أقلام ثقافية

نفحات إنسانية عن شيخ المعرّة

كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن "شيخ المعرة" تتضمن الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لدن القراء الكرام من خلال تعليقاتهم أو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّروني بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: "إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية..

فلا يعجبنّيَ هذا النفاق - فكم نُفِّقت محنةٌ ما كسّدْ

 تتضمن  "شيخ المعرة" أول الكلام: كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن الكرام، فاستحسنها الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لد القراء الكرام من خلال تعليقاتهمأو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّرونوي بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: " إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية ..

أبو العلاء المعري، هو معلم المعلمين، ولا أقول هو شيخ الشيوخ، فليس كلُّ من اعتمّ بعِمّة أيّاً كان حجمها وشكلها ولونها هو شيخٌ، وقد أرانا زمانُنا هذا الذي نعيش من الشيوخ عجباً، وليس هذا موضوعنا إنما هو عِلّتنا المُستحكِمة والمُتحكِمة فينا و داؤنا العضال!

تقلّب الفتى على فراشه قلق الوساد، وهو لذي سيُشتَهر بالخطيب التبريزي، فهو مولود في تِبريز ولا يغرّنك مسقطُ رأسه ولا لقبه، فهو عربي المحتِد من بني شيبان، انتقل وأهلوه إلى بغداد، وبانت عليه علامات النبوغ من قوة حافظة وفطنة وتتلمذ على خيرة اساتيذ بغداد واستوعب علومهم نحواً وصرفاً وعروضاً، وحفِظ من الشعر روائع فحول الشعراء ووقف على معانيها وألفاظها وبلاغتها وصورها ومحصّ السمين من الغث، فرهفت حاسته وتثقفت ذائقته..

سمع شيوخ بغداد يلهجون بذكر إمام في الفلسفة واللغة وفقهها ومعجم ناطق في مفرداتها وروايات شعرها وشعرائها ونحوها وصرفها، فمن يا ترى يكون غيرُ الشاعر أبي العلاء، وهو وحده المعرّف بكنيته أو بنسبه إلى المعرة، أو بلقب شيخ المعرّة؛ لذا قرر أن يشد الرحال اليه وأقنع والديه فاقتنعا.

   وشرع يمنّي نفسه باللقاء ويتخيل كيف سيكون الحديث مع الشيخ الجليل وكيف يحضر الدروس مع طلاب لابدّ أنهم أذكيا نجباء وسيتصور أنه يرجع إلى بغداد ليصبح علماً من اعلامها علما وصيتا؛ يشار إليه بالبنان، ألا يكفي أن يكون تلميذ أبي العلاء المعري؟!ً

وهذه دار أبي العلاء، طفق يطرق الباب برفق، وقلبه يطرق بقوة حتى بدا نبضه له مسموعا بين جوانحه، ففتح الخادم الباب، وبادر الزائر بالسلام، يريد مقابلة الشيخ، فأذن له بالدخول وتكلم بلغة تدل على مكانة صاحبها، عرّف بنفسه قال أنه قدم من بغداد ويطمح أن يكون تلميذه لعام وبعض العام، وعندما انتهى من كلامه، صمت الشيخ قليلاً، فالحال ضعيف والحمل ثقيل من طلاب قطعوا الجبال والوهاد والوديان ليغترفوا من علم الشيخ، وكل دخله يأتي من جراية قيمتها ستون ديناراًمن وقف والده يمنح نصفها لخادمه، ويعتاش وطلبته من الباقي، وطعامهم الغالب العدس والخبز ويتحلون بقليل من التين الرطب في موسمه والجاف في غير موسمه والتين رخيص في المعرة والشام عموماً رخص التمر في البصرة والعراق عموما.ً

   ولا يدخل دار الشيخ الذي أمضى دهره صائماً ممّا يخص الحيوان شيئا وهو القائل في هذا المخلوق الضعيف: استضعفوك فأكلوك.

ولكي يُطمئن الشيخَ أخرج صُرّة في غلاله فتحها ليضعها في يد أستاذه، فسأل الشيخُ متعجباً ما

هذا، فأجاب الفتى على حياءهذه مخشلات من ذهب كي أخفف من حملي عليك،فرد الشيخ : نحن لا نأخذ من تلاميذنا مالاً، والعلم عندي مُباح، فألح الفتى، فنادى الشيخ على خادمه وسلّمها له.

أمضى التبريزي سنّة ونيّفاً يغترف من علم أستاذه اغترافاً ويأكل ويبيت بضمير مرتاح، وغدا من المُبرَّزين بين زملائه أثيراً عند أستاذه الذي أعجِب به أيّما إعجاب، وخصّه بكثير من فلسفته ما أخفى منها وما أجهر، فلمع اسمه وعلا، حتى حان موعد الرحيل، جاء إلى أستاذه ليودعه ويشكره على ما قدّم له بإخلاص، وقبل أن ينهض أخرج الشيخ الغلالة وصرتها التي لم تُفتح قائلاًيابني هذه أمانتكم أمانتكم رُدّت إليكم حاول الفتى أن يقنع الشيخ باستلامها فأبى..!! ..

إلى كل من غمرني بلطفه وحسن كلماته حين كتبت " مدرسة رحمة الله") (سقت هذه الشذرة

***

سيرة أبي العلاء المعري (363-449هج) يتلمسها القاري من خلال جهوده وسيرته وأعماله العظيمة، وما كتبه المعاصرون من أمثال طه حسين  في "كتابه مع أبي العلاء في سجنه"، ومن خلال كتاب الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء في رسالتها الذائعة عن أبي العلاء..

وأما سيرة تلميذه الخطيب التبريزي(502-421هج) الذي لم يأخذ شهرته التي تليق بمكانته إلا عند الدارسين لعلوم اللغة وآدابها، فهو محقق وشارح العديد من أمهات الكتب التي أذكر منها على عجالة : تحقيق وشرح المعلقات العشر، تحقيق وشرح المفضليات للمفضل الضبي،شرح ديوان استاذه سقط الزند، تحقيق وشرح مقصورة ابن دربد، وكتابه عن العالم اللغوي ابن السكّيت...الخ.

 لم يمتدح أبو العلاء حاكما قط ولم يتقرب إلا للعلماء والأفاضل الذي يقول عنهم:

أولو الفضل في أوطانهم غرباءُ - تشذُّ وتنأى عنهم القرباءُ

بقي أبو العلاء في بيته بعد أوبته من بغداد في  وحاز على لقب "رهين المحبسين"

الدار والعمى لمدة تسع وأربعين سنة  ولم يخرج إلا مرةَ واحدة، لمقابلة القائد النبيل

   حاكم حلب صالح بن مرداس، الذي حاصر المعرة لأن أهلها عصوه، فجاء الناس يتوسلون أبا العلاء ليدفع عنهم غائلة الحرب، فانصاع لطلبهم وخرج يتكىء على خادمه ولما عرفه القائد أمر بوقف القتال، واستقبله وأدخله الخيمة مرحبا به وأجلسه سائلاً إياه: ما حاجتك؟ فقال أبو العلاء: الأمير - أطال الله بقاءه-

 (صباحه ومساؤه/خ) كالسيف القاطع لانَ متنُه وخشن حدّاه وكالنهار الماتع قاظ وسطه خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرِض عن الجاهلين، فقال له صالح وهبتها لك، ثم قال أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء ، لنرويَه عنك، فأنشد ارتجالاً:

تغيّبتُ في منزلي برهةً - ستير العيوب فقيد الحسدْ

فلما مضى العُمرُ إلا الاقل- وحمّ لروحي فراقُ الجسَد

بُعِثتُ شفيعاً إلى صالحٍ - وذاك من القوم رأي فسَد

فيسمُع منّيَ سجع الحّمام - وأسمعُ منه زئير الاسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق- فكم نَفَّقَتْ محنةٌ ما كسَد

 فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الاسد... ثم رحلّ.

 

خالد جواد شبيل

السادس من آذار 2017

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الجاد خالد جواد شبيل
ودّاً ودّا
للمعري بصمةٌ ( طغراء ) في اللغة العربية نثراً وشعراً , حسبه انه ترك لنا كنزاً لا يفنى وذلك الكنز في اعتقدادي هو ( اللزوميات ) ,
ناهيك عن رسالة الغفران وديوانه والفصول والغايات وشرحه ديوان المتنبي وسيقتصر تعليقي على اللزوميات كمادة تعليمية فهذا
الديوان فريد بشموله على كل قافية ممكنة في النظم فقد كتب فيه من القصائد والمقاطع ما لا يجده القارىء الجاد في ديوان آخر .
التزام ما لا يلزم ظاهرة موسيقية فذّة يمكن أخذها وحدها كقيمة شعرية كبرى أبرزت فرادة الإكتناز الموسيقي الذي تنفرد به العربية
ولن اتحدث عن الجانب الفلسفي والبعد الإنساني فما يعنيني في هذا التعليق هو الإشارة الى ان المعري منجم لغوي لا ينضب ولا أدري
كيف يستهين بعضهم بقراءة التراث أو الإنصراف عن دراسته وهو متاح على الشابكة العنكبوتية مكتفياً (هذا البعض) بالتقوّت (شعريّاً )
على ترجمات سقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع .
(أبو العلاء المعري، هو معلم المعلمين) ما أدق هذه العبارة في مقالك وما أبلغها , نعم انه كذلك . مقالتك هذه وكل ما هو على غرارها
لهو دفاعٌ عن تراث يكاد يتلفه الإهمال والصدود لا بل وصل الأمر الى التآمر على تمزيق اللغة بحجة مسايرة العصر
وهجران القديم كأن الذي ينحو هذا المنحى قد فتح فتحاً مبينا ً في العصرنة على الأصعدة كافة ولم يبق أمامه سوى اللغة العربية كعائق
أخير فلا بدّ إذاً من الإجهاز على ما تبقّى منها .
زدنا من نفحاتك أخي خالد فإنّ لها لعبقاً يذكّرنا في هذا الزمن الخانق بشميم ٍ من عرار نجدٍ .
دمت في صحة وأسفار ونقد جاد أخي أبا الوليد .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع جمال مصطفى شعراً ونقدا
أحييك بحرارة لا تبلغ جمال تعليقك وثراءه.. ولا مجاملة في الأمر قط..
نعم ياصديقي أبا النديم لقد فتح شيخ المعرة باب الفلسفة على مصراعيه بعد أن كانت حضورها باهتاً في ومضات فطرية عند طرفة والهذلي وأبي نواس بمنحاه العبثي الوجودي.. وكان العناق بين الشعر والفسفة جميلاً بل أراه جمّل الفلسفة وأعطاها رطوبة الشعر وجعل كأسها المرّة سائغة!
وثاني الأمور هو أنه طبق الجوانب الفلسفية والأخلاقية على حياته اليومية ما أكسبه بعداً إنسانيا متفرداً ففي زمان كان - ومازال للأسف حاضراً أحيانا- التكسب بالشعرهو القاعدة والتعفف هو الشذوذ!
وما أردت من هذه المقالة هو إبراز إنسانية أبي العلاء لأن شعره تجده وافراً على الشبكة..
لم ُينصف أبو العلاء من قبل كثير من المؤرخين الذين تجنوا عليه من أمثال صاحب "سير أعام النبلاء، الذهبي، وكذلك مثيله ابن كثير في "البداية والنهاية"!
وحتى الدكتور الكبير طه حسين لم يمنحه حقه رغم المشترك الكبير بينهما، باستثناء عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) في رسالتها للدكتوراه المُعجبة عن أبي العلاء..
لقد حاول الرصافي أن ينحى نحوه فلسفيا وخاصة في كتاب المعري " الفصول والغايات" بما كتبه مثراً لا شعراً عن الرسالة المحمدية.. ولكنني أجد الزهاوي طرق باب الفلسفة شعرا يصل إلى السذاجة أحيانا..
عبقرية المعري وقوة ذاكرته وسعة خياله تكمن في كثير من كتبه ولكنها تتركز في رده على رسالة ابن القارح الذي أراد أن يبيض صفحته أمام أبي العلاء ويزكي نفسه عن خذلانه للوزير المغدور ابن المغربي فكتب رسالة ولسان حاله يقول هذا علمي يشفع لبراءتي فرد عليه أبو العلاء برسالة الغفران، التي أوحت لدانتي فكرة الكوميديا الإلهية..
الحديث عن شيخ المعرة ذو شجون..
ما كتبته هو من الذاكرة وتوثقت فقط من بعض التواريخ والأشعار..
صديقي جمال ..لك الشكر والاحترام والاعتزاز... وللمثقف وربانها الصديق ماجد الغرباوي الشكر الذي يزيد ولا ينقص/خ

خالد جواد شبيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3836 المصادف: 2017-03-07 12:48:36