الطيب النقرالمرحوم الدكتور أحمد مصطفى المراغي أستاذ الشريعة واللغة بكلية دار العلوم المصرية، صاحب التفسير العذب المورد، والتصانيف الجامعة لشتيت الفوائد، سجلّ لنا يراعه ذلك الحسن الباهر التي تطالعه العيون وتنبهر منه الأفئدة‘ فسفره الذي لم يترك فيه بيتاً نادراً، ولا مثلاً سائراً، ولا شعراً جزلاً، ولا نثراً فاخراً، إلا حواه واستدل به في مؤلفه العظيم الفائدة، الجم النفع، والمرحوم المراغي استرخى في يده عنان القلم لأنه امتلك ناصية اللغة، وهيمن فؤاده الذكي على ضروب العلم وأصناف المعرفة التي جُبِلّ على فطرتها وتحرك في إطارها وسخر لها عمره كاشفاً لغوامضها، ومقرراً لعلومها، فتعلق بفنائه كل طالب، واستظل بفيئه كل عالم.

ذكر المرحوم المراغي سقى الله قبره الغر الغوادي وأناخت حول رمسه شآبيب الرحمة، ديدنه في تأليف كتابه، موضحاً أنه اعتمد طريقة المتقدمين التي تتوسع في الشرح والبيان وتكثر من الأمثلة والشواهد، والغاية من ذلك هي”أن تستبين للقارئ خصائص البلاغة مرموقة محسوسة، ولطائف الكلام مجسمة ملموسة، ويسهل تطبيق العلم على العمل، والإجمال على التفصيل، وذلك أمثل الطرق، لبنائه على قواعد علم النفس، من تعويد الناظر الركون إلي الوجدان والحس، وطريق المتأخرين من حسن الترتيب والتبويب، وجمع ما تفرق من قواعد هذه الفنون، ليكون أنجع في الدرس، وأقرب إلي التناول”.

ولعل من يطالع كتاب المراغي لوهلة خاطفة يرى سلاسة الفظ، ووضوح العبارة، ورشاقة المعنى، ويستقر في روعه أن مبدع ذلك السفر الجزيل المباحث متكئاً على سليقة عربية صرفة سلمت من الدخيل، وعلى إلمام وثيق باللغة وأسرارها، كما يستطيع أن يستشف شيئاً آخر أن فكرة الكتاب كانت واضحة المعالم عند المؤلف الملهم الذي استطاع بجدارة أن يسد فراغاً كان شاغراً في تلك العهود المنصرمة ويرفع أصار الجهل ووصمة الصغار الناتج عنه ويجعل العرب والمسلمون باختلاف مشاربهم وسحناتهم تهتك حجب تخلفهم عن ماضيهم التليد بشراع المراغي الذي وصلهم بسلفهم الغالي، ورفع عن كواهلهم عنت الحواشي والاختصارات، وطلاسم التراكيب المجملة،والعبارات الغامضة.

نجد أن المراغي استهل كتابه بتقديم نبذة في تاريخ علوم البيان ومدى الحاجة إلي وضع قواعدها، ذاكراً صروف الدهر التي جابهت هذا الضرب السامي من علوم العربية، مبيناً أن أول من دون هذا العلم هو تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي أبوعبيدة معمر بن المثنى الذي وضع كتاباً في علم البيان سماه (مجاز القران) مستدركاً أنه “لم يكن يرد بالمجاز الوصف الذي ينطبق على ما وضع من القواعد بعد، بل هو أشبه بكتاب في اللغة توخى فيه جمع الألفاظ التي أريد بها غير معانيها الوضعية”.

ثم يوضح في إيجاز أهم العلماء الذين نهض على سواعدهم الفتية أركان هذا العلم. وبعد ذلك يتحدث عن حقيقة الفصاحة والبلاغة في بيان ناصع وشرح سديد، وتتوالى مباحث الكتاب وأبوابه كوكف المطر، فنرى عالمنا الثبت الذي عضّ كتابه على قارحة من الكلام يتطرق للإنشاء والتمني والاستفهام والأمر والنهي والنداء والذكر والحذف ومزاياه وشروطه، ثم يفصّل القول في التقديم وأقسامه والفرق بين النكرة والمعرفة مع إعطاء نماذج للتنكير والتقييد، كما تحدث بإسهاب عن الخروج عن مقتضى الظاهر، ليعقبه بفصل في فصل من ستة مباحث عن القصر وتعريفه في اللغة والاصطلاح، ثم يتحدث بعد ذلك عن الفصل والوصل

الذي بيبن فيه دقة مسلكه وعظيم خطره، ويوفي الحديث عن الإيجاز والإطناب والمساواة، ويهضب في حديثه عن أسرار البلاغة في الإيجاز والإطناب.

 

 الطيب النقر 

 

معمر حبارسبق لي أن كتبت مقال بعنوان "مالك بن نبي الأديب"، وبتاريخ: الجمعة14جمادى الأول 1439 هـ الموافق لـ 02 فيفري 2017،  أظهر من خلاله أن مالك بن نبي أديب قبل أن يكون مفكر، واستطاع أن يقدّم أفكاره بأسلوب أدبي مميّز. والتفاصيل مذكورة في المقال لمن أراد أن يعود إليه. وفي هذا المقال سيتم التطرق لنفس الفكرة؛ أي أن مالك بن نبي أديب لكن من زاوية أخرى وهي:

1- حين يقرأ المرء كتب مالك بن نبي باللّغة العربية لا يقف على أّنّه أديب ولا يتمتع بأدبه، والسبب -في تقديري- أن الترجمة سواء من إخواننا الأعزّاء في المشرق العربي حفظهم الله ورعاهم  ولهم كل الشكر والثناء  أو الجزائريين الذين لم يستطيعوا عبر مجهوداتهم المبذولة والتي يشكرون عليها أن يقدّموا مالك بن نبي للقارئ على أنّه الأديب.

2- في نفس الوقت يقف القارئ لكتب مالك بن نبي باللغة الفرنسية على حقيقة الأديب مالك بن نبي عبر كلماته الرقيقة حينا والقاسية حينا آخر، وأسلوب التحكم الذي يستعمله بكثرة ولا يشعر به إلا القارئ الحاذق، والمقارنة بين الأفكار والشخصيات بعبارات تحمل روح الدعابة لكنها قوية شرسة ذات معنى عميق تدل بصدق على حقيقة الشخصية أو الفكرة. ويبدو لي أن هذا الأسلوب هو أحد الأسباب الذي كان من وراء عداوة الكثير لمالك بن نبي.

3- أعترف أنّي وجدت صعوبة في استخراج أدب مالك بن نبي لأنّه لم يكتب للأدب إنما كان الأسلوب الأدبي الخاص بمالك بن نبي وسيلة من وسائل التّعبير عن أفكاره التي طرحها.

4- لم يكتب مالك بن نبي للأدب إنّما كتب للفكرة لكن بأسلوب أدبي أتقنه وأبدع فيه وهو يكتب باللّغة الفرنسية.

5- الكتب التي كتبها بنفسه باللّغة العربية كانت تفتقر للحسّ الأدبي لأنّه وإن كان يحسن العربية ومحبّا لها إلاّ أنّه لم يستطيع التعبير من خلالها بأسلوب أدبي باللّغة العربية. وقد اعترف بذلك ولا يحضرني الآن في أي كتاب قرأت اعترافه.

6- من أراد أن يقف على حقيقة مالك بن نبي من حيث الفكرة والأدب، فليقرأ له باللغة الفرنسية. ومن أراد أن يتعرّف على مالك بن نبي الأديب فليقرأ له كتبه باللّغة الفرنسية لأن الترجمة المقدّمة لم تستطع أن تبرز مالك بن نبي الأديب.

7- الكتب التي ألّفها أو ترجمها مالك بن نبي بنفسه إلى اللّغة العربية لم يستطع أن يبرز من خلالها أنّه الأديب وإن كان سليما إلا أنه لا يرقى إلى مستوى الإبداع والتميّز وهو يكتب باللّغة الفرنسية التي كتب بها وأبدع عبرها ووصل العالمية بفضلها وكتب أفضل الكتب بها.

8- سبق لصاحب الأسطر أن أثنى على مالك بن نبي مجهوداته في تعلّم اللّغة العربية وحرصه على أن يكتب كتبه الأخيرة باللّغة العربية وحرصه الشّديد على أن يبذل أواخر أيامه في الحرص الشّديد على ترجمة كتبه بنفسه.

9- مجهودات مالك بن نبي في الكتابة باللّغة العربية وإلقاء محاضراته باللّغة العربية الفصحى تستحقّ أن تكون مثالا وقدوة يقتدى بها.

 

 معمر حبار 

الشلف - الجزائر

 

 

حسين فاعور الساعديفي بداية هذه العجالة لا بد من شكر الناقد الدكتور الشاعر وليد العرفي جزيل الشكر على تعريفنا  بشعراء يستحقون الالتفات والمتابعة. في هذا العام فقط عرفنا على الشاعر العراقي المغترب العملاق عبد الإله الياسري. وعرفنا على الشعراء الكبار جواد غلوم، يوسف الجزراوي،  نزار سرطاوي، عادل الحنظل، ماجد الغرباوي، سعد جاسم، سامي العامري، غانم العناز، زياد السامرائي، جمال مصطفى، نوري الوائلي وغيرهم.

النقد عمل مقدس في عالم اليوم الذي أصبح بحراً من الرداءة والتدني في كل المجالات ومنها المجال الثقافي غمر ساحاتنا الأدبية بفعل الدولار وعبدته من رخيصي النفوس وقصيري النفس، وفي هذا الزمن الذي أصبح النفاق سمته وميزته. لأن الناقد الموضوعي مهما فعل هذه الأيام يظل متهما لما أصاب النفوس من أنانية وشك في كل شيء، ولما يتعرض له، كسائر الأدباء الحقيقيين، من تعتيم من إمبراطوريات المال السياسي المتعفن.

في عالم اليوم الذي أصبح قرية واحدة بفعل التطور الهائل لوسائل التواصل الإلكتروني اختلط الحابل بالنابل وصار كل من يعرف أحرف اللغة شاعراً أو أديباً. وكل ذلك ليس صدفة وإنما تعبير عما تتعرض له ثقافتنا من هجمة شرسة لترويضها وإبقائها أداة في خدمة السلطة أو رهينة في يد الأحزاب والفئات لخدمة أجنداتها الضيقة.

هذا الواقع الذي خلق مئات آلاف إن لم يكن ملايين "الشعراء!" و"الأدباء!" الفارغين، جعل القارئ العادي والبسيط يضيع في بحر لا نهاية له. وبسبب التعب والإرهاق الناجم عن هذا الضياع فقد عزف الكثيرون عن القراءة واكتفوا بمتابعة الفيس أو الووتس فضاعوا أكثر.

في هذه الفوضى ظهر عدد من مرضى النفوس من المداحين الذين تخفوا بقناع النقد وأخذوا يكيلون مدائحهم لأصدقائهم وخصوصاً من النساء الهاويات للتعامل مع الأدب ورفعهم إلى مصاف الأدباء والشعراء الكبار بغرض بناء علاقة رخيصة معهن\م أو نيل إعجابهن\م. هؤلاء المرضى الذين يتناولون في كتاباتهم الشخوص وليس النصوص زادوا الطين بلة فأشاعوا الفوضى والتدني وجعلوا القارئ العادي يلعن الشعر ويلعن الأدب.

ما تتطلبه المرحلة بكل تعقيداتها وموبقاتها هو بوصلة سليمة تُعرّف القارئ العادي بالاتجاهات وترشده إلى بر الأمان. وتتركه يقرر ما يريد. المرحلة بحاجة لناقد موضوعي يقوم بالتفتيش عن النص الجيد بسراج وفتيلة بين هذا البحر من النصوص الردسئة قيقوم بإشهاره ولفت الانتباه إليه. وليس الجلوس وانتظار توجهات الكتاب الرخيصين المطالبين بكل وقاحة تناول نصوصهم.

إن ما يقوم به مختص متمكن كالدكتور وليد العرفي من تناول لأعمال شعراء لديهم ما يقدمونه، وبمبادرته الشخصية ومن منطلق تذوقه الراقي لهذا العمل ما هو إلا عمل مقدس وبطولي خصوصاً وهو مبني على النص فقط دون أدنى معرفة بالشخص صاحب النص.

هذا العمل الكبير نابع من حرص نزيه على ثقافتنا وأدبنا وليس من منطلقات شخصية أنانية ترسم لصيدٍ أو تنتظر ثمناً.

معظم النقاد حتى المختصين منهم كتبوا عن أقاربهم أو أصدقائهم أو زملائهم ولا أريد ذكر الأسماء فهي كثيرة. أشير إلى ذلك لأن ما كتبوه لم يكن موضوعياً ولم يكن مبنياً  على فحوى النصوص وإنما على أشياء أخرى لا مجال للنزول إلى مستوياتها اليوم.

أذكر ذلك لأنه هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من جمود وضحالة أدت بمساندة الأحزاب والفئات إلى غياب المبدعين ومحاصرتهم. تماماً كما يريد أصحاب المليارات، موزعي الجوائز الأدبية الذين لا يريدون لهذه الأمة إلا المزيد من الجهل والمزيد من الضياع لأن ذلك يخدم جيوبهم المنتفخة بفتات أسيادهم الذئاب.

الناقد الذي ينفذ أجندة حزب أو فئة لا يمكن أن يكون ناقداً لأنه أداة ينفذ أوامر مشغليه. يمكن أن يكون مدّاحاً أو قوّاداً. فهو يرى من خلال جيبه ومن خلال غريزته التي تتحكم بما يكتب. هذا النوع من النقاد من الأنسب تسميته ب" القوّاد" لأنه يقوم بما يقوم به الرجل الذي يعمل مع العاهرات فهو يجلب الزبائن للحزب أو للفئة كما يجلب القوّاد الزبائن للعاهرة. ويحافظ على الحزب أو الفئة ويدافع عنهما تماماً كما يدافع القواد عن عاهرته مقابل حصته في نهاية يوم العمل.

الدكتور وليد العرفي من المعلومات التي استقيتها من العم غوغل هو دكتور في اللغة العربية ويعمل محاضراً ومختصاً في الجامعات السورية. وما يقوم به من متابعات قيمة لقصائد ذات شأن أو لأعمال أدبية ذات قيمة إنما يقوم به بمبادرته الشخصية المحضة وعلى حساب وقته الخاص، الثمين جداً وغير المتوفر كما أتوقع. لم يطلب منه احد القيام بما يقوم به ولم تدفع له جهة معينة ثمناً لجهوده المباركة.

هذا النوع من النقد الذي يقوم به الدكتور وليد العرفي يساهم مساهمة قيمة وفعالة في رفع معنويات الكتاب والشعراء المبدعين ويزيد من روح المنافسة لتقديم ما هو أرقى وأروع.

هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يشكل بوصلة سليمة ونزيهة في توجيه القارئ العادي ولفت انتباهه. بعيداً عن أسلوب السوق الذي يعتمد على التكرار المتواصل الذي يؤدي إلى رواج حتى البضاعة الفاسدة.

شكراً للدكتور الشاعر وليد العرفي الذي يقدم لنا هذه الإضاءات في هذا لليل المدلهم الذي يطبق على ثقافتنا العربية. نحن بحاجة ماسة لما يقوم به مشكوراً من خلال صحيفة المثقف الغراء في هذا الزمن الذي شوهت  وتجاهلت فيه المنابر المستأجرة كل ما هو جميل وراقي في أدبنا في سبيل أن يسود الرديء والسيئ خدمة للنظام الرأسمالي المتوحش. وفي وقت غابت فيه المؤسسات النظيفة عن القيام بدورها الريادي في هذا المجال المصيري.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

منذر الغزاليأولاً: النص

حنين: الشاعرة زينب الحسيني

"ويمطرني الحنين رذاذاً

لأرجوحة في زورق الهوى..

وكيف لي أن أرتق

شقوق الروحْ

وأقطع شرايين النوى..؟

وكم سرٍّ بكى في المنحنى.. !

وانثنى الورد تيهاً وباحْ..

يهمس الوجد في أذني ..

لمَ في الحب ندورْ

ما بين بعثٍ وموتِ..؟

وأنا سكرى بكأس الدموعْ..

أمتطي أحلام خيبتي

.. دعني أتوهْ .. في بحر أسراري

فلا ذنب للرِّيحْ

إن أسلمت أشرعتي"

 ثانياً: القراءة

تعرّفت على قصيدة الشاعرة زينب الحسيني في فترة مبكرة نسبيا، كانت قصيدتها لا تزال بكراً، تقرؤها على الورق كما لو أنك تسمعها توّاً، تركّب حروفها وتقولها للمرة الأولى، دون تنقيح  ولا تعديل.

هذا الكلام لا يعني أن قصائدها الأولى كانت على ضعفٍ ما، أو ليست بذلك العمق الذي تكتب به اليوم.. بل، على النقيض، منذ قصيدتها الأولى كان الشعر عند الشاعرة زينب ولا يزال بوحاً وجدانياً عميقاً صادقاً؛ لهذا تأتي مفرداتها غنيةً بعناصر الطبيعة، على عادة الشعراء الرومنسيين... "يمطرني، رذاذاً، زورق، المنحنى...."

وعلى ديدن الحركة الرومنتيكية في الشعر، تأتي موضوعات قصائدها لصيقةً بالروح، الروح العاشقة الولهى، الغارقة في حبٍّ مكلوم،  أو المنتظرة ذلك الحلم الذي يأبى أن يتحقق، ويأخذ قيمته من مدى انتظارنا له... أو الحنين لزمن كان، وربّما لم تعشه؛ لكنها تحلم به وتأبى الروح مفارقته، وأي شعورٍ أقسى وأوجع، وأشد تأثيرا من الحنين؟

وفي هذه القصيدة، يتجلى انصهار الروح بالكلمة، من خلال لغة القصيدة، وسَرَيانها بين شقوق الروح التي انفتحت على ذكريات غَمَرها النوى.

إن كانت قصيدة حنين تغرف من قاموس الشعر الرومنسي،  فإن الشاعرة المثقفة لا تستسلم لانثيال اللغة وانهما رها، ولا تكتفي بالسطحي من الكلام، فالروح اللائبة في البحث عما لا يحتمل التفسير تستوقفنا مع أسئلتها الحائرة، الوجودية...

"لِمَ في الحبّ ندور

ما بين موتٍ وبعث؟"

ولا نكاد نغادر دهشة السؤال نفارق قصيدتها، حتى تربطنا بها من جديد بتلك العبارة الحكمة...

"لا ذنب للريح

 إن أسلمت أشرعتي"

لا ذنب للحب إن شدّنا إليه بحنينٍ لا ينقطع، وحلمٍ لا يفارقنا، وشوقٍ أبديٍّ لجميل آتٍ.

هذه القصيدة الرومنسية في قاموسها اللغوي ومفرداتها وموضوعها، بنيت على صور متعاقبة، بل هي في الحقيقة معرض لصور تترى.

منذ السطر الأول: ويمطرني الحنين رذاذاً.. استثمرت الشاعرة البلاغة خير استثمار، وأجادت في بناء صورها على الاستعارة .

وعناصر الصور تعطي للحنين لوعةً ورهافةً أيضا..

"كيف أرتق شقوق الروح

وأقطع شرايين النوى"

يا للصورة الباهرة!

ما بين استعارةٍ وطباق بنت الأستاذة زينب صورةً في غاية التأثير والجمال والعمق.

بهذه الانسيابية والتآلف بين البلاغة واللغة، يسري القصيد جدولاً رائقاً متهادياً، يجعلنا نتحسّس موسيقاه من صورٍ منسجمةٍ مع مفرداتٍ مع تراكيب بيانيةٍ، مضفورةٍ ببراعةٍ واقتدار، بعفوية أكاد أقول مخادعة؛ فهذا الجمال والبناء المحكم، لا يبدعه إلا شاعرةٌ مسكونةٌ بالشعر، لها رؤيتها، وتملك من الإبداع ما يجعلها توصل لنا رؤيتها بغاية الألق والجمال.

 

منذر فالح الغزالي

بون 16/ 06/ 2020

 

 

عزيز جاسمأحترنا في الخيار الأمثل لمن يحكمنا.. هذا ما تمخض بعد جهد جهيد عن مسرحية "براكسا او مشكلة الحكم" للكاتب الكبير توفيق الحكيم والتي صدرت في طبعتها الاولى عام 1939 والثانية في العام 1960 وهي واحدة من بين ثلاثيته – "براكسا او مشكلة الحكم" و"بيجماليون" و"الملك اوديب" - المستوحاة من التراث الاغريقي حيث مد الحكيم في ثلاثيته جسر الاسطورة بين الماضي والحاضر الذي كان يعيشه.

تبدأ احداث المسرحية في إنقلاب تعده النساء – تحت قيادة براكسا - على أزواجهنّ الذين يسيطرون على مفاصل الحكم في أثينا القديمة. لم يكنَّ راضيات عن الحكم الذكوري الذي قطّعهُنَّ إرباً بينما هُنَّ يمارسنَ الأعمال اليومية في الدار تحت مسمى "نساء"، المصطلح الذي لم يَجنينَّ منه سوى الكبت والاضطهاد. انتفضن غير راضيات وطمعن في استلام دفة الحكم لإثبات قدرتهن على الادارة خارج المنزل ونفض غبار القهر الذي كُنَّ يعِشنه.

في ليلة ظلماء تآمرت النساء على ازواجهن حيث منعنّهم من الخروج لممارسة اعمالهم اليومية كالعادة المتعارف عليها في المجتمعات الذكورية والتي تقضي بخروج الرجال للعمل في الوقت الذي تمكث فيه النساء في البيت لممارسة الأعمال المنزلية ورعاية الاطفال. ولكن كيف تمكنت النساء هذه المرة من التجرأ على ماكنة المجتمع الذكوري وتعطيلها عند الصباح؟

يتبادر هنا الى الأذهان السؤال عن الطريقة التي مكنتهنّ من تعطيل ازواجهنّ عن الذهاب الى العمل والبقاء في الدار مُكرهين على ذلك ومشلولين لا يقوون على الحركة التي اعتادوا عليها. ليس هذا فحسب بل لا يمكنهم حتى الخروج من غرفة النوم الى الغرفة المجاورة في المنزل نفسه! لكن للنساء كيد فاق ما يخطط له الرجل من طرق وبرامج تساعده في توفير الحرية الكاملة في التنقل في المجتمع الذي يعتبر نفسه الجزء الاساس في بناءه مستعينا بالمرأة كوسيلة لتحقيق غاياته. يكمن الكيد هذه المرة في المعنى الايجابي الذي يمكن المرأة من الدفاع عن نفسها حيث قمنّ بتجريد ازواجهن من ملابسهم التي تضفي على شخصياتهم الوجه الحسن وتمنحهم الحرية في التنقل ومزاولة اعمالهم. تلك الملابس التي غطت عيوبهم لتجعلهم يبدون بالشكل الانيق الذي من الممكن ان يخدع من ينظر الى المظهر الخارجي كوسيلة اساسية في إكتمال الشخصية. عندما قررن منعهم من الوصول الى ملابسهم للخروج الى العمل نجحن وبشكل كامل في تقييد حركتهم تماماً حيث وجدوا انفسهم عُراة في منازلهم وقد جردوا من كل الصلاحيات المتاحة لهم.

على كل حال، استطعن الوصول الى دفة الحكم وقمن بمزاولة العمل والرجال هذه المرة الحمل الوديع والمطيع لأوامر النساء التي اعتادت الاطاعة وتنفيذ الاوامر من قبل. لكن هنا تكمن المشكلة: هل ان الإدارة بتلك السهولة التي توقعنها؟ وهل بأمكانهن السيطرة الى درجة التحلي بالصبر الذي من الممكن ان يصل بهن الى بر الامان في نيل ما ابتغينه من الحرية والشعور بتحقيق الذات الذي فقدنهن لسنوات طوال؟ لم يكن ادائهُن بالمستوى الذي يرضي الشعب، حسب اقتراحات الكاتب، على الرغم من انهن لم يكن اقل شأناَ في الحكم من الرجال الذين سبقوهن. المشكلة إذاً لا تكمن في الحكم نفسه حسب تقديرات الكاتب وإنما في انطباع وهيكلة الشخصية بعد وصولها الى الحكم. لم تكن النساء اللواتي كن في البيت هن انفسهن اللواتي يمسكن الحكم. تغيرن الى درجة انهن لم يصدقن انفسهن. وبذلك يكون الحكم قد مسخهن الى كائن حي آخر له من العادات والأطباع الخاصة به والتي يجهلها الفرد السوي إلا من الذي يُمسخ اليها.

ماذا حدث هذه المرة؟

انتفض الشعب على النساء وبهذا انقلب السحر على الساحر ووجدن انفسهن في نفس الموقف الذي شاهدن به أزواجهن من قبل. رُمين في السجن لعدم كفائتهن وحل محلهن من كانوا عوناً لهن متظاهرين هُم هذه المرة بقدرتهم على إدارة الحكم بالشكل الصحيح. يستمر المسلسل في تولي الحكم على هذه الشاكلة من جيل الى آخر ويبقى السؤال ما هي مشكلة الحكم اذاَ؟ ذلك السؤال الذي يرد على لسان كل من يقرأ المسرحية ويتمعن في الاسلوب الذي وصف به توفيق الحكيم شخصياته والطريقة التي كانوا يتظاهرون بها أو تلك التي انقلبوا اليها بعد تقلدهم مناصب الحكم.

وكما ذكرت سابقا فالمشكلة هنا ليست في الحكم بقدر ما هي مشكلة الفرد النفسية بغض النظر عن جنسه لأننا جميعاً نطمح للتسلط ولا نحب ان يتسلط علينا احد. تكمن مشكلة الحكم في الطريقة التي يصل اليها الفرد الى الحكم والتي تُبنى على اساس المكيدة والتآمر والدس والتمتع بالاطاحة بالاخر. لا يبالِ المتآمر لما يجري من احداث ولا يخطط أبعد من انفه لأنه عندما بدأ بلحظة التخطيط نسي كل من حوله إلا نفسه وسعى في هدفه الى الراحة النفسية الشخصية التي تغطي على هدف المصلحة العامة والذي يدعي، قبل توليه الحكم، بأنه الهدف الأسمى. لا يولد العنف إلا المزيد من العنف، وبنفس المعول الذي اوسع به حفرته تزل قدمه يوماً ويجد نفسه غارقا فيه. ويبدأ بالعويل من أجل النجدة التي وضع القطن في اذنيه عندما سمعها من خصمه. لا يصل العنف أخيراً بصاحبه إلا بنقطة البداية التي طمح ان يرسم بها نهاية خصمه وبذلك يعود من حيث بدأ وينتهي به المطاف أخيراً بترجي خصمه ان يُجهز عليه. لكن هل ينتهي مسلل الحكم الجائر بعدها؟ "تلك هي المسالة"!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

عبد الخالق الفلاحيجبر الانسان في وقت ما الاستجابةٌ الطبيعية لفقدان شخصٍ ما أو شيءٍ مهمٍّ بالنسبة له و قد تتنوَّع المشاعر السَّلبية التي تنتابه ويشعر بالكآبة أو الوحدة كردة فعلٍ طبيعي لتلك المصيبة وتؤثر العادات والدين والشخصية على الطريقة التي يعبر فيها الناس عن أحزانهم وهو إحساس داخلي بالحرمان والأسى والوحدة. والحداد هو كيفية التعبير عن تلك المشاعر، وهي من العوامل الطبيعية والضرورية في عملية رد الفعل بعد فقدان ذلك العزيز.

بعض الناس يجاهر بحزنه وجزعه، وآخرون ينطوون على أنفسهم وينعزلون، لانه يسيطر عليهم الالم النفسي و بالشعور بالبؤس والعجز ويعد غالباً عكس الفرح مما يستوجب مواجهة الناتج عن الخسارة بصيغة مؤلمة ويستوجب عدم السماح للعاطفة بالتسلل للوعي والسيطرة عليه واتخاذ الخطوات المناسبة لمعالجة المشاعر وبلا شك فأن الشخص الذي لم يمر بفترة حزن كبيرة يتعامل مع  التعاسة والحزن كشعور غير ضروري أو عديم الفائدة وغير مرغوب به ولا يمكن لهذا الانسان أن يشعر بالسعادة بنفس الشدة،وقد يتجلى في الحزن المفرط، فقدان الاهتمام بالأشياء الممتعة، وفقدان الحافز، والشعور بالعجز التام، و تغيير السلوك، والتوقف عن القيام بالانشطة البدنية، وتغيير نمط حياته، والولوج في التفكير دائماً دون ارادة .

 تختلف درجة الحزن باختلاف السبب وباختلاف الشخص وقابليته للغرق في نوبات الحزن، ولكنه يتحول إلى درجة أكبر عندما يكون السبب خلفه فعل كبير ويكون الحزن شديد عندما يمتد لمدة طويلة ولا يكون الشخص قادر على الخروج من هذه الحالة التي تؤثر بشكل سلبي عليه بقدر التعلق بالمفقود وهناك فرق بين الحزن والاكتئاب الذي يعد مرض حقيقي يؤثر على كيمياء الدماغ والهرمونات والحالة النفسية ويحتاج إلى علاج ومتابعة من قبل مختص في معظم الأحيان، ويتميز عن الحزن بأن حالة تحتاج الى محفز في حين ان الاكتئاب نوبة لا تحتاج لمحفز حتى يدخل الشخص فيها و تمتد لفترات طويلة جدًا تتراوح بين الأسبوعين وأكثر حسب قوة الحالة قد تستمر سنوات .

 يرسم  الحزن حالة من الغمّ والكآبة في أعماق النفس وتتحول الى خضوع ويأس في كثر من الاحيان لذلك يقول سبحانه وتعالى في  كتابه الكريم : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [الزمر: 53، 54.

 تظهرمشاعر تعبيرية عن الحزن في الوجه في معظم الحالات، ولا ينحصر عن الخسارة في موت انسان عزيز فقط ومعاناة الفاقد من الفقد وهوامر طبيعي لا بد أن يحزن ويدخل في حداد عليه حسب المعتقدات الموجودة عندنا، بل تتوسع لتشمل فقدان الحلم والصداقة والهدف في الحياة والمال والجاه او ناتج عن تراكم ضغوطات العمل، وعدم القدرة في السيطرة عليها، وفقدان الرغبة في أدائه، والفشل فيه. اوغياب التوافق العائلي، وعدم استقراره، ووجود مشاكل كثيرة اسرية بين الزوج والزوجة والأبناء، وغياب الانسجام، سوء الأوضاع المالية والاقتصادية، والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، اوتراكم الديون، والفقر وضيق الرزق.

 قد يؤثر الحزن ايضاًعلى حياة المرء في كثير من الاحيان ويستسلم له ويصبح واقعاً  تحت تأثيره، ضعيفًا قلبًا وقالبًا، والحزن مَعلماً `ذاتيا متميزاً ودافعاً بارزاً في ذات الانسان ويبرز في حالة من التشاؤم المثيرة وقاسم مشترك بكلّ ما تنطوي عليه من آلامٍ وآمال وحصيلة ناتجة عن مجموعة من المعاناة والاكتئاب و المشاكل أو ظروف خارجة عن إرادة الإنسان والخطوب الناجمة عندما ترتقي الى التشائم في كثير من الاحيان وتجعله تحت ضغط نفسي يبتعد فيها عن  الراحة والطمئة،وفي حال زاد الإحباط عن حدود معينة فإنه ينقلب إلى مرض صعب العلاج، ولو بحثنا بين أساليب العلاج الحديثة، نجد علاجًا يقترحه الباحث الدكتور: "أنتوني روبينز"؛ الذي يؤكّد أنّ الحالة النفسية تؤثّر على وضعيّة الجسم وحركاته ومظهره؛ ولذلك فإنّ الإنسان المُصاب بدرجة ما من الإحباط، تجد الحزن يظهر عليه، وتجده يتنفَّس بصعوبة، ويتحدَّث ببطء، ويظهر عليه أيضًا الهمُّ والضيق والضعف والهوان .

"أفضل حالة هي تلك التي تُسلم نفسك لقدرها وتظهر نفسك في حالة من البهجة والسرور، وتنسى همومك، وتعيش في حالة من التأمل وانبساط النفس، وهذا ما أمرنا القرآن به بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) لقمان:12 فيشعر الانسان بالسكينة والطمأنينة وفلا تنتابه الهواجس والأفكار الوسواسية القهرية التي تنغص عليه حياته بذكر الله سبحانه وتعالى حيث لا محال تجعله يستشعر بالسعادة والسكينة قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد28  أما من رفض فيتوعده الله سبحانه وتعالى بحياة سيئة ونهاية أسوأ-( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً }طه 100 {- (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه124 هذه اللوحة المتكاملة ليس بإمكان العلم البشري المحض أن يوضحها و  كما جلاها الخالق عز وجل في القرآن الكريم و (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)}الملك 14 "

 على كل حال فأن الدموع مثلها مثل الطاقة لا تفنى ولا تستحدث.

الحزن في العالم أيضاً له كمية ثابتة تتكرر بأشكال مختلفة ومملة ولكن ليس الحزن إلا صدأ تغشىها النفس.. والعمل بنشاط هو الذي ينقي النفس،ويصقلها ويخلصها من أحزانها. لذا يجب أن نغيير من تصرفاتنا التي ربما تسيء لبعض الناس في حياتهم من الأصدقاء والأهل . والحزن على المفقود  تقييم لعلاقتنا وسلوك حياتنا اليومية ومن يزرع الخير يجني الثمار الطيبة ولو بعد حين، ومن يزرع الشر، فلا يجني إلأ الشر و سوف تشرق الشمس مرة أخرى في يوم من الأيام. وسوف يظهر بريق الأمل وتستأنف الحياة حتى ولو لم تكن كما عاهدتها تمامًا في الماضي، ولا تجعلها  تؤثر سلبًا على صحتك فتنهش قلبك وتثقل نفسك بالهموم.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

شاكر فريد حسنإبراهيم قراعين شاعر فلسطيني ظهر على ساحة الإبداع وفي المشهد الثقافي والأدبي الفلسطيني في السبعينيات من القرن الفائت. وهو من مواليد بلدة سلوان في القدس العام 1947، أنهى دراسته الأكاديمية في الجامعة العبرية، ونال درجة الماجستير في الأدب الانجليزي. اشتغل مدرسًا في مدارس الضفة الغربية والقدس، ثم عمل في الصحافة مشرفًا على الملحق الثقافي في صحيفة "الشعب" المقدسية، ثم رئيس تحرير مجلة " العودة " التي صدرت في الثمانينيات وكانت صوتًا فلسطينيًا معبرًا عن موقف القيادة الوطنية الفلسطينية والاجماع الشعبي الفلسطيني، وكانت المشرفة العامة الصحافية عليها ريموندا حوا الطويل.

نشر أبراهيم قراعين قصائده وأشعاره في الصحافة الفلسطينية، وصدر ديوانه الاول "بين الحب والحرب" العام 1975، عن مطبعة الشرق التعاونية في القدس، واشتمل على 25 قصيدة متنوعة الموضوعات التي تنبض بحب الوطن، مختلفة الشكل، منها العمودية ومنها الحرة. ثم صدر ديوانه الثاني " بيارق فوق الحطام " عام 1987، عن دار العودة. وفي العام 1989 صدر ديوانه الثالث " وتعود أمواج البحار إلى البحار " عن دار العودة أيضًا.

وفي كل كتاباته الشعرية نرى إبراهيم قراعين مسكونًا بالهم والهاجس والوجع الفلسطيني العام، منحازًا لفلسطين وشعبها وشهدائها وتاريخها، متفاعلًا مع الحدث، يعايشه بدقة ويجعل منه شعرًا إنسانيًا بنكهة فلسطينية، طافحًا بالعاطفة الوطنية، ويبوح بأحزانه من شجون وآهات، بلغة سهلة سلسة، وبأسلوب سهل ممتنع يدخل شغاف القلب دون جواز مرور.

والقصيدة عنده هي الوطن والأرض والإنسان والحُبّ والجرح الذي لا يندمل، والحلم المستقبلي، والحرية. وأشعاره منبثقة من رحم المعاناة والنبض الفلسطيني، صادقة كل الصدق، بعيدًا عن الترهل والتكلف، وتعبر عن مشاعر ونبرات الألم ورنات الأسى وعذابات الروح الفلسطينية، وتحمل معاني الحب والثورة والغضب والاصرار على الصمود والتمسك بالأمل، رغم كل شيء، ويترك حروفه وكلماته تنساب بشفافية متدفقة، مغلفة أحيانًا بالرمزية الشفافة الجميلة.

ولنسمعه يقول في هذه القصيدة الرقيقة المكثفة:

قالت تعاتبني :

ضَيَّعتُ عُنواني

لما رفعْتُ

بشرق النهَّرِ .. بُنياني

فقلتُ : لائمتي

رغمَ الذي أبصْرتِ

من تَرَفٍ ..

القلبُ ينزفُ ...

منْ وجدٍ وحرمانِ

أَلا وربِّكِ

يا أُخْتاهُ .. ما عبَرتُ

بيَّ لحظةٌ لم تهجْ

ذكرى لأوطاني

أبراهيم قراعين شاعر شفاف حالم، يعبر ويجسد هموم وواقع شعبه في ظل الاحتلال عبر صور شعرية تحمل الكثير من المقاربات في التشبيه والمعاني العميقة والاستعارات والنسق الموسيقي، يعتمد لغة واضحة مؤثرة، خالية من التعقيد، ويرسم خريطة جديدة للشعر الناعم الرقيق العذب، ممتلكًا لأدواته، مكتنزًا بلغته، ويحافظ على عناصر الجمال في قصيدته، وهو صاحب حس شعري مرهف، وتجربة غنية ومتألقة، ورغم ذلك بقي في دائرة الظل.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنييعد هذا المصدر منبعاً سخياً لدي أمل دنقل وإن لهذا الرافد حظ أوفر ضمن المصادر التراثية الأخري، وتحدثنا فيما سبق عن الأسباب التي جعلت الشاعر أن يتخلي عن توظيف التراث الفرعوني والأجنبي بصفة عامة ليقبل علي التراث العربي الاسلامي. فهو يصرّح بذلک في قوله: «إن استلهام التراث في رأيي ليس فقط ضرورة فنية. ولکنه تربية للوجدان القومي، فإنني عندما استخدم أُلقي الضوء علي التراث العربي والاسلامي الذي يشتمل منطقة الشرق الأوسط بکأملها، فإنني أنمي في المتلقي روح الإنتماء القومي وروح الإحساس بأنه إلي حضارة عريقة، لاتقلّ إن لم تزد عن الحضارات اليونانية أو الرومانية»، ولقد أدرک الشاعر بأنه باستدعائه للتراث العربي الاسلامي يستطيع أن يحيي القيم التاريخية في القارئ العربي حيث يذهب إلي أن استخدام الأساطير والتراث الفني «ليس فقط کرموز لأبطال العمل الفني وإنما أيضاً لاستنهاض أو لإيقاظ هذه القيم التاريخية من نفوس الناس».

فيما يخص الشخصيات، نستطيع أن نقول أن الشاعر يعتمد علي أشکال مختلفة و ملاحظة في نفس الوقت من الاستدعاء؛ إما أن يستدعيها بالعلم (علم الشخص الکنية. اللقب) أو بالدور، أو بالقول وإما يستدعيها استدعاءً عرضياً أو استدعاءً کلياً.

تعتبر قصيدة «من أوراق أبي نواس» نموذجاً صالحاً للاستخدام الجزئي، حيث جاء الشاعر باسم هذه الشخصية في عنوان القصيدة، مع ذلک لانجد أثراً واضحاً لهذه الشخصية أو إشارة إلي ملامحه مباشرة، إلا ما استلهمه أمل دنقل منها في خروجها علي التقاليد والعادات العربية في أشعاره. کما أن شخصية أبي موسي الأشعري، تظهر أيضاً في مثل هذا النمط في قصيدة «حديث خاص مع أبي موسي الأشعري» وقد وجد أمل دنقل تشابهاً بين وجهة نظره و وجهة نظر أبي موسي.حيث يذهب کل من أبي موسي والشاعر إلي أن الأشياء الموجودة علي الأرض ضحية بريئة للعبة القدر، ففي هذا الجانب أيضاً هناک تشابه تام بين الشاعر والشخصية التراثية. ولاتظهر تلک الشخصية في مساحة القصيدة الطويلة التي تبلغ 91 سطراً بعدُ. هذا وإننا نري أمل دنقل قد تعأمل مع شخصيات کصقر قريش وصلاح الدين الأيوبي وزرقاء اليمامة والمتنبي وقطر الندي.... بکيفية أخري، حيث يخص الشاعر قصيدة بکأملها أو ديواناً کأملاً للشخصية التراثية وتکون حينئذٍ «معادلاً تصويرياً لبعد المتکأمل من مراحل تطوره الشعري» وهذا الاستخدام عند المعاصرين يُسمي بالاستخدام الکلي أو الاستغراق الکي. فهناک قصائد تحمل عناوينها أسماء هذه الشخصيات مثل قصيدة «من مذکرات المتنبي» و و«مراثي اليمامة» و «أقوال اليمامة» و «خطاب غير تاريخي علي قبر صلاح الدين» و «بکائية لصقر قريش» أو کما نري أن بعض أسماء هذه الشخصيات يصبح عنواناً لديوان الشاعر مثل «البکاء بين يدي زرقاء اليمامة».

أمّا الأحداث التاريخية فترتبط بالشخصيات التي جاءت ذکرها في الصفحات السابقة من دراستنا. بعضها يرجع إلي العصر الجاهلي کأيام العرب (حرب البسوس) وبعضها الآخر إلي العصر الإسلامي کحدث الفتنة بين علي (عليه السلام) ومعاوية ومقتل الحسين (عليه السلام) ومعرکة حطين وإلي العصر العباسي کأخبار المتنبي في بلاط کافور الإخشيدي. کما أن هناک أحداث تاريخية معاصرة ترتبط في معظمها بالقضية العربية في مواجهة العدو الصهيوني.

يلاحظ القارئ لشعر أمل دنقل أن حظ الشاعر من الشخصيات الأسطورية العربية قليل وإنّ أمل دنقل لم يغفل عن المأثورات الأسطورية والقصصية عند العرب لما لها من حضور دائم في ذاکرة الشعب. وربّما هذا مادفعه إلي تخصيص قصائد أو ديواناً کأملاً لتلک الحکايات والاستمداد منها لتبين أبعاد قضاياه المعاصرة. فهو کما نري، يستدعي أسطورة «زرقاء اليمامة» في قصيدة کأملة هي «البکاء بين يدي زرقاء اليمامة» وملحمة سالم الزير المقترنة بحرب البسوس في ديوان کأمل هو: «أقوال جديدة عن حرب البسوس». کما يستلهم القصص والحکايات الخرافية في کتاب «ألف ليلة وليلة» في قصيدة معنونة بـ «حکاية المدينة الفضيّة» ويستحضر بعض الشخصيات من هذا الکتاب کشخصية شهريار،شهرزاد، بدرالبدور

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

وليد العرفي جاء في تعليق على ما كتبته عن الشاعر عبد الإله الياسري الآتي: "الشاعر عبد الإله الياسري يستحق أن يكتب عنه من قبل نقاد الأدب الكبار

ومبادرة الأستاذ وليد العرفي بالكتابة عنه يشكر عليها

فقد قرأت له مقالات نقدية عن قصائد بعض الشعراء الذين نشروا في المثقف

لكنّ أهم وأشهر الشعراء لم يتطرق إلى قصائدهم

ما هو السبب ّ

وهو يعرف جيدا من أعنيهم .

هم في الحقيقة في غنى عن أن يكتب عنهم

لأنّ أشعارهم أعلى وأسمق قامة من أيّ ناقد "

وتوضيحاً لما ورد بين مقبوسين أشير إلى أنني أتفق معه في استحقاق الشاعر الياسري للنقد، وأنا ما كتبت إلا لقناعتي بذلك، وما كنت أنتظر الشكر، لأنني أنطلق في نقدي من استحقاق النص لنقد وقول كلمة حق فيه فتعاملي مع النص،وليس مع قائله، فأنا أبعد ما أكون عن الشخصنة، فجميع من كتبت عنهم أو من سأكتب عنهم هم أخوة لي، وعلى مسافة واحدة مني عاطفياً، وأما الكتابة فلها موضوعاتها الأخرى التي تخضع لمنهجية ورؤيا خاصة لا علاقة لها بالشاعر وبما يكتبه الآن، وقد كان من الغريب القول بأني أنتقي شعراء على حساب آخرين، أو أنني لم أكتب عن شعراء ويطالب بمعرفة السبب، ويدعي بمعرفتي بهم؟! وأنا لا أعرف من يقصد في الحقيقة ثم يتابع أنهم أعلى وأسمق قامة في غنى عن أن يكتب عنهم أي ناقد؟ !!! وأنا شخصياً لا أعرف شاعراً في الدنيا يترفّع عن نقد، ولا أحد يدّعي الكمال!!

وأشير إلى أنني كتبت عن أكثر من 100 شاعر على اختلاف عصورهم وجغرافيتهم منذ امرىء القيس وحتى امرىء هذا العصر، فأين الانتقائية أو المعرفة الشخصية التي تربطني بامرىء القيس، ومالك بن الريب ونزار قباني ومحمود درويش وأدونيس والبوصيري والسياب والبريكان.... الخ وهي أبحاث منشورة في مجلات علمية محكمة ورصينة .

 ولم يكتف بالتعليق الأول فأضاف تعليقاً آخر جاء فيه :

"الناقد كالقاضي عليه حين يُصدر أحكامه النقدية أن يكون بعيدا عن كل التأثيرات والمؤثرات

إنّ ما يفسد النقد هو (المجاملات قيمة النص ومستواه الأدبي هو المعيار والأساس الذي يجب أن يرتكز إليه الناقد في تناول النصوص موضوع النقد

وفي هذا التعليق أشير إلى النقاط الآتية:

 1- ذكر أن النقد يجب أن يبتعد عن كل التأثيرات والمؤثرات ولا أدري أية تأثيرات يقصد، ولا عن أية مؤثرات يتحدث، فما كتبته كان بتأثير الكلمة التي وجدت فيه ظاهرة تستوجب التوقف عندها، وتسليط الضوء عنها، وعن موضوعة المجاملة؟ وأقول أين المجاملة فيما ورد من نقد للقصائد التي درستها 

وما يثير الغرابة قوله: " وإنّ كتابة المقال النقدي فيي نفس اللحظة التي تنشر فيها القصيدة لا يساهم في تكوين فكرة شاملة عن النص ولا يعطيه حقه من التمعن والدراسة واستبطان الجوانب الجمالية والفكرية فيه، وبالتنتيجة يقود إلى السطحية والشرشرة، ويكون مجرد فعل إعلامي ودعاية، وهو بالتالي بتنافى مع أصول النقد والتقاليد الأدبية ولا يخدم الشاعر أو الأديب بل يضره وهذا ما لاحظته في المقال النقدي الذي كتبه الأستاذ العرفي عن قصيدة سامي العامري فقط حاولت أن أنبّه إلى هذه النقطة المهمة "  ولتوضيح ذلك أقول للأخ المعلق ما من نقد تناول قصيدة في لحظتها، ولو كنت موضوعياً ومتتبعاً لما نشرت لتأكدت بنفسك، وأدركت أن السرعة في إطلاق الحكم كانت وراء ما ادعيته من دون دليل وعد للقصائد المدروسة ستجد أن قصيدة الشاعر مصطفى علي " نزهتي الصباحية " أو قصيدة يتهادى حلما للأستاذ ماجد الغرباوي على سبيل المثال لا الحصر منشورة منذ ثلاثة أعوام، وحتى قصيدة الياسري المنشورة اليوم وكانت سبب تعليقك الذي يبدو أنك تسرعت، وقد أوهمه إشارة المرجعية للقصيدة أنها المنشورة حالياً نزيف الشمس، والحقيقة أن ما تناولته من شعر الشاعر الياسري ليس له علاقة بالقصيدة المنشورة، وإنما هي دراسة تشمل بعض شعره المنشور منذ سنوات بعيدة، وهو ما لم ينتبه إليه كما جاء في العنوان، ثم يتوصل المعلق الكريم إلى أن ذلك يصل إلى "السطحية والشرشرة" ولا أعرف ما يعني بالسطحية ولم أفهم كذلك الدلالة العميقة لمصطلحه الجديد الشرشرة؟!! ثم يقول أن الكتابة بهذه الطريقة تكون إعلامية ودعاية فعن أية دعاية يتحدث، وهو بالتأكيد يعلم أن عدد من يقرأ لا يتجاوز عدد الأصابع في الإنسان، فإنما نحن نكتب لوسطنا فأية دعاية يقصد؟! وكنت أتمنى عليه ونحن ممن يحترفون الكلمة والأدب أن نتكلم في الأدب بعيداً عن الشخصنة، ومن المفروض أن تكون لغة لائقة بمن نكتب عنهم أو نخاطبهم، أما أن نرمي التوصيف جزافاً وعلى غير وجه حق فأعتقد أن هذا الأمر لا يليق بمن يرى في الكلمة الطيبة شجرة يبذرها، ويدلل أخيراً على قوله ذلك بما كتبته عن قصيدة الشاعر سامي العامري التي تناولت فيه قضية الموسيقى، على أنها ظاهرة كانت قد ارتبطت بحديث سابق بيني وبين الشاعر عن تلك القضية، ووعدني بكتابة قصيدة على البحر نفسه، وكانت تلك الدراسة عنها من هذا الجانب، ولم أجد أن الشاعر نفسه قد أبدى انزعاجاً، بل على العكس من ذلك، وأخيراً لم يهمس لي أحد الأخوة الشعراء ممن كتبت عنهم نقداً أنه تضرر بسبب مما كتبته، وإن صح ذلك فليأتني بمن يوافقه على ذلك الإضرار!

أخيراً  أقول من يطلق الحكم ويتبنى الموضوعية عليه أن يكون دقيقاً وحيادياً في مقارباته وتعليقاته لا أن نرمي القول على عواهنه: "وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"

والحقيقة لم أكن أرغب في الدخول بهكذا حديث غير أن رغبتي في التوضيح دفعتني إلى الإبانة

 

د. وليد العرفي

 

لدينا بعض البحوث الفنية تدعو الى استكشاف، بعد ان غزت الغثاثة البحوث المدعية المعرفة او شؤون الثقافة، والثقافة بمفهومها العام تشمل كل شيء في حياتنا ومنها كمثال عاداتتا الغذائية ونوعه والاثاث المنزلي باعتباره احد المنتجات الابداعية والفنون الحياتية وهذا الجانب او المنحى الفني والحياتي من اكثر الفرع الفنية تطورا ولكن عدم الاهتمام به لا يلغي اهميته في الحياة اليومية وربما يفوق في الحياة العملية العديد من الفروع الادبية والثقافية والفنية الاخرى لكنه غير منظور بحكم العادة او الالفة .

وقد يفوق رواد الصالات البيتية اعداد رواد المعارض التشكيلية او النحتية باعتبارها ملتقى افراد العائلة والضيوف من مختلف الشرائح والمستويات الثقافية والاجتماعية . وتشكل بعض نماذج من هذه الصالات دافعا لتقليدها وانتشارها باشكال وترتيب مختلف ومتباين لا يقل تأثيرها عن تأثير اللوحة التشكيلية او المنحوتات التي تعرض وتختفي خلال ايام معدود .

ما يؤشر ان الفنون بمستوياتها التقليدية المعروفة لم تعد الرافد الوحيد للثقافة الفنية والذوق العام في المجتمع . لانها انتقلت الى حياتنا العملية بشكل غير محسوس، ودخلت الفنون والابتكارات سواء بتصاميمها الفنية او طرق استعمالها بجميع شؤون حياتنا اليومية والاجتماعية واصبح الفن جزءا غير محسوس نصادفه في كل مكان تقريبا،اثناء تجوالنا في المدن والاسواق، حيث نصادف معارض فنية بشكل يومي تبيع مختلف المواد واللوازم الضرورية وتحتوي على جميع المؤثرات المفترضة لمعارض الرسم او النحت اي الجاذبية والتأثير الذي يغني الثقافة الفنية وينمي الذوق الفني العام لدى المشاهد والمستهلك . 

والمثال الاقرب اذا اخذنا احد الشوارع او المنتزهات فان المنحوتات او النصب تشكل حيزا صغيرا من الشارع او المنتزه قياسا بفضائه واحيانا تطغى مكونات الشارع الاخرى خاصة اذا كان تجاريا على المنحوتات والنصب او الابنية التراثية واشكالها الفنية اذا كانت تقع ضمن الشارع او فضائه العام،وفي كل الاحوال فان نصب ومنحوتات الشارع او المنتزه ليست وحدها من يقرر جاذبية الشارع او المنتزه او الرافد الوحيد لتشكيل الذوق الفني للرواد وانما احد روافده الاساسية .

القشلة وشارع المتنبي اوحيز المكتبات بشارع السعدون عبارة عن لوحات تشكيلية متحركة غير ثابتة سوى عناصر محدودة فيها تقع ضمن مكوناتها كلوحات تشكيلية مجسدة بالوان واشكال مختلفة ومتغيرة . وتشكل احد الروافد الاساسية للتأثير في الذوق الفني العام مع بعض الخصوصيات رغم انها ليست كذلك بمفهوم الفن التشكيلي وتقنياته ورغم ان تأثيرها يفوق تأثير معارض الفنون التشكيلية مهما كانت شهرتها وانتشارها يظل تأثيرها محدودا قياسا باللوحات التشكيلية المتحركة لتلك الشوارع والمنتزهات وحجم تأثيرها على الذوق العام من الناحيتين الثقافية والفنية .

هذا لا يقلل من اهمية اللوحات التشكيلية او الفنون التشكيلية والمنحوتات وتأثيرها، رغم اننا نعتبرها مؤشرات على ان اللوحة والمنحوتة لم تعد معزولة عن الحياة وانما دخلت في العديد من نواحي حياتنا العملية بطريقة او باخرى، ولم يعد الفن التشكيلي او النحتي قابلا للتاثير او المساهمة بصياغة الذوق العام اذا ظل حبيس ابراجه العالية ليتغلغل بشؤون حياتنا ومقتنياتنا واشكالها المجسدة لهذه الفنون.

وعلى الصعيد الادبي لم يعد الشعر ديوان العرب، او الرافد لتطوير اللغة خاصة الشعر التقليدي منه واصبح تأثيره ودوره ثانويا وعدد قراء الشعر خصوصا وصل الى ادنى مستوياته قياسا الى باقي الفروع الادبية كالسرد والنصوص بشقيها الشعري والنثري وسواها من فنون الكتابة المعاصرة، علما ان الشعر العمودي ظل في تأريخ الادب تحت اسم: الشعر التقليدي والسبب انه حصر بقوالب محددة من الصعب وربما الاستحالة اضافة اشياء جديدة او عمل تجديد ضمنها يمكنه مواكب تطورات عصرنا . وجدل التقليد او التشبه بالمعاني السابقة اوالمطروقة انتبه لها نقاد الشعر منذ ما قبل عصر ابو هلال العسكري ومن الامثلة على التقليد وتوليد المعاني نفسها . يذكر العسكري في كتابه:"ديوان المعاني" ان ابا عمرو بن العلاء قال لاصحابه يوما: ما احسن ما قيل في العيون قال بعضهم قول جرير:

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وهن اضعف خلق الله انسانا

ويواصل العسكري القول: اخذ بعض المحدثين قول جرير "وهن اضعف خلق الله انسنا" فقال:

كأنما ازدادت قوى اجفانها

ضعفا تقوين على ضعف القوي

ومثله قال الناشئ:

لا شيء اعجب من جفنيه انهما

لا يضعفان القوي الا اذا ضعفا

والغرض من ذلك ان الشعر التقليدي ظل في مجمله يولد نفس المعاني المكررة باساليب مختلفة واطلق في عصرنا او صيغ بمصطلح منفرد دعي ب "التناص" والكثير من النقاد العرب ادعوا ان اصل المصطلح الغربي كتاب ابو هلال العسكري: "ديوان المعاني" وبغض النظر عن ذلك فان التناص بمفهومه الغربي ابعد من عملية توليد نفس المعاني باساليب مختلفة وبذلك عجر الشعر العمودي عن مواكبة شؤون عصرنا وطغى النص على ما عداه وتراجعت كذلك نتيجة لهذه التطورات قصيدة التقعيلة التي شكلت في الستينات وما بعدها حضورا لافتا في الثقافة العربية ولكنها سرعان ما تراجعت لتفسح المجال للنصوص بشقيها النثري والشعري اخذ الصدارة في المشهد الشعري العربي .وظل تأثيره محدود بسبب تراجع عدد قراء الشعر عموما، وبالتالي تراجع تأثيره وحضوره في التأثير او اعادة بناء الثقافة العربية او المساهمة بشكل فعال بمواكبة تطورات عصرنا  .

هكذا تطورت الكثير من المفاهيم حول الثقافة والفنون ودورها في بناء الذوق الفني والثقافي العام، اهمها الخروج الى الشارع والمقهى والاسواق والمنتزهات او النزول من الابراج العالية، اذا ارادت ان تكون مؤثرة ومساهمة بتشكيل وبناء الذوق العام على المستوى الثقافي والفني بدون التحصن في القوالب والاساليب القديمة التي فقدت تأثيرها وحضورها في المجتمع .

الثقافة والفنون في الدول المتقدمة تغلغلت بجميع شؤون الحياة نجدها حتى في الاعلانات التجارية التي يشاهدها ملايين الافراد يوميا في الشوارع وعلى الطرقات بينما الثقافة والفنون في تراجع بمجتمعاتنا العربية، بسبب عجرها عن مواكبة ما يحدث من تطورات ثقافية وفنية والمثال الاخر الادوات المنزلية التي نستخدمها اصبحت كذلك عبارة عن اشكال نحتية وتشكيلية تفوق تأثيرها على الذوق العام تأثير الفنون التشكيلية والنحتية . لان هذه الفنون في الواقع انتقلت الى جميع مقتنياتنا والادوات التي نستعملها في المنزل او خارجه باشكالها ووظائفها والوانها الجذابة .

واقتراب الفنون بفروعها المختلفة من الحياة اليومية العادية، يساهم بشكل مؤثر في حضورها الثقافي وتأثيرها في المجتمع وتطوره الفني والثقافي، كما يحدث في بقية الدول والمجتمعات رغم اختلاف مستوياتها الثقافية وتطورها المدني والحضاري .

 

   قيس العذاري

 

 

تحسين عباس غناء: رحمه رياض أحمد / كلمات: رامي العبودي / ألحان: علي صابر/ توزيع: محب الراوي

انتاج 2018 .

لاحظت في الآونة الأخيرة ظهور أساليب جديدة في تنغيم الأغنية العراقية من حيث اختيار درجة الاستقرار الغريبة والأسلوب المغاير لما كانت عليه ، فقد كنت مبتعداً عن الاغاني الحديثة لأسباب كثيرة منها علمي بعدم خضوعها للمراقبة الفنية وكذلك حريّة كلماتها التي احياناً ما تخدش الحياء بطريقة ماكرة وتحت شعار (صفّي النية) كـــ أغنية (أحطه بيك !! الجرح لو صاباني) و(الزمي شوفيه شكبره ! گلبي الـــ ما خلص صبره) فكأنَّ الكاتب عجز عن الاتيان بالمفردة المدهشة فراح يبحث عن تأمين احتياج الجمهور المراهق لتأسيس قاعدة شعبية ومن ثمَّ الانتشار الذي بدورهِ يوفّر المال!! لكن ، وبالضدِّ من هذا التيّار ظهرت الأغاني التي تحمل مسحة العاطفة المهذَّبة المتكلمة عن الوجدان بأسلوب يمزج ما بين الواقع والخيال من حيث الكلمات والتنغيم وهذا ما تجلى في أغنية (وعد مني وعد) لرحمة رياض أحمد و(أوف منه گلبي) لـ أصيل هميم ، فالأغنيتان تتشابهان بعدة أمور منها:اختيار النغم وهو البيات ، اختيار الدرجة النصف وهي الــ (دو#- صول#)، تبدآن بفالت موسيقي وغنائي وتنتهيان بفالت موسيقي، تتحدثان بلسان حال المرأة في المجتمع العربي ومعاناتها أو مشاعرها نحو الرجل ، وهذه النقطة لها الأثر في أن تحصد هذا الكم الهائل من المشاهدة والاستماع لأنّ الرجل العربي كثيراً ما يتلهفُ لسماع بوح المرأة لكونها تعيشُ حالة من الكتمان الجبري بسبب احاطتها بالأعراف الاجتماعية التي تعتبرُ البوحَ عيباً وعورة ، كما وتختلفُ الأغنيتان بكون الأخيرة استخدمت الـ ديوتو مع صوت شاعر.

وقد اخترتُ هنا أغنية (وعد مني وعد) لــ رحمة رياض أحمد لكونها الأكثر مشاهدات في الـ يوتيوب فقد بلغت 105,645,352 مليون مشاهدة كما بلغت (أوف منه گلبي) لـ أصيل هميم 52,818,404 مليون مشاهدة .

فكرة العمل:

عند سماعي لأغنية (وعد مني وعد) دعتني الى الاستماع لها منذ اللحظات الأولى فكأني أستمع الى شيء غريب ولما حللت النغم وجدته من مقام البيات، فتساءلت اين الغرابة في ذلك حتى انتبهت أن الأغنية بُنيت من درجة غير محتملة في الموسيقى الشرقية وهي درجة الـ (دو#) عكس ما هو مُشاع في الموسيقى الغربية ، ولما استمعت الى عدة أغانٍ لنفس المطربة وجدتها لا تعتمد على درجة استقرار واحدة فقد غنت على الـ (سي، دو، ري) ولحنجرتها مساحة جيدة من السلم الموسيقي، وهذا ما دعاني الى أن أقول: انّ اختيار هذه الدرجة هو لاستفزاز عُرف التلقي وجذبهِ الى ساحة المنغِّم حيث أن أغلب الأغاني تُبنى على درجات السلم الطبيعية الخالية من زيادة نصف البعد ونقصانه ، فبهذه الطريقة قد تمرّد على المألوف من حيث اختيار درجة الاستقرار للموسيقى المقامية كما أنّ هذه الدرجة (دو#) ستبرز امكانية الحنجرة ومدى سيطرتها واحاطتها بالسلم لكونها على غير ما اعْتادتْ عليه الذاكرة الغنائية . أما عن كلمات الأغنية فكانت تتراوح ما بين الندم والحزن الشفيف ومن ثـَـمَّ الثبات ومواصلة الحياة وقد طوّع المُنغّمُ فحوى نغمِ البيات لمعنى النص الغنائي الذي كُتبَ هو الآخر بطريقة غير معهودة سابقاً (شطران متشابهان في قافية الصدر والعجز):

{اريد الله يسامحني لأن اذيت نفسي اهواي = طيبة گلبي أذتني تعبتچ يروحي وياي{ثمَّ تتلوها أربعة أشطرٍ على الطريقة نفسها:} انا بحظي غلطان  لعبت بحالي لعبه

چنت بالناس وهمان مشيت بنيه طيبه

صاحبت الوفي وخان غدر بيه الأحبه

شلون تعلي بُنيان  ويروح للناس غربه}

وهكذا ليختم بقافية مُوحّدة بصدرها وعجزها مختلفة عما سبقها:{وعد مني وعد بعد ما اثق ابد = ولا انطي مجال كلشي وله حد}. ولنا هنا الْتفاتة في استخدام نغم البيات الذي عادة ما يكونُ مفرحاً مع ايقاع الهيوه الراقص، فقد يتبادر للمتلقي المثقف ذوقياً أو المختص موسيقياً سؤال مفادُهُ: كيف يتوافق النغم المفرح مع كلمات في الندم والحزن والتوجع الخفي؟! وهنا أقول: أن تنغيم الأغنية أُخِذَ من خلاصة المعنى الذي انتهى بالثبات في خاتمة المقاطع {وعد مني وعد بعد ما اثق ابد = ولا انطي مجال كلشي وله حد} فهذه الكلمات هي بمثابة صحوة بعد انتكاسة عاطفية وهذه الصحوة تحمل في طيّاتها السعادة .

التنغيم:

ابتدأت الأغنية بجملة فالت موسيقي ومن ثمَّ فالت غنائي في {اريد الله يسامحني لأن اذيت نفسي اهواي = طيبة گلبي أذتني تعبتچ يروحي وياي} من الدرجة السادسة وحتى الثامنة وبعد ذلك تدخل الأغنية بإيقاع الهيوه أو ما يسمى بــ الدارج الخليجي 6/8 ؛ وتستمر الأغنية في التنقل بين درجات نغم البيات لتأخذ كامل الدرجات السبعة والثامنة من درجة العودة الخاتمة، ولم تكن هناك أيّ إنتقالة الى نغم آخر وهذه رؤية المُنغّم ، فالنص لا يحتاج الى تنويع في المقامات.

الأداء:

بعد أن عرفنا غرابة درجة الاستقرار ومدى خروجها عن المألوف السائد يقيناً سيكون أداء التنغيم على غير المعتاد ، فقد أجادت الفنانة رحمة رياض بصوتها الذي لن نبالغ اذا صنّفناه من الأصوات الملكوتية ، فعاشتْ لحظة الندم والحزن ومن ثم الثبات في سماء النغم والمعنى بحيث أنّها كانت خير ممثل للمرأة العربية والشرقية بشكل عام، وخاصة في المقطع الثاني كأنّ احساسها ذابَ في حزنها الساخر من الواقع .

{اريد اعتب على حظي وي الناس ما گاعد

خل الي وفى وياي تقريباً ولا واحد

آنه اهوايه ممنون من العاشرتهم

علموني البچي اشلون البروحي شلتهم

بسيطه سهله وتهون هم يفتر وكتهم

علي بظهري يحچون الدنيه غيرتهم

***

وعد مني وعد بعد ما اثق ابد

ولا انطي مجال كلشي وله حد}

التوزيع:

كان اختيار التشيلو مع البيانو في الفالت الموسيقي موفقاً فقد أجاد استدراج الانتباه لما ممكن ان تحملهُ طيّاتُ الأغنية ويأتي الفالت الغنائي ثم دخول ايقاع الهيوه ناجحاً لإحداث عنصر المفاجأة في تلقي السامع وكذلك عندما يرجع التشيلو في موسيقى المقطع الثاني ومن ثم الغناء وترجمتهِ الخافتة في أصوات الكمانات والناي.

قد أبدع الموزّع في تصور أصوات الآلات وتنفيذها ولم يغريه التنوّع غير المُبرّر في تعدد الآلات.

 

تحسين عباس/ شاعر ناقد موسيقي

 

محسن الاكرمينحين كان الكاتب الروائي  يخطط للبطل بأن يعيش في مستنقع زوبعة من مآسي أمواج الحياة، وصف وضعه الحياتي وسط بؤرة التوتر النفسي بأن" الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن". لحظة وأنا أتابع قراءتي لأحداث "تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن" أحسست أن البطل انتفض من صميم دلالة اسمه الافتراضي على الكاتب، ولم يعد يقدر على تحريكه مثل الكراكيز ملاهي المواسم المسلوبة الإرادة والحياة التقريرية، لم يعد يقدر البطل على لعب أدوار إرضاء "الكومبارس" المحتشد وتوزيع الابتسامات الماكرة والخادعة، ولا حتى أمام الجمهور في قاعة العرض بنهاية تصفيقات باهتة و أخذ صورة يتيمة.

اقتنعت بالتمام التعاطف مع البطل الافتراضي وبدون خلفيات سلبية ضد الكاتب المتحكم في مسار الشخصيات الرئيسية والثانوية، حينها وقفت عند أسئلة تصدر من شدة حنقه وتكتسي مطالب احترام  الذات وتصورات الحياة الاختيارية بالحرية لا بالعنف الفيزيائي الرمزي. عندها  تساءل البطل ووجه استفساراته نحو الكاتب : لما تلق بي من مأزق لآخر دون أن تجد لي حلولا إيجابية أرتاح بها من كيد الحياة، ولو بالتقطع في الزمن المغلوق والمكان المفتوح ؟ لماذا تعتبرني مسيرا في كتاباتك لا مخيرا ؟ لما لا تحترم قدراتي العقلية، ومنطق التفكير تجاه الخير والشر؟ لما تحاول الفتك بي قتلا في نهاية الرواية بالموت المأساوي، لتنصع منه لحظة بكاء جماعية، وتصفيقات مدوية عن الألم والوجع؟

يخاطب البطل الكاتب بحنق : أنا من اليوم لن ألعب أدوار البطولة الموجهة منك بمحو ذاتي وتفكيري وكيان وجودي، فرغم أني من جيل الافتراض والخيال فإني أحمل قبسا من نور الصدق والخير، ويمكن أن أتحتمل أعراض الكذب والشر في كتاباتك ولو بالإرضاء والنفاق والدوس على الأسباب . يتحرك البطل على الركح وهو يردد: أنا من ترمي به عنوة في حضن مصانع تدوير الأحداث المعفنة، ولا تنصفني إلا بالموت عند نهاية الفصل الأخير . أحسست  عندها أن البطل رمى بقلم الكاتب الأسود وخاطبه " أسدي أنا باغي نعيش، باغي شوية ديال الحرية "، لما لا تكتب "" تأتي الرياح بما تشتهيه السفن" وأتحرر منك ، ويمكن أن أعيش مطمئنا على مستقبل حياتي، ودون خوف من الغرق ولا من الموت، والذي بات يراود حلمي المتكرر كلما رأيتك تحمل ذاك القلم الأسود وممحاة البياض .

حين انتهى البطل من ثورته الفزعة ولأول مرة في وجه الكاتب وأدوات اشتغاله وتنميطه للأحداث، حين خمد حنقه الزائد والمفرط من إحساسات ظلم الكاتب له في تسطير مجالات تحركاته الافتراضية بطعم الجرح والتعديل في مستويات الضغط والتوتر النفسي ، وجدت بأن الحق بجانبه وله الصدق الأكبر في تعرية المستور، وجدت أن تفكير الكتابة قد تدنى من دبر السلبية والخوف من خبايا المستقبل المريخ نحو الفوازع المرتبة بمتتالية ادفع، ويمكن أن يلقي الكاتب بالبطل في السجن مثل سيدنا يوسف ظلما، وجدت في تعبيرات التعليم  القديمة قد علموا التلاميذ "لبس قدك يواتيك" علمومهم أن الطموح مستحيل بوجود مطبات تخفيض السرعة المتتالية والتي تتحكم فيها رادارات السلطة، رسبوا فيهم الإحباط وصوروا المستقبل بحرب البطالة التي لا كر عليها، علموهم أن ابن الفلاح فلاح، وأن ابن الخراز إسكافي خريج من مراكز التكوين، وأن ابن الغني مقاول عائلي ومنعش اقتصادي.

لأول مرة أرى أن البطل الافتراضي ينتفض على صانع أحداثه، وأصفق له وبدون توقف وهو في  الركح وحيدا مع مشاهد فريد بالتنوع. لأول مرة أرى البطل يطالب برؤية ايجابية، وثقة في الغد والمستقبل وبدون تحكم من الكاتب المستبد. لأول مرة أصفق على البطل لا على الكاتب وأعترف له أنه كان يريد الحرية فقط، لأول مرة وددت أن أحصل على نسخة من رواية "ريح الصدفة... من جيل "كورونا" اللعين" موقعة من البطل الافتراضي لا من الكاتب.

 

محسن الأكرمين

 

 

شاكر فريد حسنفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بادر الرفيق عبد الحكيم سمارة، وكان في عز شبابه ونشاطه وعطائه، إلى افتتاح مكتب منشورات اليسار للطباعة والتوزيع في باقة الغربية، ثم نقله في اواسط الثمانينيات إلى بلدته جت المثلث، وذلك بهدف نشر وإشاعة الثقافة الوطنية والتقدمية، في مرحلة المد الثوري ونهوض قوى اليسار.

وقام بداية بإصدار نشرات دورية تحمل اسم اليسار ثم أصدر كتاب فصلي اطلق عليه المسيرة ، فصحيفة سياسية- ثقافية، بالإضافة إلى إصدار مجموعة من الدواوين الشعرية والكتب السياسية- الفكرية لعدد من الشعراء والكتاب من الوطن والخارج.

وتحول المكتب إلى حلقات فكرية جمعت العديد من أهل الثقافة والأدب والسياسة ومحبي الشعر والنضال، والمؤمنين بالفكر اليساري التقدمي. فإلى جانب مدير المكتب الشاعر عبد الحكيم سمارة كان المرحوم ابراهيم وتد، وكاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، والمناضل محمد خلف من حركة أبناء البلد ، والرفيق ثابت أبو راس، والشاعر المغترب ابراهيم عمار، والشاعر كاظم مواسي، والمتأدب سعيد فارس أبو مخ، وعلي خطيب من كفر قرع، والشاعر ابن طولكرم عبد الناصر صالح، والنابلسي الشاعر محمد الريشة، والشاعر يوسف المحمود من قرية عنزا في الضفة الغربية، والشاعرة فائقة دقة، وسكرتيرة المكتب الشاعرة سمر سيف من عرعرة، والتقينا في المكتب الشاعر ب. فاروق مواسي، والمناضل المرحوم ابراهيم بيادسة، والمتثاقف جمال يوسف قعدان المعروف بالأصمعي وسواهم من عشاق الكلمة.

وكانت النقاشات تتمحور حول قضايا الساعة والشأن الثقافي عدا عن أحلامنا الثورية وطموحاتنا المستقبلية المرتجاة. ولكن اعتقال الرفيق عبد الحكيم حال دون اكتمال مشروعه الثقافي واستمرار عمل ونشاط المكتب واغلاقه.

 وبعد خروج سمارة من السجن عمل على تأسيس دار شمس للنشر، صدر عنها مجلة شمس وسلسلة من الكتب التاريخية والتراثية له ولغيره من الكتاب.

حقًا كانت أيام جميلة في زمن جميل سادت فيه القيم الثقافية والأخلاقية والجمالية، وتبقى من الذكريات التي لن يمحوها الزمن.

 

بقلم شاكر فريد حسن

عدنان ابوزيديبدو أمرا لافتا انحسار قراءة الكتب التقليدية في الدول العربية، بسبب تقنيات النشر الرقمية، ونوافذ التواصل الافتراضي، فيما المجتمعات المحدِثة، تحرز أعلى المبيعات في المنشورات الورقية، على رغم سطوتها على وسائل النشر الالكترونية وانتشارها بين مواطنيها، بشكل واسع.

تجربتي في الإقامة في أوربا لنحو العقدين، لا تؤشّر على همود المكتبات الشخصية للأفراد، فيما البيوت العراقية تقفر منها في الغالب، عدا الضآلة القليلة، وما يزيد من استفحال ذلك، ان الفرد العراقي يتّخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع التراسل الفوري، المعروفة بمحتواها الخبري الأفقي والفوقي، مصادرا لمعلوماته، من دون الاستطاعة في تنمية مستويات ثقافته وأنماط معرفياته وتحسين لغته، بصورة عمودية، كما يفعل الكتاب الورقي.

أكثر من ذلك، فان الانترنت لم يعد المصدر لاقتناص المعلومة والمعرفة، فحسب، بل لاستنساخ أطاريح الماجستير والدكتوراه، حتى في المجالات العلمية، في ظل تغييب مؤسف للاستطلاعات الميدانية، والاختبارات الفعلية.

سرّ التعادل بين الكتاب التقليدي والمضمون المعرفي الرقمي، والقراءة الافتراضية، يكمن في البصيرة بأهمية المعرفة العميقة، وتوفير الدعم للمكتبات التقليدية، لكي تبقى المعادلة متوازنة، بين المعلومة المرئية السريعة، والأخرى الراسِخة.

تشير تقديرات سنوات مضت، الى ان معدل انتشار الكتاب في العراق والدول العربية ينخفض باستمرار، ذلك ان نصيب كل مليون فرد من الكتب المنشورة في العالم، لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو).

 لابد من الإقرار بان التدوينات الرقمية جعلت من الفرد، كاتبا وناشرا وقارئا في نفس الوقت، ومع هذا التعدّد في المهارات، اتّسعت المعرفة المدرِكة بشكل سطحي، لا نحو المسلك السحيق.

لم يعد تسطير الكلمات، يحتاج الى الشجاعة، كما في السابق، ذلك ان دوافع بسيطة للتعبير، مع امتلاك نوافذ نشر في التواصل الاجتماعي والتراسل الفوري، يجعل منك كاتبا مشهورا، وهو ما يحصل الآن، اذ ينال مدونون وناشرون على قدر متواضع من الثقافة، من الشهرة والمال، ما لا يناله كتّاب مشهورون، ما يكشف عن انقلاب جذري في المفاهيم المتعلقة بمصادر الثقافة ومراجعها، وتصويباتها.

القراءة الرقمية، وفّرت جانبا أكبرا من الترفيه، بلو واللهو، على حساب المعرفة الجدية، وأصبح خيار اقتناء كتاب رقمي، او معرفيات عبر نوافذ الترابط الرقمية، لا يمثّل بشكل دقيق مفهوم الملكية الكاملة للمعرفة والدراية، والتي ارتبطت في الأسلوب الكلاسيكي المعروف، بالذات، قبل أي شيء آخر.

لازال الكثير من المثقفين العراقيين على الرغم من محاولاتهم تجربة الأساليب الرقمية في المطالعة والنشر، يتشبّثون بالكتاب التقليدي، والجريدة الورقية، التي توفّر الأناة، والعزلة، والتأمل، بل ان البعض منهم يصرّ على النشر فيها على رغم ان ما يقطفه من قرّاء ومتابعين، أقل بكثير من غنائم المتابعات والإعجابات، في المواقع والصحف الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي. 

في كتاب "فن القراءة"، يكشف الفيلسوف الاسترالي دامون يونغ، الحائز على جائزة أوسكار، عن علاقة المطالعة بكيفيات التفكير، ويسوغ لماذا تبقي الروايات والأدبيات الورقية الكلاسيكية مصدرا أساسيا للدراية والخلق والمتعة واللذة المتفردة،

التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، حتى في حالة تحوّل كل النصوص الى أرقام في المكتبات الافتراضية. 

في دول أوربا الغربية، مثالا، لا حصرا، يُلاحظ بشكل بارز، أولئك الشغوفون بالقراءة وهم يحملون أجهزة "الايباد مِنِي"، ولوحيات الكتب الرقمية، في القطارات ومحطات المترو، والباصات، مبحلقين بتركيز على النصوص، ومدونين الملاحظات، في مخطوطات بألوان زاهية، لكن ذلك لم يمنع من وجود المكتبات الكلاسيكية في الأسواق، وإيثار الكثير من الناس لها. 

 

عدنان أبوزيد

 

 

وسيف الحق القاطع، ومجيــرة المظلومين

يقول تولســتوي (الصحف نفيــر السلام، وصوت الأمن وسيف الحق القاطع، ومجيــرة المظلومين، وشكيمة الظالم،فهي تهز عروش القياصرة وتدك معاقل الظالمين) وقال الفرنسي فولتــير (الصحافة ألـه يســتحيل كسرها، وستــعمل على هــدم العالم حتى يتــسنى لها ان تنــشىء عالما جــديــدا)، ويقول القيــصر الثاني (جميل أنت ايها القلم، ولكنك اقبـح من الشيطان في مملكــته)، فيما يقول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بعد خلعه (لو عـدت الى يلـدز لوضعت محرري الجرائد كلهم في أتون كبريت)،ومقولة الكاتب والصحفي الراحل مصطفى امين (اقلام كل امة هي تيجانها التي تزين صدرها)، وخير معبـر لدور الصحافة قول اميــر الشعراء احمد شوقي

فكل زمان له أيـــة                 وأيـــة هــذا الزمان كتــاب 

ان العمل الصحفي الحقيقي هوالذي يبنى بالكلمة الصادقة الشريفة لبناء وطن حر مزدهر لاان تبنى الامجاد صعودا على اكتاف الاخرين بالمحسوبية والرشاوى والجلسات السرية المعروفة، ولا ان يدخل نقابة الصحقيين كل من هب ودب، ولاكل من حمل كامرته يصور الاعراس والاحتفالات وجلسات التعازي اصبح صحفيا كما يحدث الآن امام اعيينا !! دون فهم حقيقي للمهنة فقد علمتنا الصحافة اكاديميا وممارسة مطلع الثمانينات واثناء مزاولتنا لعمل المراسل الحربي خطورة المهنة ولذتها، والامجاد لاتبنى على اكتاف الاخرين، وليفهم من يريد فهم الحقيقة؟

المطلوب دعم القوانين التي تحمي الصحفيين وتوفر لهم ضمانات الوصول الى مصادر المعلومات، والتأكيد على أن يقوم مجلس النواب بتشريع القوانين الضامنة للحريات وأن تكون ملزمة في هذا الشأن ومتابعتها بشكل حثيث، والعمل مع الحكومة على تنفيذ حقيقي وفعال للتشريعات الداعمة للحريات الصحفية وعدم التهاون في ذلك، ودعوة الوزارات كافة ومؤسساتها الى تسهيل مهمة الصحفيين، وعدم وضع العراقيل في طريقهم، كما يناقش المؤتمر سبل الوقوف بوجه كل أشكال الإعتداءات والإنتهاكات ضد الصحفيين من أية جهة، وعدم غض الطرف عنها مهما كانت الأسباب، ودعوة جميع الأطراف الفاعلة الى اعتبار الصحفيين ووسائل الإعلام شركاء في بناء الوطن، وعدم إغفال دورهم لأسباب سياسية، أو مصلحية ضيقة، وتثمين دور القضاء العراقي الذي مارس مهامه بنزاهة ومهنية، ورد أغلب الدعاوى القضائية المرفوعة ضد صحفيين ووسائل إعلام، والدعوة الى وضع ميثاق شرف مهني يجمع وسائل الإعلام كافة لدعم القضية الوطنية ويناقش المؤتمر كذلك دعم المنظمات المعنية بحرية التعبير وحماية الصحفيين، والعمل على ضمان حقوق أسر الصحفيين الذين أستشهدوا أثناء تأدية الواجب الصحفي، وتشكيل لجنة متابعة مشتركة لمتابعة الوصايا التي يخرج بها المؤتمر وتفعيلها في الفترة المقبلة، واشار المؤتمر الى   اهمية العمل مع الحكومة على تنفيذ حقيقي وفعال للتشريعات الداعمة للحرية الصحفية وعدم التعاون بذلك، داعيا الوزارات كافة ومؤسسات الدولة الى   تسهيل مهمة الصحفيين وعدم وضع العراقيل في طريقهم.

ضرورة التاكيد على ان يقوم مجلس النواب بتشريع القوانين الضامنة للحريات وان تكون ملزمة بهذا الشأن ومتابعة الموضوع بشكل حثيث، وادان المؤتمر في توصياته كل اشكال الانتهاكات والاعتداءات ضد الصحفيين، ومن اي جهة تبدر وعدم غض الطرف عنها، مهما كانت الاسباب، مشددا على  دعوة جميع الاطراف في اعتبار الصحفيين جزءا في بناء الوطن، وعدم تهميشهم لاسباب سياسية ومصلحية ضيقة/ اوصى المؤتمر الوطني للحريات الصحفية الذي نظمته نقابة الصحفيين العراقيين ، بصياغة ميثاق شرف مهني وتشريع القوانين الضامنة للحريات كما واشارت توصيات المؤتمر الى \" دعم المنظمات المعنية بحرية التعبير والداعمة للصحفيين بالتعاون مع نقابة الصحفية والجهات الاعلامية لتفعيل تلك القوانين والعمل على ضمان حقوق اسر الصحفيين الذين استشهدوا اثناء تأدية واجبهم الصحفي منذ العام 2003 الى الان ودعم الجرحى والمراسلين والمصورين الحربيين

لقد كان ومايزال للاسرة الصحفية المجاهدة دورا فاعلا في توعية وتثقيف المجتمع في المراحل المختلفة من تأريخ العراق واليوم لهم موقف مشرف في تعزيز الوحدة الوطنية و مواجهة الارهاب فضلا على ترسيخ مبادئ و مفاهيم الديمقراطية في المجتمع

لقد قدمت الاسرة الصحفية تضحيات جسام في مواجهة القوى الارهابية الضالة وهاهم اليوم في الخنادق الامامية لمكافحة جائحة كورونا وقدموا مئات الشهداء والمصابين في مسيرتهم الوطنية، مما يستدعي من الحكومة العراقية برد الجميل على مواقفهم الوطنية وتوفير العيش الكريم واللائق لهم ولعوائلهم وايلاء الاهتمام والرعاية الخاصة لهذه الشريحة المجاهدة.

مرة اخرى نهنئ الاسرة الصحفية العراقية بعيدهم الاغر متمنيا لهم الموفقية في اداء مهماتهم الصحفية

المجد والخلود لشهداء الكلمة

والشفاء العاجل للجرحى والمصابين بالوباء القاتل

 

نهاد الحديثي

 

 

ضياء نافعقلت مرّة لطلبتي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد مازحا، ان تولستوي عاش 82 سنة، ولكن مؤلفاته الكاملة بلغت 90 مجلّدا، وهذا يعني، انه كان يكتب مجلّدا واحدا (وكسر) كل سنة من عمره، ومنذ ان كان عمره سنة واحدة فصاعدا، وكانت ردود فعل الطلبة على هذه (الملاحظة !) متنوعة طبعا وفي اطار من مرح الشباب الجميل، وقد قال لي أحد طلبتي القدامى من تلك المجموعة ضاحكا، والذي التقيته بالصدفة بعد سنوات طويلة جدا، انه من المستحيل ان ينسى، ان تولستوي عاش 82 سنة وان مؤلفاته الكاملة تبلغ 90 مجلّدا، بعد تلك (الملاحظة !) الطريفة، التي قلتها لهم انذاك مازحا .

تذكرت كل تلك الايام الخوالي عندما علمت، ان اكاديمية العلوم الروسية تعمل – ومنذ فترة - من اجل اصدار المؤلفات الكاملة لتولستوي من جديد، وانها ستبلغ 100 مجلّدا هذه المرة بدلا من 90 كما صدرت في القرن العشرين، اذ انها ستضم حتى مسوّدات مؤلفاته ورسائله، التي لم تنشر في تلك المؤلفات حينئذ، وستكون هناك هوامش تفصيلية اضافية يكتبها متخصصون في أدب تولستوي حول معظم فقرات تلك النتاجات المتنوعة له، ومن المفروض اكتمال هذا العمل الكبير عام 2028، وهي السنة التي ستحتفل فيها روسيا بذكرى مرور قرنين على ميلاد تولستوي (1828 - 2028)، هذا الاحتفال الذي سيكون طبعا بمستوى متميّز ولائق وملائم لمكانة تولستوي واهميته في تاريخ الادب والفكر الروسي .

مقالتنا هذه تتحدّث عن بعض الجوانب المرتبطة بالمؤلفات الكاملة لتولستوي في تسعين مجلّدا (هذا الاصدار الفريد في مسيرة الادب الروسي والادب العالمي ايضا، والذي لم يصله أحد في روسيا، لا قبل ليف تولستوي ولا بعده)، هذه الجوانب التي نظن انها شبه مجهولة تقريبا للقارئ العربي .

بدأت فكرة هذه المؤلفات الكاملة لتولستوي بالظهور بعد ثورة اكتوبر 1917، واستغرق العمل بتنفيذها طوال اربعين سنة بالتمام والكمال، وذلك لان هذا العمل الكبير كان يخضع طبعا لكل تقلبات الزمان واحداثه غير المتوقعة، وما اكثر تلك الاحداث الكبيرة التي حصلت في مسيرة الدولة السوفيتية في تلك الاوقات العصيبة  .

قصة هذه المؤلفات ابتدأت في نهاية عام 1918، عندما  تقدّم جيزتكوف  باقتراح الى وزير الثقافة والتعليم بعد ثورة اكتوبر 1917 لوناتشارسكي (انظر مقالتنا بعنوان – لوناتشارسكي ..الفيلسوف والاديب والوزير) لاصدار (المجموعة العلمية الكاملة لتولستوي)،  وذلك بالاعتماد على الارشيف الكامل لتولستوي، والذي جلبوه الى روسيا من انكلترا و تمّ حفظه (ولمدة خمس سنوات) في قسم المخطوطات التابع لمكتبة اكاديمية العلوم بمدينة بطرسبورغ في تلك السنوات العاصفة للحرب العالمية الاولى وما اعقبها من احداث هائلة . وافق الوزير السوفيتي طبعا على هذا المقترح، خصوصا ان روسيا ستحتفل بالذكرى المئوية الاولى لميلاد تولستوي عام 1928، وتوجّه الى رأس الدولة آنذاك لينين لاستحصال موافقته على تنفيذ هذا المقترح الرائد، وحصل على موافقة لينين، وتمّ تكليفه (اي تكليف لوناتشارسكي) لانجاز هذا المشروع الكبير، والذي خصص له من ميزانية وزارته عشرة ملايين روبل لتحقيقه، وهو مبلغ هائل وغير اعتيادي بالنسبة لذلك الزمن المضطرب . تمّ تشكيل لجنة خاصة لتنفيذ هذا المشروع، وقد اطلعت اللجنة على الارشيف الخاص بتولستوي، ووصلت الى قناعة متكاملة، في ان نشر هذا الارشيف يتطلب تسعين مجلّدا، نصفها يتضمّن نتاجات تولستوي الادبية (مع مسوّداتها والهوامش التوضيحية للشخوص والاحداث التي تناولتها هذه النتاجات، ومنها مثلا مقاطع شبه متكاملة في رواية الحرب والسلم، والتي حذفها تولستوي من روايته تلك)، أما النصف الآخر من تلك المؤلفات، فانه يحتوي على مذكراته الشخصية (والتي تمّ نشرها فعلا في 13 مجلّدا) ورسائله (كان في هذا الارشيف حوالي 9000 رسالة كتبها تولستوي نفسه الى الآحرين او كتبها الآخرون له، وقد تمّ نشرها فعلا مع المقالات غير المنشورة في 31 مجلّدا) .

الحديث عن المؤلفات الكاملة لتولستوي باللغة الروسية تتطلب طبعا التوقف – ولو قليلا - عند كل جزء من اجزائها التسعين هذه،والتعريف بمحتوياته في الاقل، وهو أمر ممتع ومفيد بلا شك، ولكن مقالتنا هذه لا تستوعب هذا الاستطراد، لهذا، اختتم هذه السطور بالاشارة فقط  الى انني التقيت مرّة أحد المهتمين الروس بحضارتنا العربية في بغداد، وطلب منّي ان أحصل له على المؤلفات الكاملة للمتنبي، فاعتذرت – بدبلوماسيّة - عن تلبية طلبه ... والحليم تكفية الاشارة ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنللراحل علي الخليلي

الراحل علي الخليلي أديب ومثقف نقدي فلسطيني متعدد الاهتمامات، له مساحة أثيرية وقيمة في رفوف المكتبة العربية الفلسطينية، تشغلها مساهماته الرائدة في مختلف فنون الكتابة. فهو صحافي وكاتب سياسي وقاص وروائي وكاتب للأطفال وباحث في التراث الفلسطيني. وقد احتل مركز الصدارة في المشهد الثقافي الفلسطيني تحت الاحتلال، وترك أثره المميز في حصيلة الشعر العربي الفلسطيني الغزير، وله فضل كبير على الكثير من المبدعين والموهوبين الذين رعاهم واحتضنهم ودعمهم بنشر نتاجاتهم الأدبية حين كان يرأس تحرير مجلة "الفجر الأدبي"، التي شكلت وعاءً وحاضنة لكل شعراء وكتاب وأدباء الوطن الفلسطيني المحتل.

وكان قد صدر لعلي الخليلي عن منشورات صلاح الدين في القدس عام 1980 روايته الأولى " المفاتيح تدور في الاقفال "، ويرمز عنوانها إلى التجربة اليومية التي يمر بها المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون والزنازين الاحتلالية، أو كما يسميها الخليلي " تراكمات الاسمنت والحجارة والفولاذ "، متضمنة كل أصناف وألوان التعذيب الجسدي والنفسي والتحقيق والنفي من هذا السجن على ذاك.

وهذه الرواية كتبها المرحوم علي الخليلي إبان المد القومي واليساري العربي، وتخاذل التيار الديني أمام العديد من القضايا والمسائل القومية والوطنية، وكان رجال الدين والتيارات الدينية السياسية تلعب دورًا قذرًا لصالح النظام السياسي العربي.

وعلي الخليلي هو من اوائل الشعراء الفلسطينيين الذين اتجهوا لكتابة الرواية، وسبق ابراهيم نصر الله والمتوكل طه ومريد البرغوثي ومؤيد العتيلي وأسعد الأسعد وسواهم، لكن للأسف لم يتم لفت الأنظار إلى تجربته الروائية وعدم الاهتمام بروايته " المفاتيح تدور في الأقفال " التي نحن بصدد الحديث عنها، من قبل الباحثين والدارسين والمهتمين والنقاد، سوى ما كتبه الناقد الفلسطيني د. نبيه القاسم والاستاذ أسامة محاميد في مجلة " الجديد " في الثمانينيات بعيد صدور الرواية.

وهذه الرواية تشمل عدة شخصيات يجمعها وحدة المكان الا وهو المخيم والأزمة في حارة الياسمينة بنابلس، وتوحدهما مرارة الواقع القهري المعاش في ظل الاحتلال على الصعيدين الاجتماعي – الطبقي، والسياسي – القومي.

وابرز شخصيات الرواية هو محمد حمدان بعجر عبد الفتاح بائع الكبسة في سوق البصل بنابلس، وابوه كان يعمل فرانًا أجيرًا وقبل ذلك راعيًا محتقرًا، وعبر تصوير دقيق نتعرف على الطفولة المعذبة في ظل الفقر والشقاء التي يعانيها في بيت مشقق السقف، محفور الأرض، تختلط فيه الروائح والحشرات.

ومن خلال شخصية محمد حمدان نتعرف إلى نموذجين متناقضين أفرزهما الواقع المعاش تحت وطأة الاحتلال. الأول النموذج الثوري المناضل بكل وسائل الكفاح والمقاومة الممكنة التي أدت به إلى المعتقل وذو الوعي الوطني والطبقي الاجتماعي المتكامل في رؤياه تجاه القضية الوطنية اولًا وقضيتي المرأة والدين ثانيًا. وتمثل هذا الاتجاه النقدي بالإضافة إلى شخصيات من مروان العكاوي العتال، واسامة الأخرس ابن الدهان، وضرار كامل بائع المكانس، وسمية ناصر الطالبة ابنة الكندرجي، كل هذه الشخصيات ذات قاعدة اجتماعية واحدة هي طبقة الفقراء والمسحوقين والكادحين، أبناء الحارة الواحدة، والمخيم الواحد، والتقوا جميعًا كل بموقفه وبطريقته في مقاومة المحتل وبالتالي في الموقع النضالي النهائي وهو السجن، الذي يشكل ليس مدرسة فحسب وإنما قاعدة من قواعد الثورة في الأرض المحتلة.

وإذا كان السجن كما يصفه ويصوره كتاب الوطن المحتل المكان المكروه  الذي يمارس فيه السجان تعذيبه للمناضلين والمقاومين للاحتلال، وأمل السجناء الخروج منه ومعانقة الحرية، فسجن علي الخليلي الذي يصوره في روايته مختلف عن الآخرين فهو صورة وقطعة مصغرة من الوطن يرفض مغادرته السجين الفلسطيني وتركه عندما تغريه سلطات الاحتلال بالخروج وترك الوطن والرحيل عنه، فهو الانطلاق لحياة حرة جديدة.

وبالنسبة للغة الرواية فهي على العموم لغة شاعرية رقيقة سلسة مطواعة مشحونة بالمعاني والدلالات الكثيرة، لغة مكثفة قصيرة في جملها وتراكيبها، وتخلو من اللهجة العامية إلا في ما تقتضي الضرورة ذلك. ويعتمد الخليلي أسلوب السرد التقريري المباشر، وتوظيف التراث الشعبي والأمثال الشعبية واستفادته من أداء وظيفتها الايحائية والجمالية، ومن مساهمتها الفعالة المؤثرة في عملية التوصيل لدى القارئ والمتلقي.

ويبقى القول أن رواية علي الخليلي " المفاتيح تدور في الأقفال " تروي قصة صمود شعبنا الفلسطيني وأبنائه الابطال في مقاومة ومواجهة المحتل في كل موقع ومكان في الوطن، وتنتمي للأدب الملتزم بالقضايا الوطنية والطبقية المنحاز والمنتصر لجموع الفقراء والمنسحقين والمعذبين في  الأرض.

 

بقلم : شاكر فريد حسن  

 

 

 

ثامر الحاج امينيمثل الاهداء الذي يتصدر عادة كتب المؤلفين عالما خاصاً يحمل في طياته الكثير من الأسرار والمشاعر والنوايا المختلفة، ولأهمية الاهداء في التمهيد لمعرفة نفسية ومشاعر وتوجهات المؤلف فلا يكاد كتاب معرفي او أدبي يخلو من هذا التقليد الذي صار ملازما لأغلب الاصدارات، ولأن المؤلف حر في طبيعة اهدائه وفي اختياره الطريقة التي يريد بها التعبير عن مشاعره ومكنوناته لذا ليس هناك من قاعدة محددة او قالب جاهز لكتابة الاهداء انما هوأمر شخصي جدا ويصفه أحد النقاد بانه (مساحة خاصة يمتلك الكاتب كامل الحرية في ملئها بما يريد) ويراه آخر (الفصل الأول للكتاب)، ونراه الومضة التي تشد القاريء للنص وتمهد له الطريق للغور في ثناياه .

وتختلف دوافع الاهداء لدى المؤلفين، فبعضهم من يجد فيه فرصة ومساحة للتعبير عن الامتنان والعرفان واعتراف بالفضل لمن مد لهم يد العون في انجاز مشاريعهم او ظهور اصدارهم وهو مافعله ماركيز في اهداء روايته " الحب في زمن الكوليرا " :

(الى زوجتي مرسيدس .. طبعا)

او يأتي الاهداء ايضا للعائلة موشحا بالاعتذار وطلب الصفح وهو ماجاء باهداء الشاعر احمد فؤاد نجم في كتابه " الفاجومي " :

(الى بناتي .. عفاف ونوار وزينب

يمكن ماتلاقوش في حياة ابوكو شيء تتعاجبوا بيه

لكن أكيد مش حتلاقوا في حياة ابوكو شيء تخجلوا منه)

وفي ذات السياق نجد كاتبا يدين بالفضل لمن حال دون سقوطه على الارض وقت الانهيار فيكتب اهدائه :

(الى الكتف الذي استندت عليه حين خانتني قدماي)

في حين بعض المؤلفين يجد في الاهداء فرصة للنيل من الخصوم وتوجيه الشتائم لهم، فالروائي السعودي عبده خال في اهداء روايته " نباح " يوجه الصفعة لأعدائه :

(لكل أوغاد العالم .. لعنة كبيرة)

وعلى ذات النهج يسير الكاتب المصري محمد جعفر في اهداء كتابه المختص في علم النفس :

(الى حماتي وحيوانات اخرى)

وكذلك ما أورده نيرودا في مذكراته " اشهد انني قد عشت " من ان شاعرا ارجنتينيا اسمه عمر بيغنوله ساقه حظه العاثر لمنازلة احد المصارعين الذي أسقط عمر على الأرض بلا حراك، وبعد شهور نشر بيغنوله كتابا جديدا تصدره :

(أهدي هذا الكتاب الى الاربعين الف ابن كحبه الذين كانوا يصفرون ويستهزئون ويطالبون بموتي في حلبة الصراع)

وهناك من المؤلفين من يبدي في اهدائه تعاطفا جديا مع الفقراء فيكتب لهم :

(الى الذين لن يشتروا هذا الكتاب لأنهم لايملكون ثمنه، الى الذين لايعرفون رياضة يومية سوى الركض وراء الرغيف، اهديكم كتابي الذي لن تقرأوه)

او يأتي التعاطف مشوبا بالطرفة وهو ماجسده اهداء الكاتب احمد رجب :

(الى زوجتي تقديرا واعجابا وانبهارا بقوة احتمالها عند غنائي في الحمام)

كما لاتخلو بعض الاهداءات من نرجسية وغرور وهو ما انطوى عليه اهداء الشاعر حسين مردان الذي تصدر ديوانه " قصائد عارية " :

(لم احب شيئا مثلما احببت نفسي، فالى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب، الى الشاعر الثائر والمفكر الحر، الى حسين مردان ارفع هذه الصرخات) .

وهناك من يشيد بالذين يبالغون في تطلعاتهم فيكتب لهم مشجعا :

(الى الذين كانت اقدامهم دائما أطول من اللحاف)

ان الاهداء فضاء واسع متعدد الجمال يجمع بين الطرفة وحسن الصياغة وسعة المخيلة وجمال الصورة فأحد الروائيين يشعر بالندم ويعتذر عن غفلته ولكن بعد فوات الأوان فيهدي الى خيبته :

(الى تاجر المخدرات الذي سخرت منه قبل خمس سنوات عندما أقسم ان تجارة المخدرات اصدق من تجارة الحب والجسد واقل ضررا من تجارة الكلمات الدينية والسياسية وكلمات العشق اهدي هذه الرواية واعتذر عن جهلي وسخريتي وقتها) .

 

ثامر الحاج امين

 

محسن الاكرميناسمح لي صديقي:

 حين أخاطب فيك الوفاء لعش الصداقة. اسمح لي حين أمزج كتاباتي بين الخطاب العقلي ونوتة مدوية من حسن  حس الضمير الأخلاقي الاجتماعي. اسمح لي حين أنقط الإرادة الإنسانية  كجزء حقيقة ثابتة بأمانة سماوية ثقيلة وسلوك اجتماعي نمطي. اسمح لي قد نسبح معي في خيال الكلمات و دلالات المعاني ويمكن أن نحلق طيرانا بلا أجنحة متحركة بالعلو.

 اسمح لي صديقي:

 حين ابتعدنا منذ عمر ممتد في الزمن السالف، ومن سن الصغر وحي نزق (التبرهيش) الشعبي. اسمح لي حين تقطعت بنا السبل بالتباعد الاجتماعي والموضعي وبين تنقيط مدن المنطقة (1) المرضية،  والمنطقة (2) المحروسة بالتشديد. اسمح لي حين جمعتنا الصدفة وقلت لي" صدفة خير من ألف ميعاد "، ثم بعد ذلك احتضنني عناقا حارا في عز زمن "كورونا" وبكيت وجدان اللقاء. اسمح لي صديقي حين تبسمت وكان جوابي بريئا بلا ختمة  حضن وقبل رباعية.

 نعم، اليوم"هي صدفة من جيل "كورونا" خير من ألف تباعد اجتماعي وحجر صحي. اسمح لي حين لم أنمق كلامي بالنية ولا بالمحاباة واحترمت أمتار حدود الخطاب الفاصلة بين أجسادنا. اسمح لي عندما كنت مداوما على الإنصات وشحيح الكلام، وحين أطنبت بسيل من الأسئلة  النهمة والناهلة من أحداث الماضي والتي لا تشبعك منها كل أجوبتي مهما بدت، وحتى ولو استحضرت فيها الأحداث بالوقوف التشخيصي. اسمح لي اليوم في صدفة "كورونا " والتي هي خير من ألف ميعاد  بمدينتنا ذات الميدالية الذهبية (المنطقة 1)، حين كنا نحكي وقوفا عن امتداد عمر من الزمان و استحضار الأحداث السلبية والايجابية بمدينتنا قبل هيمنة سلطة الحاكم "كوفيد 19" الشرير.

اسمح لي صديقي:

حين افترقنا دون معاودة التصافح وعناق الوداع  والقبل الفضية بالرباعية بالحماسية الوجدانية. أستسمح منك حين وقفت على أن حظ  الصدفة العادلة يعاكسننا ولم ألتق بك بالمرة طيلة سنوات خلت من زمن طهارة مدينتنا من فساد وباء، وحين التقينا كان حظي معك في زمن زمهرير فيروس "كورونا" وحديث التباعد المتقطع. اسمح لي وممكن أن يكون حظك أو حظي يحمل فيروس المخالطة بالمعانقة و بالأحضان يا وطني، وقد تحمل الصدفة لعنة تقاسم الفيروس بالمحبة والصداقة من زمن لا خوف عليكم في منطقتكم رقم (1).

اسمح لي صديقي:

  ففيروس "كورونا" لا يؤمن بالحظ ولا بالصدفة ولا بالمنطقة (1) ولا بالتصنيف عن بعد، بل يتقاسم بالغباء والجهل والتفريط في حماية الذات والآخر، فآعلم أن (حضي راسك وناسك قبل ما تخرج من دارك) هي الأمن والأمان. اسمح لي ويمكن أن تكون صدفتنا مسيرة تجاه التحليلات المخبرية وانتظار كلمات من قاموس الطب (إيجابي/سلبي).

اسمح لي صديقي :

حين توجهت مباشرة نحو قنينة التعقيم ، وصابون التنظيف خوفا من صدفة الفيروس الخفي وبدون ميعاد مع لقاء الصدفة. اسمح لي حين بتت لا أترك للصدفة متسعا، ولا أؤمن للحظ جانبا من العثرة في ممرات  وفجوات حياتي، بل أوثر هندسة حياتي بالتدقيق الممل في عصر "كورونا" المستجد والمستبد.

اسمح لي صديقي:

 حين لم أقدر على دعوة إلى وجبة غذاء ولا إلى فنجان بن أسود مر بلذة لقاء زمن "كورونا". اسمح لي وقد ميز صدفتنا خط زمني يذكره مؤرخو صناع الأوبئة واللقاحات والأدوية، وقد يحمل تدوين أحداث ما قبل وما بعد زمن الحاكم  الديكتاتوري السيد"كوفيد19" في إمبراطوريته العالمية التي لا تغيب عنها الشمس.

 

محسن الأكرمين

 

شاكر فريد حسنما من شك أنه حدثت تطورات كبرى في مسيرة فن القصة القصيرة في الوطن العربي، من ناحية تقنياتها وأساليبها الفنية الجمالية والتعبيرية. ومن يقرأ قصص حنا مينا وعبد السلام العجيلي وسعيد حورانية وزكريا تامر وحسيب كيالي ووليد اخلاصي ومحمد زفزاف وأحمد حسين ومحمود شقير ويحيى يخلف ومحمد علي طه ومصطفى مرار ويوسف جمّال وسواهم الكثير، ونقارنها بقصص محمود تيمور وخليل بيدس ومحمود سيف الدين الايراني، التي كتبت قبل أكثر من نصف قرن، نجد اختلافًا وبونًا شاسعًا من ناحية بنائها القصصي وأسلوبها السردي ولغتها.

فقد انتقلت القصة القصيرة العربية من الشكل الكلاسيكي التقليدي المعروف إلى أشكال مختلفة من ناحية التقنيات الفنية والتجديدية في الشكل، وباتت تعتمد السرد الحديث، واستفادت من المشهدية السينمائية والتقطيع السينمائي، وتحولت اللغة فيها من لغة خبرية إلى لغة إيحائية محملة بلمحات شعرية، وزال الترهل النثري الوصفي فيها. ولجأ الكتاب السرديون إلى استخدام الضمائر المختلفة في السرد واستفادوا من منجزات علم النفس لاستكناه واستبطان النفس الإنسانية عبر التداعي الحر.

وتنوعت الكتابة القصصية الحديثة من واقعية وتعبيرية ورمزية، ووصلت إلى لون جديد من الكتابة الإبداعية تتمثل بالقصة القصيرة جدًا، بما يعرف قصة الومضة، التي تشهد رواجًا في الوطن العربي هذه الأيام. وثمة كتاب قصة جدد على قدر من الاقتدار والموهبة يكتبون نصوصًا بمستوى فني متقدم.

ومن نوافل القول، أن نهضة القصة القصيرة العربية الحديثة هي وريثة للسنوات التي اعقبت هزيمة حزيران العام 1967، ولعل لهذا علاقة بكون القصة القصيرة ومضة مكثفة يمكنها أن تلاحق التغيرات المتسارعة على ارض الساحة العربية، ويظل الالتصاق بهموم الإنسان العربي المتألم الموجوع المستلب والمسلوب الارادة الطامح لحياة أجمل وأفضل، دور أساس كمضمون لهذه القصة،  بينما تبقى لطموحات الفن القصصي المعبر والمعاصر والمؤثر دور أساس كشكل، من خلال ترابط هذين العنصرين بأصالة وانفتاح يمكن للقصة أن تنهض وتطور أكثر وتصبح ذات نكهة إنسانية متقدمة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن