 أقلام ثقافية

محطة في الذاكرة

نادية المحمداويكانت مساحة بيوتنا في مدينة الثورة صغيرة جدا لكننا عشنا فيها طفولة سعيدة وما زلت أتذكر أيامي الجميلة هناك رغم تقادم الزمن عليها باعتزاز. جيراننا جميلين أيضا لكن شعورا بالتحاسد كان يسود بيننا. كان الحسد هاجس أمي الأول تتحدث عنه كثيرا... أمي يرحمها الله كانت تخاف علي من عيون جارتنا أم صالح وتظن إنني امرض دائما بسبب حسد أم صالح لي ورغم ذلك كانت أمي لا تقول هذا الكلام أمام أم صالح لكنها ترغمني على اقتناء ملابسي وكل أشيائي الأخرى باللون الأزرق اتقاء لنظرة الحسد. كرهت هذا اللون وتسبب لي بعقدة ما زلت أعانيها إلى الآن. ولكن من أين لي أن أتجرأ وأرفض اللون الأزرق الذي كرهته كثيرا. مفهوم أمي كان مفهوما عسكريا (نفذ ثم ناقش) أكملت الدراسة الابتدائية والمتوسطة وجيراننا لم يتغيروا ولم نفترق. كنا نسمعهم عن ماذا يتكلمون ونشم رائحة طعامهم من خلف سياج الأسلاك الشائكة الذي سيّج به أبي حديقتنا. أمهاتنا كل يوم يتفقن على طبخ طعام معين: أمي تطبخ بامية أم صالح تطبخ باذنجان أم نعيمة تطبخ دجاج وأم خيري تطبخ باجة ثم نتبادل الصحون وكل عائلة تنال حصتها من طعام العوائل الأخرى. هكذا مر العمر بريئا نتبادل الأشياء التي في متناول أيدينا بمحبة دون أن يمن أحد على أحد. فرقتنا الظروف منذ عشرات السنين كلّ إلى طريق كانت الخطوة الأولى على هذا الطري سياج الطابوق الذي بناه أبي بيننا وبين جيراننا بدلا من سور الأسلاك الشائكة بعد أن أزال حديقة المنزل.ولم نعد نسمع أصواتهم أو نشم رائحة طعامهم.

شجرة السدر الوارفة التي كانت لصق بيتنا اقتطعتها أيادي البلدية ومرض أبي من أجلها. وشيدت الحكومة بدلا عن السياج والحديقة وشجرة السدر مدرسة لنا ولكننا لم نكن سعداء ذهبت حريتنا ومحبتنا وألفتنا ووجودنا وذهبت صديقتي الوحيدة نعيمة إلى محافظة ميسان وجارتنا الأخرى أم صالح ذهبوا إلى العزيزية وأنا ذهبت إلى بعقوبة.

 

نادية المحمداوي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4520 المصادف: 2019-01-20 04:09:20