 أقلام ثقافية

مساج العقل (5)

اسماء محمد مصطفىنحبُّ بعض الأعمال الادبية، لأنّها تلامس مشاعرنا، فنقول عنها (تدخل قلوبنا مباشرة) ، وبعض الأعمال، لأنّها تثري تفكيرنا فنقول عنها (تحاكي عقولنا او تنقلها الى حال فضلى)، وبعض الأعمال، لأنّها تبدو مرآة عاكسة تماماً لأحاسيسنا وأفكارنا كإننا أبطالها، وكإنّ كتابها يعرفوننا حق المعرفة، فنقول عنها (تمثلنا وتحكي عنا) .

تبقى ثمة مسألة أنّ بعضنا يبدي رأيه بتلك الأعمال بعيون المتخصص او الخبير عن علم او خبرة، وبعضنا يعبر عن وجهة نظره بصفته متذوقاً او قارئاً سواء أكانت قراءته عميقة أم عابرة، بعضنا أثقف من بعضنا، ينظر للعمل الادبي بعمق أكثر مما ينظر الآخرون، وثمة من يقرأ بقلبه ومَن بعقله ومَن بكليهما، وثمة مَن يقرأ بغريزته !

بعضنا ينحاز الى عمل معين لأنه نتاج اسم كبير لاأكثر ـ مع أنه ليس كل اسم كبير تكون جميع أعماله بالضرورة كبيرة ـ وبعضنا يستصغر او يتجاهل عملاً كبيراً او جيداً لأنه نتاج اسم مغمور او مستجد، او نظن أنه ليس في مصاف الكبار .

بعضنا مراهقون وشباب يتجهون الى قراءة أعمال معينة تتناغم مع مرحلتهم العمرية وهمومهم ومشاكلهم وإهتماماتهم، وقد لاتعنيهم مدى استيفاء تلك الأعمال الجودة الفكرية والفنية، ويجهلونها أصلاً، وبعضنا أكبر، ينظر من أعلى الى تلك الأعمال ويعدها تخريبا للادب وأصول الكتابة ومن ثم الذوق القرائي العام .

بعضنا يرفض عملاً جيداً بأكمله، في لحظة انفعال لأسباب نفسية بحتة وغير موضوعية، فقد يتضمن العمل امراً لانتقبله في حياتنا، وقد يقود ذلك الى الشطب على اسم الكاتب تماماً، غاضين النظر حتى عن الأعمال الجديرة بالقراءة او الإهتمام، وربما تستمر اللحظة الانفعالية سنوات او مدى العمر، تنسحب اللاموضوعية أيضاً الى نظرة بعضنا الى أعمال عادية او غير جيدة، حين يحبها لأنّ فيها شيئاً يتوافق مع حالته النفسية، او لنزوعه الى المجاملة والانحياز لعمل رديء، لأسباب شتى ، منها العلاقات والمصالح والرغبات .

وبين بعضنا وبعضنا تبقى مسألة الإجماع على عظمة عمل او جودته نسبية، فكلّ يرى النتاج بإحساسه وتفكيره ووعيه وثقافته ومدى موضوعيته وحتى عمره، ومادمت إنساناً فمن حقك أن تقول رأيك حتى لو لم يعجب المجمعون او الخبراء، ومن غير أن تتصور أن رأيك منزه عن كل خطأ او أن ذوقك أعلى وثقافتك اعمق، كما إنّ من حق الخبير او الناقد المتفحص أن يرفض رأيك من غير أن يستصغرك، ومن غير أن يغض النظر عن حقيقة أنّ البعض يقرأ بقلبه وليس بعقله فقط وأنه يتوقف عند مايقترب منه حتى لو كان العمل بسيطاً .. فليس كل ناقد يتمتع بالموضوعية، كما ليس كل من يبدي رأيه بعمل هو متذوق فعلاً، ولهذا وجدت النقاشات، كي ترفع من الذوق والرؤية الموضوعية وكشف الستار عما لايراه أحد الطرفين او كلاهما، كما توجب أن تكون النقاشات بلغة تدخل الى القلب والعقل معاً وأن تبتعد عن التهكم والاستصغار والتكبر واستهداف شخص الكاتب، كي يكون تبادل الآراء مجدياً وثرياً لكل الأطراف، فإن أراد بعضنا أن يقنع الآخر بمايراه فليعطه إهتماماً ويشعره بقيمته قبل كل شيء .

***

سلوكك الراقي المشبع بالقيم العليا خيرُ مقالٍ تنشرُه في صحيفة الحياة الواقعية والافتراضية .

***

أسماء محمد مصطفى

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

سلوكك الراقي المشبع بالقيم العليا خيرُ مقالٍ تنشرُه في صحيفة الحياة الواقعية والافتراضية
الاستاذة القديرة اسماء محمد مصطفى نهارك سعيد
انا اكتب اذا انا موجود...
موضوع قيم على درجة من الرقي والموضوعوية اجادت الكاتبة في خوض غماره ووضعت لمستها على مفرداته بجدارة
فالكتابة تسمو ببصمتها مهما كانت تلك البصمة تكبر اوتصغر تحلق او تراوح في مكانها ويبقى التقييم حق مكفول للقارئ
ومن حقه ان يطرح وجهة النظر وفقا للذوق العام وضمن اطر موضوعية بعيدة عن التشرذم وانتقاص الاخر وكل له اسلوبه بطريقة الطرح الذي لابد ان يكون مناسبا راقيا لتعم الفائدة ،وتتعدد المواضيع وتتشعب حسب مزاجية الكاتب واستلهامه وانتقاءه لموضوعاته بمايلائم الذوق العام،واي عمل يخوض غماره الكاتب لابد انه قد امضى فيه وقتا وجهدا ليقدمه للقارئ على طبق من ذهب لذا فلابد ان يكون التقييم منصفا ليعطي للكاتب الضوء الاخضر للاستمرار..
راق لي مانشرت استاذة
دام حرفك ودمت بخير وامان

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا عزيزتي الكاتبة العزيزة مريم لإهتمامك بمضمون المقال . دمتِ بخير

أسماء محمد مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4532 المصادف: 2019-02-01 01:35:13