احمد ختاويرغيف الله ومسغبة الحرف والايمان

لعل هذه الصورة التي جمعتنا بفندق الحراكته المتواضع بعين البيضاء، ولاية أم البواقي /، ذات ملتقى مغاربي للقصة القصيرة جدا رفقة الاديبين، الناقد محمد محق، والاديبة، الشاعرة والقاصة مليكة الماوردي من المغرب الشقيق، رفقة المرحوم، الورع طبعا، الاديب ميلس بوحفض، حول عشاء بسيط بساطة هذا المجمع، أقتسمنا خلاله رغيف البساطة والمحبة والإخاء وناقدنا الكبير محمد محقق يقضم بهذا التواضع " كسرة الله " كانت هذه الكسرة، وهذا الرغيف عنوان ومركزية التواصل في تلك الاثناء، وصديقنا المرحوم، الاديب ميلس بوحفض، يمطرنا " رغيفا من المحبة و التواضع، يقضم معنا ما كتب الله من " قوت " في أجواء أخوية .

لم يقضم المرحوم رحمة الله خزائن الناس، ولا صناديق " النيمية ولا الغيبة، كان يقضم معنا " رغيف الله " وها هو اليوم يرحل عنا، مشفوعا يهذا " الرغيف الرباني " وقد اصطفاه الله أن يكون بجواره في ليلة يوم أغر، ومن أعز أيام الله " الوقوف بعرفات " .

بجاه " هذا " الرغيف الرباني " نرفع أكف الضراعة الى الذي اصطفاه إلى جواره، الرؤوف، الرحيم، أن يعوضه هذا " العشاء المتواضع بما تشتهيه نفسه والأنفس بجنة الخلد، يا أكرم الاكرمين .

أكرمنا الله نحن الثلاثة وغيرنا بهذا الشهم الذي كان " صاحبنا " على منوال الاخيار، والصحبة مع الاخيار، هذه إلا جزء من " صحبة " إن شاء الله في جنة الخلد، أجمين لنا ولكم،

فلندعو له بواسع الرحمة والغفران، و اللهم " ارزقنا من بساطة " الرغيف والصحبة في الدنيا والاخرة، وأحسن وفادته ووفادتنا، لنتقاسم هذه " الصحبة الميمونة " المتواضعة مع أعز أنسان رحل عنا ومآقينا لم تجف من دمعها بعد، وإن كان قضاء الله وقدره، لكن للمشاعر دمع وتأثر آخر .

رحمة الله عليه، ولي أوبة إلى خصال وفضائل هذا الشهم الابي : الاديب المرحوم ميسلس بوحفص في ورقة لاحقة بإذن الله.

 

كتب : أحمد ختاوي

 

 

بكر السباتينما يميز نجيب محفوظ أنه ابن البيئة المصرية التي عبر عنها من خلال مشروعه الروائي الضخم متنقلاً في تعاطيه للمجتمع المصري ما بين الرواية الرمزية والواقعية والاجتماعية والتاريخية، ساعده في ذلك قدرة مجسّاته الفنية على سبر أغوار المجتمع وتشريحه ومن ثم إعادة تجميعه وفق رؤية فلسفية محفوظية يمكن إسقاطها على المشهد المصري في كل زمان ومكان فتتبدى لنا الحارة بكل عناصرها كأنها لا تتجدد إلا في حاضنتها التاريخية المتراكمة زمانياً بينما تحافظ البيئة على شكلها ونبضها وظروفها المتردية حيث السلطة التي تحاصر الروح المصرية وتمنعها من التحليق، فينشغل الناس ببعضهم، وتجأر أصواتهم عالياً بملء ما في أعماقهم من أسقام، وهم يكابدون مشقة الحياة في الدكاكين والمقاهي والجمعيات التموينية والمقاهي والخمارات والمواخير والدوائر الحكومية ومحطات الباصات ومراكز الشرطة.. ينفسون عن الكبت الرابض في أعماقهم من خلال الضجيج الذي عبر عنه محفوظ بواقعية صادمة حتى لا يجني القهر رؤوسهم المسلوبة الحجا، التي تونع كلما يغشاها الوعي فيحين قطافها وتنهزم أمام الأضاليل.. فضلاً عن تكرار المشهد السياسي المصري ومخرجاته من فقر وتشرذم وقهر وثورات تقمع وحكم عسكري يستحوذ على الإنسان المصري وإعلام هجين.. وتعتبر رواية "بداية ونهاية " لنجيب محفوظ من أهم أعماله الواقعية.

لقد تجلت واقعية أدب نجيب محفوظ بأدق سماتها في رواية" بداية ونهاية".. فالراوي العالم كان يتمتع بأسلوبه السردي الذي تعامل مع الجملة الخبرية متضمنة في سياقها تيار الشعور المتدفق، في رصد التوترات النفسية، والحوارات الجوّانية، مع تقديم الوصف الوافي للأمكنة، في إطار زمن تراكمي حُجِّمَتْ في سياقه الذاكرة البعيدة المتشرذمة.

أما الوصف فقد كان سمة بارزة في أسلوب كتابة هذه الرواية، سواء كان وصفاً بيئياً للشخوص والأمكنة، أو تحليلياً للأعماق البشرية في سياق مواجهة الشخوص للأزمات الداخلية والخارجية.

والبوح الذاتي مفتوحاً على المتلقي ضمن الجمل الخبرية في السرد، بينما كان منغلقاً في كثير من الأحيان بداخل الشخوص؛ ما جعل الأزمات أثناء حل العقدة التي جاءت في ذروة الحدث، تعتمل داخل الشخوص، فتتحول إلى دوافع باتجاه الموت انتحاراً. وكأن الكاتب يتنبأ للمجتمع بذات النهاية؛ إزاء الظروف التي كانت تعانيها الطبقة المتوسطة في مصر آنذاك، والتي هبطت بها الظروف إلى الطبقة الفقيرة الكادحة. وكأنه إعلان يحرض على رفض هذه النهاية بالمواجهة الفاعلة والتغيير.

لقد عالجت الرواية الفترة الزمنية ما بين عام 1935 م حتى 1939 م من تاريخ مصر. وحاول نجيب محفوظ أن يصور حياة الطبقات الثلاث في القاهرة وصراعاتها عن طريق رسم حياة أسرة فقيرة في هذه الرواية. فالكاتب يصور تطلعات کلٍّ من الطبقة الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية من خلال صراع ملحمي في مجتمع تشاركي يقوم على البقاء للأقوى وقد تفشت في الطبقة التي تنتمي إليها هذه الأسرة عدة ظواهر موضوعية مثل: الفقر، الظلم، الدعارة، الأمية، العمل الشاق، ورفض الواقع المتأزم أو قبوله كأمر محتوم. وهذا التصوير في الواقع يعبر عن نقد الكاتب للمجتمع المصري آنذاك.

* ملخص رواية “نهاية وبداية”

الخط الدرامي في الرواية يقوم على صراع أسرة "کامل علي" مع الفقر بعد موت عائلها مخلفاً وراءه زوجته وابنته الشابة(نفيسة) وولدين في سن الدراسة (حسين وحسنين) وولد ثالث (حسن)عاطل عن العمل بعد فشله في التعليم. وترك للأسرة معاشاً محدوداً لا يتجاوز خمسة جنيهات مصرية في الشهر.

وتدور أحداث الرواية حول کفاح الأم وأبنائها في سبيل الحياة في وقت لا تتعدى فيه ميزانية الأسرة کلها شهرياً مبلغ الجنيهات الخمسة هذه. وفي غيبة التأمينات الاجتماعية وبسبب انتشار الفساد والاستغلال تتعقد الأمور أمام هذه الأسرة ويعاني أفرادها الکثير تحت وطأة الحرمان وأوضاع المجتمع القاسية.

وينتهي حسن الابن الأكبر إلى الحياة في حي الرذيلة تاجر للمخدرات والنساء، أما حسين الأوسط فيقبل العمل بشهادته المتوسطة، حتى يتيح الفرصة لأخيه حسنين ليكمل دراسته ويلتحق بالكلية الحربية. أما الابنة نفيسة فاقدة الجمال فيطردها سليمان البقال من حياته بعد أن زلت معه ثم تستمرئ السير في طريق الرذيلة دون أن يعرف أحد، وتساعد أخاها حسنين وأمها بالمبالغ القليلة التي تحصل عليها.

يتخرج حسنين ضابطا. فيتنكر لأسرته وخطيبته ووسطه الاجتماعي ويتطلع إلى الارتباط بالطبقة الثرية، عن طريق الزواج منها.

يعود حسن جريحا مطاردا من البوليس إلى أسرته، ويستدعى حسنين في نفس الوقت إلى قسم البوليس ليجد أخته متهمة بالدعارة. يدفع حسنين أخته للانتحار غرقا تخلصا من الفضيحة، ويتذكر حياته ويجد عالمه ينهار فيلقى بنفسه في النيل وراءها.

لقد حلل نجيب محفوظ المجتمع المصري بموضوعية تلقائية غير زائفة أو متكلفة.. من خلال صراع الطبقة المتوسطة مع الطبقات الأخرى.. راصداً بمجساته الفنية الصراع من خلال مقاومة أسرة (كامل علي) السقوط في طبقة الفقراء.. والتطلع نحو الطبقة الغنية.. موضحاً تداعيات الأزمة المتفاقمة التي تعتمل في كل شخصية حسب طبيعتها لرصد ردود الأفعال المتشابكة في سياق الحدث الرئيس، خلال زمن تراكمي؛ كي تصل التوترات التي ألمت بالشخصيات إلى ذروة الحدث بما فيه من تشنجات رافقت بعض الشخصيات المتقاطعة والمتنافرة، وصولاً إلى فاجعة النهاية وطرح الأسئلة الكبرى عن مصير الطبقة المعنية برمتها.

وكدأبه فقد حقق أدب نجيب محفوظ اندماجاً غير مسبوق في نسيج وطنه الاجتماعي والثقافي، وأصبح الإنسان المصري يدرك تاريخه في القرن العشرين من خلال عدسة نجيب محفوظ الثاقبة المنقبة، الجريئة المحايدة، بعيداً عن مدوني التاريخ الرسمي ومؤرخي الملوك، وباتت شخصياته الخالدة نماذج يحتذى بها أو يتعين تجنب سلوكها، ورصدت أعماله التي غطت مساحة عريضة من الوجدان العام محنة الإنسان وعظمته في كل مكان ما استحق جائزة نوبل عن مجمل أعماله الروائية.

وختاماً فإن رواية "بداية ونهاية" تعد تحفة فنية من روائع الأدب العالمي و هى تنذر العقلاء بأن الثورة الجامحة آتيه لا ريب لو لم تتحسن أوضاع المجتمع، وربما كانت نبوءة محفوظية بانهيار النظام الملكي بمصر وقيام ثورة 23 يوليو لأنه كان من المستحيل أن يستمر مجتمعا بهذه الآفات الاجتماعية الخطيرة و السوس ينخر في عظامه بكل هذه الشراسة

وهي أيضاً واقعية صادمة وأسئلة متشائمة تنبأ من خلالها نجيب محفوظ بالربيع العربي حينما خرجت الإجابات من معاقلها لتنفجر في وجه الطغيان.. فنجيب محفوظ روائي لكل الأجيال ورواياته لا تشيخ في وجه الزمن الذي مهما ابتعد بالحياة المصرية فلن يخرج من إطار التوقعات المحفوظية لكاتب يُعد ابن بيئته المصرية بكل أبعادها.

10 أغسطس 2019

***

بقلم بكر السباتين..

 

 

مادونا عسكرعقد الخلائقُ في الإله عقائدا *** وأنا اعتقدتُ جميع ما اعتقدوه

(محيي الدّين ابن عربي)

في هذا القول لابن عربي يتجلّى جوهر العلاقة مع الله وترتسم ملامح الإنسانيّة الرّفيعة الّتي بلغت رتبة الإيمان الكامل. فالإيمان تدرّج اختباريّ وانتقال من الفكر الدّينيّ إلى الفكر الإيمانيّ. أي من الفكر المنغلق في دين محدّد إلى الفكر الّذي يحاكي العلاقة مع الله أو بمعنى أصح لا يعد الإنسان يرى إلّا الله، الله فقط. وتتّسع هذه الرّؤية كلّما ضاق الفكر التديّنيّ، لأنّ هذه الحالة هي حالة ارتقاء فوق الحرف، والنّصّ، والتّصوّر. إنّها المرحلة الّتي يكتمل فيها الوعي الإيمانيّ فيعي جوهر الدّين وقوّة الإيمان. فيرى الجمال الإلهيّ في كلّ ذرّة من هذا الكون ويراه فيه بالدّرجة الأولى. والانتقال من الفكر التّديّنيّ إلى الفكر الإيمانيّ لا يعني بالضّرورة التّخلّي عن الدّين أو الخروج عنه، وإنّما هو تخطٍّ للنّمط الدّينيّ وميكانيسم التّفكير الدّينيّ الّذي يرى الإنسان في إطار ضيّق ومحدود ولا يتطلّع إلى البعد الإلهيّ في الإنسان. إنّها الحالة المتجرّدة المتماهية مع النّفخة الإلهيّة في الإنسان، وارتقاء فوق مادّيّة الدّين وعنصريّة الفكر الدّينيّ وتشدّده في ادّعاء امتلاك الحقيقة.

كما أنّ هذه المرحلة الإيمانيّة الّتي بلغت ما بلغته من الوعيّ والإدراك وانفتاح على النّور الإلهيّ والمحبّة الإلهيّة تتخطّى مفهوم التّسامح أو ادّعائه بين المتديّنين. فالقول بالتّسامح بين الأديان فيه شيء من التّعالي، وربّما التّكبر وكأنّي بالمتديّن يحسن إلى المختلف معه عقائديّاً أو يمنّ عليه بالتّسامح. الوعي الإيمانيّ والوعي والإحساس اليقين بالحضور الإلهيّ وغمر الحبّ المتدفّق في الأعماق الإنسانيّة وفي الكون وفي الوجود يحيي في الإنسان إنسانيّته المتفاعلة مع الخليقة كلّها.

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

                     إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ

                       فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ

                    وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توههتْ

                    ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني

(محيي الدين بن عربي، ترجمان الأشواق)

تتّضح لقارئ هذه الأبيات عمق الفكر الإيمانيّ، كما يتبيّن الانتقال من الفكر المنغمس بقشور الدّين إلى الفكر الإيمانيّ المنغمس بالعشق. ولئن انغمس بالعشق اتّسعت دائرة الإيمان وتفتّح العمق الإنسانيّ المشار إليه بالقلب (لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ). فالقبول القلبيّ دلالة على انصهار القلب الإنسانيّ بالقلب الإلهيّ ودلالة على عقل تمنطق بالفكر الإلهيّ. ويمسي الحبّ هو الدّين والإيمان، ما يعني التئام الدّين بالإيمان. وذاك هو الجوهر الحقيقيّ للدّين. هذه الحالة الإيمانيّة السّامية تجرّد الإنسان من الشّعور بالحبّ أو الكره، من قرار القبول أو الرّفض للآخر. إنّها حالة الحبّ وحسب؛ وكأنّي بالعمق الإنسانيّ يصبح شبيهاً بمياه البحار، لا ثغرات فيها بل نسيج واحد. ولا تناقضات عاطفيّة بل إرادة عشقيّة، ولا صراعات داخليّة باحثة عن الحقيقة بل تجلّ إلهيّ يتوهّج في الفكر الإنسانيّ، ولا صلوات لله الفكرة، بل مناجاة لله الشّخص. ولا حاجة بعد للبحث عن حقيقة وهي النّور المتدفّق بتجدّد لا نهائيّ والفيض الّذي لا ينقطع واليقين الّذي ينمّي الإحساس بالله. الإيمان الكامل هو لحظة الإحساس بالحضور الإلهيّ، ويقول فيه القدّيس يوحنّا في رسالته الأولى: "ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه." الإيمان الكامل هو الثّبات في الحبّ الإلهيّ، حيث تجتمع المعرفة باليقين (عرفنا وصدّقنا) فيتجاوز الإنسان التّسميات والدّلالات اللّفظيّة والمعاني الظّاهريّة واللّغة الجامدة. فالمحبوب هو في الحقيقة الحبّ عينه بغضّ النّظر عن كلّ التّسميات لهذا الكائن الأعلى المتسامي الّذي ستهيم به الأنظار يوماً عندما تسقط جميع الأديان، فينجذب النّظر إليه وحده، الـ "هو الّذي هو".

"ألا فتّشوا مذاهبكم بإخلاص، فتِّشوها بلهفة العاشق، فتّشوها بطهارة الطّفل، وحرقة التّائه، وإيمان المحتضر، تجدوا فيها السّلامَ الّذي إليه تطمحون، والطّمأنينةَ الّتي بها تحلمون، والحريةَ الّتي باسمها تترنَّمون. (ميخائيل نعيمة)

مادونا عسكر

 

ضياء نافعتورغينيف كان المسؤول الاول لتدشين تمثال بوشكين في موسكو العام 1880، التمثال الذي لازال يعدّ النصب الاول لبوشكين في روسيا لحد الان، ولازال يقف شامخا في ساحة بوشكين في مركز موسكو (انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في موسكو) . لقد ألقى تورغينيف خطابا حول بوشكين اثناء الاحتفال بتدشين ذلك التمثال لا يقل اهمية في تاريخ الادب الروسي عن خطاب دستويفسكي في تلك المناسبة (انظر مقالتنا بعنوان – خطاب دستويفسكي عن بوشكين)، ولازالت المصادر الروسية عن بوشكين تستشهد ببعض المقاطع من هذا الخطاب التاريخي لتورغينيف .

 يرى بعض الباحثين، ان عمل تورغينيف ونشاطه الكبير في تنظيم تمثال بوشكين يعدّ رمزا فريدا في تاريخ الادب الروسي، اذ ان تورغينيف توفي عام 1883، اي ان تمثال بوشكين هو آخر عمل كبير قام به، والرمزية في ذلك تكمن، في انه اختتم حياته بعمل يرتبط باسم بوشكين وتخليده بهذه الصورة. والحديث عن رمزية تخليد بوشكين من قبل تورغينيف يرتبط بقصة طريفة جدا (لا يعرفها القارئ العربي على ما نظن ولم يسمع بها بتاتا)، وتدور حول خاتم كان بيد بوشكين عندما توفى، وقد نزعه من يده في تلك اللحظة الشاعر الروسي جوكوفسكي (الذي كان يقف مع مجموعة من أقرب اصدقاء بوشكين حوله وهو يموت) ووضعه في اصبعه، وبقي هذا الخاتم في اصبع جوكوفسكي الى لحظة وفاته، وبعد وفاة جوكوفسكي قرر ابنه ان يهديه الى تورغينيف (لا نعرف لماذا، ولكن على الاغلب ان ذلك كان بتوصية من أبيه، وذلك لان تورغينيف كان آنذاك واحدا من الادباء الروس الكبار)، وقد وضع تورغينيف خاتم بوشكين في اصبعه عندما استلمه من ابن جوكوفسكي، وبعدئذ، اوصى تورغينيف ان يمنحوه بعد وفاته الى تولستوي (.. باعتباره أعلى من يمثّل الادب الروسي .. وليقرر تولستوي نفسه لمن يمنحه عندما تحلّ نهايته ...) . عندما توفي تورغينيف في فرنسا، قدّمت بولينا فياردو (حبيبته الفرنسية، والمشهورة قصة حبهما الغريبة!) الخاتم المذكور الى المتحف التابع لمدرسة (الليتسيه)، التي درس فيها بوشكين، وقد تم – مع الاسف الشديد - سرقة الخاتم المذكور عام 1917، عندما حدثت ثورة اكتوبر. وهكذا ضاع خاتم بوشكين، ولم تتحقق وصية تورغينف بشأن ذلك الخاتم . لهذا نعود ونقول، ان تمثال بوشكين (الذي كان تورغينيف على رأس لجنة تنظيمه) هو الشاهد الوحيد الآن، الذي لازال قائما على الارض الروسيّة ويؤكد على حب تورغينيف لبوشكين وارتباطه الروحي والفكري به .

قصة الدور الكبير الذي لعبه تورغينيف باقامة تمثال بوشكين في موسكو، وقصة الخاتم الذي كان في يد بوشكين ثم انتقل الى يد تورغينيف، هي في الواقع احداث (خارجية) ان صح التعبير، وبالتالي، فانها لا تمتلك ارتباطا بصلب الموضوع الاساسي حول تورغينيف وبوشكين، اذ ان جوهر الموضوع يكمن بالطبع في الحديث عن جوانب انعكاس ابداع بوشكين في مسيرة ابداع تورغينيف، والجواب عن سؤال كبير وهو - هل توجد ملامح بوشكينية او (أنفاس بوشكين!) في نتاجات تورغينيف، وهل يمكن القول ان تورغينيف هو استمرار لخط بوشكين الابداعي في مسيرة الادب الروسي؟ وكيف يمكن اثبات ذلك ؟ وتلك هي القضية كما يقولون . يتذكر الباحثون الروس قول غانجيروف عن بوشكين عندما يتناولون موضوع تورغينيف وبوشكين، اذ قال غانجيروف – (.. ان بوشكين هو الأب بالنسبة للفن الروسي، مثل لامانوسوف، الذي هو الأب بالنسبة للعلم في روسيا ...)، ويتذكرون ما كتبه تورغينيف الى ابنة بوشكين،عندما اختارته لاعداد رسائل والدها الى والدتها، اذ وافق تورغينيف على تنفيذ تلك المهمة بكل سرور وفخر، وكتب اليها يقول، انه يعتبر نفسه (...منذ نعومة أظفاره تلميذا عند والدها.. وانه لازال يعتبر نفسه هكذا لحد الان ...) .

تناول النقد الادبي الروسي منذ القرن التاسع عشر موضوعة تورغينيف وبوشكين، وكتب حتى بيلينسكي (الذي توفي العام 1848) حول نتاجات تورغينيف المبكرة جدا قائلا - (... يجد الكثيرون فيها.. محاكاة بوشكين ...)، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان الباحثة الروسية المعاصرة دوبينينا قد ناقشت اطروحة دكتوراه فلسفة العام 2011 في جامعة موسكو التربوية بعنوان – (التقاليد البوشكينية في ابداع تورغينيف 1840 – بداية 1850)، وما بين بيلينسكي في النصف الاول من القرن التاسع عشر الى دوبينينا في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين توجد عشرات من الكتب والدراسات والبحوث والمقالات والملاحظات، التي تتناول موضوعة تورغينيف وبوشكين، ونختتم مقالتنا بجملة (كنموذج لذلك) وردت في خطاب دستويفسكي التاريخي عن بوشكين، عندما قال عن تتيانا لارينا (بطلة رواية بوشكين الشعرية يفغيني اونيغين)، انها رمز لشخصية المرأة الروسية لم يتكرر بعد بوشكين في مسيرة الادب الروسي عدا ليزا في رواية عش النبلاء لتورغينيف ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

إنَّ الزمنَ لَيْخطُو، وبخطوِه يُعْدي على الأشياء عَدْواً قاسياً يُطْمِسُها خَلا تِلْكَ الأفَكار الأصيلة والمآثِر الرفيعة الرابية على تاريخِ الأُمم وأمجادِ الأقوامِ، تُقاوِمُ الأممُ ذات الصدى الحضاري عُتُوَ النسيان، وتدرأ عن مفاخِرها صليلَ الذوبان. وزعمُنا أيَّها القارئ الكريم أنَّ أسطورةَ المستقبل المُشْرقِ قد استطابت نَفحَ الماضي السحيق، ووَصلَتْهُ بالحاضِرِ كَيْما تَتَقهقر الحضارة أمام سيلانِ الزَّمن. وليس مِن ضَعفٍ بِنا إذا اعترفنا نحن أهل الرافدينِ بمعاونةِ سلطةِ الزمن على إمِّحاء شريعةِ الطِّين والحَجَر حيث بابِل، وعلى عَرْشِها تربّع المَلِكُ حَمُورَابِي سنة 1794 ق. م _ ويعني اسمُه: إله الشَّمسِ العظيم _ حاكِماً قوياً ضمَّ الدويلات المجاورةَ التي تنازِعُه على مملكتِهِ، وذا عَزْمٍ على توحيدِ أَشْتات الناسِ وقُوّادِها حتى جعلَ الآموريين _ بلاد الشام _ وسُومَر وأَكَد، بَل جهات العالم الأربع متحدة تحت رايتِهِ ؛ وَحَكَيماً ساسَ مملكتَهُ بِوَضْعِ تشريعات إدارية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية تهذيبية، وعَسكرية تنظيمية بَلَغَت مئتين واثنتين وثمانين شَريعةً ، وَنُقِشَتْ على حجِرِ ذي تَشَكُّلٍ مستطيلٍ، فَسُمِيّت مِسَلَّة حَمورابي. كانت قَد دُوِّنت باللغةِ البابليةِ القديمةِ، وبأسلوبٍ شعري معهودٍ يومئذٍ لدى الناسِ. ابتغى بها واضِعُها توثيقَ تجربته الفريدة في حُكمِهِ، وتحرّي المَنْطِق في عَمَلِهِ، فألَّفَها من مُقَدِّمَةٍ شارحةٍ أسباب تشريعه هذه الأحكامِ، ومن مُتونٍ تحوي المواد التشريعية الشاملة لكلِّ ما يلزمُ الفرد ومجتمعه في حياتِهِ، ومِن خُلاصَةٍ رَجا بها حمورابي أن تعاقِبَ الآلهةُ كلَّ ذي نفسٍ تأبى الامتثال لأحكامِهِ. وكأنِّي بذلكَ العاهلِ العظيم يرجو أحفادَهَ الذينَ يتنشَّقونَ نسيمَ آفاقِهِ، ويفترشونَ أديمَ مَهدِهِ؛ أَن يَقْسِطوا عدلاً في رَعِيتِهِ بدلاً من التغنّي بمجدِ شريعتِهِ، ويخشوا عاراً بين التواريخ على سُلالتِهِ إذا كانَوا خُلَفَاء سُرّاقاً على دولتِهِ، ويوتروا الساعدَ الدَّنِفِ بمُدُاهِمُ نَفْسِها، حتَّى يَحقَّ لهم القولُ: إنَّنا أبناءُ أولِّ وُضّاعِ القوانين في العالم، إنَّنا أبناءُ حَمُورابي. وهل تُنْكِرُ _ أيها القارئ الآخر الكريم _ قِصةَ بنائنا الحضارة الزاخِرة بالآداب والعلومِ في غابِرٍ مؤتلقٍ وَلَّى، وَقِصةَ هدمِنا إياها في حاضِرٍ مُظلمٍ متصلٍ بِعقمِ الإشراقِ في مستقبلِنا؟!

 

سَحَر شُبّر

 

ضياء نافعتشيخوف في النقد الادبي الروسي قبل ثورة اكتوبر 1917 -  مصطلح سوفيتي بحت كان سائدا في ستينيات القرن العشرين، عندما كنت طالبا آنذاك في القسم الروسي لكلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو . وكانت هناك خلاصة عامة مستقرّة حول هذا المصطلح تقول، ان كل هؤلاء النقاد قبل الثورة لم يفهموا بشكل صحيح ومتكامل خصائص الاديب الكبير تشيخوف وابداعه، وان هذا الفهم العلمي والحقيقي لنتاجاته على اسس فكرية ماركسية حدث فقط بعد ثورة اكتوبر1917. لم نسمع باسماء النقاد والباحثين هؤلاء، و لم نطلع على كتاباتهم حول تشيخوف، وانما كنّا، نحن الطلبة، نكرر ما يقول الاساتذة لنا حول ذلك ليس الا .

اثناء الدراسات العليا في جامعة باريس شعرت بضرورة الاطلاع على هذا النقد الادبي بشكل موضوعي معمق، اذ ان التحدث عن  ذلك الرأي السوفيتي حول النقد الادبي عن تشيخوف في مرحلة باكملها دون الاطلاع المتكامل عليه هو موقف غير علمي بتاتا، ولكني اصطدمت بعدم وجود المصادر الاساسية له في المكتبات الفرنسية، اذ ان معظم هؤلاء النقاد كانوا ينشرون كتاباتهم في مجلات روسية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي محفوظة في المكتبات الروسية فقط بالاساس . وهكذا كنت انتظر العطلة الصيفية، واسافر الى موسكو (من اواسط حزيران الى اواسط ايلول) للاطلاع على تلك المصادر في مكتبة لينين بالاساس، وبعد الاطلاع على تلك المصادر اصبح لديّ – بشكل عام ليس الا - تصوّر متكامل على معالم ذلك النقد  الغني فعلا بافكار متنوعة عن تشيخوف، وأذكر من بينها دراسة ليف شيستوف المشهورة بعنوان – (ابداع من لاشئ) (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف والفيلسوف شيستوف) .

 اصطدمت خططي العلمية هذه بصعوبة الحصول على سمة الدخول (الفيزا) الى الاتحاد السوفيتي وانا طالب الدراسات العليا في باريس، وكذلك السكن في موسكو نفسها، اذ كان كل ذلك يخضع لروتين سوفيتي محدد حسب قوانين صارمة جدا، وقد قررت (حلّا لكل هذه الصعوبات) ان احاول الالتحاق بقسم الدراسات العليا بجامعة موسكو (عن بعد)، او ما يسمى في العراق (الدراسة بالمراسلة) . وهكذا ارسلت وثائقي من باريس بالبريد المسجّل الى جامعة موسكو، ومضت فترة ليست بالقصيرة (كدت انسى الموضوع برمته)، وفجأة استلمت رسالة بالبريد المسجّل ايضا من جامعة موسكو يعلمونني فيها بالموافقة على قبولي بالدراسة العليا عن بعد، وكان هذا يعني بالنسبة لي الحصول على الفيزا السوفيتية والسكن الرسمي في القسم الداخلي بجامعة موسكو طوال أشهر الصيف، وهذا ما تمّ فعلا . طلبت مني الجامعة ان احدد موضوع الاطروحة وموافقة المشرف العلمي كخطوة اولى لهذه الدراسة، وحددت لي موعدا مع البروفيسور كوليشوف رئيس قسم (تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر) من اجل ذلك. قابلت البروفيسور كوليشوف طبعا، وقال لي انه يتذكرني بالشكل ولكن لا يعرف اسمي، وحدثني عن انطباعاته الجيدة حول جميل نصيف التكريتي وجليل كمال الدين، ثم سألني عن الكاتب الروسي الذي اود كتابة اطروحتي عنه، فقلت له – تشيخوف، فقال لي رأسا – (لا تقترح تشيخوف في العراق، فانا لا اوافق بتاتا على مثل هذه المواضيع، ليس لانها غير علمية، ولكن مكانها ليس هنا في قسمنا، اذ ان المشرف العلمي يجب ان يعرف اللغة العربية ايضا، وهذا اختصاص آخر لا يتوفر في قسمنا)، فقلت له، انني اقترح موضوعا آخر وهو – (تشيخوف في النقد الادبي الروسي ما قبل الثورة). اندهش البروفيسور كوليشوف بشكل واضح جدا وسألني اذا كنت اعرف ولو اوليات هذا الموضوع، فحكيت له قصتي، وانني اكتب اطروحة في جامعة باريس وكيف بدأت بالاطلاع على الموضوع، فطلب منّي ان احدثه بتفصيل اكثر عن ذلك، وبعد ان استمع بانتباه الى كلامي، قال لي رأسا، انه موافق على ذلك، ولكن هذا الموضوع (الحسّاس!) يتطلب موافقة مجلس القسم، ودعاني لحضور جلسة المجلس، وقد حضرت طبعا وشاهدت النقاش الحاد حول موضوع الاطروحة تلك، وكيف دافع كوليشوف بحرارة عن تلك الفكرة ضد هؤلاء الذين عارضوها وهو يقول – آن الاوان ان ندرس هذا النقد عن تشيخوف بتفصيل وموضوعية، وقد تمّت الموافقة على الموضوع بصعوبة وبعد التصويت .

رجعت في السنة التالية الى جامعة موسكو واضطررت ان اؤدي امتحانين، الاول في اللغة الروسية المعاصرة والثاني في تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر، والتقيت عدة مرات بالمشرف العلمي وهو البروفيسور ألباتوف، ولكني عدت الى العراق بعد انهاء دراستي في باريس، وكتبت لجامعة موسكو اعتذارا حول عدم امكانية اكمال الدراسة نتيجة لظروف عملي في العراق، وقد أخبرتني السيدة ناديجدا اوكتابرسكايا مسؤولة الاجانب في الكلية بعد عدة سنوات اثناء لقاء معها، انهم تأسفوا لعدم اكمالي تلك الدراسة، خصوصا وانني قطعت مرحلة مهمة في مسيرة متطلباتها (هكذا قالت لي)، فاعتذرت مرة اخرى .

تشيخوف في النقد الادبي قبل الثورة يعدّ الان موضوعا طبيعيا في روسيا الاتحادية، وغالبا ما يستشهدون بافكار وملاحظات وردت في تلك المصادر، اما بالنسبة لي فهو موضوع اطروحة لم تتحقق ..

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنشرت صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الادبية الاسبوعية بتاريخ 17 – 23 تموز/ يوليو 2019 صورة كبيرة على صفحتها الاولى للكاتب الامريكي آرنست همنغواي تحت مانشيت بحروف كبيرة لمناسبة الذكرى 120 على ميلاده، وقد أطلقت عليه الصحيفة اسم – (القاهر)، وجاءت على الصفحات (1) و(8) و(9) من الصحيفة المذكورة آراء مجموعة كبيرة من الادباء الروس المعاصرين حول همنغواي في هذه الذكرى، وذلك جوابا على سؤال وجّهته هيئة تحرير الصحيفة لهم، وهو – (ماذا يعني آرنست همنغواي لك شخصيا، ولماذا ظهر هذا الاهتمام الكبير تجاهه في بلدنا؟). نقدم للقراء العرب ملخصا وجيزا جدا (رؤوس أقلام ليس الا) لبعض ما ورد في هذه الصفحات من آراء طريفة تعكس الدور الذي لعبه همنغواي في وعي الكاتب الروسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو دور متميّز فعلا، ليس فقط للكاتب، وانما للقارئ الروسي عموما، ونظن، ان هذه الآراء ستكون طريفة ومفيدة للقارئ العربي ايضا، وذلك لان همنغواي قد دخل الى قلوب القراء العرب منذ اواسط ذلك القرن .

تبدأ الصحيفة بعرض رأي للكاتب يوري كازاكوف، جاء فيه – (..كنّا نفتخر به وكأنه كاتب روسيّ.. لقد كانت تسعدنا فكرة ان همنغواي يحيا ويمارس الصيد والسباحة، وانه يكتب عدة آلاف من الكلمات الرائعة في اليوم، كما وكأنه واحدا من أقاربنا الذين نحبهم.....). أما الكاتب يوري أليوشا فيقول – (...همنغواي فنان شريف جدا . هو لا يستطيع ان يكذب .) ويضيف لاحقا – (.. انه واقعي قبل كل شئ. واقعي بارع. لاشئ ضبابي، لاشئ غير مترابط في اسلوبه ..). الكاتب يوري دومبروفسكي يشير، الى ان همنغواي – (.. فتح لي فعلا الآفاق الجديدة ..) . ويوضح هذه الافاق ويقول، انه بعد تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف كان يعتقد باكتمال الواقعية ذات التحليل النفسي، وانه لا يمكن الذهاب أبعد منهم، ولكن جاء همنغواي واثبت ان هناك جوانب اخرى في النص لا يكتبها الكاتب ولكن – مع ذلك - يجدها القارئ، جوانب مخفية ما بين سطور النص او حتى تحته، أي – المعنى الخفي او الكلام الذي يتضمن معاني غير مباشرة و يصل اليها القارئ نفسه في بحثه المعمق في ثنايا ذلك النص . الكاتب ميخائيل ميلر تحدّث عن عام 1959 في الاتحاد السوفيتي، عندما صدر لاول مرة كتاب همنغواي، الذي يعتبره ميلر (...مثل هزّة أرضية .. غيّرت الصورة الادبية السائدة آنذاك ..)، ويربط الكاتب بين تلك (.. اللحظة من ذوبان الجليد زمن خروشوف... وظهور همنغواي ..الذي لم يكن يجسّد فقط اسلوبا أدبيّا ... وانما تحوّل الى ايديولوجيّة متكاملة.... تكمن في الحقيقة، كل الحقيقة، ولاشئ آخر عدا الحقيقة.. وان الكاتب يكون مسؤولا عن كل كلمة يكتبها، كل كلمة ...) . يشارك رئيس تحرير مجلة (الادب الاجنبي) الروسية الكساندر ليفيرغانت في هذا الاستيبيان حول همنغواي، ويقول – (همنغواي بالنسبة لي ليس كاتبا بالغ الشأن جدا، رغم انه من غير الممكن عدم تقدير اهميته ومهارته ... وانا لا اعيد قراءة نتاجاته ولا اظن باني سأقوم بذلك مستقبلا، على الرغم من ان (لمن تقرع الاجراس) او (الشيخ والبحر) يستحقان ذلك..)، ويتوقف ليفيرغانت عند الاسباب التي جعلت القراء السوفيت يهتمون به، ويشير الى انه (.. كان غير اعتيادي بالنسبة لهم، ولا يشبه الادباء السوفيت الذين كانوا يحيطون بهم .... اذ انه يعطي للقراء الحرية الكاملة لتأويل ما يكتبه ...والقراء يحبون ذلك ...). الكاتب دينيس دراغونسكي أشار الى ثلاثة اسباب في الاتحاد السوفيتي لحب همنغواي والاهتمام به – (..قبل كل شئ لأن همنغواي كاتب رائع ...استمر بتقاليد تشيخوف ... وثانيا، لأنه كان في الاتحاد السوفيتي نوعا من الجيل الضائع بعد الحرب، والذي توقع حياة اخرى بعد الانتصار ولكنه لم يعثر عليها... واخيرا لأن همنغواي كان مرتبطا بكوبا وبالحرب الاهلية في اسبانيا، اي بكل هذه الرومانتيكا التي كانت عزيزة بشكل خاص على قلب الانسان السوفيتي آنذاك...) . الكاتب رومان سينجين لا يرى ان روسيا وحدها كانت مهتمة به (.. اذ ان همنغواي كان واحدا من أكثر الادباء انتشارا في العالم .. ربما لانه خلق ابطالا يتميزون بالرجولة....)، ويتوقف سينجين عند (الشيخ والبحر) ويقول عنها – (..انها عمل فني عظيم ...تفاصيل دقيقة وصغيرة ...تحليل نفسي عميق...والرجل العجوز لم ينقذ صيده، لكنه مع ذلك اصبح منتصرا ...ولو جاء بالسمكة كاملة ووضعها على الشاطئ لكان قد جسّد الحلم الامريكي، اما هو فقد جاء فقط بالعظام .... همنغواي فنان حقيقي..) .

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمد فتحي عبدالعالحينما تشاهد كتابا ثم يدفعك عنوانه أو محتواه أو الاعلان عنه الي اقتناءه فهذا أمر طبيعي .الا أن شريحة من الناس قد يتجاوز لديهم هذا الامر الي حد الهوس بالكتب فلديه شراهة اقتناء مجموعة ضخمة من الكتب بنية قراءتها عند توافر الوقت وهو ما لا يحدث في غالب الاحيان فالاستحواذ لديهم في حد ذاته يخلق حالة من النشوة كما تولد لديهم روح الاقتناء بلوغا للانهاية ...-وقد يصل جنون الكتب لديهم  حد التعرف علي الكتب عبر ملامسة ورقه وهناك من يسرق الكتب دون أدني شعور بالذنب وهناك من يصنع حساءا من الاوراق المغلية وهذا هو داء العباقرة ومرض المثقفين الذين يعتبرون رصيدهم في الحياة ليس مالا بل ما جمعوه من كتب وهو ما يعرف بالانجليزية بالبيبليومانيا (Bibliomania) وباليابانيه تسوندوكو(tsundoku) وتنقسم التسمية اليابانية الي (دوكو) وتعني القراءة و(تسن) وتعني مراكمة الاشياء -وقد ظهر لاول مرة في الكتابات اليابانية في القرن التاسع عشر بشكل ساخر لوصف مدرسا كان يقتني من الكتب الكثير لكنه لم يكن يقرأها ..وبحسب علماء الطب النفسي هو نوع من أنواع الوسواس القهري (OCD).

ومن أشهر من أصيب بهذا الداء من المثقفين: الشاعر اليوناني يوربيديس في القرن الخامس قبل الميلاد والمحدث الفقيه ابن الملقن والذي أصيب بالذهول ومات كمدا حينما احترقت مكتبته وفيها كتابه الاثير جمع الجوامع.. اما السير توماس فيليبس فقد وصل عدد الكتب والمخطوطات لديه علي ما يزيد عن المائة ألف...

وعلي غرار قول أبو نواس: (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء ) فكما أن الكتب أحيانا تكون داءا ففي أحيان أخري تكون هي الدواء بما يعرف بالبيبلوثيرابي (bibliotherapy) أو التداوي بالكتب -وقد ظهر هذا المصطلح لاول مرة عام ١٩٢٠ في رواية  (المكتبة المسكونة ) لكريستوفر مورلي حيث كان بطلها (ميفلن) ممارسا للتداوي بالقراءة ..وعبر الحضارات المختلفة فاليونانيين القدماء وضعوا لافتات علي المكتبات لاخبار روادها أنهم علي موعد مع شفاء الروح  وكان العلاج بالقرآن الكريم خير مثال في الحضارة الاسلامية ومن التجارب في العصر الحديث كانت تجربة (بينجامين راش) في استخدام القراءة في علاج المرضي عام ١٨٠٢ وتلاها (كاتلين جونز) وهي أمينة مكتبة مستشفي ماكلين في ويفرلي ماساشوستس والتي قامت ببرامج ناجحة في علاج المرضي المصابين عقليا عبر القراءة عام ١٩٠٤..

وفي كتاب مثير للباحثتين (إلا برثود) و(سوزان الدركن) من جامعة كامبريدج استغرق ربع قرن من البحث والكتابة  حمل أسم (العلاج بالرواية من الهجر إلي فقدان الشهية ٧٥١ كتابا لعلاج كل ما تشكو منه) في طبعته الامريكية فيما كان اسمه في طبعته الانجليزية  (العلاج بالرواية :العلاج الأدبي من الألف إلي الياء)عام ٢٠١٣ -وقد تضمن الكتاب قائمة طويلة من الروايات وكل رواية بإمكانها علاج مرض من خلال قراءتها ومن

امثلة هذة الروايات والامراض التي تعالجها:

إن كنت مصابا بالسمنة ؛ فعليك بقراءة رواية «الصرخة الآتية من بعيد» لـ ريتشارد شريدان.

أما علاج الاشتياق واللهفة الشديدة ففي مطالعة «الحرير» لـ ليساندرو باريكو.

بينما يقبع العلاج من الغضب الشديد في رواية «اصرخ يا بلدي الحبيب» لستيورات باتون.

أما  آلام الأسنان؛ ففي رواية «آنا كارنينا» لتولستوي الشفاء منها .

أما مشاكل الأرق فينصح المصابين بقراءة «اللاطمأنينة» لـ فيرناندو بيسوا

ويمكن التغلب على مشكلة الفوبيا (الخوف)  برواية «مئة عام من العزلة» لـ ماركيز،

ولكبح جماح التكبر والخيلاء يمكن الاعتماد على رواية «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل ..وفي رائعة (البؤساء) لفيكتور هوغو يوجد العلاج الفعال من الانفلونزا الحادة !!!!

لقد أصبح العلاج بالكتب العصا السحرية في السنوات الاخيرة فالكتب الجيدة ليس محلها ان تبقي مكتظة  علي أرفف متوازية بل أن نبحث في جنبات صفحاتها عن أنفسنا فالقراءة تنمي لدينا مهارات عدة  وتثقل خبراتنا بأرث القدماء وتجارب المعاصرين وخيال المفكرين مما يمكننا من قراءة حياتنا والتخطيط لمستقبلنا بشكل أفضل فضلا عن أنها تبعث في الانسان قدرة علي التحليل و الفهم لعواطف ومشاعر وسلوكيات الاخرين كما أن القراءة هي الوسيلة الفعالة للخروج من دائرة التوتر التي تقف كسبب خلف كل مرض فليس هناك ما يعدل تمضية الوقت مع خير جليس في الزمان .

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

قد لا أكون ممن يلمُّ باللهجة العراقية المتداولة والتي اختفت من التداول، ولكني أحاول تفسير بعض المتوارث لنفسي أولاً ثم للآخرين . ولقد صدف أن اطلعت على بعض الأبيات المتوارثة من الشعر الشعبي منذ طفولتي فحفظتها تلقائياً . أحببت هذه الأبيات على بساطتها  ووددت الآن أن ألقي نظرة تحليلية عليها لأفهمها جهد الإمكان ولأُشرك المتقلقي الكريم معي، والأبيات هي:

يابنات ويا بنـــون

وين أهلكم ينزلون

ينزلون بكاع زيزه

ويشربون ماي العيون

*****

يا بنية وكذلتج ريش التصلي

ردتج بالحلال وما حصل لي

سهيت وطاحت السبحة من إيديه

يا بنات ويا بنون

وين أهلكم ينزلون

*****

لعل هذه الأبيات أحد انواع الشعر الشعبي المعروف ب " بالموشح " وربما هي من الشعر المسمى ب " الهجري " فكلاهما يقومان على  بحر الرمل . وتامه    فاعلاتن  فاعلاتن  فاعلاتن

يرد المقطع الاول على مجزوء بحر الرمل وتفعيلته كالآتي  فاعلاتن  فاعلاتن

أما في المقطع الثاني فيأتي الرمل تاماً بتفعيلاته الثلاثة مع بعض التغييرات ففي الشطر الاول

يا بنية و     كذلتج ري        ش التصلي

_ : _ _     _ 0 _ _         _ 0 _ _

فا:لاتن       فاعلاتن           فاعلاتن

ثم يقضم أو يسقط الوتد المفروق من بداية التفعيلة الاولى في البيت أو الشطر الثاني  فتصبح لاتن  _ _  لتتكون التفعيلة من سببين خفيفين فقط، و قد يكون وهو الأرجح عندي أن قد سقط بعض الكلام هنا  فربما يكون الشطر كالآتي

أنَ ردتج     بالحلال وماحصل لي      يقصد أنا ردتج (2)

00_ _       _  0 _ _     _ 0 _ _

فعلاتن        فاعلاتن         فاعلاتن

أما الشطر الثالث فيتكون أيضاً من ثلاث تفعيلات أولاهن علاتن أي سقط سبب خفيف من بداية التفعيلة الاولى

سهيت و    طاحت السب     حه من ايديه

0 _ _      _ 0 _ _         _ 0 _ _

فقد يكون المحذوف هنا كلمة " هل " وهي هنا ليست حرف استفهام قطعاً بل هي بمعنى لذا

هل سهيت و   طاحت السب    حة من ايديه

_0_ _        _0 _ _         _0 _ _

فاعلاتن         فاعلاتن          فاعلاتن

هذا عن الوزن أما عن القافية ففي المقطع الاول جاء الشطران الاول والثاني موحدي القافية ثم اختلفت القافية عنهما في الشطر الثالث وعادت القافية في الشطر الرابع لنفس القافية المذكورة في الشطرين الاولين  .

اما المقطع الثاني ففي الشطرين الاول والثاني أيضا جاءت القافيتان متشابهتان أيضاً وفي الشطر الثالث تغيرت الى  ايديه . ثم ليعود

الشاعر بعدها الى نفس ألفاظ وقوافي البيتين الاولين في المقطع الاول جاعلاً منهما ما يشبه اللازمة .

أما عن المعنى فلعل أول ما أفهمه من هذه الأبيات إن المتكلم هنا إنسان وقور تجاوز مرحلة الطيش ويتسم بالتقوى والصلاح بدليل المسبحة التى في يده غير إن الوقار والصلاح لم يمنعاه من التغزل بمن علق بها فؤاده . وهو ليس أول عاشق يتغزل بحبيبته ذلك الغزل البعيد عن تناوش الحرمات، فذلك ما فعله الشعراء العذريون وغيرهم من شعراء الغزل العفيف . نرى الشاعر المجهول هنا في البيتين الأولين يسأل لفيفاً من الصبايا  والفتيان مرَّ بهم أو التقى بهم عن مواضع بيوتهم ومرابع ذويهم فنحسبه لا يعرفها . غير إنه في الشطر الثالث ينصرف بل يلتفت عن المخاطب الى الغائب - وذلك نوع من البلاغة - قائلاً إنهم يسكنون  بأرض صعبة متعرجة ويشربون من ماء العيون فهم لا يسكنون الحضر بل هم يسكنون بادية وعرة . إذن فهو يعرف مرابعهم ومساكنهم فيكون قد قصد بتساؤله هنا و أراد معنى آخر غير الاستفهام وهو بيان الحال التي هم عليها . ولأن كلمة زيزة بفتح الزاي (3) تحتمل معنيين (أولهما الأرض الصعبة المتعرجة وثانيهما الأجمة الوارفة الظلال) فقد  يكون الأمر لا كما ذكرنا بل قد يكون الشاعر فعلاً لا يعرف أماكنهم فهو هنا يدعو لهم بالخير دعاءً - كأنه يقول أن شاء الله ينزلون –   لعلهم ينزلون  - أو يرجو أن تكون مساكنهم  في أجمة وارفة الظلال ثم يدعو أن يُهيأ الله لهم أن يشربوا الماء الزلال من العيون الطيبة .

وفي المقطع الثاني وبما إنه كما يظهر من القول قد عشق إحدى الصبايا ممن رأى ورغب أن يرتبط بها بالحلال ويضمها الى بيته زوجة عصماء غير إنه لم يحظَ بتحقيق امنيته تلك . لذا نراه يحاول أن ينقل لها أحاسيسه وحبه . فهو يصفها بالجمال والصلاح معاً ويشبه ما بدا على جبهتها من شعرها الناعم البديع فكأنه ريش الحمامة التي تُسبّح لله و ربما تصلي في الحرم الشريف (4) وقد يقصد بالصلاة حركة الطير بخفض الرأس غالباً، أو قد يكون يصف غرتها التي تتهدل على جبهتها بريش النعام فلطالما شبه العرب الأشياء ذات النعومة اللافتة بريش النعام .

وإذ ما يئس من تحقيق حلمه بالاقتران بها علاه الحزن وانشغال البال حتى أخذ يسهو فتسقط مسبحته من يده لاستغراقه في التفكير في الصَبية وعودته ربما الى تكرار حلم يقظةٍ حيث يراها فيه كما رآها أول مرة ضمن لفيف من أقاربها وقريباتها لذا نراه هنا يكرر الشطرين  الأولين تماماً . وليس قائل هذا أول ساه عن عبادته بسبب الهوى بل سبقه الى ذلك كثيرون منهم ما ذكره الشاعر مسكين الدارمي في قوله  ضمن قصة متداولة معروفة :

قل للمليحة في الخمار الأسود       ماذا فعلت بناسك متعـــبد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه         حتى وقفت له بباب المسجدِ

ردي عليه صلاته وصيامه         لا تقتـــليه بحق دين محمد (5)

ومن ذلك أيضا وفي معناه ما نظمه علي احمد باكثير (6) على لسان رجل يدعى القس (ورد ذكره في الفلم التراثي سلامة والذي مثلته ام كلثوم  وغنت فيه) إذ يقول:

قالوا أحب القس سلامة               وهو التقي الورع الطاهرُ

كأنما لم يدر طعم الهوى              والحب الا الرجل الفاجرُ

يا قوم إني بشر مثلكم                  وفاطري ربكم الفـــاطرُ

لي كبد تهفو كأكبادكم                   ولي فـؤاد مثـــله شاعرُ

***

سمية العبيدي

.......................

(1) - سمعت في طفولتي عدة نسوة يترنمن بهذه الأبيات في حضور صغارهن وهن يلاعبنهم من بعيد .

(2) - وجدت ابناء بعض جهات بغداد كانوا يلفظون الضمير أنا (أنَ) ... كما يلفظ في العربية الفصحى

(أنا الذي نظر الاعمى الى أدبي    وأسمعت كلماتي من به صمم

هنا لا نلفظ أنَا بل أن َ وفي غيرها من المواضع) أما الآن فنلفظ ضمير المتكلم جميعنا في اللهجة العراقية  - آني - كما تُلفظ في جنوب العراق آنه .

(3) - كثيراً ما سمعت على اللسان العراقي من يصف أرضاً ما بأنها :  زيزه كفره : وكفره فصيحها قفراء  .

(4) - من سورة الإسراء الآية 44 " تسبح له السموات السبعُ والارضُ ومن فيهن وما من شيء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفوراً " وأظن الصلاة مثل التسبيح ليست حكراً على البشر .

(5) - رواية التاجر الذي كسدت خُمُره السود فشكا لصاحبه فنظم هذه الأبيات وغناها ليلتها وفي الصباح هرعت نسوة المدينة المنورة لشراء الخمر السود جميعها .

(6) - استندنا  في ذكر اسم الشاعر على الانترنيت .

 

نايف عبوشمع ان الاديب الدكتور حسين اليوسف الزويد ليس بحاجة للتغني بالديرة، ولا للبوح بجاه أهله الوافر والفخر بمكارمهم السخية. فهو من اعمدة القوم، وعلى درجة عالية من الثقافة، والمعرفة، بشقيها التراثي، والمعاصر، ويحمل شهادة عليا في اختصاصه المهني بالهندسة المدنية .

إلا أن تجليات النشأة،والحنان إلى ديار الأهل، وألاجداد، بكل عمق جذورها الضاربة في الأصالة وعمق الإنتماء، ظلت هاجس وجد جياش، في مخيال الشاعر المبدع، وسيد الحرف الرشيق، الأديب الاريب، والشاعر الكبير الدكتور حسين اليوسف الزويد، الذي طالما ألفناه يترنم دوماً، بأصالة الذات،أهلاً، وربعا، وديرة، ومكانا، وانتماء.

 ومن هنا ظلت الاشارة إلى علامات بعينها في ثنايا قريضه، دلالات واضحة،تعكس الوجد،والشوق،والحنان عنده، إلى مرابع الأهل،والربع، والديرة،كلما تألقت في قريحته النابضة بالابداع، ومضة البوح بتلك المعاني الرفيعة.

وعندما شرفنا الأديب والشاعر الكبير الدكتور حسين اليوسف الزويد، والدكتور حمد الدخي،والكاتب فهد الدوخي، بمعية الشاعر الفحل ابو يعرب، بزيارة كريمة بتاريخ ٢ / ٨ / ٢٠١٩،مفعمة بالمودة الصادقة، حيث تجلت ملامح تلك الزيارة، بعد الترحيب الحار بمقدمهم الميمون، وتبادل التحية، بدردشة تراثية رائعة، لاسيما وأن الشيخ الدكتور حسين اليوسف الزويد بموسوعيته الشاملة، بما ورثه عن والده الشيخ يوسف الزويد، من مخزون تراثي زاخر، يعتبر مرجعاً تراثيا رصينا، في حين أن الدكتور حمد الدوخي،هو نموذج الإبداع في الشعر والأدب، موهبة، واختصاصا أكاديميا، بينما يجسد الكاتب فهد الدوخي أدب القص الريفي الخالص، بينما الشاعر الكبير ابو يعرب، هو من أعلام الأدب والثقافة . ولا شك أن قريحة الشاعر الدكتور حسين اليوسف الزويد، لابد لها أن تتألق في مثل هكذا أجواء، ومن ثمّ فليس غريباً أن نجده، يجود بهذه الأبيات الرائعة في وصف اللقاء :

سيارتي مِنْ رُبى الشرقــاط ِ قاصـدةً

              صوبَ الشمالِ تُناغي الأهلَ والنسبا

وقـد حَلَلْتُ بنـي العبـوشَ في لَـهَـفٍ

                    أكرِمْ بمنزلِهمْ واستذْكِـرِ العَـرَبَا

بنو الجبورِ سَمى بالعزِّ موكِـبُهُمْ

                حيّـا أبا يعربٍ صِــدْقاً و مُحْتَسَبا

وبهذه الطللية الإبداعية المتميزة، يحاكي الشاعر الدكتور حسين اليوسف فطاحل الشعراء العرب الأوائل، الذين تغنوا بالدار، والأهل، والاطلال، ليجسد وجدانيا، تجليات انتمائه الصادق للديرة،اهلا ومكانا، وربعا،إذ طالما ظل المكان في موروثنا الريفي، وبكل أبعاده، الحسية منها، والمادية،من أبرز ملامح هوية وجود الكيان الاجتماعي للقوم.

وهكذا يظل الاديب الشاعر، الدكتور حسين اليوسف المحيميد الزويد بهذه السمة الابداعية، امينا لأصالة هوية تراث القبيلة، فاستحق بذلك أن ينعت بأمين تراث الديرة، بكل بجدارة.

 

نايف عبوش

 

مادونا عسكرالشّعر شقاء الّذين أدركهم الجمال فأسرهم وأغدق عليهم بسرّه غير المدرك تماماً. وكأنّي بالشّعر كائن يصطفي رسله ويقودهم بحسب مشيئته إلى ما لا يمكن تعريفه أو وصفه أو تحديد ملامحه. وهو شقاء لأنّه يبتعد بقدر ما يقترب، ويملي بقدر ما ينقطع، ويُفرح بقدر ما يُحزن ويمنح بقدر ما يُحجم، ويحيي بقدر ما يميت. وهو شقاء؛ لأنّه إذا ما أوقد ناره في الأعماق لزم أن ترمي بنفسك فيها حتّى تحترق فتولد القصيدة. وإذا ما فاض بنوره وجب أن يسجد فكر قلبك ويعبّ تفاصيل الضّياء وتكتب ما يُملى عليك وإلّا تخلّى عنك. وقد تشعر بلسعات الموت إن لم تكتب.

الشّعر للشّعراء، فكما أنّه من العسير تعريف الشّعر، فمن العسير أيضاً تفصيل ماهيّة الكينونة الشّعريّة. والشّاعر لا يدرك أنّه شاعر ويمضي في صياغة ما يُملى عليه من الشّعر بمعزل عن وعيه وإرادته لحظة انبثاق الشّعر. لذلك عندما يعود لقراءة ما خطّه القلم يندهش ويتحيّر وقد يخاف. فكأنّ هذا الكائن، أي الشّعر، يخشى على الشّاعر من رهبة الجمال وقوّة حضوره فيسلبه وعيه حتّى لا تضطرب نفسه فيحجم عن الكتابة. وإن كان الفلاسفة أصدقاء الحكمة وأبناءها، فالشّعراء مشيّدو بناءها. تأوي إليهم حتّى لا تظلّ تائهة في هذا العالم. والمعنى في قول أحمد شوقي: "لا يزال الشعر عاطلاً حتّى تزيّنه الحكمة، ولا تزال الحكمة شاردة حتّى يؤويها بيت من الشّعر."؛ لذلك فالشّعر أبعد من موهبة يمتلكها الإنسان، وأعمق من بلاغة لغويّة وقدرة على مزج الكلمة بالجمال. إنّه مأوى الحكمة ولا شعر من دون حكمة يجسّدها الشّاعر شخصاً يحاكي من خلالها المتلقّي. وهو كنه الجمال، يصدم الأعماق الإنسانيّة بعنف لذيذ، ليكسّر نزعاته إلى القبح على صخرة البهاء. فتأتي ردّة الفعل صامتة، لأنّ القلب أحسّها فتشرّبها ليتلمّس العقل بعض المعاني. وكلّ شعر لا يُلاقى بالصّمت لا يعوّل عليه. وكلّ شعر لا يقتحم قلب القارئ فيحيي فيه طقوس الجمال لا يعوّل عليه. وكلّ شعر انتظر إعجاباً أو تعاطفاً أو مدحاً لا يعوّل عليه.  وكلّ شعر لم يدم لألف عام لن يلقى سبيلاً إلى الخلود.

الشّعر، هذا الكائن العجيب، الجميل، يسلب من الشّاعر كينونته الإنسانيّة ليبقي على الكينونة الشّاعريّة، وكأنّي به مسحه بزيت الشّعر إلى الأبد، وجعله بين منزلتين، منزلة العالم فيغترب ويتغرّب ومنزلة العلوّ البهيّ فيجاور العالم الإلهيّ. ولا يشقيه إلّا ليرفعه، ولا يسلبه الوعي إلّا ليزرع فيه الحكمة، ولا يوقد الأحلام إلّا لتتجلّى  الحقيقة فتصبح الرّؤية غير الرّؤية، ويمسي الفهم غير الفهم، والإنسان غير الإنسان.

ثمّة بون شاسع بين نصّ شعريّ و"الشّعر"، الأوّل عالم تحت السّماء، والثّاني سماء تجول في العالم، تمسح دمعة بؤسه وشقائه.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

الحياة عندما تكشف أقنعة بعض الأصدقاء أو اﻷقارب تكشفها بقسوه لدرجة إننا نحتاج وقتاً طويلاً لنستوعب بشاعة الوجوه الحقيقية التي تقاسمنا معها ذكرياتنا فالصديق او القريب او ايا كانت المسميات ومعظم صلات القرابة او علاقات الصداقة او الحب او اي شكل من اشكال العلاقات بين الناس نجدها عبارة عن وهم او كذبة كبيرة نروج لها و نستند عليها كي نستمر بعبور بحار الحياة العميقة الغامضة والمليئة باﻷسرار واﻷوجاع، الخالية احيانا من لمسات الأحبة ومن كانوا يسكنون المقل!

أما عني، فكثيرا ما فرطّت وبسخاء مع غيري، لا لشيء فقط لأن حنيني اكبر من اهمالهم، ومحبتي أجل وأعظم من زيفهم، كنت احيانا انتظر عطف ذاك ورد هذا وكنت اصدق ان المسافات تطوى بالمحبة وان الدعاء والتواصل هما مراسيل بين القلوب النقية لكن الحقيقة اثبتت لي ان البعيد عن العين بعيد عن القلب ولا حقيقة سواها فمن لم يشعر بك وقت حزنك وقهرك وفرحك وفشلك ونجاحك ولم يشاركك كل ماتمر به وانما فقط ينتظر هل انت ما زلت على قيد الحياة ليكتب بين فترة واخرى "كيف حالك " مكررة وممزوجة بمشاعر مملة وان مت فيهيج اصفرارا ليس فراقا وحزنا من القلب وانما تانيب ضمير ان ما زال ذلك الضمير حي بين تلك الخبائث والاحقاد والخذلان المتعمد منهم .

قد يكتب عني الكثير ويعدد خصالي الجميلة وقربه مني ليرضي حجمه الصغير الذي يظن انه قد يخفى كل ذاك امام الباري العظيم وسيقول للعالم اني كنت وكنت ولاغير سواك هناك بقلبي وبخاطري الكثير لكن سأكتفي،

تبا لكل العلاقات والقرابات والصداقات التي لاتذيل بتوقيع كل يوم او يومين او اسبوع او شهر بذلك الوسم المعبر حقيقة عن الصدق والمحبة بحجم القلوب التي تحملها .

تبا لكل المسافات والسنين التي قتلت اجمل اللحظات واجمل العلاقات والذكريات .

تبا لكل اﻷيام بل الشهور والسنين التي مرت وأنا اصدق تلك المشاعر حتى تعبت من كثر مراسلات روحي وهي تنتظر حروفهم لتربت على كلماتي

وبقينا انا ويدي المتعبة من كثرة نقر حروف الاشتياق على كيبورد هاتفي

ومللت حتى مواقع التواصل الاجتماعي من كثر مامرت عليها حروفي اليائسة الحارة وردودهم البعيده الباردة.

لن اكون كما كنت، صدقا ضجرت من كثرة المحاولات لجعل العالم الذي يربطنا مليء بصدق الاحاسيس فأنتم لديكم عالمكم وانا ايقنت اني خارج عوالم اكثر بل اكاد اجزم جميع من اعرف سوى من اعيش معهم ولهم وفيهم ....

 

بقلم: ذكرى البياتي

 

احمد الكنانيالماورائية في عناوين المقالات يقصد بها في العادة تلك الأبحاث التي تدور حول الموضوع ولا تتعرض له، كما يقال ما وراء الفقه عند البحث عن العلوم المتعلقة بالفقه لا الفقه نفسه، او يقال ما وراء الفن عندما يتعلق الموضوع بأمر يدور خلف كواليس الفن وليس الفن بذاته.

 وليس المقصود بالماورائية المعنى الفلسفي للكلمة وهي الميتافيزيقيا او ما وراء الطبيعة وكل ما يتعلق بالأمور غير المحسوسة، والكلام هنا ليس في الشعر كمادة أدبية متسامية وإنما هو كلام في البيئة الحاوية للشعر؛ بأعتبارها ظاهرة اجتماعية نعيشها في منتدياتنا الحقيقية اوالافتراضية .

الحديث عن الوجه الآخر للشعر، حديث لابد منه وان جحده العوام، وسكت عنه الانام، كلام عن الطرف المقابل للجهة المشرقة والمُشعّة للشعر والتي لا تنتمي للأدب الملتزم بحال وان عُدّت من أنواعه ...

الدكتور علي الوردي في كتابه " أسطورة الأدب الرفيع " أعطى لنفسه الحق في نقد الشعر العربي القديم وإسداء النصح للشعراء المحدثين عندما نعت الشعراء العرب بالشحاذين الذين يمتدحون السلاطين الظلمة أملاً بالجائزة الدسمة او جارية دعجاء، وآخرون يتفننون بوصف الخمرة والتغزل بالغلمان ...هذا فيما يخص قديم الشعر .

أما حديث الشعر فقد طالب معاصريه من الشعراء اتبّاع اللغة الميسرة المفهومة،والابتعاد عن شوارد اللغة وشواذها؛ اذ ليس من المعقول ان تقرأ شعرا وبين يديك قاموسأً لغوياً ترجع اليه بين الفينة والأخرى .

ولم ير نفسه متطفلاً عَلى الأدب او تطرق لموضوع ليس من شأنه او اختصاصه؛ لان ناقد الشعر ليس بالضرورة شاعر والقصيدة الشعرية او المقطوعة النثرية هي لوحة فنية وظاهرة اجتماعية في الوقت ذاته.

تسجيل ملاحظة ما او حتى نقد موقف ادبي لهذا او ذاك شعراً او رواية لا يدخل في باب الفضول والتطفّل إنما هو تشخيص ظواهر قد تتفاقم محدثة مشكلة اجتماعية يصعب تداركها أحيانا كثيرة، خصوصا وأمر النشر بات مفتوحاً على مصراعيه لكل من دب، حتى اصبح رواد الفيسبوك يلتمس العذر من المتابعين لان صفحته لم تضف موضوعا ما ليوم او يومين وكأن الناس جالسون ينتظرونه لينهلوا من فيض علمه ...

لا مجال للمجاملات في المعرفة وان اختلطت الأمور على كثير من الناس اذ اعتقدوا ان الواقع المعاش وموقع التواصل اصبح واحداً فإن تفضل عليك بأعجاب او قلب احمر يتطلب الامر ان تردها اليه بمثلها او بأحسن منها وان لم يعجبك ما ينشره اذ متطلبات الالتزام  الاجتماعي تقتضي ذلك ...

ذات مرة عوتبت على إعجاب بَدَرَ مني لمقالة صديق نشرها على الفيسبوك يتحدث بها عن ظاهرة توزيع شهادات الدكتوراه الافتخارية هذه الأيام؛ لان الشهادة العالمية قد تفقد معناها والحال هذه، وهذا ما اتفق معه تماما، وقد اتفق حصول هذه الظاهرة في سالف الأيام في الدراسات الدينية اذ اصبح لقب " أية الله " رخيصاً يطلق على من لا حظ له من العلم فأختلط الحابل بالنابل ... الصديقة المعاتبة كانت ممن استلم هذه الشهادة الافتخارية واللياقة الاجتماعية تقتضي السكوت المطلق، وعدم ابداء الإعجاب بمن يطرح رأياً مخالفا حفاظاً على قيم العلم  .

الشعر الحر او قصيدة النثر ليست تصورات ذهنية مبعثرة نابعة من هلوسات سكران على قارعة الطريق يحسبها الجاهل صور بلاغية فيهلهل لها ويمجّد بها فيزيد الثمل ثمالة ..

والرواية والقصة ليست خواطر نسوان بعد منتصف الليل لتشبع صفحتها بأكاليل الورود الحمراء من متابع شرب السهر مدامعه ..

قرأت رواية لإحداهن ذات يوم كانت قد أهدتها لي ثم بدأت تغدق من على صفحتها الشكر والتقدير لفلان لقيامه بالترجمة الانگليزية وعلى آخر لترجمته الألمانية ... والسؤال المضمر: كيف للقارئ الشكسبيري او ذاك الألماني فهم مضمون رواية لم اعرف من لغتها الأم رأسها من ذيلها ..

موضة حفلات توقيع الكتب بحاجة الى حفلات نقدية للكتاب للحد من الهبوط الأدبي والتصحّر الثقافي .

مما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب لانه دعوة للاقتتال وإقصاء الآخر وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة السلام والوئام

 

احمد الكناني

 

 

قحطان الفرج الله"گطان احميد صرت آنه"

(وحميد هذا سيد كان يصيد السمك، اخرج (سليّته) ظهر فيها عربيدا)

لا يزال الأدب الشعبي مهملاً في العراق، ولازالت أرضه بكرًا لم تمتد لها يد لتنقب في صفاته وتحليل ميوله واتجاهاته، "الأدب الشعبي في العراق واسع في مداه، متباين في اتجاهاته مختلف في ضروبه، غير أن الضرب السائد والشائع منه والذي يجذب انتباه الناس هو الشعر الشعبي" هذا ما يراه عامر رشيد.

 لكني اعتقد أن الشعر الشعبي هو المادة الخام المشكلة للكثير من فنون الاداب الشعبية والفولكلورية في العراق، والمساهمة في تعدد أطوار الغناء والرقص والتلحين. وهذا لا يعني عدم وجود محاولات جادة لدراسة أنواع معينة من فنون الأدب الشعبي اخص بالذكر الجهود الكبيرة التي قام بها (الأب انستاس ماري الكرملي) في جمع الأغاني العامية العراقية، وقام بشرحها وضبط ألفاظها بجهد كبير الاستاذ عامر رشيد السامرائي، وكذلك الجهد الفذ الذي قام به الأديب الراحل (علي الخاقاني) في حلقات فنون الأدب الشعبي والعديد من المصنفات الاخرى، وكذلك جهد الاستاذ (حمودي الراوي) في كتابه الغناء العراقي، وكذلك جهد الراحل (عبد الحميد العلوچي) في المدخل إلى الفلكلور العراقي، و(سعيد الديوچي) في الرقص عند العرب، و(ماجد شبر) في كتابه عن الأدب الشعبي العراقي وَ(عَبَد الأمير جعفر) في الأغنية الفولكلورية، وَعَبَد الحسين المفوعر السوداني في الشعر العامي والشعراء القدامى ،وغير ذلك من الاسماء المهمة، ولا اغفل الجهد العظيم لمجلة التراث الشعبي.

 ولكني اعتقد أن ميدان الأدب الشعبي لا يقتصر في محور الجمع والتدوين لانها خطوة أولى على طريق ممتد بمئات الالف من الخطوات التي تتداخل مع علوم معرفية واجتماعية ونفسية عديدة، "إن دراسة الأدب الشعبي يجب أن لا تقتصر على تبيان أنواعه وأوزانه وتثبيت نصوصه فحسب. بل أنها تتطلب بحثا مسهبا وعلميا"

يعتقد الكثير من دارسي الأدب الشعبي إن أول محولات قتله تكون في التدوين، الذي يمنعه من النمو والتطور والانتشار بالطريقة الشفاهية، ولكني اسير مع الرأي الذي ذهب إليه الراحل (عبد الحميد يونس) الذي يرى التدوين مرحلة مهمة تعطي المتسع المطلوب لدراسة الظواهر الإبداعية وتنميتها وتهيئة الظرف المناسب لنموها.

إن مدينة سوق الشيوخ من المدن القليلة في العالم المصابة بعشق الشعر على الدوام، والمنتجة له والمهتمة بتدوينه، ولا اريد أن اعدد اسماء ويسقط بعضها فاقع في حرج لكثرتها واتساعها.

يُعد جهد الباحث والشاعر (ماجد السفاح) هذه المرة لم يقتصر على الجمع والتصنيف والتقصي، وإن كان هذا جهد عظيم لا شك، بل انه حاول تحليل واستقصاء منابع فنون الابوذية وأطوارها ونسبتها إلى مرجعياتها حسب ما توفر له من مصادر، وكذلك رصد ما يرتبط بهذا الفن من أطوار غنائية، وكذلك ما يقترب منه من فنون قد تكون هي منبع تشكيله الأول.

 فقد رصد 1347 بيتاً من الابوذية متوزعة في شتى الأصناف والأنواع كالابوذية (المطلقة، والمولد، والابوذية المشط وما يعرف بالزنجيل، والمدور، والمعلق، والمطرز، والمقطع والخماسي، والمنثور او المشطر.. الخ) وكذلك رصد ما تعالق مع هذا الفن من أطوار غناء ك( المجراوي، الشطري، القرناوي، المشموم، المثكل، الجادري وغيرها)، وكذلك رصد الصلة بين فن الابوذية وفن (الهوسة/الأهزوجة) وهو فن يتصل بالرقص الجنوبي المعتمد على دبكات إيقاعية يقوم بها المنشد (المهوال) وجموع المحتفين به.

يطرح ماجد السفاح من جديد بعد كتابه السابق (رحلتي مع الابوذية) سلاله مملوءة بفاكهة مدارس البسطاء والنبلاء معا، دواوين الجنوب العامرة بالخير والكرم، ليقول: اني واضع بين أيديكم عصارة ألم وحبّ وشغف، تعرفوا على ما فيها من شخصية عراقية (إذا طابت غنت، وإذا حزنت أنّت).

إن إزدراء الجامعات العراقية للأدب الشعبي وعدم أفراد كرسي خاص له في الدراسات الأكاديمية، جريمة علمية فادحة لازالت مستمرة تمتد جذورها من عقدة النظرة الدونية لكل ما هو شعبي أو (عامي) بحسب تسمية الجاحظ (أدب العامة، أو أدب العوام) فهل المحتواى الشعبي لا يرقى إلى طبقة التمدن؟ أم لان أسلوبه عامي؟ فان كان هذا أو ذاك فهذه أعذار متهافته لان العامية أصبحت وببساطة أحد أهم مصادر المعجم الفصيح... ينبغي علينا ان نعتمد تعريف الأدب بمفهومه العام لحل هذه الإشكالية دون تحيز أو أدلجة،  فالأدب هو التعبير عن التجارب الشعورية بطريقة إبداعية، وذلك التعبير إنما يتم بأساليب متعددة الصور والأدوات، وكل هذا لصيق الواقع.

 إن ما يغنيه العراقي اليوم هو من نتاج الشعر الشعبي وعصارة فكر وألم وحب وحرمان اجيال عديدة من الناس وجدت في أدواتها الفنية المتاحة حاجه إشباع فردية وجماعية لا يمكن إهماله على الدوام، فالعامية تخللت جميع الفنون الشعرية والمسرحية والسردية وحتى الإذاعية، أهمالها على الدوام لن يقتلها لن يحجمها، لكنه يعيق تهذيبها وتصنيفها والاستفادة منها علمياً، واجتماعياً.

 

قحطان الفرج الله

 

التوقيعات في التراث والتاريخ نوعان:

1- توقيعات الوزراء: وهي كلام يتسم بالإختصار والتركيز والبلاغة موجه من خليفة أو وزير أو سلطان الى من هو دونه يأمره أو ينهاه أو يوجهه الى ما يريده منه ويبتغيه ويكون غالبا في المسائل الديوانية الرسمية .

2- توقيعات الغرباء: وهي فن أدبي شعبي يتخذ له الآن مكانا وسطا بين الأدب والتراث فهو يمت لكل منهما بصلة ما. و يمتلأ الزمن المعلوم والمعروف بعد انتشار الكتابة على امتداده بالكثير الكثير من توقيعات الغرباء . فحيثما أدرنا وجوهنا رأيناها، في مكان مناسب أو غير مناسب . فقديما حيثما وقفت قافلة ما للاستراحة والطعام و إراحة الدواب وُجد من يعتزل الجميع - وقد هاج به الشوق - ليخطّ على صخرة ما - قد يكتب على الرمال أيضا وتلك لا نحظى بها أبدا لان الرمال تسفيها فلا أثر لها - ينقش اسم حبيبته أو بيت شعر فيه ذكرها. أو يشكو هموم سفره لله كتابة، أو يكتب هواجسه أو توقعاته أو أدعيته أو اسمه بعض الأحيان مع كلمة للذكرى الى غير ذلك مما تجود به قريحته . وكثيرا ما وجد مثل ذلك في استرحات الطرق أو في الخانات . ويُعد من قبيل توقيعات الغرباء كل ما كُتب على الأشجار أو الأحجار أو الجدران أو في سيارات النقل العام أو على مصاطب المتنزهات وعلى مناضد الدراسة وجدران المدارس من تعليقات وحتى على الأوراق النقدية الورقية سواء أكانت الكتابة كلمة واحدة أو سطور من النثر أو أبيات من الشعر سواء أكانت من قول كاتبها أو من الأقوال المعروفة المتداولة بين الناس .

ولا أجدُ في نفسي شططا كبيرا أذا أحصيت ضمن ذلك  قصائد شهيرة معروفة كتبها أو قالها الشعراء في غربتهم وألحقتها بتوقيعات الغرباء وان عُلم أصحابها وقائلوها ومع انها لا مختصرة ولا مركزة كما يفترض بتوقيعات الغرباء غير انها تتسم بصفتين تتشابه بها مع توقيعات الغرباء وهما كونها جميعا كتبت في الغربة وان موجة من الشعور العارم والحنين الى الأهل الوطن تلفّها وأخص بالذكر قصيدة (لا تعذليه) لابن زُريق البغدادي ومطلعها

لا تعذليه فان العذل يولعه  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

وقصيدة مالك بن الريب (الا ليت شعري) ومطلعها

الا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بجنب الغضا ازجي القلاص النواجيا

كذلك قصيدة أحمد شوقي التي كتبها وهو منفي في الأندلس من قبل الانكليز يخاطب بها الحمام

يا نائح الطلح أشباه عوادينا           نشجى لواديك أم تأسى لوادينا

ماذا تقص علينا غير انّ يدا          قصت جناحك جالت في حواشينا

رمى بنا البين أيكا غير سامرنا    أخا الغريب وظلا غير نادينا

فان يكُ الجنس يا بن الطلح فرّقنا   ان المصائب يجمعن المصابينا

وكذلك قول الشاعرة في الطريق الى دمشق

أيقنت أن عبــــاءتي    رحلت وان الحين حيني

بين الملاذ ومنزلي    كبدي يُقطّـــر في يميني

بغداد فيـــك أحبتي    فارعي الورود وودعيني

وقصائد اخرى كثار كُتبت في المنافي أو في الطرق اليها . وان لم تُكتب على حجر ولا شجر .

وفي زمننــــا هذا حين كانت بغداد و غيرها من مدن العراق الحبيب مليئة بحافلات النقل العام (ذكرها الله بالخير) تجوب شوارعها وتوصل أبناءها من محلات أعمالهم ومن مدارسهم وكلياتهم ومن مصانعهم الى حيث ترقد بيوتهم بانتظار أن يدخلوها بسلام آمنين . كان بعض الركاب - وأخص منهم الشباب والمراهقين - يحرك يده بكتابة يظنّها جميلة أو طريفة على الجلد الذي يُغلّف كراسيها وعلى جوانب السيارة العامة وقد نجد من كتب بعض الشتائم والألفاظ النابية . وكلنا نستنكر منهم ذلك غير انه يُعد أيضا من توقيعات الغرباء .

ولطالما استلفتت نظري كتاباتهم فمنهم من يكتب آية من القرآن الكريم أو حديثا نبويا شريفا ومنهم من يكتب حكمة ما أو بيت شعر جميل أو مشهور ومنهم من يكتب اسم حبيبته أو أسماء أصدقائه أو يكتب اسمه مع أوصاف مثل البطل أو العبقري الى غير ذلك ، والأخيرة غالبا ما تعبر عن أُمنية مكنونة في صدور من كتبها. حتى الصبيان وهم يلعبون في أزقتهم أو الأزقة المجاورة لهم ترى بعضهم يتجه الى جدار ما ليخط عليه بقلم يحمله أو بأداة حادة - يبرزها من جيبه أو تقع في يده بالصدفة - ذكرى أو اسما أو عبارة يحبها أو مطلع أُغنية يحفظها أو اسم فريق رياضي يفضله أو ممثلة تعجبه الى غير ذلك، مسندا لمن يذكره ما يشاء من مثالب أو مناقب مما يختزنه العقل البشري في خزانته العجيبة .

ولو درسنا كتاباتهم وتمهلنا عند معانيها ومقاصدها لاستطعنا أن نتعرف على حالاتهم النفسية وعلى أحاسيسهم، ونتعرف على تأثير الغربة في نفوس المبتعدين عن أرضهم وديارهم اذ يتقبلها بعضهم ببساطة ورحابة صدر في حين أنها تؤثر سلبا على غيرهم حتى قد تصل بهم حد المرض أو الموت كآبة .

ومن كتابات الغرباء أيضا ما يكتبه على السيارات مساعدو السائقين أو من يعمل على سياراتهم من قبيل منظفي السيارات أو من يقومون بتصليح أعطالها أو بعض المستطرقين من قبيل (اغسلوني) أو من قبل السائقين أنفسهم من عبارات مثل (محبوبة سمراء) أو (الحسود لا يسود ) أو (يا ناظري صلي على النبي) الى غير ذلك من عبارات تشي بما في نفوس أصحابها وتعكس خوفهم من الأقدار والأعطال .

وقلما يكتب الغرباء توقيعاتهم وهم في حالة انتشاء وسرور .

فهي نوع من طاقة سلبية مكبوتة ومشاعر ملتهبة لا بد من تفريجها والتعبير عنها آنيا بطريقة من الطرق مألوفة كانت أو غير مألوفة سواء سمح المكان والزمان بمثل ذلك أو لم يسمح، انّها توقيعات الغرباء .

***

سمية العبيدي

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها: حينَ تعودُ الأشياءُ إلى خزائنِ الماضي، تُصبحُ قابلةً للتأويلِ أكثر، وتحملُ معانيَ تبدو في الحاضرِ أجملَ، ويبدو الحاضرُ إزاءَها كئيباً، ويمسُّنا إحساسٌ، بأنَّ هذا الحاضرَ، لا مكانَ له في المستقبلِ، عندَها سنعرفُ أنَّنا لا ننتظرُ مستقبلاً مُنتِجاً، أو أنَّنا نعيشُ الحاضرَ كأنَّه الأبدُ.

كم كنتُ مؤمناً على مستوى المنطقِ، أو قوانينِ العلمِ، أنَّ الحاضرَ سيمضي، وأنَّ المستقبلَ سيأتي، وأنَّ لا شيءَ يسيطرُ على الزَّمنِ، فالزَّمنُ هو الحقيقةُ المُطلقةُ في هذا العالمِ ؛ فهو وحدَه مَن يجلبُ التغيرَ إلى الأشياءِ أو الإنسان .

غيرَ أنَّ تفكيري في ذلك أخذ يتغيَّرُ، وصرتُ أرى أنَّ الأشياءَ تتغيَّرُ في ذاتِها بعيداً عن الزَّمن، وكأنَّها هي التي تُشعرُنا بوجودِ الزَّمنِ، لذلك أجدني منحازاً لتغييرِ الفكرةِ ؛ فأذهبُ إلى أنَّ التغيُّرَ هو الذي يجلبُ الزَّمنَ، أو أنَّ التغيُّرَ هو الزَّمنُ، أو على الأقلِّ هو تجلِّي الزَّمنِ في العالمِ والأشياءِ والإنسانِ .

كم حاولتُ أن أبحثَ عن ماهيِّةِ الزَّمنِ، ربما لا أمتلكُ إمكانيَّاتِ الحديثِ عن الزَّمنِ الفيزيائي، وعقلي ما زالَ قاصراً عن استيعابِ نيوتن أو اينشتاين، غيرَ أنِّي مهووسٌ بزمنٍ مختلفٍ، لعلِّي أكونُ مصيباً إن أطلقتُ عليه الزَّمنَ الرومانسيَّ، فكلمةُ الرومانسِّي تتيحُ لي حيَّزاً كبيراً لتأويلِ الزَّمنِ، فأرى (الشَّيبَ) صورةً أخرى للزَّمنِ، وأرى تساقطَ بعض الأسنانِ من جوفِ فمِ رجلٍ طاعنٍ في العمرِ، أو طاعنٍ في الفقرِ، صورةً لزمنٍ آخرَ، وأحياناً أشعرُ أنَّ (الموتَ) ما هو إلا لحظةٌ تختزلُ "الانتهاءَ والبدءَ"، وهي شكلٌ آخر من أشكالِ الزَّمنِ، وإذا ما ذهبنا بعيداً في تأمُّلِ فكرةِ الموتِ، فإنَّنا سنصلُ إلى نتيجةٍ تجعلُ الموتَ قوَّةً تُشكِّلُ ماضينا، وتُشكِّلُ حاضرَنا ومستقبلَنا في الوقتِ نفسهِ، فهو بالتَّمثيلِ الرياضيِّ النُّقطةُ التي تُمثِّلُ حالتي الانقطاعِ والاتصالِ، لأنَّه يؤذنُ بانقطاعِ الحاضرِ، ويؤذنُ في الوقتِ نفسِه بتجدُّدِ هذا الحاضرِ، وهنا فإنَّ الموتَ يدفعُنا أن نمضي في طريقِنا نحو النِّهاياتِ المعلومةِ، أو المجهولةِ، عندئذٍ يُمكننا أن نقولِ: إنَّ الموتَ حياةٌ ؛ أي بالموتِ نحيا . 

كلٌ ذلك يأخذني إلى فكرةِ أنَّ الموتَ يمنحنا القوَّةَ والشَّجاعةَ والإرادةَ، لمواجهةِ الحاضرِ المؤلمِ، والمستقبلِ المجهولِ، لذلك ليس غريباً أن يدفعنَا الموتُ إلى الخلاصِ أو الحريَّةِ أو العدلِ، فالموتُ بمعناه العميقِ هو خلاصٌ وحريَّةٌ وعدلٌ .

 

د.عاطف الدرابسة

.........................

هامش:

حين يكونُ الموتُ عميقاً : لا فرقَ يا حبيبةُ بين المقابرِ والفنادقِ .

 

منى زيتونلا أعتبر نفسي قارئة روايات بالدرجة الأولى، لكن في المرحلة الجامعية قرأت بعض روايات كبار الأدباء المصريين. وكانت "النظارة السوداء" إحدى أعلى تلك الروايات التي قرأتها قيمة، ولا زلت أتفكر كلما تذكرتها وأتساءل: أي شيطان أوحى بها إلى إحسان؟! من أين أتته هذه الفكرة البسيطة وبكل هذا العمق؟!

تدور القصة حول فتاة لاهية، تتلف وقتها فيما لا يفيد، ويعرفها أصدقاؤها والمحيطون بها بنظارتها السوداء التي تداري بها عينيها عن الجميع، ولا تكاد تخلعها. هذه الفتاة تلتقي في حفل بمهندس شاب جاد، يبدو أنه حضر الحفل من باب المجاملة. هذا المهندس يتضح فيما بعد من حوادث القصة أنه معني بحقوق عمال المصنع الذي يعمل فيه، يتكلم بلسانهم ويطلبها لهم.

شغلت الفتاة الجميلة بال المهندس الشاب، وكانت النظارة السوداء في نظره قناعًا تتقنع به الفتاة لتخفي به حقيقة نفسها عن العالم. ولأن هذا المهندس ينظر إلى نفسه نظرة إيجابية يستمدها من نظرة الناس إليه، والفتاة على النقيض منه، فقد حاول أن يسحبها إلى عالمه. بدأ ذلك بعيادة بعض عمال المصنع المرضى وتعريفها بهم.

بدأت الفتاة تحب العالم الجديد الذي يجرّها إليه، وتشعر لأول مرة أن لها ولحياتها قيمة من خلال مساعدة الآخرين. وكان بدهيًا أن تعمقت صلتها بالمهندس الشاب في تلك الفترة قبل أن يحدث انقلاب الأدوار.

كانت لحظة التحول الكبرى في القصة عندما استطاع صاحب المصنع وابنته إغراء الشاب الجاد نصير الضعفاء السابق ولسان حالهم لينضم إلى طرف رأس المال ويناهض حقوق الضعفاء الذين طالما ناصرهم، ولم يجد العمال من يلجأون إليه ليكون صوتهم إلا تلك الفتاة، والتي وقفت تجأر مطالبة بحقوقهم بعد أن خلعت نظارتها السوداء!

ويتجلى عمق هذه القصة على بساطتها في رأيي في أمرين: الأول؛ أن اثنين من عالمين مختلفين ليس بين عالميهما رابط، تجاذبا والتقيا في المنتصف، ثم استطاع تحويلها إلى عالمه، لينقلب هو بعدها ليحيا في عالمها الأناني التافه، فافترقا بعد لقاء قصير، لأنها لم تعد معه من حيث أتت، بل اكتشفت أنها تنتمي إلى العالم الثاني الذي شدّها إليه، لا تريد أن تغادره. لم يكن الافتراق بأن اشتاقت إلى حياة اللهو والترف فتركته إليه وبقي هو في عالم المُثل، بل افترقا بأن عكس كل منهما وجهته وتحول إلى عالم الآخر.

كان هذا هو المعنى الذي وقف عنده إحسان، وهو معنى ظاهري رغم شدة جماله، وهناك في رأيي معنى أعمق منه يبدو في الرواية.

هذا المعنى الثاني والأهم، هو إلى أي حد قد لا يعرف الإنسان حقيقة نفسه! حتى تضعه الأقدار أمام موقف يمثل صدمة له يعيد من بعده استكشاف نفسه، وربما يكتشف أن حقيقته على العكس تمامًا مما يظن!

فالقضية الأساسية ليست ما يظنه الناس عنك، بل القضية الأساسية هي ما تظنه أنت عن نفسك، وكما قد ينخدع فيك الناس قد تنخدع أنت في نفسك ولا تعرف حقيقتها!

من الواضح أن الفتاة كانت تحتقر نفسها وتداريها عن الناس، بينما الشاب كان يحترم نفسه، إلى أن اكتشف كل منهما أنه يحمل نفسًا أخرى بين جنبيه غير التي كان يعرفها. ليست نفسًا غيّرها الموقف، بل نفسًا استكشفها ووجدها داخله.

لم يكن خلع الفتاة النظارة السوداء رمزًا فقط لخلع استهتارها وانخلاعها من عالمها التافه غير ذي القيمة، بل كان خلعًا لمعرفتها الزائفة بنفسها، خلعًا لنفسها القديمة التي اكتشفت لتوها أنها ليست هي!

لذا أرى التنبيه إلى أهمية الوعي بالذات أقوى ما في النظارة السوداء. وكم بيننا من لا يعي بذاته.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونمن أجمل ما نُسب إلى سيدنا الإمام علي من شعر قوله:

احرص على حفظ القلوب من الأذى *** فرجوعها بعد التنافر يصعب

إن القلوب إذا تنافر ودها *** شبه الزجاجة كسرها لا يشعب

والمتابع للصفحات الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي سيجدها تمتلئ بعبارات كُتبت بالعامية أو الفصحى، تحث الناس على التخفيف من ضبطهم الانفعالي لانفعالاتهم السلبية كالغضب والضيق، وعدم الاكتراث بردود أفعال الآخرين إزاء ما يظهر من سلوكيات هؤلاء الغاضبين الحانقين، وإشعار المعترضين أن التعبير عن هذه الانفعالات السلبية دون مصاحبتها بأي تعبير لفظي يوضح أسبابها هو من حقوقهم!

من أمثلة ذلك:

- "عمرهم ما هيفهموا إنك بتمر بحالة صعبة ومخنوق ومضغوط. هيفهموا بس إنك عصبي وبقيت خنيق، فما تحاولش تشرح"!

لم يسأل من كتب هذا الكلام نفسه: ما ذنب الناس أن يصبح من تنصحه هذه النصيحة عصبيًا خنيقًا معهم؟! وهل صاحبك فقط من لديه مشاكل؟! لا يفهم هذا أن حق الإنسان على من يحب أن يقفوا جانبه ويساندوه، وليس أن يُفرغ فيهم شحنة غضبه، ويسيء معاملتهم.

- "عندما أتغير عليك فجأة تأكد بأني أريدك أن تشعر بي، لا أن تتركني. لكن إن كنت تراها فرصتك، فهي لك!"

هذا المتحدث غبي؛ يريد أن يتغير في معاملته مع صديقه أو شريكه ليجعله يشعر بمعاناته، والثاني عندما يبدي انزعاجًا يُفسر هذا بأنه تصيد منه للفرصة! ماذا لو جربت أن تخبره بما تشعر به بدلًا من هذا الفيلم الهندي؟!

- "الشخص الذي يحبك يتحمل أسلوبك. يحن عليك رغم قسوتك عليه. ويخبرك أنه سيكون معك دائمًا"!

الحقيقة أن أقصى درجة من الانحطاط الانفعالي يمكن لبشر أن يصل إليها أن يتصور أن من حقه أن يسيء التعامل مع الناس ويقسو عليهم، وأن من لا يتحمل إساءته لا يحبه!

- "ذات مرة وثقت بمكانتي عند أحدهم، فتركته لأتأكد، وجل من لا يخطئ"!

لا يسعني إلا مصارحتك بأنك مخطئ يا أحدهم! كيف تترك هذا المريض الذي تركك معتبرًا إياك فردة جورب لن تتحرك من مكانك مهما أهملك؟!

****

هذا الكلام الفارغ من كل معنى يذكرني بأغبى وأجمل بكائية غنائية كتبها الأبنودي وغناها عبد الحليم في أحد أفلامه، ليعبر عن حزنه عندما رجع من رحلة عربدة، ولم يرحب به أصدقاؤه!

"مشيت على الأشواك، وجيت لأحبابك. لا عرفوا ايه ودّاك ولا عرفوا ايه جابك"!

مخطئون هم! ليس لهم حق في فعلتهم! وأحضان الحبايب شوك يا قلبي! لكن فعلًا "ايه ودّاك وايه جابك؟!"

ربما يظن بعض الناس أنني أتفلسف والأمر لا يستحق، لكن الحقيقة أن مستوى انحدار الذكاء الاجتماعي لدى بعض الأفراد في مجتمعنا صار مبهرًا؛ وهم يظنون أن تغيير معاملتهم مع من يخالطوهم هكذا دون توضيح، هو حق طبيعي لهم، ومن الواضح أن هناك من يروج للفكرة على مواقع التواصل لدرجة تجعل هناك من يتصورون أن هذه سلوكيات طبيعية، بل ويمكن التبرير لها! والأهم أن لديهم من الوقاحة ما يسمح بانتقاد الآخرين الرافضين لهذه الطريقة في المعاملة.

في الدول ذات الثقافات الراقية نجد عندهم إدراكًا لقيمة تعلم أي شيء في الحياة. المرأة الحامل حتى يحين موعد ولادتها تكون قد قرأت على الأقل عشرة كتب عن الحمل وتربية الطفل. والمقبل على الزواج يقرأ عن الحياة الزوجية وكيفية التعامل مع شريك الحياة. ومن يجد نفسه غير ناجح في حياته الشخصية أو عمله لأن مهارات التواصل لديه ضعيفة يقرأ ويأخذ دورات لتحسينها على يد متخصصين.

أما نحن فأمورنا كلها تمشي بالعشوائية، نمضي في حياتنا بطريقة "العك"، ونفشل تمامًا في رؤية أثر سلوكياتنا السيئة على ردود أفعال الآخرين تجاهنا! بل من الممكن أن نشعر بالمظلومية ونلومهم!

لا تستهينوا بكسر القلوب، فالحزن يضعف عضلة القلب، ويمزق الأوتار؛ الحزن يمكن أن يميت. جرِّب أن تقترب ممن تحب حين تحزن، أن تفضفض وتخبره بما يحزنك. فرق بين أن يحزن لأجلك حين يعلم ما يحزنك، فتتقاسما الحزن ويخف ألمك، وبين أن يحزن بسبب سوء تصرفاتك معه. لا تكن أنانيًا وتنقل حزنك إليه.

ثقافة الاعتذار

معلوم أننا نفتقد كثيرًا ثقافة الاختلاف في مجتمعاتنا، وهذا سبب رئيسي لكثير من مشاكلنا، لكني أعتقد في وجود سبب ثانٍ مهم لما نواجهه من مشاكل اجتماعية، وهو أن ثقافة الاعتذار مفقودة عندنا هي الأخرى.

المفترض أن على من يخطئ أن يُقر بخطئه، ويعتذر عنه، لكن كثيرين تربوا على تجاهل أهمية الاعتذار، والمماطلة فيه وإضاعة الوقت، فلأن الوقت يمر ولا يقف عند الموقف الذي أخطأ فيه أحدهم، ولأن حوادثًا كثيرة قد حدثت بعد ذاك الموقف الذي كان يتطلب الاعتذار، فهو يتعلل بأن من يبقى متذكرًا للموقف الأول هو المخطئ! وبعد فترة نراه يتعامل مع من كان ينبغي تقديم الاعتذار له وكأن شيئًا لم يكن!

هذه الثقافة لا تقتصر ندرتها عند الأفراد في مجتمعنا، بل ونجد الحال بالمثل في الجماعات الفرعية في المجتمع، ونلمسها في جميع الميادين على تنوعها. لا مسئول عندنا يعتذر، ولا جماعة أو حزب أو مؤيدوهم يعرفون شجاعة الاعتذار. والشخصيات التي تقر بغلطها وتتحمل مسئوليتها ما أقلها، وهذا ليس بالأمر الهين.

وما يساعد في تفاقم المشكلة، وإظهار توابعها، أن من لا يعتذر هو في الحقيقة لا يدرك خطأه إدراكًا حقيقيًا، ومن ثم لا توجد ضمانات كافية أن ما حدث من خطأ لن يتكرر.

كما أن الاعتذار لا معنى له دون مبادرة؛ فالاعتذار الحقيقي ليس أن تلقى إنسانًا أخطأ في حقك فيحاول مراضاتك فقط لأنه رآك! وليس أن تذهب إلى المخطئ طمعًا في أن يُقدم اعتذارًا!

هناك أيضًا إشكالية قيمة المخطئ وعمره؛ حيث يتعارض احترامنا للشخص وتقديرنا لمكانته الاجتماعية أو عمره وفقًا لثقافة مجتمعنا مع اعتذاره إلى من هم دونه مكانة وسنًا، رغم أن السُنة النبوية الشريفة مليئة بدروس وعبر عن ترضية الرسول الكريم لكل من ظن أنه أخطأ في حقه.

كما أنه من أشد صور نقص الذكاء الاجتماعي أن تُتاح لبعض الناس فرصة لإصلاح الخطأ والاعتذار عنه، ولكنه يُسوِّف ويظل يتصرف كما ولو أن تلك الفرصة التي أُتيحت ستظل متاحة إلى الأبد!

قال من قبلنا: الاحترام تربية وليس ضعفًا، والاعتذار خُلق وليس مذلة.

 

د. منى زيتون

 

قاسم محمد الساعديأغنية

ما الفائدة أن تتذكر وقت خمول ألروح وتحاول اصطياد ألذكريات بصنارة صدئة، لكن تفاجأ ان نزيف الاسئلة مستمر سيما وان الذاكرة ليست شجرة عارية فكل اوراقها مازالت عالقة فيها، روحي التي افلتت من اسارها تؤرخ لليلة صيفية على سطح احد منازل الاصدقاء .. كانت الاغنية مسامحك

شما تغيب مسامحك وأتأمل تعود)

وليفي وأريدن صالحك وشيردك ردود)

هذا الشجن السومري المطرز بالحزن يأخذك الى أول قصيدة حب كتبت قبل اربعة ألاف سنة كنبتها صبية  ابحث عني إلى أن تجدني)

قلبي مثل طيور تصفق باجنحتها اين نجدك ... و

تسكرها حجم الاه التي تنتزع من الروح انتزاعا

يا ما إلك ضحّيت والنوب أضحّي

ما يجي بعينك ليش زادي ولا ملحي

ليس ثمة علامة واضحة علّي لا ميت ولا حي

تلفاز

حين اسرعت الرياح الباردة وهي تصخب كنت اجلس قرب المدفأة في ليلة باردة حين صمت التلفاز كأنه اصيب بنوبة قلبية مفاجئة، الى اين ؟ اذهب نحن الذين صيرنا البؤس خجولين .. ذهبت الى محل صديقي المهندس والشاعر عبد الامير اللامي ابا عادل وضعت التلفاز على المنضدة الخشبية حتى تناوله ووضعه على رف عال و انزل تلفاز ابيض

قال :خذه يا قاسم  وكذكرى من زهر التفاح

بدا صوت التلفاز يبدا بالأغنية

مسامحك)

لو ما إلك يا فلان بكليبي ألف آه )

ما سامحيتك  يوم ولا هجرك أرضاه )

ومثل حرائق الغابات تضيء عتمة الشوارع القريبة بدأ ايقاع الاغنية يتسرب الى الروح وكمن مسه السحر صرت منقاد اكثر فأكثر للوهم الذي يطلق صيحات ماكرة في الروح التي غدت كومة ميتة باردة

لقاء

تنام الايام بين ذراعي السؤال الذي مات في الحال

الاكاذيب ليست عملة  لها وجهين (طره وكتبه) بل وجه واحد قبيح جدا

في مرطبات (مشمشه ) بدأت تقص علي الاكاذيب عن مسابقة للرسم اصغي اليها وضجيج الزبائن مشتبك مع قلقي، كأني اجلس مع شخص لا مرئي مرت امامي لقاءات كثر جمعتنا، لكن أنا مصّر على اجتياز نهر الضباب رغم ان كل ضياء الدنيا لا ينفع اعمى

المتيم الذي امامك ينظر الى دبوس شالك والى شفتيك وهي ترتفع ... وثمة مراسيم للتوديع تطوف على اسوار اللقاء

حين خرجنا نظرت للسماء العالية فوق رأسينا شاهدة على اخر لقاء

في الباص الذي أقلني من المنصور الى البيت، يسير ببط وحين وصل الى الرأس الخلفي لتمثال ابا جعفر المنصور رفع سائق صوت المذياع

كفْ لعبة الهجران وارحم دليلي

ما غمض جفني بيوم ولا نمت ليلي

قلبي الذي بدا كمغارة مهجورة

يلعن من؟

ويسامح من؟

ويلوم من؟

اغنية مسامحك .. الحان وغناء القنان عودة فاضل

 

قاسم محمد مجيد

 

محمد صالح الجبوريالاذاعي محمود المسلمي إذاعي ومعد ومقدم برامج في القسم العربي بالإذاعة البريطانية، يتمتع بصوت جميل عذب وقدرة وكفاءة في الأداء والتقديم، من ابرز برامجه (همزة وصل)، الذي يتناول مواضيعاً ثقافية وادبية وإجتماعية، يتابع البرنامج مستمعي من مختلف دول العالم العربي، برامج يكتشف المواهب الشبابية، ويقيم علاقات طيبة بين المستمعين، انا اقترح ان يقدم البرنامج حلقة عن دور الإذاعي محمود المسلمي في تقديم واعداد البرنامج، ويتم مشاركة المستمعين  في طرح الأسئلة، الأذاعة البريطانية قدمت برامج متميزة في ألفترة الماضية، أبرزها (قول على قول)، و(ندوة المستمعين) و(لكل سؤال جواب) و(الواحة) و(العالم هذا المساء) و(السياسة بين السائل والمجيب)، ونالت إهتمام المستمعين  منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تتميز بمصداقية وثقة في نقل الأخبار والأحداث، كان القسم العربي من أهم الإذاعات التي لها صدى واسع في العالم العربي، الدعوة إلى الإذاعي محمود المسلمي بتقديم حلقة خاصة يتم فيها تقييم برنامج (همزة وصل)، تحياتي لمحبي همزة وصل، وأتمنى للبرنامج ومحبيه النجاح والموفقية، تحية إلى مستمعي البرنامج والإذاعة في كل مكان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي