حاتم السرويهل يعرف صديقي المثقف الشاب الذي يدمن وضع السيجارة بين أصبعيه والمسبحة حول رقبته، ويفضل أن يبدو بوهيميًا في مظهره، ما هو كتاب الأغاني، ومن يكون مؤلفه؟ وهل يعرف ما هو " الإمتاع والمؤانسة "وهل سمع ولو لمرة عن أبي حيان التوحيدي؟.

بالطبع لم يسمع ولم يقرأ ، لأنه لا يقرأ غير سطرٍ واحد كل يوم: "التدخين ضار جدًا بالصحة ويسبب الوفاة " ولست أدري حتى الآن كُنْهَ العلاقة بين المثقف والسيجارة، كما أنني لا أعرف على وجه الدقة من الذي أدخل في ذهن الشاب أن المثقف لابد أن يكون مدخنا؟!.

أيها الشاب اترك هذا الادعاء الطفولي ولو مؤقتًا، وتعالَ معي إلى كنف آبائك رواد الشعر والكلمة. انظر.. ها هو أبو الفرج الأصفهاني يسطر أغانيه، سجلٌ حافل يطلعنا فيه على حياتنا العربية قديمًا في جانبها اللاهي، وقصورها العامرة، ولياليها الساهرة، وإلى هذا تجد مُلَح الأشعار وعجائب الأخبار. ثم اخرج من هذا إلى " الإمتاع والمؤانسة "وهو أيضًا ديوان أسمار وقعت في أربعين ليلة، وفيه نقل التوحيدي نبض عصره وأعني به القرن الرابع الهجري، وعَرَّفَنا بهموم المثقفين آنذاك. وإذا كان " الأغاني " كتاب لهو، وكان " ألف ليلة وليلة " كتابًا في حكايات السحر وتحليقٌ في الخيال؛ فإن " الإمتاع والمؤانسة " كتاب فكرٍ وعلم وتأريخ وحكمة، وفيه الحكايات أيضًا.

صديقي الشاب المثقف، أو الذي يريد أن يكون مثقفًا، ما المشكلة في أن تقرأ " الأغاني " على ما فيه من الألفاظ المخجلة والتعبيرات الفاحشة؟! ألست إذا خلوت إلى نفسك تشاهد على النت أفلام الـ.......؟؟ فلماذا لا يردعك ضميرك عن مشاهدة الخنا ثم تدعي أنه يحول بينك وبين كتابٍ في الأدب؟! والحق أن الذي يمنعك من القراءة هو السأم وليس الخلق، عزيزي الشاب اجعل من القراءة مبادرة للخروج من بلاهة المراهقين إلى حصافة الرجال.

ولا تقل أن في " ألف ليلة وليلة " - مثلًا- ما يخدش الحياء، لا تجعل من نفسك أضحوكة، فإن كتابًا تقرؤه - على ما فيه- خيرٌ من التسكع مع البنات، ثم إن هذا الكتاب فيه الأسطورة والعوالم المسحورة، فهو دون شك غذاءٌ للخيال، وانطلاقٌ من قيود المادة وسطوة الحواس، وتعبيرٌ عن شغف الإنسان بالمجهول وتوقه إلى معرفته.

أما " الإمتاع والمؤانسة " فمؤلفه يفكر ويحلل وينتقد ويؤرخ، ويعقد صلحًا بين الفكر والوجدان، ويوفق بين العقل والعاطفة، فالإنسان ليس كله ذهن وليس كله قلب؛ وإنما فيه الاثنان يكملان بعضهما.

والإمتاع اسمٌ على مسمى؛ بيد أن ما فيه من المتعة لا يخاطب الغرائز ولا يروي الشهوات؛ وإنما هي نشوة الروح ولذة الفكر، وما ظنك بسِفْرٍ جليل فيه الفكر الفلسفي والعلم اللغوي والنقد الأدبي والتاريخ الإنساني، ثم أن كاتبه إلى ذلك لا ينصب نفسه أستاذًا على القارئ، ويهمه أيضًا أن يروح عنه بالحكايات والأخبار؛ وبهذا يدخل بنا أبو حيان في نوعٍ من الفن لا تجده تقريبًا إلا عند العرب، هو فن المؤانسة.

ويحدثنا الأستاذ/ محمد الخولي في كتابه المهم " دليل القارئ الذكي إلى عيون التراث العربي " عن لؤلؤة أبي حيان، أعني كتاب " الإمتاع والمؤانسة " فيقول: " يصفه الأستاذ أحمد أمين بأنه كتابٌ ممتع مؤنسٌ كاسمه.. وأنت تكاد بين صفحاته تضع يدك على نبض عصرٍ بأكمله، هو عراق النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتكاد بين سطوره تسمع أصوات الوزراء وهم يأمرون، والمفكرون وهم يتناقشون، وعلماء الكلام والإلهيات وهم يتجادلون، وأهل النحو والبلاغة وهم يتناظرون، ناهيك عما يحف هذه الليالي والأسمار من خصومات وأفاكيه ونوادر. في الكتاب مثلًا المناظرة الفريدة بين المنطق اليوناني وبين النحو العربي، وقد دارت بين عالمين كبيرين: أبي سعيد السيرافي، ومتى بن يونس، وفيه أيضًا النص الوحيد الذي كشف للمؤرخين عن شخصية واضعي رسائل " إخوان الصفا " الجمعية السياسية الدينية المغلقة التي ظهرت في البصرة في القرن العاشر الميلادي. وعن أبي حيان نقل سائر الدارسين والرواة ".

وبعد هذه الفصول الرائعة والرائدة يضع أبو حيان في ختام صفحات كتابه رسالتين: إحداهما إلى الوزير ابن سعدان، والثانية إلى الشيخ المهندس أبي الوفاء الذي عرفه بالوزير ابن سعدان وطلب منه أن ينقل إليه مسامراته معه مكتوبةً فخرج بذلك " الإمتاع والمؤانسة " إلى النور.. ما فحوى الرسالة؟ إنه يستجدي ويتسول ويطلب المِنَحَ والجوائز، وبهذا صح فيه ما ذكره عنه القفطي في " أخبار الحكماء " إذ يقول عنه: بدأ كتابه صوفيًا، وفي أوسطه كان محدثًا يتكلم بالأخبار، وفي آخره كان شحاذًا! إنه المُنْحَدَر: بداية فلسفية ثم أسمار وأحاديث وأخيرًا تسوُّل!.

وربما أمكن القول أن الفقر والتعاسة التي أحاطت بحياة أبي حيان، والمرارة التي ذاقها منذ طفولته من الدنيا والناس، هي التي وصلت به إلى تلك الهاوية ولا عزاء للعبقرية، بل إنه أصيب أخيرًا بالاكتئاب وتحت وطأة حالة اكتئابية فظيعة عمل على إحراق جميع كتبه، ولا أخفيكم أنني أكتب هذه السطور شاعرًا بالحزن، لكن لم الحزن وقد ترفق بنا القدر فأنقذ لنا من المحرقة الحَيَّانِيَّة أكثر من كتاب، ومنهم أحد أجمل الكتب في تراثنا العربي " الإمتاع والمؤانسة ".

والظاهر يا إخوتي أن حياة الأدباء وأصحاب الفكر كانت ولا تزال ميدان الشهد والدموع، شهد الثقافة ولذة الامتلاء المعرفي والشعور بالغنى (غنى النفس) ودموع الاغتراب حين يشعر الأديب بالوحدة، وحين تنفر منه العامة والخاصة، ويرى نفسه غير مرغوب في صحبته ولا في حديثه ولا حتى في وجوده، ثم يفتش جيوبه فلا يجد إلا قروشًا لا تكفيه.

والأمثلة على فقر العلماء وتعاستهم أكثر من أن تُحْصَر؛ فهذا هو الناقد العظيم أبو هلال العسكري كان يخرج كل يومٍ مع الفجر إلى سوق البزازين ليبيع أقمشة بدراهم يسيرة ولا يملك من الدنيا غير هذا؛ فلما طفح به الكيل أنشد يقول:

جلوسيَ في سوقٍ أبيع وأشتري.. دليلٌ على أن الأنامَ قرودُ

ولا خيرَ في قومٍ يُذَلُّ كرامُهُم.. ويعظُمُ فيهم نذلهم ويسودُ

ويهجوهم عني رثاثةُ كسوتي.. هجاءً قبيحًا ما عليه مزيدُ

فهذا كلام رجلٍ عاش من ألف ومائة عام؛ فكيف بالله لو عاش في أيامنا هذه؟!

بقي أن أعرفكم بأن (التوحيدي) ليس نسبةً إلى التوحيد الذي هو عقيدة المسلمين؛ وإنما هو نسبة إلى نوعٍ من التمور كان والد أبي حيان واسمه محمد بن عباس يبيعه في العراق، وهو المذكور في بيت المتنبي:

يترشفن من فمي قطراتٍ.. هن فيه أحلى من التوحيد

فالتوحيد هو تمر عراقي شغف به المتنبي، والعراق على ما نعرف بلد التمور والنخيل، وقد ذكرت هذه المعلومة لشاعرٍ ملحد فلم يصدق، وليس من الأهمية أن يصدق، وطالما كان همه أن يخترق طابوهات الجنس والدين، وأن يستشهد بأبيات الأولين وأقوالهم على ضلاله، فشأنه وما يختار، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهب أن المتنبي أخطأ فهل أنت إمعة؟ أنت شاعر أو تزعم أنك شاعر فلماذا تقلد المتنبي مع أنك ترى نفسك أفضل منه؟! عجائب...

 

حاتم السروي

 

علي سيف الرعينيالسلام ثقافة سلوكية وممارسة اخلاقية .وليس شعارانرفعه عندالحاجة ونمضي بافعال لاتمت بصلة للسلام .

كيف يتحقق السلام والتسامح والاخاءفي حين نمارس الكره والحقدلبعضناكثقافة وسلوك في واقعنا؟؟

كيف نصنع السلام ومازالت نفوسنامملؤه بالضغينة وتبييت النوايا الخبيثة ؟؟

كيف نصنع السلام وبايدينا نحمل معاول الهدم ؟؟

كيف نصنع السلام ونحن نخزن ادوات الصراع في بيوتنا؟؟

كيف نصنع السلام ونحن نقتل بعضناوندمراوطاننا؟؟

اننااليوم مدعوون اكثر من أي وقت مضى الى كيف يمكن التفكير في موضوعات القيم والتواصل والتسامح والتصالح والتنوع من دون أن نأخذ في الاعتبار اشكال العنف وسيلة تسمو فوق تفكيرنا؟ وكيف يمكن التفكير حاليا في الرابطة الاجتماعية، في شروط العيش المشترك في مجتمع يسوده الاخاء والمحبة والتراحم والتعاون في بناء وتنمية ارضنا ، مافائدة الكلام حول التصالح والتسامح ان لم يكن ثقافة تمارس في الواقع وقناعة في النفوس الامارة بالسوء والتي تعيث فساداً بحق الاخر وحق العام من طريق ومدرسة وشارع ومؤسسة ومستشفى وارض لاننا بذلك ندمر انفسنا قبل ان ندمر غيرنا كيف لناان نتوحدوننبذكل الخلافات اذاكناغيرقادرين ان نمارس ذلك التسامح مع انفسنااولا؟؟

ان الحاجة اليوم اصبحت ضرورة حتمية اذامااردناالعودةالى بناءاوطاننا..

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

ضياء نافعبوريس ايفافوفيتش بورسوف (1905 – 1997) يرتبط في ذاكرتنا باسم كامران قره داغي، الذي ترجم عن الروسية كتابه الشهير – (الواقعية اليوم وابدا) في سبعينيات القرن العشرين، وقامت وزارة الاعلام العراقية في حينها بنشره، ولكنها حذفت (في اللحظة الاخيرة) اسم المترجم كامران قره داغي من الغلاف، لانه ترك بغداد والتحق بالحركة المسلحة آنذاك في كردستان العراق (انظر مقالتنا بعنوان – كامران قره داغي والادب الروسي في العراق)، وهكذا اصبح كتاب بورسوف (تاريخيّا!)، لانه اول كتاب مترجم (بضم الميم) يصدر عن وزارة الاعلام العراقية دون اشارة الى اسم المترجم، او بتعبير أدق، بحذف اسم المترجم قبيل اصداره (والاسرار لا تبقى اسرارا في العراق) كما هو معروف. والكتاب هذا اصبح مشهورا ايضا، لانه يتناول  الادب الروسي  بشكل موضوعي وشامل وعميق، وتلقفه القراء بحب ولهفة، خصوصا وانه مترجم بامانة و بلغة عربية رقراقة وسليمة و سلسة من قبل مترجم كبير ومبدع هو كامران قره داغي . ثم تم اصدار الطبعة الثانية من هذا الكتاب ولكن باسم المترجم كامران قره داغي هذه المرّة بعد ان هدأت العواطف والعواصف و عودة المترجم الى بغداد . ان قصة هذا الكتاب جعلت بورسوف اسما معروفا للقارئ العراقي بشكل ما، وهذا هو تفسير طبيعة عنوان مقالتنا، ولكننا في نفس الوقت يمكن ان نطرح السؤال من جانب آخر، وهو - هل يعرف القراء في العراق او في عالمنا العربي بشكل عام من هو هذا الناقد الادبي فعلا؟ لقد (دردشت) مع عدد من الزملاء حول بورسوف، ووجدت آراء متضاربة جدا بشأنه، فمنهم من يرى، ان كامران قره داغي قدّمه لنا ليس دون هدف معيّن، وانما باعتباره الكتاب المضاد لروجيه غارودي وكتابه (واقعية بلا ضفاف) الشهير (وقد تعجبّت جدا عندما استمعت الى هذا التحليل العراقي العميق!!!)، ومنهم من يرى، ان بورسوف هو النسخة الماركسية (المحسّنة) لمفهوم الادب والفن، ومنهم لم يسمع باسمه ولا يعرفه اصلا . وبعد هذه (الدردشات الطريفة والغريبة ايضا!) بدأت بكتابة هذه المقالة عن بورسوف، وهي محاولة لرسم صورة تخطيطية لبورسوف لا اكثر، اذ ان الصورة التفصيلية لهذا الناقد الادبي الروسي السوفيتي تحتاج الى تفصيلات متشعبة وغور في مؤلفاته العديدة حول الادباء الروس الكبار، وحول مكانة النقد الادبي في الحياة الفكرية عموما (يوجد لديه كتاب صدر عام 1976 بعنوان – النقد كأدب)، بورسوف الذي حصل على شهادة دكتوراه علوم في اختصاصه، واصبح بروفيسورا في جامعة لينينغراد (1948 – 1966)، ثم بروفيسورا في معهد غيرتسن التربوي في لينينغراد (1966 – والى تاريخ وفاته عام 1997) .

ولد بورسوف في قرية بضواحي فارونش في الامبراطورية الروسية عام 1905، وبقي هناك ومارس مختلف المهن الفلاحية في قريته، ولم يدرس في المدرسة سوى 3 سنوات فقط، حيث انهى الصف الثالث الابتدائي ليس الا، ثم حدثت الحرب العالمية الاولى 1914 ثم ثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، ثم الحرب الاهلية في روسيا بعد تلك الثورة بين (الجيش الاحمر والجيش الابيض!)، وبعد ان استقرت السلطة السوفيتية بشكل او بآخر، انتقل بورسوف الى مركز مدينة فارونش وانهى هناك المدرسة (كان عمره 25سنة آنذاك)، ثم تخرّج  في معهد خاص بالصحافة والنشر في موسكو، ثم التحق بالدراسات العليا في اكاديمية الفنون وحصل على شهادة الكانديدات (دكتوراه فلسفه) هناك، وكانت اطروحته عن البناء الفني لابطال رواية تولستوي (الحرب والسلم)، وجاءت الحرب العالمية الثانية عام 1941، فالتحق بالجبهة مثل كل الشباب الروسي، وهناك (وسط نيران الحرب الرهيبة تلك) انتمى الى الحزب الشيوعي السوفيتي عام 1942 عن قناعة تامة، وبقي محافظا على انتمائه الفكري هذا الى نهاية حياته، ولم يساهم بحركة البيريسترويكا (اعادة البناء) في الثمانينات، وكان ضد الغاء دولة الاتحاد السوفيتي بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، و توفي في روسيا الاتحادية عام 1997 . لقد عاصر بورسوف الامبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي وروسيا الاتحادية، ولكنه استمر طوال الوقت مخلصا لافكاره الشيوعية السوفيتية، التي اقتنع بها في بداية مسيرته وبقي امينا لها الى نهاية حياته.

هذا عرض وجيز جدا لمسيرة حياة بورسوف، ولا يمكن ان يكون هذا العرض متكاملا دون الاشارة الى اهم اعماله المنشورة في كتب ومقالات وبحوث . ظهر اول مقال له عام 1935 في مجلة (زفزدا) الادبية بلينينغراد وكان بعنوان – نظام تولستوي الاستيتيكي، اما اول كتاب له فصدر عام 1951 بعنوان – الام لغوركي وقضايا الواقعية الاشتراكية، وأصدر طبعة ثانية موسّعة و مزيدة لهذا الكتاب عام1955، علما انه كتاب  مهم من وجهة  النظر السوفيتية الرسمية المعروفة آنذاك حول مفاهيم الواقعية الاشتراكية، وليس من باب الصدفة ابدا ان هذا الكتاب قد تم ترجمته في بعض دول المعسكر الاشتراكي، اذ ظهر في ثلاث دول اشتراكية آنذاك هي – بلغاريا وجيكوسلوفاكيا وهنغاريا . لقد اصدر بورسوف اكثر من عشرة كتب تتناول الادباء والنقاد الروس الكبار، ومن اهمها كتاب بعنوان – شخصية دستويفسكي، وهو رواية وبحث، وصدر بطبعتين الاولى عام 1974 والثانية عام 1979، وكتاب آخر بعنوان – مصير بوشكين، وهو ايضا رواية وبحث، وصدر ايضا بطبعتين الاولى عام 1985 والثانية عام 1989 .

دراسة مسيرة بورسوف ونتاجاته النقدية المتنوعة بموضوعية تعني دراسة التجربة السوفيتية الفكرية في مجال الادب بكل جوانبها الايجابية والسلبية معا، وهي دراسة تستحق فعلا اهتمام الباحثين العرب.

 

أ.د. ضياء نافع

 

عبد الجبار نوريWhy we should all read to Destoveske

فيودورديستوفيسكي يمثل جيل الواقعية السحرية، أثرى المكتبة الروسية والعالمية ب 43 منجزا علميا أدبياً، وهو واحد من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين، وأنجازاته تلك كانت لها الأثر العميق في أدب القرن العشرين، شخصياتهُ دائماً في أقصى درجات التأهب في أقناع المشاهد بالواقعية السردية وكأنّهم يقفون على حافة الهاوية والأستعداد للغوص عميقاً في النفس البشرية لكي يقدم وصفاً تحليلياً ثاقباً للوضعية السياسية والسوسيولوجية والروحية لروسيا في ذلك الوقت، العديد من أعماله تعد مصدر ألهام للفكر والأدب المعاصر، أنه أحد أعضاء جماعة التفكير المتحرر (جماعة بيترا شيفيسكي)، وفي عالم ديستوفيسكي صراع بين الرحمن والشيطان والخير والشر والحقيقة والزيف وكل هذه الجائحات  وفايروساتها المدمرة أستوطنت الذات البشرية .

أصدقائي الأعزاء من أراد منكم قراءة  منجزات هذا الروائي العبقري أن يربط حزام الأمان لتغوص معه في رحلة شاقة فيها من الصعوبة لتصل إلى أغوار النفس البشرية، وأنصح أن تقرأ كتبه بالترتيب لكونها تخضع لسايكولوجية النفس والتسلسل الزمني تتخللها أرهاصات الصراعات الطبقية، ويريك من اليأس والأحباط وكأنك واقف على حافة الهاوية، ولأن كل مذكرات أبطاله السابقة يذكرها في أعماله الأخيرة، مثلاً أنا قبل أن أقرأ الأخوة كارموزوف قرأت : رواياته الأم، الفقراء، الأبله، المراهق، المقامر، والجريمة والعقاب، حينها تصل لملامسة ومعايشة الذات البشرية وهواجسها المتأججة في تلك الأعماق المظلمة هي ما تسمى النفس البشرية بأسلوب أدبي رفيع، صاحب قريحة نادراً ما يجود بها الزمن، وأنه ظاهرة أجتماعية فلسفية واقعية جادة، أنك عندما تقرأ لهُ تتحوّل دراماتيكياً إلى كتبه الأخرى فترى الأنسان والحياة شيئاً آخر مختلفاً تماماً في نظر الروسي ديستوفيسكي، وأن كل رواية تقارب الألف صفحة تتطلب التركيز خاصة في أسماء أبطال الرواية فيغيرها تارة بأسمه وأخرى بأسم العائلة، لا تشعر بلحظة ملل قط بل تنتقل من دهشة لأخرى ومن أنفعال لآخر، هنا يحتاج إلى التمهل والتأمل والصبر لبريق اللحظات كي يستقر المغزى في الذهن، فهو مفكرٌ وليس واعظاً يقول في روايته (الأبله):

خيرٌ للأنسان أن يكون تعيساً وعارفاً من يكون سعيداً ومخدوعاً، ويقول في روايته " الجريمة والعقاب-ربما تبدو للبعض غريبة – {أيكون جريمة قتل قملة قذرة ضارة، قتل عجوز لا يحتاج أليها أحد، مرابية تمتص دم الفقراء، إلا أن قتلها ليمحو أربعين خطيئة، لا أضن أن هذا الفعل جريمة، ولا أريد أن أتطهّر منهٌ وأكفر عنهُ} ----

ورواياته تحوي فهماً عميقاً للنفس البشرية، تفرّس وتأمّل في  نفوس ورغبات البشر أحلامهم طموحاتهم، وتلك الصراعات الداخلية بين الأنسان ونفسهِ وبينهُ وبين الآخرين  كما قدم تحليلاً ثاقباً للحالة السياسية والأجتماعية والروحية لروسيا في ذلك الوقت، والعديد من أعمالهُ المعروفة تعد مصدر ألهام للفكر والأدب المعاصر، فهو كاتب قدير وعالم نفس محترف وفيلسوف فهم سايكولوجية أعماق النفس البشرية في زواياها المظلمة، ورجل دين لاهوتي ومخابراتي بوليسي كما ظهر في روايته " الجريمة والعقاب "،  ففي عالم دوستوفيسكي تتصارع الأضداد الخير مع الشر، الحقيقة مع الزيف، الرحمن مع الشيطان الخلود والحرية، والعدالة السماوية والأنسانية والغريزة، الجنون والتعقل، الأضطراب والأعتدال وبين الجن المارد الشرير والجن الملائكي المسالم، وبين الأنسان السوي والمراهق، وبين الأهبل والعاقل السوي وكل ذلك في أعماق نفس الأنسان .

وهكذا هو الأمر في الأرض والسماء، لذا أن قراءة  ديستوفيسكي تتطلب الأنصاف والتأمل وذلك من أجل الدخول إلى الروعة الكامنة في أعماق الواقع، فهو يدفع الأنسان بأن يميّزْ بين الخير والشر، ويرى أن نهب محبتنا للرب أحراراً دون أن ننصاع لهُ عبيداً .

يقول فيه (فرويد) تعلمتُ سلوك النفس البشرية من روايات ديستوفيسكي، وقال فيه الفيلسوف هيغل: (يمكن أن يكون في موقع النبي المصلح)، وأمتدحهُ الفيلسوف الوجودي "مارتن هديجر" وعالم الرياضيات الحديثة " لودويك، وعالم الفيزياء " أنشتاين " أذاً فهو أستاذ كل الأزمنة ، دوستوفيسكي ذلك الروائي الروسي عليم بميتافيزيقيا الكينونة البشرية وبنهايات ممزوجة بالبراكماتية مطابقة للواقع، تمكن من فك شفرة الأنسان والغوص في أعماقه، تمكن من أن يلخص البشرية بأكملها ضمن صفحة واحدة فقط، أي عقلٍ أي روحٍ أية أمكانياتٍ  وأي أيمانٍ وأية طاقة وووأي فكرٍ يحملهُ هذا الرجل؟ في صراعات البشرية جميعها تتجسد بعوالم يصنعها على الورق لشخوص خيالية بقدر ما هي واقعية، من أعماله الثرة {المساكين، الشبيه، بيت الموتى، الجريمة والعقاب، المقامر، الأبله، الشياطين، الزوج الأبدي، مراهق، حلم رجل مضحك، مذكرات كاتب، زوجة رجل آخر وزوج تحت السرير} وتعتبر رواية "الأخوة كارامازوف" قمة أعماله وواحدة من الأنجازات العليا في الأدب العالمي بشهادة عظماء الفلاسفة والباحثين والمفكرين من أعلى القمة الهرمية للأدب العالمي، ولد في موسكو عام 1821 – وتوفي عام 1881م .

ببراعة سحريةحول بعض من رواياته إلى روايات بوليسية جعل القاريء لا يهتم بالقاتل أكثر مما يهتم بالأسباب والدوافع بالوجود الأنساني وتعريتها من جلبابها المزيف بتحليل وثيق لكل شخصية فأوصى بنظرية سايكولوجية {أن مقياس درجات الرذيلة هو مقياس واحد بالنسبة للجميع وحتى أن أختلفت بالدرجات لأن لطخة السوء تبقى}.

فديستوفيسكي – حسب قناعتي – في روايته المتألقة " الأخوة كارمازوف " أسس لنظام طبقي طوباوي شبيه بالمدينة الفاضلة الفنتازية الخيالية، الذي لا يقوم على عرق أو دين بل على الأخلاق، وكان محور البناء الفني للرواية هو الخير والشر في نزاع شرس وقتال دموي بكافة الأسلحة المحرمة لينتصر أحدهما، فأوهم الشر نفسه أنهُ المنتصر في الرواية بقتل الأب وسجن الأبن مؤبد في سيبيريا، وموت الأبن الغير شرعي القاتل الحقيقي بمرض الصرع، وضياع الأسرة، لكن بقاء الأبن الصغير (أليوشا) البراءة والطيبة والجمال فهوالأخ الورع النقي والمسالم الشمعة التي تضيء دروب الأسرة المظلمة وهذا يعني بقاء الخير والسلام والوئام وقبول الأخر هو المنتصر في النهاية .

كلمة أخيرة /أن الصراع بين الخير والشر أزلي تأريخي بين قابيل وهابيل، أنتصر الجلاد قابيل بقتله أخيه هابيل ولكن الضحية هابيل أنتصر بحصوله على رضا الرب ووسام الذكر الحسن،  كذلك الشخوص القيادية الدكتاتورية قد تحكموا برقاب العباد لفترة من الزمن مثل نيرون هتلر جاوجيسكو صدام لأرتفاع نسبة الشر في دمائهم حد البلازما فلطخوا بدرجات من الرذيلة التي تنبأ بها مؤلف الرواية العبقري ديستوفيسكي،  وقد يزول الظالم الشرير كما زال في العراق بيد أن الظلم بقي بعد 2003 لسيطرة بعض أصحاب القرار الأشرار الذين مزقوا الشعب وباعوا الوطن وفتحوا أبوابه أمام عصابات الكراهية والموت  وبرابرة خارج الزمن العصابات الداعشية وتحكمها في رقاب العراقيين والسوريين وتكفير جميع من في الأرض ولكن سرعان ما أن يزولوا كأشرار وقتلة  أمام المحررين الأخيار، والحوارالفكري في حب الخير ونبذ الشر وتكريس السلام وقبول الأخرين.

 

عبد الجبار النوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

مراجع وهوامش

كتاب الأخوة كارمازوف / ترجمة سامي البارودي2010

دوستوفيسكي – ميخائيل باختين -  ترجمة جميل نصيف التكريتي- 1986م

 

يسري عبد الغنيتستخدم كلمة باروك عادة لوصف طراز من العمارة ازدهر في أوربا في القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر الميلادي، ويمكن لعشاق الفن مشاهدة أجمل أشكال هذا الطراز، وأكثرها أصالة في إيطاليا، وأسبانيا، وألمانيا، والنمسا .

ومع أن كلمة باروك تستخدم في بريطانيا عند التحدث عن عصر معين من تاريخ العمارة، إلا أنها تستخدم في داخل قارة أوربا استخدامًا أكثر اتساعًا، فهي تطلق مثلاً على: الأزياء، وعلى الكلام، والأدب، وسائر الفنون الأخرى مثل الرسم، والنحت، والأثاث .

ومصدر اشتقاق الكلمة غير معروف تمامًا، ويقول بعض مؤرخي الفن: إنه مأخوذ من الكلمة الأسبانية (باروكو)، ومعناها اللؤلؤة الكبيرة غير المنتظمة الشكل، وفي بداية الأمر كانت الكلمة تستخدم بطريقة انتقادية وجامدة للدلالة على الكيفية التي تحولت بها العمارة التقليدية النقية في عصر النهضة، إلى طراز خشن بالغ التعقيد .

واليوم يعرف الباروك بأنه طراز معماري جاد أو ملتزم أو كلاسيك، وإن كان الشعور يؤكد أن هذا الطراز لا يستحق أن يعامل بجدية كباقي الطرازات الفنية، غير أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان، أن أحد أهداف فن العمارة هو راحة العين، فإذا كان استخدام كل أنواع الحليات يضيف إلى جمال المبنى، فإن المهندس المعماري يكون محقًا في استخدامه .

وفي بريطانيا يطق عادة على الباروك لفظ (آخر عهد النهضة)، وأعظم اثنين من مهندسي عمارة الباروك هما : السير / كريستوفر رين، الذي بنى كاتدرائية القديس بطرس، والسير / جون فانبرا الذي شيد بيوتًا ريفية عظيمة الشأن، مثل قصر بلنهايم، وقلعة هاوارد، وقد استخدم كل من هذين المهندسين الأشكال الأساسية لفن النهضة الإيطالية، مثل : القباب المزدوجة، والأعمدة الرومانية، والأقبية المستديرة، وأضاف إليها تصميمات من وحيه الخصب .

ويجدر بالقارئ هنا أن يعود إلى إيطاليا لكي يستطيع أن يفهم الجو الذي نشأ فيه طراز الباروك، كان الإيطاليون في القرن السابع عشر الميلادي، يرغبون في تناسي مرارة الحروب الدينية البغيضة التي دارت رحاها خلال القرن السادس عشر الميلادي، وكان الباباوات، والكرادلة، من أشد المناصرين للفنون الجميلة، وكانوا يأملون في تخليد ذكراهم عن طريق تشييد الكنائس، والقصور والمقابر الباذخة الثمن .

هذا، وقد كلف الفنانون والمعماريون ببناء كنائس ضخمة فخمة بالغة الروعة، وقد زينت واجهاتها بزخارف ضخمة بديعة، وفي الداخل كانت شعلة من الفخامة وازدهار الألوان، برز فيها بصفة خاصة الذهب والرخام .

أما التماثيل فكانت هي الأخرى آية في روعة النحت والألوان، وكان من أبرز الفنانين الإيطاليين الذين أبدعوا في طراز الباروك، في تلك الآونة، برنيني (1598 م ـ 1690 م)، و بوروميني (1599 م ـ 1667 م)، وقد ابتكر كل منهما الكثير والكثير من التصميمات الجديدة الرائعة الجذابة، والتي أصبحت فيما بعد علامة مميزة لكثير من العمارة الباروكية .

وكلنا من محبي الفنون يعرفون كنيسة (سانت أجنيس) في روما، التي بناها بوروميني، ومع أنه كان يهدف من هذا المشروع أن يثير الدهشة والإعجاب بالجدة في التصميم، إلا أن النتيجة كانت في الواقع جميلة ومبهجة، ولا سيما في تصميم برجي الأجراس .

وإذا دخلت أي كنيسة من كنائس القرن السابع عشر الميلادي في روما، استحوذ عليك الذهول لروعة الزخرفة، وأينما نظرت وجدت الرخام بألوانه العديدة، والبرونز، والذهب، والتماثيل، والزخارف الجصية، في المشاكي والطنوف، أما القباب والبواكي فمكسوة بالرسومات الجصية للقديسين والملائكة .

وبرنيني، فضلاً عن كونه مهندسًا معماريًا معروفًا، كان من أعظم مثالي عصره، وأشهر أعماله مجموعة الأعمدة في كاتدرائية القديس بطرس بروما، ويمكن إدراك عبقريته في العديد من الكنائس، والمذابح، والمقابر، والتماثيل، والنافورات، وتمثال الفارس للإمبراطور قسطنطين، وهو من صنعه، ويبين لنا كيف كان برنيني يبدع التأثيرات الواقعية بتأكيد الثنيات في رداء الفارس، وفي معرفة الجواد وذيله .

ويقول لنا تاريخ الفن : إن من بين النعوت التي يوصف بها عصر الباروك، أنه جرئ، ومتقن، وباذخ، وغير متوقع، وقد كان التأثير الأسباني شديدًا في إيطاليا خلال القرن السابع عشر الميلادي، وكان للأسبان ذوقهم الخاص في الاحتفالات التي تتصف بالبذخ، وفي الخطب الرنانة المنمقة، والملابس الفضفاضة، فقد كان ذلك هو الطابع الأكثر غرابة في الروح الباروكية .

كان الناس يتخاطبون ويتراسلون مستخدمين لغة متكلفة وعبارات منمقة، وكان من الشائع أن يكون للشخص الواحد عدة ألقاب، وفي الحفلات الفخمة الباذخة كان يصل المدعون في عربات مطعمة بالذهب، وفي الكراسي المحمولة، وكانت ملابس السيدات تحلى بالمجوهرات، والرجال يضعون رياشًا طويلة فوق قبعاتهم، وياقات من الدانتيلا حول أعناقهم، وعلى أطراف أكمامهم وأحذيتهم .

وفي مثل تلك الحفلات، كان الضيوف يرتشفون القهوة والشيكولاته، وهي مستحدثات تم جلبها من المستعمرات الأسبانية في العالم الجديد (الأمريكتين)، ويستمعون للشعراء يقرأون ما كتبوه من قصائد، أو للموسيقيين يعزفون لحنًا جديدًا على آلة الكلافيكورد  .

ويظهر الطراز الباروكي كأقوى ما يكون في أعمال العمارة والنحت، وكان طراز عصر النهضة يميل إلى الالتزام الشديد بالطرازين اليوناني والروماني، في حين أن الطراز الباروكي قد حول عمارة عصر النهضة إلى طراز أكثر إشعاعًا، كثير المبالغة في استخدام الزخارف المنحنية والمدرجات والأعمدة الملتوية .

وما زالت المتاحف الأوربية بوجه عام والإيطالية بوجه خاص، تحتفظ لنا بقطع من الأثاث الجميل الذي تم صنعه في العصر الباروكي، فنجد سريرًا إيطاليًا، أو كرسيًا فرنسيًا بمساند، أو منضدة هولندية، أو صوان دهن باللاكيه إنجليزي الصنع، أو دولاب ألماني تم زخرفته بزخارف مبدعة رائعة، حتى عرش الإمبراطور  نيوبو ليتان والذي صنع في هذا العصر يبدو تحفة فنية متفردة، كما تحتفظ هذه المتاحف بالعديد من الصور التي تظهر الحفلات الباذخة في هذا العصر، حيث نرى في إحدى هذه اللوحات الضيوف يصلون عند السلم الرئيسي لأحد القصور الإيطالية الفارهة لحضور حفلة مسائية .

حقًا إنه عصر باذخ في كل شيء، قد نعترض عليه لأن الإسراف الزائد عن الحد لا يتفق مع الفطرة السوية، ولكن لا يمكن أن نتجاهله كحقبة فنية لم تشمل العمارة فقط بل شملت كل أوجه الحياة المعاشة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

كاظم الموسويقبل سنوات نصب في مكتبة اللغات الأجنبية بموسكو تمثال من البرونز للروائي العراقي غائب طعمة فرمان في ذكرى رحيله اعترافا بابداعه الأدبي والترجمات التي أنتجها خلال حياته بالعاصمة الروسية، التي عاش ودفن فيها. يمثل هذا التمثال رمزا لاحترام المبدع وتكريما له ولما أبدعه وإنتجه في بلد عرف بهذا العمل، واعترافا لما تركه فيه من أثر ثقافي. وهو استحقاق ابداع الأديب وتذكير بعطاءاته وجهوده الثقافية ومساهمته في صناعة جسور الثقافة والتواصل الحضاري. ولعل هذا التمثال يسد جميلا للمبدع ويذكر الآخرين بذلك.

عرف بأنه "غائب بن طعمة بن فرمان بن رزوقي بن حمادي بن ناصر ال سماعيل الموسوي الجزائري من أهالي محلة المربعة في بغداد ولد في بغداد عام  1927(وفق إجابته لسؤال عنه)، وتوفي في موسكو في العام 1990."

والان ثلاثة عقود مرت على اخر يوم من حياة/ رواية غائب الواقعية.. يوم 18 من شهر آب/ أغسطس عام 1990 غاب غائب في غربته في موسكو التي عاش فيها آخر سنوات عمره وكتب فيها كل الروايات التي نصبته واحدا من رواد الرواية العراقية والعربية الفنية الحديثة.

ولد في حي شعبي، وفيه عاش سنواته الأولى التي ظلت منقوشة في ذاكرته، مع ما أحدثته مناخات الحرب العالمية الثانية والحياة السياسية العراقية في تكوين شخصيته الإبداعية والسياسية، والتي نقل أجواءها في استرجاعاته وحنينه الى مرابعه الاولى وحبه للتراث والتاريخ في معظم رواياته. وترك العراق إلى القاهرة وهو ابن عشرين عاما لاستكمال دراسته اللغة الإنجليزية، ليبدأ منها رحلة الغربة والهجرة، وهناك التقى بأعلام الثقافة والأدب وعاش حياة القاهرة الثقافية وابهر في مجالسها، وقبل عودته إلى العراق للعمل في الصحافة والكتابة لرفض تعينه في مؤسسات الحكومة، نشر عددا من القصص القصيرة والمقالات الادبية، عبرت عن تطوره الادبي والفكري، وعكست قدراته وإمكانات بروزه الفني والثقافي. وهو القائل انه من الجيل الذي فتح عينيه والحرب العالمية قائمة بكل ما تحمله من مدلولات، النضال ضد الفاشية والتطلع إلى جلاء الجيوش من بلاده، والاستفادة من الانفتاح العام وفتح نوافذ ثقافية على كل الاتجاهات للنهل منها والاقتناع بالواقعية منهجا وأسلوبا. وبعد مشاركته في عدد من المؤتمرات الثقافية اصدر كتابه السياسي الأول: الحكم الأسود في العراق، فأسقطت عنه جنسيته العراقية، وتوجه إلى الصين، ولكنه عاد منها بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وحين ضاقت به مدينته بغداد هاجر إلى موسكو ليمضي ما تبقى له من العمر ويبدع فيها كل تلك الروايات التي خلدت اسمه ووضعته في مكانته الرائدة.‏

اصدر غائب عام 1954 مجموعته الأولى بعنوان: حصيد الرحى، وتلتها عام 1959 مجموعته الثانية مولود آخر ، وتتالت بعدها رواياته المعروفة: النخلة والجيران، خمسة أصوات، المخاض، القربان، ظلال على النافذة، آلام السيد معروف، المرتجى والمؤجل، المركب. كما ترجم نحو ثلاثين كتابا معظمها قصص وروايات ومقالات للعديد من أعمال رواد وكتاب عظام في الأدب الروسي وغيره إلى العربية. ومن بينها ترجمته لأعمال تورغينيف في خمسة مجلدات، ورواية لتولستوي، ومجموعة قصص لدوستويفسكي، وأعمال شتى لشاعر روسيا الأبرز بوشكين، وغيرها.

عكس غائب في رواياته المجتمع العراقي في مراحل سياسية مهمة في تاريخه، منذ الأربعينات من القرن الماضي، راسما لوحة بانورامية لواقع الطبقات الكادحة في ظروف الاحتلال البريطاني قبل الثورة، ومن ثم الصراعات السياسية بين أحزابها فيما بعد اندلاعها، متعمقا في شخصياتها وأزمنتها ومكانها وظلالها وآلامها وغربتها ومعاناتها وصراعاتها من اجل حياة كريمة وخلاص من القيود والأغلال والاغتراب. حين حولت النخلة والجيران إلى المسرح الفني الحديث في بغداد أصبحت اكثر شعبية وشهرة لاسيما شخصياتها الشعبية التي باتت تتردد أسماؤها على السن الناس وتتناقل حواراتها وتعليقاتها في الشارع العام. مبينا فيها قدرته الفنية والروائية في التعبير عن أبطالها وسرد حياتهم الاجتماعية التي تعكس واقع المجتمع العراقي في تلك الفترة، إلى درجة أصبحت مثار اهتمام واسع بين النقاد والقراء والمشاهدين رغم أنها عن مرحلة زمنية سابقة وظرف تاريخي آخر. قدم غائب فيها صدقا فنيا وجهدا واضحا في بنائها ولغتها وانساقها الفنية. ومثلها انكب الروائي في كتابة الروايات الأخرى بدرجات متوازية معها في السرد والبناء والإبداع.‏

عبّر غائب عن المنفى، في كلمته إلى المؤتمر الذي عقد في تشرين اول/ اكتوبر 1988 في يوغسلافيا تحت عنوان الأدب والمنفى: “ان للمنفى تاريخا طويلا في العراق يعرفه المثقفون العراقيون، ومع تقدم الزمن، وشيوع المفاهيم الديمقراطية، وارتفاع أصوات متزايدة لاحترام حقوق الإنسان صارت اعداد متزايدة على النقيض من روح العصر تجد نفسها مضطرة لمغادرة وطنها، واللجوء إلى أي بلد يؤمن الإقامة لها، حتى شرق المثقفون العراقيون المنفيون وغربوا وهم المعروفون بتعلقهم بأرض وطنهم. والآن لا يكاد يوجد بلد في العالم لا يضم أعدادا منهم..”.

وبحرارة غائب وبصيرته الإبداعية، وهو من أوائل الروائيين المعاصرين المنفيين، وفي تلك الفترة المبكرة نسبيا لاحظ حياة المنفى الحقيقية لأعداد المثقفين العراقيين في المنافي البعيدة عن وطنهم وشعبهم وكتابهم ولغتهم وأحاسيسهم الإبداعية، وتلمس من تجربة طويلة صعوبات المنفى، “حيث تنقطع الصلة بينهم وبين قرائهم ويجدون أنفسهم في أحبولة الاسترخاء، والكسل، ويضطرون إلى ممارسة أعمال بعيدة جدا عن ممارستهم الأصلية، وهي الكتابة والإبداع، والتواصل مع الجمهور الذي تربّوا بين ظهرانيه”. ويتساءل بألم المبدع الكبير: ما أتعس الكاتب الموهوب، حين يترك القلم جانبا، ويرتضي بما يؤمن لقيمة الخبز؟.. ويرد عليه بحرقة: ذلك هو المنفى المزدوج، المنفى السجن/ مسخ النفس، الانطفاء.

ورغم ان الروائي غائب رسم أحزانه في ورقته المتماهية مع موضوع الندوة إلا انه وضع الحقائق المرة عن حالة المنفى القسرية، وحتى الاختيارية للمبدع. وزادها ألما وحزناً انه أرخ للحالة الثقافية الراهنة ولم يستطع تدوينها، حيث مات ودفن في المنفى، ولم يتواصل مع أشقائه في المهنة الصعبة، مهنة الكتابة والحرف المنشور والمقروء، ولم يعرف ان زملاءه المجايلين له إبداعيا قد ساروا على دربه الذي ارتسمه وعانى منه، مثل فؤاد التكرلي أو عبد الرحمن مجيد الربيعي أو محمود سعيد، وان أجيالا جديدة ممن خطو خطواته الفنية تمرنوا كذلك في السير على نهج آلامه ومحنته في الغربة.

اهتمت أوساط ثقافية ومؤسسات أكاديمية بعد وفاته في إعادة البحث والكتابة عنه (اغلبها خارج وطنه)، حيث صدرت دراسات أكاديمية عنه للنقاد والباحثين خالد المصري، وزهير شليبة وفاطمة عيسى وعلي إبراهيم وأسامة غانم، وميساء نبيل، ومقالات ومقابلات عنه ومعه لأحمد النعمان، وزينب باقر جواد. وهناك عدد من الدراسات التي مازالت مخطوطة او انتهت مناقشتها اكاديميا قريبا.. وذكر الدكتور ضياء نافع، أن وزارة الثقافة  أطلقت اسمه على إحدى قاعاتها, زمن الوزير مفيد الجزائري. وان ثلاثة من طلابه كتبوا أطروحات عن ترجماته للأدب الروسي، الأول خلف الموسوي والثاني جاسم الدليمي، والثالث كامل العزاوي” .. كما كتب عنه ابرز الكتاب والنقاد العرب في مناسبات الاحتفاء به وتذكره. مثلما قال عنه غسان كنفاني بانه من احسن من يمسكون القلم، ويضيف له دارسه، ليس من حيث الشكل وحسب، بل من حيث الصيغ الفنية (السرد، الحوار، البناء الدرامي). ومع كل ذلك فان غائب يستحق الاهتمام اكثر بإبداعه وتعريف الأجيال الجديدة من الكتاب والروائيين بدوره ومساهماته الثقافية.

* نقطة حبر: أقوال مأثورة من (الواتس لور)

- اذا اردت النجاح فعليك الالتزام بقاعدة واحدة وأساسية، لا تدع الفاشلين يتحكمون في حياتك.

- ثلاثة لا تقترب منهم ابدا، الحصان من الخلف، والثور من الامام، والجاهل من جميع الاتجاهات.

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائيالشعراء كتاب التأريخ الحقيقيون الصادقون، ولكي نعرف التأريخ علينا أن نعود إلى ما دونه الشعراء في فترات حياتهم، فقصائدهم فيها إنعكاسات ساطعة لما يحصل في زمانهم ومكانهم.

كنتُ في حوار مع أحد الأصدقاء الضالعين في الدراسات التأريخية وهو بدرجة الأستاذية، أستفهم منه عمّا حل بمدينة عربية من خراب، فأغرقني بأسباب عديدة، فقلت له لكن الشاعر الفلاني قد وصف خرابها بقصائده مما يعني أنها تخربت بعد فترة وجيزة، وهذا لا يتفق والأسباب التي ذكرتها والتي جاءت بعد عدة عقود من وصف الشاعر للخراب، فأنتبه وذكر لي بعض الأبيات التي يحفظها من قصائد شاعرنا الذي وثّق ما حل بالمدينة بوضوح.

وعندما نعود إلى شعراء الأمة الكبار نجد أن قصائدهم مدونات تأريخية ترسم الحال والأحوال بدقة متناهية، فشعراء أمثال أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، الرصافي الزهاوي الجواهري، وغيرهم من شعراء الأمة عبر مسيرتها يكتبون التأريخ بقصائدهم.

وكلما قرأت للجواهري أجده قد كتب تأريخ القرن العشرين ودوّنه في شعره، ولا يوجد أبرع منه في تدوين التأريخ بأحداثه وتطوراته وما جرى في أيامه من مواقف ومنازلات.

فتجد في ما يؤرخه الشعراء رؤى وتصورات ذات قيمة عملية وقدرة على إستجلاء الموقف وتقرير العلاج، لكن معظم ما تمخضت عنه قصائدهم لم يؤخذ بالحسبان.

والواقع يشير إلى أن الشعراء العرب قد تناولوا مشاكل العرب، وتنبؤوا بتداعياتها ووضعوا لها الحلول، وأشاروا بوضوح إلى بيت الداء والدواء.

ولهذا عندما نقرأ أشعارهم تجدنا نقول وكأنهم يكتبون عن أحوالنا المعاصرة، ولكي تبحث عن بلسم لجراح الأمة وعللها، عليك بالرجوع إلى دواوين الشعراء المؤرخين لهمومها!!

ويبدو أن الدراسات التأريخية ستبقى ناقصة وغير وافية إن لم تستعن بما كتبه الشعراء عن الفترة التي يدرسونها ويريدون البحث فيها.

فالشعراء هم أصدق من كتب التأريخ، ومن أمهر الأساة الذين عالجوا وجيع الأمة في مسيرتها المشحونة بالتحديات والأحداث والأزمات.

وإن الشعر تأريخ العرب!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

محسن الاكرمينقد يصيبنا العوز والفقر في التفكير، ولا نقدر البحث عن إجابات مريحة لسؤال: ما معنى الحياة؟ ! ما معنى الحياة بدون علامة استفهام في زمن الحاكم (كويد 19) المستبد، وغيره من حمالة حطب مال الريع، ومن إخوة أبي لهب بالرضاعة في إفساد سياسة الحياة. ما معنى الحياة؟ والحاكم (كوفيد 19) يعدم أنفاسا بالفتك يوميا، ويزيد من ممارسة عنفه الفيزيائي العلني على الأنفس (المقهورة). ما معنى الحياة؟ وقد نستمع إلى موسيقى راقصة على ماء يخت بحر قريب، بالموازاة ونحن في البر نعيش خوف الموت والاختناق الفوضوي. ما معنى الحياة؟ وفينا من يجيد رقصة الذئاب وبلا أنياب مخيفة، وبعيدا عن بر الوباء !!! وتعلن الراقصة جهارا (من حقي نفرح)، إنها الحرية غير المسؤولة في بلاد الذئاب التي تظهر وتختفي. ما معنى الحياة؟ وقد نبني للراقصات صرح الملك سيدنا سليمان من أنياب بقايا سمك متخثّر في التاريخ الماضي، ونهمل توفير حتى سرير تطبيب لمريض منهوك ولا يتنفس، ومقعد تعليم لتلميذ في المغرب العميق.

لن أبحث بالمرة عن تفاصيل (ما معنى الحياة؟) فيما ورد من مطلق أحكام الديانات السماوية، ولا من عموم الفلسفات الدنيوية والفكرية، فهي طبعا يمكن أن تكون إجابات تحمل الثنائية، ويمكن أن تحاصرني بالصمت والتيه، ولا أقدر حينها على الكلام المباح ! لن ألتمس العون لا من رؤى بوذا في فلسفية الحياة، وحجمها الوفير في تخليص البشرية من مشاهد الروتين اليومي، ولما حتى في رقصة (اليوجا الروحية) على متن يخت في زمن استبداد (كورونا) بالأجساد العليلة. لن أطيل كذلك التمعن في قراءة ألواح هرمس فمن سوء ما ورد من نصائحها، تم تسويغ عيش الاستكانة وهرولة المشي التصاقا مع ذوي أعراف البر والبحر.

قد نبتغي تغييرا وثورة على تلك الأفكار التي تبقينا في خانات السلبية (ما فاز إلا النوم)، وانعدام التفكير خارج علبة الصندوق. فمطلب الثورة على تزايد أدراج سلم المعاناة و(الحكرة) وكثرة فجوات الفوارق الاجتماعية، بات مستحضرا في زمن (كورونا) ومن الركائز الأولى لأي نموذج تنموي جديد يجب أن تتصدره علوا ديباجة التمكين (العدالة الاجتماعة) في (معنى الحياة). الثورة على سياسة اليأس والتيئيس التي تصنع التسويفات غير المنتهية في الزمان والمكان. الثورة على الالهاءات المتتالية وصناعة كبسولات (لعب وكول) وتسويق رقصة مع ذئاب البحر، في ظل أزمة (حياة وموت) بالوطن. الثورة على من يستفيد من سياسة القلق المتنامي وقد يصطحبه بالاحتكار والاستغلال نحو صناديق الاقتراع الانتخابي، ويصبح من وجهاء تبّت يدا السياسة، ومن حمالة حطب المال.

لنفكر، بمستويات عليا عند رؤية الإيجاب في (ما معنى الحياة؟)، وبدون محفزات آتية من أحكام التحليل والتحريم، ولا حتى من التأويل. لنفكر، في إزالة التوتر وعلامات المعاناة في إدراك سببية صناعة القهر وحياة المقهور، وهو يختنق حقدا من رقصة الذئاب في البر والبحر. لنفكر، في ردود أفعال رزينة لا تنسينا رقصة البحر ولا ريع كهرباء البرلمان، فالنسيان قد حسّن الأداء الديمقراطي بالمغرب. لنفكر، في حاجاتنا البسيطة، وفي واقع المواطن (المهلوك)، وفي صناعة كرامة استحقاق نقاط عدل تشمل الوطن والمواطن بالتمكين المتوازي، وبلا سجل اجتماعي (بإخراج فلم هندي) يعترف بالفقر ويحصيه بالتنقيط. لنفكر، في تقليل التوتر النفسي والحقد الاجتماعي غير المجدي نفعا للوطن، ونصنع ربح معركة سلمية تجاه قتل الجهل وسياسة (سامحوني) الطبقية. لنفكر،في كيفية الخلاص من بؤرة جائحة الفساد الكبير (حوت البر والرمال والتراب والبحر...) بالموازاة مع جائحة (كورونا) الصغرى التي أفزعتنا حقا وعرت عوراتنا البدينة. لنفكر، في التأسيس لوعي يمتلك آليات التصالح مع الذات والآخر وأرض الوطن (كلنا نتحمل المسؤولية). لنفكر، كيف نتصالح مع أجوبة صادقة عن سؤال (ما معنى الحياة؟)، ومع طبيعة الحياة التي نرتضيها بالجمع لا بالإفراد الطبقي والتمييز الأفقي، حينها ستكون كل الإجابات التي نحصل عليها تتضمن تمكين الكرامة وتحقيق العدل.

 

محسن الأكرمين

 

 

احمد عزت سليميومًا بعد يوم، يتم القصف بالكثير من الرسائل الإعلامية التي نادرًا ما نتوقف عن التفكير في ما يطلبون منا التفكير به أو فعله أو الشعور به، فلقد كتب الكثير عن معايير الجمال غير الواقعية التي تتمسك بها النساء مثل الممثلات والنماذج والشخصيات التلفزيونية وكرقيقة للغاية، مما كان له تأثير ضار على عادات متنوعة حتى الأكل واحترام الذات ولعدد لا يحصى من النساء... لكن في السنوات الأخيرة، لاحظنا شيئًا آخر: ـــ  ظهرت وسائل الإعلام التي تستهدف النساء على نماذج ليست فقط رقيقة جدًا، ولكن أيضًا عضلية ومن أجل ترويج إعلاناتها وتحقيق مكاسب رأسمالية   .

يدرس علماء نفس مشكلات صورة الجسم، بهدف اختبار ما إذا كانت النساء على دراية بهذا الاتجاه - وما إذا كانوا يتطلعون إلى هذا المظهر بأنفسهم ...

نمو فجوة الجسم

حتى الآن، ربما تدرك معظم النساء التناقض بين أجسادهن والنساء النحيفات اللواتي يظهرن على التلفزيون وفي المجلات... وقد تم تحديد هذا التفاوت لأول مرة في دراسة عام 1980 التي قارنت أوزان جسم النساء الأمريكيات العاديات بشخصيات إعلامية بارزة، ومتسابقات ملكة جمال أمريكا والألعاب الجمالية على الإنترنت... ووجد الباحثون أنه بين عامي 1959 و 1978، زاد متوسط أوزان الإناث في عموم السكان، بينما كانت النساء اللواتي يظهرن في وسائل الإعلام في الواقع أرق .

هذا أمر مهم، خاصة بالنسبة للنساء، فإن التعرض لأجسام أنحف يساهم في استياء الجسم، مما قد يؤدي إلى تفاقم مزاجك ويؤدي إلى انخفاض احترام الذات .. أولئك الذين يتطلعون إلى هذا الرقم المثالي يمكن أن ينتهي بهم الأمر في الانخراط في سلوكيات سلبية مثل الأكل أو التطهير التقييدي، وفي دراسة عام 2002، كشف الباحثون النساء في جزيرة فيجي للتلفزيون الغربي .. قبل الدراسة، كان سكان الجزيرة يفضلون الشخصيات النسائية الأكبر، حيث يرونهم علامة على الصحة ..  ولكن بعد إدخال التلفزيون الغربي، وجد الباحثون أن النساء أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات الطعام المضطربة مثل القيء واتباع نظام غذائي مقيد، وكل ذلك في محاولة للظهور بشكل نحيف.

ولادة "النوبة" - ومعيار جديد؟

بينما تواصل الرسائل الإعلامية تشجيع النساء على تغيير أجسادهن، فإن المنصات المستخدمة لاستهلاك وسائل الإعلام تتغير، ففي السنوات الأخيرة، انفجر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي , وفي العديد من هذه المنصات، تستطيع النساء اختيار المحتوى الذي يجب متابعته و "الإعجاب" بمواقع التواصل الاجتماعي، من Facebook إلى Instagram، تأخذ هذه المعلومات وتغذيها في خوارزمية، والتي تؤثر بعد ذلك على المحتوى الذي يتم الإعلان عنه وعرضه للمستخدمين على خلاصاتهم.

أحد الاتجاهات التي اكتسبت قوة الجر هي " النوبة " هذه هي الصور ومقاطع الفيديو التي تصور النساء المنخرطات في التدريبات أو الأوضاع التي تبرز مجموعات عضلية معينة مثل البطن أو الأرداف،في تعزيز العضلات، يبدو أن هذه الصور تعزز ممارسة التمارين الصحية .. لكن تحليلات النص المصاحبة للصور وجدت أنها غالبًا ما تتضمن رسائل تحفز على الشعور بالذنب تركز على صورة الجسم (على سبيل المثال، "قم بامتصاصها الآن، حتى لا تضطر إلى امتصاصها لاحقًا". )

في الواقع، أظهرت إحدى الدراسات أن نسبة ساحقة (72 في المائة) من هذه الوظائف تؤكد المظهر، وليس الصحة (22 في المائة  (وهو مظهر ليس فقط عضليًا، ولكنه أيضًا رفيع.

هل هذا هو المثال الجديد؟

سعت دراسات للإجابة على هذا السؤال

في البداية، قدمت هذه الدراسات 78 مشاركة من الطالبات الجامعيات مع صور للفائزين في مسابقة ملكة جمال الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1999 و 2013،  ولأن الفائزين يتم اختيارهم سنويًا، فإنهم يمثلون تمثيلًا ملائمًا لما يعتبر جذابًا، من أجل الدراسة، تمتصوير الفائزين في المسابقة من العنق إلى الأسفل مرتدين ملابس السباحة السوداء المكونة من قطعتين،  ثم صنف المشاركون كل فائزة على مستوى النحافة والعضلية والجاذبية، أظهرت التقييمات أن الفائزين أصبحوا أكثر نحافة وأكثر قوة على مدى 15 عامًا.

وفي دراسة ثانية، ما إذا كانت النساء قد بدأن يفضلن هذا النوع الرفيع من الجسم.

لذلك قدمت الدراسة 64 مشاركة من الإناث مع نسختين من سبع صور مختلفة، ظهرت نسخة واحدة نموذج عضلي رقيق،  في الجانب الآخر، تمت إزالة النغمة العضلية والتعريف رقميًا، تاركًا النموذج يبدو رفيعًا فقط، شاهد المشاركون هذه الصور واحدًا تلو الآخر بترتيب عشوائي، وطُلب منهم تقييمها على النحافة والعضلية والجاذبية، وتحديد مدى شيوعها في الصور في وسائل الإعلام وقد أظهرت النتائج أنه يمكن للمشاركين اكتشاف الفرق في العضلات بين الصور وتصنيفها جميعًا على أنها نموذجية للصور الإعلامية، ومع ذلك، لم يحددوا بوضوح نوعًا واحدًا من الشكل على أنه أكثر جاذبية من الآخر.

في الجزء الأخير من الدراسة، أظهرت للمشاركين زوج الصور جنبًا إلى جنب وطلب منهم تحديد ما يفضلونه،  عند تقديم الصور بهذا التنسيق، اختار المشاركون بأغلبية ساحقة الصورة الرفيعة والعضلية على الصورة الرفيعة فقط.

آثار حميدة، آثار ضارة

قد تتساءل: ـــ أليس صحيًا أن النساء يفضلن العضلات بشكل متزايد؟

لقد درست الدراسات تأثير عرض الأجسام النحيفة، ووجدت أن لها تأثيرًا سلبيًا على صورة الجسد للمشاهدات. تماما مثل الدراسات السابقة على الصور الإعلامية التي تشجع على النحافة، ورؤية رقيقة، ويمكن للمرأة أن العضلات يؤدي إلى المزاج السلبي و انخفض رضا الجسم ، إن إضافة العضلات إلى النحافة هي التي لها هذا التأثير ؛ إذا رأت النساء نساء أخريات لائقات ولكن غير ضعيفات، فلن نرى نفس التأثير...يبدو كما لو أن البحث عن جسد منغم يضيف شيئًا واحدًا إضافيًا يجب السعي إليه - طبقة أخرى من الضغط على النساء ..: ليس فقط أنهن بحاجة إلى تقييد تناول السعرات الحرارية، ولكنهم بحاجة أيضًا إلى إضافة روتين تمارين لبناء العضلات ...نظرًا لوجود جانب خادع من الخطاب المحيط بـ "النوبة" - مع آثار حميدة على أن الأمر يتعلق بكل بساطة بصحة جيدة - نخشى أن تكون ثقافتنا في خضم ترويج أكثر سمية لجسم أنثوي مثالي لا يؤدي إلا إلى المزيد من عدم الرضا.

 

أحمد عزت سليم

عضواتحاد كتاب مصر

 

حتى تكون كاتبا محترفا صاحب رسالة ولكي تحصل على جمهور مقبول ولا اقول عريضا من القراء الباحثين عن الحقيقة،عليك أن تنهض بذائقة القراء وتسمو بأفكارهم ومفاهيمهم الى أفق أرحب، ولاريب ان مثل ذلكم السمو المشفوع بالرقي بحاجة الى تأثير آسر يشع من بين حروف الكلمات ليسلط الاضواء الكاشفة على النقاط المعتمة بشكل جلي وماتع حتى لايجد القارئ المهتم رغبة بتركه عند المنتصف ومغادرته الى مقال آخر قبل ان يمتع عقله وناظريه ببقية السطور الى نهايتها، وعليك ان تتقمص طريقة تفكير القراء ومشاعرهم فتستشعر وانت تكتب المقال متى يمكن ان تتسلل السآمة الى قلوبهم فيشرعوا بقلب الصفحة، لتفاجئهم بومضة تمنعهم من الرحيل من دون اكمال النص، تهديهم شذرة تعمل كساعة منبه لتنشيطهم وتنبيههم مجددا بغية مواصلة قراءة بقية السطور وصولا الى نهاية المقال كل ذلك بهدف ضمان إيصال الرسالة و" الترياق الناجع " المراد ايصاله لهم على الوجه الأمثل ولكبح جماح " السم الناقع " وإزالته من عقولهم واجسادهم التي سبق وان لدغتهم بها مقالات مضادة كتبت بأقلام اصحاب النوايا والافكار والطروحات والرسائل السامة !

ولا أكتمكم سرا لقد وجدت ومن خلال كتابة المقالات وقراءة وتحريرالكثير منها لبقية الزملاء والكتاب الاحبة بحكم عملي الصحفي الاتي:

* المقال الذي يتضمن قصة واقعية مؤثرة لها علاقة وطيدة بمضمون المقال سواء اكانت مستلة من الماضي البعيد والقريب أم من الحاضر المنظور لها دور كبير في التأثير على المتلقي حتى أنه ليجد فيها متعته الكبيرة احيانا، وضالته أحايين وبالاخص تلك التي تخالف مألوفهم المشوه مثال على ذلك، ان" تأتي على بيان حقيقة ابو زيد الهلالي وبيان كيف أنه كان اداة قومية وطائفية بيد حكام ما للقضاء على خصومهم من الطوائف والقوميات الاخرى في شمال افريقيا، كذلك فضح شخصية روبن هود وهو فارس صليبي تلوث سيفه وقوسه ونشابه بدماء المسلمين في الحروب الصليبية بخلاف ما يروج له من أنه نصير للضعفاء والمظلومين، كل ذلك في معرض حديثك عن الشجاعة والبطولة والفروسية الحقيقة والمزيفة" فهذه لها دور كبير جدا في التأثير فضلا عن تصحيح المفاهيم .

* المقال الذي يتضمن مثلا عربيا أو أكثر من امثال العرب الاصيلة له دور في التأثير لاسيما اذا ما رافق المثل شرح عارض في سياق النص وليس خارجه، لتثقيف القراء بتراثهم، على أن يكون له علاقة بالمضمون كليا ولايغرد خارج سربه بتاتا نحو " جنت على نفسها براقش " و " اشأم من طويس " و " أشأم من خبز الحولاء " و" دقوا بينهم عطر منشم " و " رمتني بدائها وانسلت " و" تجوع الحرة ولا تأكل بثديها " و " سبق السيف العذل " و " بلغ السيل الزبى " و " اذا كنت كذوبا فكن ذكورا " و " يكاد المريب يقول خذوني " و " خلا لك الجو فبيضي واصفري " و " هزلت وسامها كل مفلس " و" ماهكذا تورد الابل يا سعد " ولطالما كتب المثل الاخير واستشهد به بالمقلوب فيكتبون " ماهكذا تورد يا سعد الابل " و " كمجير ام عامر " وغيرها الكثير فمن شأن تلكم الامثال بما تضمه بين حناياها من مثل وقيم أصيلة ولكل مثل منها قصة تناقتلها الاجيال كابرا عن كابر أن تختصر عليك الكثير من الكلمات وتختزل لك الكثير من السطور لتفسح لك المجال واسعا للتفرغ لغيرها بغية إيصال الفكرة المنشودة كما ينبغي لها ان تصل الى القراء .

* ابيات الحكمة ولكل بيت منها شاعر ومناسبة وقصة ماتعة نحو "المُستجيرُ بعمروٍ عِندَ كَربَتِهِ. كالمُستَجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنارِ" و " ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ" و " "لسانك لا تذكر به عورة امرئ.. فكلك عورات وللناس ألسن" و " فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً حَفِظتَ شَيئاً وَغابَت عَنكَ أَشياءُ"، و " تَبغي النَجاةَ وَلَم تَسلُك مسالكها.. إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ" و " أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة.. ربداء تجفل من صفير الصافرِ" و " لا تأسفن على غدر الزمان لطالما.. رقصت على جثث الأسود كلاب" وهكذا من ابيات الحكمة التي تستهوي القراء وتأسرهم لتكون بمثابة جسر بإيصال الفكرة اليهم .

* الامثال الشعبية العربية المناسبة للنص محببة جدا نحو الامثال الشامية : " يلي مالو بنات ما حدا بيعرف امتى مات، " إذا بدك يكبر همك خود واحدة قد أمك"، " الحظ لما بيواتي بيساوي الاعمى ساعاتي"... ونحو الامثال العراقية " من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج "، " الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره "، " دخانكم عمانا وطبيخكم ما اجانا " ...ونحو الامثال المصرية " أقلب القدرة على فُمها تطلع البنت لأمها"، " اخرة خدمة الغُز علقة "، "أبوك البصل وأمك التوم، منين لك الريحة الحلوة يا مشؤوم." وغيرها الاف مؤلفة من الامثال الشعبية لكل بلد عربي، بعضها يتشابه بالمضمون ويختلف بالمنطوق، وكثير منها يتشابه بالمنطوق والمضمون الا انه يختلف باللفظ الدارج بحسب اللهجات المحلية .

* ما يصدق على الاشعار والامثال الشعبية والعربية الفصحى يصدق ولا شك على الحكم العربية الفصحى والشعبية نحو " انا أدعي على ابني آه، بس اكره ليقول آمين "، " طعن اللسان كوخز السنان"، " لا تكن صلباً فتكسر ولا لينا فتعصر" ونحوها .

وبناء على كل ما تقدم انصح من اراد ان يكون كاتبا محترفا ان يحفظ عن ظهر قلب اكبر قدر ممكن من الامثال والحكم والابيات الشعرية الحكيمة " الفصحى منها والشعبية " وان يكون قارئا نهما لأبرز واغرب احداث التأريخ بهدف استدعائها الى الذهن لحظة الحاجة لها بإلحاح لتنساب مع القلم الى الورق ساعة امتطائك صهوة قلمك لتشق غبار الكلمات فتحدث عصفا ذهنيا ووجدانيا مناسبا للمتلقي تجعله عاشقا لما تكتب من غير اطالة مملة ولا اختزال مخل وانما الميل الى التوسط والاعتدال بينهما وخير الامور على الدوام اوسطها، ذاك ان الوسط وكما تعلمون هو على الدوام " فضيلة بين رذيلتين " .

 

احمد الحاج

 

يسري عبد الغنيفرجيل شاعر روماني شهير، نظم ذات مرة قصيدة موجهة إلى صديقه إسينيوس بوليو، تنبأ فيها بمولد طفل سيكون له شأن عظيم في إدخال عهد جديد من السلام والازدهار في ربوع العالم، ولما كانت تلك القصيدة قد نظمت قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بحوالي أربعين سنة، فإن المسيحيين الأوائل اعتبروا فرجيل رجلاً متنبئًا، لأنه تمكن من التنبؤ بميلاد السيد المسيح .

وقد زاد من هذه الشهرة أن والدة فرجيل وكانت تدعى ماجيا، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية ماجوس، ومعناها الساحر أو الساحرة، أما اليوم فلا يظن أحد أن فرجيل كان ساحرًا، إلا أن شهرته كواحد من أعظم شعراء أللاتينية قد زادت ونمت .

فرجيل الذي اعتبره الشاعر الايطالي / دانتي صاحب (الكوميديا الإلهية)، آخر عظماء الشعر الوثنيين، وقد اختاره دليلاً في كتابه (الجحيم والمطهر)، عندما قام بالرحلة التي تخيلها إلى العالم الآخر، وبالطبع لم يكن من الممكن اصطحاب فرجيل إلى الجنة لأنه لم يعمد أو لم يدخل الديانة المسيحية!!!.

ولد بابليوس فرجيليوس مارو، يوم 15 من أكتوبر عام 70 ق . م، وهي قرية صغيرة قريبة من مانتوا التي تقع في وادي نهر ألبو في شمال إيطاليا، كان والده مزارعًا بسيطًا، وقد عاش فرجيل في الريف الإيطالي حتى الثانية عشرة من عمره، فنشأ شديد الحب للريف، وقد ظهر أثر ذلك جليًا فيما بعد في الكثير من أشعاره التي تغنى فيها بجمال المناظر الريفية .

وبدأ فرجيل دراسته في كريمونا، وعندما بلغ سن السادسة عشرة أرسل إلى ميلانو، فمكث بها عامًا ثم انتقل إلى روما، حيث التحق بإحدى مدارس أدب اللغة، وبجوار ذلك درس الطب والفلك، كما أنه حاول أن يعمل في مهنة المحاماة، ولكن من الواضح أن هذه المهنة لم تكن تناسب طبيعته التي كانت تتميز بالخجل وغرابة الأطوار، والواقع أنه لم يظهر في المحكمة سوى مرة واحدة، ويبدو أنه خسر القضية التي كان يترافع فيها، فكان ذلك سببًا في أنه غير خططه وعاد إلى مسقط رأسه شاعرًا بالخيبة والمرارة .

لم تكن حالة شاعرنا الصحية تتحمل الإرهاق، ولهذا نجد أنه لم يشترك في الحياة العامة، سواء كجندي أو كسياسي، ومع ذلك فإن الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أغسطس و بروتس، على أثر مقتل يوليوس قيصر، كانت سببًا في إلحاق الأذى به، ذلك أن أغسطس أراد أن يكافئ  جنوده المخلصين، فأمر بمصادرة بعض الأراضي في منطقتي كريمونا و مانتوا ووزعها عليهم، وكانت مزرعة فرجيل من بينها، فصودرت ظلمًا وعدوانًا وطرد هو وأسرته منها، وعلى ذلك اتجه مرة ثانية إلى روما، ولكنه في هذه المرة كان أسعد حظًا من سابقتها .

كانت العاصمة روما تمر بفترة سلام وازدهار، وكان الإمبراطور أغسطس، تدليلاً منه على إحلال السلام، قد أمر بإغلاق أبواب معبد جانوس، التي لم تكن تفتح إلا في حالة الحرب، كما أن النمو التجاري قد أضفى على المدينة المزيد من الثراء، فازدهرت الآداب والعلوم والفنون، وأقيمت أقواس النصر، وشقت القنوات، وشيدت المسارح التي لا يزال الكثير منها باقيًا إلى يومنا هذا .

وكان مايكناس، أحد نبلاء الرومان في ذلك الوقت، مشهورًا برعاية الشعراء والفنانين، ومن بينهم هوراس الشاعر الروماني الأشهر، وقد أصبح مايكناس وأغسطس راعيين لفرجيل، ومنذ ذلك الوقت أخذ فرجيل يقسم وقته بين روما ونابولي، وأصبح شاعر العهد الجديد الذي كان الإمبراطور / أغسطس قد شرع في إقامته .

لقد كان فرجيل يستلهم أشعاره بصفة خاصة من الريف، وكانت باكورة أعماله ديوانه عن الزراعة، ومجموعة أشعاره الرعوية، وفيها يصف الحياة الآمنة في الريف، كما يصف مختلف أنواع الزراعة، وقد نظم تلك القصائد بناءًا على اقتراح أغسطس، الذي كان يرغب في تنمية حب الريف في قلوب الرومان، الذين جعلهم الثراء يحتقرون أعمال الفلاحة الشاقة، وقد استغرق فرجيل في نظم هذه الأشعار وتنقيحها قرابة سبع سنوات، فقد كان يقرض الشعر بتؤدة، فيكتب أبيات في الصباح، ويقضي باقي اليوم في صقلها وتصحيحها وتجويدها .

وقد أمضى فرجيل السنوات العشرة الأخيرة من حياته في تأليف أشهر أعماله وهي (الإنياذة)، التي حيى فيها تاريخ الرومان وعظمتهم، من خلال أسطورة آينياس القائد الطروادي، الذي يقال أنه كان مؤسس الشعب الروماني أو الجد الأكبر للرومان، وقد أصبحت الإنياذة مصدر جميع المعارف للشعب الروماني، بل يعتبرها البعض من كتب التنبؤات، وقد كان الرومان يعتقدون أن الصفحة التي يفتح عندها الكتاب بطريقة عشوائية أو عن طريق المصادفة، تشتمل على النبأ المرتقب، والنصيحة المنشودة .

حل المرض بفرجيل، كان ذلك خلال رحلة يقوم بها للشرق، كان يأمل من خلالها أن يتم ملحمة الإنياذة، وفي أثناء رحلة العودة اشتد عليه المرض، وما أن وصل إلى برنديزي، التي كانت لا تزال ميناء إيطاليا الرئيسية لليونان، حتى شعر بدنو أجله، وكان يحمل معه مخطوطات الإنياذة التي كانت لا تزال في حاجة للمراجعة والتصحيح والصقل .

وقد آثر الشاعر فرجيل ألا تنشر إحدى مؤلفاته بالحالة التي كان يعتبرها غير كاملة، فأوصى بأن تحرق الإنياذة بعد وفاته .

كانت وفاة فرجيل في العشرين من شهر سبتمبر عام 19 ق . م بالقرب من نابولي على طريق أصبح اليوم مغمورًا بمياه البحر، وقد أمر الإمبراطور /  أغسطس بعدم تنفيذ وصية الشاعر فرجيل، والتي طالب فيها بحرق الإنياذة، وبذلك احتفظ لنا بإحدى روائع الشعر في جميع العصور .

وعلى قبر فرجيل توجد بعض أبيات من الشعر يقال أن فرجيل نفسه هو الذي كتبها، وضمنها ملخصًا لتاريخ حياته وأعماله: " لقد ولدت في مانتوا، ومت في كالابريا، والآن تحتضني نابولي "، ويقول أيضًا: " لقد قلت الشعر في الرعاة، وفي الزراعة، وفي الأبطال " .

وتحتفظ المتاحف الإيطالية بمجموعة رسومات معبرة، نجد فيها فرجيل وهو يقرأ على مايكيناس بعض الأشعار الرعوية، ونرى أيضًا الإمبراطور / أغسطس يحول بأوامره دون حرق مخطوطات الإنياذة مخالفًا بذلك وصية فرجيل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ضياء نافعمجلة (روسكايا  ليتيراتورا) (الادب الروسي) الروسية تصدر منذ عام 1958 ولحد الان، اي ان عمرها في هذا العام (2020) قد بلغ (62) سنة باكملها، ولم تتوقف طوال هذه الفترة عن الصدور، وهي واحدة من المجلات المعتمدة علميا في مجال الادب الروسي وتاريخه . يصدر المجلة معهد الادب الروسي في بطرسبورغ (والذي يسمى ايضا بيت بوشكين) التابع لاكاديمية العلوم الروسية، وهذا ما يميّزها عن المجلات الادبية الاخرى، التي تصدر في روسيا، اذ انها المجلة الوحيدة ذات الصفتين – الصفة الاكاديمية الصرفة باعتبارها لسان حال معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية، وثانيا - الصفة الجماهيرية الواسعة الانتشار بين القراء في آن واحد.

المجلة فصلية، اي تصدر اربع مرات في السنة، ولهذا فانها (لا تلهث!) وراء الاحداث السريعة في الحياة الثقافية مثل المجلات الادبية الشهرية، وهي صفة واضحة المعالم على صفحاتها، صفة جعلتها مجلة اكاديمية متأنية جدا وبكل معنى الكلمة، رغم انها تواظب على (التزاحم) مع المجلات الادبية الروسية الاخرى اربع مرّات سنويا، وهي سمة تفتقدها المجلات الاكاديمية عادة، التي غالبا ما تكون محصورة باوساط المتخصصين ليس الا، اذ ان هذه المجلات لا تصدر بشكل فصلي، وانما تكون سنوية في الغالب او نصف سنوية في احسن الاحوال، وهي مجلات (شبه محنّطة) كما يسميها البعض، ورغم ان هذه التسمية – من وجهة نظرنا - متطرفة جدا وغير موضوعية جدا و قاسية و حتى لئيمة الى حد ما، الا ان تلك المجلات فعلا لا تمتلك جمهورها الواسع من القراء واقعيا، وانما تستخدم لاغراض الترقيات العلمية بالاساس للعاملين في الاوساط الاكاديمية، ولا تتعدى حدود تلك المؤسسات واللجان المختصة بتلك الترقيات في هذه المؤسسات . وباختصار، فان مجلة (الادب الروسي) تتضمن فعلا السمتين (وكما أشرنا اعلاه)، السمة الاكاديمية البحتة، والسمة الآخرى الخاصة بالمجلات التي ينتظرها القراء للتمتع بها والاستفادة منها، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هذه المجلة تتفاخر باشتراك جامعات ومكتبات عامة بها من(34) بلدا في العالم خارج روسيا، حيث توجد في جامعاتها اقسام علمية خاصة بدراسة  الادب الروسي ومتابعته، وعدد الاشتراكات هذه يستحق الفخر والاعتزاز  فعلا .

تتناول المجلة كل مراحل الادب الروسي قاطبة بالدراسة والتحليل ابتداء من تراثه الشفاهي وعبر الادب الروسي القديم وصولا الى القرن الثامن عشر، ثم تألق هذا الادب ونضوجه في القرن التاسع عشر وحتى يومنا الحالي في القرن الحادي والعشرين، اي انها مجلة شاملة  لدراسة الادب الروسي باكمله، ويذكرني نهج هذه المجلة ببرنامج دراستنا للادب الروسي في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، اذ اننا درسنا ايضا الادب الروسي الشفاهي (الفلكلور) اولا، ثم الادب الروسي القديم وصولا الى ادب القرن الثامن عشر، ثم تتوقف المناهج بتفصيل اكثر عند دراسة ادب القرن التاسع عشر، الذي يقسم الى قسمين، يدرس القسم الاول ادباء النصف الاول من القرن، ويتناول القسم الثاني ادباء النصف الثاني، ثم ادب القرن العشرين والذي يقسم ايضا الى قبل ثورة اكتوبر وبعدها، ولازال هذا النهج الاكاديمي العلمي سائدا رغم كل التغيّرات الجذرية المعروفة التي حدثت في مسيرة روسيا .

  أصدر معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية اليكترونيا كل اعداد هذه المجلة منذ صدورها عام 1958 ولحد عام 2017، وهو عمل علمي هائل يعزز عملية البحث العلمي في مجال الادب الروسي وتاريخه الطويل، ويجعل هذه الاعداد بمتناول الجميع، وقد اطلعت عليه وادهشني فعلا، وكم كنت اتمنى – وانا أقرأ محتويات تلك المجلة الغنيّة ببحوثها الشاملة العميقة – ان أجد يوما اعمالا مماثلة لاصداراتنا ومجلاتنا، اذ ان كل المحاولات التي لدينا لحد الان في هذا المجال مبتورة او مشوشة، لانها محاولات فردية بشكل او بآخر، ولم تخضع لضوابط صارمة ودقيقة من قبل مؤسسات علمية رصينة، والحديث عن ضياع تراثنا الفكري وجهود المؤلفين العراقيين الذين ساهموا في تلك المجلات يثير الشجون طبعا .

اختتم مقالتي عن مجلة الادب الروسي بالاشارة، الى ان المجلة طوال هذا الستين سنة واكثر من مسيرتها كانت برئاسة تحرير اربع اشخاص فقط لا غير، وكل رؤساء التحرير هؤلاء كانوا من العلماء المتميّزين في مجال اختصاصهم، وهو علم اللغة الروسية وآدابها (الفيلولوجيا الروسية)، وهم من الحاصلين طبعا على اعلى الشهادات العلمية في اختصاصهم واعضاء في اكاديمية العلوم الروسية، وكانت هناك دائما في هيئة التحرير مجموعة واسعة من الباحثين الموهوبين المتخصصين، الذين يحملون ايضا شهادات علمية رفيعة، ويعملون في مجال تخصصهم العلمي الدقيق حصرا .  

تحية اعجاب واحترام وتقدير لمجلة روسكايا ليتيراتورا (الادب الروسي) وهيئة تحريرها ولمعهد الادب الروسي (بيت بوشكين) في اكاديمية العلوم الروسية، الذي يصدرها منذ عام  1958 ولحد الان.

 

أ.د. ضياء نافع

 

يسري عبد الغني"إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي"

(أديسون)

عن حرية الكتابة والصحافة:

نالت إنجلترا في عام 1695 م حرية الصحافة والنشر، ولم تصحب ذلك الحدث إثارة كبيرة، بل إن أحدًا لم يبلغ به السرور لذلك مبلغًا كبيرًا آنذاك، لكنه حدث في وقت مبكر جدًا، قبل أن يتم في معظم دول أوربا .

ففي عام 1663 م، بعد أن استعاد شارل الثاني عرش إنجلترا بثلاث سنوات، أقر البرلمان الإنجليزي ما أطلق عليه اسم (مرسوم الرخص)، الذي يقضي بأن يتم إصدار ترخيص رسمي من إدارة النشر في لندن، قبل إمكان طبع أي عمل مكتوب، وهذا في حالة ما إذا كان يتضمن نقدًا موجهًا للحكومة، ويتولى ضابط خاص اسمه (رقيب الطباعة)، العمل على إيقاف كل المطبوعات غير القانونية، أو التي لم تنل ترخيصًا، ووفقًا للسلطة المخولة له يمكن أن يأمر بتدمير المطابع التي أصدرتها .

وكان يتم تجديد مرسوم الرخص هذا من آن لآخر عن طريق البرلمان الإنجليزي، وفي كل مناسبة تحدد فترة من الوقت يسري فيها مفعوله، لكن البرلمان لم يجدده عام 1695 م، ولم يكن ذلك لأن الأعضاء يؤمنون بوجوب حرية الصحافة والنشر، ولكن لأن الرقباء كانوا يزاولون عملهم بسوء بالغ وجهل مطبق، ويتخذون من أنفسهم أضحوكة، لذلك لم يعد من اللازم استخراج ترخيص للكتب، وأصبح في الإمكان طبع أي شيء .

ولكن ثغرة ما كانت هناك، وثغرة كبيرة، فبالرغم من أن الحكومة لم تعد رقيبًا على الكتب، إلا أنها تستطيع أن تقاضي المؤلفين لكتابتهم قذفًا مثيرًا للقلاقل ومهددًا للأمن العام، ويكاد كل ما يوجه للحكومة من نقض أن يعتبر قذفًا مثيرًا للقلاقل، ومن ثم يمكن للمرء أن يظن بأن النشر ظل مقيدًا كما كان من قبل، لكن الأمر كذلك، فقضايا القذف في ساحات المحاكم الإنجليزية، كانت كثيرًا ما تزيد من ذيوع أو شهرة النقاط أو الموضوعات التي يعتمد عليها الكاتب الناقد في نقده، أكثر مما لو أهمل الأمر، لذلك فإن الحكومة لم تكن تلجأ إلى القضاء إلا كل  حين .

ونتج عن ذلك أن سيلاً متدفقًا من الكتيبات السياسية انهال بعد عام 1695 م، وكانت العامة تتلقفها بلهفة بالغة وتطالعها باهتمام كبير، لكن هذه الكتيبات ما كانت لتستهوي المرء قراءتها اليوم، لولا أن العديد منها في الواقع كان بقلم رجلين على جانب من العبقرية الأدبية، هما: جونا ثان سويفت، دانييل ديفو .

جوناثان سويفت صاحب (رحلات جليفر):

ولد سويفت في مدينة دبلن الأيرلندية سنة 1667 م، فتلقى العلم في مدرسة كيلكيني، وفي ترينيتي كولدج (كلية الثالوث) في دبلن، ولم يحصل على الشهادة إلا بصعوبة بالغة، فقد نشبت يبنه وبين إدارة الكلية مشاجرات عديدة، وفي عام 1689 م، جاء إلى إنجلترا ليحاول الحصول على وظيفة في الكنيسة، لكنه وجد ذلك من الصعوبة بمكان.

ولقد قضى سويفت معظم حياته إما في مدينة دبلن، وإما على مقربة من العاصمة الإنجليزية لندن، وفي عام 1713 م، أصبح الكاهن المسئول عن كاثدرائية القديس / باتريك في دبلن، ولقى حتفه في لندن سنة 1745 م، بعد مرض طويل ترك أثره على عقله .

وسويفت واحد من أعظم من كتب نثرًا باللغة الإنجليزية على الإطلاق، فجمله بسيطة سلسة مركزة، لكن قوتها هائلة، وهي أحسن ما تكون عندما يهاجم شيئًا ما، أو إنسانًا ما، الأمر الذي اعتاده، وكان سويفت مشمئزًا من الجنس البشري كله، وبالرغم من أن في مقدوره أن يكون مخلصًا كل الإخلاص لأصدقائه، وكان شأنه شأن دانييل ديفو أو ديفيو في استخدام سلاح السخرية غالبًا في كتابته، أي أنه بدلاً من أنه يعبر عما يريده مباشرة، يبدي عكسه، ولكن بأسلوب يبدو مضحكًا .

وفي كتاب سويفت (رحلات جليفر) الذي نعرفه منذ نعومة أظفارنا، ثمة مثل على ذلك، حيث يصف سويفت على لسان جليفر، المقيم في أرض تقطنها خيل على جانب من الذكاء، يصف بفخر الوسائل الرائعة التي اخترعها الإنسان للقتال في الحروب، ولقتل أقرانه، والنتيجة بالنسبة للقارئ أنه يجعل الحرب تبدو رهيبة، كما يبدو الإنسان دنيئًا خسيسًا لاشتراكه فيها، وإليك مثلاً آخر موجودًا في كتيب اسمه " اقتراح متواضع لمنع أطفال الفقراء من أن يكونوا عبئًا على آبائهم وعلى البلاد !!": "لقد أكد لي أمريكي بالغ العلم من معارفي في لندن، أن الطفل الصغير المعافى المنشأ تنشئة حسنة، يصبح عند بلوغه السنة الأولى من عمره طعامًا شهيًا، وغذاءً صحيًا كاملاً، سواء أكان مسبكًا، أو مشويًا، أو مطهوًا، أو مسلوقًا، ولا ريب لدينا أنه يصلح كذلك لتقديمه مفرومًا، أو محمرًا، أو يخني متبلاً .. وأنا أسلم جدلاً بأن هذا الغذاء سيكون نادرًا إلى حد ما، ولذلك فهو صالح لأصحاب الأراضي الذين ـ كما التهموا من قبل معظم الآباء ـ لا بد أن يكون لهم نفس الوصف بالنسبة للأطفال".

وينمي سويفت هذا الأسلوب بمهارة وحرفية شديدة، ولا بد أنها كانت ضربة قاسمة لبعض الأنانيين الجشعين المستغلين من أغنياء تلك الأيام .

دانييل ديفو صاحب (روبنسون كروزو):

أما دانييل ديفو المولود عام 1660 م، فكان ابنًا لصانع شمع من دهون الحيوان، اسمه / جيمس فو، لكن دانييل آمن بأن وقع اسمه سيكون أفضل لو وضع أمامه " دي "، التي تدل على الارستقراطية، وتزوج دانييل وكانت له أسرة كبيرة وهو فقير لا دخل له، وعليه فقد حاول إعالة أسرته عن طريق الكتابة، ولقد واصل الكتابة في شتى الموضوعات الغريبة، لكنه كان يملك الموهبة الرائعة، التي تمكنه من إحساس القارئ عندما يصف له شيئًا ما، بأنه كان هناك يشاهد المنظر.

وقد كتب ديفو مثلاً "يوميات عن عام الطاعون"، أعلن فيها أنه وصف لشاهد عيان من لندن عام 1665 م، ويكاد يستحيل على المرء أن يصدق، وهو يقرأ هذا الكتاب أن مؤلفه لم يشهد الكوارث التي وصفها وصفًا واقعيًا حيًا، لكن ديفو كان في الخامسة من سني عمره فحسب، في عام الطاعون !! .

واستخدم ديفو السخرية مثل سويفت، لكنه كان يستخدمها أكثر منه، ففي عام 1702 م، كتب كتيبًا سماه "أقصر السبل مع المنشقين على الكنيسة"، نصح فيه بشنق كل من لم يشترك في كنيسة إنجلترا، أو يتم إيداعه السجن على الفور! .

ولقد كان في الواقع يستخدم أسلوب المحاكاة الساخرة لغلاة المؤلفين، التي كانت أراؤهم شديدة القرب من تلك، لكن معظم قراءه الذين أحبوه أخذوه على محمل الجد، ولما اكتشفوا أن الأمر كله خدعة، حكموا عليه بالوقوف في الشهرة (آلة خشبية يتم فيها إدخال يد المجرم ورأسه للتشهير به وسط الناس)، وكان يحسب أن أهالي لندن سيعاملونه بالطريقة المعتادة، ويرشقونه بالبيض الفاسد، لكنهم كانوا كرماء فرشقوه بالزهور !! .

من المقهى يعلن العصر الكلاسيكي:

كان ديفو وسويفت أعظم صحفيين في عصرهما، ولقد ازداد اليوم شهرة لكونهما مؤلفين أول روايتين إنجليزيتين عظيمتين (روبنسون كروزو)، و(رحلات جليفر)، وقراءة هاتين الروايتين فيهما من المتعة ما كان لهما منذ أكثر من 290 عامًا، وكان الإنجاز الرئيسي لديفو وسويفت هو كتابة النثر الإنجليزي واضحًا مباشرًا، يمكن لأعضاء الطبقة المتوسطة تفهمه بسهولة ويسر، ففي القرن التاسع عشر، كان النثر الإنجليزي بلغة المثقفين الأكثر تقعرًا، مليئًا بالاقتباسات التقليدية من التراث، وباللمحات العلمية والفلسفية الصعبة، ويرجع الفضل في الأسلوب الجديد السهل في الكتابة، أكثر ما يرجع، إلى أثر المقاهي التي ازدهرت خلال حكم الملكة آن، حيث نقرأ أن هذه المقاهي في نهاية القرن السابع عشر كانت تعد مراكز مألوفة للحوار السياسي والفكري والأدبي، وكانت الصحف والكتيبات توزع هناك، أو تعلق ليقرأها الجميع .

هذا، ولقد توطدت هذه المقاييس الأدبية الجديدة البسيطة في أواخر القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر في المقاهي، لتغطي ما يعرف باسم العصر الأغسطي في الأدب الإنجليزي، وهو يسمى أيضًا (العصر الكلاسيكي)، أو (عصر المنطق)، لأن العقيدة سادت بأنه لا بد لكل كتابة، شعرًا كانت أو نثرًا، أن تحذو حذو ما كان للكتاب اللاتين القدماء من أسلوب سلس سهل، وكانت كل هذه الأفكار تناقش في المقاهي التي هي بمثابة منتديات ثقافية للجميع .

وكان الشاعر الكبير، والمسرحي، والناقد / جون درا يدين (1631 م ـ 1700 م) أبًا للمقاهي الأدبية، فربما أمضى أمسياته في (مقهى ويل)، يبث أفكاره عن الأدب لشبان مثل (أديسون) و (ستيل)، الذين قدر لهما أخيرًا نشر المعرفة في مجلات مثل: (سبكتاتور) و(تاتلر)، وقد روي عن إديسون قوله: " إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي " .

وبموت درا يدين عام 1700 م، احتل أديسون منصب الحكم في التذوق الأدبي في مقهى ويل أولاً، وأخيرًا في مقهى باتون .

كان أدب ذلك العصر محببًا بهيجًا، وقد كانت الطبقات العليا والوسطى قانعة بالحياة، وغاية آمالها أن تصبح الحياة أكثر راحة .

وخلال حكم كل من الملكين: جورج الأول، وجورج الثاني، كان رجال الأدب والفكر والثقافة على جانب من السلطة والقوة كبيرين في المحيطين السياسي والاجتماعي، فالسياسيون القديرون، مثل: جودولفين، وهارلي، بولينجبروك، يستخدمون الكتاب لعرض الحجج السياسية على الجماهير، ولقد استخدم كل من ديفو وسويفت في هذا السبيل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني 

 

كانت اللقيا اشبه بالكنز المطمور أو كما سُمّيت الاندلس "الفردوس المفقود" بعد الهزيمة،وتسليم مفاتيح الفردوس الى ملكة وملك اسبانيا والكنز مخطط مدينة سامراء وقصر العامّة أو الخلافة في سُر من رأى التي تعد قصور الاندلس وعمرانها، نسخة أو صورة ثانية من قصور سامراء والمتوكلية المطلّة على مسافة 30 كيلومتراً على ساحل دجلة شمالي بغداد، بناها المتوكل هرباً من المؤمرات التي كانت تحاك ضد الخلافة أو خلافته في بغداد.

لا نعلم لما يدعوننا للبكاء على الاندلس، ولايدعونا للبكاء على نسختها الأصلية في سامراء! وعندما نقارن بين قصور وحدائق وأسواق وجوامع ومكتبات الاندلس، نجدها عامرة، تؤشر لهويتها العربية والإسلامية من بعيد، ويؤمها ملايين السواح من مختلف دول العالم،ويقفوا مبهورين لجمال وعمارة الحضارة العربية والإسلامية في الاندلس أو "الفردوس المفقود" وهذه تسمية مجازية مضللة، لأنها موجودة وشاخصة ومزدهرة، ومن اكثر المناطق السياحية في العالم استقطاباً للسياح .

أمّا نسختها الأصلية في سامراء، فهي حقاً تدعو للرثاء والبكاء، لتحولها الى انقاض وخرائب ممتدة على طول 30 كليومتراً على شواطىء دجلة، فيها مدينة الخلافة وفيها قصر الحكم أو الخلافة، ويسمى قصر العامّة ومدينة الى جانبها، يشقها شارع وأسواق والدكاكين والصناعات الحرفية، وكلّ ما تحتاجه الاسواق العامرة بالبضائع والنشاطات المالية والتجارية، وبعد توسع المدينة الجديدة، بُنيت الى الشمال منها مدينة ثانية، سمّيت بأسم مؤسسها "المتوكلية"، تصفها مصادر التاريخ كالتالي : « كان يمتد في وسط المدينة من الشمال الى الجنوب شارع عظيم " شارع السريجة" وعلى امتداد هذا الشارع مواضع الرطابين .. فيها طرق متشعبة فيها الغرف والحوانيت للرقيق، ثم مجلس الشرطة والحبس، ومنازل الناس والأسواق وسائر البياعات والصناعات" .

: ويصفها البحتري لجمالها ونورها

أرى المتوكلية وقد تعالت

محاسنها واكملت التماما

قصور كالكواكب لامعات

يكدن يضئن للساري الظلاما

وتعد مساحة دار العامة من المعجزات المعمارية، حيثُ يصل والمدينة الى نحو مليون متر مربع،وتشير التنقيبات الى إن القصر بُني على هضبة ارتفاعها 17 متراً عن مستوى السهل،وواجهة القصر مطلة على دجلة، ما يذكّرنا بقصر الزهراء في الاندلس الذي بُني هو الآخر على مساحة شاسعة خضراء ورابية ترتفع على مستوى السهول الخضراء المحيطه به، وتوجد تفاصيل وافية عن العمران بهذه المدينة من ضمنها مساحات الشوارع طولاً وعرضاً الى الابعاد القياسية لجدران القصور والأسواق والمكتبات وقاعات الاحتفالات، ومراكز الحكم وسواها، بحيث يمكن عمل مخططات كاملة عن المدينة والعمران فيها، إضافة الى مساحتها الحقيقية، خاصة بعد توسعها، وبدء بناء المتوكلية الى جانب قصر الحكم أو قصر العامّة كما يطلق عليه، قبل أن تهمل المتوكلية، ويعود مركز الخلافة من سامراء الى بغداد مجدداً

هذا العمران يمثلُ قمة ما وصلت أليه العمارة المدنية العربية والإسلامية أيام المتوكل، ومن قبله أبوجعفر المنصور الذي بنى بغداد وجعلها عاصمة للخلافة،وتدرّس العمارة والاركولوجيا العربية اليوم في معهديّ غرناطة ومدريد في اسبانيا باللغة العربية الى الآن، وتشير أو تؤكد الوقائع سرقة بريطانيا إبان احتلالها للعراق حتى الآجر الذي بُني فيه مدخل بيت العامّة وهو عباره عن ثلاثة أبواب  اثنان جانبيتان ووسطى أكبر حجماً منهما.

كانت البعثة البريطانية أول بعثة اجنبية تبدأ باستكشاف الموقع العام 1921 في سامراء، تلتها بعام بعثة المانية، وقد يكون من حسن دوافع السرقات الآثارية مفيدة احيانا، خاصة في بلدان تكثر فيها الاضطرابات السياسية كالعراق، منذ ما قبل الخلافة العباسية الى الآن، وتحفظ في دول اكثر استقراراً كبريطانيا والمانيا، وهذا لا يعني التنازل عنها، فبامكان العراق المطالبة باسترجاعها متى شاء، باعتبارها جزءا من تاريخة وحضاراته القديمة .

مثل هذه الدعوات للبكاء على الفردوس المفقود «الاندلس» باطلة لآن الفردوس الأصلي بسامراء عبارة عن اطلالٍ وخرائب، لا يلتفت اليها احد عدا بعثات التنقيب الاجنبية، ولم يدر بخلد احد من الحكّام أن يعيد بناء المتوكلية في سامراء وقصورها وحدائقها وأسواقها ومكتباتها، لتكون شاهداً على ما وصلت ألية العمارة العربية والاسلامية كالاندلس الآن التي يؤمها ملايين السياح سنوياً من محتلف دول العالم.

 فأيهما نبكي؟ الاندلس المزدهرة أم اطلال وخرائب سامراء أو سُر من رأى أو الفردوس الأصل الذي بُنيت الاندلس على صورته ؟أننا مولعون بالبكاء على الاطلال منذ العصر الجاهلي،والمعلّقات التي تبدأ بالبكاء على الاطلال بدلاً عن إعادة بنائها، كشواخصٍ تاريخية عن حضارة أو حضارات ممتدة في ازمان سحيقة، تستحق التوقف عندها وتأملها بفرح وتباهٍ، لأنها تدل على ماض عريق، يستحق ان يفخر به أي عربي، لا أن يبكي على اطلاله وخرائبه، كما نفعل اليوم، كلما مرّ ذكر الاندلس والحضارة الاندلسية التي بناها العرب والمسلمون، وشكّلت الأساس المتين للحضارة الاسبانية بشكلٍ خاص، والاوروبية عموماً .

وما زالت الاندلس حاضرة تبعث البهجة في قلوب السكان والسياح، إمّا سُر من رأى فأنها تبعث على الحزن والحسرة لما لحقها من خرابٍ، دون ان تمتد أليها يد العناية، لتعيد لها رونقها وحدائقها وقصورها ومكتباتها وأسواقها كالاندلس الآن التي تعد من اكثر مدن العالم جذباً للسياح من مختلف دول العالم، ومن المفيد ان نقرأ ما قاله احد المنقبين عن سامراء والمتوكلية وتعليقه على الموقع وخرائبه بالقول : " إنّ الأسباب الدفينة التي حملتني على التأثر الى هذا الحد بآثار سامراء ومبانيها، هي تلك السنوات القليلة التي قضيتها بين اطلالها ساعياً في الكشف عن تلك الكنوز الثمينة لتلك المباني الخالدة، ورسم مخططاتها، فكان اعجابي بها وتفهمي لها يزداد كلما زاد ترددي عليها.. ففي كل مرة كنت اكتشف فيها جمالاً مدهشاً، وعظمة عالية "،ويعقب بصدق على ما رأه من سرقات وتخريب طال هذه الآثار القيمة والتاريخية الخالدة : " قاتل الله الجهل والايدي الاثيمة التي امتدت الى هذه الكنوز وحرمتنا بل حرمت العالم من التمتع بها والابتهاج بمنظرها"

 وهذه الحضارة بطبيعة الحال غير خاصة بالعرب، فقد ساهم فيها المسلمون شرقاً وغرباً،وتعد جزءاً من تاريخهم وحضارتهم التي يحق لهم ان يفخروا بها على الدوام،لا أن يبكوا على خرائبها بعد أن اهملوها منذ ذلك الحين الى الآن،

ولكن هل إن أسم عصر "الانوار" الاوروبي اخذ اسمه من قصيدة البحتري الشهيرة عن المتوكلية أو سُر من رأى أو من الحضارة الاندلسية  التي دائماً ما تقرن بالأقمار والأنوار  في الاشعار والمرويات، والأخيرة منها شفاهية ومنها مدونة .. لا نعلم؟! ولكن احياء التاريخ الحضاري والعمراني بعيد ومنزه عن السياسة والمذهبية أو الطائفية، أو حتى التعصب،لانهُ تاريخ مشترك لجميع العرب والمسلمين .

 

قيس العذاري

 

 

 

إلى طارق أبوفراس

أحن ليومٍ أجدني فيه لأجدنا في نصٍ فارغٍ أو نقطةٍ بنهاية السطر، ولكن الكتابة، لها السخط يا طارق، هي كالمرآة اللولبية أو كسرابٍ أجده بجادة معشور–الأهواز في طريقي إليك، هكذا الكتابة، تبتعد كلّما اقتربنا منها، وتقترب كلما ابتعدنا عنها، فهل شبعنا من الكتابة أو كتبنا حد الاشباع من فرط الكسل؟ فهل تحن مثلي؟

يقولون لي كأني أتسابق مع الموت، فهل دخلت سباق الموت مثلي؟ لا شك أنني كنتُ في سباقٍ مع الموت شتائين وصيفين في مضمار الرصاص والشاحنات والمرتفعات يا صديقي، فهل يوجعك الموت –كما أوجعني– لأني قد قُتلتُ قبل الآن، قُتلتُ فنجوتُ من الموتِ ولم أنجُ من الحياة، فالحياة تتشبث بي بمخالبها ومعاولها وأنيابها، كأنها لاتريد لي الذهاب ولا تريد لنصّي أن ينتهي، ولقد رأيت الموت موجعًا فانتقمت منه بالكتابة للوصول إلى التجرّد، فقيل: لمَ تكتُب؟ قلتُ: لأني سأموت! ولكن الكتابة لبست قناع جلادٍ يجلدني بغية التجلد للوصول إلى التجرّد، فهو النقي ابن النقي! فهل تحب النقاء؟!

لطالما قلتَ أن للأهواز وجهان، وجهٌ في أبوحميضة وآخرٌ في استراليا، ولكن الغياب أو الفراق أو المسافات تحول بينهما، ابتكر تعبيرًا لهذا، واصنع لغتك بنفسك، وتمدد على رمال استراليا في أبوحميضة أو في بحر معشور ليكون المجاز أقرب مما هو عليه. لا أتذكر يومًا تحدثت فيه عن "فراس" كما لم ألتقي بـ"فراسٍ" لأحدثه عنك، ولكنك تبدأ بالحديث اذا سُئِلتَ ووجدت لشرح الحكاية الحزينة سبيلا، الحكاية التي تحول بين وجهي أبوحميضة، لكن هل نسيت أنك تخدر الوجع بالوجع وتقول في النهاية: "سيكبر وسألقاه"، ألم تقل؟! 

لو كان فراس في الكورة بدل أستراليا أو كانت الكورة بلدةً في استراليا لا تعرف الدبابات ولا العصف والقصف والدوشيكا ولا الحصار والدمار، ولا تعرف الجهل المقدسِ والعلمِ المدنّس واغتيال القلوب، المهم أن تكون في أستراليا وأن لا تعرف معنى الرصاص ولا صرخة أم القتيلِ ظلمًا، المهم أن لا يسمع فراس بكل هذا، لجلست معه على "جسر المقاومة" في مدخل الكورة الأسترالية قرب المدرسة ومحطة الوقود ومحطة الغاز حيث لا قاعدة نظامية ولا أنابيب نفط، حيث "البردية" تنمو دون أن تحترق لتعانق الصفصاف، ولقلت له: "أما لآخر هذا الفراق والغياب من آخر"؟*

يمر الانسان بحوادث كثرة، والعاقل من يتخلص من الأوهام، فأن تصعد لهاويتك متسلقًا أمتارًا لتهوي بعظامك وأعضائك أمرٌ صعبٌ جدًا، فالموت بتلك الصيغة المرعبة، أو ذلك التعريف الموحش والكئيب، لن يقتلك فحسب، بل سيقتل كل من ذكرك ذات يوم، وإن لم يحالفك الحظ ولم تمت فإنه من سوء حظك، حينها ستكون ميتتك الرابعة أو الخامسة و"ستحيا ميتةً أخرى"** لتعلم أننا لا نكتب إلا وتموت خلايا فينا بعد كل جملة أو تعبير.

أولسنا إلّا كتبةً للحنين أو ترجمانًا للوجع؟

 

ضياء كاظم عتيقي–الأهواز

12 أغسطس 2020

.....................................

* جملة لا أدري أين قرأتها فقمت بالتغيير فيها

** من قصيدة "لي حكمة المحكوم بالإعدام" لمحمود درويش

 

صالح الطائيلم يكن مشروع قصيدة وطن مجرد مشروع تقليدي خال من الإبداع والتجديد والابتكار، فهو ملحمة شعرية من نوع خاص لا سابق له في العالم كله وفي التاريخ كله، فعلى حد علمي لا توجد هناك قصيدة اشترك ببنائها 600 شاعر اختير من بينهم أكثرهم إجادة فبلغ عددهم 139 شاعرا وبلغ عدد ابياتها 371 بيتا على نسق واحد ووزن واحد وقافية واحدة وموضوع واحد وقوة واحدة.

ولم يكن موضوعها سرا خفيا؛ فقد تولى الفيسبوك الترويج لها، وتولت القنوات الفضائية بما فيها قناة العراقية الفضائية الحديث عنها، وتولى ندرة نادرة من الإعلاميين ومنهم الأستاذ راضي المترفي الكتابة عنها وعن خبر صدورها وفكرتها، ونشر ذلك في بوابة الصحفيين الكبرى، كذلك الناقدة والكاتبة سامية البحري من الجمهورية التونسية التي كتبت عنها عدة مرات وتابعت ولادتها بحرص فضلا عن الشاعر حميد شغيدل.

وفوق هذا وذاك صدرت القصيدة بكتاب، صدر في طبعته الأولى عن دار الوطن في المملكة المغربية، وصدر في طبعته الثانية تزامنا مع تلك الطبعة عن دار المتن في بغداد ليكون حاضرا في شارع المتنبي، ولكي لا يبقى عذر لمن قد يتحجج منهم بعدم اطلاعه على الكتاب.

وببادرة قد يستحي البعض من ذكرها:

ـ طلبنا شخصيا من بعض النقاد أن يكتبوا عن المشروع وأرسلنا لهم نسخا (PDF) من الكتاب، ولم يردوا مجرد رد على طلبنا.

ـ طلبنا من أخينا وأستاذنا الكبير الدكتور حسين سرمك حسن سادن موقع الناقد العراقي أن يتواصل مع النقاد في موقعه ويحثهم على الكتابة عن الموضوع، ولم نلق استجابة تذكر.

وأخيرا ـ في أقل من القليل ـ رداً لجميل سبق وأن قدمناه للبعض من الذين كتبنا عن منجزهم؛ وانصياعا لقاعدة (شيلني وأشيلك)، ولاسيما أولئك الذين أراهم دائما يكتبون ويكتبون بلا انقطاع عن قصيدة نثر لهذه الشاعرة المغمورة أو مقطوعة لا تقبل التجنيس لتلك الفتاة المطمورة، ولكنهم لم يعيروا هذا المشروع البنائي الكبير اهتماما ولو بالتصريح عنه في صفحاتهم.

أما اتحاد الأدباء العراقيين الذي يضم العشرات ممن يحملون صفة (ناقد) فهم كما هو عهدهم (هنبقة) يرعون السمين في أرض الوفرة ويرعون الضعيف في عنت الصحراء وأكداس الرمال.

أيها النقاد العراقيون والعرب:

ـ إن مجرد نشر خارطة الوطن العربي على غلاف كتاب القصيدة في وقت الفرقة والتشتت يعتبر تحديا غير مسبوق.

ـ ومجرد الدعوة لوحدة الأمة في زمن الكراهية والبغضاء يعتبر سباحة خطيرة جدا ضد التيار قد تودي بصاحبها.

ـ ومجرد اشتراك شعراء عرب من بعض البلدان العربية ذات النظم الشمولية في كتابة القصيدة تحديا لحكوماتهم يعتبر تحديا للسلطة في كل مكان قد يعرضهم إلى ما لا تحمد عقباه.

ـ ومجرد اشتراك هذا العدد الكبير والمبارك من الشعراء في كتابة قصيدة نصرة للعراق في وقت وقفت فيه أنظمة وأحزاب ومنظمات ودول ضد نهضة وصحوة ووحدة الشعب العراقي البطل يعتبر عملا بطوليا يستحق الإشادة والتقدير، وأن تخلده الأقلام الشريفة.

لكن كل هذا لم يشفع لمشروع قصيدة وطن لدى حملة رتبة (ناقد)، بل ربما أبعده أكثر وأكثر عن أقلام النقاد الذين يكتب كل منهم لغايات في نفوس (اليعاقيب) ليس  بينها غاية وطن.

تحية بحجم السماء للوطن.

تحية بحجم السماء لشهداء الوطن

تحية بحجم السماء لقصيدة وطن ولشعراء قصيدة وطن

تحية بحجم السماء لكل من دعم مشروع قصيدة وطن

 

صالح الطائي

 

لمحات ومشاهد تسجيلية عن العراق وانتفاضة تشرين

كادت انتفاضة تشرين ان تتوقف بسبب كورونا وحظر التجول، ولكنها تعود بين حين واخر كلما يخفف حظر التجول الى ساحة التحرير ومدن وسط وجنوب العراق . ولكنها اعطت دفقا للعاطلين للتعيين او السعي للحصول على اعمال وتعويضات باءت بالفشل ولكنها مستمرة وسميويه ..

1

حين خرجت في الصباح ، وجدت الطيور غير عابئة، بعضها تنقي ريشها  ليكن اكثر لمعانا مع اشعة الشمس الخفيفة في الصباح، وبعضها تنظر الى الافق غير مبالية لا تعنيها الشوارع الفارغة والمحلات المغلقة  والمقاهي الفارغة من الرواد والزبائن الذين دائما ما تزدحم بهم الارصفة والمظلات وارصفة الشوارع المتفرعة بكل الاتجاهات .

كم تمنى الانسان ان يكون طائرا يحلق في فضاءات بعيدة عن الضوضاء والفوضى .واصبحت اكثر فهما لماذا يصر بعض البشر على احلام مستحيلة لا تتحقق مطلقا .

حلق ابعد من المسافة التي يمكن ان تحمل الطائر بعيدا عن بؤر كورونا او النفايات والاوساخ التي يخلفها البشر في كل مكان يرتادونه على الارصفة وامام المحلات المغلقة قسرا ان مروا بها والثرثرات وما تحمله من مداهنات ليست عفوية وبريئة . عالم لم يكن ليقبل به طائر حر يمكنه ان يذهب بعيدا عن كل ما يعكر صفوه وينظف جناحيه في اعلى نقطة يمكن ان يصل اليها عاليا فوق سطح الارض .

الارض التي لوثها البشر بجنونهم ونهمهم الازلي .

هل كورونا من صنع البشر؟ قد يكون ضاق ذرعا بجنون من يحلم بالطيران بدون اجنحة وقوادم وقوائم يمكن ان تحط على الارض بهدوء وتلامسها بلين بدغدغات كايقاعات خافتة نسمعها ونراها بالحركة وايماءات الطيور .  

يعجز عنها الحالمون . كورونا التي لا نراها ونعرف بانها قد تكون كامنة او مختبة قربنا

او خلفنا او امامنا او في اي مكان لا يخطر لنا على بال

تترصد

المارقين وغير المارقين

في كل مكان .

...

الطائر حرٌ .

الطائر لا يخاف كورونا ، ولا يخاف كوفيد19

مطمئن في الشوارع شبه الفارغة والارصفة المقفرة او باعلى البنايات العالية او على اسطح المنازل التي ما زالت نائمة .

2

تلاشت الحركة بساحة التحرير سوى خيم المعتصمين الملونة التي تضفي على الساحة حيوية متجددة منذ ان دخل حظر التجول الساحة ليصل الى اطراف بغداد ويتمدد الى مدن الشمال والجنوب ويفرض نفسه على الجميع سوى فراشات بيضاء متعبة تتنقل هنا وهناك .

شارع امانة بغداد مقفر هو الاخر، تسرح فيه الطيور الاليفة دون ان تشعر بالاستفزاز، تحلق على مسافات واطئة لا تميز من بعيد ان كانت تلامس الارض اثناء طيرانها ام تعاند بأجنحتها وترتفع عن الارض مسافة  قليلة وتكاد تلامسها .

لكنها مطمئنة لا تشعر بالخوف كأن الشوارع والساحات افرغت لها وحدها فتعدو فيها وتطير وتمارس فرحا لا يعرفه الانسان .

وتصدر عنها حركات واصوات واشارات تشبه حركات واصوات واشارات العشاق حين يكونوا بعيدا عن العيون المتلصصة والحاسدة، تضمر الكراهية للحياة والشباب ..

بدون عقد او خوف .

الطيور المرحة، تخاف وتنجفل من البشر، مجرد ان يقتربوا منها،

لا تخاف من كورونا او وباء كوفيد19 ومن الفيروسات والاوبئة .

3

تختفي في الليل وتعود في الصباح الباكر، قبل ان نستفيق من النوم

الى طقوسها في الشوارع وامام المقاهي المغلقة وفي الساحات الفارغة .

*** 

قيس ال ابراهيم العذاري

 

شاكر فريد حسنبعد أن حفرت اسمها على صخرة الإبداع في مجال الشعر والنثر، وأثبتت حضورها في المشهد الأدبي والثقافي الفلسطيني، وبعد أن حقق ديوانها الشعري الأول " أحلام السنابل " نجاحًا باهرًا واهتمامًا نقديًا واسعًا، اتجهت المربية الكاتبة والشاعرة د. روز يوسف شعبان، التي تشغل مديرة مدرسة في بلدتها طرعان بالجليل، إلى جانب كتابة الشعر، نحو الكتابة للطفل، انطلاقًا من إيمانها برسالة الأدب الإنساني الهادف ودوره في عملية التنشئة وتطوير ذهن الطفل وتحسين ذائقته، وحرصًا على مستقبله.

وكانت د. روز اتحفتنا في زمن الكورونا بعدد من قصص الأطفال، التي لقيت تجاوب واستحسان القراء، لما تحمله هذه القصص من معاني إنسانية وقيم تربوية وصبغة وطنية، مزجت من خلالها العاطفي والوطني والإنساني والتربوي والقيمي.

ويلمس قارئ هذه القصص أنها تجارب قصصية ناجحة وناضجة واعية، من حيث فنيتها ومضمونها/ فكرتها وأسلوبها المشوق، ولغتها البسيطة السلسة الواضحة القريبة إلى وعي وثقافة الطفل، والمستوحاة من واقع وعالم الطفولة.

وروز في هذه القصص تقدم للطفل أهم القيم التربوية، وتجعل منه عضوًا ناجحًا ونافعًا لمجتمعه في المستقبل، وتعزز فيه شعور الثقة بالنفس وروح الانتماء وحب العلم والغطاء والايجابية في التفكير والتمسك بالفضيلة والقيم الأخلاقية والتسامح.

روز شعبان تمتلك أدوات الكتابة، وتتمتع بتجربة حياتية غنية، وكونها قريبة جدًا من عالم ونفسية الأطفال في المدرسة، يجعلها قادرة على التوصيف والتصوير بدقة متناهية، وتتسم كتابتها للطفل بالعمق والجمالية والبعد الفني.

إنني إذ أشد على يدي الصديقة الشاعرة والكاتبة د. روز يوسف شعبان، وأتمنى لها مواصلة مشوارها الأدبي في مجال الشعر والكتابة للطفل، ومزيدًا من التطور والعطاء والتألق.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

احمد عزت سليمصور لكثير من الفتيات الصغيرات يقفن في استوديو للباليه في الهواء الطلق.. فتيات من العائلات في الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو يأخذون درسًا في نا بونتا دوس بيسوالتى تعنى على رؤوس الأصابع، بتتنانير وردية ورقصات باليه كمبادرة الباليه التي تديرها TuanyNascimento.. راقصة باليه من الأحياء الفقيرة نفسها للنهوض بهن، ترى ناسيمنتو أن الباليه وسيلة لاحتضان أجسادهن وبناء الثقة.. فإنها تعتقد أن الجمال والقوة متشابكتان..

في نيويورك، هناك مجموعة أزياء تسمى Vaquera تقوم بتثبيت عروض منصة العرض في الأماكن المتداعية ذات الإضاءة القاسية وبدون بريق.. كان من الممكن أن تتراكم الجبيرة قبالة القطار F بعد ليلة بلا نوم..مع شعرهنالمدلل.. تبدو بشرتهم وكأنها تحتوي على لمعان رقيق من الأوساخ طوال الليل.. إنهم يدوسون على المدرج / المنصة.. يمكن تفسير المشي على أنه غضب أو متلعثم أو مجرد مخلفات صغيرة تعبر عن الواقع .

ترتدي عارضات الأزياء الأرجلية فساتين الأميرة التي تتدلى من الأكتاف مع كل جاذبية ستارة الحمام.. تمشي النماذج ذات المظهر الأنثوي بسرعة كبيرة مع وضع منحني وتعبير قاتم.. بدلاً من إطالة الساقين وخلق صورة ظلية للساعة الرملية، تجعل الملابس الأرجل تبدو متعرجة وذات جذعًا سميكًا.. تعد Vaquera من بين العديد من الشركات التي تستدعي الصب في الشوارع، والتي تقوم في الأساس بسحب شخصيات الكرة الفردية من الشارع ووضعها على المدرج - وهي تعلن بشكل أساسي أنها جميلة.

في باريس، كان المصمم جون جاليانو، مثل عدد لا يحصى من المصممين الآخرين، يطمس الجنس.. لقد فعل ذلك بطريقة مبالغ فيها وعدوانية، أي أنه بدلاً من السعي إلى صنع فستان أو تنورة تناسب خطوط اللياقة البدنية الذكورية، قام ببساطة بلف ذلك الجسم بفستان.. والنتيجة ليست ثوبًا يهدف ظاهريًا إلى جعل الأفراد يبدون في أفضل حالاتهم.. إنه بيان حول افتراضاتنا العنيدة حول الجنس والملابس والجمال الجسدي..

يحضر كل من FláviaCarvalho و Júlia Maria Vecchi حفلة في ساو باولو مخصصة للتنوع بجميع أشكاله.. وبحسب كارفالهو، فإن الحركة الإيجابية الجسم في البرازيل، مدفوعة بالشبكات الاجتماعية، تشجع الناس على "العيش في أجسادهم بحرية".

منذ وقت ليس ببعيد، نشر خط الملابس Universal Standard حملة إعلانية تضم امرأة ترتدي مقاسًا أمريكيًا 24. ظهرت في ملابسها القصيرة وزوج من الجوارب البيضاء.. كانت الإضاءة مسطحة، وشعرها مجعد قليلاً، وفخذيها مضخمتين مع السيلوليت.. لم يكن هناك شيء سحري أو يتعذر الوصول إليه بشأن الصورة.. لقد كانت واقعية مبالغ فيها - على عكس ملاك فيكتوريا سيكريت..  لقد أصبح يتم تخريب كل فكرة مقبولة عن الجمال.. هذا هو الوضع الطبيعي الجديد وهو صادم.. قد يجادل البعض أنه قبيح إلى حد ما..

بقدر ما يقول الناس أنهم يريدون الشمول والمظهر العادي - ما يسمى بالناس الحقيقيين - لا يزال العديد من المستهلكين مستآين من أن هذا، هذا هو ما يمرر الجمال.. إنهم ينظرون إلى امرأة يبلغ وزنها 200 رطل، وبعد إعطاء إيماءة سريعة لثقتها، يشعرون بالقلق من صحتها - على الرغم من أنهم لم يروا سجلاتها الطبية أبدًا.. هذه محادثة أكثر مهذبة من تلك التي تجادل ضد إعلان جمالها.. لكن مجرد حقيقة أن هذا النموذج العالمي القياسي في دائرة الضوء في ملابسها الداخلية - تمامًا كما كانت ملائكة فيكتوريا سيكريت وامرأة مايدن فورم جيلًا قبل ذلك - هو عمل احتجاج سياسي.. لا يتعلق الأمر بالرغبة في أن تكون (Pin-up model ) كنموذج للعرض الشعبى غير الرسمى لفتاة قد تضع صورها بأزيائها على الحائط وإحتجاجا على الواقع.. بل يريد تأييد حق الشخص في الوجود بدون حكم سلبي..فى مواجهة  مجتمع، لم يعترف بحقها في أن تكون ببساطة.. لكن على الأقل، يمنحها عالم الجمال هذا منصة لتدافع عنها..  وكجوان أى جونسون، التي بدأت حياتها المهنية في عرض الأزياء في الستينيات من عمرها، تقف صورة لها في مدينة نيويورك.. ظهرت على المدارج وفي الإعلانات المطبوعة للعلامات التجارية بما في ذلك Fenty و Eileen Fisher و Tommy Hilfiger. كانت الحملات الإعلانية بشكل خاص مجال النماذج الشبابية.   ولم يكن هذا ليس مجرد مطلب تقدمه نساء كاملات الشكل والجمال.. بل إصرار النساء الأكبر سنا على الحفاظ على مكانتهن في الثقافة.. وكما تطالب النساء السود بالسماح لهن بالوقوف في دائرة الضوء بشعرهن الطبيعي وبينما يضرب ضوء الشمس وجهها وفى مواجهة التحدىالإجتماعى لهن.. وليصير الجمال هو الصواب السياسي والتنوير الثقافي والعدالة الاجتماعية فى مواجهة التمييز العنصرى بالإضطهاد السياسى والإجتماعى .

 

 أحمد عزت سليم

 

 

محسن الاكرمينارموا أسلحة جهلكم وعنادكم (الخاوي) وانسحبوا فرادى وجماعات وتحصنوا ولو بالتباعد الاجتماعي وتيمم الأيدي بالمطهرات... لا تعلنوا القتال العلني على فيروس (كورونا) فالعدو تجبر وأعلن حرب الفتك " في ساحة لا تنتهي... في ليلة لا تنتهي... في دولة لا تحترم الحجر الصحي". فالحرب على الحاكم المستبد (كوفيد 19) لن تربح بالتراخي والاستهتار و تبادل القبل والبكاء على الأطلال واقتسام معلومات أعداد الإصابات اليومية مساء، فكلنا مسؤولون دولة زشعبا...

ارموا أفكاركم البالية والكاسدة من عرف التاريخ ومعشبة (الدفلة)، وانتظروا اللقاح الروسي (سبوتنيك)، وأعلنوا بعده التطهر بلا ماء دافق، فلا إثم ولا حرج عليكم في تطعيمكم باستخدام فيروس (ميت) من جيل (كورونا) المستجد وبجينات روسية، ومن صنع حفدة لينين المشاغبين.

لن ألعن الروس ولا اليابانيين ولا أمريكا عدوة الشعوب... بل قد ألعن سياسة التراخي و(التبرهيش) البشري بيننا واستغلال الحرية غير المسؤولة ... ألعن أن حساباتنا الافتراضية باءت بالفشل ولا زلنا ندفع بمتتالية (رأس النعامة) إلى الأمام في القرارات غير الرزينة... لن ألعن علوم الغرب في البحث عن مصل الإنقاذ والربح المادي، بل سألعن جهل البحث العلمي الوطني ، وسوء تدبير الأزمة وانتظار أعداد المبني للمجهول من المصابين والمخالطين، فالشعب بات كله من المخالطين الأوفياء للوباء  ولو بالرضاعة... لن ألعن شيطان علوم الغرب فهو يفكر في الربح،   و حقق قدم السبق في إمكانية إنقاذ شعوب الكون ... لن ألعن الغرب في تموقعه الجغرافي فهو قد ينصب الفخاخ لنا جميعا، و قد يصنع الجبيرة للتطبيب...

 اليوم سألعن شيطان (كوفيد 19) المغربي الذي استقوى من جهلنا، ومن تراخينا المفرط في الغباء والبؤس الفقير، استقوى من ضعف اقتصادنا غير المهيكل، استقوى علينا حين أحس أن موارد صندوق (كورونا) استنفذت خزائنها، وبتنا نساوي بين (باحمرون) و(كرورنا) في مروره على أجساد الشعب برمته، وحرية التشافي في المنازل...  

 

محسن الأكرمين.