شاكر فريد حسنرمضان هذه المرة في ظل جائحة الكورونا زاخر بالبرامج والمسلسلات والأعمال الدرامية المتنوعة على شاشات الفضائيات العربية، لكن الغالبية منها مسلسلات سخيفة تافهة هابطة ورديئة، ونحن الذين نعاني القهر السياسي والطبقي والاقتصادي لسنا بحاجة لهذا الهراء الممجوج المطروق، ولمثل هذه المواقف والاجندات السياسية التي تتناولها وتطرحها.

فهذه المسلسلات تستهدف كي وتزييف الوعي العربي وتشويه الذوق العام وتزييف التاريخ، والانتقاص من الكفاح والنضال التحرري البطولي الفلسطيني، وتسييد فكر انهزامي وثقافة جديدة، وخلق ذائقة هابطة ورديئة للمشاهدين العرب، واشغالهم في مشاهدة ومتابعة مسلسلات بعيدة عن واقعنا وهمومنا اليومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

فقناة ال. ام بي سي ارتأت أن تقدم للمشاهد العربي مسلسل " أم هارون "، الذي يعج بتزييف الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية، والهدف واضح وهو الترويج لأفكار انهزامية استسلامية وبث روح اليأس والاحباط في النفوس، والترويج لأجندات ومواقف تطبيعية مهرولة لدولة الاحتلال والعدوان، من خلال تجميل صورة الآخر، والمس بالنسيج الاجتماعي والتحريض الطائفي والمذهبي والديني.

وأمام هذا الكم الهائل من المسلسلات الدرامية العربية الهابطة، انفردت قناة الميادين عن بقية المحطات الفضائية، ولم تحد عن أجندتها وخطابها وبوصلتها وأهدافها السياسية، فقدمت للمشاهد العربي مسلسل " حارس القدس "، عن قداسة المطران جورج/ هيلاريون كابوتجي، والذي يتناول سيرة شخصية وقامة دينية ووطنية يشار لها بالبنان، ويشهد لها القاصي والداني باستقامتها ومبدئيتها ومواقفها المشرفة، وهو من اخراج باسل الخطيب الذي عودنا تقديم مجموعة من المسلسلات السورية الهادفة ذات الرسائل التربوية والقيمية والسياسية والثقافية، ولها بصمة هامة في الدراما السورية العربية الحديثة، والثقافة عمومًا.

وفكرة هذا المسلسل بدأت بعيد وفاة المطران، واعتمادًا على كتاب (ذكرياتي بالسجن) للمطران نفسه، وما تختزنه الذاكرة الوطنية حول المطران، فضلًا عن حوارات مع عدد ممن عايشوه وعاصروه، وما زالوا على قيد الحياة. فكل التقدير والتحية لقناة الميادين التي تحترم الذوق العربي وتعرف ماذا تقدم له ما يثري عقله وفكره ويرتقي بذوقه، وبئس الفضائيات العربية التي تشوه ذوقنا وتاريخنا وتحاول سلخنا عن واقعنا وثقافتنا.

إننا بحاجة إلى أفلام ومسلسلات جادة وهادفة تحمل رسالة وطنية وقومية وهادفة ومؤثرة للارتقاء بالوعي العربي والذوق الفني العام، وتتصدى لكل أشكال الهزيمة والتطبيع الثقافي والفني والسياسي، ويعزز هويتنا الوطنية العربية والحفاظ على ارثنا التاريخي الماجد.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد بلحاج اية وارهاماستيقظتُ ذات ليلة خريفية لأجدَني غارقاً في عَرقٍ لزِجٍ أصفرَ، مريضاً، ساخناً كفُرنٍ، فعزوتُ ذلك إلى حُمّى عابرةٍ، ولكنها مع مرور ثلاث ليالٍ ظلَّتْ ساكنةً في جسدي كلاجئةٍ

فرَّت من إبادةٍ عِرقيةٍ.فقد فقدْتُ السيطرةَ على مزاجي، واختلَّ توازني، وانتفخَتْ عيناي، واخضرَّ هذَيَاني، وامتدَّتْ أشجارُ هواجسي في أراضي النهارِ والليل.

وبعد زيارة عدَدٍ من الأطبَّاء، أمدُّوني؛عَقِبَ التشخيصات المتنوِّعة؛ بأدويةٍ كثيرة، ووعدُوني بعد تناولها بالشفاء، دون أن يُسَمُّوا لي مَرضِي، فانحنيتُ لأوامرهم، وابتلعتُ أصنافاً مُقرفةً من الأقراص مُختلفةَ الألوان، وتحمَّلتُ حُقَناً لَسَعاتُ العقارب أحَنُّ منها.غير أن حالتي بقيَتْ كحَجَر في الماء، لا يَذُوبُ ولا يَتحرَّك، فيئِسْتُ من نفْسي، وصِرتُ أُمْطِرُ زُواري بأسئلةٍ حمقاء كقطراتِ سَرابٍ في فمِ عصفورٍ كسيرِ الجناح، مما دعا مُعايِدِيَّ إلى التخفيفِ من مُعايَدَتي، وإلى الشعور بالحَرَج، إلا واحدا منهم، فقد تَباطَأ حتى انصرف الآخرون سِراعاً، ثم قال لي:

- أنت صديق قديم لي، ما يؤلمك يؤلمني، ولن أغشَّك في النصيحة، وإن مرضك ليس في جسمك كما تعتقد، وإنما هو في سُويداء نفسك، ولا أحد غيرك لديه حقيقتُك، فلا تُزعجْ أصدقاءك بأسئلتك، إنْ أردتَ الاحتفاظَ بهم، فكَمْ مِن صداقةٍ قتلَتْها الأسئلةُ الخرقاءُ، فلا تَنتظِرْ أجوبةً حقيقيةً عن أسئلةِ حياتك، بل عليك أن تكتشفها في داخلك، ولا شيء غير هذا يُجْدِيكَ في عِلَّتك.

- يا لك من قاسٍ، لا يُمطر شفقةً ولا رحمةً، الخلاءُ الموحشُ المُكفهِرُّ ألينُ منك، وأكثرُ سماحة!!.

- صدِّقْني، إن الوهمَ بَاضَ في أعماقك، فخِلتَ نفسك مريضا، وكم كُثْرٌ هؤلاء الذين هم نُظَراؤك، والذين لا يكتشفون الرؤوسَ التي على أكتافهم، ولا يُكَرِّمونها، ولا القلوبَ التي تَدقُّ في صدورهم مغتبطةً بالحياة.

- إن ما تراه وهماً فِيَّ أراه أنا حقيقة، وبين الوهم والحقيقة شعرةٌ لا يراها غير الأسوياء، وبرزخٌ لا يَعبُره غير الفؤاد المغسول بالنور.

(إن الوجود كتاب فيه مرقومُ

لكنه منه معلوم وموهومُ

والمُحْدَثاتُ هي الموهوم منه، ومَنْ

يُقالُ فيه إلهٌ فهْو معلومُ

وليس يَحكُم في الأعيانِ من أحدٍ

إلا وحاكمه عليه محكومُ

إنْ قلتُ هوَ، قال هذا لستُ أعرفُه

أو قلتُ لا، قال هذا فيه تقسيم

متى يُصَدِّقُ بالإحساسِ يُكْذِبُه

لكنَّه الأمرُ مَرحومٌ ومحرومُ

فمنْكَ تَعْلَمُ ما تَحوِيهِ من عَجَبٍ

لا من سِواكَ، لهذا أنت منهومُ

لا يَعْلَم الأمرَ مَن تُروِيهِ شَربتُهُ

وكيف يُدرِكُ عَرْفَ المِسْكِ مَزكُوم؟)*

- مشكلتُك أنك تُريد أن تَضع رأساً فوق رأسك، ليفكِّرَ لك في حياتك ومصيرك، وأنا لا أرضَى لك هذا، ولا أُحَبِّذُه، فاسبَحْ في بحرك، ولا تَجذِبْني إليك، واترُكْني سابحاً وحدي في بحر التأمُّل حتى لا أكون مثلك مريضا.

وتركني مُصَفِّقاً الباب خلفه كريحٍ تأكلُ ذاتَها من الغيظ، فجَزعتُ، وطَفقْتُ أُفكِّرُ فيما أنا فيه من داءٍ، ومن قلقٍ، وعدمِ رضاءٍ عن حياتي، ومن مُشكلاتٍ شتَّى رَكِبتْني.لا شك أن هناك خَطأً ما، أو شيئاً مفقوداً جعلَني أتخلخلُ، وأمضِي عميقاً في الاضطراب.فالداء سَهمٌ مسمومٌ، وعليَّ أَنْ أعرفه بنفسي، لا بغيري، وكيف سأسحبُ ذلك السهم مني، وأتخلَّصُ منه، ولا أعتمد على الآخرين في نزعه.

وصعدْتُ من جُبِّ نفسي بحبال الأملِ، ووقفتُ على صخرة التَّأمُّل، لاغيا من وجودي كل النقاشات والتساؤلات عن مَرَضي، ووضعتُ حدّاً للحديث عنه، فتمثَّلَ لي السهمُ مُجرَّدَ قشَّةٍ نحيلةٍ تستحيلُ رؤيتُها على العين، فعلِمتُ أن الوهم الذي وصَمَني به صاحبي ما هو إلا هذه القشة، فأمسكتُ بها ونزعتُها من ذاكرتي، ثم نفختُ عليها فإذا هي لا شيءَ يَطيرُ إلى لا شيءَ، وعلمتُ كذلك أن العديد من الأشياء التي .نَتُوقُ إليها ونسعى خلفها، ونعتقد أننا لا نستطيع الحياةَ بدونها هي المرضُ والسهم المسموم الذي لا نَحْذَر منه. فقررتُ من بعد ما بَصُرتُ بهذا أن أضع رأسي على وِسادة التأمل، وليس على وسادة الغير، وأن أقْضِيَ سحابةَ الأيام في ممارسة التأمُّل، وأن أتحمَّل جُرعةً كبيرة من الواقع، حتى لا ألجأَ إلى الوهم لِطَمْأنةِ نفسي، فأُصَابَ بذلك السهم المسموم، وأعيش ألماً وخيبةً هائلين.

إن حقائق حياتنا، عندما نكون قادرين على معرفتها، هي ذاتها التي ستُحَرِّرنا من المعاناة التي تُعذِّبُنا، فالتمكُّن من تحمُّل الواقع، هو الكفيل بتخفيفِ المعاناة، ورغم أنه قد يوجَد شيءٌ من الألم إلا أنه ألمٌ فقطُّ، فلمَ نُضيف إليه المعاناة؛التي هي في جوهرها رفضُ اختبارِ الحياة كما هي؟!.

لا شك أنه بعد مواجهة مرضٍ، أو صعوبةٍ، أو كارثةٍ ما، تَضطَرِمُ في دواخلنا رغبةُ الفهم والتفسير، إلا أن الحقيقة الأعمقَ هي أنَّنَا لا نعرف، ولا نستطيع إدراكَ كثير ممَّا يَحدُث في الوجود، وكل التفسيرات والتأويلات التي تأتي ما هي إلا بمثابة مُواساةٍ وعزاءٍ سَطحِيٍّ، أما العقل مهما بلغ سموُّه فإنه سيبقى متواضعاً ومرِناً، ولن يدَّعيَ أنه مُحيطٌ بحقائق الحياة، مُدركٌ لدقائقها، يتعلَّمُ ببساطة من صَدَمات الكوارث، ويَقبَل الخوضَ فيها دون استسلام.

فكَم من الوقت نحتاج لنرى الأشياء في جوهريَّتِها، وكما هي تماما؟وكَم فردٍ منا يُمكنُه تَحمُّل ذلك؟فمنذ - وَوَفْقاً لحِكمة(زِنْ) - تعلَّمتُ أنَّ حَاجِبَيَّ أفُقيانِ، وأنَّ أنْفِي عَموديٌّتعافَيتُ.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

.......................

* ابن العري: الديوان الكبير، تحقيق ودراسة وتعليق:عبد الإله بن عرفة، ط1، منشورات دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت2018م، 276/4.

 

شاكر فريد حسنعايدة نصراللـه، ابنة أم الفحم، كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية، وناقدة فنية مختصة في الفن متعدد الاتجاهات، تكتب القصة القصيرة والشعر والنقد الفني والمسرحي، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه عن اطروحتها تمثلات الجسد في الفن القصصي الفلسطيني.

وكنا عرفنا عايدة كقاصة من خلال ما كانت تنشره من قصص في مجلتي الجديد، والغد المحتجبتين، في الثمانينيات. وقد تعرفت عليها شخصيًا عندما عملت بمكتب الاتحاد في أم الفحم، الذي كان يديره المناضل العريق توفيق حصري (أبو الهمام) أمد اللـه بعمره، وكان يعمل فيه ايضًا صديقي العزيز النقابي جهاد عقل، وكثيرًا ما كنا نجتمع في حلقة نتبادل الأفكار والآراء، ونطرح قضايا الثقافة وهموم السياسة والمجتمع.

وسبق وكتبت عن عايدة مقالة نشرت في حينه، على صفحات الأهالي، التي كان يرأس تحريرها الشاعر والصحافي القدير المرحوم سالم جبران، ثم كتبت عنها مداخلة نقدية حملت عنوان عايدة نصراللـه اشراقة الفن القصصي والروائي والرسم بالكلمات على الجسد، نشرت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية المحلية والعربية والعالمية.

وكان قد صدر لها ثلاث مجموعات قصصية هي: حفنات وأنين المقاهي ومهد من ورق الشجر، ولها رواية بالألمانية عنوانها عزيزي من وراء البحار، وفي مجال النقد الفني والمسرحي والأدبي لها عشرات المقالات الأكاديمية، وشاركت في عدد من المعارض والمؤتمرات المحلية والدولية.

وفي بداية هذا العام 2020 صدر ديوانها الشعري الأول الموسوم ألوانٌ مِنَ الحُبْ، ويشتمل على قصائد في الحُب والرومانسية والوطن والسياسة والهموم الإنسانية والقلق الوجودي الحضاري، متشحة بمسحة من الحزن والشجن وفي الوقت نفسه فيها أمل وتفاؤل رغم الألم والوجع الداخلي العميق في داخلها.

وتطفح قصائد الديوان بالتعابير الرومانسية والايحاءات والأبعاد الواسعة والصور الشعرية الجديدة المبتكرة، والأوصاف البليغة، والاستعارات الجميلة، والخيال المجنح، بمنتهى العمق في معانيها وتعابيرها ونزعتها الإنسانية، بأسلوب مدهش، ولغة باذخة ثرية ورشيقة.

ومن جميل ما قرأت لعايدة قصيدة عتبة الدار، التي تقول فيها:

على عتبة الدار

خلعت مني المدينة

موسيقى الجاز

المسافات

وقفت عارية

إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

لاقتني الجدران القديمة

صيحات الباعة

أحضان أطفالي

عيون أمي

قفز أبي من غفوته المؤبدة

ومضت عيناه بوجهي

غامت عيناي

فوقفت عارية

إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

سكنتني ضفائر جدتي الضريرة

أيام

عبث على صدرها مفتاح الدار القديمة

واهتز خصرها على شجرة الزيتون

وزغرد مد لاج البوابة

لقفتني كل خوابي البيت

التي تنهدت من فراغها

من كوابيس عن جن مجهول

تنطتت في المخيلة

فرغت الخوابي من الجن

ومن التنهيدة

...إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

أطلت الجارات من الذاكرة

خرجت وجوههن من الطابون

نفثت حرارتها على الصدور العارمة

التي توطنتها أحاديث الغزل السري

سال الزيت من أفخاذهن

والغسيل المنشور لاح من بعيد

في أوج صباحات

التهبت بالعناق

غادرتني الذكرى

ذهب العناق

وخلت الدار إلا من عينيك

***

على عتبة الدار

عايدة نصرالـله شاعرة متمكنة من ادواتها، تملك القدرة على التصوير والتعبير الشعري، تكتب بجرأة قلّ مثيلها في زمن الصمت والرمادة، وتجيد أيصال مغزى قصيدتها ومعانيها للقارئ، ما يمنحها قراءة ممتعة وشائقة.

أجنحتها قوية وثائرة، تطير وتحلّق في الفضاءات التي تريد، إلى حيث المرأة التي لطالما حلمت بها، لا قيود ولا أغلال ولا خطوط حمراء، حيث الأنثى المتحررة، المتمردة، المثقفة الواعية لرسالتها، التي تعشق أنوثتها وتبوح بها بكل ثقة وجرأة.

كلماتها قريبة للقلب والفكر، مؤثرة، تنفذ فينا كرصاصة، وتبحث دومًا عن الذات التي بداخلنا. وهي تقدم في ديوانها مجموعة من الفضاءات الشعرية، تتراوح بين الواقع والحلم. أحيي الصديقة الكاتبة عايدة نصرالـله، وأبارك لها صدور ديوانها ألوانٌ مِنَ الحُبْ ، متمنيًا لها حياة زاخرة بالعطاء والأبداع والتألق، ومكللة بالصحة والعافية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

حيدر الحدراويالخير كل الخير في الماء، ينساب في المنحدرات، فيملأ الوديان، تاركاً القمم باسقة غير عابئاً بها، فهو الذي صنعها وجعل لها وزناً ومكاناً مهماً لدى أرباب القوارب والزوارق، لكن الماء لم يسئل نفسه يوماً هل هذه القمم جديرة بما منحها من منزلة أم لا؟!، الماء نفسه لا يعبأ أيضاً بما غمره في الوادي من كنوز لا زالت مغمورة لم تكتشف ولم تبرز للسطح الا ما ندر، ولا يهمه سوى ان يحافظ على اللون الأخضر في جنبات الوادي وعلى سفوح الجبال، إدامة لاستمرار جمال الطبيعة الخلاب والذي لا يكون إلا به وينعدم بإنعدامه.

للماء تيارات داخلية وأمواج قد تتلاعب بها الرياح من الخارج، يبلل هذه القمة فتخضر، وينحسر عن تلك القمة فتجف وتصفر، لعل القمة التي جفت واصفرت خير من تلك القمة التي أخضرت، لكن الأمر ليس بيده، فالرياح من الخارج قررت، وتياراته من الداخل لعلها انقادت أو تمردت، وربما أذعنت الى أهواءها أو الى أجندات خارجية، رغم هذا وذاك يبقى الماء سر الحياة والجمال.

في زمن الانهيارات الثقافية الجيولوجية التي رفعت بعض القمم وأطاحت بالبعض الأخر لا عن كفاءة واقتدار وتمكن، بل ربما الصدفة لعبت دورها، أو مواربات الكواليس الخلفية تهادنت مع أصابع طامعة خفية على أن تزعج الماء وتغضبه كي ينحسر عن بعض الأماكن لتبرز اليابسة، القاحلة، البور، السبخة، التي لا تنفع في شيء، أو يسحب وجوده من أعماق التربة فيحدث الانهيار، تندرس قمم كانت كفوءة في مواجهة أخطار الرياح والأعاصير، وترقت قمم كانت بالأمس ترزح في عالمي الجهل والظلام.

حال الثقافة الراهن لا يختلف كثيراً عن حال الماء، فالرياح الخارجية لعبت بها وقادتها نحو الحضيض، وتياراتها الداخلية انقادت الى سطوة الرياح ولعلها انسجمت معها، على أثر ذلك اختفت المكتبات الكبيرة وشحت الكتب بعد ان غادرها روادها، أو بعد طغيان ثقافات أخرى، كثقافة الدولار والاثراء، أو كثقافة الطبخ والغذاء فانتشرت المطاعم بدلا من المكتبات، وحلت الوجبات السريعة بديلاً عن بائعي الكتب على الأرصفة، بينما ازدهرت فضائيات الطبخ بشكل واسع مقابل خفوت في الفضائيات الثقافية التي تناقش الكتب والأفكار.

لعل اسلوب العرض الثقافي أصبح مملاً، لا يستهوي حتى رواده، أو ربما تسلقت شخصيات بعيدة عن عوالم الثقافة والفكر والعطاء الإنساني وتجاهل الشخصيات الإبداعية الحقة والمؤهلة علمياً وثقافياً وإبداعياً، لأسباب كثيرة لعل من أبرزها التداخلات السياسية أو الدينية أو حتى الدولارية على غرار المقولة القديمة (من لا مال له، لا علم له)، فالعالم الفقير والمبدع المعدم التزما الكواليس وركنا الى عالمي التجاهل والنسيان .

رغم ذاك، هناك من المبدعين من حطموا القيود وكسروا السلاسل وتسلقوا الحواجز، وظهروا عنوة على كل التيارات والأمواج ليعلنوا عن وجودهم كذوات نبيلة وإبداع إنساني لا زالت موجودة رغم كل عوامل التعرية الثقافية، الدكتور صالح الطائي خير مثال نقدمه بشكل سريع ومختصر كنموذج للإبداع الإنساني في زمن ليس ككل الأزمان .

صالح الطائيد. صالح الطائي برز في مجالات عدة، لعل ابرزها :

1- البحث:

تميزت بحوثه بالصبغة الاسلامية العصرية، والنظرة الثاقبة والتحليل الدقيق، كما أمتاز أسلوبه البحثي :

أ/ الرصانة العلمية .

ب/ الشجاعة في الطرح.

ج/ الفكر الناهض .

د/ الترفع عما لا يليق والابتعاد عن الخرافات وتعريتها.

هـ/ الحيادية والترفع عن الميول الشخصية.

و/ إختيار دقيق لمواضيع البحث.

ز/ تعرية المنتشر والمتداول ووضعه بين كفتي الميزان العلمي الرصين.

ح/ توخي الأمانة العلمية.

ط/ الدقة العلمية.

مع كل ذاك وأكثر، لا غرابة ان تفوز بحوثه بجوائز قيمة، وتنال الاهتمام والرعاية من جهات مختلفة.

جانب من مؤلفاته في المجال البحثي:

أ‌- الإمام الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة .

ب‌- خرافة دولة الخلافة.

ت‌- جزئيات في السيرة النبوية.

ث‌- نظرية فارسية التشيع.

ج‌- عوالم الحكومة المهدوية، بجزئين.

ح‌- خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم.

خ‌- الحركات المهدوية المدعية.

د‌- ثائر في قرن الدماء؛ سعيد بن جبير.

ذ‌- الحسن بن علي الإمامة المنسية، بجزئين.

ر‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير.

ز‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلة وحرق البشر.

س‌- رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري.

 

2- أديب:

تتجلى في نصوص د. صالح الطائي الأديب القيم الإنسانية والتربوية لافتة للنظر من حيث الهيكل والبناء، وهو غني عن التعريف في هذا المجال، ومن أبرز نتاجاته الأدبية:

أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية.

ب/ مقدمات وأصول.

ج/ سعود الأسدي سيد اللغتين.

3- ناقد:

ككل أديب محترف يميل الى نقد الأعمال الأدبية، لكن نقده يتسم بالبناء والموضوعية، كأن صفة النقدية تلازم كل أديب ذو ذوق رفيع، ومن أعماله في هذا المجال:

أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية

4- شاعر:

قيل إن ( الشعر نزهة الأدباء)، لا يكاد هناك أديباً لا يكتب أو يمارس الشعر فغالباً ما يجد له متنفساً بين أبياتها بعد أن تنتابه لحظات شاعرية أو حالة من الحنين الى شيء ما يختلج في صدره، ومن أعماله في هذا الصدد:

أ‌- نوبات شعرية .

ب‌- عوالم الروح أو ملكوت الروح ( نصوص نثرية) .

بيد أن أعماله الشعرية أو النثرية يسودها الفعل المضارع، على العكس من الشعراء المتقدمين بالسن حيث يسود شعرهم الزمن الماضي، ربما لشخصيته الفريدة أو لقلبه المفعم بالشباب والحيوية.

5- كاتب:

د. صالح الطائي غني عن التعريف ككاتب، فله المئات من المقالات المنشورة في الصحف وعبر الشبكة العنكبوتية، فهو في هذا المجال كالسيل الجارف لغزارة نتاجاته وفي مختلف المواضيع .

شخصيته:

تميزت شخصية د. صالح الطائي بميزات عدة :

1- القلب الطيب: والكبير والذي يمكنه احتواء الكل ممن يتفق معه وممن يختلف معه .

2- الروح الشبابية : المفعمة بالهمة والنشاط، لا ينفك عن الكتابة ولا يكل من التفكير .

3- الإنفتاح : تميزت شخصيته بالانفتاح على الجميع، دونما استثناء، جميع الأعمار وجميع الفئات .

4- التواضع: صفة ملازمة لكل شخصية ناجحة، لا مجال للترفع الا عما يجب الترفع عنه، وهنا يضرب د. صالح لطائي اروع المعاني من خلال شخصيته المتواضعة.

5- الروح الوطنية : وشعور عال ورقيق تجاه الوطن وابناء الوطن، شعور بالانتماء (للوطن) والتواصل (مع أبنائه)، يؤذيه ما يؤذي الوطن والشعب فيصرح عما يختلج في صدره بمرارة وألم، وإن لم يتعرض هو للأذى شخصياً، ويفرحه ما يفرح الوطن وسكانه (وإن قل) فيدون ذلك بفرح وسرور، وإن لم يصبه شيء من ذلك المفرخ السار.

6- المهابة : لكل ما تقدم وأكثر، ظهرت على شخصيته المهابة في قلب من يراه يقابله، وهنا المهابة مهابة إحترام وتقدير لنبل شخصه .

يستمر الماء بإرسال أمواجه، الصغيرة والكبيرة، بعض المبدعين ممن لا يجيد العوم قد تغرقه الأمواج الصغيرة، والبعض الأخر من المبدعين لا تغرقهم إلا أمواج كبيرة وعاتية، رغم هذا وذاك يبقى هناك دوماً ودائماً مبدعين كالجبال الباسقة، لن ترقى المياه إليهم كي تطمرهم، مهما كانت الأمواج عالية، وسوف ينبثقون من بينها ويثبتون للعالم انهم أكبر منها وأشد مراساً.

 

حيدر الحدراوي

.......................

* الصورة الثانية للدكتور صالح الطائي

 

 

 

احمد بلحاج اية وارهامتحت سقيفة من الهدوء جلستُ، متأمِّلاً أعماقي في مرآة الغروب، وكأنني نَسْرٌ منهَكٌ من التَّحْوِيم في الأعالي بأجنحةِ الخيبةِ.فقد قضيتُ يومي كله متململاً، ضجِرا، متألِّماً، شاكّاً في أنفاسي وفي وجودي، متسائلاً عن غاية جلوسي هنا، وما الذي يبقيني فيه؟! هل يكون طعْمُ الوحدة مُشتَقّاً من طَعْم الوهْم؟!عاجزٌ أنا عن تَخيُّلِ كيفَ سأحتملُ حالتي هاته.

بدأتُ بالبكاء، واستَنَدَتْ روحي على روحي، خوفاً من الارتعاش المُشتعِلِ بالانفجار، وخُيِّلَ لي أن الحياة بلا حُبٍّ شَرابٌ مَسمومٌ لا حاجةَ لي به، ومع كل ما لَديَّ من مالٍ أحسَستُ بأن تقديري لذاتي قد اختفَى، وبأن الأشياء تنظرُ إليَّ بإشفاقٍ، ثم تَزْورُّ عني مُخرِجةً ألسنتَها استهزاءً، وارتَفعَ نشيجي، وأدركتُ أنه أيّاً كان عَددُ أصابعِ عقلي، فإني لن أكتب إلا بأصابع يدي نكايةً في هذا العقل القِرْدِ الذي أَوْصَلَني إلى ما أنا فيه الآن (قلتُ ذلك بصوتٍ مرتفعٍ كعمودِ دُخانٍ صاعدٍ في السماء.)

- العقل القرد؟! ما هذا أيها الرجل؟ أقَبَّلَتْكَ في شرودك لوثَةُ فاتنةٍ فاغمةٍ؟!

وانتبَهْتُ؛ على صوت الصديق الذي كان يُجالسُني في السقيفة؛ إلى نفسي، وتمتمتُ:

- إن الأمر لكذلك، ولا تجادلْنِي في الذي أَوْرَدَنِي هذا المَوردَ.

- دائماً تُغْرِبُ.

- إنما العقلُ القِردُ هو الذي يُغْرِبُ.

- وما هو هذا العقل أيها المُثْخَن بالحِكمة؟!

- إنه هو ذلك الجزء الذي لا يعرف أبدا الراحةَ في داخلنا، يَنطُّ كقرد من غُصنِ شيءٍ، إلى غُصنِ شيء آخرَ، ومِن النقيض إلى النقيض، لا يكُفُّ عن الثرثرة، ولا يَرضَى بأمرٍ ولا عنه، هو دائما خائفٌ ومترقبٌ ومتلهفٌ، من طبيعتِه إفسادُ ما يقَع تحت يديه، وإطلاقُ الأحكام من غير تَروٍّ، لا يُعجبُه شيءٌ ولو كان أجملَ من الجمال، فهو نهرٌ من النقد والرفض جارفٌ، يقتنع بنفسه، لا بسواه، ويرى أن الحق معه أينما تحرَّك وقفز.ألا تر ى أن الحياة تحت ظل كائن كهذا تصير أصغر وأضيقَ وأبأس؟!.

- معك كل الحق، واعذرني إن تركتُ صحبةَ مَنْ عقلُه كهذا العقل، ثم سلَّم ونهضَ مُردِّداً:

(إِذا جُهِل السؤالُ، فإنَّ فيما

تَراهُ إِجابةً عِلْمُ السؤالِ

رأيتُ عَمىً تَكَوَّن من عماءٍ

وأين هُدى البيان من الضَّلالِ

إذا عاينْتُ ذَا سَير حثيثٍ

فذاك السيرُ في طلب النوالِ

ألَا إنّ الكمال لمن تَرَدَّى

بأرديةِ الجلال مع الجمالِ

فيَفهمُ ما يَكُون بغير قولٍ

ويَعجَزُ فهمُه عند المقالِ

لو أن الأمرَ تضبطُه عقولٌ

لأصبَح في إِسارٍ غَيرِ والِ

وقَيَّده اللبيبُ وقَيَّدتْهُ

صروفُ الحادثات مع الليالي

فإن الأمر تقيِيدٌ بوجهٍ

وإطلاقٌ بوجهٍ باعتلال)*

فخمَّنْتُ أن الوسوسةَ بدأتْ تأكله، وأنه لن يتذَّوَّق فاكهة النوم، فالكثيرون منا ينامون عندما يتعبون، والكثيرون ينامون لينسَوْا عالمَهم المؤلمَ، أو ليذُوبوا في أحلامٍ لا أرجلَ لها.ولكنَّ مَنْ نفَشَ فيه ماعزُ الوسوسة لن يغتسل بالنوم قطُّ.

وكلما نمْنا بعُمقٍ أكثر زادت قُدرتُنا، ليس على معرفةِ ما نُريده فحسب، بل وعلى السعي إليه بإرادةٍ أقوى، وشكلٍ أوضح، دون أن نَتَسَوَّلَه من أحدٍ، فالحياة ليستْ منحةً إلا من الخالق، وعلينا أن نُدرك أننا لسنا متسَوِّلين فيها تحت أي ظرف.وإذا كنا نمضي عبْر سنواتِ وجودِنا على هذه الأرض إلى الأحبَّة والأصدقاء والأقرباء، فليس معنى ذلك أننا نشْحذ منهم شيئاً، حتى عندما يُصيبنا القلقُ والضيقُ، وإنما غايتُنا أن نتأكد أنهم أسوياءُ، وأنهم غيرُ مَرضَى، وأن أسلوبهم في الحياة هو الذي يُثْبتُ ذلك، فالتصرف بأساليبَ مريضةٍ هو الذي يُصَيِّرنا مَرْضَى..مَرْضَى الجشعِ الذي يُسيِّرنا بالعقلِ القِرْدِ، فنخضعُ له وهو مُمْعِنٌ في ثَقْبِ أرواحنا دون هوادة، الأمرُ الذي نُصْبِح معه من دون الشعور بالأمان والرضا، وساقطين في هُوة اليأسِ، بعد تحقيقِ ما دَفَعَنا إليه من أهدافٍ، ومُستَحمِّين في فراغٍ عميقٍ قارسٍ كبُحيرةِ العدمِ.وبقَدْرِ ما يَقلُّ رضانا يَزيدُ يَأسُنا.

خرجتُ من السقيفة، فألفيتُ صاحبي رابضاً بالقرب منها، رمَقَني بحِدةٍ، ووضعَ كفَّه على كَتفِي، فشعرتُ بدِفْءِ المحبَّة يسري في جسدي، وقلتُ له:

ـ تعالَ نتعاونْ على فَكِّ ذاتَيْنا من أَسْرِ هذا العقل القرد، فنحن معتقلان لديه، حتى ولو تظاهرْنا بغير ذلك، فكُلُّ شخصٍ فيه عقلٌ قردٌ، وإن لم نعمل على إخراج هذا الطاغية من رؤوسنا سنكون كمن (يبكي من العطش وهو في وسَط الماء).

ـ انشغلنا عنه بالتحدُّث عن عالَمِ الشكل، وعالَمِ الفراغِ، وعالم البَشَر، ونَسِينا مفاعيلَه المستترةَ فينا، والمتلاعبةَ بنا.ولم ننتبهْ إلى أن كل الأشياء تنتهي إلى فَراغٍ، وأن كل فراغٍ يَتَحوَّل إلى شكلٍ، وبينهما نسعى ظانِّين أننا سنَقْتَرِن بالسعادة، وما هي إلا معاناةٌ تَتَشَمَّسُ في دواخلنا.

ـ حقا، لقد رَكِبَنَا وَهْمُ امتلاكِ العقل، فتُهنا في غابةِ الأشياء.

عانقتُ صاحبي كأني لن أُعانقه مرة أخرى، وكأننا لن ننظر إلى ما وراء الحياة، حيث لا يمكن أن نخسر أي شيء.وعندما نفهم هذا، ونُوقِف التعلقَ بذواتنا يختفي العقلُ القِردُ، وتَبدَأُ المُعاناةُ في الانحسار.

انظرْ إلى الربحِ والخسارةِ بعينيِ العَدَمِ، لا بعينيِ الوجودِ، واعْتَبرْهُما لا مِنْ ذاتك، وتخَلَّ عنهما إلى الأبد، تَكُنْ في الكون أسعد.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

 

محمد الدعميأما لغتنا الحبيبة (العربية) فهي الأخرى قد تعرضت لمختلف أشكال التغير وقوى التعرية والاندثار، إذ ماتت العديد من لهجاتها القديمة على نحو متتالٍ عبر الدهور والقرون المتتالية، ولم يبق من هذه اللهجات سوى ما يسمى بــ”لغة قريش”، شكرا للرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) وللقرآن الكريم اللذين حفظا اللغة العربية لنا عبر الأجيال وتتالي الأزمان، لتنتهي إلينا كما نعرفها ونتعلمها وندرسها ونستعملها اليوم. علما أن فضل الإسلام في الحفاظ على “لغة أهل الجنة”ـ لم يكن محدودا بالعرب من متكلمي “لغة الضاد”، لغةً أُمًّا، ذلك أن فضله كان عابرا للحدود القومية والإثنية، بل وحتى الثقافية المحلية لتصبح العربية واحدة من أكثر اللغات انتشارا وتداولا عبر العالم، مستذكرا مقالتي المهمة لـ(الوطن): “تعلم العربية ولو في واشنطن”.

ومع ما مر ذكره حول “لغة العرب” وقصتها، فإن على المرء أن يلاحظ أن اللغة العربية قد بقيت هدفا لأعداء العرب، بوصفها العمود الفقري للوحدة القومية، ولتماسك ثقافة هؤلاء الذين يستعملونها من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، منذ العصر الوسيط، أي مع ظهور وتبلور “الحركة الشعوبية”، مذاك حتى عصرنا الجاري هذا، إذ تتعرض هذه اللغة العالمية، والمعتمدة في أروقة الأمم المتحدة وفي سواها من المنظمات الدولية والمنتديات العالمية، إلى أشكال عدة من الهجمات الخطيرة التي حاولت النيل منها ومن التمسك بها كلغة عالمية، وأهم هذه الهجمات والمؤامرات:

(1) مؤامرة تغليب العاميات والدارجات على الفصحى: وهي مؤامرة تتجسد في الدعوة إلى الكتابة والتكلم بالعاميات كالعراقية (البغدادية) أو المصرية أو اللبنانية، مدعية تيسير التفاهم بواسطة العربية للأجيال الناشئة، باعتبار أن الفصحى لم تعد عملية ولم تعد قادرة على مواكبة حاجات الأجيال الشابة الصاعدة الجديدة. زد على ذلك اعتمادها الهجمات المتكررة ضد اللغة العربية الموصوفة بــ”الوسطى”، أو “الأكثر انتشارا” بمعنى اللغة العربية الشائعة المعتمدة في نشرات الأنباء وعبر الأثير في البيانات العامة، باعتبار الفصحى القديمة صعبة الفهم من قبل عامة الجمهور المتلقي؛ (2) تشطير وتقسيم اللغة العربية أفقيا (أي على أساس جغرافي وإقليمي) بمعنى اعتماد اللهجات المحلية الدارجة بدائل للفصحى، خصوصا بقدر تعلق الأمر بشرذمة اللغة العربية عبر الأقاليم التي عانت من الاستعمار الاستيطاني، مثل الجزائر ودول المغرب الشقيقة الأخرى. ناهيك عن مؤامرات تغليب اللهجات المستعملة بين قبائل البربر عبر شمال إفريقيا، كما هي عليه الحال مع “الأمازيغية”، بوصفها جزءا من نزعة وطنية مقاومة “للتعريب”! (3) مؤامرة صد ومقاومة كل جهد من شأنه توحيد العربية تحت بيرق الفصحى، من نوع رفض أو إهمال قرارات الهيئات والمنظمات القومية الخاصة بترسيخ وإشاعة التداول بالفصحى، كقرارات المجالس اللغوية المعتمدة قوميا، مثل مجلس اللغة العربية (القاهرة) والمجمع العلمي العراقي (بغداد) وما شابه أو طابق في كل من الشقيقة سوريا وسواها من بلدان عالمنا العربي الكبير، خصوصا عبر دول المغرب العربي الشقيق (4) مؤامرة الدعوة إلى نبذ اللغة العربية بوصفها لغة “محلية”، لا تقوى على منافسة اللغات العالمية (كالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية). بل، وعد التخاطب بالعربية شكلا من أشكال “التخلف” وضعف المعرفة أو الفشل في مواكبة العصر. (5) مؤامرة مقاومة تعريب المناهج والمقررات الجامعية، بدعوى أنها لا تساعد الدارس في الجامعة على التقدم نحو الدراسات العليا عن طريق المزيد من المعارف المتخصصة المنشورة باللغات الأوروبية! (6) مؤامرة إيجاد وإشاعة “لغة عالمية” جديدة لتحل محل جميع لغات العالم، ومنها لغتنا العربية. (7) مؤامرة فرض التفريق بين النشء والشبيبة العربية، من جهة، وبين النصوص العربية الجاهلية ونصوص صدر الإسلام، باعتبارها نصوصا غير مفهومة من قبل الشبيبة والنشء، وأنها بحاجة لأن “تترجم” إلى لغة عربية ميسرة قابلة للفهم وللاستيعاب من قبل الأجيال الجديدة!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

رشيدة الركيككلما سمعت صباحا صياح  الديك علمت أن الحياة مستمرة، وأنه يوم جديد يحمل في طياته أحداث جديدة قد تضمد جراح بعضنا، مثلما قد تحمل أحداثا مؤلمة للبعض الآخر.

ذلك حالنا مع الحياة وكأن الألم سنة من سننها، ولكن سيظل كل يوم جديد تشع نوره

وتسطع شمسه مبهجة ببريقها، مرسلة طاقتها الدافئة كلما اشتد برد قارص وقاهر لقدرات الإنسان على التحمل.

سيطل كل يوم جميل بشتى صوره المعبرة أمام عيوننا، وبأصوات الطبيعة وزقزقة العصافير معلنة بداية جديدة لحياة منتظرة، وإن عشنا ظلاما قيل عنه حالك، إلا أنه سمح لضوء القمر وشكله الجميل بالظهور، فسمح لضوء النجوم بالبريق  ليجعل من الظلام بريقا ملفتا للنظر معبرا عن جماله.

علمتنا الحياة في كل يوم أن الألم من دواعي العيش، وأنه مطلب أساسي لتذوق طعم السعادة وتميزها عن غيرها. هكذا فقد يجعلنا ألم الفراق أن نتغزل في جمال مفتقد، وقد يجعلنا الصمت المخيف مصدرا لهدوء نحتاجه بعد ضجيج كنا نعتقد أنه الحياة.

كلما خرجنا للشوارع بدت لنا مهجورة من سكانها، ووجدنا السكينة سكنتها، اليوم حياتنا على الأرض فرض ملامحها فيروسا مجهريا، أدخل الناس مساكنهم وأطعمهم من خيراتهم وكدهم، فارضا ثقافة جديدة في الأكل والعلاقات الإنسانية بل حتى في التعليم، و كأنه نسق جديد ومتكامل للحياة.

قد يتألم البعض ويشتكي من حاله، وقد يهدأ البعض الآخر من هول التغيير، وقد تحمل فئة شعارات منشغلة عن ما يقع أو منشغلة به، بينما تنشط كلمات معبرة ويسيل مداد أقلام المفكرين والمثقفين بسخاء في تحليل وقراءة ما يقع، كل من منظوره وحسب تكوينه الخاص.

 ومع ذلك كل واحد يرى في زمن كورونا ما يراه، هو بالنسبة للبعض لعنة أصابت البشرية وحيرت العلماء وأظهرت قلة حيلتهم بعد قرون من الغرور والجري وراء التراكمات العلمية.

نعم قطعنا أشواطا بخطوات طوال عراض وبسرعة مهولة، أردنا تخطي قوانين الزمن بابتكار آلة السفر عبر الزمن للرجوع إلى الوراء أو حتى في اتجاه المستقبل.

صار كل شيء ممكنا فغيرنا حتى من شكلنا بحجة التجميل والبحث عن الكمال ونحث الأطباء في ملامحنا بحجة البحث عن الجمال  وكأننا نعرف معناه ، أو حتى له صورة واحد متفق عليه بين الشعوب والأفراد، إلى أن اختلطت علينا بعض الأشكال من تشابهها.

لقد ادعى الإنسان التنبؤ بالكثير من الظواهر وفق مبدأ السببية بدعوة حماية الأرض،

إلى أن اغتر بحياة كثيرة البريق تسير بمنطق التقدم الخطي في اتجاه التطور، لكن وبشكل مفاجئ تقف حركة الحياة على الأرض خوفا من نهايتها على يد فيروس مجهري قيل عنه ذكي، وقيل عنه ضعيف، وقيل عنه قاتل ولا أحد يعرف حقيقته...

وإن كنا نعيش الألم ونتعايش معه في شتى مناحي الحياة، إلا أنه لم يكن يوما ألمنا واحدا ومصيرنا مشتركا. اعتقد كل واحد منا  أن مشاكله أكبر وأن معضلته ليس لها حلا، وأنه لا يملك سوى التحسر على أحلام تبخرت أو حتى صارت سرابا.

ولأول مرة في التاريخ يشتكي البشر من نفس المصير والمآل، ولأول مرة في التاريخ نصطدم بتنبؤ العالم والجاهل بشكل غريب ويلتقي العلم بغيره، فقيل سيظل يراودنا شبح هذا الفيروس، وقيل سنقهره كما قهرنا غيره وسنعود أسيادا على الطبيعة من جديد...

وفي جميع الحالات تغيرت ملامح الحياة، لم تعد عادية كما كنا نردد كل يوم، فأصبح ذاك العادي ما نأمل تحقيقه لما له من نعم، وأصبح للألم رسالة وهو تذوق طعم الجمال.

وبين هذا الحال وذاك ستبتسم الحياة كلما نظرنا للسماء وجدناها على عادتها، وما علينا نحن إلا أن نضحك في وجهها كلما مدتنا بطاقتها ونورها، لعلنا استطعنا المقاومة والتحمل ، وتعلمنا  في كل مرة أنه لولا الألم لما رفعنا أعيننا للأعلى لندرك أن للكون رب يدبره.

 

بقلم رشيدة الركيك

 

نايف عبوشتميزت كتابات الزميل الكاتب والأديب إبراهيم المحجوب، بالتنوع، والتميز.. حيث دأب على تناول الأدب والسياسة والثقافة العامة والتراث، وغيرها من المجالات باقتدار واضح

ولا ريب أن كاتبا بهذه المواصفات اللامعة، يشكل ظاهرة إبداعية جديرة بالتلميح، والإعجاب،بما تعكسه كتاباته من قدرة عالية، وموهبة ذاتية، قد يفتقر لها الكثير من من الكتاب، في الساحة الثقافية، والأدبية.

وربما يكون لانحداره الريفي ابتداءً، بما يزخر به من بيئة حركية، تتسم بثراء تراثي زاخر، في أدب الغناء والزهيري العتابة والقصيد، وروايات الأنساب وغيرها، زائدا معايشته مجتمع المدينة، وانفتاحه على كل معطيات التمدن فيها، واحتكاكه باعلام الفكر والثقافة، ووسائل الإعلام فيها، بالإضافة إلى تحصيله الشخصي للمعرفة، كلها عوامل تغذية، وتفجير لطاقته الكامنة، وموهبته المتوقدة..

لذلك امتلك الكاتب ابراهيم المحجوب، قدرة عجيبة في الكتابة،  والمجاراة، يفتقر إليها الكثيرون من أقرانه، إذ بمقدوره على سبيل المثال، طرق الشعر، ونظمه، في اللحظة التي يتطلب الموقف منه، التفاعل الفوري مع الحدث ، كما أن بإمكانه الكتابة في المواضيع التراثية، والاجتماعية، والاقتصادية، في وقت واحد، وبجدارة،متى شاء ذلك، في حين أن باستطاعته التعاطي مع حركة الأحداث اليومية،والتفاعل معها، وتناواها بالتحليل الجيد، والتصدي للمواضيع السياسية، والكتابة فيها، بأسلوب شيق، يجذب القراء .

إنه حقاً موهبة إبداعية متميزة، وطاقة كامنة واعدة، ومتوقدة، تجلب الإنتباه، وتستحق الإشادة.

 

نايف عبوش

 

ضياء نافعولد تشيخوف في القرن التاسع عشر (كانون الثاني 1860)، وفي القرن الحادي والعشرين (كانون الثاني 2020)، احتفلت الاوساط الثقافية الروسية بمرور (160) سنة على ميلاده . ظهرت الكثير من الكتابات الجديدة (والافكار الجديدة طبعا) حول تشيخوف بهذه المناسبة، ونحاول هنا ان نستعرض للقارئ العربي النقاط الاساسية في تلك الكتابات، التي تحمل طبعا آراء الباحثين الروس عن تشيخوف في القرن الحادي والعشرين، وهي آراء واجتهادات ذاتية، ولكنها – بالتأكيد – تستحق التأمّل، وتستحق ان يتعرّف عليها القارئ العربي، اذ ان تشيخوف هو واحد من هؤلاء الادباء الروس القريبين روحيّا من هذا القارئ، وبالتالي، فان كل شئ جديد عنه سيكون – بلا شك - طريفا وممتعا لهذا القارئ.

توقف باحث من هؤلاء عند موضوع (الثلاثي الروسي العالمي للادباء الروس)، وأشار انهم كانوا في البداية هكذا – دستويفسكي الاول وتولستوي الثاني وتشيخوف الثالث، ولكن ترتيبهم قد تغيّر بمسيرة الحياة الفكرية، اذ اصبح تولستوي الاول وجاء دستويفسكي الثاني، و تشيخوف بقى في موقعه الثالث، ولكن، الثلاثي هذا، كما يراه هذا الباحث اصبح هكذا الان – تشيخوف الاول وتشيخوف الثاني وتشيخوف الثالث، اذ تراجع الاهتمام بتولستوي رغم ان روايته الملحمية (الحرب والسلم) لا زالت تحتفظ بمكانها المتميّز واهميتها الاستثنائية في الادب العالمي، وتراجع الاهتمام بدستويفسكي رغم انه لازال يحتفظ بمكانته المتميّزة في مجال تشابك او تعشيق الادب والفلسفة معا، اما تشيخوف، فلا يوجد مكان لبيع الكتب في العالم لا يحتوي على كتاب لتشيخوف، ولا يوجد مسرح في العالم لا يعرض مسرحياته ضمن نشاطاته الفنية، ولا يوجد مخرج في العالم لا يحلم ان يقدّم مسرحية من مسرحياته (وقد تذكرت اسماء مثقفي العراق ومسارح العراق ومخرجي العراق في النصف الثاني من القرن العشرين فصاعدا مثل شاكر خصباك ونعيم بدوي وعبد الامير الورد وسامي عبد الحميد وصلاح القصب وغيرهم، وقلت بيني وبين نفسي – نعم، هذا كلام صحيح فعلا عن تشيخوف، وان هذا الامر لازال كذلك ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين رغم ان العراق جريح الان كما هو معروف ولا يزال ينزف دما مع الاسف الشديد) .

 باحث آخر أشار الى ان تشيخوف عاش 44 سنة ليس الا، وانه توفي عام 1904، اي انه رحل قبل تلك الاحداث الكبيرة و الهائلة التي حدثت في روسيا مثل الحرب الروسية – اليابانية، ثم ثورة 1905، ثم الحرب العالمية الاولى 1914، ثم ثورة اكتوبر1917 الاشتراكية، وانه لم يكتب عن كل ذلك طبعا، ولكن الروس الذين هربوا من روسيا بعد ثورة اكتوبر واصبحوا لاجئين، كانوا يعرضون وهم في الغرب مسرحية (الاخوات / او الشقيقات الثلاث) لتشيخوف، وهم يبكون ويرددون، كم تبدو الامور وكأنها من الماضي العتيق، و كم تبدو ايضا وكأنها تتحدّث عن الامس القريب ليس الا، اي ان اللاجئين الروس (وهم صفوة المثقفين الروس آنذاك) لم يجدوا في الادب الروسي غير تشيخوف (الذي رحل قبل كل هذه الاحداث) كي يعبّر عن معاناتهم  وحنينهم الخانق الى موسكو (وقد تذكرت ان اللاجئين الروس أطلقوا على دار النشر التي نظمّوها في الغرب اسم – دار تشيخوف للنشر، والتي ساهمت بشكل كبير في عملية النشر العالمي للادب الروسي ودراساته باللغة الروسية، وقدّمت مصادر مهمة جدا في هذا المجال لازالت تمتلك اهميتها لحد الان، وقلت بيني وبين نفسي، ان اطلاق اسم تشيخوف على دار النشر هذه لا يمكن ان تكون عفوية ابدا).  

الباحث الثالث تحدّث عن العلاقة بين تشيخوف وبوشكين، وهو موضوع تناوله النقد الادبي الروسي بشكل او بآخر (انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين وتشيخوف)، ولكن هذا الباحث أشار الى عنصر جديد في هذه العلاقة، اذ انه يرى، ان بوشكين هو الاديب الروسي الوحيد، الذي يمكن ان نسميه (الكاتب الحضاري)، الذي تكلّم عن الانسان كما يجب ان يكون، خارج نطاق مشاغله ومشاكله الاجتماعية اليومية، ولم يأت من بعده من أستمر بهذا الطرح، لا غوغول ولا تورغينيف ولا دستويفسكي ولا تولستوي، وان تشيخوف عاد بالادب الروسي الى تلك المسيرة البوشكينية (ان صح التعبير)، اي الى الموضوعة الحضارية العامة . و يرى هذا الباحث، ان اهمية تشيخوف تكمن في انه يجسّد الاستمرار الحقيقي لخط بوشكين في الادب الروسي، الخط الذي انقطع في مسيرة الادب الروسي بعد وفاة بوشكين (وقد تذكرت ما قاله تولستوي عن تشيخوف بعد وفاته، وهو حديث واسع ومنشور في كثير من المصادر الروسية، ولكني اريد التاكيد هنا على جملة واحدة قالها تولستوي عن تشيخوف في ذلك الحديث، اذ قال، ان تشيخوف فنان لا يمكن مقارنته بأحد، لانه خلق اشكالا جديدة في الادب، وانه في مجال التكنيك أعلى منيّ كثيرا، وانني اقول هذا متخليّا عن كل مظاهر التواضع الكاذب) .

ان الحديث المتنوع في القرن الحادي والعشرين عن ابداع تشيخوف يعني، ان هذا الفنان يخترق فعلا حدود الزمان ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

احمد بلحاج اية وارهاممع غبَشِ خطواتِ الصبح الأولى شَرعَ جَدّي في مَلْءِ اللَّوح الخشبيِّ، الذي لا يَنقصُ طوله عن طولي، برُموزٍ مختلفة، متتابعة على شكلٍ أفُقي، ولِحيتُه، التي كنتُ أظنُّ أنه اشتراها من ثَلجِ الجبَل ذات صُعودٍ إلي قمَّتِه، تكادُ تلتصقُ باللوح في شِبْه إغفاءةٍ، فصِحتُ به:

- ماذا تصنع؟!

بهمسٍ مراوغٍ أجابَ:

- ماذا تَصنعُ أنت؟! ألا تَعلَم أنك، بالرغم من سِنِّك هاته، مُمتلئٌ كهذا اللوحِ بنفْسِك، ممتلئٌ ببذور آرائك، وبذورِ رغباتك، وبذورِ أسئلتك وتَخَيُّلاتك، وحين يَحين أوانُك، سيُزهِر كل هذا في تُربةِ معناك. وإنك لا محالة لن تستطيعَ استقبالَ أيِّ شيء منِّي، فاللوحُ إذا امتلأ صار شجرةً يا بُني.

لم أفهم من كلامه نُوراً، ففرَكتُ عَينَيَّ ليفرَّ منهما النوم، واجتاحتْني رغبةُ تَسلُّقِ شجرةِ التين التي في منزلنا، لقطفِ بعض ثمارها المتَدفِّقة عسَلاً، وإسعادِ فَمِي بها، في هذا الصباح الذي لم تَلْثُمِ الشمسُ جبهتَه بعدُ.

للطفولة المبكِّرة منطقُها الذي يُدرك الأحداثَ، بعيداً عن منطق الكبار.فأنا لم أفهم رموزَ اللوح الذي كان يَكتبه لي جَدي إلا بعد أن تَوغَّلَ مِحراثُ الزمن عميقاً في جسدي.فما لم نُفْرِغْ ألواحَنا باستمرارٍ، فلن نتجَدَّد، ولن نتمكَّن من تذَوُّقِ الحياة، وتقديرِها، فألواحُنا هي نفوسُنا.. فإِنْ لم نُفرِغْها من التخيُّلات العبَثِيَّة، ومن أوهامِ المَلْءِ التامِّ، والتملُّكِ الأبَديَّ، صِرْنا شجرةً كما قال جدِّي لا تَصلح لكتابةٍ جديدة.

فكلما امتدَّ الخيطُ الأولُ للصباح أمام عينيَّ انتصَبَ جدي أمامي بمِنْساتِه المُقارِعة للوقت، وابتساماتِه المشعَّة كنجمٍ، وكلماتِه السائلة في أذُنيَّ نَغَماً مُترعاً بالمَحبَّةٍ:

- يا بُنَيَّ، خُذْ نجمةَ عُمُرِكَ بعقلكَ لا بقلبك، وأَضِئْ بها ما سيكون، لا ماكان.فنحن نَلِجُ الحياةَ بأيْدٍ فارغةٍ إلَّا من الصُّراخ، ونَحلُم بإمساكِ كلِّ شيءٍ فيها، وندَّعِيه لأنفسنا بجَميع وسائل التمَلُّك صادقِها وكاذِبِها، وحينذك يبدأ جوهرٌ رهيبٌ بالنموِّ في أعماقنا..جوهرُ التعطش الحارقِ إلى حِيازةِ ما على الأرض، بل وحتى ما في السماء، وتسْيِيجِه كنبضٍ يخصُّنا.

إن هذا التعطش أوقيانوسٌ في داخلنا، يواصل النمو والتمددَ بصورةٍ مُهوِلةٍ، وعلى مستوياتٍ أكثر غموضاً ومُراوغةً، لتُصبح حاجاتُنا أكثرَ تعقيداً.فما زلتُ أتذكَّرُ ما كنتُ أقُولُه لجَدي كلما صَحِبني معه إلى التسَوُّق:

- جَدِّى، أريدُ كلَّ شيء تَقعُ عليه عيني، أريدُ امتلاكَه وحدي، وإلى الأبد.

- ألم أقلْ لك إنك إذا امتلأتَ غِبتَ.

ثم يَجرُّني من يدي بلطفٍ مُهَمهِماً:

(أي لعنة مخبَّأة بين ضلوعنا

أي صرخة يتسلقها جَوعَى ومقاتلون

في حروب عَبثية؟!

أي كوكب يتداعى في الرأس

بمثل هذا العتوِّ والانهيار؟

أي قطار مُندفعٍ في براكين الدم

تُشَيعُه النظرات الوجِلة

ليتلاشى في هباء الدخان

أي قارب يضمَحلُّ

في هيجان الغروب؟

* *

أنتم يا من تَحتلُّون كل شيء

على هذه الأرض المحتشدة

بالذهب والرغبات

نَصَبتُم أعلامَكم الحمقاءَ

على كل تلة ومدينة

فوق كل بحر أوصحراء

وبلَغتُم الكواكب البعيدة

لكنكم لا تستطيعون

[الإمساكَ بذيلِ السَّديمِ

الذي يمتطي الهاوية].)*

تنسلُّ أصابعي من كفِّه الخشِنة، وأُصِرُّ بحَرَدٍ طُفوليٍّ على أن يكون لي ما أريد، ومن خلال دموعي أُبصِرُه يَفتَح صدرَه، ويُخرج لي منه كلَّ ما طلبتُه، كأنه ساحرٌ مقدَّسٌ آتٍ من سماء الأساطير، التي كانت جدَّتي تَطرزُها في ليالي البرد النابح. لم أَدرِ أنني سأقفُ على قمَّة العُمرِ مُفتَقداً إياه، وأنَّ التغَيُّر سيجرفُ ما أَملِكُ، وسيجرفُ جدي كذلك كشجرةِ ثلجٍ، كنتُ أعبَثُ بضوئها ونقائها.فالتَّملُّك يُشعرنا بأن أجسادَنا لها حياتُها الخاصة، ولكنْ من المؤسف أنه لا يُشعرنا بأننا سنُعيدُها إلى أصلها الكونيِّ الذي جاءت منه.ومن ثمة فإن رحلة الحياة ما هي إلا سِيرةُ استكشافِ أنواعِ الرغباتِ المختلفة، وسِيرةُ السعيِ إلى الأخذِ دون عطاءٍ، وهذا هو مصدرُ كثيرٍ من آلامنا في الحياة.ومنه حَذَّرَني جدي حين قال:

- تآلفْ مع التغيُّر يا ولدي تَحْظَ بالسلام.

- ولكنني لا أحِبُّ التغيُّرَ، هكذا أجبته.

- إذن، ستَشقَى في حياتك، ولن تَجِدَ أحدا بجانبك، فالجميع سيركبُ التغيُّرَ.

- بل سَأُسَيْطرُ على الحياة كما أنا، وسيبقى كل شيء بالنسبة إليَّ على حاله.

ولم أستوعبْ التغيُّر، ولم أتآلفْ معه، لأن كل شيء كان يأتيني بمجرد الرغبة فيه كطفل مُدلَّلٍ، وكنخلةٍ مُراهقةٍ تتمايلُ في صَحْن الدار، وتشمخ بزهو في السماء .ولكن عندما شاهدتُ جدي محمولاً على النعش ذات ظهيرةٍ أتَتْني القدرةُ على قبول التغيُّر كوجهٍ من وجوه الخسارة في الحياة، وليس كوجه من وجوه التحَرُّر المُفضِي إلى التطور، فلقد كنتُ أراه فشَلاً، ومع صُعودي في سُلَّم السنوات فهمتُ أنه ضروري لتغييرِ قِشرة الحياة التي نلْبسُها، وتبديلِها بقشرةٍ أنصعَ وأملسَ، نُحِسُّ في داخلها بِطَاقةٍ جديدةٍ تُقرِّبُنا من فلَك الطمأنينة والرضا.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

.....................

* سيف الرحبي: حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة، ط1، كتاب (دبي الثقافية)، الإصدار 30، منشورات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي 2009م، صص:105، 101، 100.

 

مصطفى النبيهما بين الإشاعات والواقع

السينما صنعت لتمنحك متعة ومعرفة وتنشط عقلك، من يوم ميلادها وأنغامها العذبة تسري في روح الإنسان، تحرك مشاعره وتخطفه لعالمها من خلال رؤية ممنهجة أعدت سلفاً تتراوح ما بين أفكار سلبية وإيجابية حسب الرسالة الموجهة من القائمين على صناعتها

قبل الابحار في الحديث عن هذا الفضاء الرحب وتأثيره على المجتمعات، سأتوقف قليلاً أمام زيارة رئيس حكومة الاحتلال "نتنياهو" إلى الهند وطلبه زيارة بليوود للتصوير مع الفنانين وخاصة النجم العالمي "آميتاب بتشان" الفكرة هنا أكبر من مجرد صورة، الاحتلال يدرك تأثير الفن على المجتمعات والجماهير الحاشدة الذين يلتفون حول النجوم، لذا فكر بخبث ودهاء كيف يستثمر هذا النجاح ويحصد السنابل ويسخر صوره مع نجوم بليوود ليؤثر على جماهيرهم لصالح دولة الاحتلال العنصرية، ويجمل صورتها القبيحة. من يبصر الأمر بشكل شمولي يدرك سر الشرارة التي انطلقت لتحرق العلاقات الفلسطينية العربية وتغرق المواطن البسيط المسحوق للدفاع عن النجم الذي يحبه ومع الأيام تتسع مساحات الاشتباك وتتشعب الحكاية بالألسن وعبر وسائل التواصل وسنأكل لحم بعضنا بعض ونخوض حروب بالوكالة وسينبت مليون انقسام.

فما بين مسلسل أم هارون ومسلسل مخرج 7.. علينا أن نأخذ نفس عميق ونعد من الواحد للعشرة قبل الحديث عنهما، حتى لا نجر وراء انفعالاتنا وعاطفتنا المشتعلة ونتناسى عقولنا ونستسلم للأيادي الخفية التي تعبث ليلا نهارا وتترك أذنابها، لتخمد تعاطف الشعوب العربية مع القضية الفلسطينية وتعزلنا عن عروبتنا وتستفرد بقضيتنا العادلة..

فمنذ أن أبصرت عالم السينما وعملت في مجال المرئي والمسموع، أدركت أن هذه الصناعة تعتمد على عنصر المفاجأة والتشويق والتوتير والتوقع وعكس التوقع، لتأخذنا في بحور المتعة. والمعرفة وتجني الأرباح للمستثمر وترسخ المفاهيم الذي بني عليها العمل، فالأحكام المطلقة على أي تجربة فنية لم تكتمل بعد والتعميم الأعمى يعد التطرف بعينه والتي تشحنه أصابع خفية حتى نخرج من النار إلى الرمضاء، فكل ما نحتاجه أن نتريث قليلاً "إنما النصر صبر ساعة " بخصوص الأعمال التي يدور الجدل حولها و انتشرت الانتقادات كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعية علينا أن نتجرد من التعصب ونحتكم للموضوعية والمهنية فنحن بحاجة لنشاهد العمل الذي يعرض أكثر من مرة حتى نستوعب المضمون ونعيد النقاط على الحروف

بدأت حملة التشهير قبل قدوم الشهر الفضيل بأيام، لفت انتباهي الهجوم الصاروخي على مسلسل أم هارون فتساءلت هل هناك من شاهد العمل قبل العرض أو قرأ السيناريو؟ هل تم تسريب العمل عمداً وكان الهدف منه الفوضى والتشهير، لفت الانتباه لحشد الجماهير وجذبهم لمتابعة المسلسل من أجل دعاية مقصودة، ساهمنا بها بشكل أو بآخر وأسئلة كثيرة راودتني، فلا يعقل أن ما يدور بالكواليس ما بين مد وجزر كان بشكل تلقائي لابد أن هناك مجموعات تخطط وتقف وراء الحدث لجر المجتمعات العربية لتتناحر في دائرة ضيقة تبشر بالخراب وتسوق الجميع للصعود للهاوية. حينها التزمت الصمت حتى شاهدت ثماني حلقات من مسلسل مخرج 7 ومن مسلسل أم هارون المثير للجدل، فأصبحت الآن قادراً بشكل أو بآخر للحديث عن الانطباع الأولي ومتابعة البناء الدرامي للأعمال.

بخصوص مسلسل مخرج 7 للفنان ناصر القصبي والفنان راشد الشمراني قرأت ما كتب عنهما وسمعت الضجة الإعلامية التي اختزلت طبيعة المشهد وجردته من مضمونه.

المسلسل اجتماعي كوميدي

أولا: بالنسبة لشخصية "راشد الشمراني" في المسلسل منذ بداية العمل وهو يمثل شخصية رجل نصاب بدون أخلاق يستغل ضحاياه للحصول على الأموال بأي طريقة كانت حتى أنه ينصب على ابنته وبنت بنته.

ثانياً: شخصية الفنان "ناصر القصبي" الموظف المتقاعس الجاهل الذي لا يدرك طبيعة التكنولوجيا والتعامل معها حتى يكاد أن يفصل من عمله لأنه لا يستطيع تحميل تطبيق يخص طبيعة عمله فيستعين بابنه الصغير الفنان الطفل فيصل الحربي ليعلمه التطبيق وخلال حديث يكتشف أن ابنه يلعب لعبة عبر الانترنت مع طفل إسرائيلي فيشعر بالخوف وتصيبه حيرة وقلق أمام هذه المشكلة ويبحث عن مخرج ،يدور حوار بينه وبين أخيه للبحث عن آلية لمعالجة الأمر فيطلب أخيه أن يتصلوا بأمن الدولة ويسلم ابنه فيرتعب الأب خوفاً على ابنه ويطلب من ابنته الفنانة هبة الحسيني أن تنقذ أخيها، فتخبره أنها عالجت المشكلة هي وأخيها، بكل بساطة قاموا بحذف اللعبة . يستمع الجد الاستغلالي والذي يقوم بدوره الفنان راشد الشمراني فيحكي لابن بنته الصغير

أن يحكي للطفل الإسرائيلي بأنه صاحب مصانع وعاش في أمريكا وممكن أن يتعامل مع والده بالتجارة، يرفض الطفل اقتراح جده ويقص لوالده ما دار بينهما.

يدور حوار مع الفنان ناصر القصبي والفنان راشد الشمراني على كيفية التعامل مع العدو الإسرائيلي فيقول الشمراني أن العدو الأساسي للملكة السعودية هم الفلسطينيين الذين يتاجرون بقضيتهم ويتنكرون للجميل ويتصيدون لنا ونحن نقف معهم فيرد عليه الفنان ناصر القصبي بأن القضية الفلسطينية لا تختزل بشخصيات مستفيدة انتهازية الشعب الفلسطيني شعب مقاوم ،مازال يناضل ويضحي وسيضحي حتى تحرير وطنه وأنهم سيبقون دوماً يناصروا القضية الفلسطينية فهي قضية عادلة وهم سيقفون مع الحق وهناك مشهد آخر تم الجدال حوله وهو يتناول الحديث مع الشابة الفنانة هبة الحسيني ابنة ناصر القصبي في المسلسل مع الشاب زيد السويداء الذي يحضر لهم متطلباتهم ، تسأله عن اهتماماته بقضايا الأمة العربية فيخبرها بأنه بعيداً عنها فهو منشغل بقضاياه الخاصة لا يفكر إلا بحياته ورزقة وأين يركن سيارته . وهذا الواقع الحقيقي للشباب بظل حالة التجهيل وفقر المعرفة والعولمة التي تجتاح الوطن العربي

أما بخصوص مسلسل أم هارون

أولا: أم هارون يهودية أسلمت، بعد أن أحبت شاب مسلم وتزوجت منه وانجبت طفل فتم قتل الطفل والزوج لم يتضح حتى هذه اللحظة من المسؤول عن قتلهما ولكنها بقيت على إسلامها، فنحن أمام امرأة مسلمة. يتضح من بداية المسلسل أنها مثقلة بالهموم والقهر والوجع رغم شخصيتها الملائكية المبتسمة التي تحاول إسعاد الجميع، صنعت من وجعها جسر السلام والمحبة ووهبت حياتها لتزرع التآخي بين الديانات، أخلاقها الطيبة جعلتها أم الجميع تتفانى في خدمة المجتمع فهي الصندوق الذي يحمل خبايا النفوس ويجتهد في زرع المحبة.

يبدأ العمل من خلال سردها للصراعات والفروق الطبقية وكيف يأكل القوي الضعيف والغني الفقير وعندما يرمي ميسور الحال للفقير قطعة خبز يكون الهدف أكبر من اطعام جائع يريد الغني أن يحتوي الفقير حتى يمجده ويجعله خادمه المطيع، تواصل أم هارون سردها عن الإنسان الذي يتنازل عن أخلاقه مقابل عظمة، كما يدور الحديث عن أدعياء الدين والسياسة لأجل منافع شخصية وكيف يتحول الحب لنقمة، وبعد سردها يبدأ العمل من خلال مذكرات تكتب في لندن عام1950 تتناول واقع يهود الخليج وتجربتهم لتوثقها للأجيال القادمة.

بعد السرد، يبدأ المسلسل بالتحضير لحفلة زواج علياء ابنة النوخذة بوسعيد من ابن عمها جبر يتضح من خلال المشاهد المتتالية أن جبر فرض عليه أن يتزوج ابنة عمه التاجر الغني بوسعيد فهو من رباه ويعمل لديه لذا يتخلى عن علاقة الحب التي تجمعه بالمسيحية مريم فيخون حبها ويوافق على الزواج من ابنة عمة التي تحب محمد ابن الملا عبد السلام التي تجمعه علاقة حب باليهودية رحيل، ومن هنا يبدأ الصراع حيث يتحول الحب لنقمة تطارد الجميع فمريم تريد أن تنتقم من جبر فتتزوج عمه بوسعيد لتنتقم منه وعلياء تريد أن تنتقم من محمد فتفضح علاقته برحيل، يتقدم محمد والده الملا عبد السلام لخطبتها فيرفض والدها الحاخام داوود بحجة أن زواجهم مخالف للشرعية اليهودية وهي مخطوبة لإسحق اليهودي  في يوم زفاف "جبر" تظهر ملامح شخصية الحاخام الانتهازية البخيلة من خلال حوار يدور بين ابنته الكبرى رفقة وزوجها عزرا وهو يحضر الذبائح هدية لعرس علياء وجبر و يتضح أن الهدف من الهدية استغلال علاقات النوخذة بوسعيد فهو يعلم أنه يتمتع بعلاقات مع أولي الأمر وسيستغلها لتحسين مشروعه التجاري فالحاخام من شدة بخله يرفض أن يشتري حذاء لزوجته التي تعاني من حذائها المهترئ ومن بخله يراقبهم وهو يأكلون. خلال الحديث الذي يدور بين رفقة وزوجها عزرا نكتشف شخصية اليهودي التي تفتقر للذمة والضمير فعزرا أخذ النقود من الحاخام ليشتري الذبائح للعرس ولكنه اشترى أغنام ميتة ليوفر النقود فمن سيأكل اللحمة هم المسلمين والمسيحيين، أما بخصوص اليهود يقول عزرا لزوجته: لن يأكلوا اليهود منها لأنها لم تذبح على الطريقة اليهودية. كما نرى الحاخام يتهم الملا عبد السلام بأنه يرفض شرب الشاي لأنه تخيل أن اليهودي شرب بنفس الكوب قبله فتثور ثورة الملا ويرفض الاتهامات بصورة انفعالية تدل على صدقه، وهناك مشهد لليهودي وهو يبيع الخمر بدل الحليب للمسلمين فيدور صراع بينهما، ومشهد آخر يوضح شخصية المرابي عندما تسدين " زنوبة" من عزرا عشرين دينار ويطلب أن تعيدها خمسة وعشرون، ونرى زوجة الحاخام مسعودة تأخذ زوجة التاجر والملا لساحر يهودي حتى يسحروا أزواجهم ليكونوا تحت طوعهم فينكشف أمرهم. خلال المتابعة يقدم لنا المخرج والمؤلف كل السلبيات للشخصية اليهودية كما يتضح صراع الديانات فمشهد الكنيسة واقتحامها من قبل الملا عبد السلام والحاخام داوود متهمين القس صموئيل بأنه يروج للديانة المسيحية بعد أن وزع كتيب على الأطفال يتحدث عن الدين المسيحي، وعندما تتزوج مريم المسيحية بوسعيد، يقول القس صموئيل: أنه بارك هذا الزواج حتى ينشر الدين المسيحي بين عائلة بوسعيد ونرى محاولة سيطرة الحاخام والملا على عقول الأطفال.

العمل يرصد واقع الصراع الديني قبل النكبة وعنصرية الشخصية اليهودية رغم تغليف الواقع بمشاهد سطحية توحي أن هناك تعايش بين الأديان فنرى النساء اليهوديات والمسلمات والمسيحيات في بيت العروسة كلا منهم يقدم لها هدية زفاف تعبر عن طقوسه الدينية. فما بين صراع ديني ونقمة في الحب ينطلق العمل

في يوم الزفاف يتحول العرس إلى عزاء حيث نسمع عبر موجات الأثير الرسمي المذيع وهو يزور الحقائق ويقول: تعلن إسرائيل قيام دولتها في تل أبيب فوق الأراضي الإسرائيلية وهذه جريمة لن تغتفر.

بعد نكبة ٤٨ واحتلال فلسطين نرى الأشقاء العرب في الخليج يثورون ويخرجون مظاهرات ويجمعون التبرعات لإخوانهم في فلسطين ويسرد العمل واقع المذابح بالمقابل نرى الشخصية اليهودية التي تحمل كل السلبيات ولم تصن العهد ولم تحترم الديانات تعمل بالسر لجمع الأموال والأسلحة لدعم الحركة الصهيونية في فلسطين

هذا ملخص ثماني حلقات من العمل يقدم قصة أم هارون التي أسلمت ووهبت حياتها لخدمة مجتمعها مع حفاظها على إسلامها كما يطرح الشخصية اليهودية بكل سلبياتها من بخل واستغلال مصالح وربا وخيانة وخداع وعنصرية وتطرف وانتصارها للحركة الصهيونية في الأراضي المحتلة وجمعها الأموال والأسلحة لدعمها

بالمقابل الشخصية المسلمة والمسيحية التي تنتصر للقضية الفلسطينية وتسرد جرائم الاحتلال وترويعه للمدنيين

يبدو أن كاتب العمل محمد عبد الحليم شمس والكاتب علي عبد الحليم شمس، تعاملوا مع المسلسل على أنه مجرد قصة عابرة للتسويق اهتموا بالإطار الخارجي للحكاية وقفوا على الحياد لم يعطوا لأنفسهم مزيداً من الوقت في البحث والتنقيب فنتج الكثير من المغالطات التاريخية، من وجهة نظري لم ينتصروا للقضية الفلسطينية، كما لم ينتصروا للتعايش والتطبيع ووقفوا على شفا حفرة ، فلو كانت لديهم هذه النية لما قدموا سلبيات الشخصية اليهودية التي تجعل المتلقي ينفر منها ،ولو كان هدفهم فلسطين لتعمقوا بالويلات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني من أجل تهجيره وإقامة دولة الاحتلال ولم يطرحوها بشكل عابر .

هناك مشكلة في الوعي العام والرسالة الموجهة التي فقدت مضمونها.

هذا ما قرأته خلال العمل الذي لم ينتهي بعد وبمشيئة الله لنا لقاء.

فعلينا أن نتذكر منذ نكبة عام ٤٨ وإقامة دولة الاحتلال على أنقاض دولتنا الفلسطينية المغتصبة وهو يفرض قانون، فرق تسد، قسمنا إلى مناطق وحملنا أوراق شخصية بألوان مختلفة، ليفرق ما بين الأخ وأخيه. وللأسف دوماً نغيب عقولنا وننساق كالقطيع وراء الطعم الذي يجرنا إلى التهلكة واليوم في ظل الفوضى التي تجتاح عالمنا العربي والانقسام الذي تجذر في أرواحنا حتى أصبحنا نخشى من صورتنا الوقحة في المرآة.

مازال الاحتلال يصب سمومه ليمارس قاذوراته ما بين قذف وتشهير من خلال شخصيات ساقطة ووهمية ليزيد الانقسام انقسام كي يعزل قضيتنا العادلة عن حضن الأمة العربية وكأننا نعيش مسرحية "ضيعة تشرين" حتى انسقنا إلى ما كان يصبو إليه، استسلمنا للانقسام البغيض الذي استعبدنا واخترق أرواحنا قبل أجسادنا وجعلنا أضحوكة، فعشنا الازدواجية تهنا ما بين العقل والعاطفة وللأسف لم نتعلم من تجاربنا، ولم نحاول أن نبتكر أي وسيلة جديدة للمواجهة وكأن الزمن ثابت ونحن حجارة ندور في دائرة مغلقة، نرفض أن نتجاوز نقطة الصفر.

الوقت يمر ومازال المشهد المأساوي يتكرر بنفس الصيغة ولكن المساحة الآن أكبر فما بين انقسام وانقسام يخرج خازوق أكبر ليشوه عدالة قضيتنا ويعزلها عن الحضن العربي، عاصفة الحقد التي يبثها ذيول الاحتلال تمتد لتستوطن أمتنا العربية حتى يتحول حبهم لفلسطين والقدس إلى نقمة عليها.

يتم تغذية هذا الحقد عبر الإشاعات المغرضة وبشخصيات مريضة لا يمثلوا إلا أنفسهم ليوتروا الساحة العربية حتى تنفجر وتتناحر الشعوب العربية وتأكل بعضها بعضا، إنها حرب ضروس قادمة، ستطحن الأخضر واليابس إن نمنا في العسل ولم ندرك حجم الكارثة، علينا أن نستيقظ قبل أن يخرج أدعياء الوطنية ليتصدوا للمشهد بمسميات مختلفة، فمازالت الهجمة تتوحش لتأكلنا جميعا. وهذا ما يريده الاحتلال، فأخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم ونقف نندب سوياً وننوح قائلين: أكلت يوم أكل الثور الأبيض

إن لم ندرك الأمر وننهض بعقولنا ونتخلص من الردح والبكائيات والانفعالات المرضية ونلجأ لشرعية العقل ونواجه السهام المارقة، فليس من العدل والذكاء أن نغرق في جحيم أعد لنا سلفا

فكل ما أتمناه أن نفكر جيداً فربما ننهض بأسلوب جديد يغير نهجنا الانفعالي الذي لن يعود علينا إلى بالعداوة والبغضاء مع أشقائنا العرب.

 

مصطفى النبيه – مخرج فلسطيني

 

 

ثامر الحاج امينفي فترة متأخرة من حياتهم، يعكف عدد من السياسيين والمفكرين والأدباء والفنانين والعلماء على تدوين جانب من مذكراتهم تتضمن حقائق واسرارا عن حياتهم الشخصية والمهنية، ومن الطبيعي ان تتفاوت المذكرات في اهميتها وقيمتها بحسب ماتكون عليه من شفافية وجرأة وثراء التجربة، فالبعض يجد في تدوينها فرصة لتجميل صورته والنفخ في تاريخه وعطاءه وعلاقاته الشخصية، في حين يتخذ اخرون منها اطلالة على حوادث تاريخية مهمة كاشفين عن تفاصيلها و أبرز رجالاتها يضاف الى ما تقدمه من دروس وعبر لاغنى للأجيال عنها، وهذا ما تكشف لي في كتاب (نقرة السلمان) اصدار 2010 لمؤلفه الكاتب والصحفي المناضل "جاسم المطير" احد نزلاء ذلك السجن الرهيب الذي اتخذ منه المؤلف عنوانا لكتابه واعتمد فيه على التدوين اليومي عندما كان نزيل ذلك السجن لسنوات مهمة من تاريخ العراق تلك التي اعقبت انقلاب شباط 1963، متجاوز فيه التجربة الخاصة الى الأمور العامة المتعلقة بحياة السجناء ونشاطاتهم ومعاناتهم والصراعات التي كانوا يعيشونها نتيجة الضغوط النفسية والسياسية.

ففي سرد تغلب عليه الموضوعية الى حد كبير ولغة أدبية صافية يأخذك الكاتب في رحلة تبدو شيقة لك فلاتشعر فيها بالملل رغم منعطفاتها ودهاليزها الكثيرة، لكنها مرّة وقاسية لمن عاشها واكتوى بحرارة جمرها، حيث يضعك المؤلف في صورة السنوات الدامية وماتخللها من انتهاكات انسانية رافقت ذلك الانقلاب المشؤوم كذلك الصراعات السياسية التي سبقت وتلت الحدث المذكور، كما يكشف عن صفحات رائعة من البذل والتضحيات التي قدمها مناضلو تلك الفترة والاسماء الفاعلة التي تحدت وحشة السجن وقيوده بالالفة والصبر وتحدت ايضا القسوة بالايثار والعطاء الثقافي، حيث يستعرض النشاطات الثقافية والمواقف الانسانية التي كانت تدور في ذلك المكان الذي اراد له الحكام ان يكون مقبرة للمناضلين لكنهم بصبرهم ومهاراتهم ووعيهم وايمانهم بعدالة قضيتهم استطاعوا ان يحيلوا تلك الصحراء القاحلة النائية الى ارض مزهرة بالعطاء ويجعلوا منها جمهورية مضيئة في ليل العراق الدامي، ومن المواقف التي تفيض شهامة وانسانية عالية تلك التي تحلى بهما نزلاء النقرة يذكر المطير في مذكراته التي استحقت ان تكون مرجعا للدراسين وللبحوث التاريخية يذكرهذا الموقف:

(يوجد مستوصف صغير لايداوم فيه طبيب ولا مضمد ولايزود بالأدوية، فقط توجد لافتة على الباب مكتوب عليها "مستوصف قضاء السلمان"، أغلب الحالات المرضية الصعبة لدى سكان القرية يعالجها الأطباء السجناء، أغلب الأدوية من صيدلية السجناء.

في مرة من المرات، في الثامنة ليلا حضر احد السجانة الى باب السجن داعيا السجناء الى انقاذ زوجته التي تواجه الموت المحقق هي ومولودها بسبب عسر في الطلق بعد ان عجزت القابلة الوحيدة في القرية من توليد المرأة.. لم يكن مسموحا للبدو بأي حال ان يقوم رجل بتوليد امرأة، تموت الحامل ولايسمح لأي رجل غريب، طبيب او غير طبيب بملامستها، لكن السجان استنجد بقسم الأطباء السجناء، خرج السجين جبار الموصلي مع جنطته بموافقة وكيل مدير السجن، حيث المدير غير موجود بسبب ذهابه قبل يومين الى بغداد في اجازة مرسلا من اطباء السجن لاستجلاء وضع المرأة الوشيكة الولادة واذا صارت هناك حاجة يذهب احد الاطباء السجناء، جبار الموصلي ليس طبيبا، معاون طبيب نشيط جدا يمتلك خبرة طبية واسعة صقلتها تجربة العلاقات السجنية وصار الجميع يثقون به كثيرا، عاد جبار في تمام الساعة الثانية عشر ليلا في غاية الانشراح والسرور فقد ولدت المرأة ذكرا، وفي صباح اليوم التالي أحضر السجان كمية من حليب الماعز هدية الى جبار قال وهو في غاية السرور والانشراح: سمّوني ابو جبار، اطلقت اسم جبار على ولدي، سأله احد السجناء بماذا كنت تسميها لو جاءك المولود انثى؟ أجاب: جبارة).

 

ثامر الحاج امين

 

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب – العشوائية 30

في السنة الخامسة من زواجنا، رزقنا بأول اطفالنا الخمس. مع القادم الاول، تناسلت ظروفٌ داخليّة بيني وزوجتي. بين التلاقي والتباعد تآكل الكثير من الوئام. وانتزع الخصام مكانا له بيننا. رغم العديد من الاجراس، احتفر دهاليزه وامتدّ عقوقه، إلى نّواح متشعبة في حياتنا.

بتنا مع كل مولود جديد، في ظروف تبتكر اشياء متعددة. ابعادها تثير تأويلات مكتنزة بالإيذاء دون أن تقوُلُ شيئا. إيذاء أعاد تشكيل ملامح علاقاتنا الحسية والعاطفية والنّفْسيّة والذهنيّة. حتى غدا السلام الايجابي بيننا، لَحظاتا مارقة متباعدة، جف وجدانها وقلت حيلها.

لم تَعُدْ المكونات المجهرية للعاصفة، لَيَنةَ الأظافر ولا حتى ناعمة. اشْتَدَّ عودها وبانت ملامحُها. اتخذت زوجتي من التلهي بالاولاد، متكأ لاهمالها بنفسها وبي وبعلاقاتنا. مع كل وليد، باتت لُغة اهمالها شّديدة التحديد، دلالات رُموزِها مثقلة بوجع متوهج وكثيف. تجامَحَت خُطى زوجتي فيما أسمته واجبات الأمومة. أثْخَنت في ايذاء ذاتها بالاهمال العفوي والمتعمد. رجمت علاقاتنا الزوجية والعاطفية بِوابِل عدم الاهتمام. وشكّكت حتى بجدوى الاهتمامات المتوازية.

لم يعد بمقدوري ان اصعر قلبي عما أتذوق من مرارات. فلاح في خاطري الاحتياج للتبرأ والخلاص منها. لم تعد مَعْصيةِ التجاهل الصمت هي الحل الامثل. فإمّا البقاء خارجَ زّمن الاهتمام، أو الارتقاء لِمواجهتِه. قلَّبْتُ وجهيَ في كلِّ اتجاه. ملتمسا ما يُسْعِفُني مِنْ وسائل التّخَطّي. بِصبرٍ جميلٍ بحثتُ عن زمنٍ مَفْقودٍ، سَليلاً للفائتِ أو مُراوغا له. ونبَّشتُ عن زمنٍ آخر، مُبْتَكَرا مُنقطعاً عمّا أعيش.

هاجَت مواجِعي وماجَت. وتعالَت أصواتُها بصريح القول، تُؤكدُ أنّ الترميم لن يعيد ما سَبَق، وتنكِر سُلْطةَ الواقع وعصمتَه، بعد ان حَطِّمَ القديمَ تَعمُّداً وعن جهل. وانصرف من الشّبيه إلى المُخْتلِف. وخَلَصْت إلى أنّ الاهتمام الزائد الخاطئ بالاولاد، هو آفةُ الخلل.

لم تكن زوجتي لقيطة في حياتي، فهي ام اولادي ورفيقتي لثلاثين عاما. فقررت الإيلاف بينها وبيني. بانفصال منصف لا ينكرها، ولا يطلق النارعليها، ولا يسلقها بألسنةٍ حداد. للعلم يا شيخنا، لم أكن حين قررت، قد نجحت في استنبات علاقة بديلة، مع العلم أيضا، أنني ممن يؤمنون ان هكذا استنبات، هو من مقتضيات المشهد الجديد، التي قد تسهم في تعزيزه.

كبر الاولاد، وبات اصغرهم على وشك التخرج من جامعته. حين مللت اللامبالاة. قبل أكثر من شهر، بعد العشاء، آوى الاولاد كلٌّ إلى سريره. وهي تجلس  قبالتي في صالة المعيشة، حسمت امري، وقلت لها: أعتذر عما سأقول مضطرا، قررت ان لا نكمل المشوار معا. لا تقلقي من النواحي المادية. ساترك لكم جل ما أملك. لتعيشوا ببحبوحة كما انتم.

بدت متماسكة كعادتها. ودون أن تدافع عن نفسها قالت: وفي البال حكاية تشبه حكايتنا، سأفعل مثل ما فعلت، واطلب منك شهرا إضافيا واحدا، نعيشه كأسرة.

سألتها متعجبا عما يمكن ان يحدثه هذا الشهر من تغيير في النتيجة. قالت بوجع بّيّنٍ: إعتبره مكافاة نهاية الخدمة. بعد تفكير سريع، وافقت.

بشيءٍ من الانكسار، وضبابُ دمعٍ يلوح في عينيها، قالت بصوت متهدج: وأنا أشكرك، أتمنى عليك أن تحرص على الغداء معنا كلَّ يوم. وأن تحملني من بعده إلى غرفتنا.

أبديتُ استغرابي بحيدة من طلبها. فقالت هذه أول مرة وآخر مرة، أطلب منك شيئا خاصا. أرجوك أن تقبل. وافقت على مضضٍ ونفاذ صبر، عاقدا العزم على تمضية هذا الشهر كيفما كان، كعتبة لا بد منها للتحرر.

مع موعد الغداء في اليوم التالي عدت. واتخذت موقعي على راس المائدة. أتابع أولادي وهم يساعدون أمَّهُم في ترتيب المائدة وتجهيزها بأناقة. إختلست النظر بشكل متواصل لهم. فمنذ أكثر من شهر لم تجمعنا مائدة مشتركة. كنت أُنْصِتُ بإعجاب لحوارهم مع والدتهم. بعد انتهاء الغداء إستأذنوا. بقيت منتظرا زوجتي لأحملها وفق الاتفاق إلى غرفتنا. ما أن اطلت عائدة من المطبخ، حملتها بين ذراعي وانا احس بالضيق. أوصلتها إلى الغرفة، وخرجت مسرعا إلى المقهى.

وتكررت في اليوم التالي، نفس الوقائع تقريبا. كنت أظن أنني سأتعب من حمل زوجتي إلى غرفة النوم. ولكني انتبهت لأول مرة الى هزالها وخفة وزنها وجمالها الهادئ، رغم تجاوزها الخمسين من عمرها.

وفي اليوم التالي، تأملت وأنا أحملها، شعرها، واكتشفت كما كثيرا من الفضة يغزوه. كنت في الاسبوع الاول، أرجع إلى البيت متضايقا. ولكني صرت بعد ذلك، أنتظر موعد الرجوع.

وبعد اسبوعين من سريان الاتفاق، وجدت نفسي غير راغب في الخروج من البيت. صرت بعد أن اوصلها الى غرفتها، أتناول كتابا وأجلس بجانبها أقرأ فيه. إنتبهت بعد دقائق من جلوسي، أنها تتناول بعض الأدوية من جوارها. سألتها عنها فأجابت: إنه مسكن للصداع. فتابعت القراءة.

في اليوم العشرين، وأنا أحملها كالعادة، طوَّقَت عنقيَ بذراعيها مبتسمة. لم تضايقني هذه الحركة، ولم أستعجل مُضيَّ الوقت. وجدتُ نفسي بعد أيام أُخَرٍ، أعتذر من شلة الأصحاب عن الخروج. معللا ذلك بضرورة البقاء في البيت كلَّ يوم.

وكانت المفاجأة قبل ثلاث ايام من انتهاء مهلة الشهر. كان رنين الهاتف ملحا في الصباح. تناولت سماعته لأجيب، فقد كانت زوجتي في الحديقة الخلفية لدارتنا. سمعت على الطرف الاخر صوتا نسائيا، يقول بعد التعارف: يا سيدي لِمَ تُماطلُ زوجتُك في الحضور إلى المشفى لاتمام عمليتها. أنا طبيبتها المعالجة، مضطرة للسفر بعد أربع ايام. ولا بد أن استأصل لها الورم الخبيث من معدتها. إنَّ وضعها بالغ الخطورة يا سيدي، والعملية بالغة التعقيد، وعليها الامتثال لحقائق الطب.

كنت مذهولا أنصت. وشريط الاتفاق يمضي مسرعا امام بصيرتي. فالايام المتبقية على سفر طبيبتها، هي الأيام المتبقية من اتفاقنا. والدواء الذي تتناوله لم يكن مسكنا لصداع كما قالت، بل مخدرا لوجع تتعايش معه.  

طلبت من الطبيبة الجراحة تأكيد الحجز. واعدا احضارها اليوم الى المشفى. ما أن اقفلت الهاتف، ركضت اليها في الحديقة ودموعي تسبقني. احتضنت رأسها. إنحنيت على جبينها وقبَّلْتُه. أفاقت مرتبكه من ذهولها،لا تدري بما جرى وما يجري. أمْسكتُ بكلتي يديها وقبلتهما. فسألتني مستغربة ما بك؟

قلت عاتبا ودموعي تتسلل بسخاء: لِمَ أخفيت مرضَكِ عنّي ؟ لِمَ اخترت أن نعيش مهلة الشهر معا بهذه الطريقة، بدل أن تسارعي إلى العلاج؟

إحتضنتي وقالت وهي تشهق: ما الفائدة من الشفاء، ومواصلة العيش لوحدي من بعدِك؟ إتفقت والأولاد على أننا بشوقٍ لنعيش معك ولو لشهر. وبالفعل كان هذا الشهر، أحسن مكافأة نهاية خدمة لنا.

قلت: أسأل رب الفضة في رأسك، وأسأل رب تعبك بتربية أولادنا لوحدك، ورب كل حبة مُسكن أخذتيها بصمت دون أن أحس بك، أن يمُدَّ في عمرك، علنا معا نعوض شيئا مما فاتنا.

خرجنا نسابق الريح إلى المشفى. أتممنا إجراءات الدخول. وعند ظهر اليوم التالي، سارعت الطبيبة وهي تبتسم ابتسامة الواثق من الفرح، إلى بشارتنا بنجاح العملية. إختلطت دموع حمد الله بدموع شكر الطبيبة.

ولكن النجاح الاكبر، كان يا شيخنا في حياتنا التي ابتدأت حينها.

كنت صامتا، ورفيقي لعشرات السنين، في مقارعة العدو الصهيوامريكي، يروي لي عبر الهاتف من غزة العزة حكايته قائلا: قرأت عشوائيتك رقم 29، عن الخذلان الذي لا يصدأ، أوجعتني كثيرا. فقررت أنا وزوجتي واولادنا، أن اروي لك حكايتنا . فما رأيك يا شيخنا بما سمعت ؟!

قلت والكثير من الدموع يشارك شفتيَّ: يابخت من لا زال لديه فرصة للمراجعة والتراجع.

 

الدكتور سمير محمد ايوب

 

احمد بلحاج اية وارهام- لماذا وضعتَ حذاءكَ على رأسك؟!

- ومن قال لك ذلك؟

- لم يَقلْه لي أحد، وإنما قلبي هو الذي رآك، حين كان يشربُ من نبْع الغيب.

- وضعتُه لأصبحَ مُنفتحاً على المنغَلِق، وعلى ما يتراءى لي مجردَ ذرَّاتٍ كونيةٍ خارجاتٍ عن مفاهيمي.

فنحن حينما نَخرج من الحالات التي تَغْرسُها فينا العادةُ نَصِير ضوءا يَقطُر بساطةً ووَعْياً، فينكشفُ لنا كثيرٌ من الأضاليل التي يُقدِّمُها لنا العقل في طبَق اللغة، وكأنها قوةُ الحياة الجوهريةُ، فنمتشقُها، ونسير عُمياناً بأعيُنٍ نخالها تَرى، نزرَعُ الأذى في كل ما حولنا كحبَّاتِ كذبٍ أخضرَ، ونُسقطُ بعض المفاهيم الحِربائيةِ على الوجود، من قبيل اعتبار العالمِ ومَنْ فيه مجردَ عُشِّ أعداءٍ، يجب إيذاؤُه وإبادتُه بأيِّ شكل.

- إنك مُفزِعٌ ووحشيٌّ يا هذا، وغيرُ سَوِيٍّ.ولا أظن إلا أنَّك خُلْدٌ صَعِد من باطن الأرض، فصعقتْه الشمسُ.ولو أنك تملَّيتَ في جهات حياتك ساعةً لانكشفَ لك فيها أننا جميعا في هذا الكوكب شيء واحد ، وأننا نتعرَّض فيه للملذَّات والأشواق ذاتِها، والمصير نفسه.

كلماتُه الصادمة أوقعَتْني في جُبِّ ذاتي، ولم أجد حِبالاً للصعود منها غير إنكارِهَا والتمعُّنِ في مرآة نَقيضِها، عسَى أَعثُرُ فيها على طريقٍ تَسَعُ خُطايَ، وعلى عُشبَةٍ ناجيةٍ من عَيْنَيْ أَفعَى أُسطوريةٍ.فالحياة الواقعية تَقرِفُني، ولا تَزجُّ بي في دائرة احترامِ كلِّ الأطرافِ المشاركة فيها، بلا لومٍ، أوكراهيةٍ، وبإصغاءٍ عميقٍ لكل المواقف، فكيف تَطْلُب مني أيها الظلُّ المتكلمُ في ذاتي أن أَضعَ بَرْزَخاً بين مَنْ هو على حقٍّ، وبين مَن هو على باطلٍ، لكي يَنعم الوجودُ بالتناغم والانسجام ، وأنا نفسي بَرزخٌ لا انسجامَ فيه؟!

(التواريخُ هنا في جسدي

جثةٌ

ميتةٌ

منْحطِمهْ

كل مَنْ أمَّرْتُه في خافقي

كان مهووساً بداء العظمهْ.

طاحونةٌ من قلقٍ

يَلعَق الإنسان فيها عَدَمهْ

لا تقترحْ لي لغةً محتشمهْ

خَلِّني كي أنزف الروحَ

كما تنزف الظلماءُ

لونَ العتمهْ

سأُسَمِّيني دروباً

غيَّبتْ كلَّ مَن فيها

وداسَتْ حُلُمَهْ

وأُسَمِّيني نهاراً ذابلاً

فوق أسوارِ البلادِ المعتمَهْ.)*

تقابلتْ فيَّ مَرائي الخارج مع مَرائي الداخلِ، فشَخَصَ أمامي وجهٌ لم يكن إلا وجهيَ السرِّيَّ الطالعَ من ينبوع الفجْر، وخَطَّ على كَفِّي: (اتَّجِهْ نحو التناغم، وليس الجزاء). ومن تلك البُرهة عَلِمتُ أنَّ أثمنَ شيءٍ في الإنسان هو شعوره الصافي بغيره، وصرتُ أشعر بالخجل والعار من عَدَمِيَّة تفكيري، ووحشيةِ عقلي، ودخلتُ في نَهارِ الاخْتِلاف بوصفه مُعلِّما عظيما، وَفَّرَ لي فُرصةً ثمينة للتعَلُّم، والنموِّ، والمشاركةِ مع الآخرين، وأعانني على تذويب حديدِ الكبرياء، وعلى نحْرِ الأخلاقيات الزائفة العاويةِ في بَرارِي نفْسي .

لا شك أنه كلما تَناغَمَ دَاخِلُنَا مع خارجِنا أَمْكَنَنا ذلك من تحويل العالم إلى مكانٍ ينمو فيه الجميعُ ويزدهرُ، وإلى تحَوُّلِنا نحن إلى عقولٍ تَفهم أنَّ كل كائنٍ أَمامَها ليس سوى جزء آخرَ منها.فالكونُ في جوهره ما هو إلا ذاتٌ واحدة، تَمَظْهَرَتْ في عِدَّة تَجلِّياتٍ، فنحْنُ لا نَجذب كائنا مَا إلينا إلا لنرى فيه أنفسَنا بشكل أفضل، ولا نرفض فيه إلا ما كنا نرفضه في أنفسنا، ونختبئُ منه خوفاً من الذِّلَّة والشماتة.

لقد انسللتُ من جوهر العقل المُتَخَبِّطِ أيها الظلُّ المتكلِّم، وضبطتُ تركيزَ العقل، ووعيتُ احتمالَ إيذائي الآخرين دون قصدٍ، وتَسَبُّبي في متاعبَ لهم ، لم أكُن منتبهاً إليها.الآن أدركتُ نفْسِي الحقيقيةَ التي كانت نائيةً عنِّي، وأدركتُ معها أن كل شيء جزءٌ من الخَلْق..جزءٌ يحتوي كل أَوْجُهِهِمْ، وأَنَّ الخَلق تُوجَدُ فيه طبيعَة الخالق.فَلِمَ إذن ينبغي أن نَرفضَ أيَّ شيءٍ حتى ولو كان ضئيلاً؟!فكلما زاد تَقْسِيمُنا للعالم تقَيَّدَتْ اختياراتُنا للحياة الكريمة فيه، وهو ما يجعلنا سُجناءَ في سُجونٍ من صُنعِ تفكيرنا.

أَسمِعْتَني أيها الظلُّ المتكلم في ذاتي؟!

إِنْ سَمِعْتَنِي فاعْبُرْ معي من البوابةِ التي لا بَابَ لها، ودون وَسْوَسةٍ.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

...........................

*عمر عنَّاز: خجلاً يتعرَّق البرتقال، ط1، كتاب (دبي الثقافية)، الفائز بجائزة دبي الثقافية للإبداع، فرع الشعر، منشورات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي 2009م، ص:15، 14.

 

شاكر فريد حسنفي الفاتح من أيار أغمض الأديب والشاعر والمفكر والمثقف النقدي الفلسفي والنهضوي الفلسطيني حسين البرغوثي، عينيه إلى ألابد، وغادر عالمنا بعد أن تمكن السرطان منه، ليستقر هناك تحت أغصان أشجار اللوز في قرية كوبر شمال غرب مدينة رام اللـه.

حسين البرغوثي أمضى طفولته وحيدًا منعزلًا عن الناس، بعيدُا عن ثرثرتهم وضجيجهم، وعاش حياته من داخله، وفي داخله، بين أوراقه وأسفاره وأفكاره وذكرياته وأسئلته الوجودية والفلسفية الخاصة عن الحياة، التي جسدها وترجمها في كتاباته وأعماله الادبية المتنوعة، التي أضافت بعدًا إنسانيًا جماليًا عميقًا في مساحات الثقافة والتجربة الإبداعية الفلسطينية المعاصرة.

ترك لنا حسين البرغوثي ما يربو على 16 عملًا، ما بين الشعر والرواية والنقد الأدبي والسيرة الذاتية والأغنية الشعبية والعمل المسرحي. وتمثل سيرته الذاتية التي جاءت في مؤلفين : " الضوء الازرق " و " سأكون بين اللوز "،أهم ما سطرته أنامل البرغوثي وما قدمه من أعمال أدبية بشاعرية مفرطة وأسلوب نثري ملهم، أعتبر تحولًا نوعيًا في الكتابة الأدبية الإبداعية، وإعلانًا ببدء أسلوب كتابي مستحدث ومبتكر ونمط نثري جديد.

وعندما صدر كتابه " الضوء الأزرق " قال عنه الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش : " إنه كتاب فريد من نوعه في الكتابة العربية، ولعله أجمل إنجازات النثر في الأدب الفلسطيني ".

وفي هذا الكتاب جمع البرغوثي بين مختلف ألوان الكتابة الروائية والسردية والشعرية، وباح من خلاله عما يدور في مخيلته وفكره وعقله، باحثًا عن إجابات في الأزقة والشوارع والأرصفة والمقاهي والحانات وداخل نفسه.

بينما يروي في سيرته " سأكون بين اللوز "عن أيامه الأخيرة في مستشفى رام اللـه، وعن تأملاته في البدايات والنهايات في " الدير الجواني " القديم في كوبر.

وارتبط حسين بالمكان الفلسطيني، وعلاقاته بالأمكنة كانت فريدة، وجذبته بشكل خاص الشوارع وأزقة القرية والمدن الهادئة الصغيرة.

وفي الجانب النقدي امتلك حسين البرغوثي وعيًا وحسًا نقديًا ثاقبًا، له أصوله وقواعده. فلم يجامل أحد، ولم يحتفل بـأحد نتيجة علاقة شخصية، وإنما كان يكتب وجهة نظره النقدية بشكل واضح وصريح، وسياحته النقدية كانت ذات جغرافيا واسعة، مهتمًا بنقد الأدب، والفن، والعمارة. ولم يتنازل يومًا عن صبغته النقدية كي يجامل عملًا فنيًا إبداعيًا.

وكان حسين البرغوثي يكتب نصه الفلسفي بلغة فلسفية، ونصه السردي بنفس سردي، بعيدُا عن التهويمات لإدراكه أن النص الشعري كونه غير ملتزم بالمعنى الدلالي هو نص مغاير ومختلف عن النص الذي يتناول الفكر.

وللتدليل على نزعته المنهجية كتابه الريادي " أزمة الشعر المحلي"، الذي صدر في السبعينات من القرن الماضي، ويشكل مرجعًا مهمًا لتبيان اهتمامه بالعلاقات الدلالية للنص الأدبي.

حسين البرغوثي تركَ أثرًا فارقًا في الذوق الأدبي والثقافة النقدية الفلسطينية، وقد أخذ هذا الأثر زمنًا طويلًا حتى تشكل في وعي القارئ وفي الوجدان الشعبي ولدى المثقف على حد سواء.

وآخر ما كتبه البرغوثي في كتابه "سأكون بين اللوز": "وفي الربيع، بين النحل، ونوار اللوز، وطريق النمل، والشمس، والعصافير، سأتعلم العزف على الربابة، وأقعد فوق بيتنا، وأعزف، مثل قدورة بالضبط، وأشرف على أودية عميقة ومقمرة، وجنائن مزرعة، واختتم بهذا دورة أخرى من دورات التناسخ الأبدي، دورة أخرى، وخريفية جبلية أخرى".

حسين البرغوثي، أيها القمري والمثقف النقدي، والناقد المختلف المغاير، والكاتب المشاكس الاستثنائي، الراقد بين أزهار اللوز، سلامًا لك، نم مطمئنًا هادئ البال، وسيذكرك أنقياء الفكر وحراس الثقافة والأدب وشرفاء القلم.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

عزيز جاسمفتح كارسون تشالمرز نافذة داره المطلة على ساحة مدسن ورأى الكم الهائل من المشردين واقفين في طوابير بانتظار الدور من اجل مأكل ومأوى يقضون به يوماَ من ايامهم التي لا يعرفون الى متى ستستمر على هذا الحال. خطرت في بال تشالمرز فكرة اتاحت له فيما بعد فرصة لرفد رصيده في الحياة بالخبرة التي لا تعوض. قرر ان يلعب دور الكريم الذي يُطعم بلا مقابل حيث قّل مثل هذا النوع في بيئته إذ علمنا بذلك فيما بعد عن ضيفه الذي استضافه.

نفّذ فيليبس أمر سيده وجاء له بضيف بالضبط مثل ما يجلب المارد في مصباح علاء الدين لسيده. أحضر شخصاً مشرداَ يرتجف من شدة الخوف والبرد والجوع اذ طلب منه الحضور لينال شرف كرم الضيافة الذي سيمنحه السيد كارسون تشالمرز له وبلا مقابل.

نتعرف على الضيف بلومر بطل قصة أو هنري القصيرة "ليلة عربية في ساحة مدسن" الذي أبى أن يبدل مهنته التي لم تجلب له إلا العناء الذي اثقل كاهله واوصله في نهاية المطاف الى هذا الحد. بعد سلسلة من الاحداث المشوقة تصيبنا صدمة عند معرفة شخصية بلومر الذي كان رساماً قل نظيره وكانت شخصيته مرموقة وعلى مستوى عالِ من الشهرة. في الحقيقة ما جاء به الى ساحة مدسن ملتمساً وجبته من كريم هي مهنته في الرسم التي تكشف شخصية الزبون على حقيقتها دون علم بلومر ان ريشته تكشف الستار عما بداخل زبونه. أصبح بلومر في نهاية المطاف مشرداً يقطن ساحة مدسن يبحث فيها عمن يتصدق عليه بأحسان لقمة يسد بها رمقه ومسكن يتستر به. هذا ما وصل اليه بلومر الرسام المشهور الذي خرق الارض عرضاً وطولاً ببراعة فنه وجمالية لوحاته التي كانت تباع بألآف الدولارات.

أن ما يثير الانتباه هنا وما جلب سوء الحظ لبلومر انه كان يتعامل بحسن نية في رسمه ولكنه لا يعرف ان ريشته لها القدرة على مسح الغبار عن وجه زبونه وإظهار ملامحه الحقيقية في اللوحة. لكن المشكلة تنطلق من نقطة لا يمكن للفرد ان ينطقها عن نفسه حيث تكون تلك النقطة واضحة للعيان عند النظر الى لوحته التي يرسمها بلومر. ويبدأ هنا مفرق الطرق عند بلومر حيث انه تعامل مع اناس كانت تبدي للغير ما لا ينم عن حقيقتها إذ فيها يكمن الخطر الاعظم. فالذي يُظهر لك وجها لم يُلمّع بعد وقد غطاه بقناع الخير الذي يخفي كل عيوبه لا يمكن لك ان تتعامل معه بالطريقة التي تضمن لك استمرارا سليما في نيته اذا ما استطعت كشف ذلك عن طريق لوحة له. ستبقى تدور معه في عجلة يديرها هو بمقودها الذي يتحكم به بيده ويرمي بك بعيداً متى شاء. أما شهرة بلومر الحقيقية فكانت على يد أولئك الذين لم يخفوا شيء في داخلهم فكانت لوحاتهم تُظهر شخصياتهم السليمة والخير الذي ينبع منها. حيث كان يسترزق منها وتباع بأغلى الأثمان.

العملية واضحة جدا في رواية "أمير الذباب" للروائي وليام جولينغ الذي اشار الى ان الشر والخير في داخل كل انسان مهما كانت الظروف التي يعيشها في حياته. والمثال كان واضحا مع الاطفال عندما قذف بهم جولدينغ في روايته بعيداً عن سيطرة الكبار واسكنهم في غابة. أظهر كل منهم (أي الأطفال) مابداخله وتحولوا الى فريقين أحدهما يمسك بدفة الخير والآخر بدفة الشر ولولا قدوم الكبار لأنقاذهم لقطع بعضهم البعض. لكن وكما شاهدنا أن نسبة الخير والشر إختلفت بداخل كل طفل حيث انعكست من خلال تصرفه. لكن الامر مختلف مع بلومر حيث يضعه تحت عدسة رسمه ليبين ما اذا كان الخير فيه اكثر أم الشر. الأمر واضح جداً عندما نتقطع الماً ونحن نصغي الى بلومر عندما يقول: " لم يمض وقت طويل حتى أخرجوني من العمل. لا يرغب الأخرين في ظهور وجههم الآخر علانية في اللوحة. يتظاهرون بالأبتسامة ويمكنهم ان يغيروا وجوههم ويخدعونك، لكن لا يمكن لهم أن يخدعوا اللوحة."

ركلت الحياة بلومر ركلة أردته صريعاً يتضور جوعاً في ساحة مدسن لكنها أعطت درساً على يد ضحيتها لمن تسول له نفسه إظهار وجهاً آخر غير وجهه. لن يتخلَ بلومر عن ريشته وإن تخلت الايام عنه. واذا تجرأ المحتال يوما ان يُخفي ما لا يريد إظهاره، سيكون واضحاً في يوم ما على يد بلومر اذا مُنح فرصة اخرى وامسك بريشته التي ستبقى للتاريخ عنوان. وجه الكاتب الامريكي قصته باتجاه ساحة مدسن واضفى عليها نكهة عربية ليمرر رسالة مفادها ان الذي يخفي حقيقته لابد لها  يوما ان تنكشف!!

 

 د. عزيز جاسم محمد – كلية الزهراء للبنات

 

 

احمد بلحاج اية وارهاممُنهَمكاً كنتُ في عَدِّ ممتلكاتي التي يُضارع تعَلُّقِي بها التعلقَ بالأمٍّ، فأنا أشعر ؛ وأنا أُعدِّها؛ أنها أنا، وأنَّ فقدانَ التواصل معها هو فقدانٌ لنفسي، فهي فضائي النفسي، وطبيعتي الأساسية. وكلما ازداد فقدانُ التواصل معها ازداد وجعي، ويأسي، وقلقي، وسعيي.

هكذا غرقتُ في العَدِّ بهذا التفكير، مُنسلخاً عن كل ما حولي في ليلة، يُصَفِّر فيها قطيعٌ من الأوهام والهواجس، وتَرقصُ فيها الوحدة عاريةً إلا من ثياب الحسرة.أعُدُّ وأُعيد العَد، كأنَّ بَلبالي فرَّ مني إلى حيث المنطق الخالي من نَشيشِ الطمأنينة، لا أستقرُّ على يقينٍ، أينما حَوَّلتُ نظري ألفيتُ شبَحاً يقترب مني، ويصيح:

- تخَلَّ عن كل شيء؛ يا هذا!.

- كيف أتخلى عني؟! وهل في مُكنتٍك أنت ذلك؟!

حدَّق فيَّ بعينين فارغتين من كل شيء إلا الظلام، وهَمْهمَ:

- اِبْدَأ بقلبك وعقلك، نظِّفْهما بشكلٍ متواصلٍ، وتَخلَّ عمَّا يكنزانهما من كل ما هو غيرُ ضروري، من أنواع الفوضى التي تحجُب اتِّساعك، وجمالَك الطبيعيَّ ككائن يمشي فيه النفَس السماوي.فبِإخْراجِك كل شيء غير ضروري من نَفْسِك تَكشِفُ ببساطة عن جمالِ كِيانك الداخلي، الذي لا يستطيع أحدٌ سرقتَه، أو انتزاعَه منك، وهو أثمن من هذا الذي أنت مُكبٌّ وجهَك على عَدِّه.

صفَّق مِصراعَيْ بابِ الظلام الذي دخل منه، وانصرفَ طائرا في السديم، تاركا إياي في خليط من مشاعر الهلع، والحيرة، والانكماش والتوجُّس، والتفكير المتقلب على جمر الترقُّب.فهل أنا فعلا عندما لا أفعل هذا الذي قاله سأحيا حياةَ لهفةٍ وتراكمٍ، وستظهر عليَّ عواقبُ ونتائج أشدُّ من نُباحِ الجنون؟!

وإنه لحقيقة أننا نَحْصُل على سعادةٍ أوليةٍ عندما نتمكَّن مما نُريدُ ، ولكنها سعادةٌ تَكُون مُبطَّنةً بالخوف من فقدان ما حُزناه، فَيلوِّث القلقُ سعادتنا تلك.فالتملك هو النهر الذي يسقي حياتنا رهَقاً ورُعباً وفرَقاً من خُسران ما لدينا، إما بالسرقة ، أو السلب، أو الاحتيال ، فنشعر كأننا فَقَدْنا قِيمتَنا، وأنفسَنا ذاتها، وأننا سبَحْنا في بحرِ الفشل المُطلَق، وأننا لم نعُد جدِيرِينَ بالحياة.

(مَالِي حُرِمْتُ؟ لَقَدْ عَصَتْنِي أَدْمُعِي

لَكَأَنَّنِي حَجَرٌ بِوَادٍ يُقْرَعُ)*

لقد أطعْتُ رغْبتي، و لم أَضَعْها تحت أضواء الوعي والإدراك، فتَحكَّمتْ فيَّ وحوشُها، وأذلَّتْني لإشباعها، وقَطْعاً ليس بالإشباع والسلامِ العميق الذي أُريدُه، فَحالَما أُشبِع رغبةً ما، تَظهرُ رغبةٌ أخرى أشرسُ منها وأعتى. فالإشباع عابرٌ، وغالباً ما يَترُكُنا أكثرَ جُوعاً ممَّا كُنا عليه من قبلُ، وذلك لأن الحياة ما هي إلا سلسلة رغبات لا نهائية، تُطَوِّقُنا، وتَخلُق فينا ألواناً من الإدمان مُريبةً، ومن ثَمَّة نُصْبِح عبيدا لرغباتنا، كلما زاد إرضاؤنا لها.

- فأَلجِمْ رغباتك، واتَّخذْها نَعْلاً، ولا تَدَعْها تتخذْك مَطيةً لها، ولْتَكُنْ لك قُدرة عُليا على معرفة الحاجات الطبيعية والبسيطة عند ظهورها، وعلى تلبيتها بما لا يزيد أُوارَها.

هكذا خاطَبني الشبحُ في إطلالته الثانية عليَّ قُبَيلَ صُياحِ ديكِ الغَفلة، فعَلمْتُ أن فصلَ الحاجة عن الرغبة هو الذي يُبَيِّن لنا معنى الإنسان السويِّ فينا، فالعديدُ من رغباتنا لا علاقة له بحاجاتنا، وإنما بأوهامنا المُعشِبَة على الدوام.فالرغباتُ نارٌ تَحلُمُ فينا، والحاجات ماءٌ يَصْعَدُ بوجودنا إلى أفُق الكينونة الصافية.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

............................

*من قصيدة: (مسافر بلا زاد) التي بعثها إلي أخي وسيدي الحبيب الشاعر الكبير الحسن الأمراني في اليوم الرابع من رمضان 1441هـ.

 

 

عصمت نصارلم يكن في مقدور جحا إلا الوفاء بالعهد، والصدق في الوعد، وإكمال ما بدأه في تقريظ صديقه الحمار، وذلك لرد اعتباره وتبرئته من صفات الغباء والإهمال والحمق والكسل وغير ذلك من خصال مذمومة أطلقها البشر على أراذلهم، وزجوا باسمه الكريم في موضوعات لا تليق ومنها الصدر يضيق. ومن ثمّ كان من الضروري على جحا إبراز مناقبه وإحصاء فضائله على أصحاب المنابر والأقلام من النوَابه والنوابغ والأعلام، فقد عقد جلسات أربعة حول مكانة أبو الصابرين في كتابات أرباب السير عن الأنبياء والمصلحين ورجال الدين - في شهر رمضان الماضي- وأشار في تذييله للجلسة الأخيرة على اعتزامه عقد أربع جلسات أخرى عن مكانة الحمار في عيون المثقفين والحكماء والفلاسفة وأكابر الأخيار.

واعتلى كعادته المنصّة الرئيسية في القاعة التي خصصها لمناقشة هذه القضية، فراح يستعرض نصّ الدعوات التي أرسلها لشبيبة المجتهدين وأساتذة الجامعات والمشاهير من الصحفيين ورواد الصالونات المحترمين، وذلك ليتأكد من موعد الانعقاد وإعداد الحضور الذين استجابوا للدعوة للمشاركة بالبحوث وطرح النظريات وبسط المعارف وإلقاء الدروس، فاجتهد في تنظيمهم وأخطرهم بالبرنامج قبل حضورهم، وخصص الجلسة الأولى للحديث عن صورة الحمار في عيون المثقفين والنقاد الساخرين.

وفي اليوم التالي افتتح الجلسات للثناء والترحاب لكل من كلف نفسه عناء الحضور للمشاركة في الحوار ونقل الأخبار.

أحد المثقفين ويدعى أبو سريع : إيه يا عم جحا عامل مؤتمر عن الحمار؟ دفعوا لك كام علشان تسلينا وتغيب عقولنا وتلهينا وتقول كان ياما كان، بدل نيلي وشريهان، في أمسيات رمضان؟. بأة يا راجل يا مهبول سايب قضية ارتفاع الأسعار، وأزمة الدولار، ومجازر داعش والإرهابيين وقتل إخوانا المسيحيين ومشاكل الحدود ورقص ترامب مع العرب وآل سعود. بذمتك أنت حكيم ولا بهلول ولا هي مَكلمَة وحفلة سحور ووحوي يا وحوي والفوانيس حوالينا تدور؟

جحا : بسم الله الخبير بنوايا الأخيار والأشرار، والمتهكمين والساخطين والعارفين بآداب الحوار، والراغبين في إلقاء التهم بالباطل وقذف الناس بالأحجار؛ اسمع يا أبو سريع موضوع الندوة معروف، والدعوة للمثقفين الراغبين في الطرح والمناقشة فيها النقط على الحروف، وده بعيد عن أمور المليطة والحنكشة، والتهييج والدردشة، والتشكيك والبأششة، والدس والرص ولبس الطوائي والطرح المدندشة.

مش عاجبك الحمار! عنوان الحقيقة وشمس كل نهار، أيوه صاحبي وكل اللي هنا عارفين وفي أقل منه كتير في الجامعات والوزارات على المكاتب قاعدين، وتحت بدلهم مستخبيين، وياما مجدتوهم وعظمتوهم وهما من الضالين. طب قول يا أبو العريف تعرف إيه عن حرب الكبار واقتصاد السوق ولعبة البورصة وإهمال زراعة القطن والقمح والتوسع في دحرجة البطيخ ونقاوة الخيار؟

قول يا أبو سريع وراجع الخطب والشعارات (بوش، كلينتون، أوباما، ترامب) كلهم قالوا بنحارب الإرهاب من العراق لسوريا لليبيا لليمن للسودان، ورص يا ريس سرحان الأطباق على السُفْرَة للبهوات، وإحنا بنتاكل وبندفع الدولارات، وعيالنا بتدبح كباب وكفتة وطرب ده غير النبيت الأحمر والمذات، والجرسونات أرايب والضرب تحت الحزام، وفي المؤتمرات حبايب بيترصوا تحت الأعلام، فهمت يا صاحبي الكلام؟ هما مش قالوا إن أكل لحم البشر حرام؟ دول بأة حلّلوه، والحمار اللي مش عاجبك دبحوه وسلخوه، وخدوا جلده وباعوه، وعملوا لحمة كفتة وحواوشي وعيالنا من الجوع كلوه وهضموه. فهمت يا أبو سريع إن شعار الأيام الجاية التطبيع واللي ما يسمعش الكلام هيضيع، واللي ناوي يحارب الفساد أحسن له يجيب شريط بلا بيع، وخليك في المسلسلات والتصريحات المشطشطة والفتاوى المزروطة والمعلومات الملخبطة وقفلي على كل المواضيع.

أنت بتعيب في الحمار عم كل الشغيلة وعايزني أتكلم عن البطالة وشبابنا اللي بينعي حظه وشايل على كتافه ميت ألف نيلة! بتقول مبيشتغلوش، ومتعلموش، والكل بيلعب عليهم ومبيفهموش، وبيسمعوا كلام الحلنجية واللي ما يساووش، وبيغنوا (أديك في الجركن تركن وآه لو لعبت يا زهر وعملت نفسي نايمة ومشينا الكفار وبوظنا الحفلة النار)، ومبيكسفوش ما هما اللي نسيوا الكد والشأة وعايزنها براحة، وكله على الفيس بوك ماشي حتى كلام الأباحة، وعايزين يكلوا ديليفري وماما تجيب الملاّحة، والكل في الشارع حلنجي ولا أدب ولا حيا ولا خشى وحتى بناتنا بقت صايعة ورداحة.

اسمع يا أبو سريع : إياك تسأل الجهلة عن القيم والأصول، وتبأة عبيط لو قولت النت عيب وحرمت المحمول، وأفلت اليوتيوب ورجعت لحواديت الشاطر حسن وست الحسن اللي حبسها الغول. اللي فتحته مش هاتقدر تقفله، بس المايل بشطارتك ممكن تعدله، واللي يتربى على صحيح الأفكار، هيعرف يحمي نفسه من الأخطار، مهو التكرار علم صديقنا اللي بنحتفل بيه الإخلاص في العمل والفصل بين الجد والرفس والهزار.

بتتهكم على الحمار! الطيب الصريح، اللي عمره في يوم ما كذب، ولا ارتشى، ولا تاجر في أعضاء أخوه، ولا اتنكر لأمه ولا خان أبوه، ولا باع الحكمة في علبة من دهب ولما فتحناها لقيناها صفيح! وتعاليك عليه هيزعله ويزود شعوره تجريح، من فضلك خلي نقدك موضوعي وابعد عن التسطيح. والكلام يبقى بالراحة، مش بالتهليل والصريخ، ودلوقت أستأذن الحضور، لتهدئة الأمور، في نص ساعة استراحة.

(وللحديث بقيِّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

منى زيتونجاء في مسند الإمام أحمد (بمسند أحاديث أبي هريرة) (9016)

حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عسل بن سفيان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"ما طلع النجم صباحًا قط، وبقوم عاهة إلا رُفعت عنهم أو خفّت".

في هذا الحديث تحديدًا نُسبت العاهة والوعد برفعها للقوم وليس للزروع، بخلاف الحال في أحاديث غيره تحدثت عن أثر طلوع النجم.

والمقصود بطلوع النجم في الحديث طلوع نجوم الثريا، فالعرب إذا قالت: "النجم" إنما تعنيها مجتمعة؛ لأنها أشبه بعنقود العنب في تقارب نجومها.

والثريا هي ثالث منازل القمر عند العرب، واسم الثريا مشتق من الثروة.

تُعتبر الثريا من أفضل وأسعد المنازل القمرية، وهي منزلة ممتزجة نار وتراب، تقع درجاتها بين الحمل والثور، بدءًا من الدرجة 25.6 من الحمل وحتى الدرجة 8.4 من الثور، وإن كانت مكونة من عنقود نجمي عبارة عن مجموعة نجوم تتبع كوكبة الثور فقط، وهي من أشهر وأعلى وألمع نجوم السماء، وأكثرها ورودًا وتمثلًا في الأحاديث النبوية.

وتتميز مجموعة نجوم الثريا لارتفاعها في السماء بأن تجمعها قريب من مسار الشمس، وكانت الشمس مقترنة بهذا العنقود النجمي يوم مولده عليه الصلاة والسلام.

والمقصود بالطلوع أن تكون المجموعة النجمية في موضع مطلع الشمس (الصاعد) وقت الفجر وقبل شروق الشمس.

ولأننا في زمن الثور، وقد أصاب الكون بلاء عظيم لا يخفى على حي، وموعد طلوع الثريا مع حلول أول وقت الفجر قد اقترب فقد استخدمت موقعًا فلكيًا للحساب، فوجدت أن فجر الأربعاء 20 مايو 2020 الموافق 27 رمضان 1441هـ في مدينتي الإسماعيلية بمصر سيكون في تمام الساعة 03:12 صباحًا.

والقمر سيكون في طور هلال آخر الشهر.

وسيكون هلال الختام هذا مقترنًا مع نجوم عنقود الثريا في درجات منزلة الثريا في مطلع الشمس أو ما يُعرف بالصاعد AC وقت فجر ذلك اليوم، وكوكب بلوتو المتراجع مقترنًا بالسعد الأكبر المشتري في وسط السماء MC، وهذه علامة فلكية على تراجع الوباء.

علمًا بأن اقتران قمر رمضان بالشمس أول الشهر أيضًا قد حدث، ووُلد هلال أول الشهر في الثريا.

وبدر رمضان إن شاء الله -والبدر اكتمال أمر- سيكون في منزلة قلب العقرب، وحاكمها بلوتو يتراجع الآن، وهذه أيضًا علامة فلكية على تراجع الوباء.

وفي النهاية فتلك علامات، ولا يكون في كون الله إلا مراده. اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء.

 

د/ منى زيتون

الخميس 30 أبريل 2020

 

حوا بطواشالمشي في الصّباح الباكر على شوارع القرية، عندما يبزغ نور الصباح الجديد مبدّدا ظلمة الليل ويولد النهار، هو تجربة فريدة لها سحرٌ خاصٌ لا يعرفه إلا القرويّون. البيوت المتراصّة مغلقة على أصحابها، ما تزال مستغرقة في النوم. لا صوت هنا إلا همسات الريح، ووقع خطواتي على أسفلت الشوارع.

في هذه الأيام، أيام الحجر الصحي والعزلة البيتية، حيث الانفراد مع النفس، لا بد من وقفة مع الذات تفرضها عليك العزلة لإعادة التفكير في حياتنا وإعادة النظر فيما آلت إليه أحوالنا.

تتوالى الأيام رتيبة، متشابهة، تتعاقب الشهور دون أن نشعر بقيمة الوقت الذي يمرّ ويولّي، تنقضي السّنون وفي ظنّنا أنّنا نركض وراء أحلامنا، ولا ندري أننا في الواقع نعيش قابعين في سجن أوهامنا.

نعمل ونركض. نركض ونعمل. بلا توقّف. هكذا، ننجرف وراء الحياة. وفجأة، نجد أنفسنا أمام واقع لم نخطّط له، ولم نكن نتوقّعه على الإطلاق. سنواتٌ تمرّ دون أن نحسّ، ولا ندري: إلى أين نركض؟ لماذا نركض؟ وماذا نريد؟

حياتنا تحوّلت إلى سلسلة لا متناهية من الضغوط والهموم، نعمل ونركض بين البيت والعمل، والعمل والبيت. لا شيء يبهجنا. لا شيء يلهمنا. لا محطة نقف عندها لنفكّر ونتأمّل أو حتى لنروّح عن أنفسنا.

لا نعرف ماذا نريد حقا في هذه الحياة وإلى ما نطمح. نسير مع التيار. نقبل ما تعرض علينا الدنيا. نرتاح إلى حياة الراحة والركود، ننشغل بلقمة العيش. لا وقت نجده للتوقف ولا للتفكير، لا للحلم ولا للطموح. لا وقت نملكه حتى لإصلاح ما تعطّل في حياتنا. الوظائف اليومية، المشكلات الصغيرة، الضغوطات العملية، المهمات اللامتناهية، الهموم الحياتية... كلّها جاثمة على صدورنا كالصّخور.

نحتاج أحيانا إلى هذه الوقفة مع الذّات، لنفكّر قليلا بأنفسنا، لنبحر عميقا في دواخلنا، ونسأل: هل هذه هي الحياة التي كنا نرغب ونحلم بها؟

هل درسنا الموضوع الذي كنا نحبّه في الجامعة؟

هل نعمل في الوظيفة التي كنا نريدها؟

هل تزوجنا من الشخص الذي كنا نتمنّاه لأنفسنا؟

هل نعيش حياة ذات معنى؟

هل هي الحياة التي خطّطنا لها؟

نكتشف أننا لم نكن نخطّط لشيء.

نحتاج لوقتٍ مع أنفسنا، نهدأ فيه ونروق. هي وقفةٌ نفكّر فيها، نحلم ونخطّط، نستنشق هواءً نقيًّا يُجدّد طاقاتنا ويُنعش الرّوح. ومن يدري؟ ربما عندئذٍ يمكننا أن نفعل شيئًا جديدًا ومختلفًا لم نفعل مثله في حياتنا.

نحتاج الصّدق مع الذات، فالصدق مع الذات هو الصدق مع الآخر. نحتاج أن نحمل رؤيتنا الخاصة بنا، رسالتنا الخاصة التي لا نشبه بها الآخرين، بل نشبه أنفسنا.

نحتاج أن نعيش أحلامنا ونحقّق طموحاتنا ونعيش بما تمليه علينا رغباتنا، ونفكّر ضمن معتقداتنا وآرائنا ونمارس هواياتنا التي تدفع بنا نحو متعة الحياة. نحتاج إلى ما يشحن أنفسنا بالطاقة الإيجابية ويزوّدنا بالنشاط والحيوية كي نكمل رحلة الحياة الشّاقة بسهولة أكثر وفرحة أكبر.

الحياة رحلةٌ قصيرة نعيشها، رحلة مؤقّتة، قبل أن نرحل وننتقل إلى الرحلة الأبدية. الحياة جميلة حين نراها بعين الأمل والتفاؤل، وتعيسة حين نراها بعين البؤس والتشاؤم.

هناك من تجري أيامه بطيئة، متأنّية، يقتله الشعور بالرتابة، لا تفاصيل جديدة يقحمها بين ثنايا الأيام. وهناك من تجري أيامه مسرعة، متكرّرة. يحاول أن يبحث عن اللهفة في مكان ما كي يطلق ضحكة من القلب تعيد إليه التّوق إلى الحياة.

ها هي الزهور تفتّحت لاستقبال الصباح، تصافح ضوء الشمس.

أمشي وحدي على الشوارع، أتأمّل مستمتعة بكل شيء من حولي. زقزقة العصافير المغرّدة، نسيم الصّباح العليل الذي يهبّ على وجهي، الهدوء الذي يكتنف كل شيء من حولي، وذلك الصّمت الذي يسبق العاصفة، قبل أن تستيقظ القرية إلى الحياة، إلى يوم جديد، نستأنف فيه رحلتنا من الركض وراء تفاصيل الحياة.

 

بقلم: حوا بطواش