 أقلام ثقافية

أسطورة الأميرة اليافيّة آندروميدا (نيرموندا) المرأة المسلسة

بكر السباتينبداية يعرف علم الأساطير أو الميثولوجيا (اليونانية) على أنه مجموعة من القصص الفلكلورية الخاصة بالثقافات التي يعتقد أنها صحيحة وخارقة، تستخدم لتفسير الأحداث الطبيعية وشرح الطبيعة والإنسانية. الميثولوجيا تشير أيضا إلى فرع من العلوم التي تتناول جمع ودراسة وتفسير الأساطير.

ومن هذه الأساطير المرتبطة بمدينة يافا أسطورة جميلة تتحدث عن الأميرة اليافيّة أندروميدا (نورميندا) التي ترمز إلى الشجاعة والتضحية في سبيل ما هو أغلى، الكرامة المتمثلة بالأوطان، فما قصة هذه الأميرة؟

آندروميدا (نورميندا) هي أسطورة يونانية قديمة ,اتخذت مسارين في روايتها، الأول أن الملك كان أثيوبياً بينما ذهب المسار الآخر (وهو المرجح) إلى أنه ملك يافا، إذ تحكي الأسطورة أن الملك كوبيوس وزوجته كاسيوبيا ليس لديهما سوى ابنة وحيدة فاتنة الجمال تدعى (اندروميدا) أو - نيرموندا كما يلفظها أهل يافا قبل نكبة فلسطين- وكانت (كاسيوبيا) كأي أم تتفاخر وتتباهى دوما بجمال وسحر ابنتها الوحيدة إلى درجة شبهتها بالآلهة لفتنتها الطاغية.

حتى جاء اليوم الذى نسيت فيه الملكة المغرورة (كاسيوبيا) قواعد الاحترام والتبجيل اللائقة للآلهة، وراحت تذيع بين الرعية ما أثار غضب الآلهة مدعية بأن (نيرموندا) اجمل بكثير من حوريات البحر، فكيف يحدث هذا الأمر وقد تجرأت على بنات الاله (نيريوس)، ولم يسكت (نيريوس) على هذه الاهانة الموجهة له من واحدة من أهل الارض ايا كان شأنها، وتوجه فورا الى بوسيدون اله البحر ليساعده على الثأر ويرد له اعتباره وينتقم له من (كاسيوبيا) المغرورة وزوجها وابنتهما .

فما كان من بوسيدون الا ان ارسل تنينا عظيما يدعى (الكراكون) الى شواطىء المدينة التى يحكمها (كوبيوس) واخذ التنين يهاجم الاهالى ويثير ذعرهم ويقلق المدينة كلها وكان غضب بوسيدون مخيفا.

فلقد امر (بوسيدون) بتقديم اندروميدا (نيرموندا) الجميلة الى التنين كقربان والا لن يبتعد عن مدينتهم وسيظل يؤرق منامهم ويرعبهم وبالطبع لم يكن هناك مفرا من ارضاء التنين ليرحل , لذا فقد ربط (كوبيوس) ملك اثيوبيا ابنته الوحيدة اندروميدا الى صخرة على شاطىء البحر ووقفت المدينة بأسرها تنتظر ظهور التنين لينقض على فريسته ويلتهمها.

فسمع بقصتها حبيبها البطل (بيرسيوس) الذي باغت الجميع وهو يمتطي صهوة الحصان المجنح بيجاسوس آتيا نحوها لينقذها وكان بيرسيوس قد خرج فى مغامرة كعادة الابطال الاغريق فكان بيرسيوس ما يزال يرتدي حذائي هيرمِس اللذين استخدمهما في مهمّة قطع رأس ميدوسا. فقد واجه (ميدوسا) الشنيعة التى تحيل نظراتها اى شىء الى حجر جامد وقتلها واتى برأسها معه على حصانه الطائر وفور ظهور الوحش وقف بيرسيوس ليحول بينه وبين اندروميدا (نيرموندا) وبيده رأس ميدوسا وقد رفعها فى وجه التنين فتحول التنين الى حجر وتحطم ونجت اندروميدا (نيرموندا) وفك بيرسيوس السلاسل التى قيدتها وعادا معا ليتزوجا، وقد قدم بيرسيوس رأس ميدوسا الى بوسيدون لارضائه وليعفو عن اندروميدا وقبل بوسيدون تلك الهدية وعفا عن مدينة يافا، وتزوّجا حيث أنجبا في ما بعد ستّة أطفال.وبعد وفاتها وضعت إلهة أثينا صورة أندروميدا أو نيرموندا (المرأة المسلسلة) بين النجوم في السماء الشمالية بالقرب من فرساوس وكاسيوبيا كمكافأة لحفظها وعد والديها وتسمية مجرة كاملة باسمها.

ومن الطبيعي ما دام الحديث كان يجري في زمن الكنعانيين أن تكون الأميرة نورميندا ذات جذور كنعانية، أو أن الشعراء اليونانيين التقطوا هذه الحكاية من ألسنة الكنعانيين سكان المدينة الأصليين، على اعتبار أن التناص بين الحضارات في المثيلوجيا وارد في كل الأزمان.

يقال ان لاسطورة الجميلة اندروميدا ( نيرموندا) حقيقية حيث انه توجد على شاطىء مدينة يافا صخرة تدعى صخرة نيرموندا (كما يلفظها أهل يافا قبل نكبة فلسطين) وهى التى قيدت اليها الأميرة بالسلاسل

و يؤكد استرابو 64 ق.م. ـ 19م» الجغرافي الروماني بأن سلاسل أندروميدا كان تُرى في أيامه فوق صخور يافا. وفي ايام Scaurus، أول حاكم روماني عهد اليه بولاية فلسطين. أخذت هذه السلاسل وعظام التنين التي كان يحتفظ بها في المدينة إلى روما وعرضت فيها كاحدى غرائب الدنيا.

ويذكر بليني 23 ـ 79م ان طول عظام الوحش المنقولة إلى روما تبلغ 40 قدماً واضلاعه تفوق طول الفيل الهندي وسمك جلده يبلغ قدماً واحداً(34).

وقد عثر على صورة لأندروميدا (نيرموندا) وهي جالسة على صخرة منقوشة على قطعة من النقود التي تسك في يافا.

هذه الأسطورة تنسجم مع صمود يافا في وجه الغزاة الصهاينة، لكن يافا لم تجد لها منقذاً.. إلا أن النصر قريب

والجدير بالذكر أن هولود استوحت قصة ( الجميلة والوحش) بتصرف شديد من هذه الأسطورة المدهشة. علماً بأن

الروائي بكر السباتين كتب رواية عن يافا تحمل اسم ( صخرة نورميندا) تعبيراً عن صمود أهل يافا في وجه الغزاة الصهاينة.

 

بقلم بكر السباتين

..............

* المراجع بتصرف:

صلاح نصر، الحرب النفسية- معركة الكلمة والمعتقد، الجزء الأول، ص311

^ "Who's Who in Classical Mythology," Michael Grant & John Hazel, Oxford University Press, 1973,1993, p.31, ISBN 0-19-521030-1.

^ "دليل فلسطين"، مريم شاهين. الدار العربية للعلوم - ناشرون، الطبعة الأولى 2007. ص: 230

رواية (صخرة نيرموندا) بكر السباتين

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

في ميثالوجيات الشعوب الاخرى تتواجد اساطير شبيهة بتلك التي وردت في هذا المقال الجميل ولابد ان الكاتب الفاضل قد مرت به اسطورة القديس جورج او جرجيوس الذي قل التنين وانقذ اميرة بيروت وهي اسطورة نراها منقوشة على القطع النقدية و والايقونات المسيحية والصور والتي لاتزال شائعة بكثرة وخاصة في دول اوربا وحتى الشرق الاوسط ونجد تثلا كبيرا في وسط الساحة الرئيسية في مدينة الفحيص الاردنية والابد ان نربط الحد المكاني لاسطورة اندروميدا اليافية بالاميرة البيروتية فنجد ان منطة الحدث هي تقريبا نفس المنطقة . وتودنا هذه الاساطير الى اساطير اكبر مل اسطورة كلكاميش البابلي ملك اورك العظيم والذي استوحى كتبة التوراة قصة نوح منها وغيرها مثل ملحمة اطراحميش والماخوذ عنها قصة التوراة في الخلق ويطول الحديث ولا ينتهي

صباح الوزير
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا هو التناص بين الحضارات القديمة في بنية الأساطير الأصلية.. المثالوجيا تحافظ على النص الأصلي لكنه أيضاً كونه منقولاً شفوياً سيوظف بدون توثيق ومن أعماق اللاوعي الجمعي لرواة الأسطورة، ففي حدث ما تتتغير بعض التفاصيل التي تمثل هوية الحضارة المسقط عليها وخاصة ما يتعلق بالآلهة والعادات والتقاليد.. ومن هذا المنطلق فإن الأميرة أندروميدا) ( نورميندا) في ثوبها الكنعاني قد لا تختلف عن الأميرة بيروت التي أنقذها القديس جرجيوس في فجر الحضارة البيزنطية أواخر العهد الروماني، والتي ربما تكون من بقايا قصة مشابهة وردت بثوبها الفنيقي. وبالطبع هذا ليس انتحال بل تفاعل وتثاقف حضاري أفقي وشاقولي.. وكان بوسعي كروائي ينتمي لهذا العصر أن أسقط هذه الأسطورة على نكبة فلسطين من باب التوظيف الفني وخاصة أن الساحل الشامي من لواء الإسكندرونه حتى غزة يشترك في مثيولوجيا متقاربة المعالم على اعتبار أن التعاقب الحضاري على هذا الساحل تكاد تكون واحدة على اعتبار أن الحضارة الكنعانية الفنيقية امتد تأثيرها حتى قرطاجه في تونس بدلالة أن هنيبعل الذي شبه بالآلهة اشتق اسمه من الإه الكنعاني بعل زوج عناة وابن إيل.. أما بالنسبة للتوراة وارتباطه بالأساطير البابلية فالترابط موضوحي بحكم احتلال نبوخذ نصر لأرض كنعان وسبايته لليهود فهذا يقودنا أيضاً إلى أن تأثير اسم الإه الكنعاني إيل على الأسماء الواردة في التوراة ما زال جلياً، فالإه إيل تقريباً واحداً لذلك تنتهي به أسماء مثل جبرائيل وإسرائيل ةميكائيل وعزرائيل فكان مدخلاً استغلته الصهيونية لولوج علم المثالوجيا والسطو على الموروث الكنعاني وتجريد ورثة الكنعانيين العرب من درره.. ولا نريد أن نقول بأن اسم ذات الجلالة (الله) مشتق من إيل تداركاً من حدوث التباسات ما.. إضاءتك أستاذه صباح أثرت المقال ..مع خالص التقدير..

بكر السباتين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4260 المصادف: 2018-05-05 05:01:50