 أقلام ثقافية

ابداع تشيخوف في عالم مورافيا الفني

ضياء نافععنوان مقالتنا هو عنوان بحث علمي نشرته مجلة (فيسنك) التي تصدرها جامعة خاركوف التربوية في اوكرانيا بعددها المرقم 4 (59) لعام 2016، وهذا البحث بقلم أندرونوفا وجورينكو . العنوان مثير فعلا، او كما كنّا نقول في شبابنا ضاحكين – (يسيل اللعاب)، ومن الواضح انه بحث في الادب المقارن . استوقفني هذا العنوان المتميّز والجديد بالنسبة لي كليّا، اذ لم يسبق لي ان اطلعت على مقارنة بين الكاتب الروسي تشيخوف والكاتب الايطالي مورافيا، وهكذا بدأت رأسا ب(التهام!) هذا البحث، واود ان أعرض للقارئ العربي انطباعاتي عن هذا (الالتهام !)، اذ يبدو لي ان هذه المقارنة المبتكرة بين أديبين متباعدين (من حيث المكان والزمان واللغة والثقافة) ربما ستكون طريفة ومفيدة ايضا للقارئ، الذي يتابع ظواهر الادب العالمي بشكل عام، والادب المقارن بشكل خاص .

القيت النظرة الاولى على البحث اولا، ووجدته مكتوبا باللغة الروسية، رغم ان هناك في بدايته خلاصة باللغة الاوكرانية ثم بالروسية ثم بالانكليزية، وهذه ظاهرة علمية سليمة جدا، ويبدو ان ذلك من مستلزمات النشر في تلك المجلة العلمية الاوكرانية لجامعة خاركوف التربوية . يشغل البحث ست صفحات كاملة من المجلة المذكورة، وتوجد في نهاية البحث قائمة بالمصادرالتي اعتمدها الباحثان، وعددها (13) مصدرا، وكلها باللغة الروسية ليس الا. الاشارة الى المصادر وتثبيتها هي ضرورة علمية طبعا في نهاية البحوث كافة، ولكن الذي أثار استغرابي هنا، هو عندما وجدتها فقط باللغة الروسية لبحث يقارن بين ابداع كاتب روسي بابداع كاتب ايطالي، اذ كنت أتوقع ان تكون هناك مصادر باللغة الايطالية ايضا .

اطلعت على هذا البحث بكل امعان، وحاولت حتى ان أقرأ ما بين سطوره ايضا، واود ان أشير- قبل كل شئ – الى اعجابي الشديد بالعنوان، اذ ان صياغته جاءت بشكل دقيق وموضوعي وموفّق جدا، فلا توجد في ذلك العنوان اي اشارة الى (تأثير) تشيخوف على مورافيا، وانما هناك مفردة (ابداع) تشيخوف، وهو ابن القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين في روسيا، (في العالم الفني) لمورافيا، وهو ابن اواسط القرن العشرين ونهايته في ايطاليا، ومن الواضح جدا، ان هذا العنوان لم يكن عفويا ابدا . ان العنوان لا يوحي، الى ان ابداع تشيخوف قد (أثّر) على ابداع مورافيا، كما يحاول عادة بعض الذين يكتبون في الادب المقارن، دون ان يأخذوا بنظر الاعتبار، ان (المتأثّر به) ان صحّ التعبير، لا يمكن ان يكون اديبا حقيقيا كبيرا، اذ ان القارئ يذهب مباشرة الى (الاصل)، اي الى (الذي يؤثّر)، وليس الى (الفرع)، اي (الذي يتأثّر به)، وقضية (التأثّر) و(التأثير) مسألة جديرة بالتأمّل العميق في دراسات الادب المقارن، وهي مسألة تختلف جذريا عن تشابه الموضوعة في نتاجات الادباء، سواء في اطار الادب القومي الواحد او في اطار الادب العالمي عموما، ابتداء من (حي بن يقظان) الى (روبنسون كروزو) فصاعدا .

يركز البحث على موضوعات تميّز بها ابداع تشيخوف، مثل سيكولوجية العبودية في علاقات البشر بين بعضهم البعض، او، التفاهة التي تسود في الحياة الانسانية الباهتة أصلا، او، ضيق النظرة الجامدة الى الحياة والتعامل معها انطلاقا من (العلبة!) التي صنعها ذلك الشخص لنفسه ويريد ان يخضع العالم حوله لمفاهيمه الجامدة، الى آخر تلك الافكار التشيخوفية العميقة التي ترتبط بابداعه . ثم يحاول الباحثان ان يشيرا الى تحديدها او ظهور ملامح منها في ابداع مورافيا هنا وهناك، مستندين الى الترجمات الروسية لبعض روايات مورافيا ليس الا، وكذلك الى الدراسات الروسية حول مورافيا . البحث لا يرسم طبعا صورة متكاملة وشاملة لكل (العالم الفني لمورافيا) كما يشير العنوان، ولكنه يحدد فعلا وبشكل صحيح جدا خصائص التشيخوفية، ويحاول ان يجد انعكاساتها في عالم مورافيا الفني، وليس ذلك بالقليل في عالم البحث العلمي للادب المقارن، هذا المصطلح (اي الادب المقارن)، الذي لم يتبلور لحد الان كمادة مستقلة وقائمة بذاتها في الدراسات الانسانية، ولا يوجد قسم خاص للادب المقارن في الجامعات التي مررت بها اثناء مسيرتي، رغم ان قسم اللغة العربية في كليّة اللغات بجامعة صنعاء في اليمن قد كلّفني بتدريس مادة (الادب المقارن) عندما كنت استاذا زائرا لمدة شهر واحد عندهم، وقد القيت محاضرات بمعدل ساعتين اسبوعيا، ولم يكن لديهم مفردات معينة لتلك المادة، فتناولت في محاضراتي الموضوعة العربية في الادب الروسي عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتولستوي وبونين، وذلك حسب اختصاصي الدقيق في تاريخ الادب الروسي، وكان الطلبة يتقبلون المادة بحماس لانها جديدة عليهم بكل معنى الكلمة ...

ابداع تشيخوف في عالم مورافيا الفني – محاولة مهمة في اغناء علم الادب المقارن وتوسيع مداراته، ولا اظن ان ترجمته الى العربية ستكون مقبولة، لانه يرتبط قبل كل شئ بالترجمات الروسية لادب مورافيا والدراسات الروسية عنه، ولكن الفكرة الجوهرية لهذه الدراسة تمتلك – بلا شك - حيويتها وقيمتها العلمية العميقة ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5011 المصادف: 2020-05-25 03:45:42