 أقلام ثقافية

بعد بزوغ فجر ما بعد الكورونا.. هل سيُطاح بالكبار؟

عزيز جاسمعندما قرر السيد ايرنشو الأب العجوز في رواية أيميلي برونتي الوحيدة "مرتفعات وذرينغ" تبنّي المشّرد هيثكليف، لم يكن قراراً مراد منه التبنّي من اجل التبنّي بقدر ما كان عملاً انسانياً بحتاً. لكن ذلك القرار كان بمثابة انعطافة كبيرة في حياة إبنه الأكبر المدعو هيندلي. تلك الانعطافة التي أدت الى تغيير سلوكه الى النمط العدواني البحت والذي أدى به أخيراً الى المنفى في مدرسة عسكرية لغرض التعديل من سلوكه بعد قرار اتخذه السيد ايرنشو. تنفس هيثكليف بعد رحيل هيندلي عن الدار الصعداء ولكن لم ينسَ هيندلي ذلك العمل الذي نقله من بيئة تحلّى بها في اتخاذ القرار بنفسه الى مؤسسة تعمل بالنظام العسكري الذي لا يرحم من يخالف الأوامر التي تُصدرها.

لكن ما لا غرابة فيه أن دوران الاحداث في الحياة أمرٌ ليس بالمستحيل وبذلك دارت الدوائر بالطريقة التي أرادتها الحياة نفسها. ولكن! عندما توفى السيد ايرنشو تضع الظروف رقبة هيثكليف في المقصلة التي أمسك بها هيندلي مرة أخرى حيث كان السيد ايرنشو يوفر لهيثكليف الغطاء الكامل في دار ليس له فيها نصيب. وجد هيثكليف نفسه عارياً عن الدعم بعد وفاة السيد ايرنشو واتخذ هيندلي بحقه القرارات التي لم ترد لهيثكليف ولا حتى في الكوابيس العسيرة الهظم!

لا انوي في الحقيقة سرد احداث رواية صدرت في العام 1847 أي تقريباً في منتص القرن التاسع عشر ولكن أود أن اصل الى حقيقة مفادها أن عجلة الحياة التي دارت على هيثكليف دارت مرة اخرى وبالعكس هذه المرة لتجعل من هيندلي تحت السندان الذي بات يطرق به هيثكليف بكل ما أوتيَّ من قوة. لا مفر هذه المرة لأن السيد ايرنشو لم يعد في هذا العالم الذي كان من الممكن ان يَحْول دون انتقام هيثكليف لنفسه.

اترك بقية الاحداث الى القاريء وارجع الى النقطة الرئيسية المراد طرحها هنا في هذا المقال حيث كان وجود السيد ايرنشو في البيت له الأثر الكبير في جعل التوازن العقلي لأتخاذ القرارات التي تجعل من سريان الامور بشكلها الصحيح. فعند وفاته تأثر البيت وساكنيه من تقلبات عصفت بافراده بعيداً عن مركز التحكم العقلي. تعاقُب الاجيال خلال ثلاثين سنة في الرواية ادى الى تغيير في منهجية العيش التي وفرت جواَ من المتعة للبعض والاذى للبعض الاخر.

هنا بالضبط وكما هو الحال في أيامنا الحالية التي نعيشها في ظل الكورونا نسمع الأخبار التي تستعرض قوة الفيروس الصغير ومدى جبروته في السيطرة على مركز التحكم الصحي عند الانسان وبالاخص الكبار منهم. حيث تنذر الأخبار بأن هذا الفيروس الصغير يستهدف الكبار على وجه التحديد على الرغم من عدم سلامة الصغار في بعض الاحيان من فكيه. يهدف الى الإطاحة بالكبار حيث ليس لهم القدرة الكافية على تحمل هجومه لضعف مناعتهم! الكبار الذين شيدوا معالم الحياة التي نعيشها والذين كان لهم باع طويل في ترتيب وتنظيم منهجية العيش التكنولوجي الحديث. هل سيُطاح بهم على يد فيروس صغير جداَ ونصبح بعدها تحت رحمة هيندلي جديد او هيثكليف مشّرد آخر بعد بزوغ فجر ما بعد الكورونا؟!!

 

د. عزيز جاسم محمد – كلية الزهراء للبنات

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4973 المصادف: 2020-04-17 03:42:16