 أقلام ثقافية

المنطق مقابل الحدس

منى زيتونمن أجمل ما قرأت: "أحيانًا تشعر أن وجودك في حياة أحد أو وجود أحد في حياتك في مرحلة ما، كان لعناية إلهية!".

تشارلي تشابلن، الممثل الكوميدي الشهير، وهو فى الثالثة والخمسين من عمره، قابل حب حياته "أونا أونيل"، ابنة الكاتب المسرحي الشهير الحاصل على جائزة نوبل "أوجين أونيل"، والتى كانت وقتها فى السابعة عشرة من عمرها!

طلب تشابلن الزواج منها، وكان منطقيًا أن رفض أبوها هذه الزيجة، ولكنها تزوجت شابلن يوم عيد ميلادها الثامن عشر، وكان تشابلن بعمر أربعة وخمسين عامًا، وعاشا معًا ما يزيد على أربعة وثلاثين عامًا، منذ زواجهما عام 1943م وحتى وفاته نهاية عام 1977م!

كانت فترة تعارفه على أونا فترة صعبة بالنسبة لشابلن؛ فقد كانت الحرب العالمية الثانية دائرة، ولاحقته مشاكل قانونية واشتباه شيوعي وغيرها، كما حاولت سيدة وصولية أن تتقرب منه، لكنه أبعدها عن حياته ليتزوج أونا، ووقفت أونا إلى جانبه في تلك الفترة العصيبة، وخاصة بعد الفضيحة المفتعلة التي حاولت تلك السيدة خلقها له، كما انتقلت معه أونا إلى سويسرا بعد أن أصبحت الحياة صعبة عليه في أمريكا.

حين قرر تشارلي تشابلن الزواج من أونا التي تصغره بما يزيد عن ستة وثلاثين عامًا، قال لها: "لقد تجاوزت أكثر من نصف عمري، ولم يبق أمامي الكثير، تزوجيني لأعلمكِ كيف تعيشين، وتعلميني كيف أموت". ردت قائلة: "لا يا شارلي، ستعيش طويلاً، وسأتزوجك وأكون معك لتعلمني كيف أنضج وأصبح امرأة حكيمة، وأعلمك كيف تبقى رجلًا دائم الشباب"!.

كانت زوجته الرابعة، بعد ثلاث زيجات فاشلة، وكان زواجهما رائعًا، اعتزلت التمثيل من أجله، رغم أن جميع النقاد كانوا يتوقعون لها أن تصبح من ألمع نجمات هوليود، وأنجبت له ثمانية أولاد، وعاشا معًا حتى وفاة تشارلي عن عمر ثمانية وثمانين عامًا، تحول فيها الدون جوان إلى زوج وأب!

ولعل السبب الثاني في نجاح هذا الزواج إضافة إلى حبهما الكبير، هو أن أونا -الصغيرة سنًا، الكبيرة عقلًا- أصرت على خصوصية علاقتهما، لأن الصحافة كانت تتداول قصص زواج شارلي السابقة، وكان ذلك سببًا رئيسيًا في فشلها.

قال عن زواجه منها: "كنت سعيدًا لأنني وجدت أخيرًا زوجة، وليس ممثلة"، كما يصف تشابلن زواجه من أونا في سيرته الذاتية بقوله: "كان أسعد حدث في حياتي"، ويقول: "إني وجدتها؛ الحب المثالي والأبدي".

ومن وجهة نظري فالقصة أعمق بكثير من أن تكون قصة حب ووفاء بين زوجين، فإذا ما تأملنا حوادثها سنجد أن الظواهر كثيرًا ما تخدعنا، وأحيانًا يكون الواقع بعيدًا تمامًا عن المنطق، والعوامل التي يخبرنا أنها فارقة؛ لذا ينبغي على العاقل ألا يُغفل حدسه.

في قصة شارلي شابلن، لم يكن أحد يُصدق أن تلك الفتاة الصغيرة تحبه بصدق إلا هو، واستمرت حالة عدم التصديق من الصحافة سنوات بعد زواجهما! ولو لم يصدق حدسه ما فاز بها، وربما كان قد دخل في زيجة فاشلة مع الساقطة الوصولية التي ظهرت أغراضها الدنيئة له بعد ذلك، والتي بالمناسبة أسهم أحد أصدقائه في تعريفها عليه! فهل كان صديقه حقًا؟!

عُمر أونا مقابل عُمر المرأة الأخرى لم يكن مُنبئًا صحيحًا بملاءمة أي منهما للزواج من شابلن، وقبول المحيطين به للمرأة الأخرى وعدم تقبلهم لأونا أيضًا لم يكن مُنبئًا صحيحًا، ومع ذلك نجح زواجه من أونا بامتياز على غير المتوقع! والعبرة الكبرى من قصة شابلن هي أنها تلفتك لضرورة التركيز على حدسك لتعرف ما المناسب ومن المخلص لك، بينما المنطق وحده قد يضللك!

كثيرًا ما يخبرنا المنطق أن عاملًا له أهميته وتأثيره القوي في موقف ما، كعدد الملتفين حولك الذين تتحدد على أساسهم شعبيتك، وتتصور أنهم سيكونون أكبر سند لك مهما تبدلت الأحوال وتعثرت بك السُبل، بينما قد لا تكون حقيقة الأمر كما قضى المنطق، وحدسك قد يخبرك أن واحدًا ربما يكون بألف، وأنه لن يتركك ولو تخلى باقي البشر عنك.

والخلاصة من وجهة نظري أن العاقل بقدر ما يستخدم التفكير المنطقي، يثق بحدسه! والشخص القوي يُصدق في قوته الداخلية، ولا يدع الآخرين يحولونه عما يريد في الحياة، وما يرى فيه سعادته. استمع إلى صوتي قلبك وعقلك معًا.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4689 المصادف: 2019-07-08 04:23:33