 أقلام ثقافية

عمّي يبياع الورد

جمال العتابيوقفت على أبواب مدن عديدة، أنصت الى الاصوات الآتية من قيعانها، لم افلح يوماً ما في إسترجاع صوت حضيري ابو عزيز، بل يداهمني ضجيج الآلات، ودوي المركبات، نشوة سحرية تمتلك حواسي كلما أنصت لـ (عمي يبياع الورد)، مثل عزف رائع يمتد عبر العصور، بصوت حضيري، تتردد أصداؤه متخطياً الأبعاد، يلتقي بنا دون ان يحجبه عامل الزمن، أو يغيبه النسيان، كما لوكان نبضة حية في وحدة الوجود .

الشاب حضيري القادم من ريف الشطرة الى المدينة، يحمل بين جانحيه موهبة مغني، وطموح انسان، لم يستسلم للصعوبات، موهبة فريدة في الغناء منذ ايام صباه، الصوت الجنوبي الممتلىء عذوبة في الأداء واللحن، يبزغ صوته في أجواء المدينة، يستفز الصبايا، وغرام المراهقات فينهمر الورد مدراراً، ليرشّه ابو عزيز على خدود زينة البنات(هدية).

كان حضيري يجيد ترديد اغاني ملا منفي، وملا شنين، وملا جادر، في محل خياطة يعود لخاله، الذي رعاه بعد وفاة والده، وعلّمه اسرار المهنة قبل ان يلتحق بجهاز الشرطة، كان صوت ماكنة الخياطة يخفق مع نبضات قلبه حبيس الحسرات، ملهماً صوت حضيري القوة والإتساع، لا يحجبه جدار نحو الآفاق ينادي: (على درب اليمرون أريد أگعد ونادي)، وفي الليل تنتظر المدينة ان تنام، ولا تنام، فصوته يوقظ المدن النائمة، والبيوت لها صدى تنحاز له كذلك، تفتح نوافذها الخشبية الخرساء، ليتفجر الألم الدفين، حضيري كمن يصلي صلاة الاستسقاء في (عمي يبياع الورد)، يستمطر ماءً ونقاء، ليوقظ الازهار من رقدتها، انه الورد لاتقترب منه الصحراء .

العمر يا ابا عزيز مازال ندياً، وهدية (شالت) !!إرتحلت بعدما روت بدموعها أمانيها ..إلى أين ارتحل مرفؤك السماوي؟ واين سماؤك الأولى ؟تختلج اللوعة في أصدائها وتنتهي بأمنية، من يخفف عنك حرقة الشوق، ويبعث فيك السلوى ؟؟غير صنوك داخل حسن، يشاركك النواح، في ثنائية لعاشقين معذبين (يحضيري بطل النوح شالت هدية) .

أيها المغني، الارض تسمعك، وتصغي لك الريح (فاهجع شوية) لا تتوسل بالحمام ان يذكرك بالأنين !(حمام لتون على روس المباني)، بصوت ينسل بطيئاً، مابين الشهقة واللوعة، لعل زفير الحمام يردّ هدية اليك، لكنها غابت مثل محارة لبدت في أعماق البحر، كنت تجهش بالبكاء، وتخلع ثوب الاسلاف، وتلعن (أهلك) الذين ضيعوك، تتشفى بهم، لتغني مثل شهقات طير مأسور( هلي يظلام، ما جابوا ولفي إلي، تره الفرگة چوت گلبي چوي) وتعيدها بنبرة أشد( صلت گلبي صلي)، هلي يظلام مارحم عدكم !!

يلزمك وقت يا حضيري كي تجمع أحزانك توزعها بين عيادات الأطباء، من يعين فتى مثلك، مثقلا بالحزن ؟؟ غير نداء تستغيث به عطف طبيب( عاين يدكتور ! الگلب چم جرح مجروح) وتتمادى اكثر وبميانة مع الطبيب (لك عاين)، الروح ما تحمل بعد لا حزن لا جور، عاين يدكتور !!

انت كمن يتهجى الشهادة، لتلم شظايا الروح، ربما تريد ان تسترد(حُميّد)، محلقا في السماء، تغوص في الارض، تبحث عن(عشبة)، او مطفأة، لكنك تغرق في (مصايب الله). متوعدا حميد: آنه لك وانت لي، لون بين السما والارض ايصير اصعدلك منو اليعترض!! ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقا بين ارض لا تجيب، وسماء تسأل : حميد انت لو موش انت !

يصعب ان نصنف حضيري ابو عزيز كأحد مغني الريف، لأنه كان يتطلع نحو التجدد في اللحن والإختيار، وإن لم يكن يعي مواجهات الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، ومفاجآت ضاربة، بيد ان لديه طاقات حبيسة تريد ان تعلن عن ذاتها بطريقته الخاصة، حاول ان يبقي على علاقة سليمة مع جذوره الأولى، قد لا تسعفه في المضي بالتجربة حتى النهاية، إذ يجد نفسه بحاجة الى معين متجدد لا ينضب من طاقة الحياة، فإمتلك جسارة ابن المدينة ليسافر الى بلاد الشام، في نهاية الثلاثينات، واتصل بمغنين عرب، وعقد اتفاقات مع شركات تسجيل أجنبية، ومثّل في افلام بزي مدني .

حضيري اراد ان يصير حراً بتصميم وشجاعة لايمتلكها زملاؤه المغنون، في تلك الفترة الثرية، ظهر صوته، كانت سنوات كشف وارتياد المجاهيل، منذ مطلع الخمسينات بدأت رحلة البحث عن تجارب جديدة، كان الفنان العراقي يقع من خلالها على بعض الحلول للمعضلات الفنية والادبية، وهكذا غدت تلك التجارب اشارات جديدة اقتحمت جدار المسلّمات التقليدية السائدة في الاوساط الثقافية حينذاك.

أراد حضيري ان يتآلف مع الجديد بمنظوره الريفي، ونوازعه الانسانية الصافية، فإستطاع ان يهيمن على المشاعر لعذوبة صوته ومساحته قراراً وجواباً، انطلق به ليأخذ مداه الواسع بكامل طاقته، ما دام في قفصه بقية خافق.

هذه النظرة العابرة لا يمكن لها ان تستقصي كل أبعاد أغاني حضيري، كما انها لا تستطيع ان تقع على حرارة الاخلاص التي تشع منها، الا انها تستطيع ان تؤكد (مدنية) حضيري، لا ريفيته، ولو كان على الفنان الراحل ان يجرح احساسنا بلسان صمته الأبدي لأسمعنا مرّ العتاب .

ياحضيري بن حسن رهيف العبودي، كان سحر صوتك الموّشى بالأنين، يغيض بغربة الروح الجنوبية، من يغني سواك عن الورد في ذاك الزمان؟ ومن يبيعك الورد يا ابو عزيز الان؟ ومن يواصل النداء (بالك تدوس على الورد وتسوي خِلّه)؟ فالارض ما عادت مرتعاً للحمام! بل يسكنها الشوك والحزن، والحكومات ضيعت الاوطان وضعنا، ومحت فتنة الورد.

 

جمال العتّابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مساء الخير والعافية
إطلالة جميلة تحمل بين ثناياها ما ينبغي أن يوثق من موروثنا الذي يعكس ملامح مراحل مهمة من تاريخنا المعاصر.
دمت بخير أديبنا المثابر د. جمال العتابي مع تمنياتي بدوام العطاء الإنساني.
لطيف عبد سالم

لطيف عبد سالم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 11:17:33