 أقلام ثقافية

الحبّ بين معضلتين: الاختيار والقدر (5)

madona askarالعشق الإلهيّ، ملء العشق. والعاشق لله حرّ في قرار الحبّ، إذ إنّ هذا العشق لا علاقة له بالمشاعر. وإنّما هو قرار شخصيّ حرّ في خوض غمار الجمال والولوج في أنوار الحقيقة. واختبار عميق في النّفس بين العاشق والمحبوب الإلهيّ. يأخذ الله المبادرة ويخطو نحو الإنسان وينتظر تفاعلاً حرّاً، فإمّا أن يقرّر الإنسان الارتباط به أو يعزف عن الأمر. وعمليّة الخلق هي بمثابة مبادرة الله في حبّ الإنسان المجبول على صورة الحبّ. وقد يبحث هذا الإنسان عن الحبّ طيلة حياته دون أن يعيَ أنّه في عمق أعماقه، ينتظر قراراً واضحاً وواعياً ليتفلّت من كلّ المشاعر المتناقضة الكامنة فيه وينطلق نحو الحبّ بقلب الله.

شاسع هو الفرق بين الحبّ الإلهيّ والحبّ البشريّ. فالأوّل علاقة منظور ولا منظور لكنّها مفهومة وحقيقيّة. فلا يمكن للعاشق لله ألّا يفهم هذه الحالة العشقيّة أو يختلط عليه الأمر، أو يتخيّل أنّه يحبّ. لأنّه إذا ما حلّ الله ولج الفكر الإنسانيّ وأناره، وحرّر النّفس والرّوح. فيتمنطق الإنسان بالحبّ ويتّصل بالعلو، لكنّه في ذات الوقت يكون صلة وصل بين الله والعالم، فيسعى جاهداً لنشر هذا الحبّ. يتنقّى من الأنانيّة وروح التّملّك والسّيطرة. ويتخلّص من القيود الّتي تحول بينه وجوهره الأصيل، الحبّ. فينطبع بالحبّ حتّى يصبح الحبّ طبعه بمعزل عن الأطباع البشريّة. وإذ يتدرّج في هذا الحبّ، يرتقي مع الله وبالله إلى عالم الحبّ الحقيقيّ، ليتّحد بالله شخصيّاً.

وأمّا الثّاني، فما هو إلّا ارتباط شعوريّ قد يكون مؤقّتاً أو قد يطول، لكنّه لا يخلد إذا ما تجاهل العنصر الإلهيّ. فالإنسان بحكم طبيعته النّاقصة يحتاج إلى النّبع الّذي سيغرف منه الحبّ. ولئن كانت تسكن الإنسان مشاعر متناقضة، فلا ريب أنّ الأنانيّة والغيرة والاستئثار تسيطر عليه حتّى وإن اتّخذت منحىً إيجابيّاً.  

الحبّ البشريّ ومضة تشعل قلبين في لحظة مجهولة التّوقيت ليدخل الحبيبان في علاقة خاصّة تعتمد على تفاعلهما الحسّيّ والرّوحيّ. لكنّها تبقى في دائرة الخطر وإن بشكل ضئيل لعدّة أسباب، أهمّها المراحل الّتي يمرّ بها الإنسان، والخبرات الّتي تكسبه مع الوقت خبرة ونضج. فالإنسان يتغيّر ويتطوّر وينمو. كذلك مشاعره الإنسانيّة قد تتبدّل وتتّجه نحو آخر. لذلك نرى حالات كثيرة من الحبّ البشريّ باءت بالفشل، لأنّ الطّرفين ظنّا أنّهما أحبّا في حين أنّهما كانا يختبران مشاعر محدّدة في مرحلة محدّدة.

من العسير أن نتحدّث عن حبّ حقيقيّ بعيداً عن النّضج الإنسانيّ وبمعزل عن بصمة الله في هذه العلاقة. والألم الّذي يواجهه المحبّان ينتج عن تلك اللّحظة اللّاإراديّة الّتي شكّلت هذه العلاقة. فالإنسان لا يقرّر الدّخول في علاقة حبّ، وإنّما يستسلم لها لاإراديّاً. وأمّا البصمة الإلهيّة فهي ضمان خلود هذا الحبّ، لأنّه سيكون حبّاً بقلب إلهيّ.

"لقد خلقتنا يا الله وسيظّلّ قلبنا مضطرباً حتّى يستريح فيك" يقول المغبوط أغسطينس، ليعبّر عن قلق بشريّ حيال معرفة الحبّ. لا يعرف الحبّ إلّا من استمدّ حبّه من الله، أي من دخل في الحالة العشقيّة الّتي تعتمد أوّلاً على القرار، ثمّ على الوعي بالحبّ كحقيقة كونيّة لا كشعور إنسانيّ محدود. ويظلّ الإنسان قلقاً يبحث عن الحبّ إلى أن يعيَ هذا العشق الكونيّ المحرّر.

وفي منحى آخر يقول الحلّاج: " حويتُ بكـُلّي كلّ حُبِّك يا قـُدْسي تكاشفني حتـّى كأنـّك في نفسـي". في قول الحلّاج تعبير عن ارتقاء أرفع درجات العشق الإلهيّ. فكيف يمكن للإنسان المحدود أن يحتوي اللّامحدود إلّا إذا كان هذا الاحتواء دليلاً على اتّحاد كلّي بين الله والإنسان. وما هذا الاتّحاد إلّا ولوج في الحقيقة واكتشافها باستمرار، والثّبات في نورها. فيحيا العاشق حالة خاصّة، حالة خلق جديد، توحّده بالله والإنسان. "دين الحبّ منفصل عن كلّ أشكال الدّيانات. العاشقون أمّة واحدة ودين واحد وهذا هو الله. - جلال الدين الرومي". لقد أدرك جلال الدّين الرّومي أنّ الله حبّ، والحبّ هو الله، والعاشقون المتّحدون بالله كتلة حبّ تتنقّل في هذا العالم. ما يأخذنا إلى قول المسيح في الكتاب المقدّس: "وصيّة جديدة أعطيكم: أن تحبّوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا." (يوحنا 34:13). تفترض الوصيّة من الطّرف الآخر تنفيذاً كاملاً، ما يعني أنّ المسيح يطلب من الإنسان أن يحبّ بقرار شخصيّ. وما يعني أنّه يتحدّث عن حبّ في بعدٍ آخر غير الّذي نعرفه، البعد الإلهيّ، القوّة الّتي تخلق الإنسان من جديد وتغيّر وجه الكون. وكأنّي بالمسيح يقول للإنسان : "فليكن قرارك الحبّ".

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4196 المصادف: 2018-03-02 01:48:24