 أقلام ثقافية

ثنائية الموت والحياة وتوظيف الزمن الساخر.. قراءة في (الساخر العظيم) لأمجد توفيق

107 السفر العطيزتعد رواية (الساخر العظيم) للقاص والروائي امجد توفيق والصادرة عن دار فضاءات، واحدة من الروايات العراقية التي أرشفت اكثر مراحل حياتنا سوداوية وخراباً، ارشفت وصورت مشاعر وانفعالات انسانية متداخلة على نحو يتيح للقارئ الانسجام مع تسلسل الحدث الروائي الذي بناه المؤلف بـ 668 صفحة من القطع المتوسط.. وحتى يتيح للقارئ محطات استراحة؛ وتوقفات منتظمة؛ عمل على تقسيم عمله الابداعي الى ثمان وخمسين فصلاً..

ينطلق العمل الروائي من لحظة وقوع الكارثة، لحظة احتلال مدينة الموصل مركز محافظة نينوى من قبل تنظيم داعش الإرهابي.. وقد يبدو للقارئ ان ثيمة الحدث الروائي سبق وان تم تداولها في الحقل الأدبي والدرامي.. إلا ان المؤلف اعتمد على صناعة عمل روائي مغاير جذرياً عن المطروح والمتداول.. وانشغل بالهم الإنساني معتمداً على ثنائية الحب والحرب من خلال نسج زاوية مغايرة للحدث... ورسم حكايات متشعبة.

تتناول الرواية حياة عائلة موصلية كتب لها التشظي والتشتت والانقسام بحثاً عن الحياة.. لتكون شهادات واقعية منسوجة بالخيال، شهادات توثق ما مرت به المدينة بعد ان اجتاحها وباء التنظيم الإرهابي (داعش)..

مفارقات غريبة اشتغل عليها المؤلف معتمداً على تقنيات اسهمت باشراك القارئ بتوقع القادم بوصفه شاهداً او شريكاً للازمة..

تعدد الشخصيات وتشعب المشاهد والاحداث جعل من كل شخصية صالحة لان تكون شخصية رئيسة بالحدث الروائي.. خصوصاً وان المؤلف عمد الى ربط الاحداث على نحو شيق بنمط مشدود.. مما جعل القارئ يفتش بالحروف التي نسجها المؤلف بحثاً عن حلول للازمات الانسانية المتلاحقة التي اشتغل عليها المؤلف..

ما بين الموت المجاني والواقع المأزوم والانكسار العام الذي لحق بنفسية المواطن الموصلي، والبحث عن حياة تكمن بالفرار من موت محتم.. ايقن الحاج اسماعيل الاصيل ضرورة ترحيل النساء والاطفال الى خارج المدينة.. وهو الامر الذي خلق استنكاراً في نفوس اولاده الاربعة (جلال، سعد ، أحمد ، محمد) وكان اصرارهم على ان يكون الحاج اول المغادرين.

وافق الحاج على مضض خصوصاً بعد مغادرة اخيه ابراهيم وعائلته الى اربيل..

لم يبق سوى ابنه الاكبر جلال وهو الذي يلعب دور الاب في غيابه في إدارة وتصفية اعماله التجارية فضلاً عن اضاءة الجانب الانساني بهذه الشخصية التي يبرز دورها في دعم المقاومة ضد داعش سراً... بقي جلال في الموصل مع اخيه سعد وهو بطل من طراز آخر فهو انشقاق واشغال ايجابي للقارئ بمخطوط مذكرات يعثر عليه صدفة يعود الى والد جده لابيه وهو الامر الذي يجعله سجين اسرار والغاز تتطلب التحليل..

مقدمة الرواية كانت بمثابة استعراض موجز للواقع الموصلي في تلك المرحلة.. إلا ان دخول شخصية (بهار) الايزيدية المغتصبة الهاربة من معتقل داعش والتي أراد المؤلف عرض خصوصية احداثها امام القارئ بتفصيل مأساوي واقعي لتكون شاهداً على ابشع جرائم التاريخ البشري..

كانت احداث هذه الشخصية مستوحاة من مأساة النساء الايزيديات اللاتي اسرهن واغتصبهن وباعهن وتاجر بدماء عوائلهن تنظيم داعش الارهابي..

شخصية بهار اختصار لألم لا ينسى ووصمة عار سجلها التاريخ الانساني.. وخلق هذه الشخصية في الربع الاول من الرواية وزجها مصادفة في طريق (سعد) العالق في أزمة تشظي عائته يعني خلق ازمة جديدة تضاف الى ازمات لا تنتهي في الرواية..  

تتنقل الاحداث ما بين الموت والحياة.. فتارة تحترق بمشاهد الموصل التي سيطرت عليها العتمة وتارة اخرى تخمد حرائق الروح من خلال شخصية سيف بن الحاج اسماعيل الاصيل، الاعلامي المهني ومدير قناة اعلامية مشبوهة التمويل.. تلك الشخصية التي تشكل بوصلة هذا العمل..

سيف شاب مثابر مهني من جانب، وعابث وعاشق لنساء لسن بعيدات عن حياته العملية (نور ، ندى ، ليلى ، اسيا، سوسن)..

تلك الشخصية تدير احداث الرواية على نحو يخدم الفكرة الرئيسة.. ووصف شخصية سيف بالبوصلة يعني ان المؤلف اراد من الشخصية وعلى نحو واضح ان تسيطر وتمثل الحل داخل مشاهد الرواية..

كان يشكل الفيصل في الكثير من المشاهد فهو الذي اسهم من خلال علاقاته بضابط امريكي (ستيوارت) بالمحاولة الامريكية لتهريب (بهار) من الموصل.. ومن خلال الضابط نفسه تمكن من استحصال موافقة الهجرة لـ (نور وندى) وهو من عمل على تهريب جلال وسعد من خلال عمله مع المجاهدين ضد داعش.. فضلاً عن احداث متشعبة اوكل المؤلف لهذه الشخصية إدارتها..

لا اود الخوض باستعراض شخصيات ومشاهد الرواية بقدر ما اريد ان اوثق قراءة نقدية عنها.. بوصفها رواية هامة يشكل الزمن فيها عنوانها الفاعل (الساخر العظيم) ذلك ان الزمن هو القادر الوحيد على السخرية من هذا الواقع الكئيب..

هذه الرواية بمثابة روايتين متداخلتين تتحدث الاولى عن النقطعة السوداء التي لوثت ربيع الموصل الدائم.. واحالة سمائها الى سخام كما يصفه المؤلف.. فيما تتحدث الثانية عن الغاز الارث والمخطوط التاريخي للجد..

الساخر العظيم عمل ابداعي متكامل، يصعب الكتابة عنه، لما فيه من زحم من الاحداث التي يصعب نسيان او تجاهل اي جانب من جوانبه.. ذلك ان المؤلف لم يسهب في الكتابة الابداعية لا بل ووظف بعض المشاهد التي مالت الى كتابة التقرير الصفحي وجعلها على لسان شخصية الاعلامي..

الساخر العظيم... تشكل ورقة إدانة لقوى الظلام والارهاب.. مثلما تشكل ذاكرة مؤلمة للوجع الذي اجتاحنا جميعاً..

ان عظمة السخرية في هذه الرواية تكمن في إدانة الواقع المتردي الذي اجتاح المدينة والامل في تجاوز هذه المحن دون الانكفاء على اليأس والاحباط..

 

نهار حسب الله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4278 المصادف: 2018-05-23 04:57:30