يسري عبد الغنيصاحب قلْ ولا تقلْ، ولد سنة 1914 م في محلة القشلة في بغداد . كان والده خياطا في سوق الخياطين المجاور لخان مرجان .

أصاب والده ضعف البصر فنصحه بعض أصدقائه بأن يقتني أملاكا في محافظة ديالى، فاختار قضاء الخالص الذي كان يسمى قديما (دلتاوة)، درس في الكتاتيب هناك ثم انتقل الى مدرسة الخالص الابتدائية وكانت تسمى باسم المكتب.

في عام 1917 دخل والده الجيش الانكليزي، وكان مصطفى جواد آنذاك في الصف الثاني الابتدائي، توفي والده فلم تتهيأ له فرصة الاستمرار في الدراسة وانصرف الى رعاية البساتين التي خلفها والده له ولأخيه الاكبر كاظم وأخوانه الستة الآخرين . وقد حصل نزاع بين أخيه ووالدته وأخوانه من أجل توزيع الأملاك، على أثر ذلك قام أخوه الأكبر بإدخاله المدرسة الجعفرية الاهلية في بغداد الكائنة حينذاك قرب سوق الغزل، وتصرف بحصته من الارث بحجة أنه الوصي عليه .

دخل دار المعلمين وزادت عنده الرغبة في دراسة العربية وكان يميل اليها منذ دراسته الاولى وفي الصف الثاني من دار المعلمين كان ينظم الإنشاد لأستاذه أحمد الراوي الذي كان يدرس العربية، وكان مصطفى ينظم شعرا مدرسيا ويشترك بالتمثيل المدرسي .

في عام 1924 تخرج في دار المعلمين وعين معلما في مدرسة الناصرية الابتدائية في مدينة الناصرية، وفي عام 1926 نقل الى البصرة اثر مشاجرة بينه وبين أحد المعلمين وقضى في البصرة نصف عام نقل بعدها الى الكاظمية في بغداد.

وفي أثناء إقامته في بغداد وبالتحديد في المدرسة المأمونية نشر التأريخ المسمى خطأً (الحوادث الجامعة) المنسوب الى ابن الغوطي وأخذ ينشر في مجلة لغة العرب للأب (انستاس الكرملي) وبدأ يعالج النقد وكتب مقالات في مجلة الغرفان اللبنانية ونشر قصائد سياسية في جريدة العراق وشعرا اجتماعيا في جريدة العالم العربي وقصصا في جريدة النهضة البغدادية، وفي عام 1934 سافر الى باريس وقبل في جامعة السوربون لإعداد الدكتوراه الادبية وعاد للعراق وعين أستاذا في دار المعلمين العالية التي تسمى اليوم كلية التربية، وفي عام 1942 دعي لتعليم الملك الصغير فيصل على قراءة اللغة الخلدونية، انتخب عضوا مراسلا للمجمع العلمي العربي في دمشق ثم المجمع العلمي العراقي .

وُصف د. مصطفى جواد بأنه رجل علم وادب وكان يمارس الحياة الاعتيادية مع سائر الناس، طريف في القول عميق بمعناه، ضليع في أمور الادب والعلم، ذاكرة نادرة عجيبة، يحل الغموض والمعلقات العلمية والمتاهات اللغوية، ينظم الموشحات والرباعيات، فهو قاموس من الادب والتراث، وله رأي في الشعر الشعبي ماقيل عن نوع من أصول الشعر الشعبي (الادب العامي) كما إنه عملاق في اللغة العربية في الادب العربي وموسوعة في التراث وفي التأريخ .

توفي سنة 1969 عن خمس وستين عاما .

من مؤلفاته :

الحوادث الجامعة، وهو أول كتاب صدر له، وذلك في عام 1932

سيدات البلاط العباسي، 1950

المباحث اللغوية في العراق، 1960

سيرة أبي جعفر النقيب، 1950

خارطة بغداد قديما وحديثا، بالاشتراك مع الدكتور أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف .

دليل خارطة بغداد، بالاشتراك مع الدكتور أحمد سوسة.

دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، بالاشتراك مع محمود فهمي درويش وأحمد سوسة .

الأساس في الأدب، بالاشتراك مع أحمد بهجت الأثري وكمال إبراهيم.

دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم، 1968.

قل ولا تقل، 1969 .

قصة الأمير خلف، مترجمة عن الفرنسية .

رحلة أبي طالب خان، الرحالة الهندي المسلم للعراق وأوروبا عام 1799، طبع سنة 1970 .

دليل خارطة بغداد المفصل، بالاشتراك مع الدكتور أحمد سوسة، مطبعة المجمع العلمي العراقي 1958 .

جاوانية القبيلة الكردية المنسية، المجمع العلمي العراقي .

رسائل في النحو واللغة، آخر كتاب طبعه، 1969 .

مستدرك على المعجمات العربية، كتاب مخطوط .

الشعور المنسجم، ديوان شعر .

الضائع في معجم الأدباء، أعادت دار المدى في دمشق نشر الكتاب بتقديم الدكتور عناد غزوان .

كتاب المختصر المحتاج اليه من تأريخ بغداد.

***

بقلم /د.يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيوصلتني خطبة العيد من أحد الجوامع الكبيرة في البلاد، ومن أول عبارة أفزعني الخطيب لأنه رفع المجرور، فكيف بربك أتواصل بالإستماع لخطبته؟!!

تساءلت لماذا لا يتعلم الخطباء النطق العربي السليم؟!!

الخطابة فن ومهارة وقدرة بلاغية مؤثرة في العقول والقلوب والنفوس، وقادة الأمة في عصور توهجها كانوا ذوي بلاغة وقدرات خطابية عالية، وأكثرهم تتلمذ وتأدّب على أساطين اللغة في زمانهم.

إن ضعف العبارات في الخُطب التي تصدح بها المنابر كل جمعة، لها تأثيراتها السلبية على اللغة والفهم وسلامة التفكير والوعي والإدراك.

فالأخطاء اللغوية التي يقوم بها الخطباء وقادة الأمة بمختلف مستوياتهم، تؤثر على الواقع وتساهم في تخريبه وفقدانه لقدرات التحدي والرقاء.

خطباء متخصصون باللغة العربية والدين، يلحنون في خطبهم ويخطلون في كلامهم، وبعضهم حتى في القراءة لا يستطيع أن يأتي بقول سليم!!

فهل هم غافلون؟

وهل يراجعون خطبهم ويقوّمون ألسنتهم؟

أم أنهم في أوهام يعرفون يتمشدقون؟!!

هذه ممارسة متكررة ومضرة بل ومدمرة، لأنها تهين اللغة العربية وتنال من الدين، والقرآن المنزل بلغة الضاد السليمة والوضيئة.

فلماذا تدنّسون العربية وكتابها المبين بهذا العجز عن النطق بلسان قويم؟!!

"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"

فإذا ضاعت العربية كيف ستعقلون؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

سبق ان قرأت كثيرا لايملي ديكنسون Emily Dickinson بعضها قصائد مترجمة اخرها كانت احتفاءً بشاعرة الطبيعة لمترجمين محترفين بمجلة افاق عربية، الشاعرة تغري بالقراءة وتغري بالمقارنة او ان جاز التعبير المقارنة النقدية، او ما يطلق علية اصطلاحا النقد المقارن في الادب والشعر ليس استثناءً،

تقول باحد قصائدها:

“اللحن في الشجرة”،

يقول المتشكك .

فاجيب:

“لا ياسيدي، انه بداخلك”

ترجمة : وليد خلوصي

واضح انها توعز الالحان الى حركة الشجرة وحفيف الاوراق وليس لما يسمى الايقاع الشعري او موسيقى الشعر، لتوحدها في الطبيعة التي تعتبرها سابقة لكل موسيقى ولحن وهكذا دأبها باغلب قصائدها المعروفة .

اتت من بعدها العديد من الاجيال وربما عاصرها بعضها تأثرا بشعرها وما زال الشعراء يستلهمون شعرها عن الطبيعة باشكال وطرق مبتكرة لم تستطع ان تصل الى عمق توحدها بالطبيعة .

توحدها العميق بالطبيعة قادها الى عزلة اختيارية بحيث لم تجد في الانسان سوى مصدر ازعاج يمكن التخلي عنه وعن عنجهيته الفارغة التي من الممكن ان تسقط باول اختبار .

نفسيا يوعز سبب عزلتهاالى ضعفها في مواجهة مصاعب وتعقيدات الحياة اليومية وتفاهاتها، التي تجد نفسها في غنى عنها من اجل الطبيعة او الشعر .

  وكمثال عن استلهام شعرها من قبل شعراء وشاعرات من مختلف اللغات بعض قصائد : "ليلى حتى الرمق الاخير" للشاعرة سوزان عون من لبنان . وعند المقارنة نجد ان بعض قصائد سوزان عون عبارة عن احتفاء استثنائي بالطبيعة مكلل بالتفاؤل اكثر منه شكوى او تذمر من الحياة مقارنة بالطبيعة بكل ما تعنيه الطبيعة للانسان .

مواسم الأرض نمَتْ من خطوط كفي

التي عجزتَ أن تقرأها

طالت جذور صوتي

سيصلك جرح أغانيه مع حلول الشتاء البعيد

سوزان عون

الارض هنا امتداد باتجاهين او طرفين الشاعرة والطبيعة او خطوط الكف والارض  .

وهكذا يمكن اجراء العديد من المقارنات رغم السنين التي تتجاوز اكثر من قرنين بين ايملي ديكنسون ومن جاء بعدها خلالها من الشاعرات والشعراء الذين اتخذوا من الطبيعة مراة عاكسة لدواخلهم الشعرية او ما يودون التعبير عنه شعرا بواسطة الطبيعة ورموزها سواء التقليدية او المبتكرة .

ان من يعرف شعر وقصائد ايملي ديكنسون ليست بالقراءة العابرة وانما بالتأمل برموزها وايحاءاتها لا يمكن ان يقرأ قصيدة عن الطبيعة بدون ان يتذكر ايملي دينيكسن او احدى قصائدها على الاقل عن الطبيعة .

او ماذا تعني للانسان ماضيا وحاضرا .

يندر ان نجد شاعرا لا يأتي او يذكر بقصائده او بعض قصائده الطبيعة بكل ما تحويه من عناصر مادية وروحية خفية مجسدة باشكال وصور مختلفة ومتعددة كاشجار او ورود او حقول او كائنات مائية او ارضية وما الى ذلك من عناصر حية وجامدة .

لتصل الشاعرة في النهاية الى انها جزء من هذه الطبيعة الغامضة بوعي وبامكانها التخلي عن بعض عناصرها الاساسية المزعجة والمقرفة او غير الاساسية بما فيها صنوها الانسان ليس تكبرا او ترفعا وانما تعبير عن توحدها بالطبيعة او الجوهر وليس بعناصره الظاهرة او المستهلكة القابلة للتغيير والاندماج .

اختارت عزلتها الطوعية بنفسها لتكون الطبيعة الاقرب الى نفسها لا تشغلها عنهااية مؤثرات خارجية مزعجة .

 عندما اقرأ قصيدة لشاعرة او شاعر معاصر تحيلني الى قصائد اميلي ديكنسون، لا اعرف هل الطبيعة وديكنسون واحد؟ او واحدٌ بين طرفين عاقل وغير عاقل او ما تمنته ان يحملها البحر بعيدا الى 

"جنة عدن" .

يمكننا كذلك تلمس مدى رقة الشاعرة من خلال قصائدها واشعارها وانغمارها بالطبعية من حولها لدرجة التوحد بها مع تشاؤم نستشفه من قصائدها بما ستؤول اليه مكوناتها وعناصرها وهو الوجه الاخر او احد اسباب عزلتها لانها ترى في الانسان مصدر الشرور والعدو الاول للطبيعة لغروره وجهله بعظمتها ونظامها.

 

قيس العذاري

1.8.2020

.....................

إميلي إليزابيث ديكنسون Emily Dickinson شاعرة امريكية "10 ديسمبر 1830 - 15 مايو 1886م"اعتزلت الحياة العامة في منتصف واواخر حياتها ولجأت الى الطبيعة للتعويض عن عزلتها الاختيارية عن الحياة والعلاقات الاجتماعية .

 

 

هل نعشق الحزن أو نَكرهه؟. كُلُّنا نهرب من الإجابة كما نهرب من الماضي. الماضي لا ينام ولا يموت. الماضي هو الحاضرُ والمستقبلُ. هل الحزن شعور أو موقف فلسفي؟. ينبغي أن نُحدِّد المفاهيم قبل أن نطرحها للنقاش. الحزن غابةٌ بِكر غير مُكْتَشَفَة، وعلينا اكتشافها. رُبَّما نُنقِّب عن الحزن لنعرف معنى الفرح.

يُعلِّمنا الحزن أن نُغيِّر زاوية الرؤية باستمرار، ولا نطمئن إلى الأفكار التي تُصبَغ بهالة القداسة. كثيرٌ من الحقائق والمسلَّمات في الماضي، صارت أوهامًا وخُرافاتٍ في الحاضر، لأنَّ الإنسانَ كائنٌ جاهل ومحصور في نظام استهلاكي وحشي. وهذا النظامُ الاستهلاكي القاتل يَجعل الإنسانَ ضَيِّق الأفق، وقصير النظر. لقد تحوَّل الإنسانُ إلى خُرافةٍ تُدافع عن الخرافات. وهذا سبب منطقي لاندلاع الحزن في تاريخ الحضارة الإنسانية. ولكن الحضارة الإنسانية هي وهم قاتل، ولُعبة يضع الأقوياءُ قوانينها.

الحزنُ بُركان خامد، قد يثور في أيَّة لحظة. ونحن نجهل ساعة ثورانه، لأننا نجهل أنفسنا. كان علينا أن نُنقِّب في ذواتنا لاستخراج الحزن القديم، ونفض الغبار عنه، كي يُضيء طريقنا إلى أرواحنا. الأرواحُ مُشقَّقة، والدول تتساقط كطلاء أظافر العرائس. نحتاج إلى صدمة الحزن كي نستيقظ من سُباتنا الطويل. لا فائدة من الجمال إذا كان قائمًا على المكياج، لأن المكياج عَرَض زائل، وقناع سيسقط عاجلًا أو آجلًا. الجَمَالُ الحقيقي هو الجوهر، ونحن نحتاج إلى مشاعر الحزن كي نكتشف هذا الجوهر.

نحن في سباق مع الزمن لاكتشاف ذواتنا. نحن في سباق مع أحزاننا للتنقيب عن قلوبنا داخل أنقاض قلوبنا. ولكن ما الفائدة من اكتشاف الإنسان لذاته؟. لا بد من معرفة الذات في الطريق إلى المرايا. سنمشي إلى الضوء في نهاية النفق. وقد يكون هذا الضوء هو لمعان شاهد القبر. لا شيء مضمونًا في مدن السراب. لا تاريخ للمرايا سوى سقوط الأقنعة. إن المِرْآة هي الاختراع الأشد خطورة في تاريخ الحُلم الإنساني.

قد يَكون الحبُّ هو الطعنة المسمومة، وقد تكون زجاجة العطر هي قارورة السُّم. وقد يأتي الموت من أزهار الربيع. وقد تحرق قلوبُنا الأخضرَ واليابسَ، وتحترق في ذكريات الخريف. لا شَيء مضمونًا في ممالك الضباب.

هل الحزن عنصر أصيل في الكيان الإنساني أو عنصر دخيل؟. وهل يستطيع الأغراب تحديد العناصر الأصيلة والدخيلة؟. نخاف أن ننظر إلى المرايا، وإذا نظرنا نكتشف كَم نحن أغراب عن ذواتنا، وغُرباء في تاريخنا. نهرب من الماضي، لكنَّ الماضي هو الحاضر والمستقبل. الماضي لا ينام ولا يموت. نحن نحاصر أنفسنا بأنفسنا، ونمشي إلى الهاوية ضاحكين، كأننا تحت تأثير التنويم المغناطيسي.

الحزنُ فلسفةٌ متكاملة، ونظام فلسفيٌّ يُولد فِينا لِيُطهِّرنا، ونُولَد فِيه كي نرى وجوهنا خارج سُلطة الأقنعة. وهذا النظامُ الفلسفيُّ يصنع فلسفةَ الألم. والألَمُ ضروري للتطهر والتطهير، وإذا تكرَّسَ الألَمُ واقعًا ملموسًا، سيتحول إلى ندمٍ، والندمُ هو الرُّكن الأعظم في التَّوبة.

كيف يُولَد الحزن؟. إنه كامنٌ فِينا. إنه الذهب بين التراب في المناجم الواقعة تحت الأرض.  ونحن العُمَّال الفقراء الذين نُنقِّب في المناجم. نعيش تحت الأرض، ونموت تحت الأرض . لا أحدَ يَسأل عَنَّا في حياتنا، ولا أحدَ يتذكر وجوهنا بعد موتنا.

نذهب إلى المعارك، وقد لا نَعود. وإذا عُدْنا، لن نَعود كما كُنَّا. كل شيء فِينا يتغيَّر. خلعنا وجوهنا، وارتدينا الأقنعة. الأقنعةُ تريحنا، لأنها تُخفي حقيقتنا. الحقيقة دائمًا صادمةٌ ومُرَّة. نَحْنُ الوهمُ، نُقاتل عَدُوًّا وهميًّا، ونفرح بالانتصار عَلَيه. وفي الحقيقة، إن الوهم انتصر علينا، فصارَ الخيال واقعًا جديدًا لنا. أجدادُنا صنعوا الانتصارات، ونحن أبناء الهزائم. لذلك لا تاريخ لنا إلا الماضي. ولا إنجازات لنا إلا ما حقَّقه أجدادُنا. نحن مهزومون، وأعلامنا مُنكَّسة، لذلك نحن نرفع عظام أجدادنا أعلامًا.

كُلُّ شعور إنساني إذا تَحَوَّل إلى موقف فكري، صارَ فلسفةً. والحزنُ إذا انتقلَ مِن طَور الشُّعور إلى طَور المعنى، صَارَ فلسفةً. أنا ضِد الحزن حِين يَتحوَّل إلى مَحرقة، فعندئذٍ، سنقضي وقتنا في البحث عن كبش المحرقة. فليكن الحزنُ هو الماءَ المُقطَّر. قد لا نستسيغ مذاقَه، لكنَّ وجوده ضروري في حياتنا. وليكن الحزن سلاحنا في مُواجهة الوحوش الساكنة في قلوبنا. وليكن الحزن خُطةً لإحياء ما ماتَ فِينا.هكذا،يَتحوَّل الحزن مِن الوهم إلى المعنى، ومِن رَدَّة الفِعل إلى الفِعل.

ينبغي تحويل الحزن إلى قوة دافعة للإبداع، كما أن الموت ينبغي أن يَدفعنا إلى استثمار كل لحظة في الحياة. الحزنُ هو المعنى التكويني الذي يَصنع إرادةَ القويِّ. والقوي قوي بذاته، يصنع ظروفه بنفْسه. لا ينتظر الآخرين كي يضعفوا أو ينهاروا، ويبني مجده على انكسارهم، وإنما يكون عملاقًا قاهرًا للعمالقة، وليس عملاقًا بين أقزام. القوي لا ينتظر أحدًا كي يُساعده ويمد له يد العَون، ولا يتوقع شيئًا من أحد، ولا يُعوِّل على أحد. يمشي في طريقه ولا يلتفت لأنه يعرف مساره بدِقَّة. إنه يعرف نقطة البداية ونقطة النهاية.

قد يكون الإنسانُ حزينًا، ولا يَعرِف أنه حزين. هنا تتجلى مُتعة الاكتشاف، وتتَّضح أهمية العثور على المُدهِش في العناصر اليومية الميتة. كيف نعثر على معنى النظام في فوضى الاستهلاك وجنون العناصر المادية العمياء؟. ينبغي التَّسلح بالحزن الذي يشعُّ في ظُلمات قلوبنا. الحزنُ هو الفأسُ التي تُعيد ترتيب أشجار المقبرة. وكما تنبعث طاقة هائلة من انشطار الذَّرَّة الصغيرة، سينبعث معنى الحياة من انشطار قلوبنا الصغيرة. هذا القلبُ الصغيرُ الذي يضخُّ الدماء في أنحاء الجسد، يَمتلئ بالحزن والموت، لكنَّه يبثُّ الفرحَ والحياة في الجسد. والجسدُ هو العالَمُ الصغير الذي يُلخِّص تفاصيلَ العالَم الكبير، الذي نعيش فيه، ونموت فِيه.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

يسري عبد الغنيتقوم بين الأمم علاقات وارتباطات يدعمها السلم في أغلب الأحيان, وقد تنشأ ظروف تؤدي إلى قيام المشاحنات والحروب بين أمة وأخرى, وقد تؤدي الحرب أحياناً إلى غزو شعب لشعب آخر واحتلال أراضيه ويحاول الشعب الغالب أن يفرض لغته وثقافته على المغلوبين ويؤدي هذا بالطبع إلى حدوث عملية التأثير والتأثر بين اللغات والآداب .

وتعد الحروب الصليبية ذات أثر كبير في نقل حضارة المسلمين إلى أوربا، وتأثرها بفكر العرب وآدابهم، وقد أكدت الدراسات والأبحاث أن هذه الحروب بتأثيرها الأدبي والفكري كانت ذا أثر كبير واضح في فرنسا خلال العصور الوسيطة .

كما كان فتح الأندلس هو الآخر محدثاً لصدى واسع في نقل الحضارة الإسلامية كذلك إلى أوربا كلها وعن طريق الترجمة للتراث الإسلامي نقل إلى الجامعات والمعاهد الأوربية وقد بدا أثر ذلك واضحاً في نقل ألفاظ عربية عديدة إلى اللغات الأوربية عن طريق أسبانيا .

ويجدر بالذكر هنا أن تأثير اللغة العربية في اللغة الأسبانية كان تأثيراً كبيراً، فدخلتها ألفاظ عربية عديدة، وإن نال التحريف بعضها .

وفي مضمار الأدب نقلت آثار عربية كثيرة إلى أوربا فبعد أن كان الشعر الكلاسيكي الأوربي لا يعرف القافية تأثر بالشعر العربي، وأضحى يجري على منواله في استعمال القوافي .

كما أثر الشعر العاطفي وقصص الحب العربية في شعر التروبادور عن طريق بعض شعراء فرنسا .

وهناك جوانب متعددة من التأثير تتضح لمن يقرأ بالتفصيل عن أثر الأدب العربي في الأدب الأوربي وذلك عن طريق فتح العرب للأندلس ووصول العرب إلى جزيرة صقليه الإيطالية وعن طريق الحروب الصليبية، وغيرها من المعبر التي وصل بها الأدب العربي إلى البلاد الأوربية .

فإذا انتقلنا إلى فتح العرب لبلاد فارس وهجرتهم إليها بعد الفتح الإسلامي، إضافة إلى علاقات الجوار القديمة بين العرب والفرس، فإننا نلمح الأثر بادياً بين الأدبين العربي والفارسي في كثير من النواحي .

وعندما فتح النورمانديين الفرنسيين انجلترا في القرن الحادي عشر الميلادي، صارت الفرنسية في انجلترا هي لغة البلاط الملكي والقضاء البرلمان، كما أصبحت هي اللغة الرسمية للدولة قرابة قرنين من الزمان، ومما لا شك فيه أن ذلك كان له تأثيره المهم بين الأدبين الفرنسي والإنجليزي .

وعليه فإنه لا يخفى علينا أثر الحرب والغزو والهجرات في حدوث عملية التأثر والتأثير بين الآداب المختلفة .

وإلى جانب هذه العوامل التي تكلمنا عنها توجد عوامل أخرى تؤدي إلى اتصال الآداب بعضها ببعض، كالصحف والمجلات والدوريات الأدبية والنقدية والفكرية والإذاعة والتليفزيون والفضائيات وشبكة المعلومات الدولية، والمسارح والسينمات، ودور الأوبرا، والمؤتمرات والملتقيات والمنتديات والصالونات الأدبية، وكذلك الترجمة والبعثات.. إلى آخر هذه العوامل التي لها أكبر الأثر في عملية التأثير والتأثر بين الآداب العالمية، مما ينعكس بالإيجاب على المقارنات الأدبية بوجه عام.

 

بقلم/د.يسري عبد الغني

 

حوا بطواشكنتُ من أشدّ المعجبين بالفنان تيم حسن منذ أوّل ظهور له في الدراما السورية، في مسلسل «الزير سالم» (عام 2000)، أي قبل اكتسابه شهرة كبيرة، خاصة في السنوات الأخيرة مع مسلسل «الهيبة». لكنني شخصيّا كنتُ أنتظر على مدى تلك السنوات مشاهدته في دور آخر بعيدا عن شخصية الرجل العدواني والعنيف الذي يحلّ المشاكل بقوة العضلات والسّلاح، كما قدمها في مسلسل «الهيبة» بأجزائه الثلاثة، إذ أنني أكره ذلك العنف ولا أحبّ مشاهدته حتى في المسلسلات. لكن، أعترف أنني أحببته جدًا في الجزء الثالث بمشاهده الرومانسية مع سيرين عبد النور. وبما أنني لم أحبّ دوره أيضا في مسلسل «تشيللو» (مع نادين نجيم ويوسف الخال)، انتظرتُه أن يعود بدور آخر أحبّه، كما فعلتُ في «نزار قباني» و «الانتظار» و «الملك فاروق» و «الإخوة» و «زمن العار»، إلى أن شاهدتُ مؤخّرا مسلسله الجديد «العميد».

المسلسل هو عمل سوري لبناني مشترك، ذو طابع بوليسي، تشويقي، من تأليف وإخراج باسم السلكا، يتكوّن من اثنتي عشرة حلقة، مدّة كل حلقة ساعة كاملة، ويبحث في حادث اختفاء زوج سلمى جابر (التي تقوم بدورها كاريس بشار)، الكاتبة الروائية التي تطلب المساعدة في حلّ القضية من العميد البروفيسور في القانون مراد الجوخدار (الذي يقوم بدوره تيم حسن) والذي يكتشف تفاصيل غامضة في حادث الاختفاء الذي يُرجّح أنه جريمة قتل، ويكشف لسلمى وجها آخر غريبا لزوجها المختفي لم تكن تعرفه من قبل («بدي أعرف مين كنت متزوجة»).

وكانت سلمى جابر قد تزوّجت من عامر (رودني حداد)، تاجر اللوحات والتُحف الفنية، زواجًا تقليديًا، بلا قصة حب وتفاصيل مثيرة للاهتمام، فقد رأت في عامر رجلا جيّدا، له مركزه في المجتمع، مستقرا مادّيا وزوجا مناسبا كي تقضي معه بقية عمرها. وهذه الأسباب كانت كافية بالنسبة لها كي تتزوّجه، فهي لم تكن مراهقة مندفعة، بل إمرأة ناضجة، إنسانة واعية ومتواضعة. ثم اتّضح لها بعد فوات الأوان أنها لم تعرف زوجها على الإطلاق، ولم تعرف شيئا عن حياته من قبل، عن عائلته وحتى عن عمله.

لكن المسلسل بالنسبة لي هو ليس قصة اختفاء الزوج والغموض الذي يلفّها، انّما هو قصة المخيّمات السورية في لبنان. حيث ينقل المسلسل صورًا مأساوية عن حياة المخيّم: الاكتظاظ، الفقر، التحرّش، انتظار الفرج («الله يخلّصنا من ها العيشة!»)، العجز («لك نحن شو اللي جابنا لهون؟ يا ريتنا متنا. والله الموت كان أريح من هلق.»)، البحث عن الأمان، وعن حياة أفضل لدرجة التشبّث بالأوهام وبالمجهول.

حيث تتطوّر الأحداث وتتشابك إلى أن تودي بالقضية إلى المخيّمات السورية، ويتّضح أن الزوج المفقود كان يتاجر بأطفال المخيّمات، لا التحف واللوحات.

وتجسّد شخصية رنا (رنا شميس) معاناة النساء في المخيّم، وبحثهن المستمرّ عن المنفذ وحياة أفضل لأولادهن. رنا التي كانت ممرّضة بمهنتها تعبّر عن رفضها لكثرة الإنجاب لدى نساء المخيّم («لا تكوني متل هدول النسوان ياللي بخلفوا وبزتوا»).

لكن الوضع في المخيّم مركّب أكثر من ذلك («يعني ناس ما عندها شغلة ولا عملة، استكثرتِ عليهم هاي الشغلة كمان؟») وهو مستمرّ ليس من البارحة أو أول البارحة («صار لنا عشر سنين مزتوتين متل الكلاب، ولّا كمان كلاب الشوارع ما بتجيب ولاد؟»)

شخصية العميد مراد الجوخدار هي شخصية لطيفة، متواضعة ورقيقة، نبرة صوته تكاد تكون معتذرة، رغم أنه بروفيسور في القانون وعميد في الجامعة. وما يميّز هذه الشخصية هو إنسانيته العالية التي يفتقدها هذا العالم، ورغم ندرتها، فهي موجودة وستبقى موجودة ولو قلّت، ذلك أنه «إن خليت بليت». وهو من ذلك النوع من الأشخاص الذين يسمّيهم علم الاجتماع بالنخبة، تلك القلة القليلة المتفوّقة ذهنيًا، فكريًا وأخلاقيًا، والتي تستطيع الاقتراب من آلام الناس وتطلّعاتهم، توجّه المجتمع فتتطوّر من خلالها الحضارة الإنسانية وتنمو بهم المجتمعات. لكن، هناك دائما من يجلسون على كراسٍ وبيدهم السلطة ولديهم القدرة على إذلالهم. 

ذلك ما شعرتُ به حين استدعاه النائب العام في الشرطة إلى مكتبه ليقول له: «كفى»، ويمنعه من الاستمرار في التحقيق في القضية، وأن أية محاولة للخوض بتفاصيلها هي جريمة يعاقب عليها القانون. ثم يمزّق أمامه ورقة مصادقته من قبل على تدخّله، ويطلب منه أن يبتعد عن القضية كليّا. هذا النائب العام، لا شك يعرف بداخله، يعرف تماما، أن لا شيء يميّزه عن هذا الرجل كي تكون له القدرة على فعل ذلك، وأنه ليس عبقريا مثله، وليس أعلى منه بشيء، إلا بالكرسيّ الذي يجلس عليه، والذي يجعله قادرا على السماح له أو منعه من الخوض في القضية حسب اعتباراته الشخصية فقط، ودون أي اعتبار لكفاءات العميد البروفيسور الذي صُدم بقراره ولم يتفوّه إلا بكلمة: «حاضر»، وخرج مستأذنا، يرافقه شعور الذّل.

أتساءل: ألم يشعر ذلك النائب العام باحتقار الذات في تلك اللحظة؟

يبذل العميد قصارى جهده لكشف الحقيقة، رغم تحذير النائب العام له، ويضطرّ لتجاوز القانون، حتى يكاد يخسر منصبه المهني ومكانته الاجتماعية وكل شيء حقّقه في حياته من أجل ذلك.

وتصل الشخصية إلى قمّة إنسانيتها عندما يذهب العميد إلى المخيّم، بصحبة سلمى جابر، بحثًا عن أهل البنت الضائعة جودي (نغم سجناوي)، الشاهدة الوحيدة على جريمة القتل، في حين كانت الصحف تنشر خبر تورطه بجرائم قتل وخطف وهربه من العدالة، وتجمّد الجامعة عضويته، ويصبح مستقبله وكل كيانه على شفا الهاوية. فتأتي إليه سلمى جابر وتطلب منه أن يعودا. «أنا ما عاد بدي أعرف مين اللي قتل عامر، ولا بدي أعرف أي شي. أنا بدي أنسى. سمعتك وسمعتي أهمّ من كل شي صار معه.» تقول.

لكن للعميد رأيا آخر واعتباراتٍ أخرى: «سمعتنا مو أهمّ من أرواح راحت أو ممكن تروح إذا فتحنا الجرح ع الآخر. طلّعي حوليك. شوفي ها الناس كيف مرميّة في الفلك. مين حاسس فيهم؟ مين دريان فيهم أصلا؟ ما لهم حقوق؟ أي حقوق؟ ليش بقي في حقوق؟»

وهو لا يتّفق مع محقّق الشرطة في القضية الرائد يوسف (بديع أبو شقرا) إذ يلتقيان قرب المخيّم، فيقول له المحقّق: «لو سمعت كلامي ما كان أحسن لك من ها البهدلة؟»

يجيبه العميد: «عن أي بهدلة عم تحكي؟ تعال ع الأرض وشوف البهدلة اللي على أصولها.»

أما عن القوانين التي تشرّبها فيقول: «القوانين أنا بعرفها منيح، ودرستها لطلابي حرف حرف، بس هدا كله كلام على ورق. تعال ع الأرض وورجيني كيف بدك تطبق هاي القوانين.»

هذا الكلام يصيب الرائد يوسف بالصّدمة: «ما عم بقدر صدقك. ما حدا بيعمل هيك وبيخسر كل شي كرمال مجرم. إنت ضحية سلمى جابر. هي اللي وصلتك لهون.»

فيردّ العميد بكل ثقة: «بكل الأحوال، حتى هاي... مستاهلة.»

فكم فردًا من هذا المجتمع مستعدٌّ أن يخاطر بكل ما لديه من أجل ما يؤمن به، أو من أجل ما يحبّ أو من يحبّ؟!

وهنا يُسأل السؤال: هل هناك قصة حبّ بين العميد مراد الجوخدار وسلمى جابر؟

المسلسل لا يهتمّ كثيرا بهذا الجانب، فلا مجال، إذن، لاتّهامه بجفاء قصة الحبّ بينهما، كما فعل البعض، فكلاهما منغمسان طوال الوقت بحلّ لغز الاختفاء بمساعدة بعضهما البعض.

لكن، يمكن ملاحظة بعض بوادر الحبّ، أو شيء يشبه الحب، منذ ذلك اليوم الذي يعود فيه العميد إلى بيته فيجد سلمى في انتظاره في المطبخ مع أم رشدي (أمانة الوالي)، مدبّرة منزله التي بمثابة والدته، وقد جاءت للتحدّث معه حول القضية. فيدعوها إلى غرفة الضيوف ويطلب من أم رشدي تحضير العشاء لهما.

وبعد انتهائهما من الطعام ومن الحديث، تقوم سلمى وتأخذ حقيبتها لتغادر، فيقول لها العميد: «لوين؟؟» وكأنه لا يريدها أن تذهب، أو ربما لم يشبع بعد من الحديث معها. فتقول له إنها تأخرّت وعليها الذهاب، ويتواعدان على اللقاء في الغد بشأن القضية.

وبعد أن تغادر، تخرج أم رشدي من المطبخ وتنظر إلى مائدة الطعام، فتجدها لم تأكل شيئا. ثم يتوجّه إليها العميد بالسؤال: «أم رشدي، شو كنتو عم تحكوا إنتو التنتين بالمطبخ؟»

«آه؟؟» ترتبك أم رشدي قليلا، وتقول: «عم نحكي عن الطبخ.»

فينظر إليها العميد بلا تصديق، ويقول: «عن الطبخ؟»

تردّ أم رشدي: «حكينا كذا قصة. هي كانت عم تستناك صار لها ساعة، ملّت ولحقتني ع المطبخ.»

«إيه؟»

 «إيه، يعني حديث نسوان. مو شي مهم.»

فقال العميد مستغربا: «طيب، مرا غريبة شو إلك عين تفتحي معها مواضيع؟»

فردّت أم رشدي: «مانها غريبة. بدّك تعلّمني عن حالك بعد ها العمر؟»

«كيف؟»

«يعني لو كانت غريبة كنت لا فوّتها ع بيتك ولا قعدتها على سفرتك ولا خلّيتني أتعرف عليها.»

لا شك أن علاقتهما تتطوّر خلال الأحداث إلى علاقة صداقة جميلة، تعاون وتبادل ثقة، وتوحي ربما بنشوء مشاعر الحبّ في غير زمانها ومكانها.

لكن، أليست أجمل قصص الحبّ تنشأ في غير زمانها ومكانها؟

وبعد أن تنكشف لهما المأساة على حقيقتها ويقضيان ليلتهما في المخيّم، تكتب سلمى في مفكرتها: «ودون احتساب أو حذر، ودونما تفكير أو تقدير، كان يتبعها فحسب حيثما ذهبت، وكيفما ولّت وجهها كان يرافقها كالقدر المحتوم. وفي يومٍ غير منتظر، تلاشى الأشخاص من حولهم واختفوا دون عودة، لتلتفت فجأة وترى ظلها للمرة الأولى. لم يكن ذاك الظل بلا ملامح، لم يكن مخيفًا، غريبًا، لم يكن مجرد ظل.»

 

بقلم: حوا بطواش

 

 

علي سيف الرعينيللنبض في قلوبنا ايقاع مختلف يختلف باختلاف المشاعروالمواقف في حياتنا ثمة فرح وسعادة وحزن وتعاسة وتدورالايام وتمضي الساعات ويوم فرح تحول الى ماتم مرة القلب محزون والنفس محنونة ومرة تغمرة لحظات نشوة غامرة وسرورتظهرملامحه على الوجه وبين هذاوذاك تباعا تاتي النبضات معبرة عن المشهد وبين تزاحم الصوروتعددالمشاهدواختلاف الوقائع تظل نفوسنا تواقه الى كل ماهوجميل ويبعث على الجمال ويمنحنا الامل في طريق استعادة ماسلبه الزمن منا وبين امنيات وخطوات تراجع وبين الامس والمستقبل تاتي نافذة للاشتياق لترافق حياتنا في دروبها المتنوعة.

 

كتب /علي سيف الرعيني

ضياء نافعيرتبط اسم فلاديمر ياكوفليفتش لاكشين (1933 – 1993) بظاهرة البحث العلمي الاصيل والمعمق في تاريخ الادب الروسي (انظر مقالتنا عنه بعنوان – لاكشين والادباء الروس الكبار)، ويمكن القول ايضا، ان لاكشين يرتبط باسم تشيخوف في بداية مسيرته، ولازال كتابه الشهير – (تولستوي و تشيخوف) يعدّ - ولحد الان - احد المصادر المهمة لدراسة تشيخوف وابداعه والمقارنة بينه وبين تولستوي، رغم ان الطبعة الاولى لهذا الكتاب صدرت عام 1963، وعندما احتفلت روسيا بالذكرى (160) لميلاد تشيخوف في شهر كانون الثاني / يناير من هذاالعام (2020)، اهدى لي أحد زملاء الدراسة الروس بجامعة موسكو في الايام الخوالي عددا قديما من مجلة (فبروسي ليتيراتوري)(قضايا الادب)، الصادر في عام 1960، وقال لي، انه حصل على هذه المجلة صدفة، وقرر ان يهديها لي  قائلا – (ان هناك مفاجأة طريفة لك على صفحات هذه المجلة العتيقة، وانك يجب ان تكتشفها بنفسك). أثارتني هذه (الهدية!) والكلمات التي سمعتها حولها، وعندما بدأت بتصفّح المجلة، فهمت طبعا، ان زميلي يقصد مقالة لاكشين عن تشيخوف، اذ انه يعرف (ولعي الشديد !!) بتشيخوف، وانه يعرف ايضا، باني (احب كلمن يحبه !!!) كما يقول ناظم الغزالي في اغنيته الشهيرة. وقرأت المقالة تلك طبعا بكل سرور، واود ان (ادردش) حولها قليلا مع القراء العرب، لاني اظن، ان الدردشة هذه ستكون ممتعة لهم ومفيدة على الاغلب، اذ ان تشيخوف هو واحد من الادباء الروس القريبين روحيا لهؤلاء القراء .

ابدأ الدردشة بالحديث عن ذلك العدد العتيق من مجلة (قضايا الادب)، اذ انه صادر قبل خمسين سنة مضت، اي في عام 1960، وهو العام الذي احتفلت به روسيا بالذكرى المئوية الاولى لميلاد تشيخوف . ومن الطبيعي ان يكون هناك ملف خاص في تلك المجلة  حول هذه الذكرى . وساهم بالكتابة في هذا الملف عدد من الباحثين الروس، ومن بينهم لاكشين، الذي انهى دراسته الاولية  في القسم الروسي بكلية الفيلولوجيا في جامعة موسكو عام 1955، والتحق بقسم الدراسات العليا في نفس القسم والجامعة بعدئذ، وحصل على شهادة الكانديدات (دكتوراه فلسفة) عام 1962. وكل تلك الوقائع تعني، ان لاكشين كتب مقالته تلك في مجلة (قضايا الادب) عندما كان طالب دراسات عليا و في السنة الاولى من دراسته ليس الا . عنوان المقالة هو – الارث الفني لتشيخوف اليوم، وتشغل 19 صفحة من المجلة المذكورة، وهي مقالة واسعة وشاملة، وتتضمن نظرة دقيقة على كل ابداع تشيخوف من قصص ومسرحيات، وهي بالتالي خطوة جريئة فعلا من قبل باحث شاب لم يكن يمتلك بعد الخبرة والتجربة في عالم الكتابة الجميل والشائك في آن . الانطباع الاول عن هذه المقالة هو شجاعة لاكشين الادبية، اذ قرر طالب الدراسات العليا ان يكتب في مجلة بمستوى (قضايا الادب)  عن (كل تشيخوف !) رأسا، وهي خطوة يقدم عليها فقط الشباب الشجاع والذي لا يأخذ بنظر الاعتبار – وكما يجب – بالنتائج النهائية لعمله، والانطباع الثاني، هو ان لاكشين قد نجح فعلا في خطوته الشجاعة تلك نجاحا علميا باهرا .

الافكار الاساسية في تلك المقالة انعكست لاحقا وبشكل واسع في كتاب لاكشين – (تولستوي وتشيخوف)، وهي موضوع اطروحته آنذاك في دراسته العليا، ولا يمكن طبعا تلخيص هذه الافكار في عدة أسطر، ولكننا نريد ان نتوقف عند جملة واحدة منتقاة من تلك المقالة، والجملة هذه هي مثل نموذجي يمكن – من وجهة نظرنا - ان تعبّر عن طرافة النظرة العلمية للباحث تجاه ابداع تشيخوف، مثل يبيّن كيف ان لاكشين نجح برسم الخصائص الاساسية لهذا الابداع  . الجملة هذه وتعليقاتنا عليها هي  كالآتي –

(... كان باستطاعة تشيخوف ان يرسم اللوحة بضربة واحدة  ...) . هذه الجملة التي كتبها لاكشين عن تشيخوف بحد ذاتها تعني، ان هذا الباحث قد فهم  - وبعمق- كل خصائص تشيخوف الفنية وقيمته الجمالية وكل الاجواء الجديدة التي ارتبطت باسمه في تاريخ الادب الروسي، فأي كاتب روسي آخر يقدر ان يرسم لوحة كاملة بحركة واحدة من فرشاته، التي تحمل كل تلك الالوان الزاهية ؟ ان قصصه القصيرة، والتي قال له عندها محررو بعض المجلات الروسية وهم يرفضون نشرها، انها (أقصر من منقار الطير) حسب ما كتب تشيخوف نفسه بعدئذ، هذه القصص القصيرة  لازالت معروفة في روسيا وخارجها، مثل الموظف الذي عطس في المسرح وتوفي نتيجة ذلك، والذي أصبح الان رمزا من رموز الهلع التراجيدي للانسان المسحوق اجتماعيا وفي كل زمان و مكان رغم انه لم يرتكب اي ذنب. لقد تحوّلت جملة كتبها تشيخوف في احدى رسائله مرّة الى قول روسي مشهور، بل و الى مثل من الامثال الروسية، و ترجمتها الحرفية هي – (الايجاز شقيق العبقرية)، وهناك اجتهادات اخرى متنوعة لترجمة هذا القول، الا انها خارج اطار مقالتنا طبعا.، جملة تشيخوف هي في الواقع  تعبير دقيق يتناغم فعلا مع كل ابداعه، وهذه الجملة تذكرنا بمثلنا العربي – (خير الكلام ما قل ودل) طبعا، الا انها تبقى جملة تشيخوفية بامتياز.

لاكشين ودوره في (تحرير!) تشيخوف من (الشوائب) التي أحاطت به يتطلب التعمق بدراسة كتابات هذه الباحث الكبير...   

 

 أ. د. ضياء نافع

 

نايف عبوشوتداعيات الإستلاب بصخب العصرنة

أفرزت العصرنة بثورتها التقنية والرقمية، والصناعية الراهنة، تداعيات سلبية كبيرة، في حياتنا المعاصرة، لعل من بين أهمها، الاستغراق في الشبكة العنكبوتية للإنترنت، التي بات الانغماس الكامل في فضائها الرقمي، والحضور الدائم في منصات مواقع التواصل الاجتماعي عليها، من أبرز تداعيات مخرجات تلك الثورة الرقمية، في الوقت الحاضر .

وقد تسببت ظاهرة الإنغماس الكلي في الفضاء الرقمي، بعزلة اجتماعية، سواء على مستوى الأسرة والأقارب، أو على مستوى الجيران، والمجتمع، وذلك بغض النظر عن طبيعة التعامل مع محتوى ما يشاهده المستخدم، والإدمان الذي يقتل وقته، ويستهلك طاقته، دون جدوى. حيث نشأ تبعاً لذلك، نوع من الانفصام الأسرى، والاجتماعي المقلق،بعد أن ظهر جيل لا يأبه للحديث مع الأهل، والمجتمع، وبذلك اضمحل التواصل الإجتماعي الحي، وغابت السيطرة الأخلاقية، في البيئة الاجتماعية الحاضنة .

وهكذا طالت تحديات العصرنة، بآثار تداعياتها السلبية، صميم حياتنا اليومية الراهنة، بتسفيه العادات، والتقاليد الحميدة، حيث بدأنا نلمس اليوم، جنوح الجيل الجديد، صوب الانسلاخ التدريجي من سيطرة البيت،والتفلت من ضوابط المجتمع، بشكل واضح، والانزياح في نفس الوقت بمسارات غريبة عن المألوف، من موروثنا الاجتماعي، بعد أن تفاقمت فجوة الجيل، وغابت ظاهرة الترادف التقليدي بين الأجيال، مع غزو العصرنة الصاخبة، الأمر الذي يهدد بتفكك قيمي، واجتماعي، قد يقود إلى ضياع الأجيال، والاستلاب التام لكل معالم الهوية التراثية، في المستقبل القريب. 

وإذا كان لا بد من العمل على إعادة هيكلة ثقافة واقع الحال الراهن، المثقلة بكل سلبيات هذه التداعيات، وإعادة تشكيلها بما يتلائم مع معايير التحديث، والعصرنة، حتى يمكننا التعايش بتوازن مع معطياتها، والتكيف مع انجازاتها المتسارعة، بأقل ضرر يلحق بأصالة هوية وجودنا الاجتماعي، وموروثنا الشعبي، فإن ذلك ينبغي ان يتم في إطار الحرص الواعي، على الحفاظ على أصالة هوية الموروث الحضاري لمجتمعنا، وعدم التفريط بها، مهما كانت ضغوط إغراءات الحداثة جذابة، وملحة.

لذلك بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى مفاعيل سلبيات تداعيات العصرنة المتسارعة، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة، من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف، وابتعاد عن موروثنا الديني، والحضاري، والتراثي، ومن دون إغفال حقيقة كون هيمنة الثورة الرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، وبالتالي فإنه لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها،والانتفاع من كل ماهو مفيد منها، ونبذ ماهو ضار، من دون الإنغماس الكلي الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا، وبالشكل الذي يحافظ على معالم الهوية التراثية، ويسمح بتواصل الجيل الجديد من الناشئة مع موروثه الاجتماعي، في نفس الوقت الذي يعيش حياة الحداثة، التي تتسارع تداعياتها بشكل صاخب، يهدد موروثنا الشعبي بالكنس، والمحو من الوجود بمرور الزمن .

 

نايف عبوش

 

 

يسري عبد الغنيمن العوامل المهمة للتعرف على العلاقات والصلات بين بلد وآخر الكتب أو المؤلفات، حيث أن لها أهمية كبيرة في إثبات الصلات الأدبية والفكرية بين مختلف اللغات.

والكتاب سيظل دائماً هو السيد المتوج على عرش وسائط المعلومات، مهما تعددت وتطورت هذه الوسائط في عصرنا الراهن، فعندما نقرأ كتاب من الكتب أو مؤلف من المؤلفات يمكن لنا أن نعرف من خلاله، وفيما كتبه صاحب هذا الكتاب الثقافة التي تلقاها، وإلى أي مدى تأثر بكاتب معين أو بأكثر من كاتب، أو بثقافة أو فكر معين.

ومن الممكن أن نجد لهذا المؤلف أو الكاتب كتباً بلغة غير لغته الأصلية، ويكون ذلك دليل على أنه تأثر بأدب اللغة التي تعلمها وأجادها وتمكن من أن يكتب بها، ومثال على ذلك: أدباء المهجر الذين هاجروا من البلاد العربية إلى الأمريكتين، كتب بعضهم أعماله باللغة الإنجليزية إلى جانب كتاباته باللغة العربية وهذا يوضح لنا مدى تأثر هؤلاء الأدباء بلغة البلاد التي هاجروا إليها بعد أن تعلموها ثم كتبوا بها.

ومثال آخر: الفرس كتاباً أو شعراء، كانوا يعرفون العربية والفارسية معاً، وكتبوا بها، مثل عبد الله بن المقفع وظهرت في هذه الكتابات علاقة الأدب العربي بالأدب الفارسي.

ومن ذلك ما يذكره لنا الطبري في تاريخه، والأصفهاني في الأغاني عن الشاعر العربي/ يزيد بن مفرع وذلك حين غضب عليه عبيد الله بن زياد أمير البصرة العراقية، فقد أمر بأن يطاف به في الشوارع والأسواق وسار الأطفال يقولون أو أن أحد الفرس هو الذي قال ما معناه بالعربية: هو ماء ونبيذ وعصارة زبيب وسمية.. وسمية هذه هي جدة ابن زياد.

وهذا دليل على تأثر العرب بمن كان يعيش معهم من جاليات فارسية أو رومية أو حبشية.. إلخ..

وقد بلغ الأمر إلى حد أن بعض الشعراء العرب كان يذكر في أشعاره بعض الكلمات الفارسية والرومية، وذلك بهدف التملح والاستظراف، أو لأن هذه الكلمات كانت معروفة ومستعملة على أيامه ومن يراجع ديوان الشاعر الجاهلي/ ميمون بن قيس الأعشى يرى العديد من الكلمات الرومية في شعره.

كما أن ما ينشر في الصحف والمجلات والدوريات وشبكة المعلومات الدولية (الإنترنيت)، وما يشاهد في التليفزيون والمسرح والسينما والفضائيات المختلفة وما يسمع في الإذاعات المتعددة عن الآداب العالمية، وتأثرها بعضها ببعض أمر مهم لمعرفة آراء وأفكار الكتاب الأجانب والتعريف بهم وبأدبهم، كل ذلك يعد من قبيل المبادلات الأدبية، ويؤدي إلى عملية التأثير والتأثر بين آداب الأمم بعضها ببعض ، وبمعنى آخر بين آداب الأمم لا المرسلة ، وآداب الأمم المرسل إليها أو المنقول إليها .

وإذا تتبعنا المجلات والصحف العربية القديمة مثل مجلة الرسالة المصرية الشهيرة التي كان يشرف على تحريرها الأستاذ الأديب/ أحمد حسن الزيات، نجدها تعرف بكثير من الكتاب الجانب، وسوف نذكر لك بعض هذه الكتابات:

– في العدد 55 الصادر في يوليو 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (بين المعري ودانتي).

وفي العدد نفسه نجد مقالة عن الشاعر الإيطالي/ ليوباردي وفي العدد 57 الصادر في أغسطس 1934م، نجد مقالة عن ملحمتي الإلياذة والأوديسا، للشاعر اليوناني/ هوميروس.

وفي العدد 58 الصادر في سبتمبر 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (بين فولتير ورسو).

وفي العدد 59 الصادر في أكتوبر 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (في الأدب الإنجليزي).

كما نجد في نفس المجلة ترجمة مفصلة لأراء الكاتب الواقعي/ إميل زولا. وكما نرى فإن هذا ما نشرته مجلة واحدة في سنة واحدة عن الآداب العالمية، فما بالك بالصحف والمجلات التي كانت تهتم بهذه الآداب وتعرف بها وبكتابها؟!.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيالثقافة من ثقف بمعنى حذق.

ونقول الثقافة واللقافة: رجل ثقف، لقف، إذا كان ضابطا لما يحويه وقائما به.

والثقف قد تعني سرعة التعلم، وثقف الشيئ أي حذقه وصار حاذقا وفطنا به.

والثقافة تشير إلى المعرفة بأنواعها، فهي سبيكة إدراكية مؤلفة من عناصر متنوعة، مثل العقائد والقوانين والعادات والتقاليد، وغيرها من الموروثات والنشاطات المتكررة والقائمة في المجتمع.

والوطن هو المنزل الذي نقيم به، فهو وطن الإنسان ومحله وجمعه أوطان.

وأوطان الغنم والبقر: مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها. وأوطنه: إتخذه وطنا.

والوطن: محل الإنسان.

والوطن هو واقع مادي جغرافي الملامح وجزء من الكرة الأرضية، التي يتوطنها البشر منذ ما لا ندري من القرون.

وقد إعتاد أن يعيش في مجموعات متفاعلة ومتماسكة تحقق مصالحها في بقعة أرضية ما تسميها الوطن، مثلما تفعل باقي المخلوقات عندما تتمكن من مقاطعاتها في الغابات فتعرفها جيدا وتدافع عنها بقوة، لأنها تحقق مصلحتها وتحفظ نوعها وإستمرارها.

والوطنية هي السلوك الجمعي لأبناء بقعة أرضية ما والذي يحقق مصلحتهم.

 

والثقافة الوطنية هي المعارف الفعالة التي تؤدي إلى قوة وسلامة وأمن تلك البقعة الجغرافية والبيئية  ببشرها، الذي أصبحت لديه الكثير من القواسم المشتركة بحكم بقائه عليها عبر الأجيال.

ولهذا فالثقافة الوطنية سلوك فردي أو جمعي، وليست تنظيرات وتصورات وطروحات كلامية أو إنشائية.

وعندما نقارن بين الثقافة الوطنية في عالم متقدم وآخر متأخر، نجد في العالم المتقدم سلوكيات واضحة وعادات وتقاليد وأعراف وطنية يمارسها الفرد من غير أن يفكر أو يتردد، وإنما هي من صلب نشاطاته اليومية، التي يحقق بواسطتها دوره وتفاعله الإيجابي مع مجتمعه.

بينما في العالم المتأخر تكون الثقافة الوطنية  نظريات وكتابات نقرأها هنا أو هناك، وفي الكثير من أساليب الإقتراب منها يظهر التنظير المعقد، والبعيد عن التبسيط والتعامل معها على أنها سلوك يومي يقوم به الفرد، فهي عالم آخر عسير المنال.

وكأن الدعوة إليها كالدعوة إلى بناء جمهورية إفلاطون، التي تكون أعمدتها فوق الغيوم ونفاياتها فوق رؤوس الذين يعيشون تحتها.

وفي بلداننا نمزج كثيرا بين الثقافة الوطنية والسلطوية، ونحسب ثقافة السلطة أيا كانت ثقافة وطن، وهذا لا يتطابق، لأن ثقافة السلطة عموما تكون لا وطنية، لأنها ثقافة إحتكارية وتريد كل شيئ  لصالحها وحسب، وتنسى مصالح الوطن حتى تسقط في شِباك أوهامها ونكرانها لواقع الحياة.

والثقافة الوطنية عندنا متباينة لكنها على العموم ضعيفة بالقياس إلى العالم المتقدم.

ودليلنا على ضعف الثقافة الوطنية أن العديد من بلداننا صارت مسارح للتفتت، وأصبح من الحلم أن تحافظ على سلامتها الجغرافية والإجتماعية وإنشغلت في مشاكلها الداخلية، التي تشير إلى غياب المقاييس الوطنية المشتركة، وضعف التربية الوطنية أو قصورها وإنحرافها، وما جرى في العراق برهان ساطع على ذلك الخلل الحضاري.

ولو كانت هناك ثقافة وطنية حقيقية، ولو كان الوطن والراية عقيدة وقيمة لما حصل الذي حصل،  لكن الوطن كان مغيبا بالصورة والشخص، وتم إقران كل شيئ حتى الإنسان بما هو لا وطني، فصار الوطن كلاما ودموعا ومسيرات عزاء خيالية.

وقد قرأنا العديد من المقالات لكتاب ومفكرين، تتناول الثقافة الوطنية وتنحو في منهجها لإخراجها من خانة الممكن وإيداعها في صناديق المستحيل المغلقة، وهي كتابات بحثية ذات منهجية غير معاصرة وتنتهي باستنتاجات غير مجدية، وإنما عبارة عن إعادة استهلاك المستهلك وليس إعادة تصنيعه.

وهذه الكتابات تتكرر وعلى مدى القرن العشرين ولا زالت، وبسببها انعدمت الثقافة الوطنية وتحوّلت إلى شعارات ولافتات وخطابات فارغة ما حققت للأوطان شيئا مفيدا، بل أصابتها بمقتل وذهبت بها إلى ما يعارض سلامتها وقوتها وسيادتها.

وقد إنحرفت الثقافة الوطنية في العديد من البلدان عن معانيها وتم إختصارها وربطها بالبندقية وحمل السلاح والمجابهة الحامية مع الآخر، الذي يفترض أنه يريد أن يستهدف الوطن ويستحوذ عليه، فجسدت التفاعل السلبي الضار، ولذلك فأنها حققت ما كانت تخافه بتحجيمها للثقافة الوطنية الصحيحة، وتجريدها من الفعل الحضاري والسلوك المتطور والمعاصر.

فقد أمضينا في العديد من بلداننا  القرن العشرين، والوطن عندنا عبارة عن صورة أو شخص أو حزب أو نظام حكم متسلط، وثقافتنا الوطنية ترتبط بها ولا تتجاوزها  فلا تعبر عن معاني الوجود الوطني الفعّال والمحقق لإرادة المجموع المتفاعل، ولهذا أصبح الوطن ضحية للمجموع المنفعل والجاهل.

ولو تأملنا العراق، فأن ما حصل فيه يؤكد ثقافة الصورة والكرسي والفرد والفئة، مما دفع  إنعكاس الإنفعال المكبوت نحوها إلى سلوكيات مضطربة ومرعبة.

وبسبب ضعف الثوابت الوطنية والمعرفة الوطنية السلوكية، إهتزت أركان الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وحقق دوره في التفكير والسلوك غيابا تاما وعلى مدى أعوام صعبة.

ومن الغريب أن الكتابات التي تتناول الثقافة الوطنية تجدّ وتجتهد لكي تكرس حصرها في الكلام الخطابي أو المكتوب، وما حاولت الخروج بها من هذه الدوامة المفرغة التي ترعى اليأس وتبث الإحباط وتلغي الأمل، مما دفع إلى تشوش المفاهيم الوطنية.

وفي القرن الجديد لا بد لنا من الخروج من لعبة الكلام وملاعب النظريات، التي نخوض فيها مباراة خاسرة وعقيمة النتائج على الدوام.

وعلينا أن نفكر بمناهج عملية وليست نظرية، لأن النظريات العربية ما تحقق منها شيئ على الإطلاق، بل أنها أسست لما يناهضها ويهزمها وينكرها بل ويجتثها من أصلها.

فنحن عموما لا نفكر بمنهجية عملية مثلما هو الأمر في العالم المتقدم، وإنما بمنهجية نظرية قاصرة، لا تلد جديدا نافعا يمكنه أن يسعى بين الناس أو بهم.

وهذا المنهج النظري يهيمن على الظواهر والموضوعات التي نتناولها في حياتنا.

فنحن ننظّر وحسب، ونبتر النظرية عن مفردات الحياة التطبيقية، ونحلق بها في فضاء الخيال البغيض المشلول، في حين أن النظرية في عالم متقدم تكون المنطوق المنير لفعل صحيح ومثمر.

ومثلما حلقنا بالعديد من الموضوعات في عالم اللاممكن، كذلك حصل لموضوع الوطنية وثقافتها، مما أدّى إلى عدم وضوح المعنى وسرابية المغزى.

وبإختصار معاصر ومتواضع، أن الثقافة الوطنية ليست كلمات وإدعاءات، بل مفردات سلوكية يومية بسيطة وواضحة نقوم بها، لكي نحقق قوة الوطن وتطوره وسلامته وسيادته وأمنه.

فهل عندنا ثقافة وطنية سلوكية؟!!

 

د. صادق السامرائي

2005

 

 

علي سيف الرعينيلا يوجد أضعف من أمة سلبت نعمة العقل وارتاحت بأن طلبت من غيرها أن يفكر عنها فهل يختلف اثنان من التربويين على أهمية التفكير وتعليمه في الماضي وفي الفترة الراهنة التي تصنع الأمة العربية نفسها من جديد وفي عالم انعدمت فيه الحدود بين الشعوب في ظل التكنولوجيا الرقمية وفي زمن تزلزلت فيه ثوابت تعليمية تقليدية كان القائمون عليها يتوهمون خلودها للأبد استخدام التكنولوجيا والمنهج العلمي في التفكير يعد اليوم مطلباً يتوجه إلى تحقيقه الجميع كيف نوظف هذه التكنولوجيا بشكل سليم في التعليم؟ وكيف نقلل من تأثير تقنية المعلومات في تطوير التعليم في وقت أصبح فيه التعليم المتنقل سمة جديدة تضاف إلى مدارسنا ومناهجنا العلمية علينا أن نعترف أننا نعيش هوة كبيرة تقف في وجه التعليم الآن بين الإقبال على التدريب وتنمية المعلمين في زمن لا يقبل هذه الطريقة التقليديةناهيك عن التوجه المحتم نحو إحداث تحول في نموذج التطوير والتدريب إلى آخر جديد وحديث وبالتالي فإن كيفية استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال في التربية والتعليم تتوقف على تحديد الهدف واتباع خطوات تطبيق تكنولوجيا التعليم بشكل علمي سليم وتأثير ذلك في تكوين المتعلم بما يتمثل في تنمية الدافعية الذاتية لديه وتحويله إلى باحث نشيط عن المعلومات وليس متلقياً لها وتفجير طاقات الإبداع والابتكار لديه أحد تأثيرات التكنولوجيا المطبقة حديثاً في التعليم هو الفجوة التي أحدثها الانتقال الفوري من الطرائق التقليدية الرسمية إلى الرقمية ذات المحتوى المفتوح وغير الرسمي فالكل يشير إلى أن نجاح المنهج العلمي في الوقت الراهن يتطلب من المعلم تغيير طريقة التدريس التقليدية وتطبيق طرائق تدريس أكثر فاعلية تتيح الفرصة للتعلم الذاتي والتعلم التعاوني ولكن لا أحد يجيب بشكل كاف عن السؤال: كيف يتم ذلك؟ وبرأيي حتى نصل إلى الإجابة الشافية للمحتوى الرقمي الجديد للتعليم نحتاج إلى إعطاء المعلم استقلالية ذاتية ومرونة في التعامل مع الكثير من القواعد التي أصبحت عرفاً دون الحاجة لها انهادعوة الى الاهتمام بالعملية التعليميه وعمل تحديث بما يتواكب مع العصر لمناهجنا التعليميه في مختلف المراحل اننابحاجة ماسة الى تجديد وانعاش للعمليه التعليميه كونهاتاتي في مقدمة الاولويات للنهوض والرقي وهنالابدمن الاشارة الى اهمية ايجادالية اتصال دائم بين العمليةالتربويةوالتعليمية وقطاع الاتصالات لخلق شراكة فعليةتهدف الى الارتقاءبالعملية التعليمية والتربوية في بلادنا ..

 

كتب/علي سيف الرعيني

صادق السامرائيالكتابات الفلسفيية المنشورة في الصحف والمواقع تشترك في أنها منقطعة عن واقعها المكاني والزماني ومتشبثة بالآخرين الأجانب بأنواعهم، فتقرأ كتابات مملة معقدة مبهمة تستند على أفكار أجنبية، وتهمل الموروث الفلسفي العربي الوفير الذي يستلهم منه الأجانب أفكارهم ويدعونها لهم، ونحن نركض خلفهم وكأننا بلا حضارة ولا تأريخ، ولا تراث فلسفي وفكري ومعرفي لا يُضاهى!!

كما أنها تعجز أن تقدم الفلسفة بلغة يستلطفها القارئ ويتعلم منها، وإنما تميل إلى التنفير والتكريه بالفلسفة، حتى صارت مواضيعها من إبداع الهذربات والهذيانات فوق السطور!!

ولا يُعرف لمن تُكتب ولماذا تُكتب؟!!

وأخذت الصفحات الثقافية العربية تزدحم بها، وهي كتابات طاردة للقراء، وتتسبب بتوليد المشاعر السلبية تجاه الفلسفة وموضوعاتها، وكأن كتّابها لا يفقهون في الفلسفة وإنما يحومون حولها.

ومن النادر أن تجد مقالة فلسفية تشدك لقراءتها والتفاعل معها، والسائد فيها إنها تنهرك وتنذرك وتقول لك من عنونها، إبتعد عني، ولا تقرأني، وإن قرأتني فأنك لن تفهمني، فأنا أتحدث مع نفسي ولا يعنيني ما يأتيك مني، فابتعد، قبل أن أصيبك بوجع الرأس والغثيان!!

فالكتابات الفلسفية العربية المعاصرة صومعية منبرية محلقة في فضاءات التصورات الخالية من مفردات وعناصر الواقع الذي يتواصل معها، وكتابها وكأنهم يعيشون في قصورهم العاجية، وعوالمهم الفنتازية، وهم يجالسون الورق والقلم أو الحاسوب، ويمعنون بتعبئة السطور بما لا ينفع من المسطور المهجور الرجيم.

فلا يعترفون بخير الكلام ما قل ودل، ويعجزون عن وضع أفكارهم في كلمات واضحة وعبارات مبسطة ومفهومة، بل يغرقون في الإبهام والحَوْم حول ما يريدون قوله وما يستطيعون لذلك سبيلا!!

قد ينزعج البعض مما تقدم، لكنه واقع مرير تعيشه الأجيال، فما أسهم الفلاسفة برفدها بما ينير ويساعد في بناء حاضرها ومستقبلها، ولا تزال الأجيال تتعجب من الذين يرفعون رايات الفلسفة، كيف أنهم على هامش الحياة يتعاقبون.

فهل لنا أن نعيد للفلسفة روحها وطعمها وجاذبيتها وقدرتها على التنوير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي سيف الرعينيهناك حيث اكون حيث اجدني اتنفس الحياة بشغف ودون قيود حيث الفُسحةُ الوحيدةُ الأخرى التي كان من المُمكن لي أن أرى فيها تعبيراً شديد الجمال والجُرأة تلك المساحة التي اتجول فيها بحرية تامة انها الكتابة

كنتُ أسرُّ في نفسي: هذا ما أريدُ أن أكون عليه. وبعدها يكون التفكيرعن البحثِ والتحديق والعيش ومحاولة أن أكون كاتبًا، ومحاولة اكتشاف ما يعنيه ذلك، إن كان ذلك ممكنا. لأعيش بجرأة، بتهوّر، بغباءٍ وجمالٍ معاً.

أحاول كتابةَ سلسلة مقالات كنت أتمنى لو أن غيري قد كتبها تمنّيتُ أن أقرأها. دائماً ما يقول الناس بأنني متعجرف عندما أتحدث هكذا، لكن أظن بأنني من القلائل الصادقين بخصوص الدافع التاريخي. أريدُ كتابة ما يُمكن أن يعتبره التاريخُ مهماً، مقالات هادفة افكاراطروحات لها معنىً يغيّر العالم وطرائق الكتابة والنشر.

أَنظُرُ إلى مسيرة الأدب في التاريخ وأفكّربلى أستطيع أن أضع نفسي هناك، لديّ القدرة لأقف بين هؤلاء الناس الكتّاب الذين أحبهم، الكتّاب الذين صنعوا التاريخ. أريدُ أن أضع نفسي في القائمة.

أكيدٌ أن الكثير مما قلته يمتلئ بالأنا والغرور، إذا لم أقُل بأنه هُراء. ولكنني تنافسيٌّ بشأنه. أجلس الآن إلى مكتبي حيث مقرعملي وليس على رفوف ومسارات الارشيف من خلفي-بجانب ملازم الجرد السنوي وملفات وثائق توريدات -سوى غلاف مجلةّ للمُلاكم هاغلر، بطل العالم خلال الثمانينيات كلها في الوزن المتوسّط. كان مانشيت الغلاف يقول هو: الأفضل والأقوى. إنه يتحدّث إلي. أريدُ أن أكون الأفضل والأقوى.

في السابق كان عليّ أن أصنع علامتي مُبكّراً. أمّا الآن، فعليّ حفرها وتعميقها وجعلها دائمة. قلتُ في مقالة كتبتهافي صحيفة الجمهورية وكانت هي الاولى في صحيفة رسمية إنني لن أهَبَ سنواتي للمُضي هكذا. أُريدُ أن تصير كتاباتي هي الأكثر انتشاراً وقراءة على الإطلاق، الأكثر جدلاً، وأن أصير الأعمق إلهاماً في كتاباتي

أبرمتُ اتفاقاً مع نفسي إذا جاء يومٌ صرت فيه مهتماً بآراء الناس وبعدد الحضور لقراءومهتمين أكثر من سعيي لكتابة ما يزحزح العالم ويضع الناس في الفوضى فسأعتزل الكتابة وأمتهن شيئاً آخر. لا أريد أن أصير في بداية النضج رجلافي التاسعةوالثلاثون من عمره لم يعد يجيد شيئاً سوى إلقاء القشور على القرّاء لأن غروره يسجنه عن المضي.

مشى ذلك النجم يوما خارجاً من الساحة دون صوت. كان الجميع يتساءل متى سيعود؟حسنا

إنه لن يعود، وأحترم طريقته في ذلك.

سأغادر في وقتٍ ما بخفّة، لن يشعر بي أحد، ولن يسمعني حينها أحد.

كتابتي، أنا، كل هذا، هي قطعة فنيّة أدائيّة طويلة ومستمرةٌ في العرض. سبق السيفُ العذل! وُجدت الأسطورة، وسواء استمرّت أم لا، سيحدد هذا جودة ما أكتبه وأنشره. هنا يكمن جمال الكتابة: كل التفاهات في العالم، وكل ما هو حقيقي ويهمني ويهم القُرّاء والتاريخ هو: هل كتاباتي هذه جيّدة بما يكفي؟ لا أريد منها سوى أن تفعل في قارئها ما فعله محموددرويش والبارودي والمقالح وابن زيدون والبردوني وابن خلدون والفضول وادونيس والشاطبي بي انا.

 

علي سيف الرعيني

 

جمال العتابيمقاربة في النص

وأنت تعتزم أن تبدأ شوطاً آخر في الكتابة، فينبغي أن تكون في غاية الحذر، لأنك تقترب إلى المغامرة، فأي عبء حملك للخوض في تجربة تثير التساؤل عن الجدوى والمعنى لهذا النمط من الكتابات؟ سوى ان خيالات العزلة (الجائحة)، ربما تأخذك بعيداً، دون أن تفكربالأثر الفني لمحاولتك هذه، محاولاً ليّ نصين، منقباً عن ثمة مقاربة بينهما، لشاعرين مختلفين تماماً، أحدهما نقيض الآخر، بينهما فاصل زمني وحضاري، عليك أن تصون خطاك من أن تنزلق، أوتذهب نحو المحاريث في التأويل والإستنتاج، أو الإفتراء والإقحام،  فلا إرتجال ولا تباهٍ أو تعسف، بل مسؤولية ثقافية تلزمك الموضوعية، في تناول عصرين وبيئتين وثقافتين،لا جامع يجمعهما،  فالشاعر عبود الكرخي المولود في بغداد 1861 يكتب شعراً محلياً خالصاً، لايتجاوزحدود جغرافيته العراقية، يجمع تلقائياً بين عناصر النظم التلقائي، وبين نزوات ذات متمردة، حرّة ساخرة، أكد من خلالها شخصيته الشعرية التي تواصلت مع حياته تواصلاً دائماً لم ينقطع،  وبابلو نيرودا الشاعر التشيلي المولود عام 1904 يعدّ من أشهر الشعراء عالمياً وأكثرهم تأثيراً في عصره، وأبرز الناشطين سياسياً، نال جوائز تقديرية عديدة، أبرزها جائزة نوبل للآداب عام 1971، فكل من الشاعرين نسيج وحدهما، ما يجمع بينهما هو الصدق في التعبير، وقدرة النص في التأثير، متمثلاً بقصيدة (المستحيلات) لعبود الكرخي، وقصائد (تساؤلات) لبابلو نيرودا، بترجمة سحر أحمد، منشورات (أزمنة-عمان)، قصيدة الكرخي إكتسبت شهرتها لفضيلة الصدق فيها، ونكهة الغرابة، وجمال الحرية،

(تساؤلات) نيرودا، نداء إنساني عميق، بقطعة فنية متكاملة، تستحث الرغبة في البحث والإكتشاف، عن حرارة التماثل والتواتر، مابين مفردات متضادة، كلون جديد من التأليف الشعري لبابلو نيرودا، معتمداً خبراته الفنية وطاقاته الشعرية، بإعتبار النص مضموماً للغد، بعناصر متجاورة أو متناقضة، في حوار نصغي إليه بكل جوارحنا، ترتقي فيه المهارة والمعرفة الموسوعية للشاعر، بما يحمل من الطرافة والحكمة والسخرية، مع إسراف في الخيال .

1676  عبود الكرخي

في النصين تجتمع مفردات  بصيغة السؤال، في أول المقاطع الشعرية لكليهما (لماذا، هل، علام ...وغيرها) عند نيرودا، و(يصير، بمعنى هل بالإمكان؟) عند الكرخي، السؤال عن الهوية، والزمن والمكان، والأخلاق، والتاريخ، هو مزيج بين أين؟ ومتى؟ والمفردات تعبرعن قلق الإستجواب، والبحث عن السبب والمعنى، والأصل، بمجموعها هي أسئلة وجودية عن المصير، تبحث عن أجوبة ممكنة، كما في نص نيرودا:

لماذا يكتبون في العصور المظلمة بحبر خفي؟

لماذا إخترت الهجرة إذا كانت عظامي تسكن شيلي؟

لماذا لايبادر الخميس الى الحضور يوم الجمعة؟

علام يضحك البطيخ ساعة ذبحه؟

هل صحيح ان الكندور الأسود يطير فوق بلادي؟

هل يحق لي أن أسأل كتابي، أصحيح أنا صاحبه؟

حين يتأمل السجين النور، فهل هو النور نفسه الذي يسقط عليك؟

بأية لغة يتساقط المطر على المدن المفجوعة؟

يحملنا النص في قراءته السريعة إلى السؤال أيضا، عن معنى ضحك البطيخ في ساعة ذبحه؟ وكيف يبادر الخميس إلى الحضور يوم الجمعة، إن القراءة المتأنية التي تحاول أن تلتقط الخيط الداخلي لعالم النص، تقودنا إلى رؤية ما يوّحد بين تبعثرات النص، أو بين التفاصيل المحتشدة فيه، رؤية عالم له تماسكه، في النص فعل وسؤال، يطول ماهو يومي وعادي، لكنه يصل شعرياً، إلى ما هو عمقه المأساوي، فيكتسب اليومي والعادي دلالات إيحائية يشد بعضها إلى بعض .

بمثل هذه العذوبة والإقتصاد في اللغة، والسخرية التأملية، كتب نيرودا تساؤلاته، تلك دروس مكتوبة على الورق، إغتنت بأصالة الشاعر وموهبته، وإمتلاء عقله . هي أسئلة وجودية بمفارقات أو متناقضات، أشياء موجودة لاتتطابق مع الواقع، أونها بعيدة عن الحدود، هناك عجب لكن لايحدث، وحسب ما قيل : تقترب الأشياء رغم إبتعادها .

ولنتأمل تلك الأسئلة في قصيدة عبود الكرخي السريالية المشهورة (المستحيلات)، مثل ومضات نقية، انها الأداة الأكثر إستجابة للمشاعر الخفية، ما دامت الدنيا بأجمعها تطفو أمام عينيه وتغطس في مستنقع عفن، وما دام الشقاء قائماً،

في قصيدة عبود الكرخي لغة واضحة ملموسة، تكتسي في أعماقها بحزن ومرارة الواقع، لايخفي فيها الكرخي إحتجاجه على سلطة التقاليد والخرافة، يهجو سلطة الإحتلال، والإدارات الحكومية، ويسخر من الواقع الإجتماعي المتخلف بلغة لا تستهلكها الصنعة:

يصير بالجنة إلي حورية؟

يصير أبو الجنيب ما يمشي صفح؟

يصير بالبدوان إسم مرزه قلي؟

يصير بعرور إنزرع يطلع غنم؟

يصير تكدر تربط البكة بحبل؟

يصير بالمعدان إسم عيشة وعمر؟

يصير من لندن تجي مجارية؟

يصيرمن تيس الصخل تحلب حليب؟

يصير نملة تدفع الملوية؟

يصير تمشي سافرة الحجية؟

لقد منحت الحياة الجرأة والوضوح لعبود الكرخي، فجاءت قصائده إعترافات وخواطر وبيانات شعرية، القصيدة عنده نفثة تصل إلى هدفها بخط مستقيم، بضربات سريعة، إكتسبت رؤيتها الإستشرافية للواقع العراقي، دون أن يخشى إرهاب السلطة، لجأ إلى الهجاء سلاحاً، والإلتزام بقضايا شعبه، يقول عنه الأب أنستاس الكرملي: ان كل قصيدة من قصائده تساوي ديوان شعر، ويسميه الرصافي بشاعر الشعب،

في (مستحيلات) الكرخي ألم محتدم، وسخرية تستعر في قلبه وجسده، لم يكن مقلداً، ولم ينتحل تجربة آخر، إنه يحمل القارىء إلى البحث عن الجواب المستحيل في ذاك العصر على الأقل، ويثير فيه عواصف الإحتجاج، والمجابهة والتمرد، القصيدة تتدفق بالأسئلة بموجات من الغرائب، وإبتكار الصورالمستحيلة (يصير نملة تدفع الملوية)، بنقلات هادئة متجانسة، ومتزاحمة ولمّاحة، بإيقاع موسيقي يعزز طابع السخرية في النقائض، ذلك ان الكرخي يدرك، ان هذه اللغة هي الأكثر قدرة في التعبير عن نبض الضمير الممزق بين مخالب النقمة والمهانة وجوع الذل .

الشاعران نيرودا والكرخي أتقنا أشياءً كثيرة في حياتهما، التجوال والسفرعمّق تجربتهما، وأضاف لهما معرفة بثقافات الشعوب ولغاتها ولهجاتها، فضلاً عن وعيهما السياسي والإجتماعي والوطني بالأحداث، عبر إحالات وتداعيات تنهض بالنص وتعبر عن الموقف، مع ضرورة التمييز بين الشكلين البنائي واللغوي في النصين،والمستوى الفني بينهما، انهما يدركان معاً إستحالة تحقق الأماني، والزمن لايرجع إلى بدايته، ولا تبدو الأشياء أليفة طيعة، يستولد فيها الشاعر عالمه المفقود، أو يستعيد به حضوره المنفي .

 

جمال العتّابي

 

يسري عبد الغنينجم عن التطور التكنولوجي المتسارع في السنوات العشر الأخيرة، نوعا جديدا من الكتابة بات يعرف بـ"الأدب الرقمي"، ما برر التساؤل منذ ذلك الوقت عن مستقبل الكتابة الورقية بمجملها.

إلا أن تلك السنوات لم تكرس بعد ذلك النوع المستحدث من الأدب، بل يذهب كتاب ومتابعون إلى أنه لم يفرض عليهم التعامل معه بجدية، وأرى في الأدب الرقمي "نصوصا أدبية تنشر رقميا عبر الانترنت"، أنها إما أن تكون أدبا حقيقيا ومبدعا في الأساس أو لا تكون.

وأعتقد أنها لا تؤخذ كثيرا على محمل الجد عند غالبية القرّاء المحترفين، إذا كانت ذات سوية هابطة، أو لم تكن لأسماء معروفة، والكثير مما ينشر عبر الشبكة العنكبوتية ليس إبداعا حقيقيا، يشبه الكثير منه ما ينشر في صفحات القراء في الصحف العربية، القارئ العربي أصبح يتعامل بلا واسطة، لقد أصبح قارئا مشاركا بفعل إمكانية التعليق.

وأستغرب أن تلك التقنيات دفعت العديد من القراء إلى الطموح بأن يصبحوا مبدعين "افتراضيين"، فالغالبية العظمى من المواقع العربية الموجودة على الشبكة تساهلت كثيرا في معايير النشر، ذلك ساهم في عدم إمكانية الحديث عن الدخول في الأدب الرقمي بشكل جدي، فالوسيلة الورقية ما تزال أكثر التزما.

ذلك ليس حكما عاما، أن "الاستسهال ليس خطيئة الانترنت وحده"، ولكن "لا يمكن قراءة أي كتاب حقيقي عبر الانترنت"، الانترنت ليس شكلا تعويضا حقيقيا عن المكتبات والكتب.

وأعتقد أن الكتابة الرقمية "شيء افتراضي لا يتحقق إن لم ينعكس أو يرتبط بنا على الأرض"، نؤشر على ذلك بكتابة الشعر مرقما أو "الاعتماد على بهلوانية الكمبيوتر والانترنت". وذلك كله مجرد تجريب يقوم به بعض المغامرين، و لا يمكن أن ينجح إن لم يكن مربوطا بالواقع.

في مقابل ذلك ينفي البعض صفة السهولة عن الأدب الرقمي، مقرين أنه "أدب صعب جدا، وليس كل كاتب قادر على إتقانه".، ويفسرون ذلك بأن الكاتب الورقي يحتاج إلى "فكرة وورقة وقلم"، فيما يحتاج الكاتب الرقمي بالإضافة إلى ذلك إلى الشرط الرقمي، مشيرين إلى أن الكاتب هنا يتطلب أن يكون مبرمجا وملما بالتقنيات الموجودة في عالم الانترنت.

وعن تجاهل النقاد للأدب المنشور عبر الانترنت، نقول أن النقد العربي لم يطور أدواته لاستيعاب التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأدب، لا يمكن تناول الأدب الرقمي بذات الطرق التي يتم فيها تناول الأدب الورقي، الكاتب الرقمي ترابطي ولديه لغة مختلفة، ويحتاج إلى ناقد مختلف.

ورغم إقرارنا أن النقد العربي ما يزال دون الطموح في تعامله مع الأدب الرقمي، إلا أننا نشير إلى تجارب نقدية تطور أدواتها وتسعى إلى مشاريع حقيقية، ولا نبتعد كثيرا حين نؤكد أن على الناقد الذي يتصدى لتناول الكتابة الرقمية أن يمتلك "الحد الأدنى من أدوات الكاتب الرقمي".

ونؤكد على أن الناقد الورقي الكلاسيكي ليس باستطاعته نقد الأدب الرقمي، لانه يحتاج بداية تطوير أدواته لتقييم الإبداع الجديد، كما نؤكد على أن التجربة الرقمية نفسها ما تزال "معلقة في الفراغ"، والنقد لم يقترب منها كونه "لم يفق بعد من صدمة التكنولوجيا".

ونعود لتأكيد أن "الأدب الرقمي لم يتخذ بعد مصداقية عند القراء والكتاب والنقاد"، ونشير إلى أن النقاد الجادين لا يقدمون على قراءة النصوص الرقمية في الأساس ولا على نقدها، مؤكدين أنها غلبت على "تعليقات القراء وأنصاف النقاد وأرباعهم، والمتربصين بالعلاقات الشخصية وحمى التعارف".

وأبدي هنا ثقة كبيرة في أن "الأدب الرقمي" له المستقبل، لكنه يحتاج إلى سنوات طويلة حتى "يتكرس"، أقول لكم : "رغم تطور الحياة والثورة التكنولوجية فما يزال الأدب الإغريقي حاضرا ومؤثرا ومن الضروري الاضطلاع عليه بجدية".

وأضيف إلى ذلك الشعر الجاهلي والتراث العربي والروايات الخالدة، و أشير إلى أنها كلها لم تكتب رقميا ولا تكنولوجيا، مستشهدا بقول امبرتو ايكو أنه "لا يستطيع قراءة الكوميديا الإلهية عبر الكمبيوتر"، وألفت النظر إلى أن الكثير ممن يكتبون فقط عبر الشبكة العنكبوتية ما يزالون يحلمون بالنشر الورقي عبر الصحف والمجلات الأدبية، معتبرين أن ذلك هو الاعتراف الحقيقي لهم.

 

بقلم/د.يسري عبد الغني

 

شاكر فريد حسنالدكتور إحسان عباس ناقد وأديب ومفكر ومؤرخ ومحقق وكاتب وباحث موسوعي معرفي فلسطيني، ويعد من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين، ويحتل مكانة بارزة ومرموقة في الثقافة العربية النقدية المعاصرة. كان غزير النتاج، تأليفًا وتحقيقًا، وترجمة من لغة إلى لغة، ألف وانجز ما يزيد عن 25 مؤلفًا بين النقد والسيرة والتاريخ، وحقق ما يقارب 52 كتابًا.

جاء إحسان إلى الدنيا في قرية عين غزال الفلسطينية المهجرة، التي تقع على أحد امتدادات جبل الكرمل إلى الجنوب من حيفا، أكتوى بنار النكبة وعانى آثارها، ذاق مرارة الحرمان من الوطن، وتجرع علقم الغربة، ولازمه الفقر والجوع، وعاش أزمات المنطقة كلها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وكان إحسان عباس كتب سيرة ذاتية، صدرت في كتاب حمل عنوان "غربة الراعي"، عن دار الشروق في عمان العام 1996. وهي سيرة بالغة الإيحاء، جاءت بلغة عربية بسيطة وسلسة، وتتميز بالعمق الإنساني، وعفوية التعبير، وصدق التعبير الجمالي، يحدثنا فيها عن دخائل نفسه وتجاربه الحياتية بكل التلقائية والشفافية.

وهي سيرة لا تحكي فقط عن الماضي، طفولته وأسرته وزواجه وعمله فحسب، وإنما تحكي غربة الراعي في محطات حياته الأخيرة، التي عانى فيها أمراض الشيخوخة والهرم، والخذلان من الكثير الذين عرفهم وربطته بهم علاقات صداقة.

وتشكل هذه السيرة مشعلًا وهاجًا للأجيال الفلسطينية والعربية الحاضرة والقادمة، لما تضمنته من المعاني والمواقف الإنسانية والتجارب الحياتية، التي تتحدث عن الطفولة المعذبة في عين غزال، والرعي في الجبال المحيطة بها، إلى كاتب كوني عظيم، ومثقف عضوي ونقدي واسع المعرفة والاطلاع، وأكاديمي قضى سنوات عمره متنقلًا بين الكثير من المدن والأماكن العربية، يعمل معلمًا وأستاذا ومحاضرًا في العديد من الجامعات، ومنها الجامعة العربية الامريكية، وإنسان زاهد في الحياة، فرض احترامه على الآخرين، وحافظ على علاقاته مع جميع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، كونه لم ينتمي لأي حزب سياسي، رغم العلاقات التي جمعته بالشيوعيين.

ويختتم إحسان عباس سيرته الذاتية بروح تشاؤمية، روح إنسان خبر فيها الحياة، فلم يجد فيها سوى الوجع والالم والقسوة والمعاناة والمكابدة الإنسانية والذاتية.

يقول الكاتب والناقد الماركسي اللبناني الراحل محمد دكروب عن " غربة الراعي": " في يقيني – لو توسع إحسان عباس في توصيف وتحليل منجزات الفترة البيروتية الخصبة – أنَّ بإمكانه هو، بموضوعيته وشمولية رؤيته، أن يوجّه الضوء الهادئ إلى مختلف تفاعلات الفترة نفسها، بمختلف تيّاراتها، دون تحيّز ما، إلا لمدى الإبداع والإضافة في الفن والفكر والنتاج الثقافي، لدى هذا الكاتب او ذاك، سواء انتمى إلى هذا التيّار او ذاك.. وبالأخص ان هذه الفترة الخصبة التي انتسبت إلى بيروت، هي فترة خصب ثقافي تجديدي بامتياز. فماذا استخلص إحسان عباس من سيرة رعايته الناقدة؟ ".

وبعد، هل كان الراحل ابن رشيق الفلسطيني الدكتور إحسان عباس راعيًا غريبًا، وهو المبدع والناقد المتوهج وصاحب العقل التثاقفي التحاوري والتعارفيّ من الطراز الأول، والغواص الماهر في صميم الثقافة العربية والكونية في القرن العشرين؟ وهل وحده الذي تألم أمام نكبة شعبنا، وإزاء مجازر صبرا وشاتيلا؟!

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

صادق السامرائي"إقرأ"، أول كلمة تنزلت على النبي في غار حراء حسب جميع الروايات، وهي النداء الذي زعزع الوعي البشري، وأطلق إرادة العقل وفاعلها مع واقعها المكاني والزماني.

والبعض يرى أن الإسلام قد أهمل هذه المفردة التنويرية اليقظوية وجعلها في أواخر صور الكتاب القصار، وفي واقع الأمر، أن كتاب المسلمين يُسمى "قرآن" وهو مصدر كلمة إقرأ، والمصدر يدل على معنى الفعل،  أي أن جوهر الإسلام يتمركز في فحوى " إقرأ"، وبموجب ذلك سُمّيَ الكتاب قرآنا.

فكلمة قرآن بحد ذاتها تحث على القراءة، وإعمال العقل والتفكر والتدبر والتمعن بآيات الوجود بأسرها، مما يعني أن الإسلام دين يخاطب العقل أولا، وبدون إعمال العقل يكون الإيمان بالإسلام ناقصا، ووفقا لمعطيات التفاعل العقلي يتأكد السلوك الواعي المنضبط الذي تترتب عليه نتائج متوافقة وطبيعته.

فالإسلام بأصل جوهره دين إقرأ، وعلى المسلم أن يقرأ لكي يكون عارفا بدينه، ومؤمنا بآيات كتابه الذي يريده أن يقرأ، فالقراءة فريضة أساسية من فرائض الدين، ولها الأسبقية والأولوية، وإلا لماذا كانت أول كلمة منزلة؟!!

فالذين لا يقرأون ولا يُقرِئون هم ألد أعداء الدين، وبسببهم تتراكم المآثم والخطايا وتتفاعل في بلاد المسلمين.

ومن المفروض وفقا للقرآن أن المسلمين يقرأون، لكي يتم إسلامهم ويتنور إيمانهم ويترسخ بالدين، وأي خلل في معادلة القراءة والإيمان ينجم عنها تداعيات خطيرة وتفاعلات مريرة، تساهم في ذهاب ريح المسلمين.

وعليه فأن من أولويات دعاة الدين التركيز على تعليم القراءة، والحث على أن يكون المسلم قارئا واعيا يستوعب ما يقرأه في القرآن، لا أن يمضي عمره في أمية وجهل ويدّعي أنه مسلم.

إن القراءة من أعمدة الإسلام الأساسية، وبدونها لا يمكن للمسلم أن يتبجح بإسلامه وهو لا يفقه آية من آيات القرآن، وتبدو لغة القرآن عليه غريبة ولا يمت بصلة إليها.

ولكي تخرج الأمة من محنتها المتوارثة عليها أن تتخذ سبيل القراءة منهجا للحياة والرقاء والنماء.

فهل لنا أن نقرأ لنكون؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

 

هيثم نافل واليالحكمة إن زادت نقصت، وإن طالت قصرت

العزلة بداية الحكمة

الفن يجعل المرء أكثر إنسانية

لا تغسل الروح إلا دموع الصمت ووحدة التأمل

الموسيقى لها القدرة على طرد رياء الإنسان

غالباً ما يكون الكاتب أفضل من كتبه ومؤلفاته

كلما اقتربت النشوة من الوجد كلما اقتربت من حقيقتها الصادقة

غالباً ما يكون الفقير الذكي أرهف حساً من الغني الذكي

كلما ابتعد الفن عن محور المنشأ كلما اقترب من فيض العالمية

الثقافة لا تعني سوى ذوق وإحساس

الفنان محامٍ الوجدان

من يرغب بأن يسمع العالم صوته لابد من سقي الحقيقة بالعذاب

لا نحتاج اليوم إلى مرسل قادم من الله، بل إلى إنسان نابع من رحم الأرض

الشهادة التي لم يحصل عليها تولستوي حققها الحسين

يحق لنا الوصف ولا يجيز لنا التخمين

الإنسان لم يكن يوماً طيباً، بل يحاول أن يكون كذلك

الخلود هو حياة الإنسان المبدع على الأرض

الموت هو العمر الذي يكبر مع الإنسان منذ ولادته

الحياة تجربة قصيرة مجهولة المعالم

الإنسان مجموعة أفكار بعثرها الله فيه

الوطن خدعة من أجل تثبيت سلطة الحاكم

الأرض كالبحر؛ صامتان، لا يفكران بالأخذ كما العطاء

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

يسري عبد الغنيالمسرح فن جديد شاع في العصر الحديث بعد النهضة الأدبيّة التي أتت بعد الحملة الفرنسيّة علی مصر لأنّ العرب بعد هذه الحملة تعرّفوا علی الغرب واطلّعوا علی المدنية ثم بدوؤا بإنشاءِ المطابع فظهرت علی إثره الصّحف ثم تاسسّت الجمعيات وبنيت المدارس والمكتبات وظهرت الفنون المختلفة ومنها المسرح.

«المسرح من فنون القول وإن اشترك فيه مع الكلمة والحركة والتعبير بالصوت وملامح الوجه إلی جانب الإطار وهو البناء المسرحي ذو الجدران الثّلاثة بما يشمل من مناظر وديكور وستارة وإضاءة وما إلی ذلك.»

كتب عبد الرّحمن الشّرقاوي مسرحياته لمعالجة القضايا المعاصرة وبدأ بمسرح، "مأساة جميلة"، عام، ثمّ "الفتی مهران"، عام 1966م، ثمّ "الحسين ثائراً والحسين شهيداً" عام 1969م، ثمّ "وطني عكا" عام 1970م، ثمّ "النسر الأحمر" عام 1976م، وأخيراً "عرابي زعيم الفلاحين", عام 1985م.

«كتب الشّرقاوي مسرحياته الشعرية في تجربة رائدة لتطويع شعر التفعيلية كأداة التعبير، ولمعالجة القضايا المعاصرة، في وقت كان هذا الشعر الجديد ذاته، ما يزال يجاهد أمام تقاليد عريقه لموسيقی الشعر العمودي ولم تكن أقدامه قد رسخت بعد ولمحاولة توظيف شعر جديد، يخالف الشعر العمودي القديم.. وواضح من عناوين مسرحياته مثل "مأساة جميلة" أنّه أراد أن يقّدم الماساة التي تبرز الصراع بين الفرد و القوی التي تريد السيطرة عليه وقهره.»

«تعتبر الشخصات إحدی العناصر الأساسيّة في تركيب بنية المسرحيّة والشّرقاوي في مسرحيّاته اعتمد علی الشخصّيات التاريخّيه المعروفة وهذا العمل يحتاج إلی مسرحي متمكن يعرف الحوادث التاريخيّة يخلق أثراً فيناً جميلاً والشخصيات هي وسيلة المؤلف المسرحي الأولی لكي يترجم فكرة القصّة، إلی حركة وصراع لكي تكتمل الشخصية لابّد أن تعتبر عن إنسان متعدد الأبعاد، له حياته الخارجية الظاهرة التي نراها تتحرك علی المسرح.»

و«في مسرحتيه "الفتی مهران" نري أنّه نشأ في القرية، بين الفلاحين الطيبين الفقراءِ ورأی حوله رفاهية المترفين المهفهفين، كما رأی منذ طفولته القصور والخرائب... ». «والبطل في مسرحتيه "النّسر الأحمر" هو "صلاح الدين الأيوبي"، منحها الشّرقاوي بطولة مسرحيته، واختار الشّرقاوي شعار النّسر الأحمر ليكون رمزاً لبطله "صلاح الدين" فالنسّر رمز القّوة والانقضاض والنُبل...»

«فَإِذا سَكتُم بعدَ ذاكَ علَی الْحَديقةِ

وارْتضی الْإنسانُ ذَلّةَ

فأَنا سأَذبحُ مِنْ جَديدٍ

وأظّلُ اُقتل مِن جَديدٍ..

وأظّلُ اُقتلُ كُلَ يَومٍ أَلفَ قتلةٍ

سَأَظلُّ اُقتلُ كلَّما سَكت الْغيّورُ

وكلُّمّا أَقفی الْصبور..

سَأَظّلُ اُقتلُ كُلَّما رُغمت أُنوفٌ في المْذلّةِ». و«الحسين نموذج للتأثر الذي استشبع الظلم، فقادمه بكل ما اُوتي من فضائل، دون الاستعانة بأسلحة أعدائه الذين قتلوه باسم الإسلام...وقد صور الشّرقاوي "الحسين" شهيداً، منذ البداية، فقد امتلك نقاء الروح، وصدق القول...».

 

بقلم: د.يسري عبد الغني