 أقلام ثقافية

الشعر قضية.. قصيدة وطن نموذجا

صالح الطائيبين بيتين فقيرين من الشعر امتدت قضية وطن موبوءٌ بالوجع السرمدي ربما لأنه محسود بسبب ما فيه من خيرات عظيمة على رأسها هذا الإنسان العصامي العظيم الذي علم الدنيا كتابة الحرف وصنع العجلة وإيقاد النار وتطويع المعادن فيسر لها سبل التقدم.

بين بيتين قالهما شاعر هاو للشعر لا محترف، انبسطت قضية جيل من الضياع واليأس والفرقة والتشتت والبغضاء والكراهية والتباعد والحقد المقيت حتى بانت عورات التاريخ دون غطاء سعى "الربيع العربي" إلى سترها وهو نفسه لم يستر نفسه، فذكرني بقصة العنز مرفوعة الذيل والنعجة ذات الإلية.

بين بيتين قيلا لتأجيج العواطف واكتشاف الذكاء، ثم تحولا إلى قصية وطن بان من خلالها جوهر معدن أمة وصفوه بالرديء وهو من أنقى وأندر المعادن في الكون وأنفسها، معدن لا يصدأ ولا يتغير لونه ولا طعمه ولا رائحته على مر الزمان.

هذان البيتان من بحر الوافر وبقافية الراء المضمومة، قلتُ في أولهما نصرةً للعراق وشعبة وشبابه الثائر وشهدائه:

حذارِ منَ الهدوءِ إذا تفشي       فعندَ الفجرِ قارعةٌ تثورُ

وجاراه بعض الأصدقاء الشعراء مجاملة، ثم دخلتْ على الخط شاعرة سورية ألهبت مشاعري بثلاثة أبيات صديقة للبيئة، فدفعتني لأعلن عن مشروع أدبي فيه مجازفة كبيرة لأنه يسير عكس التيار، وينضوي على تحد كبير قد يصل إلى حد الاستهجان طالما أن الأمة ممزقة مشتتة ذات ولاءات لا رابط بينها، تتحكم الكراهية بين حكامها والبعد والتشتت والبغضاء بين شعوبها، ومن محاذيره الخطيرة أنْ أتهم بأني من بقايا نظام ولىَّ كان في شعاراته يدعو للوحدة، فأخسر سمعتي أنا الذي تصدى للنظام معارضا وأقتيد إلى المعتقل عدة مرات، ولا زالت سياط الجلاد مرسومة على ظهره وأثر القيد في معصميه.

وأنا واقعا وصفت المشروع بأنه مجازفة غير محسوبة النتائج لأن ما تمر به أمتنا اليوم من نكسات متلاحقة منذ فورات "الربيع العربي" إلى "صفقة القرن" إلى "انهيار أسعار النفط" جعل منها ظاهرا مجرد مقاطعات متنافرة لا رابط بينها، تعيش كل منها معاناتها لوحدها دون ان يمد لها أحدٌ من إخوتها يد العون، ولا ترغب هي بالاتصال بأحد منهم، هذا إذا لم يكن الأخ هو المتسبب في عذابها ولوعتها. وهذا ما جعل من المشروع مجازفة فيها الكثير من التحدي، لكن مع كل التحديات المتوقعة، والفشل المحتمل، والرفض المتوقع واحتمال عدم الاستجابة أو عدم التجاوب بشكل جاد؛ لم يصبني يأس، فجازفتُ، وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أرى حجم المشاركات الكثيرة التي بدأت تنهال عليَّ من أغلب أقطار الأمة العربية، وهذا هو فعل الأفكار المجنونة.

كيف للفكرة المجنونة المشحونة بالتحدي الكبير والعناد إلى حد النزق والانفعال أن تهدأ أو تهادن أو لا تتمرد؟ وأنى لها أن تنجح وأن تكون مميزة وبمستوى الطموح في عالم مجنون إذا لم تكن بكل هذا الجنون المنبعث من القلوب الحزينة التي آلمها ما آل إليه أمر الأمة، فالجنون يكون أحيانا أعلى مراحل الوعي، وكم توهجت إشراقات الحكمة من دنيا المجانين، فلم لا تشرق من هذه الدنيا قصيدة تحيي موات قرن من الزمان، وتعيد للأمة وهج العمر الذي مضى، والذي ترك في قلبها أعظم حسرة ليس من اليسير إزالته أو إيقاف تدميره.

في هذا الزمن الصعب كان مسموحا لك أن تكتب عن كل شيء إلا عن الوحدة العربية، لأن كل المؤشرات تبين أن وحدتنا إناءٌ من خزفٍ سقط من سطح ناطحة سحاب على لوح حديد موضوع على الأرض؛ وتشظى قطعا لا رابط بينها، ومن يحاول الكتابة سيتهم بالجنون ويهزأ به كل من يسمع دعواه، وقد يتهم بالعمالة.

رهان المشروع كان مجازفة غير محسوبة النتائج لا تقف عند الشعور بالخذلان فحسب بل تصل إلى مرحلة الاتهام وربما أبعد من ذلك، ومع ذلك راهنتُ على أمر طالما وجدته ظاهرا أمام عيوني اسمه "الغيرة العربية" فالغيرة جين مشترك بين كل العرب في خارطة (دي أن أي)، ينتقل عبر خلايانا تلقائيا سالفا عن سالفٍ، تسبتُ أحيانا حتى يُظنُ بأنها انقرضت أو ماتت إلى الأبد، فإذا ثارت يملأ الدنيا صداها.

إذن هي مجازفة تقبل احتمالين ولا تحتاج سوى إلى القليل من المغامرة بإعلانها إلى الملأ وانتظار رد الفعل، وهو ما حدث فعلا حينما أعلنتُ على صفحتي في الفيس عن نيتي صنع قصيدة بأقلام شعراء الأمة تمجد العراق وأهله بأن يشترك الشاعر ببيت أو بيتين أو ثلاثة أبيات من نفس البحر والقافية.

هنا اشتغلت الغيرة التي أتحدث عنها باتجاهين الأول: بدء وصول مشاركات من عدة أقطار عربية، والثاني قيام بعض الشعراء بالاتصال بزملائهم الشعراء العرب وحثهم للاشتراك في القصيدة، وقيام مواقع الكترونية عراقية بالترويج للمشروع مثل موقع الناقد العراقي وموقع صحيفة المثقف ومنتدى هاملت الأدبي، فانهالت علينا المشاركات من كل أقطار العرب باستثناء بلدين امتنعا بإصرار حتى مع تكرار مطالبتهما بالاشتراك؛ لا يسعني ذكر أسميهما احتراما للوحدة.

النتيجة التي حققها هذا السعي كانت وصول ما يقارب الأربعمائة مشاركة بقلم أكثر من مائتي شاعر عربي، مَثَّل العراقيون منهم بحدود التسعين شاعرا. كانت المشاركات بمستويات مختلفة، تميز بعضها بعنف المشاعر إلى درجة الصدق المطلق، وامتاز بعضها عن غيره كثيرا، وكانت الفوارق واضحة، ولغرض التخلص من هذا التباين والعمل على بناء قصيدة تليق بالوطن بحثت عن شخصية تمتاز بالاستقامة والعدل والحياد والحدية، فعهدت بمهمة تنقيح وتدقيق وتقييم وتحكيم المشاركات إلى شاعر عراقي مغترب تتمثل فيه كل هذه الصفات وأكثر؛ طالما سحرتني قصائده واستثارتني لغته التي اتخذت من طبع المعلقات وصيفا، إنه الشاعر ضياء تريكو صكر ابن الشاعر العراقي الكبير المغفور له تريكو صكر.

كانت مهمة ضياء فضلا عما ذكر شاقة جدا وتحدٍ لا يصمد أمامه الكثير من الشعراء، ولا يقدر عليه إلا بطل تاريخي، ومنه محاولة ربط المشاركات ببعضها لتبدو القصيدة ككيان واحد، وهو ما اضطره إلى نظم عدة أبيات ربط من خلالها المشاركات ببعضها وكانت النتيجة الباهرة قصيدة وطن المكونة من (369) ثلاثمائة وتسعة وستون بيتا، أشترك بنظمها (139) مائة وتسعة وثلاثون شاعرا عراقيا وعربيا.

وحينما كنا ننشر بعض المعلومات عن القصيدة، استثارت الفكرة مناضل مغربي صحفي وأديب اسمه عبد النبي الشراط لديه دار نشر أسمها دار الوطن للطباعة والنشر، فأقترح دعما للمشروع أن يتولى على حسابه الخاص طبع ونشر الكتاب، وهو ينتظر الآن أن نرسل المخطوطة إليه ليقدمها على جميع أعماله الطباعية الأخرى ويبدأ بطباعتها حال وصولها.

أما البيت الثاني فقد قلته قفلا للقصيدة، لتصبح قصيدة وطن بين بيتين، وفيه:

ألاَ فاحْذَرْ هدوءً قد تفشّى      غداة الفجْرِ قارعةٌ تثورُ

ومعه ختمنا رائية العرب التي تنتظر الآن حناجر المغنين والملقين والممثلين للتعامل معها فنيا، وتنتظر أقلام النقاد والأدباء والمتخصصين ليتعاملوا معها بنائيا، وتنتظر أذواق العرب المحبين للشعر لتعيش معهم مغامرة التاريخ.

وبالتالي تبين من خلال هذا الاندفاع العقدي العربي الكبير أن قصيدة وطن، هذا المشروع الفريد من نوعه هو وازع أخلاقي وقيمي أشهر كل مخزون البطولات التاريخية الذي كان مخفيا تحت تراكمات القهر، وصهرها في كلمات وقوافٍ وأوزانٍ في محاولة جادة لإعادة توازن الأمة المفقود، ولذا استحق شعراؤها ان تحنى لهم القامات، وأن يركع بين أيدهم شكر القوافي.

والحمد لله الذي مكننا ببيتين من الشعر وبمساعدة المخلصين أن نبني فريدة التاريخ كأول قصيدة وطنية في التاريخ كله وفي العالم كله يزيد عدد أبياتها على (369) بيتا ويشترك بكتابتها (139) شاعرا، وهي تبدو بحق (رائية العرب) لأنها ستدهش كل من يقرأها، وستأخذ مكانها في صفوف الأدبين العربي والعالمي.

 

صالح الطائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4979 المصادف: 2020-04-23 13:16:28