 أقلام ثقافية

طنين اغاني الحرب في ذاكرتي

likaa mousaalsaidiهل انا وحدي اعاني من هذا الضجيج في راسي؟ منذ سنوات خلت وانا اصحو من نومي اردد اغنيات الحرب واناشيده، واحيانا الحانه حين تضيع الكلمات ويظل لحن تلك الاغنيات يحفر في دماغي رغما عني، ورغم اني احفظ اغاني المطرب المصري عبد الحليم حافظ وشادية والكثير من اغاني فاضل عواد وفؤاد سالم، وحسين نعمة .الا اني لا ارنمها الا في صحوي ومع تقدمي بالعمر زاد هذا الامر ليتحول الى احلام سريالية تجتمع فيها اطراف من حياتي الشخصية مع اغنيات حربية لاعلاقة لها بالحدث، مرة وفي احدى المنامات رأيت زوجي يرتدي بدلة عسكرية زيتونية مع شاربين كثيفين، ويصطف مع باقي اعضاء الفرقة الوطنية للانشاد وكان منهمكا وهو يردد اغنية لم اكن احبها واحسب انها كانت تظهر في تلفزيون العراق وانا في الخامسة من عمري: كان زوجي يغني

شمس احنة شمس... للي يحبنة شمس

درس ننطي درس... للي يضدنا درس

طارت طيور الجنة ... حطن على وطنا

الشمس غابت واحنا... شمش للي يحبنا شمس

اخبرته بالحلم فضحكنا، وصار يكمل لي الاغنيات ويخبرني بالملحنين ويذكرني باغنيات اخرى نسيتها او نسيت اطرافا منها، لكن مع استمرار الامر لم يعد الامر مضحكا ولم اعد اخبر احدا بالاغنيات التي افيق على وقع الحانها يوميا وبلا توقف.

بعض الاغاني كانت ترتبط بمناسبات تتعلق بحركة الجيش العراقي واستعادته لاراضي من الجيش الايراني، مثال ذلك اغنية هي يا اهل العمارة، التي ارتبطت بمعركة تاج المعارك في جنوب العراق وعلى اطراف هور الحويزة، في وقتها واثناء الاصطفاف لرفع العلم في المدرسة سحبتني مدرستي لاغني الاغنية امام المدرسة كلها ولانها كانت تتردد بكثرة في التلفزيون فقد حفظتها وغنيتها، بينما لم اخبر اهلي اني فعلت هذا  لانهم لن يقبلوا ان نحفظ او نغني اغاني الحرب تلك، وحين كانت تعرض اغنية هي يا اهل العمارة ... هاي اجمل بشارة

هاليوم كلنا جنود... عن الحدود انذود

وعالنصر عبارة

وتظهر سعدية الزيدي وهي تهزج وترقص بعبائتها فيسارع ابي لشتمها كما يحلو لعراقي ان يشتم ويقول: ارقصي على اجساد الرجال ارقصي....

بعد تلك المعركة حرمت امي دخول السمك لبيتنا رغم حب ابي له لان شائعات انتشرت بان الاسماك في الهور اكلت اجساد الرجال، وان احدى النسوة فتحت بطن سمكة لتجد اصبع رجل بخاتم زواجه، كانت هذه الاخبار تخيفنا ونصدقها وتنتشر كاهشيم بين الناس.

كانت الاغنيات تصدح احتفاءاً بالنصر والناس تبحث عن مصائر اولادهم في تلك المعارك. هذا مالم اكن ادركه في سن مبكرة فقد كانت بعض الاغاني الموجهة للاطفال تعجبني واتمنى ان اكون بدل الطفلات المغنيات لاسيما بيداء عبد الرحمن بشعرها الكاريه المدور الذي يشبه شعر ماري ماثيو وثوبها الابيض الطويل وهي تغني هسة يجي بابا البطل...متخيل الدبابة

هسة يجي مثل الصبح ... فتح بوجه احبابه

يا بابا احلم واشوفك بالحلم...شمس الوطن وترابه

واصحى وبيانات القيادة تحقق اليتغاوة

ومرفت احمد البنت المصلاوية التي كانت تغني مثل ملاك اغنية وح وح والي فرحانة القائد حاضر ويانة

هنيني بابا هنيني الفرحة ماهي وسعانة

ياقائدنا ياغالي ياقائدنا

اسمك دايما في العالي

ربيعك هل علينا .. والنصر داير حوالينا

كان اداؤها رائعا واللهجة المصلاوية قلبت على لسانها فصارت تشبه اللهجة المصرية وهي تدور بثوب احمر وطوق زهور على راسها، كانت تسحرني دون ان افكر ان مغزى هذه الاغنيات الترويج لفكرة بابا صدام وعمو صدام في ضمائرنا البريئة في وقتها.

اما اكثر الاغنيات شعبية والتي كانت تلهب مشاعر الشباب  فتنقلب مدارس الكرادة  راسا على عقب ماان تبث من مكبرات المدارس في الاحتفالات الوطنية الكثيرة، فهي اغنية ابو حسين علي التي اداها سعدون جابر

ابو حسين علي يكرار علي....ياسيف الاسلام سيفك امانة

بيدين صدام سيف بمكانة...واحنة جنود  وزادنة الله واكبر...علي...الله واكبر

جدنا الرسول اليعربي وابونا حيدر..علي

يكرار

فدائيين كل احفادك نصير .. فدائيين احرار

مطوعين فد احزام فد ايد...مطوعين ثوار

اهل نخوة وشيمة ... اهل همة وعزيمة

لاجل روح الرسالة نكون ثوار  .. فدائيين كلنا صغار وكبار

عراقيين على الجبهة صناديد...عراقيين ابرار

منصورين كل ايامهم عيد... منصورين بالغار

جنود القادسية عرب عزة وحمية...قيادتنة حكيمة وشعب جبار

يكرار ...ابو حسين علي يكرار علي

ورغم شعبية الاغنية وتاثيرها الحماسي الطاغي فقد منعت لاحقا ويقال ان خير الله طلفاح خال صدام ووالد زوجته اوصى بمنعها بحجة اثارة النعرات الطائفية.

اما الاغنية التي كانت تصيب امي بانهيارعصبي لانها ترافق كل هجوم يقوم به الجيش العراقي فتهرع الى التلفزيون لتغلقه بقوة فهي اغنية:

دكي يلراجمة اها...خلي تضوي السماء أها

ترة هاي الحاسمة أها

هذا يوم الحساب... خليهم بالتراب

أما المغنيات العرب الذين كثروا في وقتها يتملقون صدام بشتى الاساليب، كانت سوازان عطية المطربة المصرية قبالة سميرة سعيد المطربة المغربية التي كنت اراها كاليمامة بصوتها الملائكي وادائها المنمق والطوق الذهبي يضيء جبهتها تغني:

عراق الكرامة لك مني السلامة....ولكل البشر

شمعة انت في بالي.. يمنور الليالي وبعيني قمر

ارسملك ببالي ببالي وبفكري وخيالي ... الاف الصور

بينما كانت سوزان عطية المغنية الاكثر بشاعة التي كنت امقت ظهورها في التلفزيون  فقد اسرفت في اغنيات الحرب وتمجيد القيادة وكان من بين اسوء اغنياتها، اغنية:

عجيد الكوم ياعونة...وميض السيف بعيونة

يرب تبارك بزوده... عرب بأهلالة موعودة

غنتها بلهجة العشيرة المقربه لصدام وكانت حين تنطق عبارة فشك صفين بحزامو

اشعر وكان بدني يقشعر من كراهية هذه المرأة القادمة من مصر لتزيد المنافقين واحدا. فضلا عن ثوبها البنفسجي الساتان القبيح وشعرها المعقود مع غرة منفوشة تصيب الناظر اليها بتلوث بصري فظيع.

اخر اغنيات الحرب التي ظلت عالقة في ذاكرتي هي اغنية كاظم الساهر التي اعقبت تحرير الفاو من الجيش الايراني المعركة التي شكلت عقدة للجيش العراقي، كانت ارتال العسكر تدخل الفاو فتباد، حتى تحررت في 17 /4/1988 .

فغنى كاظم الساهر اغنية التحرير

سمرة وجدايلها الشمس.... سحر الخليج عيونها

من لبست ثياب العرس... ماكدرو يوصفونها

الله يا فاو العرب.... كاع الوطن هي الذهب

بينما كان التلفزيون يبث صورا من المعركة تظهر جنودنا يبتسمون والارض من تحتهم منخورة بالقذائف التي حفرت فوهات فيها فجعلت الارض تبدو كسطح القمر.

لن يغادرني طنين هذه الاغنيات وقد صحوت اليوم وعلى لساني اغنية

لا والله والعباس... نوكع زلم فوك الزلم

لمن يشيب الراس... هالكاع ماتنداس

التي كتب كلماتها عبد الرزاق عبد الواحد، حسبي يا الهي ان يظل هذا الوطن محض طنين يملأ راسي ويلاحقني في صحوي ونومي حتى بعد ان اعتصمت بالجبل، وتحصنت بالبحر وهدير نسائمه العابرة من شرفتي.

 

د. لقاء موسى الساعدي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

أثناء قراءتــــي للمقال أحسست وكأن سنين العمر قد عادت بدورة سريعة إلى الوراء ، إلى تلك الحقبة البعثية السوداء التي كنا نسمع اغنياتها ونرددها بلا وعي منا ... نعم كانوا يحفرون في أدمغتنا المعاني والقيم والمفاهيـــم كي تبقى راسخة رسوخ الطاغية على كرسي السلطة ، فلا توجد وسيلة لفعل ذلك أكثر تأثيرا من الاغاني بكلماتها المنفعلة والحانها ذات الايقاع العالي ... كنا دائما موضع للتجارب ومشاريع لحروب مستقبليــة . . . نعم ، هذا الوطن محض طنين كان ولا يـــزال . . . مقال أكثر من رائـــــع .

طارق ..
This comment was minimized by the moderator on the site

ايتها اللماحة ..المرأة التي تخفي طفولتها في كومة اصوات والوان وصور .. وتسمّيه طنين ..
لاتتوقعي ان احساساتك العالية بالحرب صورة طبيعية من الطفولة تشبه الكثير من صور الحياة .. انها صورة الحرب التي تلاحقك وتلاحقنا ايضا مثل كرة الشوك التي تكورها الريح في عصفها
؛ انه كابوس اغاني الحرب والموسيقى التي ترافقها .. وايقاع الأغاني الذي يحرك المشاعر واحيانا يرهب القلب ويدمع العيون .. .. ولولا انها كذلك ماكان ايقاع موسيقى ( لا .. والله والعباس ) يتردد في المحافل حتى يومنا هذا .. متناسين انها من ارشيف اسوء ايام الحرب في العراق .. ولكن على مايبدو لايمكن تجاهل ابداعها ا لموسيقي في الأقل .
ورغم الأثر النفسي للموسيقى وكيف انها تستخدم علاجا لمشكلات النفس وكانت علاجا في السابق للجنود المصابين نفسيا بعد الحرب العالمية الثانية ..وطالما استخدمها ا الفارابي علاجا لتطييب النفس .. ومع ذلك حول صدام الموسيقى في طفولتنا الى سائل من طنين يشتغل على الذاكرة ..
الا ان الموسيقى في الحرب واغاني الحب تشكل فارقا بين الموت والحياة .. انها بالفعل تشكل مفارقة مخيفة في مخيلة الأطفال .. ومثلما اختزل اريك ريماك في روايته للحب وقت وللموت وقت موضوع الحرب والحب .. كانت اغاني الأطفال في الثمانينيات تختزل الخوف من المجهول والفرح مع عدم الوعي بالقادم او فهمه .. روح الطفل العراقي كانت تعزف على طبل من صفيح .. حتى ولدّت طفلا معاقا يتأرجح بين الحب والحرب .. وهي الفكرة الذكية التي خرجت منها رواية غونتر غراس في جزئها الأول طبل الصفيح .. الحرب تنتج احوالا واناسا مصابون باعتلال نفسي ..
عذرا صديقتي
لست وحدك تجرين اصوات الحرب واغانيها وصورها وثوب الساتان البنفسجي القبيح لسوزان عطية وشعرها المعقود ؛ بل جيلا كبيرا يعاني من السلطة القسرية لاغنية الحرب .. بل صارت بعض الأغاني تردد امثالا على المواقف الأجتماعية في الحياة او للمزاح في يومنا هذا .. منها ياحوم اتبع لو جرّينا ..
التفاتتك الحسية تلك بجنون الحرب الذي جعل في طفولتنا طنين .. وخزق ذاكرتنا .. التفاته رائعة .. احببت احساسك الملون بالحياة حين تحدثت عن صور.من الطفولة .. محبتي لك .. دائمة .. واتمنى ان تستمعي قبل نومك ... لموسيقى ريتشارد كلايدرمان وموسيقى فاديم كيسليف وموسيقى جيوفاني مارادي وموسيقى اندريه ريو ..
د.طاهرة داخل

د.طاهرة داخل طاهر
This comment was minimized by the moderator on the site

انا كذلك ولكن ذاكرتي قد تكون اقوى قليلاً .. الفرق اني لا امقتها او انزعج منها اطلاقاً ، فهي مهما تكن غُنيت للعراق وجيشه ورئيسه في يوم من الايام ضد عدو خارجي .. اما بخصوص أغنية (هي يا اهل العمارة) لم تغنى على معركة هور الحويزة "تاج المعارك" ١٩٨٥ اطلاقاً الظاهر اختلط عليكِ الامر ، بل على معركة الشيب عام ١٩٨٣ حصراً ، وهي من الحان الفنان جعفر الخفاف ، تم تأليف وتلحين العمل علـى عجل في حينها .

عراقي ولست مستعرقاً
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3886 المصادف: 2017-04-26 04:04:50