يسري عبد الغنيوالأمر الذي نحاول أن ننبه إليه هو أن مجال القراءة مثل مجال السياحة، كلاهما يحتاج إلى دليل. ليس لأن القارئ قد يتوه في أدغالها - فالتيه في القراءة مفيد - وإنما لأن الدليل قد يوفر عليك الوقت، فتحصل على أكبر فائدة في أقل وقت ممكن. والدليل الجيد هو الذي يضع بين يديك خارطة طريق واضحة تستغني بها عنه أحياناً. ولأن كاتب هذه السطور محسوب على القراء وله تجربة في القراءة يحسبها ممتازة، فقد سولت له نفسه طوال سنوات أن يقدم النصح في هذا الباب لكل من استنصحه. وكانت أبرز نصائحه التي لا يمل من تكرارها هي: عليكم بالأدب، ثم الأدب، ثم الأدب.

لا يكاد المرء يتصور مجالاً آخر يستحق القراءة غير الأدب، وإذا اضطر القارئ للذهاب إلى مجالات أخرى فمن باب النافلة لا الفريضة، باستثناء أصحاب الاختصاص المعين خارج دائرة الأدب. وكلمة الأدب تتسع دلالتها عند الكاتب لتشمل النصوص الدينية وبعض نصوص التاريخ أيضاً. فالقرآن المجيد والعهدين القديم والجديد، وموسوعة قصة الحضارة لوول ديورانت، مثلاً. هي مدونات أدبية أيضاً. بل إن كتاباً كالقرآن الكريم يعد كتاباً جامعاً لظواهر أدبية وجمالية مختلفة. فهو في معظمه كتاب قصص كما هو ظاهر، ولغته تعتمد على التصوير الفني كما قال سيد قطب، وجرسه الموسيقي يوظف الإيحاء بصورة مؤثرة كما قال د. شكري عياد.

إن أهمية القراءة في مجال الأدب دون غيره من المجالات تكمن فيما يستطيع أن يقدمه للشخصية الإنسانية من خدمات لا يقدر عليها غيره. فالأدب - ومعه الفن - هو مصدر نمو الشخصية، تماما مثلما أن الماء هو مصدر نمو الشجرة. والشخصية التي لا تعرف الأدب - والفن - هي بالضرورة شخصية مسطحة، أفقيه، كالحلزونة لا تستطيع أن ترى في الحياة إلا بعدها الأفقي المسطح. وهذا النموذج من الشخصية هو أحد عوائق النهوض الاجتماعي -في المجتمعات العربية خصوصاً- لأنه لا يستطيع أن يتفهم المشاريع النظرية للنهضة، التي عادة ما تتصف بالعمق والتركيب، ومن ثم يتحول إلى حجر غشيم في يد خصوم النهضة والتحول، من المستبدين والمشعوذين تجار الخرافة.

إن القراءة في مجال الأدب تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: فهي أولاً تضيف إلى تجربة القارئ في الحياة تجارب أخرى، تجعله أكثر خبرة بها وبأسرارها، وأعرف بنماذجها الإنسانية، ومن ثم أقدر على العيش فيها. وهي ثانياً توسع من مخيلته بما يجعله أقدر على تصور الأبعاد الحقيقية والخفية للوجود الذي يسبح فيه. وهي ثالثاً تثري قاموسه اللغوي بما يعنيه ذلك من تطوير لملكاته العقلية، إذا ما عرفنا أن اللغة تعد شرطاً في التفكير النوعي (الفلسفي)، وأنه كلما زاد رصيدك من اللغة زادت قدرتك على إجراء العمليات الفكرية الدقيقة. وهي رابعاً تمنحك من المتعة في مرافقة الأخرين - كتاباً وابطالاً - ما لا يمنحه لك أي مجال آخر من مجالات المعرفة. باختصار القراءة في الأدب تصنع شخصية أكثر ثراءً وعمقاً وحكمة وتأثيراً، وهذا ما ينبغي أن يسعى إليه المرء قبل البحث عن المعلومة الباردة التي قد يحتاجها في جدله مع الحياة.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

احمد بلحاج اية وارهامهاتَفَني وكِيلِي العقاري صبيحَة يومه العاشر من آذار(=مارس)، وأخْبرَني بأنه وجَدَ مُشترياً لبَيتي الذي عرضْتُه للبيع، وهو يقع في قريةٍ تَبعد عن المدينة بحوالي 30 كيلومترا تقريبا، كنتُ قد اتخذتُه مَقَرّاً لاسترجاع ذاتي كلما تخلَّتْ عني، أو ابتعدْتُ عنها دون شعورٍ مني. ولولا ضعف صِحَّتي ووَهَني ما فرَّطتُ فيه، ولكنَّ تكاليفَ العلاج صارت تَمتدُّ كاللهب في كثيرٍ مما ادَّخرْتُه، لاَ عن حِرصٍ مُكَبَّلٍ بالجشَع، بل عن تبصُّرٍ بتقلُّبات الأيام، واسودادِ خُطاها.

طَمْأنَني الوكيلُ بأن هذا الذي سيشتري البيتَ مملوءٌ، وذو مكانةٍ في المجتمع، وأنه لا يُحب الاختلاطَ بِمن هُمْ دونه.فقلتُ في نفسي: هذه علامةٌ أشبهُ بغُرابٍ، إذ كيف للمرء أن يَحسِب جميعَ الناس مَعدنَ شَرٍّ، ينبغي النأيُ عنه، وأنه وحده مَعدنُ الخير؟!.أليستْ مَهمَّتُنا في الوجود هي أن نُعمِّق معنى الكُلِّيَّةِ فينا، وأن نتَّخذ.َها الجوهرَ الأساسَ في حياتنا، فنحْن بحاجةٍ لمُقابلةِ كل جزءٍ مِنّا، والتعرُّفِ عليه، حتى يزداد الوجود اقتداراً وفعاليةً، ونصبحَ ممتلئين فرَحاً، وعافيةً، وحُباًّ، وصفاءً؟!فكيف إذن صِرْنا نَشحَذُ الماءَ، ونحن نَسْبَح عِطاشاً فيه؟!

لم أَجِدْ جوابا لهذا غير استيلاء الجشع عل النفوس، فهو عندما يَظهر، يتفشَّي كالوباء الأسود، ولا ينجو منه إلا مَن امتَلك الوعيَ بالذاتِ كبُعدٍ منسوجٍ بأصابع النور، لا بأصابع الظُّلمة.فالجشعٌ نهرٌ هائجٌ يَدعُونا إلى طلَب المزيد والمزيد كالجحيم، ويُحَسِّسنا بألمٍ فظيع، هو ألم عدمِ القدرة على الاكتفاء والشِّبَعِ، مما يُؤَدِّي بنا إلى اقترافِ سلوكياتٍ فوضويةٍ، وإلى امتطاءِ أمواجٍ تجُرُّنا إلى التَّكسُّرِ فوق صخورٍ حاجِبةٍ للطبيعة الحقيقية لهدفِ حياتنا.

سرَقَني مِن هذا التفكير الذاتي نفيرُسيارةٍ قادمةٍ إليَّ، وأنا أتملَّى الأفقَ من شُرفتي بعينِ مفتونٍ بالماوراءِ، وقلبٍ لا يَفتِنه غيرُ جمالِ السكونِ الذي يَعزف سمفونيةَ الطمأنينةِ في جهات الوقت.نَزَل منها شخصان أحدهما وكيلي، والثاني خِلتُه المشتريَّ، أَوْمَأْتُ إليهما بالدخول، وبعد التحية والجلوس، قال الوكيل:

- أُقدِّم لك الأستاذ الجامعي الدكتور (فَرَج الشُّهْبي) الذي سيشتري المنزل.

- أهلا به، وبك أنت أيضاً.ولكنْ قبل الحديث عن البيع يا دكتور شرِّفْنا بتخصصك؟

تَخَصُّصي هو العمود الفقري لكل التخصصات المَعرفية في الوجود، إذ به تَعرفُ قمَّةَ الحياةِ وسفحَها، وباطنَها وهوامشَهَا، وإيقاعَ نبضِها.

- إذن أنت طبيب نطَّاسيٌّ

- بل أكثر من ذلك، لأن طبيبك النطاسي هذا لن يَنجحَ في عمله إذا لم أكُنْ أنا.

- يا الله على هذا!!.

وحدجْتُه بنظرةٍ تَسْتكْنه جُذورَ عَجرفته، واعتدادِه بذاته، فإذا هو شخصٌ أميَلُ إلى القزامة، مربَّعُ اللحية، في وسط رأسِه صلعةٌ دائريةٌ أشبَهُ برقعةٍ حمراءَ وسطَ ثوبٍ أسْودَ، عيناه تَدُوران في محجَرَيه كخَرَزتين من لَهبٍ، تنطقان بالرغبات الهائلة، وحالاتِ العطش والإكراه التي في حياته.ولا شك أنه في هذه الهُنيهة التي يُديرُ فيها بصرَه في السقف، وفي الجدران يَكُون قد حَدَّدَ في ذهنه الثمنَ الذي لن يَدفعَ سواه مُقابِل البيتِ، وأنه يُهيِّئُ بمكرٍ عالٍ وسائلَ الإقناعِ التي ستُؤثِّر فيَّ، وتجعَلُنى أرضَى بمُراده، لا بمُرادي.وحينَ يُعارض شخصٌ كهذا رغبتَك ويَسحقُها برغبته المُغَلَّفَةِ باللطافةِ، فلا تَخضَعْ، ولا تسمحْ لمَجْرى تفكيرِك أن يُغيرَه مَجرَى تفكيرِه هو.

انتبهتُ إليه، وهو يَنقل نظره من جغرافية البيت ومُكوِّناته إلى جغرافية بَدَني كخَروفٍ يتَمَنَّى أنْ يَذْبَحَه خِلسَةً، فصار يَدفعُ الكلامَ من حَلقه ككُرةٍ من كُرات البلياردو :

- أَخذَني تأمُّلُ بيتِك هذا من إتمامِ حديثي عن تخصصي، أنا عالمُ اجتماعٍ، أقرأ حياةَ المجتمعات، وحياةَ الناسِ فيها، وأستخرجُ من كل ذلك ما هو أثمنُ من كل الكنوز الموجودة في الكون، وأقَدِّمُه إلى الذين يَوَدُّون النهوضَ، والسيرَ إلى المستقبل بأقدامٍ مُعافاةٍ سليمةٍ من أي دَاءِ.

- ها أنت رجعتَ إلى قولي: إنك طبيب. (قلتُ هذا مُقهقهاً، فانزعج، وانفعل)

- لا، لا، ليس الأمر بهذه البساطة في التفكير.وإني لأعتقدُ أن الكثيرين الآن هُمْ أحوجُ إلى تربيةِ عقولهم، وإلى أسئلةٍ حارقة تُوقظُهم من رماد الغباء.كَمْ منهم سألَ نفسَه ماذا يريدُ حقّاً؟وما هو الشبَح الجائعُ الذي في داخله؟وكيف سَيُرْضِيه؟وكيف سيتآلف معه؟!

- اسمحْ لي دكتور، أنا أَعرِفُ ما أُرِيدُ، ولا يُوجَد شبحٌ جائعٌ في داخلي.

- يقينُك هذا هو مَكمَنُ عِلَّتك التي تَصرِفك عن تَسلُّقِ الطموح بإرادةِ مُقاتلٍ أسطوري، وهمَّةِ أَسَدٍ لا تُشبِع جُوعَه حياةُ الغابة.

- هذا يكُون عند مَن لمْ يُمطِرِ الإحباطُ والتملمُلُ في تربة نفوسهم، أما أنا فبَعْد ما ظهرَ الإحباط عندي سألْتُ نفسي:ماذا تُريدين الآن؟!وما المشكلة فيما لديَّ؟! ولذا فأنا هُنا الآن موجودٌ بالكامل، حيث أنا تماماً في التوِّ واللحظة، ومع كل ما لديَّ، وقلَّما أَخْتَبِرُه، لكوني سرعان ما سأبحث عمَّا هو أفضل منه، وأنا لم أسْتفدْ بعدُ منه، وهذا سيُشْقِيني، وسيجعلُ حياتي لُهاثاً في لهاثٍ.ومنذُ بعيدٍ داوَيتُ الضجَرَ، والجشعَ، والسعيَ اللَّامَنْطقيَّ خلْفَ نارِ التملُّك بإلجامِ سُعارِ شهواتي بلِجامِ(كفَى..كفَى).فأيّاً كان ما ستكسبُه من الجرْي وراء رغباتك فإنه لن يُساويَ قُلامَةً مِمَّا يأخذُه من صحَّتكَ ونفسيَّتك، وما يتركه فيك من همومِ الخوف على ضياعه، وأرَقٍ فظيعٍ جرَّاء حراستِه بعيونِ دَمِك لا بعينَيْ رأسك وحدهما. فالتمَلُّك استعبادٌ في صورةِ ممارسةِ بناءِ الحياةِ بلبِناتِ الفرَحِ المجبولةِ من طِينِ الاحتيال.

حمْلَق فيَّ وكيلي باستغراب، ورسم علي شفتيه بسمةً لا لونَ لها، ونبسَ - كمَن يُحاولُ سدَّ مَصْرفِ ماءٍ قد يُفسِد الحقلَ - :

- لِمَ نُؤخِّر الضيفَ عن مشاهدة البيت، وتفحُّصِه من جميع الجوانب، فهو كما يُخَيَّلُ إليَّ تَنتَظره مهامُّ أخرى.

- أصبتَ، وإني لَعَلَى عَجلةٍ من أمري (هذا ردَّ الدكتور بانتفاشٍ طاوُوسي)

نهضا؛بعد استئذاني في تفقُّد البيت، والتجوُّلِ في كل أركانه.وبقيتُ أفكِّرُ في هذا المشتري القادم من قارَّة التكبُّر والازدهاء على متن سيارةٍ شبيهةٍ بمَرْكبةٍ فضائيةٍ، هي أفخمُ ما تَعرِفه دُرَجُ (=موضات) السيارات في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، خرَج منها مرتديا بذلةً من الحرير الداكن، واضعاً في خِنْصره خاتما كبيرا من ألماسٍ الخالصِ، مُحرِّكاً بين أُصْبعيه حبَّاتِ سُبْحةٍ من الياقوت الأخضر.ليس بينه وبين أرضِ الناس هاته غير قدمين يمشي بهما عليها بازدراءٍ، وإلَّا فهو مجَردُ نَفخةِ غُرورٍ تُلوِّثُ الوجودَ، وليس فِعلاً حقيقيّاً.

(ـ انقرضتْ سلالتك القِطِّيَّةُ

وبقِيتَ وحيدا تائها

في الصحراء

كأنَّك من اختاره القَدر

لمَهمَّة الوجود الشَّاقة

وبإرادة لا ينقصها الشتات

بقِيتَ رفيقاً لليباب والعدم

حتى يومنا هذا.

فوق قِمَمٍ عاتيّةٍ وعصيَّةٍ

وفي أغوار كهوفٍ

لا قرار لها

حافظْتَ

على نسلك الفريد

حافظْتَ

على صفاء الوحشة في أعماقك.

**

أي لغزٍ في حياتك المحَصَّنة؟

أي جمالٍ لا يضاهيه جمالٌ آخرُ

في جسدك

وفي الألوان الباهرة

التي تُطرِّزُ فراغَ قفزةٍ

في الهاوية.)*

إنَّ الفعل الحقيقي هو أن نكُون حاضرين في وجدان الناسِ، وفي زمنهم، وأن تكُون لنا القدرةُ على أن نَرَى ونَسمعَ أدقَّ نبضاتِ العالَم من حولنا، فنستجيبُ لها، و لا نُسكتُها بردِّ فعلٍ مُتعالٍ، وأن نترك الأحداثَ تتحدَّث إلينا بقلبٍ مفتوحٍ، بدلاً من فرْضِ إرادتنا عليها، وتأويلِها حسب ميولاتنا وأهوائنا.فكثرون يظنون أنهم امتَلَكوا شيئا ثميناً في حياتهم، ولن يخسروه أبدا، وهذا هو الثُّقب الذي يَلِجُ منه الألمُ إلى حياتنا، فإذا خسِرْنا الشيءَ الثمين فيها - وهو الحُب في نظري - خَسِرْنا كلَّ مستلزماتها كذلك.ومن ثمة فإن أعظم ألَمٍ يُمْكِن أن نُواجِهَه هو ألمُ خُسران الحب، وألمُ الانفصال عمَّن نُحب، فَعَنْ هذين الألمين تتولدُ آلامٌ أخرى جانبية، كألمِ الوحدة، وألمِ الإحساس بأننا غير مرغوبين، وبأننا منسيون في كونٍ لا يكْترثُ بنا، وألمِ انعدامِ الثقة في كل ما حولنا.

فمُعْظمُ العلاقات في الوجود تَضِيعُ إذا انفلتَ من بين يديها خيطُ الثقة والحب، ولذا كان الطريق إلى الحُب يَمُرُّ دائما عبر الثقة، فلن نكُون مُحِبِّين إذا لم تَشعَّ شمسُ الثقة من صدورنا، ولا مَحْبوبِين إذا لم نستحمَّ بهذه الشمس، إذ بها يتِمُّ إثباتُ أهميةِ ذاتِ الطَّرَفَين.

هل يَعلمُ عالِمُ الاجتماع المتشامخُ بمعرفته هذا الجانبَ؟أم أنه غافلٌ، لن أُلقيَ السؤالَ عليه، فإلقاءُ السؤال على مثل هذا النوع من البشر سَيُحسِّسُه بالإهانة، والإهانةُ ثوبٌ لن يَرْضَى أحدٌ ؛مهما كانت درجتُه في المجتمع؛ بارتدائه.

لمْ أكَد أَخْرُجُ من هذا الخاطر حتى أَلقَى عليَّ الدكتور هذه القُنبلَة:

- أتسَمِّى هذا بيتاً؟!

فأجبتُ وأنا بين فكَّي الذهولِ والاستغراب:

- طبعاً، أتشُكُّ في ذلك أنت ؟!

فكشرَّ ضاحكاً عن أسنانٍ مغشَّاة بالذهب، وغمغم:

- أنا ثريٌّ، وَلَدَيَّ أصدقاءٌ ومَعارفُ سامُونَ، أتسَلَّى معهم ببذخ وترَفٍ، ولا أشكُّ في أنك لا تَعلَمُ مِقدارَ ما يحتاجه هذا البيت من مالٍ كثير ليَغْدُوَ بيتاً حقيقيّاً، وينسَى شكلَ الزريبة الذي هو عليه الآن، بل الزريبة أروعُ منه.

- العِلمُ عندك أيها الدكتور، كم مثلا؟!

-إنه مَبْلَغٌ فلَكِيٌّ، ما لِمِثْك عهدٌ به.

تَلاقتْ نَظْرَتانَا في اُفقِ التحدِّي والاشمئزاز، فصَبَبْتُ على نفْسِه المتوقِّدَةِ عُلُوّاً، وتفاخُراً، وعُنْجُهِيَّةً، هذا الدَّلوَ من الكلماتِ الطالعَ من بئرٍ صافيةٍ:

- ثَراؤُك كلُّه فُقاعةٌ من فقاعات الزمن الرديء، لا يبدو شيئا أمام جبَلِ ثرائي، أيّاً كان موقعُك على هذه الأرض.لقد حسِبتُك عَقلاً يَعرِف للناس أقدارَهم، فإذا بك مجموعةُ قروشٍ تتنفَّسُ وهْماً، وتَسِيرُ في الزمن خَلْفاً، وبلا ظلٍّ.في هذا البيت أنا منك أَثْرَى، وأغْنَى، وأسعد، عندما تُمطِرُ أسمعُ غناءَ المطر على زجاج النوافذ، فتصفو نفسي، وعندما تَطلعُ الشمسُ أُحِسُّ بأشعِّها تُقَبِّلُ ذاتي كعاشقةٍ آتيةٍ من لاَزَوَرْدِ المَعْنى، فأَرَى الأعشابَ، والأشجار، والحيوانات الخارجةَ إلى المرعى تَمضِي معي بغِبطةٍ عاريةٍ، وهي تَنشُد أنشودةَ الرضا.

اكفهرَّ وجهُ الرجل، وحدَّق فيَّ بعينين فارغتين، ثم غادَرَ بأسرع مِن البرْق، غير مُلْتفتٍ إلى الوكيل الذي أتى به، ولا إلى ما قد يعترضُ طريقَه وهو غاضبٌ مندفِعٌ بسيارته، بطريقة جنونيةٍ.

صفَّق الوكيلُ بأسىً، ورشَّنِي بعتابٍ قاسٍ:

- لقد ضيَّعتَ البيعَ، وضيَّعتَ عليَّ

الرزقَ الذي كان سيأتيني منه.

- لا تخفْ، لك عندي ما سيُرضيكَ، فأنت أقربُ إليَّ منه صِدْقاً، ومروءةً، وإنسانيةً.أمَّا هو فعَقلٌ مُتوَحشٌّ، لا تنتهي شراهتُه، يَفترِس الفيلَ والعصفورَ على حدٍّ سواء، وإنْ اعتقدتَ أنك ستأخُذُ منه شيئاً فأنت مُخطئٌ في اعتقادك، واحْمَدِ اللهَ على أنَّهُ نسِيَ أن يُطالبَك بثمَن التوصيلة إلى هنا، ولا تتأسَّفْ قطُّ على أمرٍ لو حدثَ لكان سَحبَ معه أحزاناً أكثفَ من الدُّجنَّة. فالذي ليس لديه عقلٌ تَربَّى على الامتنان والشكر للآخرين على ما يقدِّمُونه له من أعمالٍ وعطايا خَفِيةٍ، وللحياةِ على ما تَمنَحُه له لحظةً فلحظةً من نِعمٍ وآلاءٍ فوق التصوُّر، لا تَنْتظرْ منه التفاتةَ مودَّةٍ وتقديرٍ وإنصافٍ، فهو عَقْلٌ مُركَّزٌ كليّاً على ذاته، وعلى مَا لديه، ومُتَرَصِّدٌ ما عند الغير إمَّا للانقضاض عليه، وإمَّا لتَسَوُّله.

إن هذا العقل هو الذي يُحَوِّل الناس غالباً إلى شحَّاذين مدجَّجِينَ بأصنافٍ من المَكْر والدهاء، لاتبزُغ حتى في أدمغة الثعالب.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

  ...........................

*سيف الرحبي: حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماءٍ مستعارةٍ، ط1، سلسلة (كتاب دبي الثقافية)، الإصدار 30، منشورات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي، نوفمبر2009م، ص ص:40، 39.

 

صادق السامرائيلامية الطغرائي ذائعة الصيت ربما أكثر من لامية الشنفري، وقد تكرر شرحها، وفي جوهرها ملحمة سلوكية ترسم الحالة النفسية لكاتبها، وكيف إنتهى إلى ما هو عليه كما وصفته القصيدة، وكأن الحياة تمثلت أمامه رحلة لا جدوى منها، نهايتها معروفة، ويواجه مصيره وحيدا كأي مخلوق آخر فوق التراب.

وتبدو كأنها إنثيالات أحاسيس ورؤى وتصورات إندلقت من مكامنها التي غابت فيها لسنين.

وسأحاول قراءتها بمنظار نفسي سلوكي لكي أكشف عمّا يجيش في دنيا كاتبها، وحالته النفسية المكثفة المركزة المحبوكة بالكلمات.

1

أصالةُ الرَّأي صانَتْني عَنِ الخَطَلِ

وحِلْيَةُ الفَضْلِ زانَتني لدَى العَطَلِ

مبتدأ اللامية كلمتان هما الخطل والعطل، وكأنه يدافع عن المشاعر التي ألمّتْ به فجعلته يبدو معطّلا عن القيام بما يساهم بالتعبير عن جوهر ذاته.

ويحاول إقناعَ نفسه بثبات رأيه وصوابيته، وبأنه إنسان صاحب فضل على الآخرين، فهاتان الخصلتان تعينانه على تجشم محنته، والتعايش مع الصعاب التي طالته، وبهذا البيت يجيدُ وضع الأسس الكفيلة بتبرير حالته وشرح تطوراتها، وكأنه يتخذ الإستبطان منهجا.

2

مَجْدي أخيرا ومَجدي أوّلا شَرَعٌ

والشمسُ رَأدَ الضُحى كالشَّمس في الطَّفلِ

وهذا موقف دفاعي تسويغي، فهو لم يتغير جوهره وإن تغيّرت أحواله، وله بالشمس قدوة ومثلا فهي على حالها وإن تبدّلت أوضاعها، ويكشف عن محاولته لإقناع نفسه ببقائه كما كان، وإن دارت عجلات الزمان.

3

فِيمَ الإقامةُ بالزّوراءِ لا سَكني

بِها ولا ناقتي فيها ولا جَمَلي

ويبدو الشعور بالغربة والضعف بارزا ، فيندب حاله ويتمنى لو لم يهاجر من موطنه إلى الزوراء، فلا قيمة لما أنجزه فيها بالمقارنة إلى ما آل إليه من مصير أليم، ولا مَلامة عليه إن يهجرها.

فالغريب يمكنه أن يفقد كل شيئ بغتة عندما تستدير الأوضاع ضده، وهو في مأزق إنهزامي له تداعياته الفتاكة التي ستحلّ به حتما.

4

ناءٍ عَنِ الأهلِ صُفْرُ الكَفِّ مُنْفَردٌ

كالسَّيْف عُرّى مَتْناهُ عن الخَلَلِ

ويتأكد الإحساس بالوحدة والفقدان وبأهمية وجود الأهل، وما يتصل بهم من الأقارب والمعارف، لشدِّ عزيمته وتعزيز قوته وهمّته، فهو كالسيف الذي جردوه من حليته وما يشير إلى هيبته وعزته وكرامته، فحاله صعب ويستدعي العطف والإحسان.

وفي البيت تصوير للنأي وتداعياته وما يستدعيه من إنثيالات مؤلمة تثير الحسرات والشعور بالندم أو الإنخذال.

5

فلا صَديقٌ إليه مُشْتكى حَزَني

ولا أنيسٌ إليهِ مُنتهى جَذَلي

أصبح في موقفٍ قاسٍ، فانفضَ عنه الأصحاب والأخلاّء، وصار لوحده في مواجهة نفسه.

ولا يُعرف كثيرا عن حياته الشخصية، فهذا البيت يشير إلى أنه ربما عاش وحيدا ممرغا بأهوائه وطموحاته، حتى إستيقظَ من غفلته فأدرك ضرورة وجود الآخرين من حوله، وألقى النأي بظلاله على ما هو عليه، فتحسس الإنقطاع وكينونته في حفرة الوجيع.

6

طالَ اغْترابي حتى حنّ راحِلتي

ورَحْلُها وَقَرَى العَسّالةِ الذُبَلِ

وتتداعى الأفكار والمشاعر والأحاسيس الإغترابية الأليمة، لتتخذ دائرة أوسع من الشخص، فيلوم نفسه ويؤنبها لأنه بسبب ما إندفع إليه وتفاعل معه من أوهام وأحلام، قد آذى مَن كان يحمله ويقله، وبهذا يشير إلى وعي آخر لم يكون فاعلا فيه قبل محنته.

7

وَضَجَّ مِنْ لغَبٍ نِضْوي وعَجّ لما

يَلْقى ركابي، ولَجّ الرَكْبُ في عَذَلي

ويزداد يقظة ووعيا لما تسبب به لنفسه ولمن حوله، فيعاتب نفسه على ذلك النزق والإندفاع الذي ما عرف الراحة والفتور، فهو طافح الطموحات متأجّج التصورات، منغمس في التعبير عن الأفكار والتطلعات، فيومه نار ملتهبة، تضج من حرارتها وسجيرها قدرات الآخرين الذين لا يطيقون مواكبته، والوصول إلى ما عنده من نشاط عارم.

8

أريدُ بَسْطةَ كفٍّ أستَعينُ بها

على قضاءِ حُقوقٍ للعُلى  قِبَلي

ينتقل إلى وصف حاله المزري الذي جعله يتمنى مَن يعينه ماديا، لكي ينجز بعض ما يريده ويراه ضروريا للحياة الكريمة الأبية قبل مغادرتها، فكأنه يتعجب من الإنتقالة السريعة التي ألقت به إلى أسوأ حال، ما خطر على باله ، وهو في صدمة وتحسّر وذهول.

فبعد الغنى والثراء والمجد والأبّهة، يتحول إلى موجود مُعدم لا حول ولا قوة عنده سوى الإستسلام لما سيحل به بعد حين، وتلك صورة متكررة في السلوك البشري عند حاشية السلاطين، وهو كما هو إلى الآن.

9

والدَّهْرُ يَعكسُ آمالي ويُقنِعُني

مِنَ الغَنيمَةِ بَعْدَ الكدِّ بالقَفَلِ

البيت يمثل صورة إحباط فاعل ومدمر، ويلقي بأسباب ذلك على الدهر الذي قلبَ موازينه، وأقنعه بأن تلك الآمال المستعرة عليها أن تنطفئ، ولا بد له أن يرجع إلى حيث إبتدأ، مجرد مما غنمه وتمكن من إمتلاكه، فلا قيمة لما كسبهُ، وها هو يعود إلى ما لا يمكنه أن يتخيله من مصير ما عاد يتسع لمزيد من الحياة، وهذا تصوير للإنتقال من الأعلى إلى الأسفل.

10

وذيْ شَطاطٍ كصَدْرِ الرُّمْح مُعْتَقلٍ

بِمثلهِ غيْرَ هيّابٍ ولا وَكِلِ

وهنا يعود لنفسه يعنفها بكبرياء، ويحثها على الصبر والمطاولة والتحدي، ويقول لها أن لا تهاب المنايا ولا تخاف المخاطر، وعليها أن تبقى شامخة قوية الشكيمة، فلا يجوز لها أن تنحني وتنكسر، ولا بد من المواجهه بقامة مستقيمة ذات إباء، وروح قيادية راسخة.

11

حُلوُ الفُكاهةِ مُرُّ الجِدّ قد مُزِجَتْ

بقَسْوَة (بشدّةِ) البأسِ مِنْهُ رقّةُ الغَزلِ

يمكن القول أدركَ أنّه مزيج من متناقضات يعمل بموجبها عند مقتضى الحال، ويصف نفسه بأنه مرير جاد عندما تتطلب الحال ذلك كالحرب، وفيه رقة وحلاوة مع المُحبين والذين يتفاعل معهم بمودة وطيبة وأمان، وهو بهذا يكشف عن حقيقة ما يعتمل في أعماق البشر عندما يكون في موقع قيادي أو صاحب قرار يؤثر في حياة الآخرين.

12

طرَدتُ سَرْحَ الكَرى عَن ورْدِ مُقْلَتهِ

واللَّيْلُ أغْرى سَوامَ النَّوْمِ بالمُقَلِ

البيت يعبّر عن القلق وفقدان الأمان وعدم القدرة على النوم، فهو نائم لكنه في يقظة وإحتراز من الداهيات التي قد تداهمه وتقضي عليه، فهو يصارع النوم ولا يطمئن له، ويبقى نائما يقظانا متأهبا للذي يريد أن ينال منه، ليطردَ ما يراه خطيرا قد يحف به.

13

والرَّكْبُ مِيلٌ على الأكْوارِ مِنْ طَرَبٍ

صاحٍ، وآخَرَ مِنْ خَمْرِ الكَرى (الهوى) ثَمِلِ

تمتزج في البيت أحلام يقظة ونشوة تخيلات، مما يشير إلى محنة الحرمان والضنك التي يعيشها، فإستدعت التداعيات الجميلة التي تحاول أن تمنحه بعض الإحساس بالحياة وبحرارة وجوده وبأنه لا يزال حيا، ويمكنه أن يتمتع ببعض المُتع.

14

فقلتُ أدْعُوكَ للْجُلّى لتَنْصُرُني

وأنتَ تَخْذُلني في الحادِثِ الجَلَلِ

التعبير اليائس واضح في البيت، إذ يناشد مَن يتمنى أن ينصره وينقذه مما هو عليه من رزاءة الحال، ويرى أن لا فائدة من هذه الدعوة، لأن المدعو كمْ خذله في مواقف سابقة تستوجب النجدة والحضور والتفاعل الإيجابي، وبهذا يقرّ بيأس وقنوط أليم.

15

تَنامُ عنّي وعَيْنُ النَّجْمِ ساهِرةٌ

وتَسْتَحيلُ وَصِبْغُ اللَّيْلِ لَمْ يَحُلِ

لا يُعرف مَن هو المَعني بهذا العتاب أو التقريع، الذي يشير فيه إلى أن عليه أن يسهر من أجله ويرعاه ويحميه، لكنه لا يأمن جانبه، فهو يتغيّر ويتبدل، ويتقلب مع تقلب الأحوال، وتلك طبيعة سلوكية واضحة عند حواشي ذوي القوة والسلطان في أي مكان وزمان.

16

فَهَلْ تُعِينُ على غَيٍّ هَمَمْتُ بهِ

والغيُّ يَزجُرُ أحيانا عن الفَشَلِ

أرى في هذا البيت شكا بصاحبه أو المقصود في كلامه، وحالة الشك تتفاقم عند البشر عندما يمر بضنك وتحيطه المخاطر، وكأنه يقول له بأنه ربما يعين على شر يُحاك له، وبهذا ينقذ نفسه من مشاركته الفشل والإندحار، أي إنقلب عليه لأنه أصبح في حالٍ لا تجدي نفعا لظهيره.

17

إنّي أريدُ طُروقَ الحيّ (الجِزْعِ) من إضَمٍ

وقدْ حماهُ (حَمَتهُ) رُماةٌ (الحيّ)من (بني) "ثُعَلِ"

وهنا تتكشف معاناته ووحشته وضعفه وجزعه، فهو يتوسل، ويريد أن يأتي الحي ليلا متخفيا والطرقات التي سيسلكها يجب أن تكون محمية ومؤمّنة، وهذا ما لا يتيسر له وهو في محنته لقلة مناصريه، وهروب مظاهريه، وتلك آلية تفاعلية بشرية متكررة.

18

يَحْمُونَ بالبيض والسُّمْرِ اللَّدانِ بهِ

سُودَ الغَدائِرِ حُمْرَ الحَلي والحُلَلِ

هذا ضرب من التحليق الخيالي والنكران لما هو فيه، ويحسب وكأنه لا يزال كما كان عليه، ويؤمّل نفسه بأن محبوبته لا تزال تحبه وتتمناه، فهو الشجاع المدافع عنها بالسيوف والرماح، فلا يصدق ما هو عليه من إنكسار وإندحار ومصير مجهول.

19

فسِرْ بنا في ذِمامِ اللَّيْل مُعْتَسِفا

فنَفْحةُ الطَّيبِ تُهْدينا إلى الحِلَلِ

التعبير عن الغش والإختفاء واضح، فهو يريد منفذا، ويحلم أن يسير متخفيا بالليل، ويتمنى أن تكون معه أغطية تحميه من البق وغيره من الحشرات التي ستداهمه، وهو يسير في دروب وعرة ببحر الدجى الذي يتصور بأنه سيحميه من الأعداء، ويحلم بما لا يمكن وقوعه وكأنه يعلل نفسه بما تشتهي لكي تتقوى على الصعاب.

20

فالحُبُّ حَيثُ العِدى والأُسْدُ رابِضَةٌ

حَوْلَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأسَلِ

هنا إنتقالة خيالية لتقوية عزيمة المسير وعبور الموانع والتحديات، لأن الفوز بالغاية سيكون كبيرا ويستوجب هذا الجهد والمغامرة الخطيرة، التي ستتجاوز الأعداء بآلاتهم وأدواتهم ومخططاتهم وما يضمرونه من الإيقاع به وقتله.

 

د. صادق السامرائي

(يتبع)

 

محسن الاكرمينحين كان الكاتب يخطط للبطل أن يعيش وسط زوبعة من مآسي أمواج الحياة التراكمية، فوصف وضعه الحياتي" تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن". لحظة وأنا أتابع قراءتي لأحداث رواية "ريح الصدفة.. من جيل "كورونا" اللعين"، أحسست أن البطل انتفض من اسمه الافتراضي على الكاتب، ولم يعد يقدر على تحريكه مثل "الكراكيز" المسلوبة الإرادة والحياة التفاعلية، لم يعد يقدر البطل على لعب أدوار إرضاء "الكومبارس" المحتشد وتوزيع الابتسامات الماكرة والخادعة، ولا حتى أمام الجمهور في قاعة العرض بنهاية تصفيقات باهتة و أخذ صورة يتيمة.

اقتنعت أن  أتعاطف مع البطل الافتراضي وبدون خلفيات سلبية ضد الكاتب، حين وقفت عند أسئلة تصدر من حنقه وتكتسي مطالب احترام  الذات وتصورات الحياة الاختيارية بالحرية لا بالعنف الفيزيائي الرمزي. عندها  تساءل البطل ووجه استفساراته للكاتب: لما تلقي بي من مأزق لآخر دون أن تجد لي حلولا إيجابية أرتاح بها من كيد الحياة، ولو بالتقطع في الزمن والمكان؟ لماذا تعتبرني مسيرا في كتاباتك لا مخيرا؟ لما لا تحترم قدراتي العقلية، ومنطق التفكير تجاه الخير والشر؟ لما تحاول الفتك بي في نهاية الرواية بالموت المأساوي، لتنصع منه لحظة بكاء جماعية، وتصفيقات مدوية عن الألم والوجع؟

يقول البطل للكاتب: أنا من اليوم لن ألعب أدوار البطولة الموجهة منك بمحو ذاتي وتفكيري وكيان وجودي، فرغم أني من جيل الافتراض والخيال فإني أحمل قبسا من نور الصدق والخير،ويمكن أن أتحتمل الكذب والشر في كتاباتك ولو بالإرضاء والنفاق . أنا من تلقي به عنوة في حضن مصانع تدوير الأحداث، ولا تنصفني إلا بالموت عند نهاية الرواية . أحسست  عندها أن البطل رمى بقلم الكاتب الأسود وخاطبه " أسدي أنا باغي نعيش، باغي شوية ديال الحرية المسؤولة"، لما لا تكتب "" تأتي الرياح بما تشتهيه السفن" وأعيش مطمئنا على مسارات حياتي، ودون خوف الغرق والموت، والذي بات يراود حلمي المتكرر كلما رأيتك تحمل ذاك القلم الأسود وممحاة البياض.

حين انتهى البطل من ثورته الفزعة ولأول مرة في وجه الكاتب وأدوات اشتغاله وتنميطه للأحداث، حين خمد حنقه الزائد والمفرط من إحساسات ظلم الكاتب له في تسطير مجالات تحركه الافتراضي بالجرح والتعديل، وجدت بأن الحق بجانبه والأكبر، وجدت أن تفكير الكتابة قد تدنى من دبر السلبية والخوف من خبايا المستقبل، ويمكن أن يلقي الكاتب بالبطل في السجن مثل سيدنا يوسف ظلما، وجدت حتى أن في تعبيرات التعليم  قد علموا التلاميذ "لبس قدك يواتيك" علمومهم أن الطموح مستحيل بوجود مطبات تخفيض السرعة المتتالية، رسبوا فيهم الإحباط وصوروا المستقبل بحرب البطالة التي لا كر عليها، علموهم أن ابن الفلاح فلاح، وأن ابن الخراز إسكافي خريج من مراكز التكوين، وأن ابن الغني مقاول عائلي، ومنعش اقتصادي.

لأول مرة أرى أن البطل الافتراضي ينتفض على صانع أحداثه، وأصفق له وبدون توقف. لأول مرة أرى البطل يطالب برؤية ايجابية، وثقة في الغد والمستقبل وبدون تحكم من الكاتب. لأول مرة أصفق على البطل لا على الكاتب وأعترف له أنه كان يريد الحرية فقط، لأول مرة وددت أن أحصل على نسخة من رواية "ريح الصدفة... من جيل "كورونا" اللعين" موقعة من البطل الافتراضي لا من الكاتب.

 

محسن الأكرمين

 

 

"أجفان عكا" هو عنوان العمل الروائي الأول للكاتبة والصحفية الفلسطينية حنان بكير، الناشطة في مجال تدوين الذاكرة الفلسطينية، وابنة مدينة الأسوار "عكا"، التي شهدت ولادتها ولم تعرفها جغرافيًا، وعاشت منذ النكبة الفلسطينية في لبنان، وتنقلت بين بيروت واليونان والنرويج، وسبق أن نشرت الكثير من المقالات والتقارير والتحقيقات الفنية والأدبية والسياسية في عدد الصحف اللبنانية والخليجية والعربية.

وهذه الرواية التي صدرت طبعتها الأولى العام 2000 صغيرة الحجم، جاءت في 126 صفحة، لكنها كبيرة في معانيها وأبعادها ومضمونها، تعيد استحضار عكا في الذاكرة الفلسطينية، وتنعش القلب بالحب والعشق.

وهي تتناول التغييرات التي طرأت على ملامح وروح مدينتها عكا، التي لم تعد كما كانت يومًا " ليست تلك المدينة التي أحبّ، وجعلتنا نُحبّ أيضًا، ليست هذه عكا ولا عكانا ".

وبروايتها "أجفان عكا" أضافت حنا بكير اسمًا وعملًا روائيًا للمشهد السردي الفلسطيني، في مجال كتابة وتوثيق الرواية الفلسطينية، واستحضار النكبة التي ما زلنا نعيش مشاهدها وفصولها حتى اليوم، سواء بما يتعلق بموضوع الرواية  أو تقنياتها وأدواتها الفنية.

حنان بكير في هذه الرواية تنبش الذاكرة الفلسطينية وتستعيد حضور عكا، ببحرها وأسوارها وأسواقها وازقتها وآثارها ومكانتها التاريخية، وذلك كمكان غاب جغرافيًا، لكنه حاضر على الدوام ذهنيًا ونفسيًا. ونرى من خلال التوغل في مشاهد الرواية، كيف أن البطل أبو جابر العكاوي، الذي أرغم على الهجرة من عكا، وأستقر به المقام في مدينة اربد بالأردن، ابتعدت عنه عكا من الناحية الجغرافية، لكنها ظلت حاضرة في روحه وعقله وصحوه ومنامه وأحلامه، وقد رضخ لرغبة أفراد العائلة تسمية طفلته " أجفان " لكن  لم يكن سوى اسم " عكا " الذي لازمها طوال حياتها، وهذا التعويض النفسي لدى أبو جابر عن عكا جعله يوافق، حين كبرت ابنته " أجفان " على تزويجها من الفدائي " كمال " اللاجئ الذي قدم من المخيمات اللبنانية، رغم معارضة وعدم حماس الكثير من أهله وأقربائه لهذا الاقتران.

وتتوالى أحداث الرواية، وتسرد لنا تفاصيل قصة الحب التي ربطت بين "كمال" و"أجفان"، واستطاعت بكير تصويرها والتعبير عنها برومانسية واقعية مثيرة للغاية.

 وتظهر في إطار تنامي الحبكة الروائية، وعلى هامش نبش الذاكرة، ومن خلال تطور الاحداث، شخصيات أخرى أعطت الرواية تنويعاتها، كشخصيات نذير، ورسمية وزوجها عبد الفتاح.

وتعتمد حنان بكير في روايتها، بنجاح وقدرة فائقة،  أسلوبًا سرديًا مشوقًا جعل الرواية تحلق بعيدًا عن السردية التقريرية المباشرة المملة، بلغة رشيقة حية، وبفنية عالية متقدمة.

" أفنان عكا " عمل روائي سردي مبهر يستحق القراءة، ويظهر قدرة حنان بكير على تسجيل التفاصيل، وتصوير الأحداث، ورسم الشخصيات والربط بينها، وبين الزمان والمكان.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

عقيل العبودالأدب الثمانيني منارة تجمعنا، نلتقي تحت افيائها، نشترك معا في الحضور، لكي ندلي بما ينتابنا من احاسيس، عبر لقاءات يجمعها الحزن والفرح.

الكلمات تأخذ طريقها الى النشر دون ان نراها، مشاعرنا فقط تساعدنا في البكاء، لكي نلتقيها.

القصص تلك، كما الشعر مرايا تلتقط كل أوجاعنا لتصطف بها على شاكلة رواية اوقصة اومشهد درامي.

المسرح ذلك الخيال الذي يحلق مع دخان السجائر، اونكهة الشاي، هو الاخر كان يشاركنا العزاء في لحظات الموت، مع قاطرات ذلك الزمن، متجها من محطة الى اخرى.

الثمانينيات، صورها سيناريوهات تحكي قصة جندي يفارق اخر ضحكة تتودد اليه قبل ان يغادر الحياة.

أوملجأ يختبئ تحت جراحاته رجال لا يختلفون في بطولاتهم وشخصياتهم عن تلك الملاحم، التي رموزها بقيت في خيالاتنا منذ سبعينيات القرن المنصرم، يوم كنا نقرأ بعض روايات عن الأدب السوفيتي، حيث يغادر الأبطال اخر لحظة من لحظات الفرح، ليعلنوا نشوة الانتصار.

لذلك صحبتنا نحن الأدباء لم يكون يشوبها الكذب والتسكع، لم تكن مجاملاتنا يسكنها النفاق، ال Facebook لم نكن نعرفه، التكنولوجيا وعروض التحيات والاطراءات، هذه التي تفرض نفسها على دبيب علاقتنا اليومية مع هذا الزمان، لم تكن بيننا انذاك.

لذلك النقاء، والمحبة، والصدق، مقولات كانت تجمعنا تحت افيائها، تضمنا اليها مثل أم حنون.

الفقير فينا لم يكن يتردد في اعلان فقره، العاشق هو الآخر نشاركه العزاء، يوم لم يكن يمتلك الجرأة لمصارحة معشوقته.

مقهى ام كلثوم، حسن عجمي، المقهى البرازيلي، شارع الرشيد، ذاكرة ما زالت عامرة بالمحبة رغم ويلات الحرب التي أنهكها الخوف والحزن، والموت.

الثمانينيات أوسمة بقيت عالقة فوق صدورنا، نتنفس شذاها من اقحوانات نفوس عامرة بالخلق والإبداع، رغم تصدعات الوجع الآثم.

 

عقيل العبود

 

إذا كنت تجهل ثقافة مجتمعك فكيف تثقفه؟!

من خبرتي المتواضعة في القراءة والكتابة قبل الإنترنت وبعده وعبر المجتمعات العربية من الجنوب إلى الشمال ومن المغرب إلى المشرق لاحظت أن المثقفين العرب في مدن بلدانهم يجهلون الثقافات المحلية وفنونها الشعبية في مجتمعاتهم الأصلية فضلا عن جهلهم المستديم بثقافات المجتمعات العربية الشقيقة وربما يعود سبب الجهل الأخير إلى الحدود السياسية التي تعزل بين البلدان الشقيقة لكن ماذا عن الجهل الأول! ففي اليمن على سبيل المثال: قلما تجد مثقفا في تعز أو صنعاء يفهم اللهجة الحضرمية الحية لغة الحياة اليوم حتى وهو يعيش في المكلا. فحينما يأتي زائرًا غريب الشكل والسحنة على جماعة من الحضارم وهم في مقهى المدينة يتبادلوا الحديث في الشأن العام يكفي أن يهمس أحدهم بعبارة (سالمين كل تمر) ويصمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير. وقد يعيش المثقف القادم من قرية من القرى اليمنية في مدينة عدن نصف عمره ويخرج منها كما دخلها خالي الوفاض من ثقافتها ولا يفهم معاني كلمات أهلها وحساسيتها وهكذا شاهدت الحال في بغداد والجزائر والقاهرة والخرطوم ودمشق والدار البيضاء وفي مختلف العواصم العربية التي زرتها. ثمة جهل مزدوج يسبح فيه المثقف العربي؛ جهل بثقافة مجتمعه المحلي وجهل بثقافة المجتمعات العربية الشقيقة، بل والأدهى أن تجهد من ادعياء الثقافة الذين ينتمون إلى بيئات أجتماعية ريفية قبلية وقروية يحاولون بحرص شديد اخفاء ثقافة مجتمعاتهم المحلية الأصلية والظهور بصورة مدنية كاريكاتيرية حفاظا منهم على البرستيج😳وقد شهدت بنفسي بعض الحالات المحرجة للأكاديميين يعدون ذاتهم من كبار المثقفين حينما كان عليهم البحث في قضايا بالغة الخطورة والحيوية موجودة في ثقافات مجتمعاتهم المحلي. ففي أحد الأيام كان زميلا لنا مدعوا للحديث عن البنية الاجتماعية للحركة الحوثية في شمال اليمن فإذا به يقسمها إلى قسمين القبائل القحطانية والقبائل الهاشمية؛ الإشراف! فرد عليه مدير الحلقة باستغراب قائلا له : أول مرة في حياتي اسمع عن القبائل الهاشمية هذه تسمية متناقضة في جوهرها السادة الأشرف ليسوا قبائلا بالمعنى المنهجي الاجتماعي للبحث السوسيوجي. وقد وجدت أن الباحثين الأجانب في انثروبولوجيا المجتمعات العربية لديهم معرفة دقيقة جدا عن البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتنا المحلية التي نجهلها جهلًا يكاد يكون مطبقا للأسف الشديد. وهناك دراسات عديدة أنجزها الباحثون الغربيون عن مشكلة التقابل بين  الشفاهية والكتابية في الثقافات المحلية العربية الإسلامية في بلدان عربية عديدة منها اليمن، أهمها : دراسة الانتربولوجي الأمريكي (ستيفن كيتون) لقصيدة " الدعوى والجواب " في قبيلة خولان بين عامي 1979/ 1980م، ودراسته عن (صيغ السلام والتحية في المرتفعات الشمالية والتي نشرت بالعربية ضمن كتاب (اليمن كما يراه الآخر) بعنوان (سلام تحية: دلالات صيغ التحية في مرتفعات اليمن)، وهي أول دراسة اثنوغرافية لموضوع التقابل بين الشفاهية والكتابية في الثقافة اليمنية.أما الدراسة الأخرى فهي التي أنجزها الانثربولوجي الأمريكي (برنكلي ميسك) Messick Brinkley  بعنوان: (الكتابة العدلية : التناقض والاقتصاد السياسي في الوثائق الشرعية اليمنية) (ميسك، 1997: 225).هاتان الدراستان،على الرغم من اختلاف موضوعهما وأهدافهما، تسيران في الاتجاه الجديد للدراسات الانثروبولوجية التأويلية، والتي تعتمد المنهج المعروف (بأثنوجرافيا التواصل)، وهذا هو الاتجاه الذي سار عليه  فلاج ميلر  الذي درس التقابل بين الشفاهية والكتابية في قصيدة البدع والجواب اليافعية. ودراسة فلاج ميلر هي التواصل والاستمرار لدراسة أستاذه ومشرفه العلمي (ستيفن كيتون) عن قصيدة الدعوى والجواب في خولان، ومن ثم فإننا كي نفهم فلاج ميلر لابد لنا من فهم فحوى دراسة كيتون بالإشارة إلى أهم عناصرها. كتب ستيفن " بوصفي انثروبولوجيا مهتما بدراسة التخاطب في اليمن، فقد صرت مفتونا بثراء وتعقد الحدث الكلامي المتعلق بالتحية في اللغة العربية .... لقد أدركت تدريجياً أن عدداً كبيراً من الإشارات اللفظية، وغير اللفظية، في الحدث الكلامي تفصح عن قيم أساسية المفهوم الشخصي عند اليمني، ولكن الأكثر الأهمية من ذلك هو إدراكي بأن الحدث الكلامي (لا يعكس) أو يعبر عن الشخص فحسب بل (يخلقه)_الهلالين للباحث_ أثناء التفاعل الاجتماعي . أما كيف يتم هذا، فذلك موضوع هذا المقال" كيتون،1997: 161).

وفي دراسته لصيغ التحية عند السادة والقبائل توصل كيتون إلى ذلك التقابل بين الشفاهية والكتابية من خلال دراسة معنى التحية المنصوص عليها في القرآن الكريم،  في سورة الإنعام، آية 53 وسورة إبراهيم، آية 23 وسورة النساء، أية 86 . وكيف جرى استخدامها بمعناها الديني والدنيوي عند كل من السادة والقبائل، بما تنطوي عليه من صيغ وتعابير جاهزة متعارف عليها. كما لاحظ (فيرجسون) Ferguson 1976م، أن اللغة العربية تزخر  بمثل هذه التعابير الصيغية التي يستخدمها الناطقون بها للكياسة اللغوية والأخلاقية في التفاعل الاجتماعي من ذلك يمكن الاشارة إلى بعضها:

السلام عليكم                وعليكم السلام

لا باس عليك                لا باس عليك 

أهلا وسهلاُ                  اهلاً بك: حيا الله من جاء

كيف حالك                    والله في نعمة

مالك شي                     الحمدالله

صبحتوا                       صبحكم الله بالخير والعافية

عيد مبارك                    الجميع

القائم عزيز                        والجالس لا يهان  أو الجالس أفضل

قويت                              نجيت

صحيت                           عيّشك

حي اللحية                       حي لحيتك

السلام تحية                       أبلغت

كيف أحوالكم يا رجال           كفيت

 هذه الصيغ الايقونية للتحية وغيرها التي درسها كيتون في المرتفعات الشمالية هي تعبير عن أنماط التفاعل الاجتماعي في مجتمعين مختلفين : مجتمع السادة المنتمي إلى السلالة الهاشمية التي تنسب إلى الرسول الكريم (صلعم)، ومجتمع القبيلة المنتمي  إلى سلالة قحطان، رأس الإسلاف الذي يتناسل عنه العرب الجنوبيين. وهي تكشف عن قيمتين أساسيتين لكل من السادة والقبائل، قيمة الورع والتقوى عند السادة وقيمة الشرف والنخوة عند القبائل . إن تحية السيد  تشكل صورة للشخصية يكون فيها الورع مهيمناً إيديولوجياً على الشرف، والطريقة التي يستخدمها السيد في خلق صورة الورع وخلق صورته الاجتماعية هي محاكاة لنموذج التحية القرآني، أما تحية القبيلي التي يخلق بها صورة الشرف ويخلق بها صورته فهي التحيات المتكافئة . فالتكافؤ في التواصل هو أيقونة التكافؤ في العلاقات الاجتماعية القلبية، إذ أن رجال القبائل الراشدين غالباً ما يلفظون التحية بصوت ذي صرير صادح، وغالباً ما يكون متكلفاً، وتأويل ذلك انه يمثل دلالة على الرجولة والفحولة . فعلو الصوت أو قوته سمة هامة من سمات الأداء، وعلى العكس  فإن صوت السيد يبدو طبيعياً وأكثر ليونة، وقد ينخفض أحيانا إلى همس لايكاد يسمع . هذه الاختلافات في نوعية الصوت تؤشر أيقونياً إلى الشخص المغامر والمولع بالحرب مقارنة برجل التأمل الهادئ أو السكينة والتقوى والورع، أي القبيلي والسيد.وخلاصة دراسة كيتون أن أحد الأسباب التي تمنح الحدث الكلامي للتحية في المجتمع اليمني يكمن في إشارته إلى مفاهيم الشرف والتقوى، وهي قيم جوهرية في المنظومة الثقافية للسادة والقبائل .. وأن نمطاً محدداً من أنماط الشخص العام يتم خلقه في الحدث الكلامي للتحية؛ إذ أن الشرف يقتضي أظهار الاحترام للآخر والمطالبة باحترام الذات، ويتحقق هذا في شكل التحية المتكافئة وصيغتها، كما أن التقوى تستلزم التصرف وفق ما أوصى به الإسلام، ومنها التحية . ويترتب على ذلك أن التحية خلال تأديتها تخلق صورة الشخص الشريف والورع، والقبيلي والسيد. (كيتون، 1997: 166). وفي سياق متصل تأتي دراسة (برنكلي ميسك) التي أشرنا إليها أعلاه، كأصدق تعبير عن دراسة التقابل بين الشفاهية والكتابية في الثقافة العربية الإسلامية؛  إذ أشار إلى " أن الفكر الإسلامي قد شهد علاقة إشكالية ما بين الكلمة المنطوقة والنص المكتوب، وكما هو الحال في الغرب، تموضعت الإشكالية بشكل متناقض ظاهرياً  داخل غطاء من التقليد الكتابي. والحديث ذو شجون.

 

قاسم المحبشي

 

عصمت نصارهبطت طائرة "جحا" الخاصة في ميدان السيدة نفيسة، وذلك بعد انتهاء رحلته التنقيبية عن الـﭽين الوراثي (العصعص) لآدم عليه السلام أو أحد الأنبياء والقديسين، وذلك ليصنع منه دواءً للانحطاط الأخلاقي، وتطهير الأنفس من الدنس الذي استشرى بين الناس، وذلك بعد يأسه من تفعيل خطابات هرمس ووصايا الجبل، وأحاديث العشاء الأخير وخطبة الوداع للمصطفى، ذلك فضلاً عن أحاديث زرادشت وبوذا وكونفشيوس الأخلاقية.

فقد أدرك جحا أن خطابات الوعظ والارشاد لم تعُد كافية لإصلاح ما فسد، فالتطهير أصبح من الضرورات والحاجات المُلحّة للواقع المعيش. خرج جحا من باب الطائرة بصحبة طبلته وطرطوره وحنطوره، وراح يتفقد الناس من حوله، ثم أمسك بمحموله ليطمئن على حفيديه "يس" "ورقية" حيث يعقد عليهما الآمال وصلاح الحال.

وقد اختلق حشود المستقبلين أحد الرجال ويُدعي يعقوب الصيرفي:

يعقوب: وحشتنا يا جحا ومليون سلامات فين كاشاتك يا عمدة ورُزم الدولارات؟

جحا: جرا ايه يا خبيث ما الدولارات سحبتوها واتفقتوا على خراب بيت أمي والعيال تجوعوها، حتى الشيخ بندر واصحابه البهوات هرّبوا فلوسهم لبره بالفاكسات والتحويلات، ما هُمّا برضوا عاوزين يوقعوها مادام معرفوش ينهبوها.

وانبرى الأسطى صلاح مهنئاً بسلامة الوصول قائلاً:

صلاح: حديثك عن الكلامنجيّة عجبني بس مبطلوش، والبرلمانات والصحف الغربية ما بيهمدوش وكلام الناس عن الأطبة والشرطة وسواقين التكاتك، وتوتو العجيب، وقاضي القضاة، والقضايا المركونة، والعدالة المسجونة، وغياب الزيت، والغلة المطحونة، وكلام تاني ما أنزل الله به من سلطان، لا بيأكل جعان ولا بيسقي عطشان.

والكل بيقول بدون حرج بعد ثورتين والحال زي ما هو وما جاش الفرج.

جحا: أنا متابع يا أبو صلاح، واللي جاي أكيد أحسن من اللي راح، والدفة المكسورة بيعدلها الملاح، بس القضية أنه لوحده مفيش بحّارة تساعده بمجاديف، والفالح منهم مستني التكليف والخلاصة انه محدش عاوز يشتغل، وفاكرين اللقمة هيجيبها الجن من ورا الجبل، والمصريين نسيوا إن الأيد البطالة نجسة، والرزق ربنا بيبعته لما نخلِص في العمل.

وبعدين متنسّنيش إني عاوز أجيب هدية لماما، عشان البر والوفاء يبقالوا أمارة وعلامة.

على جنب الطريق كانت تجلس امرأة تُدعى "أم يسار" كلامها زي الدبش وعنيها بطقْ شرار..

أم يسار: عاوز هدية لأمك بلا وكسه، داهية تغُمك، اشتريلها الشرف أصلها بقت مفضوحة لا شرعية ولا دين وابنها اللي جبتوه بيلعب حلمبوحه ولا عارف يوكّل عيالها ولا يداوي المجروحة.

جحا: بتقول أشتريلها الشرف وأنتي الخُبث كله فيكي والرجس والدنس، وبتقولي إفيه ريحته قرف، يا وليه انتوا اللي خربتوها وكل ما تقيم راسها بإديكم القذرة بتضربوها، وبتستعدوا عليها الأبالسة علشان تضيعوها.

وعلى الجانب الأخر من الطريق وقفت الآنسة زهرة تُرحب بجحا:

زهرة: أقولك على هدية لماما، أقطف من عدن عشر وردات، الحب والعفة والحياء والصبر والتقوى والرحمة والأمل وعود فُل وزهرة الحنّا، وياسمينه من الجنة، واربطهم في صحبه، وجمّع عيالها اللي بيغنولها واللي بيبنوها واللي بيحموها عصبة.

جحا: كلامك جميل والهدية مناسبة ومعقولة والورد أبلغ دليل للود بس مش هيشفيها، ولا يوكّل عيالها ولا يمسح دموعها على الشهدا، ولا يسدد ديونها، ومتنسيش إنها عننا مسئولة.

ثم وقف جحا أمام محل جرجس للإلكترونيات، ودخل وقابله أبناء صديقه كرولس، وأخيه في الرضاعة وسأله:

جحا: إيه يا شباب هما مخترعوش لسه شريحة تنقذنا من العذاب وتشفينا من التنبلة والكذب والقسوة وتحول الطعمية والفول لطرب وكباب؟! شريحة تخُش العقل وترجّعه نضيف زي ما كان ما فيهوش خُبث ولا حسد ولا خيانة وتقوّي فيه الورع والشهامة والأمانة؟

أحد أبناء المعلم كرولس: شريحة إيه يا عم جحا؟ عاوزها للنت ولا اتصالات .. باين عليك بتحلم لا أجدادنا اخترعوها ولا الخواجات صنعوها .. اللي ينضف السراير وينقي الضماير إرادة من جوه وصّى بها موسى وعيسى ومحمد .. الشريحة اللي انته عاوزها اسمها التقوى.

وأحسن هدية نهديها لماما في عيدها صحيفة نكتبها بدمنا .. ونمضي عليها كلنا .. ونُقسم فيها على إخلاصنا ليها .. والعمل بإتقان علشان نحميها.

جحا: أنا مقتنع بس العهود بالفعل مش بالكلام، ومش بالأغاني ولا بالأفلام، تعالى أنا وأنته نلف على البيوت في كل حارة وشارع، مش علشان نلم معونة، ولا حق الهدية المكنونة، لأ علشان نحفّز كل إيد تعرف تعلم وتبني وبصوت الحق تكتب وتفهّم، وبكده بس نعرف نجيب الهدية ونبوس إيدين ماما وراسها ونسلّم.

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

شاكر فريد حسنياسين محمود حسن، صاحب الخط والحرف الأنيق الهائم، شاعر يغمد ريشته وحبره في روحه ودمه ويكتب، فيستدرج المعنى، ويغزل الحروف، ويسبك الكلمات، ويرسم العبارة عطرًا في قارورة القصيدة، ويتبارى مع الورد وشقائق النعمان بين ظلال الأجنحة المستنزفة من جراح الوطن وعذابات الفلسطيني الباحث عن هوية ووطن واستقلال.

وياسين من الشعراء الذين يكتبون منذ زمن بعيد، واعتبر من الأصوات الشعرية الجميلة التي برزت في المشهد الشعري وعلى ساحة الأدب والابداع في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وهو ينتمي لعائلة من قرية " الكويكات " المهجرة، عانق نور الحياة في طمرة الجليلية العام 1960، وفيها نما وشب وترعرع وانهى تعليمه الابتدائي والثانوي، تعلم موضوع الهندسة في معهد الهندسيين بالناصرة، ثم التحق في دورات بمجالات كتابة الخط العربي والرسم والغرافيكا والنحت وطباعة الحرير، ومارس الخط والرسم إلى جانب كتابة الشعر، وأفتتح فيما بعد مكتب للدعاية والنشر والطباعة.

كتب ياسين الشعر في مراحل شبابه الأولى، ونشر أولى تجاربه الشعرية التي حملت عنوان " يوم في سينا "، العام 1978 على صفحات مجلة " البيادر " الأدبية المقدسية، المحتجبة التي أسسها وأشرف على تحريرها الصحفي جاك خزمو، أطال اللـه بعمره، ثم راح ينشر كتاباته في مجلة " مشاوير "، المحتجبة أيضًا عن الصدور، التي كان يرأس تحريرها الأديب الراحل جورج نجيب خليل، ثم في صحافة الحزب الشيوعي " الاتحاد " و " الجديد " و" الغد ".

وأخرج ياسين ديوانه الشعري الأول " من أغاني الشهداء " وهو في جيل مبكر، وفي حينه كتبت عنه مداخلة نقدية نشرت في مجلة الشبيبة الشيوعية " الغد " المحتجبة. ثم صدر له عن دار القبس العربي في عكا العام 1984 ديوانه الثاني " المرأة التي تسبح حتى الرماد ".

وفي قصائده التي كتبها في تلك الفترة الثورية العاصفة، عبّر ياسين حسن عن مواقفه وأحاسيسه وروحه الوطنية والإنسانية المفعمة بالحب العميق الصادق لوطننا الغالي وناسه الفقراء البسطاء، وعن هموم الوطن ومعاناة شعبنا تحت سياط القهر القومي والعنصرية البغيضة، ملتزمًا مواقف القوى الوطنية والتقدمية والسياسية الفاعلة في الشارع الفلسطيني في الداخل. وعرف من خلال قصائده الوصفية المتمردة كشاعر ملتزم بقضايا الوطن وهموم شعبه، وكتب بريشته ومداد يراعه الأشعار الجميلة للوطن والشهداء والمرأة والجياع والفقراء.

ومن معالم تجربة ياسين حسن البحث الدائم في طبيعة العلاقة الجدلية المتوترة بين النص والمبدع، وهو لا يقف عند وصف هذا التوتر الشعري بل يدور في فلكه بل ويتخطاه بدخوله للتفاصيل حتى تغدو صوره الشعرية مدهشة وظاهرة إبداعية، فيقدمها بقالب فني بديع، وبحلة قشيبة، إنسانية الرؤى والأبعاد، شاملة الطرح، تستلهم التاريخ والتراث والحدث وعناصر الحياة وفضاء الشعر وجمالياته.  

ياسين حسن شاعر غني وثري بمفرداته وكلماته وأنامله الحريرية وروحه المرهفة الحالمة الملهمة من كنوز الخيال وثراء الروح، وحين نقرأه نستشعر في غاية من السحر والجمال والطلاوة والأبداع.

وفي نصوصه الجديدة نجد احساسات وجودية واستباقات استشرافية تعبر عن نفسه القلقة المضطربة، مرهفة الاحساس، النازعة للجمال الكوني، مازجًا بين الرومانسية والواقعية، معتمدًا على عمق الفكرة والرؤيا بعيدة الأفق، ومعانيه مكثفة تحوي الكثير من الإيحاءات، وتحفل قصيدته بالانثيالات الرمزية المفعمة بالبعد النغمي، المنسجمة في تلابيب جملته الشعرية، ولا يغفل في ذروة اهتمامه بالإيقاع صوره الشعرية الجديدة المبتكرة، الموحية والدالة، التي تحمل في دلالتها أحيانًا بدلًا من ايقاعها.

ومقارنة بين ما كتبه ياسين في الماضي واليوم، بين القديم والجديد، نجد ونلمس فارقًا واضحًا، وهذا بالطبع نابع من غنى التجربة والتطور الفني والاستفادة من الأخطاء والهفوات السابقة، والتجديد في معانيه وفكره، وخصوبة خياله والارتقاء بملكته وأدواته الشعرية.

وإليكم نموذجًا من كتاباته السابقة، ونموذجًا آخر من كتاباته الجديدة. ففي قصيدة له بعنوان " الجسر " يقول :

تعال !

وأسمعها من خيام الزمان البعيد البعيد .. تنادي:

تعالى اليّ ..

أنا منهل الشهد والمجد والبرتقال

تعال .. أنا النهر

تمضي مع الريح ..

يغسلها الجرح تحت رموش الرماح

فتمخض بحرا ..

يوّحد بين المدى والجراح

وتركض في ساعديّ

_ تقدم ّ !

تخطّ الظلام .. تخط الكلام .. تقدّم !

أروقة الغوث .. والنائمين ..

الموانئ الصناديق والمهزلة

جميع العصافير تنمو

ولا تعرف اللوز .. والموز

لا تعرف الشمس .. والشوكة المقبلة

وتحفظ طعم الجراح ..

ونار الرماح ..

واحلامها قنبلة

أنا الجسر والنسر والسنبلة

أما من نصوصه الجديدة فاخترت نص "موطني"، وفيه يقول:

مَوْطِنَ الرّوحِ يا كِتابَ الأَماني

وذُرى الطُّهْرِ ، قِبْلَةَ الإيمانِ

مَنْبعَ المَجْدِ لا يزالُ هواكَ

يَعْرُبِيًّا من غابِرِ الأَزْمانِ

غَرَّدَ الطَّيْرُ في رُباكَ وغَنّى

والسَّنا داعبَ النَّدى بِحنانِ

***

مَنْبَتَ الحُسْنِ في كلِّ حينٍ

أنتَ للعِزِّ مَعْلَمٌ ومعاني

كيْفَ أنْسى تُرابَكَ وهوَ مِنّي

وأنا مِنْهُ هيْكَلي وَبَناني

ما أُحَيْلى السَّماءَ إِذْ تتَجَلّى

وَسْطَها بالسَّنا ملائِكُ الرَّحمنِ

قُدْسُكَ الشَّمّاءُ يا لِهَواها

يُعانِقُ النَّفْسَ لا يُجافي لِساني

آهِ أَقْصايَ ، أنْتَ قِبْلَةُ روحي

كنائِسُ القُدْسِ تَوْأَمٌ لِجَناني

إِنَّ أسْواقَها، سورُها وثَراها

جَنَّةُ الأَرْضِ، مِنَّةُ الرَّحْمنِ

***

مَوْطِنَ الرّوحِ يا كِتابَ الأَماني

وَمُنى القَلْبِ مُلْتَقى الأَدْيانِ

ما اخْتَرْتُ لَوْ خُيَّرْتُ غَيْرَ هَواكَ

أَوْ نَفوني لَعِشْتَ في أَجُفاني

ياسين حسن صياد ماهر يعرف كيف يصطاد الكلمات، وملاح يرتاد البحر هادئًا أم هائجًا، وفي قصائده الكثير من الخصائص الفنية والجمالية، وهو في كل ما كتب يثبت أنه يحمل امكانيات الالتقاط السريع إلى المعايشة الكافية عبر لغة شعرية متميزة ورشيقة، وقدرة على تلمس الألم نفسه داخل الألم.

وفي المجمل يمكن القول، ياسين محمود حسن شاعر في رسوماته، ورسام تشكيلي في شعره، وعلى امتداد مسيرته الشعرية متمسك بماء الوجه وعزة النفس والصدق والأصالة والبهجة السعيدة بالإبداع بمعناه الشامل، بعيدًا عن الصخب والضجيج الإعلامي والنجومية الزائفة والمظاهر السطحية، لم يعرف المداهنة ولا التملق ولا التسويق، ولذلك بقي في دائرة الظل، ولم يأخذ حقه من الاهتمام النقدي.

فللصديق القديم الجديد ياسين حسن كل الحب، وخالص التحيات، متمنيًا له عطاءً سيالًا وإبداعًا متجددًا وتألقًا أكثر في المشهد الإبداعي الحقيقي.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

احمد بلحاج اية وارهاملا أحدَ منا لا يُطالِب بالحياة إلى الأبد، بدون أن يرى جمالَ الشيخوخة، ويدَ الزمن وهي تُحَوِّل الأجسادَ إلى ما يُشبه خِرقةً مَمْضوغةً، وبأنْ يُحبَّه الجميع ، وبأنْ لا يَرتكبَ أيةَ أخطاء، وبأن يَبقَى جميلاً على الدوام.يَحصُل عل كل ما يَعتقد أنه حقُّه الشخصيُّ، غيرَ مُبالٍ بخيوط الأوهام التي تَجرُّه خُفيةً إلى كهفها كضَبُعٍ لا مَرئيةٍ، ولا غيرَ مُنتبهٍ كذلك إلى فحيحِ المرَض، وهسيسِ الوحدةِ اللذين يقتربان منه.فيَمضي رافضاً أوْجُهَ الأذَى والقُبحِ التى يراها، مع أنها تَختبئ في داخله، ويَتعجُب لماذا يُعاني في الحياة؟، ولِمَ لَمْ يساندْه وعيُه في الخروج من دوامة الظلام؟.

ليس الوعيُ قطعةَ رغيفٍ نُسكِتُ بها جوعَ المآسي التي تنزلُ ضيوفاً علينا، وإنما هو ماءٌ بسيطٌ، شَفافٌ للغاية، لا يَحتاج إلى شيءٍ آخر، ليُحَوِّل حاملَه منه إليه.فهو ليس شيئاً يُمكِن التأثيرُ عليه بهذا أوبذاك.وأكيدٌ أنه عندما نَحْيا انطلاقاً من وعيٍ نَقيٍّ لا نَتأثَّرُ بماضينا، ولا بحاضرنا، ولا حتى بمستقبلنا، ولو طبَّقناهُ على أسئلتنا ومَهَمَّاتِنا لَتَعلَّمْنا كيف نَتَحكَّمُ في جَوادِ الحياة الجامحِ، ولَعصَمَنا من اللجوءِ المُخادِع إلى التَّصوُّر المُعشِبِ بالخُرافة، والتخَيُّلِ المسَرْبَلِ بالسَّراب، وفَتَحَ لنا بابَ القُدرة على اختراقِ الضَّباب الذي نَعيشُ فيه.وإنَّنا عندما نُرَكِّزُه على شؤوننا اليوميةِ المُلِحَّة نَكُون قد نَحَّيْنا الذاتَ الزائفةَ من وجودنا، وجعلْنا الأنا يُخْلي الطريقَ أمام شيءٍ آخر مُبهجٍ.فأخطرُ ما في الأنا هو اعتقادُه أنه يَفهم كل ما في الوجود.

بهذا كنتُ أُفكِّر، وأنا أَخِيطُ بجسدي؛ مع صاحبي الإسكافي؛ الأزقةَ والشوارعَ صوبَ الشاطئ، وكأننا في سِباقٍ محمومٍ لا ينتهي أبداً مع أنفُسِنا، وأظنُّ أننا لن نَصِل البحرَ، أيّاً كانت سُرعتنا، وأيّاً كان المستوى الذي بَلَغُه ذكاؤنا، فالبحرُ هو السعادة، ونحن لا نعرِف أبجدية السعادة في الحياة اليومية، لكوننا لم نَبْدأ بعدُ بإدراك مَدَى ضآلةِ مَعرفتنا بكيفيةِ مُساعدةِ الآخر على النمو.

ضاقتْ نفْسُه بالمَشي إلى هدفٍ لا تصل إليه الروحُ، فَزَفرَ بحَنقٍ:

- مُضجرٌ هذا الطريقُ الذي لا يُضيئه أي كلامٍ، هل أنت مُنزعجٌ؟وهل تبحث عن شيء ما غير البحر، وتُخْفِيه عني؟!

- أُحَاوِلُ أن أصلَ إلى لُبِّ الطريق، ولكن ردودَ أفعالك تحجُبُه، فهل بَنَيتَ حياتك كلَّها على ردود الأفعال؟فعاقَبَني الزمنُ بصُحبتِك، وعمِلَ على إخفاءِ لُبُّ الطريق عَنِّي؟!

- عن أي طريق تتحدثُ يا هذا القادمُ من لغة النسيان؟ وما هو؟

- العقلُ العادي هو الطريق، يا مَنْ أفنيتَ عمرَك في خصْفِ ما يُساعد الأقدامَ على السَّعْيِ، ونَسِيتَ خَصفَ ما يُعِين الرؤوسَ على التفكير والتدبُّر.

- هل نُحاول السعيَ إلى البحر أم نُحاول السعي إلى العقل؟!

- لن تَبلُغ البحرَ ما لم تَسْعَ خلف العقلِ أولاً، وكلما سَعيتَ إليهما ابتعدا عنك، وتلك هي مِحنتك ومِحنتي، فالحياة هي مِعطفٌ، تَكرَهُ فئةٌ من الخَلْق أن نلبسَه، وأن نزاحمَها فيه، ولا تَدَعُ حتى لعُشبَةٍ صغيرةٍ فرصةَ النُّموِّ فيه.

- فكيف لي أن أعرف الطريق إذن ما دام يَبتعدُ؟.

- ليس الطريق بمسألةِ مَعرفةّ أو عدمِ معرفةٍ، فالمعرفةُ وَهْمٌ في ثَوب الحقيقة، وعدمُ المعرفة تَشَوُّشٌ صافٍ كالمرآة، يُريكَ ما خفيَ من ظِلِّك. ولذا فنحن في حيرةٍ غراءَ، وعندما نصل حقا إلى الطريق الحق الذي لا تُشرق فيه الظنونُ بأشباحها ، سنكتشفُ أنه فسيحٌ، ولا مَحْدودٌ كما الفضاء، وأننا لن نستطيعَ الحديثَ عنه وفق مفهُومَيِ الصواب والخطإ، ووفق مفهومَيِ الحَدْس والاستبطان.بل سنُدْرك أن تصوُّرَنا عنه ما هو إلا خيالُ ماءٍ لمْ يتمَدَّدْ في الأرض بعدُ.

ومن هنا يأتي الإرباك إلى عقولنا مُتلَبِّساً بصورة الأشياء، ومُوهِماً لنا بأن أفضل أيامِ حياتنا هي تلك التي لا يَؤُودُها هاجسُ الطريق، حيث نُرانا نعمل بهِمَّةٍ مَحمومةٍ على التحكُّم في الظروف، وعلى ردْمِ مَنابعِ القلقِ، والاستحواذِ على ما نُريد، مُتَخَيِّلِين أنَّنا بذلك نتحكَّم في سَيْرِ الأشياءِ.وهل حقيقةً نستطيع التحكُّمَ في الظروفِ، وتطويعَ الأشياء لصالح رغباتنا؟!.

إن جزءاً من الجواب يكْمُن في تصَوُّرِ ما نريدُ تصوُّراً صلباً، ثم اختيارُ طريقٍ أمثلَ للحصول عليه، وتعَلُّمِ طَرِيقَةِ تَمكينِ أنفسِنا في العالَمِ، دون أن نُلْقيَ بالطفلِ؛ الذي هو مُتَملْمِلٌ ومُفعَمٌ بالحياة في أحنائنا ؛داخلَ سِجْنٍ بلا قضبانٍ، ونَخالُ

أننا نُحْكِمُ السيطرةَ على حياتنا طُولاً وعَرْضاً، وأننا نعرف جوابَ كل شيء.

- فارِقْني يا هذا، لقد صار رأسي مِرجلاً بفلسفتِك، فلا تُصاحِبْني، ولا تَتَّبعْ خُطايَ، فَلْتبْحثْ عن السبيلِ التي سكَنتْ عقلَك، ودَعْني أخْتَرِ الطريقَ التي تُناسبُ قدَمَيْ رُوحي.

بهذا عبَّر صاحبي الإسكافي عن سُخطتِهِ ومَرارتِهِ من السير معي، وانطلق مُبحِراً في هواجسه، وبقيتُ سائرا وحدي تحت نشيشِ تأمُّلاتي كوعلٍ، أَسْتَنْطقُ الصمتَ، وأحلُبُ بقرةَ النهار التي تنفُث صَهدَها في ذاتي، وأمشي نائماً، لأُراوغَ الأفكارَ السلبيةَ المضطرمَة فِيَّ، وكأنِّي أمشي على نَفْسِي المقلوبةِ، لا صُوى تَهْديني، ولا أشجارَ يأويني فَيْئُها مِن حرارةِ هذه الظلمة التي بدأتْ تتشكَّلُ كجنينٍ زَرَعُه في جَوفِي غَباءُ التشَبُّثِ بالعابرِ.أَسِيرُ كمَن سُمِلُتْ عيناه الباطنيتان اللتان لم تَخدعانه قطُّ، وتُرِكَ إلى قَدَرٍ ليس في مُكْنةِ عَينَيِ الرأسِ استجلاءَه .كلما اصطدمْتُ بشيءٍ دون قصدٍ، ودون رؤيتِه، لَعَننِي.

هل غَدَتِ اللعنةُ خُبزاً نقتاتُ به في كل خطوة نخطوها في حياتنا، لِمَ لاَ تَفسَحُ لنا اللعنةُ الطريقَ لنمرَّ وهي تعلَم عجْزَنا عن الرؤية؟!أكيدٌ أنها بِنتٌ وقِحَةٌ رضَعَتْ من أطْبَاءِ ذئبةٍ عمياءَ.وأنا لا يهمني أكان الأمر هكذا أم بالعكسِ، كل ما يهمني هو أن أَسبِق الإسكافيَّ إلى البحر، فهو مَاكِرٌ، وإني لأكادُ أجزم بأنه الآن يلهثُ تعَباً ليُنَفِّذ غير الذي أبداه لي، فنفْسُه مِخرزٌ لا تَهْدأُ إلا إذا ثَقَبَتْ جِلداً، سواء أكان جلدَ ماعز أم بقرٍ، أم جِلدَ كلبٍ أم حمارٍ أم دُبٍّ أم تمساحٍ، فالجلود كلها متساويةٌ لديه، ما دامتْ مدبوغةً، لا بقشورِ الرُّمان، وإنما بقشور الزمان. ولذا سَأَزيدُ مِن سُرعة جسدي لأصِل قَبْلَه إلى الهدف.ضَغَطْتُ على مُوَلِّدِ السرعة، فسمعتُ صوتاً مُزَمْجِراً يَسْرِي في بَدَني:

- إلى أين أنت ذاهبٌ؟

- إلى نفسي، أَصدُقُكَ القولَ

وأحسستُ بعيونٍ خَفيةٍ شتى تتفحَّصُني، وبِيَدٍ تربتُ على كتفي، وتهمسُ:

- وأنا أيضاً، فَلْنَذْهبْ سَوِيَّةً إذن.

وَاصَلتُ السيرَ صامتاً مع اليد المجهولةِ، في شارعٍ متَّسخٍ مُغْبَرٍّ، تتنفسُ على ضِفتَيه الساعاتُ بكسَلٍ ، وتَجْتَرُّ ما أكلتْه من أحلامٍ قبل أن تُعَكِّرَ مِزاجَها أقدامٌ فَظَّةٌ.نَسِيرُ ولا نسمَعُ غيرَ دَندَنةٍ خَفيفةٍ آتيةٍ من غير مَا جِهَةٍ، طَعمُها لذيذٌ كطعم

الهواء المالحِ في رِئَةِ فجْرٍ صَيفيٍّ، وحين اختفَتِ الدندنةُ قَرَصَتْنِي اليدُ، وقالت:

- استيقظْ أيها الماشي نائماً، ها نحن وصلْنا إلى الشاطئ دونما دليلٍ.

لمستُ كتفي، فلم أعْثُرْ على اليد التي كانت مُسْتَلقيةً عليه، وفَرَكتُ عَينيَّ لأُبْصرَ، فإذا الإسكافي فوق بساطٍ أخضَرَ يُغَنِّي، ويُلَوِّح لي بابتسامةٍ ، وحدها أمواجُ البحر المتراكضةُ على الشاطى قد تَعْرِفُ فكَّ لغزِها ، أمَّا أنا فلا.فصاحبي هذا بكل مُكَوِّناتِه لُغزٌ يَخْدَعُ بالوُضُوح، فهو يَجْعل من لا شيءَ فِعلاً حيويّاً متدفقاً بِطَاقَةٍ حيويةٍ، ظاهرُها كسَلٌ، وباطنُهَا تدميرٌ.

زَرَعتُ نفسي بقُرْبه، ودخلْتُ في حالةٍ من التأمُّلِ مُزْمِنةٍ، فقَدْتُ معها كل اشتهاءاتي، ومنها الرغبةُ في أن تَكُون الأشياءُ مختلفةً عمَّا هيِ عليه، وفي قضاءِ وقتٍ هادئ بمفردي مع الأنغام التي تعزفها الأمواجُ برحابةِ صدرٍ، لا يَمْلك منها الكائنُ البشريُّ شِبْهَ ذرَّةٍ واحدةٍ.ولقد أدركتُ للتوِّ أن أيَّ شيءٍ يأتي إلى حياتنا ليس شيئا آخرَ غيرَ ذاته هو، وأنَّ(الأنا) إذا فكَّرتْ في أغوارها لن تُفَكِّر إلا هكذا.

فلِمَ نُوجِعُ أنفسَنا بمحاولة إصلاحِ الأشياءِ، وإصلاحِ الناس، فالطبيعةُ كفيلةٌ بالقيام بذلك.ومِن هنا لمعتْ نجمةٌ غريبةُ اللونِ في ذِهْني، ووشْوَشتْ بأنَّ صاحبي الإسكافي ما هو إلا انعكاسٌ لي، وأنَّ كلَّ شيءٍ يَحْدُث في حياتنا هو كذلك انعكاسٌ لأنفُسِنا، وخصوصاً الأشياءَ التي نُحاول الابتعادَ عنها، والأشخاصَ الذين نحاول كذلك خَلْقَ مَسافةٍ بيننا وبينهم.

هل أَكُون ساذَجاً إنْ فكَّرْتُ بصوتٍ عالٍ في أنَّ الإسكافيَّ هو أنا، أُزعِجُ الناسَ، وأثْقبُ الجلودَ، وأتخبَّطُ في ماءٍ بين شعورَين:الابتعادِ عنهم، أو الاقترابِ منهم جِدا؟!لَمْ أتردَّد في الاقتراب، فمَسَحتُ الأُفقَ بعَينَيْ عُقابٍ، وقُمتُ إلى صاحبي حيث هو، فَعانَقتُه مُدَنْدِناً في أذنه اليسرى التي بقيَتْ مُستَيقِظةً في رأسه:

(كأنما لم أكن عائدا

من أسفار سحيقةٍ

حين ارتميتُ في ظلالكَ الثكلى

هدأتْ جوارحي

في اتساعِ المكان،

كانت الأرض الضيقةُ

وكان نحيبُ الراحلين.

**

هكذا يُغدِق الغيم على بنيه

وقد رحلتُ بعيدا في نزواتك

فأدركتْني الظهيرةُ

في الربع الخالي،

فيممتُ شطرَ وجهك الأنقى

مَوْئلِ القسوةِ

وتاجِ طفولتها،

ووجدْتُك.)*

فصِرْنا نُغَنِّي ونرقصُ فوق الرمالِ كموجتَين مَشبوبتَين بالفرح، لا يَشغلهما التفكيرُ في الطريق، فنحن الطريقُ والغايةُ، والحياةُ مِعطَفنا، لن نتركَه يَسْقُطُ مِنَّا في العدم، ولن نمنَعَ العُشْبَ من النُّمُوِّ فيه، وإذا أمطرتْ نترُكُها تُمطِرُ، وإذا عصَفَتْ نتركُها تعصفُ.

وإذا وجدْتَ نفْسَكَ فلا تَهْتَمَّ بأيِّ شيءٍ، فأنتَ مَحَجُّ الأشياءِ كلها.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

........................

*سيف الرحبي:حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماءٍ مستعارة، ط1، سلسلة(كتاب دبي الثقافية)، الإصدار 30 منشورات دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي، نوفمبر2009م، ص ص:79، 78.

 

 

اميرة مصطفى محمودتبدأ الحلقة بمشهد غير متوقع ومثير للجدل في آن ما بين البطل زين وقائد القوة التي اتضح أنها مسالمة وليست أمنية اعتقالية. والمثير للجدل هنا والذي ربما يستنكره البعض ويؤيده البعض الآخر، هو ذلك الحوار الشخصي إلى حد كبير الذي دار بينهما وكيف أنه أُجري ببساطة على مسمع الموظفين والعاملين بالمكان. فبالطبع لن يصرفنا الزووم المُركّز على الرجلين، عن أن المشهد فعليا يوجد بخلفيته أشخاص آخرون هم العاملون وعلى رأسهم موظف الاستقبال خاصة، وأن ذاك القائد الصديق كان ابتدأ حديثه موجها أسئلة لزين موليا له ظهره إذ كان لا يزال على وقفته قبالة موظف الاستقبال ولذا يبدو ذلك التصرف غير احترازي. ولا أتفهم رؤية المخرج كونه مثلا لم يشأ أن يؤجل ذلك الحوار حتى ذهابهما من المكان العام بعد أن يدبر خدعة اعتقال زين، بشكل رسمي، بتهمة التزوير تلك ولا أظنه بطبيعته كان سيقاوم أو يهرب!

وجدير بالملاحظة اللهجة المختلفة لذلك القائد الصديق ولا أعرف إن كانت ذات مغزى أم لا!

كما أن الدورون الخاص بهم اتضح أنه داخليا أكثر فخامة من نظيره الأمني سابق الذكر مما يؤكد على صحة الملاحظة الأولى الخاصة به مما يضع احتمالية أن يكون التصميم السابق مقصودا، وبشكل عام فإن الديكور الخاص بالواحة تلك وتصميمها يعكسان مستوى لائق من التقنية المتوقعة بهكذا عصر.

ويبدو سير الأحداث منطقيا بما فيها موقف زين وإصراره الطويل على رفض التعامل معهم حتى يطمئن على زوجته وابنه، وأيضا التفاصيل الفجائية بخصوص تنويم زين الطويل لمدة أسبوع لأجل دراسة وتحليل مكعب الطاقة اختراعه وإن كان المؤلف اعتمد على عنصر الصدفة أو الحظ في ذلك على ما يبدو وإلا ماذا كان ليحدث لو أن هذا المكعب لم يكن موجودا معه بالصدفة وقتما جاؤوا به، ومن قبلها ماذا كان ليحدث أيضا بخصوص مسألة نفاد الطاقة بالمستشفى لحظة وصوله هناك بزوجته!

وأما عن أداء شخصيات الواحة بالأخص المهندس شاكر وماجيد، فكان أداءً متقنا جادا على اختلاف طبيعتي الشخصيتين. كما أن الحوار ما بين زين والمهندس شاكر كان مميزا وأبرز غرضا من المنطقية والأهمية والخطورة، ما يجعله سببا وافيا لتتبعهم ومن ثم خطفهم المقَنَّع لمهندس طاقة مخترع بارع من شركة منافسة، ومن ثم سببا حيويا أو نقلة بحد ذاتها في تطور الحبكة!

وأخيرا نظل على إعجابنا بالأداء الآلي المدهش للفنان يوسف الشريف العاطفي المُعبّر والجامد بتعبيرات الوجه في نفس الوقت والذي يعطي انطباعا وانعكاسا آليا مقبولا إلى حد كبير. لكني تفاجأت في نهاية الحلقة، بالسرعة التي تم بها اكتشاف الروبوت أو بمعنى أدق خروجه عن حيز صباح المكاني الآمن وهذا إن دل على شيء فإنما يؤكد على زخم الأحداث وكثافة التفاصيل بالعمل.. الأمر الذي لم يضطر المخرج إلى الوقوف كثيرا عند تلك المرحلة من باب التطويل في المشاهد. وإن كنت كمشاهد وددت لو كان ثمة بعض مشاهد إضافية أخرى بينهما ربما تعاطفا مع شخصية صباح أو ربما كهدنة أو فاصل قصير من العاطفية والهدوء نلتقط فيه أنفاسنا كمشاهدين من صخب الكر والفر والإيقاع السريع للشر! 

 

أميرة مصطفى محمود

 

محمد عبد الكريم يوسفللشاعر بابلو نيرودا

ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

مقدمة: نود اليوم أن نتشارك معكم قصيدة : "أغنية لزيت الزيتون" للشاعر بابلو نيرودا الذي أعلنه غابريل غارسيا ماركيز كأعظم شاعر في القرن العشرين على مستوى العالم وبكل اللغات . يقول بابلو نيرودا في مجلة الشعر كابالو فيردي : فليكن هذا هو الشعر الذي نبحث عنه ...الشعر النجس مثل الملابس التي نرتديها  أو مثل أجسادنا الملطخة بالحساء الملوثة بسلوكنا المخزي وتجاعيد حياتنا وسهراتنا وأحلامنا وملاحظاتنا ونبوءاتنا واشمئزازنا وحبنا وأفكارنا والوحوش داخلنا ومواجهاتنا و ولايتنا السياسية وشكوكنا ويقيننا والضرائب التي ندفعها ."

تنتمي قصيدة " أغنية لزيت الزيتون" إلى مجموعة الأغاني الأولية لعام 1956 وقد أضيفت القصيدة إلى هذا الديوان بناء على اقتراح ميغيل أوتيرو سليفا ، المحرر في صحيفة "الوطني" الصادرة في كاراكاس  . وقد بدأ الشاعر في كتابة ديوانه  في الصحيفة بشكل أسبوعي  . يقول نيرودا: "وبهذه الطريقة تمكنت من نشر تاريخ زمني لقصائد متنوعة تتحدث عن الحرف المهنية والناس والفواكه والورود والحياة ورؤيتي للنضال . في الواقع لقد مكنني ذلك من أن أقوم بما قمت به من خلال الحافز الإبداعي الدوري في الصحيفة. "قد أكون نجحت في ترجمة القصيدة للعربية وقد أكون أخطأت ، لا أحد ينجو من اللوم في عالم الإبداع لهذا السبب نرحب بكل مساهمة أو اقتراح لتقويم الترجمة .

***

أغنية  لزيت الزيتون

 

هناك بجوار الوشوشات

في حقول الحبوب ، وأمواج الرياح

التي تحتك بسيقان الشوفان

تنتصب شجرة زيتون

مكسوة بغطاء فضي

واضحة خطوطها

وقلبها راسخ في الأرض:

بحبات الزيتون

المباركة

المصقولة

تحملها ذراعان

تجعل

حمائم السلام

وحلزون

المحيط:

خضراء

كثيرة لا تحصى

طاهرة نقية

كحُلًمِ

الطبيعة .

وهناك

في

بساتين الزيتون

الجافة

حيث

تتواجد السماء الزرقاء

وحشرة زيز الحصاد

وحدهما

هناك

الأعاجيب

والكبسولات

الكاملة من

حشوات الزيتون

مع الأبراج وأوراق الشجر.

وفي وقت لاحق

حيث الطاسات

والمعجزات ،

و زيت الزيتون.

أنا أحب

موطن زيت الزيتون،

وبساتين الزيتون،

في تشاكابوكو ، في تشيلي

في الصباح،

يطير الريش البلاتيني

مئات منه

نحو تجاعيد

السلاسل الجبلية.

هناك في أناكابري حيث العلى

على أنوار البحر الإيطالي

إنه اليأس من أشجار الزيتون

وعلى خريطة أوروبا

وتحديدا إسبانيا

هناك سلة سوداء مليئة بالزيتون

معفرة بغبار أزهار البرتقال

كما لو كان نسيم البحر

من زيت الزيتون،

حالة من السمو الداخلي

لقدر الطهي

منصة للطيور اللاهية

مفتاح سماوي للمايونيز

اللطيف واللذيذ

فوق الخس.

شيء ما خارق للعادة في الجحيم

من أتباع الملك مثل الأساقفة

وجوقاتنا 

بنعومة قوية حميمية

تردد معه:

أنت اللغة  الإسبانية

حيث هناك مقاطع لغوية

من زيت الزيتون

هناك كلمات

مفيدة وغنية بالرائحة

مثل موادك العطرية

ليس فقط النبيذ الذي يغني

زيت الزيتون يغني أيضا

يعيش فينا بضوئه الناضج

ومن بين الأشياء الجيدة في الأرض

التي نفصلها

زيت الزيتون،

سلامك المستمر ، جوهرك الأخضر

كنزك المتراكم الذي ينزل

بجداول من شجرة الزيتون.

***

 

........................

المصدر :

 

‘Ode To Olive Oil’ by Pablo Neruda

http://www.honest-toil.co.uk/blog/2015/05/ode-to-olive-oil-by-pablo-neruda-1971/

 

سمير محمد ايوب

سبحانَ مَنْ مَنح الياسمينَ شيئاً مِنْ عبَقها، ومن أشاع في جبال السلط شيئا من خضرة عينيها، ومنَحها الكثير من عنفوانِ الكرك وعكا. صديقةٌ تجاوزتِ الأربعين بأكثرِ مِنْ مئة شهر. زاهدةٌ غيرَ مُتَطلِّبَةٌ. يمامةٌ زرقاءٌ، تُحسنُ رؤيةَ ما يَخفى لا ما ترغب به فقط. أفتقدها كلَّما شُبِّهَت لي نوافذ ٌ، أو غُلِّقتْ دونيَ أبوابٌ، وكلما ابتدأتُ مناوشةً في حربٍ. فهيَ مِعطفي وسَيفي وكِنانتي وجعبةُ الرصاص وضابط ُالرِّماية.

لحفظِ ضالَّتنا فيما نؤمن به معاً، إعتدنا بين الحين والآخر، أن نطلبَ حقَّ اللجوء إلى طُهرِ البِدايات، في أكثر مِنْ غارٍ مُطلٍّ على فلسطين، مِنْ أمِّ قيسٍ في شمال الأردن إلى العقبة في أقصى الجنوب. نسري إليها ونَهْجرُ الكثيرَ من أنفسنا. ونغالبُ كبرياءَنا، لنتجرَّأ على واقعنا، ونصطادَ شمسَ المغيبِ، أونشاغلَ قمرَ المُنتصف، أونُعيدَ الحياةَ لبعضِ نجومِ الظُّهر.

قبلَ حوالي شهرٍ، مسَّني دنسُ مُسلسلِ "أمِّ هارون" بالكثيرِ مِنَ الهَوان. إزدحمتُ بغضبٍ حزينٍ. فاتَّصَلْتُ بها واتفقنا. جَرْجَرْتُ خِذلانيَ. وأسْريتُ عصراً إلى ربيعِ وادي شُعيب غربي عمان. إلتقينا في ظلال شجرةِ توتٍ ضخمة، مُثقلةً بِكبوشِ التوت. تُزيِّن الكَتِفَ الأيمنَ للشارع الهابط إلى الأغوار. إستَقْبَلَتني هاشَّةً باشَّةً، وعيناها تسأل ُ بِقلق: أراكَ َمُثْقلاً بالهمِّ، ما بالُكَ يا صديقي، ما الجديد؟

وأنا أتَّخذُ ليَ مَقعداعلى صخرةٍ قُبالتَها، أجبتها وظل ابتسامة تُزَنِّر وجهيَ: مع شمسِ كلِّ يومٍ بِداياتٌ لأملٍ جديد. وفي عَتمِ كلِّ ليلٍ، حُزنٌ جديدٌ مُرهِق. ألأجَدُّ، قلقٌ وحزنٌ وغضبٌ، تسلَّل مؤخَّرا بلِا رحمةٍ إلى قلبيَ وعقليَ، أخافني وأفقدَني الكثيرَ من الطمأنينة.

سألَت ْوهي تُشعل لفافتها الأولى: في أيِّ سِياقٍ هوَ؟

قلتُ وجَسدي مُنحنٍ إلى الأمام باتجاهها: هالَني منذ أيام، كغيريَ منْ شرفاء الأمة، منظومةُ سكاكينٍ تَستظلُّ العروبة َ، تطعنُ الصدرَ الفلسطينيَّ بعلانية وقِحةٍ، بعدَ أن كانت بالغدر تغرس سِرّاً في الظهر. أذهلني جديد تلك النِّصالِ المعتوهة: " فلسطين لليهود، ولا حق للفلسطينيين فيها ". إجتاحني رُعبٌ أخلاقيٌّ ووطني من قادم سوق النِّخاسة. فقد تخطى البائعُ فيه والتابعُ والمستثمرُ مِنهم، مرحلةَ العمالةِ المُمَوَّلة، إلى النفخِ في أبواقٍ تُحاولُ بالسُّخرةِ إعادةَ كتابةِ التاريخ، بطريقة ٍمُشوَّشة ٍتَخدُم أسيادهم. يتمادون في التَّنكر لقدسِ أقداسِ الأمَّة، والتشويشِ على عذاباتِ الجبَّارين فيها، يتواقحون في تشويه نضالهم، بباطل الشتائم وفتاتِ الشُّبهات.

ولأنّي كغيريَ مِنَ المؤمنين بأنَّ العدو الصهيوأمريكي، ما اعتاد الصيدَ إلاَّ وكل كلابه معه، ولأننا نقرأ الوطنَ في المُحَصَّنِ منْ دمِ الشهادة، الذي تسامى إلى ذُرى الوجود، لا ما سُفِح من دمٍ في أسواق النخاسة، ولا ما انحدر منه في مستنقعاتِ المصالح العدمية، سنبقى مؤمنين بأنَّ حرَّاسَ أرضِ الأنبياء أوفياء. ولنْ تهونَ على عربي حُرٍّ شريف.

وقد سقط القناعُ تلوَ َالقناع، وانحسرَ الكثيرُ منَ الوهمِ المُتذاكي، جئتُ أسألكِ بقليلٍ منَ السَّذاجة الحَذِرة: وقد صبأ أكثرُ مِنْ حَنْثَلةٍ عربي، أينَ صواعقَ طيورِ الرَّعد، أين عصا نبيُّ الله موسى، لتلْتهم هذا الإفكَ، وتردعَ المستثمرين المعتوهين فيه؟!

وبوجعٍ مُحتارٍ، جِئتُ بلا سذاجةٍ أسألُكِ، عمَّن نلوم في هذا التشويش لبيع الوعي، وبِمَن نبدأ؟ أنلوم العدوَّ الذي كتب العُواءَ ولَحَّنهُ وبرمَجه؟! أو نلومَ الرعاةَ الإقليميين، والمُوجِّهين القُطْرِيين،وضباطَ الإيقاع منهم؟! أو نلوم المُتنكرين، المُنقلبين، المُنسلخين، الصامتين والعاجزين، فيما يُسمى ظُلماً بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وفصائلِ وفسائلِ منظمة التحرير؟! أو نلوم مَنْ في قطيعِ اوسلو من أرامل وأيتام ولقطاء، ممن يحاولون تغطية شمسَ وأقمارَ الثورة، بغرابيل الكذب والتدليس والاستخفاف في حكاوى تأجير البنادق، توطئة ًلِمُصالحاتِهم للوهم وللغدر، وتفيؤ ظلال المحتل، إبتَْعَدوا كثيرا يا سيدتي، وما إقتربوا مِنْ شيء؟!

كيف وصَلْنا إلى هُنا؟! كيف سَقطْنا في امتحانات الجدل المُحتدم منذُ طُهرِ البدايات، بين غُبارِ الخنادقِ وعِطرِ الفنادق وآهاتِ النضال الزّاني؟!

تابَعْتُ أسئلتي وهي تنفث بتوتِّرٍ ظاهرٍ دخانَ سيجارتِها الثانية: هلْ شاركَ العبث الرسمي الفلسطيني، في التأسيس تعمُّدا لهذا العبث، وتكثيره وإشاعته والاستثمار فيه. هل قصَّر المناضلون وشاركوا في الخديعة الكبرى، أم أنَ التآمرَ وحده، هو من داهمَهم وفرضَ توابعَه المباشرة وغير المباشرة عليهم؟!

وهيَ تنهضُ، أطفأت لفافتها الثانية بقدمها. واتجهت الى سيارتِها، لإحضار عدَّةِ القهوة، وقالت وهي تلتفِتُ إليَّ: نحن في اليوم الأخير من شعبان المبارك، هات يدك لِنُعِدَّ لأنفسنا طاسةً من القهوة على نار الحطب. بعدَها ونحنُ نُطلُّ مِنْ هُنا، على قبابِ القدسِ نتلمَّس ُمعا أجوبةً لأسئلتك.

 

كتب الدكتور سمير محمد أيوب

ألاردن - 11/5/2020

 

 

 

نايف عبوشلا ريب إن طبيعة النشأة، كانت قد انعكست، بملامحها البيئية، والاجتماعية، والإنسانية، على مشروع الأديب الواعد، عبد الرزاق روضان رحمه الله تعالى، حيث أقداره القاسية منذئذ، سحقته بعوادي زمنها، الزاحف بقسوة صوبه. فأنهكت بذلك ذاكرته، لكنها لم تمسخها.

وكم ظلت ذاكرته المتعبة، بكل شقاءات تلك الأيام العجاف، تغص بتجليات نشأته الأولى، وهي تستعصي على النسيان، بتوالي السنين على خياله الخصب، لتتفتق قريحته، بالكثير من النصوص الإبداعية، والخواطر الفياضة، بتلقائية أدبية، تقترب بصورها الفنية والرمزية، من أدب القص والرواية، ما جعلته حقا، ينظر إليه استمرار، على انه يبقي مشروع أديب واعد، عصي على طالع لم يحالفه، و متمرد على ظروف قاسيه لم تواته.لكنه لم يتلاش، بين ركام معاناة ذات معذبة، وتطلعات مخيلة متوقدة، وظروف قاهرة، وربما سوء طالعه، أيضا، عندما قذفه قطار العمر المتهالك، على قارعة سكة متهرئة، أثرا مغمورا، لا زال لا يعرف مواهبه الإبداعية، إلا من عاصره، من معارفه، من زملائه وأساتذته، والقليل من المهتمين بالشأن الثقافي، بعد غيابه ألقسري، عن الحضور في ساحة التأثير، والتواصل الأدبي.. ليطلع علينا اليوم، وبعد كل تلك المعاناة المريرة، بنصوص إبداعية، تحتضن في بنيتها، صورا تعبيرية رائعة، تفتقت بها قريحته، الزاخرة بالأحلام الواعدة.وقد تكون أعراض مخاض ولادة مشروعه الأدبي اليافع، في القادم من الأيام إذا تواصل عطاؤه.

وبهذا، فقد بقي صاحبنا، مخيلة حية، منهكة بالتطلع..تشاكس بوعي، شقاء الحال.. بهذه اللمسات الإبداعية، التي، تلدها ذاكرته المثقلة بالآلام، كلما استفزتها كائنات بيئته، بين الحين والآخر، ليجد نفسه مستوطنا بخواطره الأزلية، فضاءات واقع ريفه الوديع بكبرياء، متعاليا على كل جراحاته الغائرة، التي أثخنته بها السنون.

لذلك يلاحظ، أن تصويراته ذات الصبغة الفنية، التي لا تزال تنساب بتلقائية، في ثنايا حديثه، وبعض نصوصه الجديدة، لمشهد دراما شخوص مخياله، المتزاحم بالأضداد، تزاحم ناسه في السوق، في هرج ومرج الابتياع اليومي، لما قسمه الله لهم من قوت.

 لذلك جاءت أيقوناته الرمزية في النص الجديد، غنية بالدلالات، فكان الترميز موفقا في توصيفه خطوط قميص صاحبه التعيس بالباهتة، في كناية منه، عن أسماله بالتقادم، وربما همش الاتساخ بريقه، على أن إشارته إلى انتفاخ جيب البنطلون بالهواء، كملمح رمزي، تؤشر حقيقة أن جيبه قد طبطب إعلان إفلاسه، فخلا من خرداوات، تحول دون انتفاخه. وهو إذ يدفع بانحناءاته إلى الأمام، قبل خطاه، كجمل محمل باثمن الأثقال، من شدة إنهاك، أضنته به السنون، فيستعين بحسابها بسبحته، حيث لم يعد بوسع ذاكرته المنهكة، أن تسعفه بأي حساب.

لكن صاحبه المتعوس، ظل مملوءا بكبرياء ثقيلة، يفتقر لها الكثير من ضعاف النفوس، من سوقة زقاق السوق، فكان يلقي سلامه على زيتون ألطرشي، ويختلس اللحم والشحم، في دكانة القصابة، بنظرة حرمان حادة، دون أن يثلم كبرياءه يوما ما، بطلب أوقية منه بالنسيئة، بنظرة حتى ميسرة، كما اعتادها غيره. وهو إذ كانت عيناه معلقتان بعنقود الموز، الذي لم يعهد تذوقه، لم يكن يحسب أن شيطان السوق، الغارق بالرذيلة إلى الذقنين، قد يكيد له عن عمد ربما، بإلقاء قشر الموز أمامه، على حين غرة منه، وهولا يزال ممعن نظره صوبه، حيث تنزلق قدمه اليسرى فجأة، فيسقط على ظهره، وقد كسرت ساقه.

رحم الله زميلنا العزيز، عبد الرزاق روضان، الأديب الذي ظل مغمورا، والذي كان يمكن أن يكون في مقدمة أعلام الساحة الثقافية والأدبية، لو أتيح له، ان يخترق عنق زجاجة تلك الظروف القاهرة، التي سحقته بضراوة، فحرمتنا من الاستمتاع بما كان يمكن أن تتفتق به طاقته الكامنة، من نتاجات إبداعية.

 

نايف عبوش

 

 

ضياء نافععنوان هذه الحكاية الشعرية التي كتبها بوشكين هو – (حكاية عن الصياد والسمكة)، وقد نشرها عام 1835(اي قبل وفاته بسنتين فقط)، وكان آنذاك في اوج شهرته ونضجه الفكري، واصبحت هذه الحكاية واحدة من أشهر حكاياته في روسيا، وخارجها ايضا (هي مترجمة الى العديد من اللغات الاجنبية، بما فيها العربية) . الحكاية موجودة اصلا باللغة الالمانية عند الاخوين غريم، بل وهناك حتى من يقول عن بوشكين، انه (سرقها !!!) من الالمانية (انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين بين الترجمة والاقتباس)، ونحن نقول هنا وبكل ثقة ايضا، هل كان الشاعر الروسي الكبير بوشكين فعلا بحاجة الى (هذه السرقة !) الادبية العلنية، وهو الذي كان يمنح – وبكل طيبة خاطر- للادباء الروس حوله افكارا وموضوعات للكتابة الابداعية، ومنهم غوغول مثلا، الذي أعطاه فكرة (المفتش)، و فكرة (الارواح الميّتة) والتي حوّلهما غوغول  بعدئذ الى نتاجات خالدة في الادب الروسي والعالمي .

(حكاية عن الصياد والسمكة) لبوشكين تبدو للوهلة الاولى نتاجا فنيّا يدخل ضمن أدب الاطفال ليس الا، وهي فعلا هكذا في الواقع، بل واصبحت حكاية حبيبة للصغار وقريبة جدا لقلوبهم، ولكن عظمة هذا  ألادب تكمن في انه أدب صغار وأدب كبار معا، فالصغار يجدون فيه ما يريدون ان يجدوا من متعة، والكبار يجدون فيه كذلك ما يبحثون عنه من حكمة وافكار عميقة، ولهذا، فان الادباء الذين يكتبون لنا هذا النوع من الادب هم دائما القلّة فقط، او النخبة منهم فقط، من (وزن!!!) بوشكين وأمثاله من القمم الادبية لدى مختلف الشعوب، ونتناول في مقالتنا هنا الجانب (الآخر!) لهذه الحكاية الجميلة، الجانب العميق، الذي يخاطب به بوشكين الكبار في حكايته الطريفة للقراء الصغار، الجانب الذي كان يثير بوشكين في تلك المرحلة من مسيرته الفكرية .

نذكّر القارئ العربي – اولا - بالمضمون العام لتلك الحكاية . هناك صياد سمك يعيش في كوخ متواضع مع زوجته عند ساحل البحر، وهما يقتاتان السمك الذي يصطاده هذا الصياد، وفي يوم من الايام اصطاد سمكة ذهبية، ولكن هذه السمكة قالت له ان يعيدها الى البحر، وانها مقابل ذلك تستطيع ان تحقق له كل ما يطلب منها، وهكذا اعادها للبحر تلبية لرغبتها دون ان يطلب شيئا، وعاد الى بيته وحكى لزوجته قصة تلك السمكة الذهبية، وبدأت زوجته باجباره على العودة الى السمكة والطلب منها ان تحقق رغباتها، اذ طلبت تغيير المنزل، ثم تحويلها من فلاّحة الى نبيلة، ثم الى قيصرة، وكانت السمكة تحقق كل ما يطلب منها الصياد، ثم طلبت الزوجة من السمكة ان تحولها الى اميرة البحار وان تكون السمكة خادمة لها، فاستمعت السمكة الى ما قاله الصياد لها وغطست في البحر دون اي جواب، وظل الصياد يناديها ويناديها، ولكن السمكة تركته و اختفت، فلما عاد الصياد الى بيته، وجد بيته القديم وقد عاد كما كان سابقا، وشاهد زوجته وقد عادت الى وضعها كما كانت في السابق ايضا.

القارئ الصغير يبقى مندهشا وهو يتابع رغبات الزوجة وتحولاتها، ثم يرى عودتها الى حياة البؤس مرة اخرى، ويفهم هذا القارئ بنفسه (او ربما  يوضّحون له)، ان طمع الانسان يقتله . والقارئ الكبير يبقى مشدودا الى احداث الحكاية، ويفهم رأسا (كما الصغير) ان الطمع قاتل، وان رغبات الطمّاع بلا انتهاء، ولكن هذا القارئ يبدأ بطرح الاسئلة، المرتبطة باحداث الحكاية وابطالها، ولماذا كتبها بوشكين وهو في ذروة مسيرته الابداعية. ابطال الحكاية هم الصياد وزوجته والسمكة . الصياد رمز الطيبة والبساطة والنقاء، و تسحره الكلمة الطيبة للسمكة، فيطلق سراحها دون ان يطلب اي شئ . زوجته رمز الطمع والجشع والرغبة باخضاع الجميع دون استثاء . السمكة رمز القوة والسلطة، والتي تقدر ان تعمل كل شئ، الا انها – مع ذلك – سقطت في شباك الصياد البسيط . ولكن اين موقع بوشكين بين هذا الثلاثي المتجسّد بالطيبة والجشع والسلطة ؟ هنا تكمن نقطة الخلاف بين (المجتهدين !) . يرى البعض ان بوشكين أقرب الى الصياد، اي أقرب الى النقاء الذي تسحره الكلمة الطيبة، وان القيصر عندما قابله بعد منفاه، وقال كلمته الشهيرة، في انه سيكون رقيب بوشكين فقط (وهو موقع لم يصله اي شاعر في كل تاريخ روسيا)، اي ان بوشكين، مثل الصياد، سحرته الكلمة الطيبة، وتقبّلها ووثق بها، ولكن لا السمكة ولا القيصر التزما بتلك الكلمة امام رمز النقاء في نهاية المطاف، وهكذا عادا الى حياتهما البائسة مرة اخرى، بغض النظر عن الاسباب التي أدّت الى تلك النتيجة. لكن البعض الآخر لا يتفق مع هذا الاجتهاد، ويرى، ان بوشكين أقرب للسمكة، التي اصطادها الصياد، فوعدته بتلبية مطالبه من اجل حريتها، وان السمكة فهمت في النهاية، انها يجب ان تختار بين الحرية وبين تلبية تلك المطالب، وانها اختارت الحرية، رغم ان الصياد أصطادها ثم منحها الحرية، اذ ان السمكة كانت آنذاك مضطرة ان تعده بتلبة مطالبه، ولكن الحرية تبقى أغلى من كل شئ وأعلى، وعندما وصلت تلك المطالب الى التخلّي عن حريتها، فانها اختارت الحرية رأسا دون اي تردد بشأن هذا الاختيار، وهذا ما فعله بوشكين ايضا في نهاية المطاف . وبغض النظر عن اختلاف المجتهدين بتفسيرهم لموقف بوشكين الفكري، ولكنهم اتفقوا، ان الشاعر الكبير استخدم تلك الحكاية الشعبية الشائعة للتعبير عن موقفه الفكري العميق تجاه تلك القضايا الكبرى، التي كانت تقف امامه في مجتمعه، وهي قضايا خالدة في مسيرة الانسان في كل مكان.....

 

أ.د. ضياء نافع     

 

عبد الجبار نوريهو روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولومبي مقيم في المكسيك، 1927 – 17-4-2014، حائز على جائزة نوبل 1982، أشهر روايته : الحب في زمن الكوليرا، لا أحد يكاتب الكولونيل، مئة عام من العزلة، أٍسلوبه: أشتهر بالواقعية العجائبية والتي تعني  (الفنتازية الواقعية) .

رسالته الأممية إلى جميع البشرية :

لو شاء الله أن ينسى أنني دميّة وأن يهبني شيئا من حياةٍ أخرى 

فأنني سوف أستثمرها بكل قواي ربما لن أقول كل ما أفكر بهِ

لكنني حتماً سأفكر في كلِ ما سأقولهُ ---

سأمنح الأشياء قيمتها

لا لما تمثلهُ، بل لما تفيد

سأنامُ قليلاً وأحلمُ كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلقُ منها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور

سوف أسيرُ فيما يتوقف الأخرون

وسأصحو فيما الكل ينام

لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى

فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض عاري الروح

سأبرهن للناس كم يخظئون عندما يعتقدون

أنّهم عشاقاً متى شاخوا

دون أن يدركوا أنّهم يشيخون، أذا توقفوا عن العشق

للطفل سوف أعطي الأجنحة، لكني سأدعهُ يتعلم التحليق وحدهُ

وللكهول سأعلمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان

لقد تعلمتُ منكم الكثير أيها البشر----

تعلمتُ أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل  غير مدركين :

أن سر السعادة تكمن لتسلقهِ

تعلمتُ منكم أشياء كثيرة

لكني قلّة منها ستفيدني

لآنّها عندما تستوفي حقيبتي أكون أودع الحياة

قلْ دائماً ما تشعر بهِ وأفعل ما تفكر به

لزوجتي : لو كنتُ أعرف إنها المرّة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة

كنتُ ضممتكِ بشدة بين ذراعيي

ولتضرعتُ إلى الله أن يجعلني حارساً لروحكِ

لو كنتُ أعرفُ أنّها الدقائق الأخيرة التي أراكِ فيها

لقلتُ: (أحبكٍ) لتجاهلتُ بخجل أنكٍ تعرفين ذلك!؟

هناك دوماً يوم الغد

والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل أفضل

لكني لو أني مخطئ

وهذا هو  يومي الأخير ---

أحب أن أقول كم أحبكم !

وأنني لن أنساكم أبداً

لأن الغد ليس مضموناً لا للشباب ولا للمسن

ربما تكون في هذا اليوم المرّة الآخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم

فلا تنتظر أكثر تصرّف اليوم

لأن الغد قد لا يأتي ولا بدّ أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيهِ

الوقت من أجل أبتسامة أو عناق أو قبلة

أو أنك كنت مشغولاً ---- كي ترسل لهم أمنية أخيرة

حافظ على من تحب أهمس في أذنهم أنك بحاجة أليهم

وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم : عبارات مثل ----

أفهمك، سامحني، من فضلك، شكرا، ومن كلمات الحب التي تعرفها

 لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار

فأطلب من الله القوّة والحكمة للتعبير عنها---

وبرهن لآصدقائك وأحبائك كم هم مهمون لديك

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

اميرة مصطفى محمودتبدأ الحلقة ببقية مشاهد اختطاف البطل زين والتي أرى بعضها إلى حد ما غير مقنعة أو واقعية في إخراجها!

كانت مشاهد الاختطاف مقبولة ومقنعة منذ بدايتها بل ومبهرة في تقنيتها الخارقة طبعا. ولكن قد يستغرب المشاهد بمثلي، كيفية ثبات المخطوف الموثق اليدين من الخلف، فوق الموتوسكل أو أيا كانت صفته أو مسماه، المطارَد والمنطلق بأقصى سرعته عبر طرق وممرات وسلالم، هربا بالهدف المخطوف من مطاردة القوات الأمنية البشرية والآلية الطائرة! وكيف أن ذلك البطل لم ينزلق أو يُرمى أرضا في أثناء تلك المطاردة خاصة وأنه لم يكن ثمة ما يثبته بعد وقوع الشخص الذي كان راكبا وراءه!

كما أن من المستغرَب أيضا هو لحظة أن رمى زين نفسه من فوقها ليهرب من الخاطف، فهل كان منطقيا أن لا يشعر السائق بحركته وقفزته أرضا!

على العموم ربما كان منطقيا فعلا نتيجة لسرعته أو لبلاهته التي تجلت كذلك بوضوح لحظة وصوله إلى وكر العصابة!

لكن المأخوذ فعلا على المخرج في مشهد قفزة زين، هو أن الكاميرا كانت ترصد البطل في أثناء قفزته ودحرجته على الأرض عقب وقوعه، وذلك بديهيا جدا طبعا، وبديهيا أيضا أن تكون تلك الدحرجة استغرقت بعض ثواني لأن السرعة الكبيرة للماكينة ستدفعه بقوة في قفزته وتفرض على جسده عدة دحرجات متتالية خاصة وأن يديه مكبلتان ولا يملك جسده أي مقاومة غير الاستسلام لعدد الدحرجات التي تفرضها قوة الدفعة!

والخلاصة من ذلك كله أنه حتما استغرق وقتا حتى استقر جسده على الأرض.. وحتى تمالك قواه للنهوض عن الأرض بغير مساعدة يديه. وما يؤخذ على المخرج هنا أن البطل بعد أن فرغ من دحرجاته واستقر على الأرض وبعد أن نهض عنها واقفا، اتسع الشوت لنرى تلك الماكينة على مقربة جدا من البطل  وأنه فعليا لم يبعد عنها كأنها كانت واقفة بجواره.. مع أن الوقت الذي استغرقه البطل في سقطته كان متزامنا مع السرعة الكبيرة التي كانت تواصل الماكينة بها انطلاقها! فبدا المشهد وكأن السائق كان مبطئا سرعته تضامنا لأجل هروب المخطوف!

وصولا إلى مشاهد تجهيز الروبوت ما بين عزيز وصباح بما دار فيها من حوار، ومرورا بالمشاهد والأحداث السابقة، يتجلى عمق الخيال وبراعة فكرة المسلسل. تلك الفكرة التي تتجاوز مستقبل الأرض البعيد المتوقع، بمراحل، حتى أنها قطعت شوطا طويلا من المستقبل والخيال. فنجدها تجاوزت مرحلة شيوع الروبوتات، وأيضا المرحلة البديهية التالية لها وهي بشكل ما انفلات السيطرة عليها أو ربما انقلابها على البشر حتى أنها صارت مصدر خطر مما استدعى من البشر التصدي لها وتدميرها كمصدر واقعي فعلي لا محض محتمَل للخطر، ومن ثم تجريم تصنيعها أو ربما تقنينه حتى يتطلب الأمر في الحدوتة، كل تلك الصعوبة والسرية والمخاطرة والمغامرة من أجل تخليق ذلك الروبوت!

فقد تخطى الفنان يوسف الشريف بفكرته مراحلا كثيرة من المستقبل المحتمل دفعة واحدة بعمق وبعد نظر واضحين بشكل يستوجب الإشادة كما يستوجب الشهادة له بتميز الفكرة وثراء الفكر.

أما عن عزيز أو الفنان عمرو عبد الجليل المعروف عنه أداءه الكوميدي المرح، فقد جاءت شخصيته بالمسلسل بعيدة كل البعد على ما يبدو من روح الفكاهة والكوميديا ويغلب عليها الرزانة والوقار اللتان يتطلبهما ذلك الدور لما تتمتع به الشخصية من خبرة كبيرة وحكمة فضلا عن الشيب المكلل سواد ذقنه. وقد برع الفنان بدوره في رسم ملامح الشخصية وانفعالاتها على وجهه بشكل هاديء وبنظرات جانبية فيها من التوجس والقلق واستقراء انفعالات صباح ما يعكس تردده الداخلي وحقيقة موقفه مما يصنعه. وإن كانت روحه المرحة قد فرضت نفسها على مدار حلقتين وإن كان بشكل طفيف موارب ولكنها كذلك أطلت بشكل تلقائي طبيعي لا يتنافى مع طبيعة الشخصية على اعتبار أن الإنسان عموما لا تخلو شخصيته أحيانا من بعض تناقض أو تزاوج في الصفات والخصال.

أما عن الحوار ما بينهما فكان مكتوبا بشكل رائع واعي فيما عدا تحفظ واحد لي على صياغة آخر عبارة قالها عزيز قبيل مغادرته بيتها بعد انتهائه من تجهيز الروبوت، في إجابته عن سؤال صباح إن كان الروبوت سيتعرف إليها، وهو تحفظ على الصياغة ليس أكثر.

أما عن أول لقطة بالمشاركة الأولى للروبوت زين والمتمثلة في حركة كفة وطريقة تشنجها فكانت مذهلة بلا شك وواقعية إلى حد رائع.

وعن اللقاء الأول ما بين الروبوت زين وصباح فكان رائعا من حيث الأداء الثنائي ووقع المفاجأة المفرحة على صباح، والموسيقى التصويرية المدهشة التي تمثل ببراعة الوجه العاطفي لذلك العصر المهيب المرعب. وبدا الحوار بينهما طبيعيا وملائما. وأما عن أداء يوسف الشريف الآليّ فكان رائعا ومناسبا جدا. فبعبقرية أداء استطاع أن يؤدي مشهدا عاطفيا بتعابير آلية تمتزج فيها الابتسامة واللين الظاهر بنظراته، في نفس الوقت مع ملامح وجهه الجامدة اللا انفعالية، فكان بذلك أداؤه كروبوت بارعا مدهشا.

وبشكل عام كان الأداء متقنا من المشاركين بالحلقة بداية من أفراد العصابة وكبيرهم الفنان محمد لطفي وحتى موظف استقبال المستشفى بأدائه العنيف الطبيعي فضلا عن الأداء المتقن للفنانة ناهد السباعي.

كما مرت الحلقة على نفس النهج بنقلات سريعة تعكس كثافة الحكاية والتفاصيل.

 

أميرة مصطفى محمود

 

 

عصمت نصارعَادَ المؤتمرون إلى قاعة المحاضرات، بعد انصرافهم عنها لبضع ساعات، قضاها معظمهم بين تناول طعام الغداء وأداء السجود والركعات، والتحاور حول ما فات من الكلمات، وتقييم الأبحاث وتبادل الرأي حول جودتها وجدّة المداخلات والنقدات.

وعلى الفور جلس "جحا" على المنصة الرئيسية، واستأذن المؤتمرين وطلب منهم حسن الإصغاء لحديث المفكر "راشد ضياء" عن مكانة الحمار في الدوائر والمباحث الفلسفية.

وقال جحا : إنه موضوع شائك يحتاج إلى خلفية ثقافية، عن حكمة الحضارات الشرقية والغربية، التي تأثرت بالفكر السائد ففسرت وبررت، وكذلك استوعبت آراء الجانحين والشاطحين والمصلحين؛ فثارت وغيرت، وطورت العقلية الإنسانية.

دكتور راشد ضياء : السيدات والسادة كلنا نعرف أن المصادر الفلسفية، وعلى الأخص في الحضارات الشرقية، تُستخلص من الديانات والموروثات الشعبية، والأساطير والحكم العقلية. فلم ينصف التاريخ المصري القديم حبيبنا الحمار، ولم ترفعه الأساطير إلى درجة المعبودات الأخيار، بل حشرته ضمن حكايات قوى الردع في أساطير "ست" و"بس" والعصاة والأشرار.

ولكن الأبحاث الحديثة ذكرت أن صورته عند المصريين كانت تلقى كل تبجيل واحترام، فجهده وعونه للمزارعين والمسافرين لا ينكره إلا اللئام، أما السيرة الرضية والأفعال الغبية، فتنسب للحمار في سيرته الوحشية والبربرية. والخلاصة أن الموروثات المصرية والشرقية، لم تنظر للحمار على أنه شخصية محورية، ولاسيما في القضايا الفلسفية.

وقد عبّرت الشذرات القليلة في الفلسفة اليونانية، عن الحمير بنظرة مادية ونفعيّة، تلك التي دفعت معظم الفلاسفة إلى احتقارهم واعتبارهم من الحيوانات الأليفة الغبية، التي لا تصلح إلا لأن تكون مطية.

وإذا ما انتقلنا إلى الفلسفة الرواقية، سوف نجد فيلسوفها الأشهر "كليانتس" قد لُقب بالحمار لعظيم أفكاره الأخلاقية، ولما عُرف عنه من الطيبة والتسامح والإخلاص في الدعوى للوحدة الإنسانية، والصبر والجلد وقوة الإرادة والعقلية الموسوعية والذاكرة الحديدية، ومحاربته للشهوات الجسدية، وإيمانه بالعناية الإلهية، وخيرية القدر وعقلانية الإله وحكمته الأزليّة، وكان لا يغضب من لقبه مرددا أنا ذلك الحمار الأجدر والأقدر على حمل تعاليم زينون الفلسفية، وقد أثرت كتاباته وقصائده الروحية في الفكر الأخلاقي والترانيم المسيحية.

وإذا ما انتقلنا إلى أشهر الكتب التي تحمل اسم حبيبنا الحمار في ميدان الفلسفة، فإننا سوف نجد كتاب "الحمار الذهبي" الذي ألفه أبوليوس الأمازيغي (125-175م) وهو من أوائل الكتب الأدبية الرمزية المؤلفة. وهو كتاب عجيب، جمع بين العلم والخرافة والترغيب، في عمل الخير والتحذير من الشيطان والشرور والترهيب. وقد صيغ على شكل رواية بطلها حمار كان في الأصل إنسان، أراد ذات يوم أن يصعد إلى عالم الآلهة والسعادة الأبدية؛ ليتخلص من دنيا الهموم والأحزان، ولكنه تحول إلى صورة الحيوان، بعد شربه شرابا مسحورا أو تناوله دهانا محظورا على الإنس والجان، أحضرته له محبوبته "فوتيس" دون دراية منها بحقيقته أو خبرة أو عرفان، وتمضي الأحداث ذاق فيها الحمار المسحور، كل ألوان القسوة والعذاب والإهانة من قبل الإنسان الذي فاق كل المخلوقات في تفننه في الأذى وفعل الشرور.

وقد أدرك الحمار خلال معاشرته للبني آدمين، مدى انحطاطهم، وتجبّرهم وغرورهم وسفالتهم وحمقهم، وانتهى إلى أن مكانهم في العالم يجب أن يكون في أسفل السافلين، ولم ينقذه ممّا هو فيه إلا الربة إيزيس، التي أشفقت عليه وعرفت أن روحه الطاهرة قد ضلت سبيلها فوقعت في جسد البهائم بين قساة القلوب ونفوس الأباليس. وقد أراد المؤلف من هذه الرواية، التهكم على أخلاقيات المجتمع الروماني وعوائده التي سوف تقوده إلى أسوأ نهاية.

ورغم ذلك لم تتبدل نظرة الفلاسفة لحبيبنا الحمار واتهامه بعدم الفهم والغباء وقلة الحيلة، حتى جاء الفرنسي جان بوريدان (1300-1358م) ليثبت العكس بتجربة علمية أصيلة، برهن فيها على أن الحمار صاحب رأي وموقف وقدرة على الاختيار بين ما ينفعه وما يضره، ويميز أصدقاءه عن الأغراب ويحنو إلى من يطعمه ويحبه، ومن يقمعه ويسبه، ولا يرحمه إذا كانت صحته عليلة.

وقد أكدت الأديبة "كونتيسة دي سيجور" (1799- 1874م)، في مؤلفها المغمور، (خواطر حمار) الذي عدل التصورات والآراء والأفكار التي كانت بالرأس تدور، حول عقلية حبيبنا الحمار وفلسفته الناقدة، وتصريحاته التي لم يعبر عنها إلا في نظراته الساخرة المتمردة، التي جمعت بين الأسف والحسرة على ثقافة الإنسان التي استملحت السفالة والوضاعة وعن الحق والخير والجمال باتت شاردة، إذ نجحت المؤلفة في ربط الحمار بالعديد من الصفات الإيجابية كالذكاء والعلم والتواضع والطيبة، وذلك عوضا عن البلادة والجهل والعند والحمق وغير ذلك من الصفات المذمومة والطباع الغريبة.

ويحتوي الكتاب المذكور، على أربعة عشر فصلا جميعها يحكي ويدور، حول شخصية البطل "كديشون" الحمار العالم المعروف بالتواضع والمنزه عن الغرور. وهي أقرب لمذكرات ناصح صاحب دربة ودراية، قد عاشر المجتمع الإنساني ووضعه في دائرة النقد ثم عكسه على المراية، ليثبت أن اللين والإحسان، هو الطريق الأصوب لتربية الصغار جحش كان أو إنسان، وأن الغباء والذكاء في الحكم على العقول نسبيان، فالخبرات والمعارف بحر بلا شطئان، وأن التعصب لغير الحق اليقين، لا ينجم عنه سوى البور والعنف والتخلف واستبداد مكين، يحجر على العقل ويحرمه الموازنة والمفاضلة والاختيار والفصل بين المؤيدين والمعارضين. والكتاب في مجمله يعبر عن ثورة العقل المستنير، على تلك الحملة النكراء على الأتان والبغال وكل فصيلة الحمير.

ولعل الشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هوجو (1802-1885م) هو أكثر الفلاسفة والأدباء دفاعا عن الحمار، إذ أفرد له 65 صفحة في قصيدته الحمار باسيانس التي كانت موضوعا لعشرات  الندوات والأسمار، إذ وصف فيها أبا الصابرين بأنه أبرع من كانط، وأنه محاور جيد وفيلسوف عظيم ينطق بالحكمة ويكشف عن الأسرار، وحذر السامعين من تعصب رجال الدين والأحبار، ومراوغة الساسة وتجار الأفكار، وبين أن نجاة العالم في تنقية الأنفس من الأحقاد ومعاقبة الأشرار. وأوضح أن الفضائل ليست حكما محفوظة كتبها أفلاطون عن أستاذه سقراط، بل هي فعل وسلوك يؤمن به الإنسان ويسير عليه من الميلاد إلى الممات، وقد برهن على نبل أفعال الحمار بقصته مع الضفدعة، التي أبى أن يدهسها وعربة كان يجرها بعجلات أربعة، وتوقف عن السير وتحمل الإهانة والضرب من راكبها، حتى لا يصيبها بضرر أو بقدميه يؤلمها، إلى أن بلغت المسكينة مأمنها.

وقد نجح المؤلف في الربط بين صديقنا الحمار، والفصل في الكثير من القضايا التي لا تتحمل التأجيل أو الانتظار، مثل قضية علاقة العلم بالدين، وضرورة الجمع بين السياسة والأخلاق في مشروعات المصلحين.

وفور انتهاء المحاضر من كلمته طلب الدكتور محمود عبد المنعم التعقيب والمداخلة، فسمح له رئيس الجلسة نظرا لعلو مقامه ويقينه بأن في مداخلته إضافة مؤكدة.

الدكتور محمود عبدالمنعم: كلنا نعرف أن الفلسفة كانت أم العلوم العقلية، وأن أبحاثها الميتافيزيقية هي التي أقعدتها عن مواكبة المعارف العلمية، وذلك في العصر الوسيط في أوروبا المسيحية، أما في عصر النهضة والتنوير، فتبدلت أحكامها على عديد من القضايا ومنها نظرتها إلى البيئة وتقييمها للموجودات المعايشة ومنها الحمير. وسوف أقص عليكم في عجالة الكثير من الأسرار، عن القدرات البدنية والطبيعية والذهنية التي يتميز بها الحمار، وكانت وراء تحول الفلسفات والأفكار، وإقلاعها عن وضع حبيبنا في قوائم الدواب المنكرة والبليدة والمحتقرة من الأغيار، فأصلحت ذلك بانتخابها له ليتصدر صفوف الشطار والأخيار، على مر الدهور وفي كل الأمصار.

فيتميز أبو الصابرين بالقوة والفحولة فيستطيع الإنجاب وهو في الرابعة، أما زوجته الأتان فتستطيع الحمل في الثالثة وبعد إحدى عشر شهراً أو يزيد تصبح مرضعة، أما الجحش فيبلغ وزنه عند الولادة أربعة عشر من الكيلوات، وهو أربع أضعاف الطفل الذي تنجبه الآدميات، وللجحش من العزيمة والهمة القدر الذي يمكنه من الوقوف والسير بعد ساعة واحدة من الميلاد، الأمر الذي لا يقارن بحركة الآدميين من البنات والأولاد، ويستطيع الجحش الاعتماد على نفسه، في سد حوائجه في الشراب والطعام بعد ثلاثة أيام من الولادة وأمه ترضعه، وإذا وطأ الحمار فرسة فينتج بغلا، وإذا وطأ الحصان أتان تنجب نغلا، ويستطيع الحمار البالغ حمل على ظهره نحو ثلث وزنه من الأثقال، وجرّ ودفع أضعاف ذلك من العربات والبضائع والأحمال، ويصبر على العطش والجوع في الفيافي والصحاري، ويرضى بالقليل، ويقنع بالضئيل، ولا يمل العمل في لهيب الصيف وصقيع البراري، وإذا ما قورن بالإنسان والحصان فصوته هو الأعلى، وبصره هو الأقوى، وسمعه هو الأرهف، وصلابة عظامه هي الأنشف، وذاكرته هي الأحد، ورفسته الأشد، وهو في المواقف الصعبة أحذر، وفي التعرف على الأشخاص والأماكن أشطر، أما عمره فهو أقصر، وهو مكير بلا خباثة، وذكي لا يطمع في الملك أو الرئاسة.

وصفق جميع الباحثين لعمق حديث الفيلسوف وغرابة وطرافة تصريحات العالِم، وردد معظمهم حقا إن معرفتنا بعالم الحمير قبل هذه الندوة كانت مشوشة وحكمنا عليهم كان جائر وظالم. ولم يمضي من الوقت إلا بضع دقائق، حتى أعلن رئيس الجلسة بصوت مرتفع وأسلوب جاد ولائق، بضرورة سرعة الإجراءات، الخاصة بالنقض والتقييم وكتابة التوصيات.

فاقترح أحدهم طبع حصاد جميع الجلسات، وترجمته لعديد من اللغات، ومكاتبة جميع الهيئات، الدولية والمؤسسات، لإصدار قانون لحماية حقوق الحمير وصيانة كرامتهم وتجريم قدحهم ووصفهم بالشتائم والبذاءات، وتغليظ في ذلك الغرامات والعقوبات.

واقترح أخر إنشاء مستشفى خاص للبغال والنغال والحمير، بالمجاني وتعيين الأكفاء فيه من البيطريين وإدارته على أحدث النظم والتدابير، وتشييد متحفا تجمع فيه أثارهم المادية، وأخبارهم الثقافية، وأخر ما كتب عنهم في المباحث الفلسفية والأبحاث العلمية.

أمّا جحا؛ فقد جلس منفرداً في مكان قصيّ لمراجعة وقائع الجلسة الأخيرة وصياغة ورقة التوصيات ثم راح يحادث نفسه تراني أديت الرسالة ووفيت بالوعد، وهل كل ما قيل في حق صديقي الحمار من خلق وإخلاص في العمل يمكن أن يصعد به إلى سلم المجد، وهل الحضور أدركوا عظمة مكانة أبي الصابرين في حياتنا الهزلية التي سادها العبث والسخف والهذر وفاق كل حد، وهل يمكننا تفعيل اقتراحاتنا وتوصياتنا ونقلها من طور الخطابة واللعب إلى ميدان الحسم والجد؟ وهل في مقدورنا استيعاب أن هذا المؤتمر "ثورة" من أجل التقويم والتغيير، لتلك النظرة السائدة الغبيّة التي تنظر إلى الصابرين والطيبين والمسالمين والقانعين على إنهم بغال ودواب تضرب بالعصا شأن الحمير، وسوف يظل هذا السؤال مطروحا أمام العقول فإجابته تحتاج إلى تخطيط وتدبير.

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

 

مصطفى النبيهغزة السجن الكبير تبتكر وسائل الجمال، تصنع دراما تقول: نحن شعب يستحق الحياة ولن يموت أبداً.

فكلما ستطاع مخرج فلسطيني أن يخرج بعمل يخاطب العقل ويحرك العاطفة ويحلق في الفضاء ليعبر عن قضيتنا العادلة، كلما شعرنا أننا سنكون يوماً ما نريد، فالإبداع يهذب المشاعر ويمنحنا القدرة على الحياة ويورث الأجيال فضاء مشرقا بالمعرفة.. فشكراً لطاقم مسلسل العنقود الذي أثلج صدورنا وجعلنا نستبشر خيراً بالطاقات الشبابية التي قررت أن تكون فكانت بقوة. فغزة السجينة المتهمة دوما بلا حب، تزدهر جمالاً وتصنع دراما تسرد وجع الحرب، فشكرا لطاقم العمل الذي تفانى بتوصيل هذه المشاعر وكان جسدا واحدا، ولن أستثني منهم أحداً، وأخص بالذكر المخرج حسام أبو دان، والكاتب محمد أبو شمالة, والفنان القدير "جواد حرودة"  كما أبرق كل المحبة للجمهور الذي انتظر المسلسل وتنهد من الوجع وهو يبصر صورته في المرآة, ولأننا نطمح بأن نرتقي للأفضل لذا نجتهد بقراءة العمل وتسليط الضوء على الثغرات ليتم معالجتها بالمرات القادمة، فالنقد الموضوعي يساهم في البناء

ملخص العمل

يوثق مسلسل العنقود حرب غزة عام 2014 من خلال حصار بعض الأهالي في عيادة دكتور في شرق مدينة خانيونس، ومن خلالهم يتم نسج حكايات يتخللها أرشيف مميز يعج بصور القصف والدمار.

فكرة العمل جميلة وبها لمسة إنسانية جسدها مجموعة من الفنانين الذين استرجعوا من الذاكرة الأحداث المأساوية التي عاشوها أثناء الحرب، لذا لم تشعر للحظة أنهم يمثلون أو يرعبهم الوقوف أمام الكاميرا فهم يعيشون الحدث ويعبرون عن واقعهم المأساوي الذي عايشوه، فأحيانا يبالغون في انفعالاتهم لعدم سيطرتهم على مشاعرهم والتعبير عما يتناسب مع الموقف، فاسترجاع الألم صعب والتجربة الأولى للوقوف أمام الكاميرا مربكة.

يبدأ المسلسل بمقدمة تم تصميمها بحرفية عالية، تعبر عن الواقع المأساوي للحرب وزادها جمالاً صوت الفنانة "دلال أبو آمنه".

وأنت تشاهد الحلقات الأولى والثانية تشعر بالمتعة يشدك التكوين البصري السينمائي لكن للأسف يخفت الإيقاع تدريجياً رغم التشويق الذي اجتهد المخرج في صناعته لجذب المشاهد,  ما بين حرب وحصار وموت إلا أنك تشعر بكسر في الإيقاع البصري رغم أن الحدث عظيم ,   وعند البحث والتقصي في دهاليز المسلسل، توقفت أمام عماد العمل وهو السيناريو وآلية البناء وتركيب المشاهد ولغة الحوار ، فالبناء الجيد يحمل دائما خطاً قويا للفعل, فهو الأكثر أهمية في السيناريو, فالأحداث وتطورها من نسج شخصيات تشد بعضها بعضا بانسيابية  فهي تحتاج  لخبرة  وخيال خصب للسيناريست حتى يجيد  فن المعالجة.  سألت نفسي:  هل تم تحليل القصة ودراسة الشخصيات  ومعالجتها ونسج الحكايات بطريقة ذكية  وبحوار يعبر عنها ؟فهناك قصص كثيرة  تم اختيارها بحكمة وتروٍّ ،كانت تحتاج  فقط للمعالجة كي تنمو بشكل طبيعي وتترك بصمة  في وجدان المشاهد لفترة من الزمن  ،فقصة  الدكتور وابنه المريض الذي يتعالج  دون والديه بالمحافظات الشمالية, ولاعب كرة القدم  الذي يحلم أن ينطلق, والمقاوم  الذي ينتظر طفله, و قصة زفاف عمر واستشهاده,  وتامر الذي يحلم بالهجرة,  والأب الذي يحضر لأبنائه  الماء ويضعهم في البئر للحفاظ عليهم,  وبائع القهوة,  وموزع النت وشخصيات  أخرى  لم تعالَج بالشكل الصحيح, وبقيت مسطحة غير نامية, صنعت لتبث أخباراً ، للأسف ستذوب بعد نهاية العمل، باستثناء مشهد استشهاد عمر وهو يحاول جلب الماء للمحاصرين، سيبقي حي في مخيلة المشاهد لفترة أكبر من الزمن  .. فهو نتج من خلال سياق طبيعي للحدث بعكس مشهد لاعب الكرة "زيكو ", وقصة استشهاده التي تم اقحامها في العمل بدون أي تمهيد أو معالجة ليستجدي الكاتب عاطفة المشاهدين، ورغم أن فكرة اختيار لاعب كرة واستشهاده فكرة عبقرية لو تم معالجتها بسياق الحدث، لترك بصمة في قلب عشاق الكرة في العالم.

وبخصوص الفنان "جواد حرودة " والذي قام بدور الدكتور..

من خلال متابعتي لتجربته الفنية هو فنان مبدع وقدير، وقد أحسن الإداء في المساحة الضيقة التي منحت له وجعلته يقدم شخصية نمطية، فالقصص داخل الحجز معالجتها ضعيفة جداً تفتقد للجاذبية والانسيابية والابتكار، لن تترك بصمة بعد انتهاء المسلسل، تمنيت أن نرى تفاصيل لشخصية الدكتور القائد الإنسان أثناء الحصار في العيادة وهو يغني ويلعب مع الأطفال، ويمنح من حوله طاقة إيجابية، رغم وجعه لم نتعرف على ملامح شخصيته رغم محاولة المخرج البائسة لاسترجاع مشاهد من الذاكرة تتناول الحياة الطبيعية للمحاصرين. كما اعتمد المخرج على حوار المواعظ وعلى المونولوج الشخصي في العمل، وكأننا نشاهد عرضاً مسرحيا يعتمد على الانشاء والخطابة، قدم بشكل سطحي، لم نكن نحتاج أن تثقلوا علينا بالمواعظ والمونولوجات، فالحكاية مأساة شعب تطحنه الطائرات والدبابات أكبر من الكلام، فكل ما نحتاجه صورة تعبر عن الحدث وقليل من الكلام.

نعو د لقصة المسلسل وحصار العائلات داخل العيادة ، يريد الكاتب والمخرج أن يوهما  المشاهدين أن هؤلاء العائلات انقطع بهم السبل داخل العيادة وانفصلوا عن العالم  إلا أنهم لم  يجيدوا فن الاقناع  ،فزوجة عمر  تعلم أنه محاصر  في العيادة  من خلال رسالة عبر الجوال, ومن البداية تترك مدرسة  الايواء وتتجه صوبهم ، كما نشاهد دخول الجريح تامر وصديقه باسل  بعد أن قطعوا مسافات حتى وصلوا  للعيادة و عودة المقاوم كريم  ثم رحيله وخروج ثائر من العيادة  لإحضار اللاب توب ,وقد استطاع أن يذهب ويأتي بدون إشكالية,  فالذي يحضر اللاب توب بإمكانه أن ينجوا  بنفسه وينقذ من حوله من الخطر وخاصة بعد قصف العيادة واستشهاد "زيكو " لاعب الكرة وعودة الحياة لما كانت عليه وكأن شيء لم يحدث في المكان، بعد ذلك  يخرج الأب و يحضر كمية قليلة من الماء  ليبلل ظمأ أطفاله والمحاصرين معهم وهذا غير منطقي .

استطاع المكياج أن يجسد حالة العطش على وجوههم ولكن بعد حلقتين ينسى المخرج قصة العطش، ونرى الأطفال يلعبون ويمرحون داخل العيادة وليس هناك أي معالم تدل على عطش الموجودين، وبأسلوب غير أخلاقي مؤلم يأخذ الأب أطفاله ويضعهم خارج المكان في بئر في الشارع ويغلقه عليهم بحجة الأمن ويعود إلى العيادة، وعندما يشتد القصف ويعود مرة ثانية للبئر ولا يجدهم لم يمنح نفسه وقتاً كافياً في البحث عنهم، يرجع للعيادة ويجسد انفعالات زائفة لا توحي أن هذا الأب فقد أولاده. كما تترك زوجة المقاوم طفلها المولود قبل أيام وتخرج أسيرة دون إبداء أي اعتراض أمام قوات الاحتلال التي اقتحمت العيادة للبحث عن الجندي الإسرائيلي المصاب، وقامت بإطلاق سراحه وأسر كل من في العيادة فهذا المشهد مجحف ويسيء للأم الفلسطينية المناضلة...

ومشهد لقاء كريم المقاوم بزوجته بعد الولادة كان ضعيفا جداً، يفتقد للمشاعر الإنسانية لأب يستقبل أول مولود، ويشعر بالحنين لزوجته. 

 والاستعانة بقطعة قماش بدل الطفل المولود كان مضحكا واستهتارا بمشاعر المشاهد.

جميل أن يستحضر الكاتب شخصية أصم في العمل ولكن وجود الشخصية أو عدمه لم يضف شيئاً للعمل.

هذا الملاحظات التي تتناول السيناريو والشخصيات والمعالجة

بخصوص التصوير والمونتاج ... أبدع الطاقم الفني من خلال المخرج ما بين مصور ومونتير ومعالج بصري للألوان، فرسموا لوحات جميلة تعبر عن الحدث، كما أبدع الموسيقار جبر الحاج في تجسيد موسيقى تحاكي المشهد وتعبر عنه.

ما لفت انتباهي للرؤية الإخراجية للعمل أن المخرج سلط الضوء على جيش الاحتلال والتقنية التي يرصد بها القطاع و حركة الجنود المنظمة وحفاظ القائد  على جنوده ومتابعة تحركهم على الأرض, حيث يقول قائد الاحتلال في الحلقة السادسة: " دولة إسرائيل استثمرت الكثير لأجل جنودها ، ماذا تريد أن يقولوا عليَّ, لقد أهمل جنوده", بالمقابل قدم المقاومة أثناء المواجهة بشكل  تلقائي, فاتجاه الرصاص عشوائي والمقاومة لا تستند لأي عنصر يحميها,  وعندما يتعرض أحد أفراد المقاومة للإصابة يذهب القائد كريم للعيادة ليحضر الدواء لمعالجة المصاب فيتفاجأ بوجود الدكتور و بعض العائلات المحاصرة فيجرى حوار مع الطبيب ومع زوجته, ويلتقي  بمولوده الأول غير مبالٍ بالوقت الزمني ورفيقه الجريح ،ما ينتج عن  ذلك استشهاد المقاوم  بصورة أو بأخرى ..  كأن بالإمكان للسيناريست أن يجمعهم ويربط بين القائد والمحاصرين ولكن بمشهد اخر لا يكون هناك جريح ينزف وقائد يقضى قليلاً من الوقت في الحديث مع الطبيب والزوجة ويعانق مولوده الأول.

 وعد المقاوم كريم المحاصرين أن يعود ليطلق سراحهم فانتظروه ولكنه لم يأت ليغيثهم، جاء الاحتلال قبله وأسرهم وفي النهاية شاهدناه وقد جاء متأخراً بعد فوات الأوان. هذه الرسالة غير المقصودة والتي تعبر عن المقاومة وجنود الاحتلال، أخشى أن تعود على المشاهد بمردود سلبي، فرصد غزة تكنولوجيا من قبل المحتل مشهد جميل ومصنوع بحرفية، لكن الجمال يحتاج للعقل، فمنح المحتل هذه المساحة وبهذه الصورة مجانياً، اعتقد أنها غير محببة. نحن بحاجة لتحديد نوع الخطاب ولمن نوجهه حتى تستقيم رسالتنا الإعلامية.

استرجاع الذاكرة للشخصيات والانتقال من زمن لزمن للحديث عن الجوانب الإنسانية للشخصيات كان فجاً ولم يكن هناك انسيابية في القطع والانتقال من زمان لآخر, فالاعتماد على استرجاع الذاكرة بهذه الكثافة يضعف العمل ويشتت المشاهد,

تجاوز الخط الوهمي في كل حلقة وتخطي هذا الخط أثناء التصوير ينتج عنه موقف متناقض بصرياً بالنسبة للمتفرج.

وأخيراً المسلسل تناول حالة عامة جسدتها طاقات شباب مبدعة لم تأخذ مساحتها الفنية، فنتمنى على المخرج أن يمنحها مساحة أكبر في المرات القادمة، لتعبر عن جمال ما لديها.  كل التوفيق للمخرج وللكاتب ولطاقم العمل المبدع ولكل من شارك بهذا النجاح، ونحن

ما زلنا ننتظر جديدكم.

 

 قراءة الكاتب والمخرج / مصطفى النبيه

 

 

عقيل العبودعن خريف الفكر اليوناني للدكتور عبد الرحمن بدوي عن دار بيروت لسنة ١٩٤٢ في مقطع له بعنوان العودة من العالم المحسوس الى العالم المعقول* يتحدث فيه كيف ان أفلوطين يطرح فلسفته عن موضوع النفس الانسانية بطريقة لا تبتعد عن تفسير أفلاطون.

حيث اعتقاده بأبدية الحياة الخاصة بالنفس الانسانية، كونها حققت وجودها اللامادي قبل وجودها المادي، اي ان لا مادية النفس، سبقت ماديتها.

حيث بحسب ما جاء: " ينظر أفلوطين الى النفس الانسانية نفس النظرة التي كانت لدى أفلاطون، فهو يقول ان النفس الانسانية كانت تحيا من قبل حياة ابدية، ثم هبطت من هذه الحياة الأبدية الى الحياة الجسيمة البدنية. اما العلة في ان النفس الانسانية قد هبطت في العالم الجسماني فإنها هي ذاتها العلة التي بها نشأ النوس كشئ صادر عن الواحد الأول، والنفس الكلية كشئ صادر عن النوس" السطر ١-٦. ص ٢٠٢.

والنوس بحسب المعنى المراد إنما يشار به الى (النفس الكلية)*

باعتبار ان النفس الانسانية هي امتداد للذات الإلهية، وقد ورد في القرآن ( إني جاعل في الأرض خليفة). وخلافة الإنسان في عالم الأرض، إنما يراد بها كما تقدم في ايات اخرى تقتضي ان يمنح الإنسان لذاته من صفات الإله لكي يكون ممثلا لعالم الأرض عن عالم السماء وامتدادا لصفات الذات الالهية.

لذلك ورد في آيات اخرى (انا خلقنا الإنسان في احسن تقويم)، وأحسن تقويم إنما يشار به الى صفات الذات الالهية. والإنسان مفردة للناس.

والنوس كما ورد في قاموس المعاني منها كلمة الناس وهي اصل الخلق البشري حيث ورد في القرآن (قل اعوذ برب الناس ملك الناس"، بمعنى ان الاستعاذة برب الناس من الشرور الداخلية والخارجية التي تحيط بالنفس الانسانية تقتضي الارتباط والتحلي بصفات الذات الالهية.

فالنوس والناس بحسب ما يبدو مفردات إنما يشار بها الى حقيقة الوجود البشري المرتبط بوحدة الذات الإلهية (اوالنفس الكلية)، كما ورد في المصدر:

"فالنفس الانسانية تصدر عن النفس الكلية بنفس الضرورة التي تصدر بها النفس الكلية عن النوس" السطر ٧،٨.

اذن هنالك نفس ارتبطت بالذات الكلية، والذات الكلية لضرورة وجودها الكوني، أي لضرورة عالمها الخلقي، نشأت منها نفس المخلوق اي ذات المخلوق، وأصبحت وجودا متكاملا في عالم الأرض بعد ارتباطها بماديتها، اي بحياتها الجسمية.

وملخص الكلام ان هنالك طريقان لنشوء الوجود المتكامل للنفس البشرية، الطريق الأول هو عالم اللامادة، والطريق الثاني هو هذا العالم المادي الذي يملأ الان هذه النفوس صخباً وضجيجا.

 

عقيل العبود

......................

الهوامش:

- عبد الرحمن بدوي خريف الفكر اليوناني: العودة من العالم المحسوس الى العالم المنقول ص ٢٠٢

- Soul of the world عن مبدأ وحدة العالم وحركته