 أقلام ثقافية

عن النشيد الوطني العراقي..

ليث الصندوقمتى يكون لاتحاد الأدباء الكلمة الفصل؟

منذ أكثر من عقد من الزمان لم تفلح لجنة الثقافة في البرلمان العراقي في إعداد مسودة مشروع النشيد الوطني . ومنذ ذلك الحين وحتى وقت قريب دأبت الصحافة على نقل تصريحات عدد من المعنيين بالأمر وكلهم متفقون على استمرار الخطوات الإجرائية لإكمال المشروع من دون الوصول إلى نهايته . وفي حين رجحت أكثر التصريحات اختيار أبيات من مقصورة الجواهري، إلا أن تصريحات أخرى مضت في غير هذا الإتجاه، وبالتالي لم يُحسم الخيار النهائي، ويبدو أن مخاضه سيعسر وسيطول في ضوء التجاذبات السياسية المستمرة، لاسيما أن بعض التصريحات وضعت الخيارات الأصعب التي تُعقّد من احتمالات الوصول إلى نصّ ممكن ومقبول للجميع، مثل تضمين النشيد إضافة للنص العربي نصوصاً من اللغتين الكردية والتركمانية، أو استمزاج أبيات مختارة للشعراء (الزهاوي والرصافي والجواهري والسياب والبصير) في نصّ واحد . والخياران الأخيران يُنتجان نصاً ممطوطاً ومملاً .

وبتاريخ 27 نوفمبر 2011 نشر موقع إيلاف الألكتروني مقالاً للإعلامي عبد الجبار العتابي بيّن فيه ان الموقع علم من مصادره الموثوقة بأن مقصورة الجواهري هي الأكثر حظاً من سواها من القصائد المختارة لتكون نشيداً وطنياً . وبهذا الخبر وبسواه أيضاً يظل الجواهري ومقصورته هما الأكثر تداولاً والأكثر مقبولية وترجيحاً، حتى توقفت موجة التصريحات فجأة عند نص المقصورة الذي ثبت في الذاكرة الجماعية بأنه النصّ القرار. وبتوقف موجة التصريحات لم نعد نسمع شيئاً عن الموضوع وكأنّ وباء النسيان الذي يستبدّ بذاكرة العراقيين قد استبدّ به أيضاَ . وقبل فترة وجيزة أعاد الإعلام فتح الملف مع تغييرات جوهرية، إذ لم تعد المقصورة هي المعنية، بل القصيدة المعنية هي لشاعر شعبي لم يُعرف عنه أنّ له مساهمات أدبية أو شعرية في الصحافة الثقافية، ولم يعرف عنه إصداره لمجموعة شعرية باللغة الفصحى وهو أسعد الغريري الذي كلّ ما يُعرف عنه أنه مؤلف أغان شعبية رائجة . ويُقال – والعهدة على القائل – أنّ رجل دين معروف أيّد اختيار قصيدة هذا الأخير لتكون النشيد الوطني، علماً أنه ليست في القصيدة أية إشارة إلى طرائق الوضوء الصحيح، ولا إلى مبطلاته . وبذلك تكون الصورة الماثلة وكأنّ نصّ الغريري أزاح المقصورة مدعوماً بفتوى مبطّنة .

هذا، ولم يصدر عن اتحاد الأدباء، وهو الذي يطلق على نفسه تسمية (إتحاد الجواهري) أيّ تعليق لفكّ تشابك الخيوط هذا، كذلك لم تعلق وزارة الثقافة ولا لجنة الثقافة البرلمانية . ورداً على صمت الجهات المعنية تولى الشارع الكلام، فازدحمت مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الألكترونية والصحافة بالتعليقات والتقولات والتأويلات فالمآدب المجانية تفتح شهية المدعوين . وانقسم العراقيون كعادتهم في كل مناسبة ما بين رافض أو مؤيد لأحد النصين أو لأحد الشاعرين، وخرجت بعض تلك المداخلات عن إطار التحليل النقدي والمنطقي، وانساقت وراء اتهامات يمكن وضعها في واحدة أو أكثر من الخانات الأربعة التالية :

- فبعضها ينطوي على طائفية مقيتة .

- وبعضها الآخر عنصريّ اكثر مقتاً يُعيد معزوفة الصراع العربي الفارسي، وينسب الجواهري إلى أرومة فارسية، من دون أن يخجل مُتبنو هذا الطرح الممجوج من أن يكون أكبر قمة شعرية في تاريخ وطنهم المعاصر فارسياً .

- وبحث آخرون عن حفرة في التاريخ الشخصي للشاعرين ليملؤوها بالبنزين .

- بينما رجح الآخرون أن تكون أيادي أعوان النظام السابق وراء اختيار قصيدة الغريري الذي قيل عنه - ولست أدري مدى صحة ذلك - أنه كان أحد العاملين تحت إمرة إبن رئيس النظام السابق، ومن المقربين إليه .

ومن الواضح أن كل تلك التقولات لا تعدو أن تكون مواقف شخصية لا تصلح معاييرَ لتقويم وتفكيك وفهم النصوص، ولو نحيناها جانباً ونظرنا إلى الأمر من زاويته الإبداعية فقط، آخذين بالاعتبار أن الأمم لا تُفاخر بما لديها من المواهب والكفاءات فحسب، بل بالأفضل والأجود من بينها، وذلك يسري على أناشيدها الوطنية التي هي خلاصة إرثها الثقافي، وعصارة عبقرية خيرة مبدعيها، فأنه ليس من العسير أن تبرز المقصورة من بين كنوز الإرث الثقافي غير المادي لهذا البلد، ويبرز الجواهري في طليعة مبدعيه .

ومع احترامي وتقديري للشاعر أسعد الغريري، وأنا لا أنظر إليه هنا كشخص بل كنص، فأقول أن غلبة الطابع الإنشادي لقصيدته كاعتمادها للازمة محددة، وكخفة إيقاعها وسرعته وازدحامها بالقوافي الداخلية والخارجية، كل تلك العناصر لم تفلح في منح القصيدة امتيازاً، إذ استخدمت استخداماً شكلياً أضفى عليها خطابية صاخبة وإنفعالية غنائية مفتعلة . إضافة إلى أن تلك العناصر الإنشادية ظلت محصورة في حدود التزويق اللفظي ولم تُفعّل دلالياً، وبالتالي تحولت إلى غطاء صوتي للتستر على ضعف المحتوى الدلالي . وحتى هذا الدور الذي أريد لها لم تفلح في تأديته، فانفضحت بها هشاشة القصيدة وافتقارها إلى الصور المتماسكة والمركبة، والانتقالات المرنة والسريعة، والإيحاءات الذكية . وبالعموم فقد اتسمت القصيدة باجترار الخطاب الوطني الإنشائي السائد، وتكرار ما اعتادت عليه الأجيال من صيغ ومفردات، ولم تأت بالمأمول .

وبعد ذلك فأني لا أتحرّج أن أقول أنه ليس من الإنصاف وضع النصين: (ألمقصورة، وسلام عليك عراق القيم) في ميزان واحد، وليس من الإنصاف وضع الميراث الثقافي لشاعريها في ميزان واحد . وبما أننا نتحدث عن المقصورة، وما أدراك ما المقصورة؟ فأنه لمن الشرف أن يُباهي العراق العرب والعالم بها نشيداً وطنياً .

آمُل أن يكون للمثقفين ممثلين في إتحادهم، إتحاد الأدباء، عفواً إتحاد الجواهري، آمُل أن تكون لهم كلمة مدوية ومسموعة في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وحسم الإختيار للنص الأبهى والأكثر تمثيلاً لعظمة البلد، وعدم السماح لتيار التداعي الشامل أن يجرف حتى الأرث الذي نفاخر به جميعاً .    

 

ليث الصندوق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4572 المصادف: 2019-03-13 15:20:08