 أقلام ثقافية

الخواء المَعجَمي والسلوك الأبْهَمي!!

صادق السامرائيكلما إطلعت على حياة جهابذة الثقافة والمعرفة العربية في أوج توهجها، أجدهم يشتركون بميزة واحدة، هي أنهم قد حفظوا القرآن وهم دون العاشرة من العمر.

ورحت أتساءل عن هل لهذه الميزة من تأثير على السلوك والتفكير.

ولي صديق أولاده قد حفظوا القرآن وهم دون العشرين وبرعوا بذلك، والتقيت بأحدهم متأملا سلوكه وكيف يفكر ويرى ويتفاعل وما هي نشاطاته وطموحاته.

وكنت في صغري قد حاولت حفظ القرآن، ومضيت في ذلك إلى ثلثه، وأخذت أبحث في نفسي وفي ما يميز الآخرين الذين يحفظون القرآن، وإنتهيت إلى خلاصة مفادها، أن حفظ القرآن يثري المفردات اللغوية ويوفر للدماغ أدوات للتفكير المطلق، ويحقق آليات يتفكرون ويتعقلون، مما يؤدي إلى إبداعات أصيلة ومؤثرة في البناء الحضاري الإنساني.

كما أنه يحبب اللغة إلى الإنسان ويُعلمه بأنها النبع الذي يمده بقدرات العطاء والخلق والنماء الفكري والعقلي.

فالقرآن يزوّد الدماغ بأكثر من خمسين ألف مفردة لغوية، وهذا معين يؤهله للنظر في ما يدور حوله من أكوان ويوسع مداركه وقدراته الإستيعابية.

والمطلع على تأريخ المعارف العربية، يرى أن القرآن قد حفّز العرب على دراسة اللغة العربية وإبتكار علومها ونحوها وقواعدها، وما تمخض عنها من مدارس وإتجاهات لغوية، ففي أقل من قرن بعد نزول القرآن صار للغة العربية علومها وفقهاءها وعلماءها ومدارسها في البصرة والكوفة والفسطاط وغيرها.

وبإنبثاق ينابيع اللغة العربية وإزدهار مفرداتها وتفاعل العقول معها أضفت على الحضارة الإنسانية أنوارا غير مسبوقة، وأضاءت دروب الوجود الأرضي في جوانبه الفكرية والنفسية والروحية.

أي بإزدهار اللغة العربية إزدهر العرب، لأنهم تعلموا كيف يتفكرون ويعقلون الأمور والأحداث ويساهمون بصناعتها وتطويعها.

ومن الواضح أن الخمول اللغوي قد تسبب بخمول حضاري، فالعربي اليوم من أفقر بشر الدنيا بالمفردات اللغوية، وهو في قبضة اللغة العامية التي لا تمنحه سوى عدد محدود من المفردات، التي تؤهله للتدحرج والتبعية والإنصياع، وتمنع عنه هواء الحرية والإبداع والعطاء.

أي أن العقول العربية معطلة بسبب الإفتقار المَعجمي أو الخواء المُفرداتي.

والذي يجهله العرب ويدركه جيدا الطامعون بهم، أن قوة العرب في لغتهم، وسطوعهم الثقافي والعلمي وسيادتهم المشرقة الطويلة على العالم سببها لغتهم، التي أطلق القرآن ما فيها من المفردات الكفيلة بصناعة الذات الحضارية الأبية العزومة المقدامة المتحدية العزيزة البلاء.

هذه اللغة المحفزة للطاقات الفكرية والإبداعية العربية، بدأت محاربتها وبعنفوان شديد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبشتى الوسائل والأساليب والأفاعيل، وأسهم في هذه الحرب الضروس عدد من الأنظمة العربية الجاهلة، حتى وصلنا اليوم إلى جلوس أناس على قمة الأنظمة الحاكمة بعقول خاوية لا تحوي إلا بضعة مئات من المفردات العربية، ويعجزون على النطق بلسان عربي فصيح.

وجوهر الحرب على اللغة العربية يتلخص بتجفيف مخازنها المفرداتية في الأدمغة العربية، لإضعاف التفكير وتضمير العقل وتسويغ العواطف والإنفعالات وتمكينها من الفتك بالوجود العربي.

فقوة الأمم والشعوب تقاس بقوة عقولها التي ترتكز على ثرائها المَعجمي، ولهذا تجد المجتمعات المتقدمة تضخ ما تستطيعه من المفردات في رؤوس أبنائها، ومنذ سن مبكرة جدا قد تبدأ حال تمكن الطفل من النطق بالكلام، كما أن رياض الأطفال والمدارس الإبتدائية تنشط بحشد المفردات في رؤوس التلاميذ، بل أن من أهم إمتحانات الدخول للجامعات هو إختبار مدى القدرة على فهم ومعرفة معاني المفردات اللغوية.

بينما في مجتمعاتنا تم تنشأتنا على مقت الكلمة ومعناها، وتحويل هذا النشاط أو الدرس إلى موضوع ثقيل وكريه وممل جدا.

فالتلميذ يمقت الكلمة ومعناها باللغة العربية، ويتم تحبيبها إليه باللغات الأجنبية التي يُطلب منه تعلمها، كما أن تدريس اللغة الأجنبية تكون حصصه أكبر، في مرحلة دراستي منذ الإبتدائية وحتى نهاية الإعدادية، كانت حصة اللغة الإنكليزية يومية واللغة العربية إسبوعية، واليوم ربما إنتفت من المدارس.

إن هذا السلوك المقصود والخفي أو الغير منظور يساهم في تفريغ الأجيال من محتواها الحضاري، وتحويلها إلى بضائع تباع وتُشترى في أسواق الإستعباد والإفتراس، والإمتهان الغابي العاصف في أرجاء الدنيا المتحاملة الأركان والمتهاوية البنيان.

فهل من يقظة لغوية عربية لتنمية العقول وتأهيل النفوس وتهذيب السلوك؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

المشكلة الأولى هي أن اللغة العربية الفصيحة ليست لغة أمّ بالنسبة للعربي بل لغة مكتسبة بأساليب غير علمية ومن قبل معلمين غير أكفاء بصورة عامة.

. شحادة

Haseeb SHEHADEH
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي د . صادق

مقالة رائعة و بديعة. ونتمنى ان تتعمّق أكثر في

هذا الموضوع الخصب.

إذ ان اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب بل طريقة

تفكير ثُمّ. سلوك كما أوجزْت. وأبدعت في مقالك هذا

نادِراً. ما نجد. معلّماً أو مُدرِّساً للغةِ العربية. يُحَبّب

ويُبسّط اللغة لتلاميذه و هذه إحدى المشكلات .

دُمْتّ. مُبْدِعا

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الدكتور صادق السامرائي
عميق هو مقالك في أثر الخواء المعجمي وما يستتبعه من خواء وجودي وقيمي وحضاري وتفقير للكيان الذاتي والجماعي..إنه أمر يراد ويخطط له بدقّة ووعي "مع سابقيّة الإضمار والترصّد" بالصيغة القانونيّة الجزائية .." لا أظن أننا أبدا سنقهر هذا البلد ما لم نكسر عظام عموده الفقري التي هي لغته وتراثه الروحي " توماس ماكولاي / من كتاب أمريكا والإبادات الثقافية / منير العكش "..والذي يجهله العرب ويدركه جيدا الطامعون بهم، أن قوة العرب في لغتهم، وسطوعهم الثقافي والعلمي وسيادتهم المشرقة الطويلة على العالم سببها لغتهم، التي أطلق القرآن ما فيها من المفردات الكفيلة بصناعة الذات الحضارية الأبية العزومة المقدامة المتحدية العزيزة البلاء.".إن حق القرآن ولغته علينا كبير وواجب الحقيقة يقتضي شهادة "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه".." أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب" .أذكر أكاديميا مترجما قام بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية قال : أثناء عملي الترجمي على النص القرآني المعجز وقفت على حقيقة مذهلة سيكون لها ما بعدها : إن في القرآن مساحات دلالية وصياغات بديعة لا نجدها في اللغات الأخرى مهما اجتهدنا في النحت والتركيب" وأذكر الصديق الفنان الرسام التونسي المرحوم الهادي كاهية وهو يحدثني عن الأثر العظيم الهائل الذي يتركه حفظ القرآن الكريم في عقل ونفس الطفل رجل الغد قال : " تصوّر طفلا سنه عشر سنوات وهو يحمل في تلك المسافة شديدة الخصوصية بين عقله وقلبه دائرة معارف إلهية بلغة مكثفة شديدة الثراء والخصوبة والإيحاء ماذا يمكن أن ينتج ويبدع وكيف سيكون عطاؤه وأفقه الفكري والروحي والعقلي" ..تحية لنباهتك المخلصة أستاذ صادق..ما أجدر أهل العربية وحتى غيرهم أن يحفظوا لغتهم وتراثهم الروحي الذي يحسدون عليه حقيقة لا ادعاء..خالص الود والاحترام

محسن العوني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4493 المصادف: 2018-12-24 02:07:00