 أقلام ثقافية

مدام بوفاري بين الخيبة والخيانة.. غوستاف فلوبير

فراس زوينأن البناء الدرامي والكشف عن خفايا السلوك الإنساني  والمضمون العالي الذي طرحه غوستاف فلوبير ليست هي الميزة الوحيدة التي تتصف بها الرواية، فأن الأسلوب الرائع الذي سطر به فلوبير صفحاته وشاعرية كلماته المتناغمة والمسترسلة بنسق موسيقي لايخدش القارئ او المستمع والتي وصف بها ادق المشاعر الإنسانية والاندفاع وراء ألاحلام الى اقصى حدود الوهم حيث ينتهي المطاف بالارتواء من شراب الخيانة الذي لا يدفع الا الى الهاوية.

ان مدام بوفاري هي رواية تتكلم عن خيبة الامل بقدر ما تتكلم عن الخيانة، وتتكلم عن الحقيقة بقدر ما تتكلم عن الخداع، فهي تروي لنا خيبات إيما وفشلها في تقبل لون الواقع الداكن وتعلقها بالوان الوهم الزاهية والزائفة، تلك الألوان التي كانت تحسها وتعيشها مع شخوص القصص الغرامية وروايات العشق التي طالما قرأتها وحلمت بها كأنها احدى بطلات القصص او عشيقات الملوك والامراء من كتب التاريخ الذي حفظته، وبقناعة تامة ان مغامرة واحدة تخرجها عن المألوف قد تؤدي الى سلسلة من الاحداث التي تغير اطار حياتها الممل والرتيب حيث كان المستقبل يمتد امامها كسرداب مظلم ينتهي الى باب محكم الاغلاق، فتتعرف في تلك الفترة بالدكتور شارل بوفاري الذي يشتعل في قلبه الشعور بالأعجاب بها وان كان هذا شعوراً صامتاً لا تفضحه سوى نظرات العيون وارتجاف الايدي عندما يكونان معاً، وهو ما ملئ قلبها ورسم في ذهنها صورة رأت انها مطابقة لما قرأته وتخيلته من قصص العشق ولوعة الشوق واهات الفراق فلم يمنعهما سوى انه رجلٌ متزوج، "ولم تسائل نفسها قط عما اذا كانت تحبه فعلاً، فهي تعتقد ان الحب يفد فجأة مصحوباً برعد وبرق، كما لو ان عاصفة تنقض من السماء على الأرض، فتقلب كيانها، وتنتزع الارادات انتزاعها لأوراق الشجر" فيأتي الموت بما يحمله من مفاجئات وما يغير من واقع يجعل  من شارل ارملاً بعد وفاة زوجته الأولى فيكون بذلك طريقه الى إيما مفتوحاً ولا يبعده عنها سوى التقدم لخطبتها من ابيها الذي لا يرى زوجاً لابنته الوحيدة افضل منه للتحول إيما الى مدام بوفاري .

يسترسل الكاتب الفرنسي فلوبير في وصفه حياة إيما وما رافق ذلك من روتين الحياة ورتابة الواقع الذي دائماً ما يكون كفيلاً بسكب مياه الحقيقة الباردة على نار الرومانسية ولهيب احلامها، فيصبغ المشاعر بصبغة الواقع، ولكن في حالة مدام بوفاري فالأمر مختلف فان ايما تبقى تكتوي كل يوم بهذه النار التي تحرقها من الداخل وتحيل حياتها الى جحيماً من العاطفة المستعرة التي تبحث عن أي نسمة عشقٍ او هوى ترتوي بها نفسها وتعيش من خلالها مغامرات الحب الذي طالما حلمت به وظنت انها وجدته في شارل الذي يثبت لها كل يوم انه نموذجا للرجل الرتيب " فقد أصبحت أوقات انطلاقه وتحلله منتظمة، وهو يقبلها في مواعيد معينة وكأنما يمارس عادة من العادات، او كانه يتناول حلوى مرتقبة بعد عشاء ممل، واغاظها انه لم يبدي أي انتباه الى عذابها، وبدا لها اعتقاده بأنه حقق لها كل سعادة إهانة وقحة، واطمئنانه الى هذا الاعتقاد جحوداً، فكان كل مجهود للتخفيف من هذه الأحقاد انما يضاعفها، وكان تلطفه معها يزيدها تمرداً، وضِعة حياتها المنزلية تدفعها الى أحلام ملؤها البذخ، وكانت الملاطفات الزوجية تسلمها الى شهوات داعرة، ولكم ودت لو ان شارل ضربها حتى تجد مبرراً لان تكرهه، وتعمل على الانتقام لنفسها منه، ومع كل ذلك لم يكن هناك بد من ان تستمر في الابتسام، وان تسمع الادعاء انها سعيدة يردد مسامعها كل الأوقات، وان تتظاهر بالسعادة، وتدع سواها يعتقد انها سعيدة" .

ان رغبة إيما الملحة في ركوب سفن الهوى وولوج درب العشق حتى وان كان ممنوعاً او محرماً يجعل منها فريسة سهلة لمدعي الهوى وتجار المشاعر الذين خبروا حياكة الشباك التي يصطادون بها فريستهم من النساء فتتحول إيما من تلك الفتاة الرومانسية الحالمة الهادئة الى امرأة مسرفة ومثارة تقودها رغبتها الجامحة وترى في الخيانة ضالتها وفي الاقتراض والبذخ استقرار نفسها لتكشف لنا عن وجه ثاني  يخالف ويعاكس كل الصور الناصعة والبريئة التي ترتسم على محياها وعرفها الناس بها، فتنشر لعنتها على من حولها وتغرق سفينة حياتها مع شارل وابنتها الوحيدة في مستنقع العار والشقاء بعد ان صودر كل ما تملكه الاسرة لسداد الديون التي انفقتها إيما في سبيل شهواتها ونزواتها.

لاشك ان غوستاف فلوبير قد برع في كشف النقاب عن خفايا ودواخل قد تكون مخفية في أعماق العديد من يعيشون التناقض بين ما طبع في اعماقهم من تصورات وبين الواقع الحقيقي، بل انه قد ذهب لأبعد ما يمكن من خلال وصفه ما يبلغه الانسان في اندفاعه وهو يحاول ان يعيش بعيد عن العقل والمنطق والاصطدام بجدار الواقع الصلب من خلال إيما فبدلاً من ان تستفيق من أحلامها وخيالاتها وحتى مجونها وتعود الى الواقع الذي يجب عليها ان يدركه ويتقبله كل شخص ولكنها بالعكس من ذلك تحطمت كلياً وقبلت العيش بمستنقع الخيانة وهي لا تراه الا حديقة زهور روته بمياه الغواية والعشق المحرم، ولبست انقى ثياب العفة على جسدٍ انهكه واقعها المأثوم ولحمها المباح.

 

فراس زوين

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

فلوبير في روايته هذه أغرق القارئ بالوصف المبالغ فيه لدرجة أنني في بعض الوصف أكاد أختنق حيث يصف شقا في الجدار كأنه ملحمة ، هذا ما أفسد علي متعة القراءة وهو الاستغراق في الوصف الممل ، حيث لم اجد داع لهذا الوصف في الرواية كلها الا في ثلاثة او اربعة مواضع فقط.

منتهى البدران
This comment was minimized by the moderator on the site

ان الاستغراق بالوصف وتوظيف اللغة تعتبر من اهم خصائص فلوبير في روايته مدام بوفاري، بالرغم من انقسام النقاد في تقيمهم، فمننم من رأى ان الرواية هي عبارة عن اسلوب بعيد عن المضمون الادبي والروائي وهو مايقارب رايك ويوافقه ومن النقاد من رأى ان الراية حملت الاسلوب والمضمون ،، وفي كل الاحوال يبقى لكل قارئ ذائقته الادبية و رؤيته الخاصة ،،، تحياتي لك واشكرك على تعليقك.
فراس زوين

فراس زوين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4943 المصادف: 2020-03-18 02:40:19