عقيل العبودالموسيقى لها مقامات ومثلها الصوت ايضا، والشعور مرتبط بهما، لذلك لكل مقال كما يقال مقام، وبالعكس، فالسيكا غير النهاوند، وغير الصبا، وغير الرست وهكذا كما هو معروف في دروس المقامات.

والتصنيف ليس من صلب الموضوع، ولكن للإشارة ومن باب علاقة الموسيقى بعلم النفس، يمكنننا القول بان المقام هو حركة الصوت المرتبط مع الشعور، والغناء حركة شعورية لها مديات أي ابعاد، وهذه الأبعاد اضافة الى نقاء النفس تعد المقياس الأساس للذائقة.

ومن المناسب ان الطبقات الصوتية تتناسل مع بعضها وتتفاعل مع طبيعة النفس الانسانية، لكي تنتج صورة لغوية موسيقية، هذه الصورة تشبه النحت، اواللوحة الجميلة.

ولتقريب المثال نجد ان الصوت لحظة الغضب، ليس كما هو لحظة الحزن، وهو يختلف مع العاشق الذي يسعى لأن يعبر عن نفسه بطريقة ترتبط مع العاطفة.

والأمر مفيد في التعامل مع الجانب السايكولوجي، حيث يمكن تفعيل وتهيئة مزاج المريض من خلال اختيار النوتة الصوتية، ونوع اللحن الذي يشعر فيه المريض بالاسترخاء لكي يتم تنشيط حاسة التذوق الموسيقي.

وعلى غرار ذلك نجد ان اللحن اختبار له علاقة بنفس الملحن وهذه العلاقة تصنع موجة صوتية شعورية تؤثر في نفس المريض. واللحن الاورفيوسي والمونومار أمثلة مهمة في الموضوع.

وخلاصة الأمر انه يمكن اختيار لحن معين ضمن السلم الموسيقي بناء على اختبار الموجات الدماغية للمريض بموضعين: الأولى لحظة الغضب، والثانية لحظة الاسترخاء، وقياس ذلك بناء على التقبل الذوقي وبحسب جداول التصنيف الخاصة بالأمراض النفسية ودرجاتها.

 

عقيل العبود

 

عقيل العبودمات الرجل ذات يوم شتائي، مودعا تاريخه الذي بدايته تعود الى العام 1927، ليترك بعده اثار بصمات بقيت بيوتاتها كما رجالاتها عامرة طوال هذه المدة من السنين.

انذاك حسين الشنون فنان المدينة ابن تلك التربة، التي على أرضها النخيل ابى ان بموت ،نذر متحفه الشخصي والذي هو عبارة عن مرسم صغير يطل على تمثال شاعر العراق محمد سعيد الحبوبي، متطوعا ليضم إرثا له علاقة بذلك التاريخ.

هنا الطيبون نفوسهم كما نقاء نهر الفرات، لذلك لوحاتهم وسيناريوهات امتدادهم، بها صنعت ألوان الخالدين اضافة الى بقايا حكايات، امتزجت مشاهدها بخيوط تعانقت فيها لغة النقاء والعفة والألم، لتبقى طهورة ابان عصر بعيد عن أقنعة السياسة وأكاذيبها المقيتة.

الظلمة مع النهار، الموت مع الحياة اذن  واجهة من واجهات التحدي. هو ذلك الإرث الذي بقي يحكي حياة الناصرية بشخصياتها ورموزها أسوة برجالات نفوسهم اجتمعت كلها لأجل خارطة اسمها العراق.

 حسين الشنون؛ الأوفياء في لوحاته ليست مفردة واحدة من مفردات المبدعين، بل هي واحة خضراء تجتمع على مائدتها سفرة الزاهدين، وتلك منارة خالدة بها اروقة الثقافة، والسياسة، والفن، والمجتمع تمضي دون توقف. 

النسيج ذلك الذي صنعه في مرسمه المطل على شارع الحبوبي، كما هو خالدا بأصابعه النحيفة تلك التي تشبه ضحكته السمراء، وجسده الذي يشبه عروق شجرة جفت أغصانها حزنا على ارواحهم اولئك الذين تباعا فارقتهم المحطات.

وتلك صورة لها نكهة في مصنع الفن الصغير، هي موضوعة ذلك الرجل الذي بقي خالدا بنقائه،

يومئذ الشعور قرر ان يترك ما بين يديه من عمل دون ان يكترث لإجور زبائنه، ليحضر المبدع عدته السريعة مع فرشاة الالوان الزيتية املا باكمال اللوحة في اليوم الثالث من مجلس العزاء. 

 

عقيل العبود

..............................

* لوحة زيتية رسمها الفنان حسين الشنون بعنوان الحفيد تخليدا لإبن مدينته البار واحتفاء بطقوس العزاء، عام 1991.

 

 

احمد الكنانيقيل للكاتب الإيراني الشهير عبد الكريم سروش: اختر لنا بيتا لمولانا جلال الدين الرومي هو الأكثر روعة مما أبدعه هذا المتصوف الكبير، فأجاب بعد لحظة تأمل: ذاك الشطر الذي يقول فيه "مع الكِرام الامر سهل يسير".

الدكتور سروش وهو الخبير بشعر الرومي والعارف بدقائق أسراره، تشبّع بشاعريته منذ صغره وبدأ يفك رموزالمثنوي في حلقات بثت من على التلفزيون الإيراني بعد الثورة الإيرانية بداية الثمانينات ومازالت دروسه قائمة في كارلفونيا محل إقامته الحالية .

بيت الشعر المقصود هكذا جاء بلغته الأصلية:

تو مگو ما را بدان شه بار نیست

با کریمان کارها دشوار نیست

.

لا تقل ليس لنا سبيل الى ذاك الملك

فمع الكٍرام الامر سهل يسير .

 

ما قصة هذا البيت ولماذا اصبح مثلا يُضرب به عند الناطقين بالفارسية، وماهو سر اختيار سروش له كافضل ابيات مولانا على الإطلاق؟

يرجع السبب الى ما يصبو اليه مولانا في طيّات المثنوي من الإنشاد الى الحب والمحبوب، ويرى ان الطرف الأخر لهذه العلاقة حري به ان يتحلى بمجموعة شرائط ليتصف بصفات العشق الحقيقي، بل هما دعامتان لا ثالث لهما اللامحدودية والثبات، اذ ليس من الحب بشي لو جمعك مجلس عشاء او شرب قهوة بشخص ما لتقول عنه قد جمعنا الحب وأصبحت عاشقا ؛ لعدم المعرفة الثابتة والراسخة بالطرف الآخر، بالإضافة الى كونه محدودا والحب لا يتعلق الا بالاّمحدود .

من الواضح ان تلك الصفات لا تتعلق بالحب البشري؛ اذ المحدودية وعدم الثبات هي صفات بشرية متلازمة لهم في العادة، فعلاقة الحب بين البشر يعتريها التغير والتبدل بحسب الظروف والأحوال، نعم قد تتحقق للافذاذ والنوادر لكنها وكما يراها مولانا مترشحة عن الحب الإلهي، والحب والعشق هو الهي في حقيقته وليس بشري .

هذا المعنى وجدته مصادفة عند بيرم التونسي وقصيدته " القلب يعشق كل جميل "

سيأتي شرح مفصل لهذه القصيدة في مقال لاحق …

من هنا تُستشم رائحة العشق الإلهي فواحةً من المثنوي بأجزاءه الستة، حتى يخيل لك ان محور الديوان هو العشق الإلهي والمولوي يدور حوله دوران الفراشة للّهبٍ .

لكن السؤال عن مدى مثالية مثل هذا الحب وخياليته واستحالة تحققه في الواقع الخارجي اذ كيف لك ان تحب ممن ليس كمثله شئ؟

وجواب مولانا هو:

مع الكِرام الأمر سهل يسير

الا ان توضيحه صعب عسير

اذ لا صعوبة تذكر في تعاملك مع الكرماء وهو اكرم الكرماء …

لكنه يبقى سر من الأسرار ومن الصعوبة بمكان توضيح كيفية تحقق مثل هذا العشق:

يقول مولانا في ذيل قصة الملك والجارية من الدفتر الاول من المثنوي:

 

هرچه گویم عشق را شرح و بیان

چون به عشق آیم خجل باشم از آن

.

چون قلم اندر نوشتن می‌شتافت

چون به عشق آمد قلم بر خود شکافت

.

عقل در شرحش چو خر در گل بخفت

شرح عشق و عاشقی هم عشق گفت

 

حاولت ترجمة تلك الابيات والحفاظ على المعنى المقصود للرومي مع عذوبته، اذ لم يرق لي شيئا من الترجمات على كثرتها:

 

كل قول للعشق بيان

تره خجل عند القرِان

.

قلم كله شوق للمِلاء

يتكسر قِطعا عند اللقاء

.

مثل حمار نايم في وحل

شارح العشق والمعشوق رحل

 

 

وكما يرى المولوي ان لا سنخية بين الحب والمعرفة، ومع الحب لا مدخلية العقل، وكيف يتسنى تعريف العشق الإلهي منطقياً مثلا بكلمات محددة تبعد المشتركات عنه، والعقل هنا على جبروته يصفه مولانا بحمار عالق في الوحل …

وطريق المعرفة الوحيد هو التجربة وليس غير وهي تختلف من تجربة الى اخرى .

يمثل لها الرومي في مكان اخر من المثنوي بالنار المحرقة تلمسها لتتمكن من معرفتها .

الا ان أنها تجربة يعتبرها الرومي حلّال المشكلات اذ مع الحب تتناسى كلما يحيط بك من فوضى، ويعظم الحب في نفسك فيصغر ما دونه .

هنا يحصل الفراق والطلاق ثلاثا بين الرومي وتابعيه من المتصوفة والمتألهين من جهة، وبين المتكلمين والفقهاء وحتى الأخلاقيين من جهة اخرى ..

الأخلاقيون يجعلون الطريقة المثلى للتغلب عل النقص والخلل النفسي هي تشخيص تلك النواقص والاشتغال على تجاوزها ؛ فلو انتابتك حالة من الغضب حري بك ان تبتعد عن مواطن الغضب وأسبابه

لكن الرومي يرى ان خوض تجربة الحب يجعلك تتمركز بالمحبوب ولا تفطن لغيره وبهذا تتجاوز نقاط الضعف ولا تلتف اليها .

من هنا يختلف الرومي وبقية المتصوفة والعارفين ايضا مع الغزالي وبقية الفقهاء والمتكلمين في جعل العلاقة مع الإله علاقة يسودها الحب والتودد ولا مجال للخوف والرجاء في العلاقة الإلهية، حتى العبادات والمحرك الأساس لها قصد القربة من الله لابد من إتيانها بقصد الحب لا خوفاً من العذاب ورجاءاً للثواب، بل انت تتودد لهذا القرب وهو المقصود أعطيت المكافئة من المحبوب ام تعط

 

احمد الكناني

 

علي المرهجالشعر حياة، فلا مجاملة في الشعر حينما يكون كلاماً، فجميل الحياة حينما تكون شعراً كل الجمال فيه!!.

الشعر اكتناز وتكثيف لصورة عن حياة وسعها الألم. الشعر لا توصيف فيه بقدر ما فيه من تعبير عن حياة نوجزها بجملة، والجملة الشعرية تكثيف وعبور على المعنى بما يفوق الوصف بكلام مُرسل..

الشاعر الشاعر هو من يُتقن صياغة الكلام المبعثر ليجعلة حلقة ارتابط بين حبيبين، أو عُقد لؤلؤ في عنق فتاة يتابهى الجمال ويفتتن العقد لأنه معقود في جبينها.

الشاعر يكتب قصيدة معاناة، ويكتب بعد حين قصيدة حُبّ. المعاناة والمحبة ضدان لا يلتقيان ولكن وجودهما في قصيدة شاعر يعي الحياة ومكانة القصيدة وشغف الحبيب والمبغض للمحبة تكوين وتشكيل لمعنى التضاد لخلق حياة أجلى فيها من العشق والتوق بقدر ما فيها من الصدّ والردّ..

دع الحياة واكتب قصيدة، أو دّع القصيدة ودوّن حياة، القصيدة تدوين مكثف واختزال لغوي لحياة، وعبور لتجليات المعنى في (مُخيلة) الشاعر الشاعر..

الكلام يبقى كلاماً وإن ادعى صاحبه أن كلامه شعر.

الشعر لا تدوين لتاريخ تواتر فيه، بقدر ما فيه من تعبير عن فرحة اللقاء، ولظى الشوق حين التلاقي..

الشعر حالة شعورية وتعبير عن تجربة فردية لشاعر يرى الوجود والحياة والحُب بحسب تجليات اللغة وتساميها ساعة الشغف، ووفق انتكاس نفسيته وكسر خاطره ساعة النحس..

لأعود للنُقّاد الذين وجدتهم يرفعون شأن نص شعري لا قيمة جمالية فيه سوى أن من كتب النص صديق لهم، ولربما يستهفون بنص شعري آهر لشاعر لا يعرفونه أو هو ليس بصديق لهم.

أخواني النُقّاد سمعت من قبل أن (الشعراء يتبعهم الغاوون)، ولكنني لا أعرف أن النُقّاد هم في ذات الوادي هائمون..

وبعد اطلاع في عوالم التواصل الاجتماعي وجدت نُقّاداً يمتدحون أصدقاء لهم - حسب ظني - هن ليسوا بشعراء، ولكنهم يمتدحونهم لأنهم اصدقاء.

أخواني النقد لا يعني (امدحني وأمدحك)!!..، فبهذه الحال لا نجد وجوداً لشعراء شباب...

لست بشاعر ولا أنا بناقد، ولكنني وجدت حال أغلب الذين عرفتهم شعراء ونُقّاداً يكتبون عن بعضهم والصحف متاحة لهم ولا مكان للجديد بينهم..

ما هكذا تورد الإبل يا شعراء ويا نُقّاد..

 

ا. د. علي المرهج

 

ابراهيم رحيمللبروق في صحاري الرّوح دويّ المطرقة وصعقة اليقظة؛ تجردّنا من ظلام الصّمت، المكلّل فوق نهاراتنا المكبولة بحبال الشّرود، وأخرى المفجوعة بوخز النّدم  لِما كان ولم يعد من خمر اللحظات.

هذا النّدم الحلو المذاق، المُحبّب لنا ثلجَ الشّيخوخة، ونزيفَ العمر من قارورة الحياة...

ها نحن أولاء، نرضعُ كالنّبتة، من شمس ذاكرتنا، قوتَ الوجهات، صوتًا تلو صوتٍ، حتّى نعي ذات يوم؛ أنّنا إمتدادٌ جبريٌ لذلك الذّنب القديم.. شهوة التّفّاح والاِنكسار اللذيذ في سرير الرّغبة.. خُلِقنا هكذا.. وعلينا أن نحيا والذّنب يرسم لنا الهاويّة والضّوء، وإن كنّا نصارعُ ذئابَ الذّاكرة جزاء الغياب؛ فنخرّ مندحرين ونصال أنيابها منغرسةٌ في خاصرة الوقت، أو نغادر الحلبةَ، مضرّجين بدماء الأمس ولطخات ظلمتها، في أحسن تقدير.

لكنّما الذّاكرة؛ حيث يتصبّب من محيط الرّوح ندى الأيام، صحراءٌ مليئةٌ بدبيب العطش، والوخزِ الجارحِ لصبّاراتٍ، نحملها كالملح في دماءنا؛ كأنّنا نكفر بالنّسيان، أو نتعمّد الشّربَ من أقداح الألم؛ كلّما راودتنا عن نفسها!!!

كيف إذن لا تنقطع السّبل على الكلام، ولا تعرج المسافاتُ في جداول المعان؟

أنكون كالأحجار منكبّين على جذع جراحنا، لا نلتفت لركاض العواصف، ولا لتبدّل قماش الفصول، أوحتّى تبدّدها المرير؛ إذ تجرفنا سيول التّغيير، فنفقد عنان خيل الدّروب بين رمشة وأخرى باكية، لنسير كلّ مرة، حفاة، عراة من فجور الحياة وبواعثها، خارجين من متاهة العزلة، داخلين متاهة الضّياع الرّمزيّ المُكنّى بربيع الدّروب!

أهكذا الحياة إذن من صوت إلى صوت و من باب إلى باب...!؟

كأنّنا دروبٌ للدّروب نفسها، أو سجناءٌ ،مكفوفي الخيار، تُطَوّقهم أغصانُ الزّمان الضّاحكة للرّيح، وتقود عنانَهم أصواتُ دروبٍ سَمِلة الإيقاع، رثّة الرّنين؛ تسلب جيوب الإرادة وترميهم بأحضان قبورٍ، كانت مرحبّةً بهم، منذ طّفولة الأغصان، منتظرةً لهم، منذ أول بكاء!

أنُقَبّل الحجرَ، كي نرتوي من عطش الحنين؟

ما هذا الكلام الحجريّ الطّنين!؟

ما لنا وهذه النُّبوءة النّائحة، ذات الجَوف الجاف من قصب الأيام!! لسنا زبدًا تحرّكنا أنامل العباب، أو نسيجًا تحوكنا يدا الرّيح ملابسًا للقدر؛ وإذ نتمزّق من غسيل العواطف، أو يملّنا هذا الفحل الشِّرّير؛ يستبدلنا بأُخَرَ، قد تسبّبت مفاتنهن له منذ حين، بحُمّى تدفق الرّغبات.

ما الإنسان إذن في سباق الوجع واللذة، في سباق الشّتاء والرّبيع؟

ألَحْم وعظام تلوكه رَحى الأيام؛ فتصنع منه حجرًا باردة المفاصل تتنفّس جميل اِنصهارها، بتصوير الماضي و إيقاظه من ثلوج الرّماد!! 

أيها الحجر المقدّس قبّلني، وخذني حجرًا بين أحضانك.

كأنّ للإنسان همس الضّوء عند الظّلام، يحادث خيبته بلغة الثّلج:

لا تنطق إلّا بتقيّؤ الصّور المنسيّة، والمرصوصة في زنازين الذّاكرة، ولنأكل الدّروبَ نادمين من تركها، نادبين فراقها...

حتّى نقول ذات يوم، لذلك الخيال الّذي يتراءى لنا، ساخرين من تجاعيد المرآة، وصُدء أصوات الدّروب:

لا يهمني أمرك ولا أطيقك بعد، لا أطيقك يا إنسان

فلنسلك معًا محطّة الغروب...

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

٩ تموز / يوليو ٢٠١٩

 

نايف عبوشلا شك أن الحياة، بما هي في مفهومها الشامل، إنسان، ومكان، وزمان، في حالة حركة مستمرة، وصيرورة متواصلة، لا تتوقف، وبالتالي فأن الحال بأشكاله المختلفة، اجتماعياً، والإقتصاديا، وتنمويا، ومكانيا، في حالة تغير دائم، وتطور مستمر، ولا يقف عند هيئة معينة بذاتها، ليستقر عليها إلى الأبد.

 ولا ريب أن تداعيات حركة الحياة، بسلبها، وايجابها، لابد لها أن تنعكس على حياة الإنسان، وصيرورتها باعتباره، الكائن المعني بالتعايش، والإعمار، والمستفيد المباشر، من كل إيجابيات حركة التطور، على النحو الذي يواكب حاجاته المتجددة، ويمكنه من إشباعها، والتماشي مع جدلية علاقته بالوجود، وبكائناته المحيطة به .

 ولما كان الإنسان كائناً مرهف الحس، خصب الخيال،شجي الوجدان،فإن تعامله مع حركة الحياة، بجدلية متشابكة، أمر  لامناص منه، حيث تتجسد تلك الجدلية، من بين الكثير من تجلياتها، بالشعر، والأدب، والفنون بشكل خاص، والتي لا يمكن لفيوضات تلك التجليات الإنسانية،أن تكون شيئا جامدا، ومنفصلا، عن ارتباط الوجود الإنساني بالحياة أبدا .

ومادام الإنسان يعبر عن تفاعله مع واقع حركة الحياة، من خلال معايشته تحولات مرئياتها، بالشكل الذي ما فتئ يهز وجدانه، ويوقد مخيلته، فإنه لابد له أن يعبر عن هذا التفاعل المتألق، بإبداعاته الأدبية بصور شتى، شعرا، او نثرا، حزنا، او سرورا، ترحا او مرحا، أو غير ذلك من أوجه التعبير السايكولوجية، او الإجتماعية .

وما دام الأمر كذلك، فلا ريب أن اتجاهات الأدب، تتغير هي الأخرى، بتغير توجهات الإنسان طبقاً لشكل رابطة العلاقة بينه وبين بيئة حياته،حيث غالباً ما يكون الأدب وسيلة تعبير عن مشاعره في تفاعلاتها الوجدانية، مع لحظة حركة الحياة .ولأن الإنسان يحرص دائماً، على أن يكون التطور في الحياة لصالحه، فلابد أنه يحرص على توظيف الأدب لصالحه، ووضعه في خدمة المجتمع أيضاً، وبالتالي فإن الأدب لن يكون أدبا محضا، متجردا من جمال الفن المحسوس، أو المستقرأ،في كل مشاهد حركة الحياة، وشواخصها،ولاسيما عندما يتفاعل معه الحس المرهف في اللحظة .

وربما يتمظهر هذا المعطى، وبمثل هذه الكيفية، بشكل أكثر وضوحاً، بالتحولات المعاصرة في حياة إنسان اليوم، وذلك بفعل التطور التقني، والعلمي، والصناعي، والرقمي الراهن، المتسارع، والهائل، الأمر الذي جعل إنسان العصر يعيش في دوامة اضطرابات نفسية، واجتماعية، وثقافية، بعد ان غادر حياة الفطرة،والعفوية،والبساطة، وابتعد عن نقاء البادية، وفضاءات الطبيعة،إلى صخب المدينة، وضوضائها، بل إنه بات يعيش أعباء اكتضاض تداعيات التطور، حتى في بيئة بؤر المجمعات السكنية الريفية الكبرى، الأمر الذي إختزل عنده روح التأمل، وعطل عنده إلى حد ما، حس التفاعل مع بهاء المكان، وايحاءات الطبيعة، وفرض عليه التكيف قسراً، مع مستجدات العصرنة، بأفقها المفتوح في كل الاتجاهات.

 ولعلنا لا نجافي الحقيقة، عندما نقول، ان المتلقي اليوم، لم يعد لديه الوقت الكافي، ولا الرغبة اللازمة، لتلقي النصوص المسهبة، ولذلك فإنه بات يفضل تلقي المقالات المختصرة، والكتابات الموجزة، ما دامت تمده بنفس المعلومة، وتفي بالغرض، حيث يلاحظ من خلال الاطلاع على مقالات الكتاب في الجرائد، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، ومنشورات المتصفحين في الفيسبوك، جنوحهم بشكل واضح نحو الاختزال، والإيجاز، والتكثيف، في كتابة، وإبداع النصوص، التي يقومون بنشرها في أغلب الأحيان.

كما يلاحظ في ذات الوقت، ان المتصفحين من المستخدمين، أخذوا نفس المنحى في التكثيف والاختزال، في الرد، والتعليق على نصوص تلك المنشورات، عندما أصبحت  غالبيتهم، تميل إلى مجرد الإعجاب، او التفاعل فقط، باستخدام ايقونات الإعجاب، بأشكالها المعروفة، تاركين خلفهم أساليب الإطناب، والإسهاب.

ومع أن الإيجاز من أساليب البلاغة في اللغة العربية، التي تعكس الإبداع، والتميز، بما يعنيه من قلة الألفاظ، الدالة على معاني كثيرة، حيث حاز الأسلوب على الثناء، ونال الإعجاب، باعتباره مناط اقتدار الكاتب في ابداع نصوصه، حتى قيل في ذلك المنحى،(خير الكلام ما قل و دل)، إلا أن قصر الإبداع عليه، وإبطال استخدام الاطناب، والإسهاب، او الإقلال من استعماله بشكل ملحوظ، ربما يعكس نضوبا واضحاً، وقصورا بائنا، في قدرات الكاتب على الإبداع.

وإذا كان هذا الأمر قد انعكس سلبا على مختلف جوانب حياة الإنسان المعاصرة، الثقافية، والاجتماعية، ليتخلى بالتدريج عن إبداع، وقراءة النصوص المسهبة، بما يمكن أن تتضمنه من صور متعددة، ومعاني مضافة، وليكتفي بإنشاء، وتلقي، النصوص الأدبية، والمقالات القصيرة،فإنه يبدو ان هذا الملحظ، قد أصبح بشيوعه، وموضوعيته، ثقافة عصر .

 

نايف عبوش

 

جمال الخرساناحدى اقدم التجارب الاستشراقية الفنلندية قام بها عالم الاحياء الفنلندي بيتر فورسكال "Peter Forsskål" الذي كان احد اعضاء بعثة استشراقية اسكندنافية الى الشرق الاوسط ضمّت نخبة من علماء منطقة البلطيق في تخصصات مختلفة. فورسكال الذي تعلم في المانيا العديد من اللغات المشرقية بينها العربية شد الرحال الى المنطقة العربية في كانون الأول عام 1761 برعاية من ملك الدنمارك فريدريك الخامس رفقة فريق متخصص بهدف الوقوف معرفة الكثير عن تلك المنطقة الغنية بالموروث الاثاري والديني.

بدأت فكرة الرحلة من مقترح تقدم به المستشرق الالماني يوهان دافيد ميخائيلس "Johann David Michaelis" الى وزير الخارجية الدنماركي جون هارتفيغ بيرنستورف "Johann Hartwig Ernst von Bernstorff" بان يذهب رجل واحد الى بلاد اليمن لأنها شبه معزولة ولا يتوقع ان تتغير كثيرا ما كانت عليه سابقا، فما كان من الوزير الا ان قدم المقترح توصية الى ملك الدنمارك الذي عرف عنه اهتمامه بالعلم والفن، الملفت ان موافقة الملك جاءت في مرسوم ملكي يحدد مهام البعثة التي تشكلت بعد المداولة من فريق عمل متكامل، الزم الملك المشاركين فيها بتوصيات صارمة تقضي بضرورة احترام العرب والثقافة العربية. اختير اعضاء البعثة الستة بعناية فائقة وهم: عالم الفيزياء والرياضيات والخرائطي الالماني كارستن نايبور، عالم الاحياء الفنلندي بيتر فورسكال، الطبيب الدنماركي كريستيان كارل كريمر، الرسام الالماني غيورغ فيلهلم بورينفانيد، عالم اللغة والمختص بمعرفة الكتابات القديمة الدنماركي كريستيان فون هافن. اضافة الى جندي مرافق للبعثة. انطلقت الرحلة بداية عبر السفينة الدنماركية الحربية "غرينلاند" اوصلتهم الى مدينة مارسيليا الفرنسية، ثم منها الى مصر عبر القسطنطينية "اسطنبول"، ومن مصر وصلوا الجزيرة العربية في سفينة تقل الحجاج عبر البحر الاحمر، ومن اعلى تلك السفينة رسم نايبور خريطة البحر الاحمر، ثم ذهبوا لليمن، العراق وايران وحتى الهند.

اعضاء البعثة استثمروا تلك الرحلة الطويلة لصالحهم ولم يتركوا شيئا الا واستوقفوه باختصاصاتهم المختلفة، لقد رسموا مئات الخرائط منها الخريطة الاولى لليمن، وجمعوا اعداد كبيرة من المخطوطات واسماء النباتات والحيوانات.

اعضاء البعثة ورغم صلابتهم امام قسوة المناخ، الظروف الصعبة وحتى مطاردات بعض السكان وقطاع الطرق فان اكثر ما جعلهم يدفعون الثمن غاليا هو مرض "الملاريا" الذي قضى عليهم واحدا تلو الاخر، توفوا جميعا ولم يعد منهم سوى نايبور حاملا ما وثّقه هو وما وثّقه زملاؤه المغامرون. لقد أصيب الرحالة بيتر فورسكال بمرض الملاريا وتوفي في اليمن بتاريخ 11 تموز 1763 أي بعد حوالي سنتين من بداية الرحلة. لقد منح القدر نايبور عمرا مديدا ليوثق لاحقا نتاجات تلك الرحلة في مختلف الاختصاصات لتكون سلة معرفية تعزز مجال الاستشراق في شمال القارة وتمنح الإنسانية تجربة معرفية هامة.

 

جمال الخرسان

 

سوف عبيدما فتئ الشاعر والأديب المختار بن إسماعيل يستحضر مدينة تستور التونسية في أغلب ما نشر من مجموعات شعرية وروايات مذكّرا في كل صفحة تقريبا بتاريخها الأندلسي وواصفا أرجاء عمرانها ومفصّلا أحياءها ومصوّرا دقائق الحياة اليومية في بيوتها ودكاكينها لكأنه يريد بعث الحياة الماضية في هذه المدينة المتميزة بنمطها الخاص منذ أن استقرت في ربوعها الجالية الأندلسية عند مطلع القرن السابع عشر .

وقد اشتهرت مدينة تستور بفن المالوف إذ تعتبر موطنه الأصلي في تونس وإضافة إلى ولوع أهالي تستور بهذا الفن اللطيف الذي ينمّ عن ذوق حضاري أندلسي فالمدينة اشتهرت كذلك بالفنانة حبيبة مسيكة التي انتسبت إلى هذه المدينة في فترة زاهرة من مسيرتها الفنية فكأني بالدكتور المختار بن إسماعيل أراد أن يسترجع تلك الفترة من خلال روايته - حبيبة بنت الرحيبة -

- 2 -

الطريف في الرواية أنها لم تسترجع حياة حبيبة مسيكة بمراحلها المعروفة وإنما جعل المؤلف شخصية أخرى شغوفة بها إلى حد التماهي والاستنساخ تعيش تقريبا  ظروفا شبيهة بتلك التي عاشتها الفنانة سواء ولعها بالغناء وحبها للفن أو حتى تعلق المحبين بها وخاصة شخصية أحدهم وقد كان من أكبر أثرياء تستور ومن شدة تعلقه بها أغدق عليها ثروته الطائلة وشيّد لها دارا فخمة هي الآن صارت فضاء ثقافيا وفيه تتواصل شخصية الرواية الرئيسية مع شخصية الفنانة حبيبة مسيكة فتسير تقريبا على نفس دروب حياتها وتتماهى معها في أسلوب حياتها حتى أوقعت أحد الفلاحين الأثرياء في غرامها وجعل ينفق عليها مثلما كان ينفق على حبيبة مسيكة حبيبها .

- 3 -

الرواية إذن روايتان متوازيتان ومتشابهتان وذلك عندما تعود بنا حينا إلى تفاصيل الفنانة حبيبة مسيكة وحينا عندما تجعلنا نواكب حياة البطلة بنت الرحيبة من عهد طفولتها وشغفها بالمطالعة إلى بداية اكتشافها لشخصية الفنانة حبيبة مسيكة وتعلقها بها تعلقا شديدا إلى حدّ أن باتت تحلم أنهاتكلمها في المنام وتفشي لها بأسرارها وشاء الراوي أن يجعل نهاية حياة بنت الرحيبة مثل نهاية حبيبة مسيكة التي أحرقها حبيبها وهي نائمة غير أن حبيبة بنت الرحيبة التهمتها نيران المنصة بمناسبة إقامة عرس كبير وهنا تبلغ الرواية أوج التطابق والتماهي بين الشخصيتين فهذه الرواية إذن للدكتور المختار بن إسماعيل تمثل كتابة لتاريخ مدينة تستور من خلال استرجاع شخصية الفنانة حبيبة مسيكة.

 

سوف عبيد

 

منى زيتونمن أجمل ما قرأت: "أحيانًا تشعر أن وجودك في حياة أحد أو وجود أحد في حياتك في مرحلة ما، كان لعناية إلهية!".

تشارلي تشابلن، الممثل الكوميدي الشهير، وهو فى الثالثة والخمسين من عمره، قابل حب حياته "أونا أونيل"، ابنة الكاتب المسرحي الشهير الحاصل على جائزة نوبل "أوجين أونيل"، والتى كانت وقتها فى السابعة عشرة من عمرها!

طلب تشابلن الزواج منها، وكان منطقيًا أن رفض أبوها هذه الزيجة، ولكنها تزوجت شابلن يوم عيد ميلادها الثامن عشر، وكان تشابلن بعمر أربعة وخمسين عامًا، وعاشا معًا ما يزيد على أربعة وثلاثين عامًا، منذ زواجهما عام 1943م وحتى وفاته نهاية عام 1977م!

كانت فترة تعارفه على أونا فترة صعبة بالنسبة لشابلن؛ فقد كانت الحرب العالمية الثانية دائرة، ولاحقته مشاكل قانونية واشتباه شيوعي وغيرها، كما حاولت سيدة وصولية أن تتقرب منه، لكنه أبعدها عن حياته ليتزوج أونا، ووقفت أونا إلى جانبه في تلك الفترة العصيبة، وخاصة بعد الفضيحة المفتعلة التي حاولت تلك السيدة خلقها له، كما انتقلت معه أونا إلى سويسرا بعد أن أصبحت الحياة صعبة عليه في أمريكا.

حين قرر تشارلي تشابلن الزواج من أونا التي تصغره بما يزيد عن ستة وثلاثين عامًا، قال لها: "لقد تجاوزت أكثر من نصف عمري، ولم يبق أمامي الكثير، تزوجيني لأعلمكِ كيف تعيشين، وتعلميني كيف أموت". ردت قائلة: "لا يا شارلي، ستعيش طويلاً، وسأتزوجك وأكون معك لتعلمني كيف أنضج وأصبح امرأة حكيمة، وأعلمك كيف تبقى رجلًا دائم الشباب"!.

كانت زوجته الرابعة، بعد ثلاث زيجات فاشلة، وكان زواجهما رائعًا، اعتزلت التمثيل من أجله، رغم أن جميع النقاد كانوا يتوقعون لها أن تصبح من ألمع نجمات هوليود، وأنجبت له ثمانية أولاد، وعاشا معًا حتى وفاة تشارلي عن عمر ثمانية وثمانين عامًا، تحول فيها الدون جوان إلى زوج وأب!

ولعل السبب الثاني في نجاح هذا الزواج إضافة إلى حبهما الكبير، هو أن أونا -الصغيرة سنًا، الكبيرة عقلًا- أصرت على خصوصية علاقتهما، لأن الصحافة كانت تتداول قصص زواج شارلي السابقة، وكان ذلك سببًا رئيسيًا في فشلها.

قال عن زواجه منها: "كنت سعيدًا لأنني وجدت أخيرًا زوجة، وليس ممثلة"، كما يصف تشابلن زواجه من أونا في سيرته الذاتية بقوله: "كان أسعد حدث في حياتي"، ويقول: "إني وجدتها؛ الحب المثالي والأبدي".

ومن وجهة نظري فالقصة أعمق بكثير من أن تكون قصة حب ووفاء بين زوجين، فإذا ما تأملنا حوادثها سنجد أن الظواهر كثيرًا ما تخدعنا، وأحيانًا يكون الواقع بعيدًا تمامًا عن المنطق، والعوامل التي يخبرنا أنها فارقة؛ لذا ينبغي على العاقل ألا يُغفل حدسه.

في قصة شارلي شابلن، لم يكن أحد يُصدق أن تلك الفتاة الصغيرة تحبه بصدق إلا هو، واستمرت حالة عدم التصديق من الصحافة سنوات بعد زواجهما! ولو لم يصدق حدسه ما فاز بها، وربما كان قد دخل في زيجة فاشلة مع الساقطة الوصولية التي ظهرت أغراضها الدنيئة له بعد ذلك، والتي بالمناسبة أسهم أحد أصدقائه في تعريفها عليه! فهل كان صديقه حقًا؟!

عُمر أونا مقابل عُمر المرأة الأخرى لم يكن مُنبئًا صحيحًا بملاءمة أي منهما للزواج من شابلن، وقبول المحيطين به للمرأة الأخرى وعدم تقبلهم لأونا أيضًا لم يكن مُنبئًا صحيحًا، ومع ذلك نجح زواجه من أونا بامتياز على غير المتوقع! والعبرة الكبرى من قصة شابلن هي أنها تلفتك لضرورة التركيز على حدسك لتعرف ما المناسب ومن المخلص لك، بينما المنطق وحده قد يضللك!

كثيرًا ما يخبرنا المنطق أن عاملًا له أهميته وتأثيره القوي في موقف ما، كعدد الملتفين حولك الذين تتحدد على أساسهم شعبيتك، وتتصور أنهم سيكونون أكبر سند لك مهما تبدلت الأحوال وتعثرت بك السُبل، بينما قد لا تكون حقيقة الأمر كما قضى المنطق، وحدسك قد يخبرك أن واحدًا ربما يكون بألف، وأنه لن يتركك ولو تخلى باقي البشر عنك.

والخلاصة من وجهة نظري أن العاقل بقدر ما يستخدم التفكير المنطقي، يثق بحدسه! والشخص القوي يُصدق في قوته الداخلية، ولا يدع الآخرين يحولونه عما يريد في الحياة، وما يرى فيه سعادته. استمع إلى صوتي قلبك وعقلك معًا.

 

د. منى زيتون

 

سعد الساعديمما قراته مؤخراً وأثار اهتمامي ما يكتب عن السعادة، وبالذات عند قراءة موضوع من على محرك البحث گوگل، وما أكثر ما يكتب هناك، وما اكثر ما ينقل منه وينشر بأسماء أخرى. في موضوعه الذي اقتبس بعضه من ثلاثة مصادر أجنبية أشار اليها في الهامش ذكر الكاتب محمد مروان طرقاً كثيرة لتحقيق السعادة جعلتني بين ألم واستهزاء لما يبتغيه وينشده المنظّرون والمتخصصون بعلم النفس كما لو أنهم يكتبون من عالم آخر ليس هو الأرض التي نعيش  عليها، وهذه الاشارة أسقطتها ذات مرة على بعض نقاد الأدب  وكأنهم في حلم تدور أحداثه في فضاء الوهم والخيال .

مما أضحكني ما كتب عن تحقيق السعادة ما يلي:

 " فمن أفضل الطرق لتحقيق السعادة هي اختيار الوظيفة والأعمال التي تحمّسه وتجعله سعيداً " . من هنا يحق لنا جميعاً ان نتساءل: أية وظيفة هذه التي تجلب السعادة تلك وليس هناك وظائف لا في بلدي ولاغيره إلاّ من خلال الرشاوى، والوساطات، والمحسوبيات التي تميزت بها بلداننا العربية ودخلت موسوعة غينيس بلا منازع أو مثيل؟ ماهي الوظيفة والعمل اللائق بصاحب شهادة عليا وهو يبحث ليل نهار عنها، لكنها تعطى لإنسان أميّ او شبه أمي، ليصبح فيما بعد ممن ترفع لهم القبعات ومن أصحاب المليارات وقد ولّى زمن الملايين؟

كل هذه المنغصات وما يرافقها يومياً من مشاكل هي بدائل السعادة التي يعيشها ملايين العاطلين، ومعهم ملايين أخرى وهم عوائلهم وذويهم. فهل أصاب صاحبنا بمقاله وهو يتكلم عن العمل واختيار الوظيفة المناسبة التي معها يترسخ حب العمل، لينتج ابداعاً خلّاقاً وليست فوضى خلاقة؟

ومن المضحكات الأخرى مما ذكره صاحب المقال ويقوله غيره يومياً ويجدون من يصفق لهم ويشجعهم كما لو أنهم وضعوا قوانين السعادة العالمية ونحن في ظل عولمة تغطي كل شيء فيقول:

" يعتقد العديد من الناس أنّ السعادة مفهوم يرتكز على جمع المال والممتلكات، ولكن في الحقيقة ترتكز السعادة على العلاقات الإجتماعيّة التي يحقّقها الفرد " وهنا يبرز سؤال مهم: من لا يملك المال وليس له سلطته كيف سيحقق السعادة من علاقات اجتماعية وأضحى المجتمع لا يعترف بالفقير المعدم، إلاّ بأصحاب الجاه والثروة والسلطة؟ ومن ذلك الذي يسعى لعلاقات مع فقير ويترك التزلف ومنافقة الاثرياء؟ وكيف للمال أن لا يحقق السعادة حين يوفر الغذاء الصحي ويمنع الامراض ويساعد على استعمال كل شيء وفق النظام العام بما فيها توفير جوٍ باردٍ في الصيف مع مكيفات الهواء وإن انقطعت الكهرباء لساعات فالمال سيوفر المولدات البديلة لتوفيرها وبالتالي تصنع السعادة في حين مع العيش يوميا بعكس هذه الحالة نفتقد لرؤية من يقول: انا سعيد، حتى بات الاطفال بعمر أربع او خمس سنوات يتأففون ونسمعهم يطلقون كلمة (بابا ضايج) باللهجة العراقية، بمعنى زهقت وملت روحي مما انا فيه وهو حقيقة لا يعرف جوهر وفلسفة هذه الحالة لكنها ترسخت لديه مما يسمعه ويراه على وجوه أبويه او أهله جميعاً لتخرج بعفوية تلك الكلمة . هل تحققت سعادة الوالدين وهما يسمعان اطفالهما يتكلمون بذلك، وأحياناً يتمنون أشياء أخرى؟

في مقال الكاتب اشارات جميلة لتحقيق السعادة فمنذ البدء اسماه " كيف تحقق السعادة" ولا ننتقص منه ومن أصحاب المراجع الذين اقتبس منهم ونقل عنهم ما يبغي ايصاله للفرد والمجتمع كي يفيدهم، وربما يمتعهم ويسعدهم، لكن الموضع بعيد عن واقعنا وربما من السهولة تحقيق ذلك في المجتمع الغربي تحت ظل القوانين والعدالة التي هي شبه نائمة في بلدان ثانية..!.

ومن أجل اقناعنا نحن من نبحث عن السعادة، يقول الكاتب لعلنا نتشجع ونحققها: " السعادة ليست هدفاً يحقّقه الإنسان إنّما هي أداة ووسيلة من أجل تحقيق الأهداف، فمن خلالها يمكن توسيع تفكير الفرد ومداركه، وبناء موارد وإمكانيّات كثيرة، بالإضافة إلى أنّ التفكير الإيجابيّ يساعد على تحسين أسلوب التفكير ويزيد الإبداع وبالتّالي يحصل الفرد على نتائج إيجابيّة في جميع مناحي الحياة سواء في العلاقات الاجتماعيّة، أو العمل، أو حتّى على صعيد المهارات البدنيّة".

ونتساءل لآخر مرة: من أين يتولد التفكير الايجابي في ظل القهر والظلم والحرمان وسلب الحقوق؟ اذن لا سعادة ستتحقق. كيف يتوسع تفكير الفرد ومداركه وهو لا يملك ثمن شراء كتاب للمطالعة، وثمن قميص جديد يفرح بارتدائه؟ لا سعادة ستتحقق، وبالمناسبة فإن القميص يحقق السعادة، ووجبة طعام في مطعم فاخر تحقق السعادة، وشراء رواية جميلة تحقق السعادة، وزوجة تحاول تقديم أشهى طعام لزوجها تحقق السعادة، وترفيه الاطفال في مدائن الالعاب والسفرات تحقق السعادة، وكتابة قصيدة في أجواء هادئة تحقق السعادة، ولكن أغلبنا ليست لديهم وسائل تحقيق السعادة، لان همومهم جمدّت التفكير وحصرته فقط بالبحث عن لقمة العيش الشريف من أجل سدّ الرمق، أما الاحلام بعيداً عن تحليل الواقع فلا أعرف هل تحقق السعادة أم لا؟

 

سعد الساعدي

 

ضياء نافعكان غوغول تدريسيا في جامعة بطرسبورغ العريقة للفترة من ايلول/ سبتمبر العام 1834 والى نهاية العام 1835 (ولازالت صورته لحد الان موحودة على جدران تلك الجامعة ضمن صور اساتذتها المشهورين والمتميزين،المعلقة في الممر التاريخي الكبيرفيها، وقد رأيتها شخصيا عند زيارتي لتلك الجامعة)، وكان يلقي محاضرات للطلبة في التاريخ، وفي تلك الجامعة قدّم غوغول محاضرته الشهيرة عن الخليفة العباسي المأمون، المحاضرة التي استمع اليها آنذاك بوشكين وجوكوفسكي، والتي قال عنها بوشكين رأسا - (انها ممتعة!)، ونتوقف في مقالتنا هذه عند بعض تفصيلات هذا العمل التدريسي، الذي مارسه غوغول، وهو – من وجهة نظرنا - موضوع طريف وغير اعتيادي بتاتا في تاريخ الادب الروسي وخصوصا للقارئ العربي (رغم ان هذا القارئ يعرف محاضرة غوغول عن المأمون، التي ترجمها بشكل رائع صديقي وزميلي في الدراسة كامران قره داغي في السبعينات ببغداد، وتناول هذه المحاضرة بعض الباحثين العرب ايضا عندما كتبوا عن الموضوعة العربية في الادب الروسي)، ونحاول (محاولة ليس الا) ان نعرض في مقالتنا هذه جانبا شبه مجهول في سيرة حياة هذا الاديب الكبير في تاريخ الادب الروسي و العالمي طبعا، و نحاول ايضا ان نجبب عن سؤال - هل كان غوغول يصلح ان يكون استاذا جامعيا في جامعة بطرسبورغ، ولماذا لم يستمر في عمله الجامعي آنذاك؟

تحدثت بعض المصادر الروسية عن فترة عمل غوغول في الجامعة، وأشارت هذه المصادر الى السمعة العامة عنه (ان صحّ التعبير)، والتي كانت تتمحور في انه كان (محاضرا ضعيفا)، وانه لم يكن ملتزما في الدوام ولم يخضع لضوابطه الدقيقة كما يجب في الجامعات عموما، بل ان بعضهم تحدث عن تأخّره حتى عندما حضر بوشكين وجوكوفسكي للاستماع الى محاضرته عن الخليفة المأمون، رغم انه كان يعرف بانهما سيأتيان خصيصا للاستماع الى محاضرته تلك . وكتب تورغينيف في مذكراته عن غوغول المدرّس في الجامعة قائلا – (... انه كان يتكلم همسا، وجمله غير مترابطة، وان الجميع كان متفقا انه لا يفقه في التاريخ، وان غوغول المدرّس لا يمتلك اي شئ مشترك مع غوغول الاديب والكاتب ..)، وجملة تورغينيف هذه تحتوي على خلاصة دقيقة لتلك الآراء العامة في الاوساط الروسية حول عمل غوغول في الجامعة، الا ان بعض الباحثين يرون، ان غوغول المدرّس هو نفس غوغول في الادب، اي انهم غير متفقين مع تورغينيف، الذي ذكر، ان (غوغول المدرّس لا يمتلك اي شئ مشترك مع غوغول الاديب والكاتب)، ويبررون هذا الرأي بالتأكيد على ان غوغول كان يمزج الواقع والخيال معا (وبشكل رائع ومدهش الجمال) في نتاجاته الادبية وابداعه، وان غوغول استمر بهذه الخاصية في عمله الجامعي ايضا، ولهذا السبب لم ينجح في عملية التدريس، لأن هذه العملية العلمية والتربوية تستوجت الالتزام الموضوعي الحازم والصارم بالوقائع التاريخية، بينما هو التزم بالمبدأ المرتبط بابداعه الادبي، اي التفاعل الحيوي والعضوي بين الوقائع والفنتازيا، ولهذا فانهم لا يتفقون مع رأي تورغينيف المشار اليه في جملته التي استشهدنا بها في أعلاه، اي انهم يقرون برأي تورغينيف حول فشل غوغول بعمله التدريسي في الجامعة، ولكنهم يفسرون هذا الفشل بسبب آخر هو بالذات – (التزام غوغول بخصائصه كأديب وكاتب) وليس لانه (لا يمتلك اي شئ مشترك مع تلك الخصائص) كما أشار تورغينيف . وفي كل الاحوال، يمكن لنا في الوقت الحاضر ان نقول و بكل تأكيد وثقة، ان غوغول لم ينجح في عمله التدريسي في الجامعة، الا ان الاسباب التي أدّت الى ذلك الفشل لازالت تثير النقاشات والجدل حولها في اوساط الباحثين .

استاذ التاريخ في جامعة بطرسبورغ غوغول ونشاطه في مجال التدريس لازال موضوعا مطروحا وحيويّا في تاريخ الادب الروسي ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

علي المرهجفي بابل كانت أشجار النخيل لكثرة مواردها من أكبر ثروات البلاد، هكذا يذكر (غوساف لوبون) في كتابه (حضارة بابل وآشور)..

لقد قاومت بابل بحضارتها وإنسانها قوة الصحراء الهادمة. حركة التجارة فيها مما يُلفت الأنظار حين التبصر في تاريخ هذه الأقوام، لقد كانت بابل من الوجهة الجغرافية مركزاً وسطاً تتجه إليه العيون، حتى صارت في نظر القدماء مهد الجنس البشري، فهُناك (في بابل) تبلبلت الألسن.

يُقال أنها مدينة في أمة، وقيل أنها شيدتها (سمير أميس)، رغم أن وجود بابل يسبق وجود (سمير أميس) بنت الحضارة الآشورية، وقيل أنها من بابل وتزوجت ملك (نينوى) (شمسو حُدد الخامس في القرن التاسع قبل الميلاد، ولا أخوض في هذا المعترك في التدوين التاريخي فله رجاله، ولكن ربط بابل بسمير أميس عندي هو ربط جمال بجمال، لأن (سمير أميس) هي الملهمة للجمال، وبابل حضاة الجمال لا يليق بها مليكة سوى جميلة فائقة الجمال مثل (سمير أميس)، وقد ذكرت المصادر أنها هي التي بنت مدينة (آشور).

لقد ظلَت بابل سيدة آسيا ـ كما يقول لوبون.

مع (نبو خذ نصر) بلغت بابل أوجها في الجمال والعمران، "حتى أصبحت أعجوبة العالم القديم".

كان "ضياء العلم وبهجة الرخاء كانا دعامة مجد بابل"، وقد بقيَ "من الأدلة على عظمة بابل...أنها لا يزال إللى اليوم مُرادفاً لألفاظ الزينة، والأنس، والسرور، والشهوات"، فلن توجد لها مدينة لها مثل هذه الشهرة الشائعة الرائعة الفتاَنة...حتى صح فيها الوصف "بابل كأس ذهب بيد الربَ، تُسكر كل الأرض، ومن خمرها شعوب الأرض تشربُ".

1009 bablalami

بفضل بابل وحضارتها ازدهرت حضارات أمم مجاورة لها، ومنها الحضارة (العيلامية) في بلاد فارس...

لقد كانت الحضارة الفارسية ربيبة الحضارة البابلية، فكانت اللغة الأكدية هي لغة التخاطب الرسمي عندهم والمقبولة في المراسلات الدولية دبلوماسياً كما يقول ـ ليو أبونهايم ـ في كتابه (بلاد ما بين النهرين، ص85).

في بابل كُتبت أوَل شريعة يحترم أهلها القانون ويعملون وفق مبدأي الحقوق والواجبات، فلكل فرد حقوق وعليه واجبات بما فيهم الملك (حمورابي) الذي وصفه (جورج رو الطبيب والآثاري) في كتابه (العراق القديم) بـ "رجل السياسة" (طبعة بغداد، دار الرشيد، ص268).

1009 1bablalami

وضع حمورابي شريعة لتسيير أمور دولته، وهي دستورها و(مشروطتها) في وقتها وأوانها، إن لم تكن مُتقدمة على الزمان!، فقال عنها أصحاب كتاب (العراق القديم) من المؤلفين الروس بترجمة د.سليم طه التكريتي "أنها قوانين قد حمت المواطنين الذين أصبحوا أرقاء بسبب الدين من المُعاملة السيئة التي كانوا يتعرضون لها يد قسم من أسيادهم. (طبعة بغداد، ص80)، لذا قام حمورابي بتشريع مجموعة من القوانين الادارية والاجتماعية والدينية بقصد تثبيت مركزية الحكومة والدولة (جورج رو: ص273) الغرض منها احقاق الحق وانصاف المظلومين.

بابل مدينة الجمال والحضارة، مدينة الآلهة، مدينة المدنية، يصنع أهلها تاريخ أمم لاحقة لهم.

 

ا. د. علي المرهج

 

عمار حميدبعد الاعتراف الدولي بمدينة بابل جزءا من التراث البشري وادخالها الى قائمة اليونسكو الخاصة بهذا التراث ضمن جلسة لجنة التراث العالمي التي عقدت في العاصم الاذربيجانية باكو تنتظر المدينة الاثرية تحديات كبيرة فالآن يقع على الحكومة العراقية التزاما تجاه المطالب التي فرضتها منظمة اليونسكو من اجل الاستمرار بذلك الاعتراف من خلال ازالة التجاوزات التي وضعت داخل بابل ومن ابرزها القصر الذي تم بناءه من قبل النظام السابق فوق احد التلول الأثرية التي لم يتم الكشف عنها والمنتجع السياحي في المدينة وأنبوب نفطي يمر داخل خرائب المدينة الاثرية وبالمقابل ستدخل بابل في برنامج يتضمن مساعدات مالية ضمن شروط معينة.

عانت هذه المدينة بعد خرابها وتحولها الى اطلال الى مرحلة ثانية من الخراب من خلال عمليات التنقيب غير المنظم من قبل لصوص الاثار على مر الزمن وتحولها الى مقلع للطابوق الذي استخدم في بناء بيوت الحلة واجزاء من سدة الهندية , لكن الخراب الكبير اتي على يد من دمر العراق بشكل كامل وذلك من خلال محو اساسات المدينة الاصلية والبناء فوقها ووضع اسمه في قطع الطابوق المستخدم في البناء ثم تحولها بعد الاحتلال الى قاعدة عسكرية استقرت فيها القوات الامريكية لسنوات طوال.

1009 1bablalami

هذا الاعتراف يعود بمدينة بابل الى العالمية وعنوانا يجمع العراقيين بمختلف هوياتهم الفرعية وايقاظ الحس الوطني بداخلهم كما انه سيولّد شعورا بأهمية الاثار العراقية والحفاظ عليها وزيارتها والتعرف على معالم هوية بلاد الرافدين وحضاراته المتعددة والغنية من خلال الاكتشافات الاثرية ففي هذه السنة وحدها تم العثور على مواقع اثرية مهمة وجديدة  والذي كان اخرها ما كُشفته احد البعثات الألمانية في بحيرة سد الموصل من قصر كبير يعود الى مملكة ميتاني احد اكثر الامبراطوريات غموضا في الشرق الاوسط وكذلك ماكشف من اثار آشورية عثر عليها بالصدفة قرب احد معامل البلوك في منطقة فايدة على طريق الموصل بالاضافة الى ماعثرت عليه البعثة الفرنسية في مدينة لارسا جنوب العراق من معبد كبير وصومعة للغالال يعود تاريخها الى الألف السابع للميلاد.

وعودا الى بابل والفوز الذي احرزته بعودتها الى الصدارة العالمية سيكون امام العراق حتى العام القادم حسب اشتراط اللجنة المقررة للحفاظ على هذا المنجز وفي ظل الفساد والروتين والبيروقراطية المقيتة سيكون هذا التحدي كبيرا لها.

 

عمار حميد مهدي

 

 

1010 مواعيد النوارسالقصيدة لديها بوح ورسم وانسياب بين الحلم والأمل والحنين..

تمضي القصائد لا تلوي على غير القول بالشجن والدواخل تنحت هبوبها مثل ريح ناعمة..حيث البوح مجال قول وتذكر وتقصد وذهاب للآفاق في هدأة من هذا التداعي الكوني المريب..

من هنا نلج عوالم القصائد في دنيا شاعرة تنحت حلمها الملون بالكلمات تتقصد مواعيد تجاه النوارس..في ضروب من رومانسية الحال .

الشاعرة راضية بصيلة تأخذنا الى حيز من مجالها الشعر ضمن عنوان جديد هو " مواعيد النوارس "  الذي جاء في 86 صفحة من القطع المتوسط والصادر عن مطبعة النصر بالقيروان ضم 28 قصيدة ...

من مناخات الديوان تقول الشاعرة راضية بصيلة

" تتسلل نسائمك

و تأسرني ...

حتى أشواقي

التي وأدتها

انصهرت

حين تعثرت لغتي

بين شفتيك

ما عدت أعرفني..."

القصيدة لديها بوح ورسم وانسياب بين الحلم والأمل والحنين كل ذلك في حيز من الاحساس بالغربة حيث الحلم النبيل في أكوان موحشة وعوالم من الخيبات لكنها تظل الشاعرة حاضنة القول بالحكاية المقيمة بين سحر الكلام وعنفوان الحلم والدهشة..

تقول الشاعرة في هذا السياق

" الجامع امنياتي معه

أطرز فيه الاماني

وارتق حلمنا

بانتظاري

وارقبني من هناك حتى انام .."

 "مواعيد النوارس"   مجال شعري وفسحة لرومانسية بوجه السقوط والتداعيات حيث القصائد ومنها "عبور" و" على مشارف الطريق"  و"عودة الفينيق"   و"سفر في الوريد» " و"ساعة الغروب " و "شهقة فرح»" و"قطرة للحياة "... قصائد الأمل المفعم بالحلم ..قصائد الوجد تجاه الانكسار والخوف والقلق ..

كتبنا كم

غنينا كم

رفقة كانوا هنا

وتواروا

ولم تبق

غير صور معلقة

على جدار الذاكرة

مواعيد النوارس للشاعرة راضية بصيلة سفر آخر حيث الكتابة ملاذ وحلم وبحث عن المعاني تنحت وجدانياتها في مساحة محفوفة باللامعنى والسقوط حيث يبقى الشعر وجهة باذخة للنشيد والغناء الخافت..

 

شمس الدين العوني

 

نستنتج من اسم هذا الجنس الأدبي أنه أدب متخيل ليس واقعياً، وأنه متصل بالعلم والاكتشافات والتكنولوجيا. نشأ هذا الجنس الأدبي في الغرب، وبرز ظهوره مع قيام الثورة الصناعية، وتزاحم ظهور المكتشفات العلمية في البلاد الغربية. العديد من الأسماء الأدبية اللامعة أدلت بدلوها في هذا الفن الجميل، ولعل جول فيرن وهربرت جورج ويلز هما من يأتيان في الصدارة.

بإمكان الباحث أن يدرك بوضوح، مدى ندرة وضحالة هذا الجنس الأدبي عربياً، فنصوص الخيال العلمي لا تظهر في أدبنا العربي، إلا على استحياء، وبشكل محدود. وهذا منشأه يعود إلى عقليتنا العربية وطريقة تفكيرنا، فتفكيرنا نحن العرب يتنافر مع منهجية أدب الخيال العلمي.

فكر الخيال العلمي مرتبط في حد ذاته بالمستقبل، واستشراف المستقبل، ومعروف عنا نحن العرب أننا لا نحسن النظر إلى المستقبل، فنحن بارعون في الماضوية والسلفية والالتفات الدائم للوراء.

شيء طبيعي أن يتأخر هذا الفن عند العرب، وأن يتقدم في الجهة المقابلة عند الغرب. فالعقل الغربي منشغل بقضايا المستقبل، يخطط للعقود والقرون القادمة، بينما العقل العربي منشغل بقضايا الماضي، ليملأ بها فراغ الحاضر وعجزه عن رؤية المستقبل. هم منشغلون في بحوث غزو الفضاء والثقوب السوداء والسفر عبر الزمن وتطوير الروبوتات والنانوتكنولوجي، فيما نحن منهمكون بالبكاء على أمجاد كانت لنا في الأندلس، نتجادل ونقتتل حول ما جرى في معركة الجمل وسقيفة بني ساعدة.

إذا ما أراد الأدباء العرب أن ينهضوا بأدب الخيال العلمي، فهذا يتطلب منهم أن يتحرروا من قوالب التفكير الجامدة، وأن يتملصوا من الطريقة الكلاسيكية التي يكتبون بها الأدب. فكتابة نص الخيال العلمي تحتاج إلى قدر كبير من المجازفة والانطلاق، لأنها محاولة جادة لارتياد المستقبل وخوض غمار المجهول، بكل ما في ذلك من مغامرة وخروج عن المألوف.

 

محمد جهاد إسماعيل - كاتب من فلسطين

 

1002 محمد بكريةأهدانا الصديق الشاعر الإعلامي، ابن عرابة البطوف المقيم في زهرة المدائن، محمد بكرية مشكورًا، مجموعته الشعرية الجديدة "لا تسافر أيّها الحلم" الصادرة عن دار "يافا العلمية" للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان، وهي المجموعة الرابعة التي يصدرها بعد "على المقعد المهترئ"، و"روح محمولة على الريح" و"على صراط من الوهم" .

جاءت المجموعة في 100 صفحة من الحجم المتوسط، وتتضمن اضمامة من قصائده الجزلة المتينة وعميقة المعاني والأبعاد، التي تحمل الطابع الإنساني والسياسي والتاريخي، وراجعتها لغويًا عقيلته الاذاعية سماح حسنين بكرية، وأهداها إلى " والدتي التي مشّطت بيدٍ وجه الارض وحلبت الغيمَ بيدها الثانية حتى تفتّق زرعُها .. زوجتي الغالية سماح .. شقيقتي الكبرى نوال "أم ماجد "، أمّنا، ضوء الفجر إنْ عبست الأيام ُ واسودّتْ سماؤها .. صديقّاي الصغيران، غسان وإبراهيم ياسين بكرية، علّ الأيامَ تبشّرُ بمستقبل أكثر بهاءً وأمنا من الحاضر " .

وكتبت الاديبة د. راوية جرجورة بربارة مقدمة شمولية غاصت وابحرت ونفذت إلى عمق قصيدة محمد بكرية المدجج بالثقافة التراثية والتاريخ والجغرافيا، وتغني كلمتها عن القراءات النقدية والاستعراضية، ولا تترك أي شيء للناقد قوله، ومما قالته : " كل قصيدة حملت صليبها وسارت درب الآلام لتصلب الحقيقة امامَنا هناك على الجلجلة . تصلبَ أمامنا  آهات حلب، وتمسح دمع الشام، وتقلب مفاهيم النبوّة في زمنٍ قدْ اختمَرَتْ فيه الأرض من دمٍ الأطفالِ، واصبحت بدايات قابيل وهابيل أحداث ايّامنا الحاضرة، في زمنٍ يقتل فيه الأخ أخاه، وتقتل فيه الكلمات وجه الصفحات وتخدش حياة صمتِنا " .

والقصيدة لدى الشاعر محمد بكرية هي بوح ورسم وانسياب وتعبير عن الواقع والحلم والأمل والحنين إلى الماضي والتداعي الكوني، فينحت حلمه المُلَوّن بالكلمات، راسمًا صورة للواقع والعلاقات البشرية في عالم موحش، رابطًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، كل ذلك بروح إنسانية خالصة، ونفس درويشي، واتكاء على التاريخ، حاضنًا القول بالتناص والأسطورة والجغرافيا والدين وسفر التكوين، بين سحر ودهشة الكلمة وعنفوان الحلم وجزالة التعبير، وصدق المعاني .

وتحفل قصائد الديوان بالأبعاد التاريخية والدلالات العميقة الموحية، ومن يبغي قراءتها واستيعابها وفهم مبتغاها ومعانيها ورؤاها، فعليه ان يكون مسلحًا بثقافة تراثية دينية، ملمًا بالتاريخ والجغرافيا والأديان، فهو يوظف الكثير من الأسماء والأحداث والامكنة التاريخية والرموز الدينية والأسطورية والشخصيات الفكرية والفلسفية، وحسنًا فعل محمد حين خصص هوامش في نهايات قصائده للتعريف بهذه الشخوص والرموز والاحداث والمعارك التاريخية .

وقصائد محمد بكرية تزخر بالحياة والحيوية، يسجلّ فيها عالمًا كاملًا معبأ بالمآسي والحروب والعنف والأسى والغضب، ويرسم بألسنة النار المتأججة في اعصابه وتهاويل الحلم الجاحظ  في عينيه، الخط البياني الذي يصل ما بين الحرب والسلام، بين الكراهية والمحبة، بأسلوب ناضج يعتمد الصورة والإيحاء والرمز والرؤية والرؤيا، والغوص في أعماق النفسية العربية من خلال تداخل رائع بين الماضي والحاضر، يمدَّ قصيدته بالحياة والحركة والدينامية والتوهج، ويوحي لنا أننا لم نكن وانتهينا، بل كنا ونكون .

ويتميز محمد بكرية عن غيره من الشعراء بأنه يتجدد بشكل دائم، مستفيدًا من قراءاته وتجاربه، فهو يغير أساليبه وأدواته، مع المحافظة على مواضيعه ومضامينه وأشكاله التعبيرية الفنية الجمالية، ويقوم الايقاع الداخلي في قصيدته مقام النغم الصاخب الذي لا يعرف السكون إلا لحظة التحول لانغام جديدة، أكثر غنى، واكثر تعبيرًا، ينظمها عقد مفردات وكلمات تحمل اللون والضوء والشحنات العاطفية الانفعالية بالحدث، والحيوية، التي تشكل بمجملها عناصر الميلاد الذي يفتح أمامه حقلًا معرفيًا واسعًا من التطور والحركة الدائمة .

ونلمس في ثنايا قصائد المجموعة شظايا مرارات الواقع إلى حد الرؤية القاتمة، فهو حزين حتى درجة الموت، روحه تتوجع وتتألم، ونفسه تئن، ويوظف ويسخر أفكار حادثة صلب السيد المسيح،  الذي اكتأبت نفسه أيضًا حتى الموت، ومصدر الاكتئاب القديم والحديث واحد .

محمد بكرية هو شاعر الدهشة والتمرد والصخب، وشاعر الانسانية والمعنى بما يخفيه من رموز واشارات، ويستنبطه من تأويلات في أزقة القهر والوجع اليومي والتردي، عرف كيف يستفيد من التراث الذي تمثله واستوعبه واعتمده كمسوغ يدعم رأيه وموقفه وبنية قصيدته، التي نشأت وولدت في بؤرة التوتر واللهب والغليان والاحترابات الداخلية والصراعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية .

ومن مناخات الديوان قصيدة عن حلب الشهباء، التي استوحاها مما جرى في هذه المدينة السورية من إراقة دماء وتهجير وتغريب وخراب ودمار في البنى التحتية، واكتوت بلهيب الحرب المجنونة الطويلة بين قوات النظام السوري وبين قوى المؤامرة والارهاب والظلام الداعشية بكل مسمياتها، فلنسمعه يقول بكل وجع ومرارة :

آهٍ، آهٍ، يا حَلَب

دمعُ العَينِ قد نَضَب

شُدّي أزرَكِ وارفعي عنكِ هذا الوَصَب

فجَري الارضَ والسما نارًا وغضبَ

آه يا حَلَب،

أيستكينُ حَبْلُ الوتينِ وعلى فَرْجكِ يلهو هذا المُغْتَصِب؟

آه يا أطفالَ حلَب،

كونوا طيورَ الأبابيلٍ

ترميهم بحجارةٍ من لَهب

ويمكننا أن نقرر في النهاية أن محمد بكرية في مجموعته الشعرية "لا تسافر أيّها الحلم" نجح في تقديم صورة للأبعاد الإنسانية للمأساة الكونية الحقيقية، وأصاب نجاحًا لا بأس به يعد ويبشر بنجاحات أخرى فيما لو تابع وواصل الكتابة في هذا المضمار . فله التحية وخالص الود، وتمنياتي له المزيد من العطاء والتألق والاصدارات الأخرى، وإلى أمام .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريبدأت فكرة تأسيس إذاعة بغداد منذ الثلاثينات في عهد الملك غازي رحمه الله، اما تاريخ التأسيس الرسمي يعود إلى 1/7/1936، وكانت أول إذاعة عربية، وساهمت في نشر الثقافة والآداب والعلوم، وبث الوعي الوطني والقومي بين الأهالي، وبث برامج سياسية وإجتماعية وصحية، وتابع المستمعون العرب الإذاعة من مختلف أرجاء المعمورة، ونقلت أخبار الحرب العالمية الثانية، والأحداث التي حصلت في تلك الفترة، وكان شراء المذياع أمرا صعبا، لغلاء سعره، وكان الأهالي يتابعون البرامج من خلال المقاهي، فكان المذياع يوضع في المقهى يبث البرامج المنوعة، المقهى كانت مكانا ثقافيا يتواجد فيه الناس على مختلف مشاربهم، ويشهد حراكا سياسيا، وتُعرض فيه اراء الأحزاب المؤيدة والمعارضة للسلطة، والرأي والرأي الآخر، وعمل في الإذاعة من ابرز المذيعين، وأصحاب الخبرة في الإعلام، كانت إذاعة بغداد لها سمعتها و شخصيتها، ومهنيتها، في ذلك الزمان كان الدور للمذياع قبل ظهور التلفاز، ووسائل الإعلام الأخرى، وعند حدوث انقلابات عسكرية إو ثورات يتم السيطرة على الأذاعة، التي من خلالها تبث البيانات، الرحمة للراحلين الذين عملوا في الاذاعة والشفاء للمرضى أن شاء الله، تحية إلى إذاعة بغداد في عيدها وللعاملين فيها، وساهمت في اعداد وتقديم برامج الإذاعة نخب مثقفة لها الخبرة والثقافة، وتبقى اذاعة بغداد محبوبة إلى الجميع. وعيدك مبارك لإذاعة بغداد.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

سوف عبيدالصديق الشاعر والأديب محمد الصغير عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاما فهو من الأعضاء القدامى في اتحاد الكتاب التونسيين وهو من الشعراء الذين يكتبون وينشرون بعيدا عن صخب الساحات وأضواء الإعلام وفي رصيده عديد المجموعات الشعرية منها خاصة

 ـ في طريق الورد ـ أمواج ـ للبحر أنغامه ـ من الأعماق ـ مرافئ لا تنام ـ مسار يتجدد

والسّمة الواضحة في قصائد محمد الصغير نلاحظ فيها بكل وضوح كثافة الوجدان المرهف فأغلب مواضيعه صادرة عن عواطف شفافة مفعمة بالتعبير عن الجمال في شتى مظاهره وصادرة عن حب الموطن في عديد مجالاته وبأسلوب ذي لغة عربية تنزع إلى الصفاء لكنها سلسة العبارة موحية الصورة ولا عجب في ذلك فالشاعر متخرج من التعليم الزيتوني الأصيل وقد زاول التدريس والتفقد على مدى سنوات طويلة فكل إناء بما فيه يرشح

ـ 2 ـ

ولأن الأدب لا يعترف بمقولة الأعمار وإنما لا تزيده السنوات إلا خبرة ودربة فقد أصدر الصديق محمد الصغير كتابا جديدا بعنوان - نقوش في الذاكرة - هو مجموعة نصوص يتحدث فيها عن مسيرته الشخصية والأدبية والتربوية فكأن تلك النصوص حلقات متصلة لفلم تاريخي يؤرخ حياة شاعر من خلال تصويره لبيئه الأولى في قرية من جزيرة قرقنة التونسية فيستحضر شخصيات أسرته التي كانت تصارع الطبيعة برا وبحرا لكسب قوتها بكد اليمين وبشرف مما جعله يواصل دراسته رغم عديد التحديات فيذكر باعتزاز معلّميه وشيوخه ولا ينسى أصدقاءه وزملاءه وهو من خلال استرجاعه لذكرياته ينقل لنا بعض المواقف الطريفة مثل انتقاله لأول مرة عبر البحر من مسقط رأسه جزيرة قرقنة إلى مدينة صفاقس وكيف هبت الريح مما جعل المركب الشراعي قاب قوسين أو أدنى من الغرق وقد امتلأ قدر الطعام بماء البحر فكان ذلك أخف الأضرار

ـ 3 ـ

وعندما انتقل الشاعر إلى تونس العاصمة واصل دراسته في جامع الزيتونة فذكر لنا الكثير من شيوخه بتقدير وثناء ومن المصادفة أنه عندما ذكرهم تذكرت أني تتلمذت إلى بعضهم سواء في المدرسة الصادقية أو في معهد ابن شرف مما أثار في نفسي شجون الحنين والعرفان لهم وقد توقف الشاعر في هذه المرحلة عند الخلاف السياسي الذي اندلع بين الطلبة الزيتونيين وشقهم إلى فئتين متصارعتين قبيل استقلال البلاد سنة  فكان من 1956 فكان من الأجدر حسب رأيه التوحد من أجل التحرر من الاستعمار ثم بناء الدولة الوطنية وإن مثل هذه الذكريات يمكن أن تكون مرجعا مهما عن  مرحلة تاريخية من تاريخ تونس الذي ساهم فيه رجال التربية ليس بنشر التعليم في جميع مناطق البلاد حتى النائية فيها وإنما كان لهم الفضل في بعث المشاريع الاجتماعية وغيرها فقد كان أولئك المعلمون الأفذاذ منارات تشيع المعرفة والوعي  والوطنية بروح البذل والعطاء فلصديقنا الشاعر  محمد الصغير أن يفخر بأنه أحدهم

- 4 -

الكتاب إذن وثيقة أدبية وتاريخية بما حواه من معلومات وصور لشخصيات ولمجلات وبطاقات وغيرها تعود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أواخر سنوات القرن العشرين وفصوله الممتعة  بسرد تفاصيل الوقائع هي اسحضار حميمي لفترات ومواقف من حياة الشاعر محمد الصغير المولود سنة 1931 فالكتاب يمثل شهادات مهمة عن مسيرة مثقف حاول أن يضيف وأن يكون عنصرا إيجابيا رغم التحديات فتحية شكر وتقدير على مواصلته الكتابة والنشر  ونحن على خطاه وعلى درب جيله سائرون

 

سوف عبيد

 

عقيل العبودحبره لم ينضب رغم علاقتنا المشتركة مع الورق طوال هذه الحفنة من السنين.

الحلقة الأولى كانت تجمع ضحكة صبي لا يعرف من الدنيا الا تلك المسارات المتعثرة لمدرسته الإبتدائية، وبيته المطل على ساحة تحيط بها الأشجار والأرصفة ما يجعلها صالحة للعبة كرة القدم، اوباقي ألعاب الساحة والميدان.

القلب باعتباره يجمع تلك المشاعر، أفكاره بقيت تدور في رحلة انفاس اتحدت اشلاؤها لتصنع من نبض هذا الامتداد الفيزيائي اول كلمة في كيمياء الحروف.

انذاك دار،  تلك المكونات الثلاثة، كانت اول أغنية راح يعزفها رفيقي الذي ما زال بصحبتي حتى يومي هذا.

والملاحظ ان للكلمة مدارات لم تنضب من الفضاءات، لذلك كان الرسم هو الآخر قد أعلن صلته الوثيقة بتلك العلاقة، حتى انني دون إرادة مني ذات يوم، رسمت نخلة تحيط بها الشمس عند الغروب وبجانبها غيمة مسافرة، ويوم حضر المعلم (المعيد)* في التربية الفنية ما نسميه المطبق ليدقق في تلك اللوحة، أخذ الورقة مندهشا وقرر ان أكون احد المشتركين  في مرسم المدرسة.

المركزية الابتدائية المختلطة آنذاك. نعم لقد كانت اللوحة تجمع بين زواياها سعيفات نخلة، لحظة ابتعاد ضوء استفزه ذلك الشحوب ليصنع من صورته سحراً  متدفقة ألوانه، ليبقى ضيفا هكذا في ذاكرتي التي بقيت، محفورة فيها انغام قصيدة سمعتها مغناة على لسان السياب عن جيكور، وتلك قرية بقي يداعب صمتها المطر.

لذلك استئنافا جلسنا معا نحن الاحبة، لننشد ترنيمة حزن لوطن لو كان شاعرنا الكبير حيا فيه، لأسقط جبروت وجوده الصنمي بحثا عن قصائد جديدة.

 

عقيل العبود

.......................

* المعيد: معلم متدرب   

 

هناك مشاعر واحاسيس ليست لنا القدرة عن التعبير عنها بالكلمات. قد تكون النظرات هي لغة التعبير وهناك كلمات لاتعبر عن احاسيسنا ابد: "فيامن اشتقت أليه حفظك الله واسعدك بعدد ماهزني الشوق والحنين لعينيك"

في زمن مضى من العمر سمعت أناسا كثيرين يتحدثون عن لغة الكلام بالعيون والكثير من الحكايات والاغاني وأنها تخص العاشقين وهي لغة لا يفهمها إلا من وصل إلى قمة العشق، لم أفهم ما تعنيه هذه الكلمات وهذه اللغة لم أعرها أي اهتمام في حياتي أتت بك الايام إلي في زمان بعيد ما وأخبرتني أنك تحبني وأنك تفهمني دائما وتفهم ما سأقوله من دون كلام فقط بالنظر ألى عيناي لم أصدق أي من هذه الخرافات حتى أني لم أصدق ما قلته رفضتك تماما لم تيأس حاولت مرارا وتكرارا وكنت أراك دائما عندما تنظر إلي تتحدث بكلام كنت أود قوله كنت تقول لي لقد فهمت من نظرت عيناكي ماتودين قوله فاضحك تلك الضحكة الساخرة وأكمل طريقي لكن بعد مدة قصيرة كنت جالسة ليلا في شرفة منزلي وانا في هذا البلد الغريب أحتسي القهوة فكرت بكلام أولئك الذين تحدثوا عن لغة العيون وفكرت بك وبكل شيء كنت تقوله عندما تنظر إلى عيناي وأنك تفهمني فكرت بكلامك قليلاً لا أعلم شعور راودني وبدأ بالتسلل إلى قلبي وعقلي بأن أصدق ما قلته وفي اليوم التالي بدأت بالمضي مع هذا الشعور وبعد زمن لا أعلم وكأنه بدأت أفهمك بدأت أفهم لغة عيناك دون كلام تلك اللغة التي كنت أسخر بها هل حقا بدأت أنا بفعلها أجل بدأت أفهمك دون كلام فقط بالنظر إليك يا له من شعور جميل وصادق حقاً شعور رائع لا يوجد أي كلمة يمكن أن توصف لغة العيون

 

بقلم :ذكرى البياتي