 أقلام ثقافية

الفيلم الفلسطيني "كتابة على الثلج" يجسد واقعا فلسطينياً عربياً

74 كتابة علي الثلجاختار المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي ِلفيلمه الروائي الطويل مدته 70 دقيقة عنوان "كتابة على الثلج" ومن الواضح أن العنوان له دلالاته الخاصة حين يناقش الفيلم الواقع الفلسطيني والعربي الداخلي، فالكتابة على الثلج لا ترى، وسرعان ما يتحول الثلج إلى ماء وكأن شيئاً لم يكن، هذا هو تماماً واقعنا الفلسطيني والعربي، فكل الاتفاقيات الداخلية التي تمت بين طرفي الانقسام أو بين الأطراف العربية في كل دولة كأنها تكتب على الثلج.

مشهراوي ابن مدينة غزة والذي ترعرع في مخيم الشاطئ للاجئين، على الرغم من مغادرتها لظروف عمله السينمائي، إلا أنها تسكنه ونلمس ذلك في عدد من أفلامه، ففيلم "كتابة على الثلج"، جمع خلاله قطاع غزة بمخيماتها بفكرها السياسي والاجتماعي في داخل منزل واحد وفي ليلة واحدة يسرد لنا حكاية غزة المسكونة بالألم والأوجاع والاختلافات السياسية والاجتماعية، وخلال المشاهدة تشعر بأن هذا الواقع الفلسطيني هو انعكاس لواقع عربي يرفض فيه كل طرف تقبل الآخر.

إن الواقع العربي الذي عكسه مشهراوي في فيلمه لم يكن فقط في جوهر السيناريو بل اختار خمسة شخصيات عربية لبطولة فيلمه، المصري عمرو واكد، غسان مسعود من سوريا، عرين عمري ورمزي مقدسي من فلسطين، ويمنى مروان من لبنان.

تبدأ أحداث الفيلم بقصف إسرائيلي على إحدى أحياء مدينة غزة، فيصاب خلال القصف رمزي مقدسي، تقوم يمنى التي تعمل ضابط إسعاف في الهلال الأحمر الفلسطيني بمساعدة عمرو واكد المتواجد في المكان لنقله داخل أحدى البيوت القريبة لانتظار سيارة الإسعاف التي تنقل المصابين.

يعود البيت الذي لجئوا إليه لغسان مسعود الذي يعمل على تصليح الساعات ونتعرف من خلال الفيلم على أنه مناضل قديم وسجين سابق لدى الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك زوجته عرين عمري الهادئة والتي تمارس طقوس صلاتها بصمت وتحاول أن توجد نقاط التقاء بين زوجها مسعود وعمرو واكد وكأنها إسقاط لإحدى التنظيمات الفلسطينية التي عادة ما تحاول أن تقوم بدور الوسيط بين الأخوة الفرقاء، أو ربما يتمثل دورها في تجسيد روح الشعب الذي يتمنى الوحدة دون أن يحقق ما يتمناه ليستمر الصراع على مدار الفيلم.

جميعهم أصبح داخل المنزل وعليهم أن يتعايشوا تلك الليلة أو وقت ما بانتظار سيارة الإسعاف لنقلهم من منطقة الخطر إلى مكان آمن، وهنا يبدأ الصراع بين عمرو واكد الشاب المتعصب دينياً والذي يرى الأشياء كما يريد أن يراها ويحاول فرض رأيه على الآخرين والسيطرة والحكم والتشكيك أحياناً والتخوين أحياناً أخرى.

مشاهد وحوارات مكثفة نشعر خلالها أن كل الخلافات السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني تجسدت من خلال الحوارات والإيماءات والأحداث التي دارت داخل بيت مسعود معتمدا مشهراوي على الجمل القصيرة التي لها رمزيتها ومدلولاتها في التعبير عن الواقع الفلسطيني.

كما نجح المخرج في التنويع بين لقطات الفيلم والتنقلات بزوايا الكاميرا بين الشخصيات، واستخدم أحيانا النار الناتجة عن قصف الاحتلال للمخيم كخلفية طبيعية عوضاً عن الموسيقى التصويرية.

مشهراوي في فيلمه " كتابة على الثلج"، يوثق للأجيال القادمة مرحلة دقيقة وخطيرة في حياة الشعب الفلسطيني، يبرز خلالها الانقسام السياسي والاختلاف الفكري والذي بدوره يضعف الحالة الفلسطينية ويدق ناقوس الخطر حين يقصف الاحتلال المنازل القريبة، ليظهر أن الجميع مستهدف من الاحتلال الإسرائيلي، فالاحتلال لا يفرق بين التوجهات السياسية والفكرية وأن الوحدة الوطنية هي الأمثل لنيل الحرية والاستقلال.

 

د. عزالدين شلح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4262 المصادف: 2018-05-07 02:32:32