 أقلام ثقافية

مستقبل الصحافة !

عبد السلام فاروقدعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبري وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق.

لا ينبغى أن ندفن رؤوسنا فى الرمال فندّعى أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: أنها أزمة بلا حلّ!

لقد كانت الصحف قديماً هى الوسيلة الإعلامية الأولى محلياً وعالمياً مما أدى إلى انتعاشها وتشعب اتجاهاتها، حدث هذا قبل التليفزيون والراديو والسينما. أما اليوم وقد امتلأت السماوات بالبث الإعلامى الفضائى، وتكدّست الشاشات الرقمية وغصت بوسائل التواصل والصحافة الرقمية البديلة . فقد حوصرت الصحافة الورقية فى زاوية، وبات الأمر يتطلب حلولاً ناجعة قادرة على تجاوز الأزمة واقناع الجمهور بالتخلى عن شاشته الرقمية المجانية ليقرأ صحيفة لا يستكثر ثمنها، ولا يستثقل قراءتها.

الصحف قادرة على أن تعود كسلعة ثقافية حيوية مطلوبة لجميع فئات وشرائح المجتمع.

الدليل على ذلك أن حاجة الجمهور للمعلومات تزداد يوماً بعد يوم.

عالم التسويق والإعلان يعتمد على المعلومات .. وهكذا الاقتصاد والفن والثقافة والتجارة والصناعة والمال والجريمة والقانون والسياسة .. كلها معلومات . والمطلوب فقط أن تكون تلك المعلومات صحيحة وموثوقة ومثيرة من حيث طريقة تقديمها . هكذا هى لعبة الصحافة الأثيرة، أن تجعل القارئ مثاراً متحفزاً للمعلومة التى يفتقر إليها . فالصحافة هى عالم المعلومات المتجددة الشيقة .

إنها مفارقة كبيرة تحمل سؤالاً تعجبياً استنكارياً .. هذه المفارقة الاستفسارية تقول :

"كيف يمكن للصحافة بصفة عامة أن تفشل ولو جزئياً فى عصر يسمونه "عصر المعلومات" ؟

وهل هناك مصدر للمعلومات أفضل أو أقوى من الصحافة ؟!" .

الصحافة الإليكترونية .. والسياحة!

الإعلام الرقمى له مزية هائلة لم تُستغلّ بعد ..

أنه قادر على اختراق الحدود إلى أبعد مدى ممكن .

وكالات الأنباء العالمية باتت شبيهة بآلة معلومات عملاقة تعمل على مدار الساعة. حجم معلومات ضخم، وحجم عَمالة هائل يتناسب مع شلال الأخبار المتدفق بلا انقطاع . وجميع الفضائيات تتناقل تلك الأخبار باستمرار . لاشك أن تأثير مثل تلك الصحافة العابرة للحدود قوى وممتد.

منصة اليوتيوب هى منصة أخرى من منصات الإعلام البديل . وربما كانت من أقوى المنصات العالمية.

بعض لقطات الفيديو الفنية أو الاجتماعية تستحوذ على نسب مشاهدات بالملايين وقد تتجاوز حاجز المليار خلال أسابيع قليلة . حتى أن جهات الإنتاج العربية تنبهت لمثل هذا الأمر، واستغلت اليوتيوب للدعاية لأحد الفنانين أو الفنانات، أو الدعاية المضادة ضد فنان أو فنانة أو عمل فنى!

والسؤال هنا: هل من الممكن استغلال منصات الإعلام الرقمى العالمية للترويج للسياحة؟

نعم ممكن .. لكن الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو.

مجال الدعاية الرقمى مجال احترافى له مقومات وآليات أخرى مختلفة عن آليات الصحافة المطبوعة.

ومجال السياحة مجال متعدد الأوجه والأنشطة . والمنافسة العالمية على أشدها . ولكى تكون مؤثراً فى الذوق العالمى، لا بد أن يكون لك موطئ قدم فى الإعلام العالمى .

هناك أبعاد لامرئية فى العمل الإعلامى الرقمى؛ كعمليات الحماية الرقمية والتوجيه والتحكم والمتابعة والتقييم والتصنيف، كلها تستلزم مقومات مادية وموارد بشرية لإدارتها قد لا تمتلكها مؤسسة صحفية منفردة . لكن تجميع الجهود وتبادل الخبرات فى المجال الصحفى قد يسهم فى تكوين صحافة مصرية رقمية قادرة على اختراق الحدود والوصول للعالمية.

هكذا تستطيع الصحافة لا أن يكون لها دور فى الترويج السياحى من خلال المنتَج الثقافى فحسب. بل فى الترويج لأى سلعة أخرى من السلع المعنوية.

آفاق رحبة

هناك مثلاً فكرة نفذها الغرب ولم نستطع بعد أن نقلدهم فيها .. هى فكرة "غيمة الأفكار" أو "Document cloud"!

 إنها كتلة رقمية محمَّلة ومثقلة بالبيانات والمعلومات الموثَّقة المصنَّفة والمتاحة لكل الصحفيين كمصدر دائم للمعلومات، وهى الغيمة المستعدة لإمطارك فى أى وقت بأى كمية تريدها من الأفكار الجاهزة . إنها أشبه ببنك رقمى للمعلومات والوثائق شارك فى إعداده نخبة من المتخصصين والصحفيين كمؤسسة نيويورك تايمز ومؤسسة "جيمس لى نايت" وعدد من الصحفيين اللامعين مثل (سكوت كلاين) و(أرون بيلهوفر) و(إريك أوماتسيكى) و(أماندا هيكمان). وجميعهم من المتحمسين لدور الإعلام الرقمى فى تبادل الأفكار وإتاحة المعلومات وتطوير العمل الصحفى والإعلامى .

التقنيات الحديثة ومستقبل الإعلام

قيل،على سبيل التخيل، أن حجم المعلومات الرقمية دائمة التوارد والاتساع بلغ من الضخامة ما لو تم تحويله جميعاً إلى مطبوعات لغطى الأرض كلها وأكثر.

فالمحتوى الرقمى المعلوماتى، بكل ما فيه من غث وسمين، يفوق ما تم تسجيله فى الكتب منذ بدء الخلق حتى اليوم بثلاثة ملايين ضِعف! أمر عصِيّ على التصور.

نحن أمام إمكانات افتراضية غير محدودةـ .. فيض لا ينقطع من معلومات تنحدر من عشرات المنابع ومئات المصادر وآلاف المواقع كأنهار من الأفكار لا تنضب ولا تتوقف عن الدوران والتعاقب.

دور الصحافة مستقبلياً سوف ينحصر فى محاولة اصطياد ما هو ملائم للبث من بين أمواج الأخبار اليومية الجامحة. لم يعد دور الصحافة هو السعى خلف الأخبار، فالأخبار الآن هى التى تسعى خلف الصحافة، إنما فقط انتخاب الأخبار وإعادة عرضها بطريقة مثيرة ملفتة.

لغة الصورة والمشهد سوف تسود هنا أكثر من اللغات المقروءة .. فالصورة تمثل لغة عالمية تتحدث دون حاجة إلى ترجمة، وهى لغة محبوبة تألفها العين وتستمتع بها أكثر من لغة الحروف والأرقام.

سوف يتغير الإعلام وتتغير اتجاهاته وأهدافه شاء أم أبَى ..

فالتغيير قادم .. قادم  فى صورة تقنيات جماهيرية غير قابلة للمنافسة . ولكى يستطيع الإعلام أن يواكب ذلك التغيير، لا بد له من أن يتغير ويتطور فى ذاته . أو يبقَى فى ذيل المنظومة الإعلامية العالمية كمتابع ومشاهد لا كمشارك.

 

عبد السلام فاروق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

طرح موضوع الصحافة له اهميته، لا يمكن لمجتمع بشري ان يتواصل بدون الاعلام بكل اشكاله الأكترونية والورقية. لكن التطور له تأثيره وضرورة فهمه والتعامل معه ، وهنا المشكلة الكبيرة . وهو عدم فهم ما يفرضه التطور على وسائل الاعلام المطبوعة او الورقية.
انا شخصيت عشت هذا الانقلاب العميق منذ كنت محررا لجريد اسبوعبة ثم نصف اسبوعية ثم يومية. بدءا من عام 2000
ما توصلت اليه هو ان الصحافة الورقية اختلف دورها ومضمونها. اي انها لم تعد قادرة على المنافسه كاعلام اخباري لسبب بسيط ان الاعلام الألكتروني اسرع في نقل الخبر ، ومتوفر بسهولة للجميع باشكال ووسائل متنوعة.
اذن ما هو دور الصحافة في عصر الاعلام الألكتروني؟
توصلت لنتيجة ان الصحافة المطبوعة تتحول من اخبارية الى خدماتية وتحليلية وثقافية. المعنى انها يجب ان تتناول ما وراء الخبر وان تتناول قضايا لا تلفت انتباه الصحافة الورقية الا بشكل فوقي جدا، مثل قضايا التعليم والصحة والمجتمع والمرأة وحرية التعبير والتحليل السياسي والاقتصادي.. الخ بصيغ ليست مجرد اخبارية بل تحليلية ونظرية... ومواضيع كثيرة اخرى لا تصل للجمهور بشكل صحيح الا عبر الصحافة المطبوعة.
اما المنافسة على الخبر فهي لعبة فاشلة وخاسرة.

نبيل عودة
This comment was minimized by the moderator on the site

.. جري تغير اسم كاتب المقالة من غبد السلام فاروق إلي فاروق مواسي !! رجاء تصحيح الخطأ حتي لا تختلط الأسماء فبما بعد . مع جزبل الشكر

abdelsalamfarouk@yahoo.com
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4905 المصادف: 2020-02-09 01:17:42