 أقلام ثقافية

وجع الكتابة.. وكتابةُ الوجع

إلى طارق أبوفراس

أحن ليومٍ أجدني فيه لأجدنا في نصٍ فارغٍ أو نقطةٍ بنهاية السطر، ولكن الكتابة، لها السخط يا طارق، هي كالمرآة اللولبية أو كسرابٍ أجده بجادة معشور–الأهواز في طريقي إليك، هكذا الكتابة، تبتعد كلّما اقتربنا منها، وتقترب كلما ابتعدنا عنها، فهل شبعنا من الكتابة أو كتبنا حد الاشباع من فرط الكسل؟ فهل تحن مثلي؟

يقولون لي كأني أتسابق مع الموت، فهل دخلت سباق الموت مثلي؟ لا شك أنني كنتُ في سباقٍ مع الموت شتائين وصيفين في مضمار الرصاص والشاحنات والمرتفعات يا صديقي، فهل يوجعك الموت –كما أوجعني– لأني قد قُتلتُ قبل الآن، قُتلتُ فنجوتُ من الموتِ ولم أنجُ من الحياة، فالحياة تتشبث بي بمخالبها ومعاولها وأنيابها، كأنها لاتريد لي الذهاب ولا تريد لنصّي أن ينتهي، ولقد رأيت الموت موجعًا فانتقمت منه بالكتابة للوصول إلى التجرّد، فقيل: لمَ تكتُب؟ قلتُ: لأني سأموت! ولكن الكتابة لبست قناع جلادٍ يجلدني بغية التجلد للوصول إلى التجرّد، فهو النقي ابن النقي! فهل تحب النقاء؟!

لطالما قلتَ أن للأهواز وجهان، وجهٌ في أبوحميضة وآخرٌ في استراليا، ولكن الغياب أو الفراق أو المسافات تحول بينهما، ابتكر تعبيرًا لهذا، واصنع لغتك بنفسك، وتمدد على رمال استراليا في أبوحميضة أو في بحر معشور ليكون المجاز أقرب مما هو عليه. لا أتذكر يومًا تحدثت فيه عن "فراس" كما لم ألتقي بـ"فراسٍ" لأحدثه عنك، ولكنك تبدأ بالحديث اذا سُئِلتَ ووجدت لشرح الحكاية الحزينة سبيلا، الحكاية التي تحول بين وجهي أبوحميضة، لكن هل نسيت أنك تخدر الوجع بالوجع وتقول في النهاية: "سيكبر وسألقاه"، ألم تقل؟! 

لو كان فراس في الكورة بدل أستراليا أو كانت الكورة بلدةً في استراليا لا تعرف الدبابات ولا العصف والقصف والدوشيكا ولا الحصار والدمار، ولا تعرف الجهل المقدسِ والعلمِ المدنّس واغتيال القلوب، المهم أن تكون في أستراليا وأن لا تعرف معنى الرصاص ولا صرخة أم القتيلِ ظلمًا، المهم أن لا يسمع فراس بكل هذا، لجلست معه على "جسر المقاومة" في مدخل الكورة الأسترالية قرب المدرسة ومحطة الوقود ومحطة الغاز حيث لا قاعدة نظامية ولا أنابيب نفط، حيث "البردية" تنمو دون أن تحترق لتعانق الصفصاف، ولقلت له: "أما لآخر هذا الفراق والغياب من آخر"؟*

يمر الانسان بحوادث كثرة، والعاقل من يتخلص من الأوهام، فأن تصعد لهاويتك متسلقًا أمتارًا لتهوي بعظامك وأعضائك أمرٌ صعبٌ جدًا، فالموت بتلك الصيغة المرعبة، أو ذلك التعريف الموحش والكئيب، لن يقتلك فحسب، بل سيقتل كل من ذكرك ذات يوم، وإن لم يحالفك الحظ ولم تمت فإنه من سوء حظك، حينها ستكون ميتتك الرابعة أو الخامسة و"ستحيا ميتةً أخرى"** لتعلم أننا لا نكتب إلا وتموت خلايا فينا بعد كل جملة أو تعبير.

أولسنا إلّا كتبةً للحنين أو ترجمانًا للوجع؟

 

ضياء كاظم عتيقي–الأهواز

12 أغسطس 2020

.....................................

* جملة لا أدري أين قرأتها فقمت بالتغيير فيها

** من قصيدة "لي حكمة المحكوم بالإعدام" لمحمود درويش

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسنت یااستاذ العتیقي بما كتبت عن المواجع التي ليس لها دواء نعم داء بلا دواء

نورة
This comment was minimized by the moderator on the site

المخرجة والأديبة الأهوازية نورة عبدالكريم، ليت لهذا الآخر من الآخر.

ضياء كاظم عتيقي
This comment was minimized by the moderator on the site

ولقد رأيت الموت موجعًا فانتقمت منه بالكتابة
رائــــــــــــــــــع🌷

ياقوته فلاحيه
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرًا جزيلًا لمروركِ ياقوتة 🌹🌹🌹🌹🌹

ضياء كاظم عتيقي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5093 المصادف: 2020-08-15 02:57:54