المثقف - أقلام ثقافية

ظل شجرة وصالة ترانزيت

كم من المؤلم أن تلعب دور ومضات البرق في الحياة .. ألا تفعل شيء سوى الانتظار

أن تقبل بالحلول المؤقتة .. والمشاعر المؤقتة .. واللون الرمادي

هل جربت شعور من يستخدمه البعض ليكون صالة ترانزيت في المطار أو محطة قطار، يأتون ويرحلون وقت ما يقررون، دون أدنى حساب لما تشعر، ولما شعرت به تجاههم، متجاهلين أن تفاعلك معهم كان حقيقي، نابعًا من القلب، لقد تأثرت بهم، انفعلت لضيقهم، وسعدت بفرحهم. وعندما ينتهوا من الأمر يتركوك دون كلمة وداع، دون مشاعر، كأنهم للتو ودعوا كرسي للاعتراف، ألقوا عليه بذنوبهم وهمومهم دون خجل أو ستار، ولا لحظات من التفكير، فبما سيفكرون؟! وهو كرسي من جماد، لا يشعر، وبالتالي لن يتألم، يطؤون الأرض تحت اقدامهم، طاويين معها صفحة من حياتهم لا يرغبون في تذكر تفاصيلها بما فيها أنت.

فتجد أحدهم يلوح إليك في الأفق البعيد عنك لتنقذه من الغرق، تسرع إلى قلب البحر، وأنت لست ماهرًا في السباحة، لكن لعلك تكون القشة التي ستنقذ أرواحهم، وما أن يصلوا إلى البر، يتركونك وحيدًا كالموج يناجي حبات الرمال، تنتظر غريقًا جديدًا.

يبررون دومًا لجؤهم إليك، بأنك ظل شجرة في وسط لهيب صحراء الحياة، يميلون إليك، مهتدين إلى تلك النسائم الطيبة تملس عليهم برفق، تروي قلوبهم العطشى للأمان والحب. وفي المساء يقتطعون من جذوعها، يلتمسون نارًا ونورًا يدفئ ويحتوي أرواحهم المغتربة، يلوذون إلى جانبك أمنين مطمئنين في سلام كعصفور جريح وجد مكانه أخيرًا.

وبعد الشفاء من الغرق، والتئام الجروح، يتركونك فجأة متجاهلين ظل الشجرة، دون النظر خلفهم يتجاوزنك، كصالة ترانزيت في مكان سفر، لا تشعر ولا تتألم.

ألا يعلمون أن حتى الجماد يحن ويئن .. يتألم

هذه تريد فترة تقضيها مع روح طيبة، حتى يحين موعد السفر، فتترك الروح الطيبة دون وداع. وهذه تريد اختبار ولاء من تحب، فترسله لتعرف هل سينساها بينما يستظل بشجرة ندية مثمرة في عز الحر، هل سيضعف ويلتقط التفاحة التي ستخرجه من الجنة؟! وهذا يأتي ليحظى باستراحة محارب في دنيا النساء، ممارسًا كل ألوان الضعف، مجاهرًا بالدمع الذي خجل أن يظهره لأحد طوال حياته، ثم يذهب بلا عودة في يومٍ ذات نهار بارد كقلب الحقيقة.

الحقيقية أن لا أحد هنا يتعامل مع هذه الروح الطيبة كظل شجرة ..

بل يلومون على الشجرة، لبقائها في نفس مكانها، تتحمل العواصف الباردة، واللفحات الحارة، تتساقط أوراقها آخذة معها جزءًا من روحها. وعندما تذبل لا يشعر بألمها أحد، يتركونها حتى تُذهر غصونها، ثم يأتون إليها مجددًا، ناسين أو متجاهلين ما عانته بمفردها، ما تحملته من ألم مخاض حياة يمكنها تحملهم.

وحدها بقايا الأخضر النابتة في قلبها تساعدها على أن تثمر من جديد، مستعدة لمنح ظلها مرة تلو الأخرى.

فهل اللوم يقع على الشجرة لأنها دومًا تثمر!!

هل يجب أن تظل جافة جامدة، كمحطة انتظار!!

رفقًا بالأرواح الطيبة حولكم .. رأفة بظل الأشجار التي تضمكم .. كيلا تتحول إلى كرسي في صالة ترانزيت .. مع أن حتى الجماد يتألم.

 

سوسن الشريف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4215 المصادف: 2018-03-21 01:40:12