 أقلام ثقافية

عبقريّة العاميّة وإبداعها.. الشّاعر عبد الحكيم زرير نموذجا

1307 سوفثمّة مسألة مسكوت عنها في تاريخ الأدب العربي وما يزال الصّمت ضاربا من حولها... ألا وهي الأدب الذي يقوله الناس باللّغة العربية ولكن بدون اِحترام نحوها وصرفها وبلاغتها أو كما يُقال باللغة االعاميّة أو الشعبية أو اللغة اليوميّة أو اللغة المحكية أو اللّهجة المحليّة...إنه الأدب المنتشر والمنقول بالرواية بين الناس من جيل إلى جيل ولئن بدأ بعض شعراء هذا الصنف من الأدب في نشر ما تيسّر لهم من نصوصهم إلا أن الكثير من مدوّنات ذلك الأدب في الشّعر والحكايات والأخبار والطرائف والحِكم والألغاز وغيرها ـ ما يزال دون نشر ومتابعة ناهيك عن دراسة تلك النصوص والاِعتناء بها ضمن المناهج والبرامج التعليمية في مختلف المستويات من الاِبتدائي إلى الجامعي إذا ما اِستثنينا القليل النادر منها الذي يلقَى الاِهتمام في بعض النشريات المختصّة وفي المناسبات والدراسات الاِجتتماعية والتاريخية الخاصة والحال أن هذا الصنف من الأدب غزير المواضيع والمعاني ثريّ الأساليب والفنّيات وجمّ الدّلالات والإشارات بالإضافة إلى أنّه يُعتبر من أهمّ المصادر والمراجع لبعض الأحداث والأحوال وهو إضافة إلى كل ذلك يُعتبر من الأسس الكبرى للشخصية الوطنيّة ومميّزاتها

الشاعر التونسي عبد الحكيم زرير يمثّل أحد ممثّلي هذا الأدب في تونس وهو صاحب مجموعات شعرية عديدة في هذا الصنف من الشّعر من بينها نذكر

1- عيون الكلام

2- رحيق الكلام

3- مرايا الكلام

4 ـ تحت الطبع ـ ألوان الكلام

والشاعر عبد الحكيم زرير له أيضا مساهمات مُهمّة في التأليف المدرسي لمساعدة متعلّمي اللغة العربية سواء كانوا من التلاميذ أو من غيرهم حيث نشر مجموعة من الكتب المساعدة على التمكّن من اللغة العربية وهي

1- المنجد الطّريف في الصّرف والتّصريف

2- المنجد الحسم في قواعد الرّسم

3- المنجد الشّامل للنّحو الكامل

ويبدو أن حذقه للغة العربية الفصحى واِمتلاكه ناصية قواعدها ودأبه على نشرها لم يكبح ولعه يالكتابة ياللغة اليوميّة التونسية التي يجُول فيها بين مختلف المواضيع الاِجتماعية مُنتهجا النّقد الهادف من أجل الإصلاح ولكن بروح الدعابة حينا ويلهجة حادّة أحيانا فقد طرق المواضيع العائلية والسلوكيات العامة المستهجنة ووصف لنا بعض المواقف الظريفة ولم يستثن حتّى تلك الوقائع الطريفة بينه وبين زوجته مُشيعًا روح الدعابة والمرح فيصف لنا بالدقّة والتفصيل في قصيدة من القصائد حديقة منزله بأشجارها وثمارها وأزهارها وورودها وبئرها وحوضها حتى لكأنه البُحتريّ في زمانه وهو يصف بركة الخليفة المتوكّل العبّاسي...

من قصائد الشّاعر عبد الحكيم زرير الطريفة قصيدة ـ الأكلة الشعبية ـ التي تبدو كمعارضة لبعض قصائد الشاعر حسين الجزيزي التونسي ـ 1888 م ـ 1974 م والذي يُعتبر من أكبر الشعراء الهزليين وله قصائد بالفصحى عديدة في أصناف المآكل التونسية غير أن الشاعر عبد الحكيم زرير قد أضاف في قصيدته أنواعا أخرى من الأطعمة...فالطبخ يمثّل بوضوح حضارة المجتمع وهو يختزن الحياة اليومية بما فيها من تأثيرات الواقع المعيش الذي هو نتيجة التأثيرات التاريخية والاِقتصادية والجعرافية والدّينية وغيرها... ومن هذه القصيدة نُورد بعض المقاطع التي يصف فيها ما لذّ وطاب من أصناف الطعام التونسي

 

الأُكْلَة الشَّعْبِيَّة

فِي بْلاَدِي تَبْقَى مِسْمِيَّة

مَجْدْ امَّالِيَّة

لْمَاضِيَّ نَبْقَى مَشْدُودْ

كُسْكُسْ بَرْكُوسْ

مِيدُومْ بْلِيَّة مَرْفُوسْ

يْدَاوِي الْمَنْفُوسْ

عَوَّالِي مْفَوَّحْ بِالْعُودْ

هَذَا الْبَازِينْ

ثِرْدِتُّو لَلاَّتْ الْعِينْ

مْحَرْحَرْ وِبْنِينْ

أَسَاسِي لِسْحُورْ جْدُودْ

صَحْفَة لَبْلاَبِي

نَعْشَقْهَا أَنَا وَاصْحَابِي

نَهْبِطْ غَوَّابِي

وِدْمُوعِي تْبَلِّلْ لِخْدُودْ

وِصْحَيِّنْ بُرْغُلْ

كِي جِيتُو ﭭِرْسَانْ وْنِرْﭭِلْ

كَمَّلْتُو نِشْعِلْ

بِهْرِيسَة عَرْبِي مَڤْدُودْ

وِالْفَرْفُوشْ

الْجِيلْ الْحَالِي مَا عَرْفُوشْ

مانْلُومُوشْ

حَرْ الْفِلْفِلْ صَارْ مَحْدُودْ

زَلْفَة بَرْكُوكِشْ

تُغْطُسْ فِيهَا وْمَا يْلُومُوكِشْ

بَارِي يْشُوفُوكِشْ

تَاكُلْهَا وْتْبَاتْ مَحْسُودْ

صْحَنْ مْلُوخِيَّة

بِلْحِيمَة هَبْرَة وْطْرِيَّة

تْحِبِّلْهَا عْشِيَّة

شُهْرِتْهَا فَاتِتْ لَحْدُودْ

فهنيئا مريئا ويالصحّة والعافية...!! مع هذه الأطباق الشهيّة...

ومن المواضيع النقدية الاِجتماعية التي طرقها الشاعر عبد االحكيم زرير موضوع الخطوبة والاستعداد للزواج وكثرة طلبات الخطيبة ومغالاتها في شروطها التي تبلغ أن  تطلب  من خطيبها بعد الزواج أن ينقطع عن أسرته الأصلية ناهيك عن توفير  لها سيارة وخادمة إلى غير ذلك من الشروط  المجحفة وقد عدّدها الشاعر في شيء من المبالغة ولا شك وذلك ليرسم لوحة كاريكاتوية تُظهر هذه الظاهرة الاِجتماعية التي لا تشجع على بناء الأُسر وقد جعل من الحوار والسّرد أسلوبا تقوم عليه هذه القصيدة الطريفة التي يقول في بعض مقاطها

قُلْتْ اشْبِيهْ

الزّوَاجْ خْلُقْنَا لِيهْ

الْفَايْدَة تَلْقَى امَّالِيهْ

نْسَبْ وْدِينْ مْعَ الْجَمَالْ

اقْصُدْ رَبِّي

احْزَقْ رُوحِكْ وابْدَا عَبِّي

نَقِّصْ مِالْمَصْرُوفْ وخَبِّي

سَهَّلْهَا رَاهِي تِسْهَالْ

الزّوَاجْ عْبَادَة

وْقَيِّتْ تِرْتَاحِ الْوَلاَّدَة

تْكَمِّلْ دِينِكْ بِالْوَسَّادَة

بَالِكْ تِتْنَفْنَفْ الاحْوَالْ

مَاكِشْ تَايِبْ؟

شُوفْ أَصْحَابِكْ وِالْقْرَايِبْ

عَنْدِكْ نَغْمَة فِي الرّكَايِبْ

مُوتُورِكْ صَارْدْيَازَالْ

قُتْلُواُزْدُمْ

قَالْ نْحِبْ صْغِيرَة تِخْدِمْ

نْخَافْ نَاخُذْهَا كْبِيرَة وْنِنْدِمْ

وِيْجِينِي دُغْرِي الشَّنْڤَالْ

وَلاَ يْهِمِّكْ

شُوفْ بْنَيِّةْ دَارْ تْلِمِّكْ

تَعْرِفْ كَارِكْ تُرْفِقْ بأمِّكْ

تَحْفَضْلِكْ عِرْضِكْ وِالْمَالْ

هَانِي حْذَاكْ

خَمِّمْ كَمْبِسْ وَرِّي ذْكَاكْ

قَرٍّرْ مَا تْكُونِشْ بَعْكَاكْ

تْمُوتِشْ عَاشِقْ وْشَهَّال

قُولْ بَاهِي

وِنْوَفَّرْلِكْ الِّي شَاهِي

مَا تُقْنُعْنِي عُذْرِكْ وَاهِي

أُزْدُمْ مَا يْهِمِّكْ فِي مَالْ

قَالْ بَاهِي

هَذَاكَ وْخَيِّكْ آشْ شَاهِي

رَوَّحْتْ وْخَلّيتُو زَاهِي

وِالْكَبُّوسْ فُوقْ رَاسُو مَالْ

حْذَاهْ وْحِيدَة

سِكْنِتْلُو فِي الْحُومَة جْدِيدَة

تْقُولْ عْسَلْ فُوقْ عْصِيدَة

قْصَدْهَا قَالِتْلُو نُرْمَالْ

هِيَ وَرْدَة

فِي بَالُو عَلُّوشْ وْزَرْدَة

شْرُوطْهَا أَطْوَلْ مِالْبُرْدَة

وْمَكْتُوبُو أَرْطِبْ كَذَّالْ

شْرُوطْ سْمَانْ

يْحِبِّلْهُمْ جِنْ سْلِيمَانْ

مْعَاهْ عْيَالْ الشِّيخْ كَهْفَانْ

وْصَرْمِيَّة ذْخِيرِةْ نِمَّالْ

شِدْ عَنْدِكْ

تِكْتِبْلِي شْطَرْ الِّي عَنْدِكْ

وْحَدْ مَا يْجِينِي مِنْ جُنْدِكْ

وِنْشُوفْ امِّكْ كِي الْهْلاَلْ

أما الجانب الجدّي في قصائد هذا الشاعر فإنّ قصيدة ـ وينْ ماشيينْ ـ التي صاغها في ما يبدو بمناسبة ذكرى ثورة 2011 فتبدو ذات نبرة حادة لأنها كشفت عديد الخيبات التي كان من المفروض أن البلاد قد تجاوزتها وكان من المنتظر أن تتحسّن الأحوال على جميع المستويات فإذا بها تزداد تدهورا لذلك تساءل الشاعر إلى أين نحن ذاهبون ؟ فالقصيدة إذن صيحة فزع وتصريح واضح بإدانة الفاعليين السياسيين ومن يُواليهم لأنهم فشلوا في تحقيق أهداف الثورة التي اِنطلقت عفويّة معبّرةً عن المظالم العديدة وقد عاشت تونس تلك الثورة فكم كانت حالمةً بطموحات الشباب والمهمّشين وجميع الذين كانوا يعانون من الغبن والحيف وما أكثرهم ولكن تمخّض الجبل فولد فأرًا....

مُوشْ عْجَبْ

وْزِيرْ الدَّاخِلِيَّة هْرَبْ

وْبُوهَا لِلْمِنْدَافْ نْصَبْ

الدُّودَة شْكُونْ بَاشْ يُحْصُلْ فِيهَا

صِرْنَا غْرَابْ

مَا عْمَلِّنَّا حَدْ حْسَابْ

لِمْلِيحْ يْخَطِّطْ لاِنْقِلاَب

بَاشْ قَرْطَاجْ يُسْكُنْ فِيهَا

الْحَالَة سْخُونَة

وْفِي الْمَحَلِّيَّة مِرْجُونَا

الصُّوتْ تْبَاعْ بِالْكَرْدُونَة

وْشَخْطُورَة يُغْرِينَا بِيهَا

وْجَعْنِي رَاسِي

سَيِّبْ لُقْمْتِي وْلْبَاسِي

وْخُوذْ آشْ ثَمَّة مِالْكْرَاسِي

وِالطَّابُورِي كَمِّلْ بِيهَا

وِالإِعْلاَمْ

بْفَاسُو لِلْقِيَمْ هَدَّامْ

لاَزِمْنِي فَلِيجَة كْلاَمْ

لْكُلْ شِلَّة وْمَا يِكْفِيهَا

شْنُوّة حْصُلْ؟

عْلِي شْوِرِّبْ صَارْ بَطَلْ

وِشْبَيِّبْ تَبْعُو وْقْتَلْ

شْنِيَّة الْعِبْرَة الِّي فِيهَا

فِيقْ مِالنُّومْ

لِلتَّطْبِيعْ جَابُو شَالُومْ

فْضَايِحْ عَمْلِتْ رِيحِةْ ثُومْ

تْمَنْعِتْ بَاقِي يْبِثُّو فِيهَا

آشْ اخْرِتْهَا

تَلْفْزَة فِقْدِتْ وَهْرِتْهَا

فِي التَّمْيِيعْ ظُهْرِتْ قُدْرِتْهَا

وْلاَ مِنْ عَادْ يْحَاسِبْ فِيهَا

آشْ بَاشْ يِعْجِبْ

لاَمِنْ نَاوِي يْعَرِّسْ يِنْجِبْ

عَارِفْ مَصِيرُو بَاشْ يِتْعِبْ

عَمْلَة مْشُومَة يُوحِلْ فِيهَا

قَلْبُو ذَابْ

التَّنَقِّلْ صَارْ عْذَابْ

لِلْخِدْمَة وَلاَّ لْكُتَّابْ

تْفَرْعِسْ وَقْتُو ضَاعْ فِيهَا

تْحِبْ الْوَاعِي

تْرَكَّبْنِي فِالْكَارْ بَرْدَاعِي

طْلَعْتْ كَانْ كِي خْدِمْ ذْرَاعِي

فَرْدِةْ بَابْ مْكَبِّشْ فِيهَا

هَاوالاِحْبَاطْ

الْمَاء مَوْجُودْ لِلْفُسْفَاطْ

وِالْمُوَاطِنْ فُمُّو شَاطْ

شَرْبَة مَا يَخْلَطْشْ عْلِيهَا

آشْ كُونْ لِيهَا

الْمَدْرْسَة شَعْمَلْنَا فِيهَا

وِينُو السّورْ الِّي يَحْمِيهَا

وِالسَّبَّالَة لِذْرَارِيهَا

حَوْرُوهَا

بَرَامِجْهَا وْفَرّغُوهَا

وِالشَّبِيبَة مَيّعُوهَا

وْشَلّكُو الِّي يْقَرِّي فِيهَا

إنّ مثل هذين القصيدتين ـ وغيرهما كثير ـ هو إضافة وإثراء للأدب العربي في هذا القطر أو ذاك هذا الأدب الذي ظلّ تاريخه غير حافل ـ إلى حدّ بعيد ـ بما قاله الناس البسطاء والعامّة بلغتهم التي يتخاطبون بها في حياتهم اليومية معبّرين بصدق وتوهّج عن معاناتهم وأحلامهم ومواقفهم في معانٍ ومواضيعَ وحتى في أساليبَ فنيّةٍ قد تقترب في كثير من القصائد من قصائد الفصيح في الكلمات والصّور وحتّى في الإيقاع أحيانا بل قد تفوقها جمالبةً في بعض المواطن...ولا بأس في ذلك ولا ضَيْر فكلاهما صادر عن العربية في تعدّد مستوياتها التعبيرية.

 

سُوف عبيد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4887 المصادف: 2020-01-22 01:26:17