 أقلام ثقافية

عندما تقف مكتوف الأيدي

عزيز جاسمخَرجتُ كالمعتاد عند الصباح متجهاً نحو العمل أمشي في طريقي الذي أسلكه كل يوم في شارع مُعبّد جميل ولكنه طويل تزيّنه الأشجار من على الجوانب. وأنا ماشٍ ورد الى مخيلتي مُقدمة لفيلم شاهدته في الليلة الماضية والذي تُسلط فيه الكاميرا عدستها وبالتصوير البطيء على مشهد فيه أسد يطارد غزال. أسد يطارد فريسة تتفانى وتتقطع من اجل الحفاظ على وجودها. يُطارد الأسد فريسته بكل قوة وعنفوان، لا يخشى أحد. لا يمكن لأحد أن يمنعهُ من إنجاز مُهمتهِ التي بدأها حال رؤية الغزال الذي جاء به القدر الى حتفه.

تُسلّط الكاميرا عدستها نحو الأسد وتصور بكل شغف مدى حِدة تعابير وجهه حيث نراه يكاد أن ينفجر من شدة الغضب. لا يُريد أن يهدر المزيد من الوقت بالمتابعة لكي لا يُهزم فيحط الفشل من كبريائه ويُذِله ويُزعزع عظمتهِ أمام لبوته. تتجه الكاميرا لتُسلّط عدستها نحو الغزال الذي يكاد أن يبكي ولكنه لا يجد الوقت ولا الدموع لأن الارتباك شتت كل شيء فيه. يلتمس المساعدة في عينيه ولكن لا مغيث. تُصّور لنا العدسة اللحظات الأخيرة التي يعيشها الغزال قبل أن يتحول كله الى وجبة لملك الغابة. لا يشهد الأحداث سوى عدسة صغيرة كانت في المكان بالصدفة حيث جاء بها سائح من أجل ان يوثّق ما يجري في مكان لا يسوده القانون. الأسد مشغول في تحقيق هدفه والغزال مشغول في الحفاظ على نفسه والسائح مشغولة في تصوير لقطات لا تُنسى والمُشاهد متشوق لمعرفة النتيجة.

ليس بوسع أي أحد التدخل فالصراع ليس إلا من أجل البقاء. المنظر حزين ومأساة عند البعض ومثير ومُلهاة عند البعض الآخر. لكننا نتابع بشغف من خلال الشاشة الصغيرة الأحداث التي تنَقلها لنا عدسة السائح... في لحظة ما سينتهي السيناريو.

خرجت فجأة من ذلك المشهد عندما شتتَ إنتباهي سقوط جسم غريب بشكل مفاجيء من على احدى الأشجار التي كانت تبعد حوالي عشرة أمتار عني. الجسم صغير يكاد ان يكون بحجم تفاحة (أو أصغر بقليل) ولكنه باهت اللون مائل الى اللون الرمادي. رَجَفَ رجفة صغيرة ونظر اليَّ ثُم سكت. عندما اقتربت منه وجدته عُصفوراً لا يقوى على الحركة وقد شُلّت جميع مسانده. نَظرتُ حولي فلم أجد شيئاً أسعفه به كما وعجزت ايضاً عن معرفة سبب سقوطه من الشجرة. بينما وقفت لوهلة أُفكر في طريقة تُعينني في مساعدته، بقي العُصفور جُثةً هامدة. على الرغم من كل التكنولوجيا الحديثة التي أملكها والقُدرة البشرية الهائلة لكنني وقفت مكتوف الأيدي وعاجزاً لا أعرف ما الذي أفعله.

ما ليَّ بُدٌ... تَركتُ العُصفور ورائي وتابعت السير...!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5039 المصادف: 2020-06-22 11:46:10