كنت بصحبة شاعر، انه يصر على انه شاعر وربما مفلق، رغم اعتراضي على شاعريته. لا يغير سترته النادرة وبنطلونه الجينز، ربما يعتقد بانها من علامات الشاعر! دخلنا من شارع فرعي بعد الساحة المؤدية الى سوق الغزل، تسد جانب منه كومة هائلة من الازبال، بدون اكتراث المارة، قلت له اتعلم كم عدد وانواع البكتريا والمكروبات بهذا الكوم، فقال انت رأيت تلا وسأريك جبالا، فسألته هل هذا مقطع قصيدة؟ فقال ممكن، فقد تساوى القبح والجمال والنظافة والجرب.. وهذا يستحق اكثر من قصيدة، اكتشف جمال القبح والقبح في الجمال!! قلت له هذه قصيدة فلسفية. كنت اعرف هذه الدرابين المؤدية الى شارع الرشيد. والبيوت المتلاصقة الايلة الى السقوط وتعرجات الدرابين الموحلة والمجاري الصغيرة الي تخترقها وتفيض على الجانبين، وخطر لي ان اذكره بما كانت عليه، ووجدته يشير الى بيوت متلاصقة ولكن صغيرة وزغرفة واجهاتها المنحونة. وقال اكثرها فارغة او مهجورة. كنت مذهولا بشرفها وشناشيلها المطلة على الدرابين وممراتها الصغيرة التي تحجب الشمس، فتظل باردة تثير الراحة والتأمل، كأنني اراها أول مرة. ودخلنا بدربونة صغيرة متعرجة ومنها الى شارع الرشيد, كان فارغا، وهناك بائع ينظف الشارع والمجال امام بضاعته، سلمنا عليه فرحب بنا، قال له: ماذا تنظف؟ فرد: لانه ماكو شغل. واضاف: صار زمان وانت هارب.

ـ اين كنت؟

ـ في بغداد!

ـ ولماذا لا تأتي؟

ـ سآتي وسأسكن هنا!

ـ تسكن هنا، بعد ان رحل الناس.

ـ نعم، سأسكن هنا لعلهم يعودون يوما!

ـ وتترك محلتك؟

ـ نعم.

تأثرت قليلا وقلت انه شاعر، ولكنني لم اقل له بانه شاعر. قبل ان ندخل شارع المتنبي، انزوت المحلات على جانبي الشارع، وانتشر باعة متجولون تقاسموا الشارع مع المارة، حين تمر بالشارع لا بد ان تتفادى اكوام الازبال والكرتون فارغا ومعبأ، وعربات الباعة المنتشرة بفوضى على الجانبين. حين انتهى الشارع ودلفنا بشارع التنبي، زفر بقوة كأنه تخلص من عبء ثقيل، مئات الرواد تجوب الشارع، ومكتباته، وتتصفح الكتب المنشورة وسط الشارع وعلى جانبيه، نتدافع احيانا لاجتياز امتار قليلة من الشارع. واللافت ان شارع المتنبي نظيف، فقلت: هذا من ذوق المثقفين، فشعر بالامتنان، واضاف بزهو خاصة الشعراء.

على مسافة ليست بعيدة من الجهة الثانية من شارع الرشيد، واجهتنا سينما الوطني، تحيط بها اكوام الازيال والنفايات بعد ان تحولت الى مخازن لمختلف انواع البضائع والمستعملات. فقال أتدري ان هذه السينما اول سينما بشارع الرشيد وربما في بغداد, قلت له: اعرف بانها من اقدم السينمات في بغداد، ولكنني لا اعرف بانها الاقدم. فقال: نعم، بناها يهودي، لا اتذكر اسمه. وقادني الى امام واجهة السينما المغلقة، فلاحظت النقوش على واجهتها العريضة. قلت له: انها لا تختلف عن النقوش العربية والاسلامية بشيء، ولكنني ركزت على ألوانها تبدو رغم قدمها، لامعة وذات ألوان نادرة ومتناسقة، كانها لوحة من الالوان المبهجة حقا.. وتأسف كثيرا على ما آلت اليه بغداد ومعالمها الحضارية والمدنية.

بنهاية شارع المتنبي انتصب تمثاله العملاق المطل على دجلة. مع فسحة كبيرة تتيح للمارة رؤية ضفاف دجلة. ويتدرج اسفل التمثال منحدر متدرج يوصل الى مراكب نهرية، تأخذ الركاب بجولة نهرية على الاحياء والبيوت المطلة على جانبي النهر من الكرخ والرصافة. تدخل السرور الى النفس لولا اكوام الازبال على شواطئ ومسنات دجلة. وماؤها المنساب بهدوء كأنه نائم او حالم. ما زلنا نقف بجانب تمثال المتنبي، فقرأ بيت الشعر المنقوش اسفله:

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي

واسمعت كلماتي من به صمم

باسف الى ما ال اليه الشعر والشعراء في زماننا.

جلسنا بمقهى البلدية. بمنصف شارع المتنبي. يضج بالرواد والمثقفين والطلاب، يصعب سماع محدثك فيه، وفوق المقهى مقهى ثان اكثر هدوءا، قلت له، لنصعد الى المقهى العلوي، فتحسس جيوبه، ولكنني كنت قد سبقته الى الدرج المؤدي الى المقهى. وجدنا شرفته نظيفة، يقدم الشاي والقهوة والاراكيل، اوصينا على قهوة. ونحن ننظر ونتأمل كور النحل الضاج في الاسقل، عدد النساء قليل قياسا بعدد الرجال في المقهيين. نهض وقال، سأذهب الى هذه المكتبة، وسرعان ما عاد قبل ان تصل القهوة وهو يتذمر ليس لديه سوى مصادر علمية.

 واضاف لندرتها كنت اطبع له "صاحب المكتبة" ملازما حين كنت اعمل مساعد طباع، لندرتها وكثرة الطلب عليها من الطلاب بشتى العلوم. فكان الدكتور كما يسميه او صاحب المكتبة، يقوم باتصالات ماراثونية مع المؤلفين للحصول على موافقة اعادة طبعها بفصول وملازم مستقلة. واغرب ما قال بانه يخسر احيانا من اجل توفيرها وتوفير المصادر العلمية للطلاب واحيانا مجانا!

وسالته عن استاذه. قال لديه اشغال خارج بغداد وسيعود غدا او بعد غد . واضاف : "اني هسه مرتاح" الى ان يعود . وضحكنا بصوت عال لفت انتباه من في المقهى وسرعان ما عاد الوضع الى طبيعته قبل ان نغادر المقهى .

مررنا بنفس الشارع الذي اتينا منه الى شارع المتنبي. وجدنا الازقة والشوارع التي مررنا بها مليئة بالازبال والنفايات الى ان وصلنا الى ساحة الامين القريبة، محاطة بالمحلات والباعة واكشاك من كل نوع، وغارقة بالازبال والنفايات. لم يزفر هذه المرة، فقد قابلنا ونحن نتجه الى ساحة الامين تمثال معروف الرصافي.

كانت الساحة الدائرية الصغيرة، اسفل التمثال الوحيدة نظيفة ومرتبة. يطل الرصافي عليها، وعلى الساحة الدائرية التي يتوسطها تمثاله، بهامة عالية ونظيفة. وسط صخب الباعة والمتسوقين من حوله، والازيال والنفايات المنتشرة بكل مكان في الازقة والشوارع المتفرعة من ساحة الامين وسط بغداد .

 

قيس العذاري

 

 

محسن العافيآمالنا أكبر بكثير من أن تكون لوحاتنا المبتكرة مجرد خربشات في زمن موبوء، فبعد كثرة مكوث في المنازل، صرنا نعرف يقينا نحن البشر أنه لازال في جعبتنا ما نتحدى به جميع الأزمات والنكبات، ونخرج منها بما كتبته وتكتبه آمالنا العنيدة العتيدة منذ زمن بعيد.

في الحجر لانسأل الحياة عمن تكون ومن نكون ولا يمكننا ذلك،بل لابد من أن نستجيب لتحدياتها بتحد بشري لا يعرف الهوان كي نكون أو لانكون،

فبين الجدران، في زنازننا التي اخترناها عن طواعية خائفين من الوباء،لم نكن نعتقد أننا قادرون على التحليق من نوافذ عديدة كنا نعتقدها قاصرة،أو كنا نجهل ماهيتها وكنهها، لكننا من دون شك كنا فيها مع موعد غريب على متن مغيبات كانت تحتفظ بسريتها لنفسها مخفية مطموسة عنا،هو ذاك الموعد الذي تعلمنا فيه الكثير الكثير،وتعلمنا فيه الحياة على شاكلة غريبة لا تخلو من مفاجآت

واكتشافات وإحباطات وأحزان وأفراح...، وجبنا في ضيافته بعض معالم حيوات غريبة،تحيا متخفية داخل متاهات حياة اعتقدنا أننا نعرف ماهيتها وكنهها جيدا،لكننا كنا مخطئين عابثين، لا نعرف شيئا عن سر وجودنا.

الآن فقط صرنا نعي الكثير الكثير، وصرنا نعرف كيف نكون محبوبين بين الناس داخل مجتمعات متماسكة لا تقبل الإنشطار ولا التفكك، مستعدبن على الدوام لمختلف التحديات التي تقدم عليها الحياة من خلال البيئة المحيطة بنا، مخاطبة إيانا بصوت عال كل حين: أنا أنتم.

 

محسن العافي

 

ضياء نافعولد ميرشكوفسكي في الامبراطورية الروسية عام 1865 وتوفي في باريس عام 1941، وهو كاتب روسي وشاعر وفيلسوف ومؤرخ ومترجم  (انظر مقالتنا بعنوان – الاديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) . رفض ميرشكوفسكي ثورة اكتوبر 1917 بشكل قاطع، وهاجر من روسيا الى الغرب احتجاجا ضد (البلشفية)، وقد اوصله هذا الاحتجاج الى التعاون الوثيق مع اعداء مفاهيم تلك الثورة في البلدان الغربية التي هاجر اليها، وبالذات مع موسوليني في ايطاليا وهتلر في المانيا، دون ان يميّز او يستوعب الفرق بين مفهومين كبيرين متضادين واقعيا فيما بينهما، وهو، ان العداء لنظام معيّن سائد في بلاده و العداء للبلاد نفسها ككل - هما موقفان مختلفان تماما وجذريا ولا يمكن الجمع بينهما، فالاستعانة باعداء البلاد ضد نظام سائد في تلك البلاد – لعبة خطرة جدا، اذ لا يمكن لعدو البلاد ان يتحول الى منقذ لتلك البلاد باي حال من الاحوال، وهذا موضوع عالمي وحساس مرّت به كثير من حركات المعارضة السياسية هنا وهناك ولازال يتكرر مع الاسف ولحد الان في عالمنا، ومقالتنا هذه تتناول موقف الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي هذا، والذي أدّى به – في نهاية المطاف - الى ان يعلن في راديو باريس (عند احتلال فرنسا من قبل الفاشست الالمان)، ان نشاط وأفعال هتلر شبيه باعمال وتضحيات جان دارك  في تاريخ فرنسا، وكل هذه المواقف السياسية المتطرفة والخاطئة لميرشكوفسكي كان يبررها هذا الفيلسوف الروسي بالعداء للبلشفية في بلاده روسيا  .

مقدمة هذه المقالة – واقعيا – هي خلاصتها وخاتمتها، وقد تعمّدت ان اضعها في المقدمة لاهميتها وارتباطها مع واقعنا الاليم، ونتحدث الان عن مسيرة هذا الكاتب والفيلسوف الروسي، وكيف انحدر في نهاية حياته الى هذا الموقف .

 كان شعار ميرشكوفسكي (عندما هاجر من روسيا السوفيتية) يتمحور في العداء لثورة اكتوبر 1917 وقيادتها، وكان نشاطه يتمركز  في كيفية ان يساهم في تحقيق اي وسيلة ممكنة من اجل القضاء عليها وتدميرها، وهو موقف سياسي وفكري واضح المعالم، ويمكن لكل شخص ان يتخذه في مسيرة حياته، وخصوصا بالنسبة لاديب وفيلسوف مثله، ولكن المشكلة تكمن في الوسائل التي يتخذها هذا الشخص من اجل تحقيق اهدافه تلك، وقد اقتنع هذا الاديب بفكرة تقول، ان الغرب يجب ان يساهم في عملية تحقيق هذا الهدف، وذلك لان القضاء على البلشفية هو جوهر الحضارة الغربية، وقد كتب ميرشكوفسكي مرة تلخيصا لافكاره تلك وكما يأتي – (..المسألة الروسية هي قضية دولية، وان انقاذ روسيا من البلشفية هي المهمة الاساسية والرئيسية، وفي ذلك بالذات يكمن جوهر الحضارة الغربية ..) .

كان ميرشكوفسكي اسما بارزا بين المثقفين المهاجرين الروس في الغرب لدرجة انه تمّ ترشيحه لجائزة نوبل عدة مرات، وكان مشهورا في الاوساط الفكرية الغربية، ونتيجة لهذه الشهرة، فقد دعاه موسوليني الى روما كي يكلفه بتأليف كتاب عن دانتي، وسافر ميرشكوفسكي طبعا الى روما تلبية لدعوة رأس النظام الايطالي في حينها، واستطاع الدكتاتور الايطالي (وهو في خضم مشاغله الهائلة) ان يجد الوقت الكافي كي يلتقيا معا، والتقيا حتى عدة مرات، وتحدّثا عن السياسة و الفن والادب، ومن الطبيعي ان يتطرّق ميرشكوفسكي في تلك اللقاءآت الى الحديث مع موسوليني عن (عدوه اللدود!)، اي البلشفية في روسيا، وحاول اقناع موسوليني بضرورة (الحرب المقدّسة !!!) ضد روسيا السوفيتية، انطلاقا من مفهومه الفلسفي في تعارض البلشفية مع الحضارة الغربية، وقد كانت هذه الافكار قريبة ومنسجمة تماما مع محور موسوليني وهتلر، ومع هدف الفاشية طبعا.

كتب ميرشكوفسكي بعد تلك اللقاءآت في روما عن موسوليني ما معناه، ان دانتي هو موسوليني، وان موسوليني هو دانتي، وقد علّق أحد القراء الروس على هذه الكلمات قائلا، انه لا يكاد يصدّق عينيه عندما قرأ تلك الكلمات الساذجة للفيلسوف الذي أعطى للمكتبة الروسية مصدرا خالدا في بداية القرن العشرين عنوانه – دستويفسكي وتولستوي، هذا الكتاب الذي لازال يعدّ واحد من  المراجع الروسية المهمة حول اهمية هذين المفكرين الكبيرين في تاريخ الفكر الروسي، ويختتم هذا القارئ الروسي تعليقه بالقول، انه مقتنع تماما، ان ميرشكوفسكي قد اصيب بمرض العمى السياسي، وان هذا المرض هو الذي جعله يصل الى هذه المواقف الفكرية المريضة ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

معمر حبارأنهيت قراءة كتاب: "الأيّام" لطه حسين رحمة الله عليه، دار غبريني، بومرداس، الجزائر، دون ذكر عدد ولا سنة الطبع، من 288 صفحة. فوقف القارئ على الملاحظات التّالية:

1- آخر تاريخ ذكره طه حسين في كتابه هو سنة 1922، مايعني أنّ طه حسين أنهى كتابه "الأيّام" وهو في سن 33 سنة، باعتبار طه حسين من مواليد 1889. وقد قرأت أنّ أوّل طبعة لـ "الأيّام" كانت سنة 1929، أي كان عمره 40 سنة. 

2- من جهة ثانية توفى طه حسين سنة 1973، أي عاش 51 سنة بعد كتابة "الأيام" وهي فترة تفوق فترة كتابة أيامه بـ 18 سنة. مايعني أنّ "الأيّام" بحاجة إلى أيّام.

3- الغاية من هذه المقدّمة أنّ طه حسين كتب "الأيام" وهو في عزّ شبابه ولم ينتظر أن يبلغ الكبر والشيخوخة ليكتب أيامه، وقد عاش 84 سنة.

4- قلت البارحة لأستاذ جامعي في 30 سنة من عمره وأنا أحدّثه عن فضائل كتابة المذكرات مبكّرا: يمكنك من الآن أن تشرع في كتابة مذكراتك - وقد رزقت اللّغة وحسن البيان عن مرحلة الطفولة قبل الدراسة والابتدائية والمتوسطة والثانوية-، باعتبارها مراحل انتهت ولن تعود وطوي ملفها واكتملت أركانها. ومازالت المرحلة طرية يمكن استرجاعها بسهولة وبقليل من الجهد. ويمكن الاستعانة بمن قاسمك المرحلة أن يعينك وتستعين به على ضبط الأسماء والأماكن والتّواريخ وتحديد المواقف. وبهذا تتمّ الانتهاء من كتابة مذكرات مرحلة الطفولة والابتدائي والمتوسط والثانوي والمرء مازال في 30 من عمره.

5- ويمكن للمرء في نفس الوقت أن يشرع في كتابة سنواته بالجامعة وهو في 30 من عمره باعتبار جزء من المرحلة الجامعية قد انتهى. وهذه المرحلة ستكون أسهل بكثير من تلك التي مضت باعتبار المدّة التي تفصله عنها قصيرة جدّا قد لاتتجاوز 12 سنة. والذين عايشوا معه المرحلة مازالوا يقاسمونه الأيّام ويمكن الاستعانة بهم للمزيد من الضّبط والتدقيق.

6- كتابة المذكرات عن المراحل السّابقة وبالتدريج ليس من الأمر الصّعب. وفي الأخير يكون قد كتب المرء عن أيامه كلّها وبدقّة لأنّه كتبها وهو أقرب إليها زمنيا ولم ينتظر حتّى يكون شيخا يصعب استرجاعها واستحضارها.

7- حضرت لمجاهدين جزائريين وهم يتحدّثون عن الثورة الجزائرية فوجدوا صعوبة بالغة في النطق ناهيك عن التعبير. ولم يستطيعوا يومها أن يستحضروا ماحدث بدقّة وبالكم المطلوب الذي يؤدي الغاية المرجوة. فتحدّثوا عن عموميات يحسنها من لم يشهد الثورة الجزائرية من الشباب. وأثّر عليهم الكبر والمرض وفقدان الذاكرة والسّمع الضعيف جدّا والصّحة المتدهورة فلم يستطيعوا أن ينفعوا رغم أنّهم كانوا قادة ميدان أيام الثورة الجزائرية ولهم مواقف مشرفة وبطولات نادرة. فكانت كلامهم مبتورا هزيلا. والسّبب في ذلك أنّهم لم يكتبوا مذكراتهم في حينها وبعد استرجاع السّيادة الوطنية حين كانوا أشدّاء أقوياء أصحاء، فانتظروا حتّى انحنى الظهر وضعف البصر ليقدّموا مذكراتهم فكانت أقلّ بكثير ممّا كان ينتظره المجتمع والشباب. وتلك من مساوئ التأخير في كتابة المذكرات وانتظار أرذل العمر لتدوينها.

8- كنت أقول غير نادم ولا آسف:  تكمن أهمية قراءة المذكرات في كون أصحابها أصحاب تجربة ودراية بالحياة ومسؤولون عمّا يكتبون وقد زهدوا في الحياة ولا يرجون شيئا ولا يتملّقون أحدا وصادقون فيما شهدوا وكتبوا. ولذلك نحرص على قراءة مذكراتهم ونوصي بقراءتها مهما كان دينهم وجنسياتهم وألوانهم ومواقفهم.

9-  والآن نؤكّد ماقلناه ونضيف: كلّما كانت كتابة المذكرات مبكّرة كانت أفضل من حيث الدقة والضّبط والأمانة وقوّة الذاكرة وقدرة الاستحضار وإمكانية الاستعانة بالشهود الأحياء وممن عايشوا نفس الوقائع والأحداث وإمكانية تصحيحها وإضافة ماتمّ نسيانه من قبل وتقديمها في شكل أفضل ممّا كان من حيث الصدق والأمانة.

10- ترقّبوا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى مقالنا بعنوان: "طه حسين من خلال الأيّام".

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

شاكر فريد حسنعرفت الإعلامي الفلسطيني الكبير البارز، حارس القدس، وراعي مؤسسة البيادر الصحفية، المرحوم جاك خزمو، الذي غادر عالمنا أمس الجمعة، في أواخر السبعينيات من خلال مجلة " البيادر الأدبي "، التي شكلت منبرًا ثقافيًا وحاضنة لجميع الشعراء وكتاب وأدباء الوطن، وكان لها دور كبير في نشر الوعي الفكري والثقافي والنضالي والوطني الفلسطيني، وبناء حركة أدبية وثقافية فلسطينية واعية ملتزمة تحت حرب الاحتلال.

وكان جاك قد حدد أهداف وملامح المجلة في مستهل عددها الأول، حيث كتب قائلًا : " البيادر ميدان مفتوح لكل الأقلام وكل الأفكار تلتقي على صفحاتها، تتحاور فتعطي، واتقد فترسم المعالم لأجواء أدبية وثقافية أكثر رسوخا واقوى محتوى. و" البيادر " اذ ترحب بكل الاقلام فإنها ستهتم أكثر اهتمامها بتنشئة جيل جديد من الكتاب يستطيع، وبحق ان يكون في مستقبل الايام خير معبر عن همومنا الثقافية والفكرية. سنحترم الكلمة الجادة وسننشرها، ولن نهمل أي نتاج بل سنتناوله موجهين ناقدين، ومشجعين ".

آمن راحلنا العزيز جاك خزمو بحرية الرأي والفكر والتعددية، ورأى بأن الأفكار لا يمكن لها أن تعيش إلا إذا كانت تنبع اولًا واخيرًا من مصلحة الوطن.

توطدت علاقتي وصداقتي مع المرحوم جاك خزمو بعد أن بدأت ارسال كتاباتي ومقالاتي للنشر في المجلة عن طريق البريد، فكان يسقبلها وينشرها بكل الحب والاهتمام والاستحسان، وكثيرًا ما كان يبدي لي بعض الملاحظات من خلال بريد المجلة أو من خلال رسائل خاصة. وعرفته أكثر حين جمعنا اللقاء ذات يوم في مقر المؤسسة بالقدس، فتوسمت به أنسانًا وطنيًا غيورًا ومهمومًا بقضايا شعبه ومدافعًا عن القدس وعروبتها وأهلها بوجه مشاريع الاقتلاع، وصحافيًا ومحللًا سياسيًا من الدرجة الأولى، وصاحب قلم صادق يتمتع بالموضوعية والمصداقية والاستقامة السياسية والفكرية.

وبالإضافة إلى إصداره مجلة " البيادر " عمل خزمو على نشر واصدار عدد من الكتب الأدبية والبحثية والفكرية لكتاب ومبدعي الوطن المحتل، كمشروع ثقافي لنشر الكلمة ودعم الكاتب الفلسطيني.

وكان جاك قد بادر إلى إصدار مجلة " البيادر السياسي " كجزء من مشروعه الصحافي والثقافي والفكري، عنيت  بالقضايا السياسية والثقافية والاجتماعية واحداث الساعة وهموم ومشاكل الوطن والمسائل العربية والقومية. وحققت المجلة انتشارًا واسعًا بين أبناء المخيمات والقطاعات الشعبية والجماهيرية الفلسطينية، وظلت تصدر بانتظام حتى توقفها عن الصدور نتيجة قلة الموارد المالية والدعم المالي. وكان قد بادر قبل توقف المجلة على اطلاق موقع اعلامي إخباري على الشبكة العنكبوتية، الذي يلقى الترحيب والتقدير والاستحسان واهتمام القراء والمتابعة من المشاهدين.

كانت أحلام جاك خزمو كثيرة، حلم بالحرية لشعبه، وحلم بالمقاومة، فقاوم بالقلم، بالفكرة السياسية المنتظمة، بالصحافة والكلمة المكتوبة، وعرفته ميادين الفكر والاعلام صحافيًا لامعًا، عروبيًا وقوميًا وفلسطينيًا حتى النخاع، يأخذ الحدث من الزمن إلى حضن القضية الوطنية المقدسة، والقضايا العروبية والقومية، فهو سليل الحبر الفلسطيني والعربي الكادح، وصوت الذين لا صوت لهم، ومبدع في الكتابة السياسية اليومية، والتحليل السياسي، ولتحليلاته عمقًا ولكتابته نكهة زعتر الوطن وميرامية القدس، وكان غزير العطاء والكتابة، ولو جمع كتاباته ومقالاته التي نشرها في المجلات التي أصدرها، وفي موقع المجلة ومواقع الانترنت المختلفة والصحف الفلسطينية الورقية، لامتلأت  الطريق من مؤسسة البيادر حتى عاصمة الثقافة رام اللـه.

عرف جاك خزمو بمواقفه السياسية والوطنية والقومية الجذرية المشرفة، مدافعًا بشراسة عن قضية وطنه، طارحًا الهموم الفلسطينية والعربية، ومشاكل شعبه الاجتماعية، فاضحًا وكاشفًا المؤامرات التي تحاك ضد شعبه وتستهدف قضيته الوطنية الكبرى، منبهًا من مشاريع الاحتلال ضد القدس العربية، ومحذرًا من اخطار الانقسام والتشرذم على الساحة الفلسطينية، واقفًا بشدة ضده، وداعيًا للوحدة واللحمة الوطنية الفلسطينية لمواجهة تحديات المرحلة.

ونتيجة مواقفه الوطنية والسياسية تعرض للملاحقات والمضايقات الاحتلالية، لكنه بقي صامدًا لم تلن له قناة، متمسكًا بما يؤمن به وبطروحاته ومواقفه.

وحين بدأت الأزمة السورية رأى خزمو أن ما يجري هو مؤامرة وليس ثورة، لضرب المقاومة والعمل على تجزئة سورية وتفتيتها، وكشف حقيقتها أهدافها، وعرى المتآمرين ضد النظام السوري بقيادة بشار الأسد.

هذا هو الصديق الإعلامي والصحفي الألمعي العريق جاك خزمو، كما عرفته وكما عرفه شعبنا بمختلف قطاعاته وشرائحه وأدباءه وكتابه، نموذجًا ومثالًا ساطعًا في الصدق والالتزام الوطني والمصداقية والموضوعية والواقعية السياسية والالتزام الوطني، ووفاته تشكل ضربة وخسارة للمشهد الإعلامي الفلسطيني، وللحركة الوطنية الفلسطينية، وللكلمة الصحفية النظيفة. فله الرحمة والسكينة، وطاب ثراه، وعاشت ذكراه خالدة في التاريخ الفلسطيني والذاكرة الوطنية والشعبية الفلسطينية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

جودت هوشيار"كلنا خرجنا من معطف غوغول" من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي، وتنسب غالبا الى فيودور دوستويفسكي، وأحيانا الى ايفان تورغينيف او ديمتري غريغوروفيتش. من هو صاحب هذه المقولة؟. لا أحد يعلم ذلك على وجه اليقين . ومهما بحثنا ونقبنا في مؤلفات هؤلاء الكتّاب الثلاثة، ومقالاتهم ورسائلهم وذكريات معاصريهم عنهم، فلن نجد فيها تلك المقولة بصيغتها المعروفة . كما أن أياً منهم لم ينطق بها أمام أحد من أصدقائه أو المقربين منه . اذن من أين جاءت، ولماذا تنسب غالباً الى دوستويفسكي تحديداً؟

كان الكاتب والدبلوماسي الفرنسي يوجين ميلكيور دي فوجو (1848-1910) سكرتيراً للسفارة الفرنسية في العاصمة الروسية بطرسبورغ بين عامي 1876،1882، وتزوج في عام 1878 الكساندرا انينكوفا شقيقة الجنرال الروسي ميخائيل انينكوف . درس فوجو اللغة الروسية، والأدب الروسي، وكان على معرفة وثيقة بالوسط الأدبي الروسي، وتربطه علاقات صداقة بكبارالأدباء الروس (تورغينيف، دوستويفسكي، تولستوي، غريغوريفيتش، وغيرهم). وقد استقال فوجو من وظيفته الدبلوماسية عام 1882 ليتفرغ للكتابة في المجالات الفكرية والأدبية والتأريخية. وفي وقت لاحق انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية، وفي الجمعية الوطنية الفرنسية .

وقد اضطلع فوجو بدور مهم واساسي في تعريف القاريء الفرنسي والأوروبي بالاعمال الأدبية لكبار الكتاب الروس وفي مقدمتهم دوستويفسكي وتولستوي وغوركي.

في عام 1885 نشر فوجو سلسلة مقالات أدبية في مجلة " استعراض العالمين " الباريسية عن عمالقة الادب الروسي . كان المقال الأول في تلك السلسلة عن فيودور دوستويفسكي ويقول فوجو: " بين عامي 1840، 1850، خرج الكتاب الثلاثة (تورغينيف، دوستويفسكي، تولستوي) من معطف غوغول، خالق الواقعية. ويقول الكتّاب الروس بحق: كلنا خرجنا من معطف غوغول ".

وجاءت المقولة باللغة الفرنسية على النحو التالي :

«Nous sommes tous sortis du Manteau de Gogol»

ويقول فوجو في مقاله المكرس لأدب غوغول المنشور في عدد ابريل 1885  من المجلة المذكورة :

"كلما قرأت نتاجات الكتّاب الروس أكثر، فهمت على نحو اقضل الكلمات  التي قالها لي كاتب روسي اسهم بشكل فعال جدا في تاريخ الادب  الروسي خلال السنوات الاربعين الاخيرة (كلنا خرجنا من معطف غوغول). ثم سنرى كبف ان هذه القرابة تتجلى لدى دوستويفسكي . ان هذا الروائي المدهش قد خرج بأسره من كتابه الاول (المساكين)، والبذرة الجنينية لهذا الكتاب موجودة في معطف غوغول ".

 وقد أعاد فوجو نشر هذه المقالات مع مقدمة ضافية في كتابه " الرواية الروسية " الصادر في باريس عام 1886 . وسرعان ما ترجم الكتاب الى اللغة الروسية عام 1887

ويمكن الاستنتاج من كلام فوجو ان الكاتب المقصود هو دوستويفسكي تحديداً، الذي دخل الى الادب قبل اربعين عاما بالضبط من تأريخ نشر كتاب فوجو في عام 1886 - حين صدرت روايته الأولى " المساكين " عام 1846 . وبذلك فان فوجو وضح وحدد الى حد كبيرالفكرة التي طرحها في مقالاته عن الادب الروسي".

ان من يتمعن في نص رواية "المساكين" لدستويفسكي، سيجد مشهدا يقرا فيه ديفوشكين قصة المعطف، وقد بيّن المؤلف كبف ان ديفوشكين قد خرج من معطف غوغول .

دوستويفسكي استوعب وطوّر الموضوع الذي اكتشفه غوغول، ولكنه عالجه على نحو مختلف تماماً .

في 26 ابريل 1909 شارك فوجو في الاحتفال الذي جرى في موسكو لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد نيكولاي غوغول والقي فيه كلمة جاء فيها :" ان كل هذه الاجيال الادبية خرجت من معطف غوغول، معطف اكاكي اكاكيفتش الموظف البسيط المثير للشفقة، عباءة نبي الكتاب المقدس التي تركت للتلاميذ، وساعدتهم في الصعود الى السماء. هذا الرجل الصغير الذي تم تشريحه كدواء، هو موضوع سخرية وشفقة مؤلمة، والذي خدم اكثر من مرة كنموذج لدوستويفسكي".

وظهرت المقولة بصيغتها الحالية ايضا عام 1891 في سيرة فوجو التي كتبها الناقد الروسي يفغيني سولوييف (1863-1905) . ونسب سولوفييف المقولة الى دوستويفسكي، دون لبس أو غموض .

اما الناقد الروسي المهاجر  فلاديمير فيدل فقد ذكر في كتابه " التراث الروسي " ان العبارة تعود الى الكاتب الروسي الكبير ديمتري غريغوريفتش - الذي كان احد الكتاب المقربين من فوجو . ويعلل فيدل ذلك بأن غريغوريفتش دخل الادب في وقت واحد مع دوستويفسكي قبل اربعين عاما من تأريخ نشر كتاب فوجو .

ويعتقد (عالم النصوص) الروسي سلمون ريسر (1905- 1989) في مقاله المنشور في العدد الثاني من مجلة " قضايا الأدب " لعام 1968 – وكانت من اهم المجلات الأدبية السوفيتية الرصينة المتخصصة في النقد الأدبي – ان المقولة هي استنتاج عام يعود الى فوجو نفسه بعد اللقاءات العديدة التي اجراها مع ابرز الكتاب الروس خلال فترة اقامته في روسيا .

وقد  القى  الناقدان سيرغي بوتشيروف  و يوري مان، المزيد من الضؤ على هذه المسألة في مقالهما المشترك المنشور في العدد السادس من  قضايا الادب لعام 1868 . وهما يميلان الى الاعتقاد بان المقولة تعود الى دوستويفسكي، ويشيران الى ان دوستويفسكي بدا نشاطه الادبي قبل اربعين عاما من ظهور كتاب فوجو" الرواية الروسية ".

وصفوة القول ان فوجو كلما تحدث عن دوستويفسكي واعماله في مناسبات عديدة، وفي سياقات مختلفة، تذكر تلك المقولة الشهيرة ولكنه، لم يجد من المناسب ان ينسبها الى الكاتب العملاق فيودور دوستويفسكي صراحة، بل لمح الى ان مؤلف رواية "المساكين" هو صاحب هذه المقولة، وليس اي كاتب آخر . وكل من يقرا كتابات فوجو بتمعن يتوصل الى الأستنتاج ذاته .

 

 د. جودت هوشيار

.

شاكر فريد حسندافيد صيمح شاعر عراقي جميل ومجيد، ساهم مع غيره من زملائه ومجايليه المثقفين والمبدعين العراقيين في الحياة الاجتماعية والثقافية، ورفد المشهد الأدبي العراقي بمساهماته الشعرية والأدبية.

وهو من مواليد بغداد العام 1933 أتم دراسته فيها، وعمل مدرسًا للغة العربية. في العام 1950 اضطر للهجرة من العراق مع نخبة من المثقفين اليهود نتيجة ضغوطات الحكومة العراقية على أبناء الطائفة اليهودية، واقتلاعهم من وادي الرافدين، وبذلك خسر العراق العديد من أبنائه الأبرار الطيبين في جميع المجالات والاختصاصات. وغادر صيمح إلى الدولة اليهودية، وهو يحمل معه أجمل هدية قدمت له،  ديوان الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي أهداه إياه عندما كان أستاذا للأدب العربي في مدرسته.

نظم صيمح الشعر وفق الطريقة الكلاسيكية التقليدية وأجاد في ذلك، ونشر قصائده في مجلات عديدة، وشارك في عدد من الندوات الشعرية والأدبية. وكان قد أنجز ديوانه الشعري الأول لكن الظروف والأوضاع التي سادت في تلك الفترة حالت دون إصداره مطبوعًا.

وفي العام 1954 شارك صيمح مع ساسون سوميخ وشمعون بلاص في إنشاء ندوة " أنصار الأدب العربي "، وفي العام 1959 تحقق حلمه بصدور مجموعة مختارة من أشعاره حملت عنوان " حين يجيء الربيع "، وهي المجموعة الشعرية اليتيمة التي صدرت له.

واصل دافيد صيمح دراسته الأكاديمية في الأدب العربي في الجامعة العبرية بالقدس. وفي أواسط الستينيات حصل على منحة من جامعة حيفا لاستكمال دراسته في جامعة اوكسفورد، وفي العام 1969 حصل على درجة الدكتوراه عن أطروحته " النقد عند أربعة من أقطاب الأدب العربي المعاصر "، وهم : " عباس محمود العقا، محمد حسين هيكل، طه حسين، محمد مندور ".

بعد أن عاد للبلاد أشغل محاضرًا في جامعة حيفا، وكتب الكثير من الدراسات عن الأدب المعاصر، وفي أواخر أيامه أنجز كتاب " أدب الحب عند العرب " باللغة العبرية، وحقق مخطوطة " روضة القلوب ونزهة المحب والمحبوب " للشيرزي.

وفي العام 1997 رحل عن الدنيا إثر إصابته بالمرض العضال، عن عمر ناهز 64 عامًا، تاركًا سيرة أدبية طيبة، وإرثًا شعريًا رائعًا، متنوع الموضوعات والأغراض والثيمات.

وكان دافيد صيمح قد كتب ونشر في حزيران عام 1957 قصيدة في غاية الصدق والروعة والجمال، تزخر بالنغم والجرس الموسيقي، إلى شاعر العرب الأكبر، ابن النجف، محمد مهدي الجواهري ، وذلك كسداد دين وشكر على هديته الثمينة، ديوانه الشعري، ويعبر فيها عن شعوره تجاهه ، مشيدًا بشاعريته الفذة ومواقفه الوطنية، حيث أمن بالشعب المعتز بقومه، وحمل لواء الوثبة في العراق. وكانت صحيفة " الاتحاد " العريقة أعادت نشر هذه القصيدة في عددها الصادر يوم الجمعة الثامن والعشرين من كانون الأول 1990، ويقول فيها :

يا شاعر الشعبِ عُذرًا أستميحُكَه

                  إذا مَعيني من الافصاحِ قد نّضَبا

ما زالَ في عُنُقي دَينٌ أسدُدُه

                 أفيكَ عن بعضِهِ بالشكرِ ما وجَبا

ديوان شعرِك إذ جُزتُ الحدودَ بهِ

               أسمعتُهُ من حديثِ القلبِ ما رغِبا

على الغلافِ رجاءٌ أنْ أسَخِّرَهُ

               شعرًا لخدمةِ شعبٍ يشتكي السَغَبا

الكلُّ يشهدُ أني لا أزالُ على

           عهدي، فللشعبِ سقتْ الشعرَ والأدَبا

              ****

آمنتَ بالشعبِ معتزًا بقوتِهِ

                 يرنو الى الغدِ مأمولًا ومُرتَقَبا

بالحاملين لواءَ الوثبةِ – اندلعتْ –

              مُسَعَّرا بدمِ الأحرارِ قد خَضِبا

فجائرٌ بالسلاحِ ارتاعَ مندحرا

            من ثائرٍ باليدِ العزلاءِ قد ضربا

جوانبُ الجسرِ كالأفواهِ شاربةُ

            دمَ الشبابِ على الغبراءِ منسكبا

أمنتَ بالأرض يجري في مساربِها

           دمٌ  تدفَّقَ  من  أعراقِها    ذَهَبا

وبالمساواةِ إذ حاربتَ فلسفةً

       " تقضي بأنَّ البرايا صُنِّفَتْ رُتبا "

وبالأكفِّ التي تسعى بلا وَهَن

       للرزقِ أملتْ على التاريخ ما كتبا

وبالقلوب، من الاعصارِ قد جُبِلتْ

       تكادُ  لهفًا من الأضلاعِ أنْ  تثِبا

           ***

الأرضُ لم تُنْبت الحرمات والكربا

              ولا الهوانُ من الأقدار قد كتبا

لكْن أبادتْ يدُ الاقطاعِ غلَّتها

          وطغمةُ الشرِّ لصَّت زرعَه الرَّطِبا

رأيتُ دورًا على الاجحافِ قائمةً

         والعرضَ مُنـتَهَكًا والحقَّ مغتصبا

والزارعين مع الديدانِ مرقدُهم

      في الليل، والسيدَ المحظوظَ قد كَسِبا

والمانحين جمال الكون بهجتَهُ

      لم يجتنوا منه إلا    الهمَّ    والتعبا

ولجتَ أنديةَ الباغينَ تلعنهُم

      وتجعلُ الخمرَ في أقداحهم عطِبا

ولم يُلِنْكَ جهادًا أنهم حشَدوا

       في كل يومٍ، عليكَ الظلمَ والوصبا

فشاهدوكَ قناةً خابَ عاجمها

       وشوكةً مُرةً أدمتْ من   احتطبا

طعنتَ فيهم فقالوا : أضرمَ اللهبا

       وحرَّضَ الفتنة الشعواءَ والشغَبا

  وكيف يخرسُ شعبٌ أنتَ شاعرُه

      تميطُ عن ناظريهِ السترَ والحُجُبا ؟

أنتَ العراقُ وهذا الشعرُ مُهجتهُ

       حَرَّى فزَندُكَ قد أذكى بها اللهبا

إذا الَّمتْ من الأزرارِ داهيةٌ

        فمن قوافيكَ سال الدمعُ وانسكبا

ولو تفجَر منكَ اللحنُ في جذلٍ

          تميلُ بغدادُ من أصدائه طَرَبا

سلامًا لروحي الراحلين صيمح والجواهري، ولهما المجد والخلود، وطوبى لهما.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

يندهش قلمي وأحرفي مني  حتى وأنا في أصعب الظروف لا أتخلى عنها.. أحاور نفسي مرات عدة ترى ما الفائدة التي ستعود علي من الكتابة ؟ فالقلم هو الصديق الوحيد لي والكتابة هي همسات بين قلبي وعقلي، هي الأنين بينهما الذي يعجز اللسان عن نطقه،هي افكار وحوارات بين العقل والقلب والصوت الجريء الذي تتحدث به نفسي من خجلها  ..أليست حقا الكتابة معجزة بحق؟!

أرى الكلمة تصنع أمام عيني من لا شيء  ثم تتحول بعد ذلك الى اللاشيء وشيئاً فشيئاً إلى عبارات وجمل فنص يقرأه  شخص لا أعرفه ولا يعرفني لم يجمعنا من قبل أي لقاء أو حتى صدفة كل ما في الأمر أن كلماتي قد وقعت بين يديه بطريقة ما بنشر من أحد القراء أو إصرار احد اصدقاء التواصل الاجتماعي  ثم يقرأ هذا الصديق او الغريب كلماتي ويبدأ ليصل إلى جملة ما أو حتى كلمة  فيتوقف عندها متأملاً ثم يعيد قراءتها مرة تلو أخرى  ثم يقوم بتظليلها أو نشرها في صفحات التواصل الاجتماعي أو إلصاقها فوق مرآته ينظر إليها كل يوم  أو ربما لن يكتفي فقط بالنظر إليها بل قد يعيد حساباته كلها من أجل تلكك الكلمة التي كتبتها، قد يرتب أفكاره من جديد، قد يهدم مبدأ و قد يبني آخر،  قد يغير صفة من صفاته وقد يغير نفسه كلها، قد ينهض بسببها وقد يقعد أيضاً ويتكاسل ،قد يصبح أي شيء أو لا شيء من أجل، كلمة واحدة قد يتعدى تأثيرها ألف سيف، قد توضع بسببها السيوف في أغمادها وقد تستَل لتعلن حربا  فكرية دامية، قد تطفئ إنسانا وقد تنيره ، قد تفعل ما لم يخطر ببالنا يوماً!

إنها حقاً معجزة تولد أمامك ها هنا على الورق لكنها قد تتبنى بعد ذلك في ألف قلب وألف فكر  نحن لا نعرف قط أين ستقف أو إلى أي عقل ستصل وإلى من ستصل، قد تصل بعد خمسين سنة إلى شخص واحد لم يولد بعد وقد ينقلها هذا الواحد إلى جيل بأكمله .. ربما قد تكون أنتَ حينها قد مت .. لكنها ما زالت حية، تنتقل من مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص ومن صفحة إلى صفحة!

ولكن ليست كل الكلمات تحيا فبعض  الكلمات  ياسادتي قد تموت قبل أن تولد، بعضها تموت وتمحى مباشرة بعد ولادتها،بعضها يعيش عاماً أو عامين وبعضها تواصل الحياة عقوداً وقروناً  فالكلمات التي تنفع الناس هي التي ستمكث في الأرض وغيره يذهب جفاء .

هي أصوات ننطقها عبر اقلامنا وكتاباتنا من أعماق قلوبنا وبراءة احاسيسنا فالنختر

احرف كلماتنا بدقة لأننا  محاسبون عليها امام الله .

 

 ذكرى البياتي

 

الشاعر ولا شك من المساهمين بالتجديد والتطور في المجتمع، ويندر ان نجد شعبا خاليا من الشعراء الذين يحملون راية التجديد على اكثر من صعيد. اذاً لماذا الاستخفاف بالشاعر؟ صحيح ان للشعراء احلامهم الطوباوية وعوالمهم الخيالية واوهامهم البعيدة احيانا عن الواقع، لكن ذلك لا ينفي دورهم التجديدي في المجتمع رغم انحسار دور الشعر على المستويين الثقافي والاجتماعي نتيجة لتطورات الحياة وابتعادها على مر الزمن عن الاوهام والطوباوبة. وهما التهمتان الجاهزتان للشعراء، مهما كان دورهم واهميتهم في الحياة الثقافية.

الشاعر لدى البعض ليس اكثر من رقم يضاف الى جيش العاطلين الموهومين الذين اختاروا العيش على هامش المجتمع ولا يجرؤون على خوض غمار الحياة الحقيقية والواقعية. لا نريد ان نفلسف علاقة الشاعر بالمجتمع، لكن هناك فعلا بعض الشعراء يتخذون من العزلة عن المجتمع بذرائع شتى منطلقا لهم في عالم الاوهام البعيد عن الحياة واشكالاتها وتعقيداتها الثقافية والاجتماعية والسياسية وسواها ممن ينطبق عليهم في "كل واد يهيمون يقولون ما لا يفعلون".

ليس من المطلوب انخراط الشاعر بالقضايا السياسية والاجتماعية لانه ليس سياسيا او مثقفا حزبيا وما شابه ومن الضروري التفريق بين الشاعر المبدع المجدد والشاعر ـ السياسي او ما يسمى: "البوق" لانه ليس مبدعا سواء كان شاعرا ام لا، وصفة الاوهام التي غالبا ما تطلق على الشاعر هي في الحقيقة جزء من الخيال الفعال للشاعر الذي دائما ما يكتنفه الغموض فينسب الى الاوهام او "التبطر" والابتعاد عما هو واقعي وحقيقي ومؤثر في المجتمع. ويعتبره او يصفه البعض بـ "الخزعبلات" التي لا تقدم ولا تؤخر.

وأبعد من ذلك التصاق الشعر بالكذب حتى قيل "احسن الشعر اكذبه"، ولا نعرف هل هذا ذم بصيغة المدح ام العكس، ولكنه يعكس مدى الاستخفاف وتسفيه الشعر والشعراء. وهذه المقولة وغيرها الكثير مما يشابهها، تعكس الى حد كبير النظرة الاجتماعية المتخلفة للشاعر.

بينما نجد الشاعر في الماضي كالعصر الجاهلي وما تلاه اكثر احتراما ومنزلة عما هو عليه في عصرنا، ولقب بلسان القبيلة او شاعرها وصحيفة اعلامها. ونتيجة لانتفاء الحاجة له بدأت منزلته بالتراجع ليتحول في عصرنا الى كائن شبه معزول باختياره او عدم تقبل عوالمه الوهمية وابتعاده عن الواقع الحقيقي المعاش بسلوكه واوهامه، وربما تكبره كذلك ونظرته التي لا تخلو من التعالي على المجتمع وانشغالاته.

وينسى المشنعون ان الموسيقى التي نسمعها في كل مكان، مستنبطة من الاشعار قديمها وحديثها. والاغاني التي تطربنا ونستمتع بسماعها عبارة عن اشعار ملحنة، والموسيقى دائما ما تخفف الكثير من الاعباء النفسية والحياتية للانسان. وانتفاء مهمة ودور الشاعر او وظيفته كلسان حال القبيلة في عصرنا لا تدعو الى الاستخفاف بالشعر والشعراء، او التقليل من دورهم في المجتمع، ولو كان ترفيهيا وموسيقيا في نفس الان، مع الاعتراف ان الشعر ظل يراوح بمكانه منذ منتصف القرن الماضي وستينياته بدون ان تصابه عدوى التجديد والتطور التي اجتاحت حياتنا.

وهناك الكثير من الوسائل الحديثة التي ادت الى تراجع الشعر والشعراء وفقدانهم لمكانتهم الاجتماعية، لوجود وسائل حديثة تعوض دوره المهم سابقا؛ فقد كان الشعر احد المصادر المهمة لتطوير اللغة واستنباط الجديد كمثال، ولكنه في عصرنا فقد هذه الميزة المهمة لتدني مستوى الشعراء اللغوية والشعرية، حتى اعتبرت الكثير من الاشعار عبارة عن هلوسات مسيئة للغة ومكانة الشعر في الحياة الخاصة والعامة، لكن مثل هذه الاحكام لا يمكن اطلاقها جزافا على الشعر والشعراء. ومن خلال النقد يمكن تحسين واقع الشعر واعادة لو جزء يسير من مكانته السابقة.

نحن ما زلنا بحاجة الى قراءة الشعر الجيد والتفاعل معه، وسماع الموسيقى والغناء المستنبطة منه، مما يعني اننا رغم النظرة السلبية التي تكتنف الشعر والشعراء في عصرنا، ما زلنا بحاجة الى وجود شعراء حقيقيين، لان الشعر مهما قيل عنه يبقى احد المصادر الثقافية في المجتمع، ولا يمكن ان ينتفي دوره في حياتنا مهما قل عدد قرائه ومتابعيه او تراجع الاهتمام به على المستوى الشعبي والرسمي.

لا يمكن ان نستخف بالشعراء رغم كثرة المدعين والنظامين والمقلدين، لان الشعر يبقى احد الاعمدة المهمة في الحياة الثقافية في المجتمعات كبقية النشاطات الثقافية والابداعية الضرورية في المجتمع. وجزء كبير من اللوم يقع على الشعراء انفسهم لسخريتهم من بعض وهجائهم لبعض، وصراعاتهم العقيمة لدرجة انصراف المتابعة لقسوتها وادعاءاتها ومكرها في الكتابة والشعر. وقال احد الشعراء في ذلك:

(عــاتبني الــشّعر ذا إكــاف وقال لي: االله منـك كـاف).

ولكثرة المقلد والمكرر والمنحول منه من بعضهم البعض، سواء في عصور ازدهار الشعر او وقتنا الحالي، حيث فقد اكثر الشعر رشده، واختلط الحابل بالنابل، وصار الشعر كالسياسة مهنة من لا مهنة له. ولم يعد للقب الشاعر بريقه الماضي، كما يتوهم بعض الـ"شعراء" المعاصرين. ورغم ذلك من الاجحاف تأييد مقولات مثل انحسار الشعر وهامشيته في الحياة الثقافية او تراجعه وانحسار اعداد قرائه في العراق او الوطن العربي، برغم واقعية هذه المقولات والاستنتاجات.

ويبقى الشعر مهما قيل وكتب، احد المصادر الثقافية المهمة في حياتنا الثقافية والاجتماعية، برغم عدم اجتراحه للجديد والمبتكر منذ اكثر من نصف قرن، وأحد الاعمدة المهمة في الادب، ولا يمكن الاستغناء عنه في الحياة الادبية والثقافية للشعوب وآدابها وفنونها على مر العصور، برغم ان القسم الاكبر من الشعر في عصرنا، عبارة عن تقليد فج لشعر شعراء سابقين ومعاصرين وخال من التجديد والابتكار.

ولم يسلم من المقلدين شعراء الصوفية وعوالمهم العرفانية من التشويه والاساءة على يد بعض الشعراء لاقتحامهم روحانياتها بشكل فج وسطحي ـ شعرا وفكرا ـ، لان حياة الصوفي المتقشفة الى ابعد الحدود والمجردة من الدنيا لا تنفصل عن شعره ونثره، كما لا يتلاءم هذا الشعر المقلد مع عوالم الصوفية سواء بطريقة الاداء او اللغة المرمزة على وفق عوالمهم الروحانية الخاصة. ويمكننا ان نصنف ذلك او ارجاعه الى عجزهم عن اجتراح الجديد، او خلق عوالم شعرية خاصة بهم وبعصرهم، مما يلجئهم الى التقليد، الذي لا يضيف جديدا الى الشعر المعاصر، وتميزه بمضامينه واشكاله وخصوصياته المعاصرة.

قد تنجلي تلك الزوابع من فناجين الشعراء بوقت قريب ربما، وتكشف بعد هدوئها عن شعراء حقيقيين يمثلون عصرنا وتميزه وانشغالاته وهمومه، كما كان يحدث بحقب الماضي من تأريخ الادب. ولان الشعر يبقى مهما قيل عنه رافعا راية الجمال والتجديد في حياة الشعوب والامم وتميز ثقافتها وفنونها.

والشعر ولا شك سيبقى احد الروافد الثقافية الاساسية لآداب الشعوب وثقافاتها حتى لو قل او تراجع الاهتمام به على المستوى الرسمي والجماهيري كما يحدث الان لكثرة المقلد والمكرر وعدم اجتراحه للجديد والمبتكر، المواكب لهموم  وانشغالات عصرنا الحالي ، سواء على صعيد اللغة او المواضيع او طرق واساليب الكتابة .

 

قيس العذاري

 

 

 

شاكر فريد حسنهناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن القصة القصيرة الفلسطينية التي شقت دربها بشكل جيد، وصار لها تقاليد راسخة، ولها كتابها في الوطن ومناطق الشتات والمنافي القسرية. وثمة أجيال فلسطينية متعاقبة من المهتمين بالقصة القصيرة دون انقطاع، وكل جيل يورث الجيل الذي بعده الخصائص الفنية، ثم لا يلبث الجيل الآتي أن يضيف إلى ما أنجزه وحققه ما قبله.

لقد نشأت القصة القصيرة في الثقافة الفلسطينية قبل النكبة على يد مؤسسيها خليل بيدس ونجاتي صدقي ومحمود سيف الدين الايراني، وتعززت من قبل جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني وسميرة عزام وتوفيق فياض وإميل حبيبي واحمد حسين ومحمد نفاع ومحمد علي طه وكتاب مجلة " الأفق الجديد "، مرورًا بكتاب الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى جيل ما بعد أوسلو.

وكان غسان كنفاني أحدث نقلة جديدة في مضامين قصصه التي عالجت مأساة الإنسان الفلسطيني بعيدًا عن التفجع والبكاء على الوطن السليب وانتج قصصًا تعنى بأعماق الإنسان والنفس البشرية، ونقده الفلسطيني لذاته على تقصيره في المقاومة، والتركيز على حالات التحول في المنفى والفعل المقاوم.

وواصلت القصة القصيرة الفلسطينية مسيرتها وتكديس الإنجازات، وقطعت شوطًا كبيرًا، وبلغت مستوىً يضاهي ما وصلته القصة القصيرة العربية، من حيث تنوع الأساليب والمضامين، والإيغال في التجريب، والتركيز على الهموم والقضايا اليومية والتعبير عن الذات والجرح والوجع الفلسطيني.

ودخلت القصة القصيرة الفلسطينية بعد النكبة في مجالات عدة أولها الرومانسية وثانيها الرومانسية الواقعية ثم الرومانسية الرمزية، وعبرت عن واقع الإنسان الفلسطيني وهمومه وتطلعاته.

وحاولت القصة الفلسطينية تحت حراب الاحتلال الصهيوني استلهام الواقع والتحريض عليه، وتناولت حالات التشتت والغربة والحواجز ومشكلة التصاريح والمعاناة اليومية في المخيمات وزيارات السجناء ومعاناتهم في الزنازين المعتمة وقضايا العمل واستغلال العمال من قبل المشغلين اليهود وغير ذلك.

والواقع الذي فرضه الاحتلال واقع مختلف في الصيغة والأسلوب، ولهذا فإن أسلوب التناول القصصي لهذا الواقع المفروض والقدرة على تثويره وضعت أمام القصاصين سبيلين : أسلوب التناول السردي وأسلوب الاقتراب من لهجة الشعر وأدواته، وتحولت اللغة في القصة القصيرة الفلسطينية إلى لغة معبأة ومحملة ببعض اللمحات الشعرية، وتنوعت ما بين الواقعية والتعبيرية الرمزية.

وعند بعض القصاصين الفلسطينيين تحولت الأرض إلى موال أو مونولوج يتحدث بأسلوب شاعري رمزي عن الأرض والوفاء لها، ولكن الرؤية عادة ما تغيم وتصبح الرموز غير قابلة للتفكيك، على الرغم من أن لغة القصة عادة ما تتمتع بالقوة ومتانة السبك والجمال الشعري.

واستطاع بعض القصاصين استخدام الماضي وتوظيفه في حركة الدفع والاستثارة عن طريق استخدام الحكاية الشعبية والاستعانة بالأسلوب الشعبي في القص، مما يمكن أن يوظف قدرة التخييل الشعبية في تثوير الواقع المعاش.

وفي مرحلة متقدمة يظهر في قصص الكتاب الفلسطينيين عبق الانتفاضة بجروحها وصمود أهلها في كل جملة وعبارة وعنوان واعتناء واضح بالأسس الفنية والجمالية الحديثة للفن الإبداعي القصصي واستحضار نماذج إنسانية ذات أبعاد خارجية وجوانية، من خلال السرد الفني إلى غايات في عناية باللغة وأساليب القص وفنون الشكل والفكرة والمضمون والموضوع والسرد والعناوين الدالة الموحية.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

عبد الجبار نوريهو فيلم روسي 1926 يعبر عن كلاسيكيات الماضي، وقد أختير عام 1958 في معرض بروكسل وحصوله على جائزة أرقى فيلم مؤثر في تأريخ السينما لمشهد مذبحة مدرجات الأوديسا والتي أعتبرت من أعظم وأرق المشاهد السينمائية مدة العرض 45 دقيقة، المخرج "سيرغي أيزنشتاين" للروائي الكاتب "نينا أغادزنوفا" وهو فيلم صامت يؤرخ للثورة العمالية في مدينة سان بطرس بيرغ 1905 .

وتبدأ أحداث الفيلم في أحتجاج عمال السفينة المدمرة المدرعة بوتيميكين على الأوضاع المزرية، تعرضوا حينها إلى عقاب جماعي من قبل ضباط أمن المدمرة، مما دفع العمال الأنتفاض بوجه الضباط وأحتلال السفينة وأحتجاز ضباطها والمسؤولين عن السفينة، وترجل عمال السفينة مستلمين الشارع المؤدي إلى القصر الملكي الروسي بعد أن أندمج معهم أكثر من ثلاثة آلاف من سكان المدينة، وأنظمام الأسطول المكلف بأعتراض المدمرة بطاقمها الجنود والضباط وأفراد الأسطول إلى المحتجين والمنتفضين في المدرعة بوتيميكين، فهي حقاً شرارة أنتفاضة عمال بوتيميكين، فكان مطلب المتظاهرين السلمي فقط : أيصال أحتجاجهم وتظلمهم ومعاناتهم إلى الملك، فكانت بادرة القيصر (دمويّة) بأصدار أوامره للحراس القوقازي بأطلاق الرصاص على تلك التظاهرة السلمية من جمهور العمال المحتشد على مدرجات مدينة الأوديسا مما تسبب بقتل ألفٍ منهم وجرح ألفين في مشهدٍ دموي مهيب على مدرجات الأوديسا .

سرعان ما أنتشرت أنباء المذبحة المروعة ألى مدينة بطرسبيرغ لتلتحم مع ثورتها السالفة في 1905 .

أما تأثيرات أنتفاضة عمال المدرعة (بوتيمكين) على الصعيد الأممي:

-هو تحفيزعنصر الأرادة لدى الجماهير الكادحة لتحقيق التغيير لدى شعوب العالم الحرّة  للأقتداء  بثورة أكتوبر المجيدة في 1917، - أختيار مونتاج الأفلام ذي النزعة الثورية التي حدثت في المدرعة كنموذج ثوري واقعي في الأعلام الموجه لدى الشعوب المنتفضة  - أستقطاب أكبر تفاعل عاطفي للمشاهدين للمشاركة والتعاطف مع الثورة .

- وكان عرض الفيلم متزامناً مع ظهور أولى خيوط النازية، والواقعية الأشتراكية الوطنية، فبرع المخرج في التأثير على الفكر السياسي ويرجع لتأثير المخرج السينمائي سيرجي أيزنشتاين ونظريته وفلسفته في الفيلم السينمائي في الخلق عن طريق المونتاج الذهني ومزاوجة أفلامه و أفكاره مع الواقعية الأشتراكية العلمية، والأيمان بالتغيير كطريق للخلاص .

- حتى أن فيلم المدرعة بوتميكين أصبح نداً ومنافساً شديداً لهوليود حيث كتبت كبريات الصحف الغربية في ستينيات القرن الماضي أن {مدرعة بوتيمكين محقت هوليود} How Battleship Potemkin Crushed Hollywood بتلمس المتلقي الواعي بنفسه للفوارق المنهجية الأنسانية بين المدرعة التي تعتبر الأنسان أثمن رأسمال بينما هوليود تسعى إلى الربحية النفعية في شباك التذاكرونهجها الدام في أنتاج أفلام الخيال العلمي أللآعقلاني وأفلام الأكشن الرعب والأباحية المتهافتة التي ظهرت فايروساتها الطفيلية على جيل الأطفال والشباب المراهق .

 

عبد الجبار نوري - ستوكهولم

كاتب وباحث عراقي

 

 

ضياء نافعولد تولستوي عام 1828، وكان عمر غوغول آنذاك 19 سنة، وتوفي غوغول عام 1852، وكان عمر تولستوي عندها 24 سنة، اي ان تولستوي وغوغول عاصرا بعضهما البعض، لكنهما لم يلتقيا شخصيّا رغم انهما عاشا معا في روسيا، اذ لم يكن تولستوي قد بدأ مسيرته الابداعية الكبيرة بعد، اما غوغول فكان في أوج مجده الادبي، ولكن مع ذلك ورغم ذلك، فان الحديث عن علاقة تولستوي بغوغول اصبح الآن موضوعا واسعا وكبيرا في مسيرة النقد الادبي الروسي، ونحاول في مقالتنا هذه الاشارة – ليس الا – الى واحدة من اهم معالم هذه العلاقة بين الاديبين الكبيرين، وتعريف القارئ العربي بها، اذ اننا نظن، ان القارئ العربي لم يطلع على تلك التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، ولكنها – في الواقع - مهمة جدا (وطريفة ايضا) في مسيرة الادب الروسي وتاريخه .

يتحدث الباحثون الروس عن عدة مراحل لعلاقة تولستوي بغوغول، ويختلفون طبعا بتقييم هذه العلاقة وحسب مواقفهم الفكرية تجاه ابداع غوغول وتولستوي، ولكنهم يتفقون ان ذروة تلك العلاقة حدثت في اعوام الثمانينات من القرن التاسع عشر، عندما بدأت ما يسمى بالازمة الروحية لتولستوي (على وفق التعبير السوفيتي، الذي كان سائدا في المصادر الروسية السوفيتية آنذاك)، وهي –  في واقع الحال – ليست أزمة، وانما يمكن تسميتها مرحلة التأمّل الروحي او الصحوة والاستيقاظ  او لحظة التفكير المعمّق في مجمل مسيرة الحياة الماضية، والتي يمر بها الانسان المثقف (وخصوصا المبدع) في كل زمان ومكان، وذلك لمراجعة صحة مسيرته الفكرية السابقة، وهل يجب عليه الاستمرار بها كما كانت سابقا، ام يعيد البناء الفني والفكري لمسيرته من منطلق آخر، تتقبّل (المسيرة) وجهات النظر الاخرى وتأخذها بنظر الاعتبار، وهذه المرحلة  تحدث عادة في مسيرة حياة الانسان المثقف، وحسب كلمات تولستوي نفسه – (...في شبابه او في سنوات نضجه او في شيخوخته، او على فراش الموت ...).

أعاد تولستوي في تلك المرحلة من مسيرته قراءة كتاب غوغول الاخير –  مراسلات مختارة مع الاصدقاء (انظر مقالتنا بعنوان – حول آخر كتاب أصدره غوغول)،  للمرّة الثالثة كما كتب تولستوي نفسه في احدى رسائله الى اصدقائه، وان الانطباعات لديه هذه المرّة (اي الثالثة)  أشدّ وأقوى من القراءات السابقة . العودة الى قراءة هذا الكتاب لم تكن عفوية ابدا، اذ ان تولستوي كان يعتبر هذا الكتاب تعبيرا دقيقا عن تلك الحالة الفكرية التأمّلية لغوغول  بشأن مسيرته الابداعية الماضية، والتي كان تولستوي نفسه يمرّ بها آنذاك، مرحلة تقييم واعادة تقييم المواقف الماضية تجاه كل شؤون الحياة . وفي هذه النقطة بالذات كان يكمن اختلافات الباحثين الروس حول تلك العلاقة بين الاديبيبن الكبيرين – غوغول وتولستوي، اذ كان الرأي السائد في الاتحاد السوفيتي حول كتاب غوغول (مختارات من مراسلات  مع الاصدقاء) هو موقف سلبي، الموقف الذي حدده بيلينسكي آنذاك في رسالته المشهورة الى غوغول (انظر مقالتنا بعنوان – حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول)، ولهذا أطلقوا تسمية (الازمة الروحية لتولستوي) على تلك المرحلة من مسيرة تولستوي الابداعية، لانه عاد مرة اخرى لقراءة كتاب غوغول السلبي هذا، أما الرأي الآخر عند الباحثين هؤلاء، فكان يرى ان كتاب غوغول هذا هو التقييم الصحيح لغوغول، والذي قام به غوغول نفسه بشأن مجمل ابداعه في نهاية حياته، هذه الحياة التي  انهاها غوغول حسب رأي تولستوي بنضوج اخلاقي وانبعاث روحي .

 تولستوي بعودته الى قراءة هذا الكتاب لغوغول - وللمرة الثالثة - تعني تأييده – بشكل او بآخر - لموقف غوغول الفكري المحدد ذاك، وان هذا يعني (فيما يعنيه ايضا)، ان تولستوي كان غير متّفقا مع آراء بيلينسكي وموقفه المضاد من كتاب غوغول ذاك، على الرغم من ان تولستوي لم يذكرذلك ولم يتحدث عنه بشكل صريح ودقيق، وربما كان هذا الموقف يعني، مثلما علّق أحد القراء الروس، ان تولستوي العملاق أكبر من ان يتوقف عند هذه النقطة عندما يحدد موقفه الفكري من أي قضية كانت، فقد كان في روسيا آنذاك (وكما قال أحد كبار النقاد الروس في حينه) قيصران ولم يكن هناك قيصر واحد، وهما – قيصر الكرملين والقيصر تولستوي، وان قيصر الكرملين لا يقدر ان يؤثّر على تولستوي، بينما تولستوي يقدر ان يؤثّر على قيصر الكرملين ...

هذه هي بايجاز خلاصة الخلاصة بشأن موقف تولستوي تجاه كتاب غوغول (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)، الكتاب الذي أثار زوبعة من الآراء المتناقضة في تاريخ الادب الروسي، وهي زوبعة لم تخفت لحد الآن، علما ان النقد الادبي السوفيتي في حينه لم يأخذ بنظر الاعتبار رأي تولستوي هذا، وحاول تجاهله اصلا وعدم التطرق اليه بشكل عام عند الكلام عن الكتاب المذكور، وهذا موضوع آخر طبعا ... 

 

  أ.د. ضياء نافع

 

حسام عبد الحسين"دراما" العالم العربي قد نثرت العدالة والنزاهة والنجاح.. على جبين الأنظمة والحكومات العربية وهي تطل علينا كل عام في رمضان من مسلسلات وبرامج ولقاءات وإعلانات. وتتسابق القنوات الفضائية على أكثر الإصدارات لعرضها وعلى مدار ٢٤ ساعة، ضمن متابعة كبيرة للعوائل والأفراد بحرص ودقة.

لقد نجحت الأنظمة السياسية والحكومات في فرض إرادتها على "الدراما" عن الطريق "الربح الدعم الحماية"

وعن طريق التحولات الإقتصادية والسياسية والتدخلات العسكرية وفرض القومية والعشائرية والإعتماد على تاريخ مزيف قد أثر وبمرور الزمن على "الدراما" وحولها الى وسيلة لإنعكاس أخلاق السلطة على المجتمعات، ثم أفرغوها من محتواها الرفيع الهادف في تغيير وتطوير المجتمع وتوعيته في كسب حقوقه من السلطة الحاكمة الى جره للإسفل، بترويج غير مباشر؛ بأن تدهوره من فقر وجوع وإضطهاد ومأساة وتخلف وفوارق طبقية قاتلة للإنسان كلها نابعة من المجتمع ذاته وليس من السلطة، وبالتالي؛ خلقت السلطة حالة من الصراع داخل الطبقة المحرومة والمضطهدة ذاتها، لتكون هي (السلطة) في حماية مع رموزها ومستفيديها. ثم أعطت سقف منخفض لحرية التعبير ليتبجح به إعلامها المزيف.

فمثلاً؛ دَسَّ التخلف والرجعية والتجهيل، وإهانة وإضطهاد وضرب المرأة والتجارة بجسدها والترويج للخيانة الزوجية وزنا المحارم، وإعطاء صبغة وردية لعفة وإخلاص السياسيين ونزاهة الأغنياء وعدالة القضاة، وتقديس الرموز ورب الأسرة وعدالة الإعدام وتبرير القتل وتسويق المخدرات...الخ. هذا من جهة. ومن جهةٌ أُخرى قامت بضرب تدريجي لإنهاء النقد الأدبي الذي كان مؤثراً جداً في الستينات على غرار النقد الفرنسي للدراما ذات الطابع واسع التأثير ليس في فرنسا وحسب بل على "الدراما" العالمية عموماً.

وعليه؛ أصبح "الأقتباس" من الروايات والأفلام والمسلسلات الغربية هو المتبع في "دراما" العالم العربي. إضافة الى بعض العادات التي ترضي المجتمع. وبعبارةٌ أُخرى: حينما نرى أن المخرج والمنتج والكاتب لدراما معينة واحد نستنتج مدى تأثير السلطة في تحريك "الدراما" إقتصادياً وسياسياً.

لذا لابد من التحريض من قبل الطليعة الإجتماعية من كتاب ونقاد ومثقفين وعمال وأساتذة جامعات وأفراد ومنظمات..الخ، لرفض سياسة الحكومات بالسيطرة على “الدراما” التي تحاول بنجاح جر المجتمع الى الأسفل من أجل بقائها ومكتسباتها. ومن ناحيةٌ أخرى لا يمكن الإرتقاء بالفن بمجمله إلا بالتغييرات السياسية.

 

حسام عبد الحسين

 

شاكر فريد حسنلم يكن اللبناني إلياس خوري هو الكاتب العربي الوحيد الذي تناول القضية الفلسطينية في رواية أو عمل سردي إبداعي آخر. فهناك عدد من الكتاب العرب الذي فعلوا ذلك، لكنهم لم يرتقوا للمرتبة التي احتلها خوري في روايته "باب الشمس"، التي نشرها في التسعينيات من القرن الماضي، في مساحات الأبداع وأدبيات النكبة. .

وتنبع خصوصية هذه الرواية من خصوصية كاتبها بالمسألة الفلسطينية. فأن يكتب إلياس خوري رواية عن فلسطين والنكبة، قد يعتبر من الأمور العادية والطبيعية بالنسبة للكثيرين، لكنها بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين هي لحظة صدق تهز مشاعرنا، وتعيد الاعتبار إلى صورة العروبة والوعي القومي في وجداننا، وتذكرنا بطهر وصدق المواقف ونقاء مراحل النهوض القومي العربي.

إلياس خوري، الذي انفرد برواية النكبة، هو فلسطيني الهوى والقلب والبوصلة، كان محاربًا ومقاتلًا في صفوف الثورة الفلسطينية إبان معركة بيروت، في صفوف قوى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وكانت أحلامه وأحلام جيله تشكل خميرة وبعدًا ثقافيًا للثورة العربية. القادمة. وكان له دورًا في المؤسسات الثقافية الفلسطينية، فقد عمل سكرتيرًا لمجلة " شؤون فلسطينية "، فضلًا عن ادارته المباشرة لملفها الثقافي، ومديرًا لمجلة " الكرمل " منذ تأسيسها حتى الخروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان عام 1982، وخلال علاقته بهاتين المطبوعتين ربطته اواصر صداقة متينة بعدد من المثقفين الفلسطينيين، وأولهم الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش، الذي وصفه ذات مرة بأنه " توأم روحي ".

" باب الشمس " هي رواية النكبة الفلسطينية، تصور معاناة شعبنا ومأساته الإنسانية، وتستحضر الذاكرة الفلسطينية من تحت ركام الحروب والهزائم، وتمزج بشكل مدهش بين الحقيقة والتخييل، وبين الحكاية والواقعة، وبين الكلام العادي واللغة الشعرية الفنية الجمالي.

تقوم الرواية على واحدة من حكايات المتسللين الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون العودة إلى فلسطين بعد ضياعها عام 1948، حيث شاعت في بدايات الخمسينيات ظاهرة العائدين خفية إلى وطنهم بعد الطرد الأول. أعداد كبيرة ممن سئموا أيام المنفى الأولى كانوا يتسللون عبر الحدود والأسلاك الشائكة وخطر الموت لكي يعودوا إلى قراهم المهدمة وبيوتها التي سكنها آخرون، يهود وعرب، ليعودوا ويطردوا مرة أخرى أو يقتلوا على الحدود بين " اسرائيل " والدول العربية المحيطة. لكن حكاية رجل المقاومة المتسلل يونس الأسدي تتحول في الرواية إلى حكاية عشق ورمز صمود وشكل من أشكال المقاومة الديموغرافية للوجود الصهيوني. وهكذا وعلى مدار ثلاثين عامًا، واكثر يقطع الأسدي الجبال والوديان بين لبنان والجليل الفلسطيني ليلتقي زوجته نهيله في مغارة سماها " باب الشمس " وينجب من زوجته عددًا كبيرًا من الأولاد والبنات مبقيًا صلة الوصل بين الفلسطيني اللاجئ والباقين على أرضهم، ويعود لمتابعة عمله الثوري المقاوم في المنفى. ويحول إلياس خوري حكاية المتسلل إلى نموذج تاريخي، ثم يقوم بتصعيد هذه الحكاية لتكون مثالًا ورمزًا، وتحضر الحكايات الأخرى التي يرويها د . خليل عن جدته وأبيه وأمه وعشيقته " شمس " أو يرويها على لسان الآخرين ممن صادفهم أو سمع عنهم من الفلسطينيين، لتعود الحكاية الرمزية من ثم إلى أرضها الواقعية وزمانها الراهن.

واستطاع خوري جمع الكثير من القصص عن النكبة الفلسطينية وارهاصاتها وتداعياتها، وعن الثورة الفلسطينية، مستعينًا بقصص للاجئين فلسطينيين وبمذكرات مناضلين وسياسيين عاشوا في تلك المرحلة وعايشوها، ونجح في تسجيل حكايات اللجوء بأسماء شخصياتها واعمارها وأسماء الأمكنة والمخيمات. وشخوص الرواية هي شخصيات فلسطينية حقيقية عاشت في الجليل وهجرت قراها قسرًا. 

" باب الشمس " عمل روائي عن التاريخ، يسرد حكايات مأساوية، ويهدف إلى إخبارنا عن عسف التاريخ وظلمه وعنفه وتنكيله بضحاياه. وعلى الرغم من تشديد الراوي على وهم التاريخ فإن الوقائع والحقائق التي يسردها، والقصص التي يضمنها حكاية يونس الأسدي والتي تتوزع فصولها بين قصص الأخرين، تعيدنا على الدوام إلى ملموسية التاريخ وحضوره الضاغط في الرواية.

لقد قدم إلياس خوري في "باب الشمس" عملًا روائيًا ناجحًا وموفقًا يستعيد الماضي، وحكايات جرح النكبة، وإذا كانت الحكاية المركزية في الرواية هي حكاية يونس الأسدي الرجل الذي يرقد في مستشفى الجليل فاقدًا وعيه، فإن حكاية الرواي نفسه، أو حكايات أم حسن وعدنان أبو عودة ودنيا واهالي مخيم شاتيلا، لا تقل مركزية عن تلك الحكاية الأساسية التي تشد الحكايات الأخرى إلى بعضها البعض، والتي يقوم الكاتب بتضمينها في جسد حكاية يونس الأسدي وتوزيعها على مدار النص للوصول في النهاية إلى لحظة الموت وصعود الحكاية إلى أعلى، وإلى سدة التاريخ المخادع الذي يهزم الكائنات.

فتحية معطرة بأريج الزعتر البري العابق من ربوع الجليل وجبالها الخضراء، للكاتب والمثقف اللبناني إلياس خوري، الذي نضج وترعرع تحت شمس الثورة الفلسطينية، والذي يرمز ويشكل بالنسبة لنا الحنين لجيل عربي بأكمله على دروب الحرية والمعرفة والثقافة المستنيرة والفكر المقاوم.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنيما يميز وعي الفرد الذاتيّ هو قدرته على اتخاذ أي قرار، ومعرفته في سلوكه الخاص والعام، حيث إنّ أغلب أفكار الناس هي نتاج تقدمهم في إنتاج كل ما هو ماديّ، فإنّ هناك صراع قائم بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي حيث إنّ الوجود ماديّ والوعي فكريّ.

إنّ التكنولوجيا العصرية المتطوره وثورة الاتصالات السريعة والرقمية وسّعت نظرة الإنسان ورفعت المواكبة لتكنولوجيا العصر الحديث، حينها يكون الإنسان صانعاً مبدعاً للثقافة، ويتجسد عنصر الوعي لديه في خلق وابتكار كلّ ما هو جديد .

ومن مظاهر انتشار الوعي الثقافي الاهتمام بالقراءة والتشجيع عليها لدى طلاب العلم على مختلف مراحلهم الدراسية بإقامة حلقات القراءة الجماعية وحملات تبادل الكتب وتوفر الكتب بالنسخة الإلكترونية، الأمر الذي يعزز الوعي الثقافي ويرفع حصيلة المفردات اللغوية للقارئين، نضيف إلى ذلك قيام العديد من المسابقات الثقافية على مستوى الأقاليم والعالم ولفئات عمرية مختلفة في المدارس والجامعات ، والحصول السريع على المعلومة في ظلّ التطور التكنولوجي والشبكة العنكبوتية الإنترنت .

نعم..أن تكنولوجيا المعلومات رفعت مستوى الوعي لدى الناشئة، فالبحث الدائم عن كل ما هو جديد هو الطريق الصحيح لرفع مستوى الوعي لدى الإنسان في شتّى المجالات وعلى رأسها وعيه الثقافي، فالفن واللّغة لا ينتقلان بشكل ميكانيكيّ للجيل القادم، حيث إنّهما من أهم عوامل تعميق وزيادة الوعي الثقافي ونشره خاصة عبر الوسائل

كذلك انتشار المجلات الثقافية والزوايا الخاصة بالجانب التثقيفي في العديد من الصحف اليومية،و ظهور المحطات الفضائيّة التي تعنى بنشر الثقافة وبث البرامج ذات الأهداف النبيلة.

وبالطبع يجب أن نضع في اعتبارنا الاهتمام بالمبدعين وإنشاء العديد من الأندية الأدبية والثقافية التي تُعنى بالمحافظة عليهم ودعمهم وصقل شخصياتهم حتى يبدعوا أكثر فيما يقدّمون .

وجميعنا يحلم بانتشار ثقافة العمل التطوعي على الصعيد المحليّ أو الدوليّ، حيث انتشرت في الآونة الأخيرة حملات التبادل الشبابيّ الثقافيّ بين الدول في المجالات التطوعية والكشفية وغيرها، مما يعزز قدرة الفئات الشابّة على التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة منها. انتشار المؤسسات التعليمية التي تُعنى بتعليم اللّغات ومهارات القيادة والاتصال.

نؤكد هنا على أن الوعي هو حالة من الإدراك الذي يجمع بين تفعيل دور العقل والمشاعر لفهم ما يدور حول الإنسان، ولتنظيم علاقته بالموجودات المحيطة به، ولا يكتمل الوعي إلا إذا عمل الإنسان على تنميتها بشكل مستمر من خلال تطوير قدراته الفكرية ومن خلال ربط تلك القدرات بتجاربه الحسية التي تشكل خبرته في الحياة.

وتوجد وجهات نظر عديدة حول مفهوم الوعي وتفرعاته، ويمكننا أن نركز في هذا السياق على مجالين مهمين لفهم سيرورة الوعي وتفرعاته، إذ أن الوعي من حيث المستوى ينقسم إلى وعي فردي ووعي مجتمعي، أما من حيث المجال فإنه يرتبط بكل حقول المعرفة بتفرعاتها العلمية والإنسانية، فالوعي كما أشرنا سابقًا يرتبط بتفعيل قدرات العقل بشكل أساسي، وبهذا تكون عملية البناء المعرفي التخصصي جزءًا من عملية بناء الوعي.

يُقصد بالوعي الفردي، الوعي الذي يكون على مستوى الأفراد، ويرتبط بشكل أساسي بالجهود التي يبذلها الأفراد بشكل شخصي على مستويين، الأول يرتبط بالمجال العام أي الوعي تجاه الواقع والحياة التي تحيط بالفرد، أما المستوى الثاني فيرتبط بالوعي التخصصي الذي أصبح سمة تميز هذا العصر عن العصور السابقة، إذ أن نظام التعليم الحالي الذي يفرض مبدأ التخصص في مجال، يساهم بشكل كبير في صقل الوعي التخصصي في مجال ما لدى الفرد، بينما في الماضي كان الوعي المعرفي المتخصص بالمجالات العلمية يكاد يكون عامًا، وهذا الذي يفسر وجود علماء كانوا ملمين بعلم الفلك والطب والفن …إلخ.

وتوجد آراء حالية تشير إلى أن مجالات المعرفة الإنسانية بمختلف تفرعاتها العلمية هي في حقيقة الأمر مترابطة، ولذا لا بأس في أن يلم الإنسان بها على أن يتخصص بشكل أقوى في أحدها ليكون مستوى وعيه العلمي بها في مستوى متقدم.

بينما يرتبط الوعي الجمعي بالمعرفة التي تشكل نظام الحياة التي تشكل سلوكيات المجتمع، بمعنى أن الوعي الفردي يمكنه أن يشكل الوعي المجتمعي من خلال تكريس تبادل المعرفة وتحويلها إلى سلوكيات وقوانين تنظم كل أشكال الحياة في المجتمع، وبهذا يصبح المجتمع أكثر نضجًا وتأثيرًا وإنتاجًا، ولذا نرى أن كثيرًا من الشعوب استطاعت أن تتقدم وتخلق لنفسها مساحة من الحركة الفعلية في مختلف ميادين الحياة بعد أن تمكنت من تحويل الوعي الفردي لمفكريها إلى وعي وسلوك مجتمعي قاد التغيير في تلك المجتمعات.

من حيث المجال تتعدد أنواع الوعي حسب مجالات المعرفة، غير أننا يجب أن نركز هنا على أنواع أساسية من المعرفة، لا ترتبط بالضرورة بالحقل التخصصي للفرد، بل ينبغي أن يلم بها أفراد المجتمع ولو بشكل بسيط لأنها على علاقة وثيقة بحياتهم اليومية، كما أنها على علاقة وثيقة بالتغيرات التي تشكل حياتهم بشكل عام، ومن أبرز تلك المجالات: الوعي الأخلاقي، والوعي السياسي، والوعي البيئي، والوعي الاقتصادي، والوعي الثقافي، إضافة إلى الوعي المعرفي.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

مثنى كاظم صادق في المثل العراقي (صارت جلجلوتية) أو (سواها جلجلوتية علينا) ويساق هذا المثل للتطويل أو الإسهاب في الأشياء، والجلجلوتية قصيدة من تراثنا السحري، حامت حولها شبهات مرعبة ومخيفة، ومن عادة العرب قديماً، وربما حديثاً أيضاً أن تسمي القصائد في أبرز كلمة موجودة في بداية القصيدة، ومن هنا نشير إلى أن هذه القصيدة سميت بهذا الاسم؛ لوجود كلمة (جلجليوت) في بدايات أبياتها ومنها (إلهي لقد أقسمتُ باسمك داعياً / بآج وما هوجٍ جلت فتجلجلت / ويا حي يا قيوم أدعوك راجياً / بآج أيوج جلجليوت هلهلت / بصمصام طمطام ويا خير بازخٍ / بمحراب مهراشٍ به النار أخمدت / بآجٍ أهوجٍ يا إلهي مهوجٌ / ويا جلجوت بالإجابة هلهلت) ففي الموروث الشعبي أن من يريد أن يحكم جنياً، عليه بقراءة هذه القصيدة التي تحتوي على الطلاسم أو أسماء للجن الذين سيحضرون إليه، ويعملون على إخافته بشتى الوسائل، رميه بالحجارة من الخلف وجوه بشعة ضحكات هستيرية، فإن لم يصبه الجنون أو شيء منه، يصاب بعاهة ما، كأن يخرج أعمى أو أعور أو أعرج، أو يخرج سليماً معافى عند إكمال الطقوس، وقد حكم جنياً ما !!! (يا ما شاء الله) أتقول الطقوس؟! ... نعم فهذه القصيدة المزعومة التي يدعي من يدعي، أنها تستحضر الجن وتؤثر عليه وتحكمه، تُقرأ ضمن طقوس تولد الهلوسات والتخيلات الذهنية؛ فيتجسد ما يتخيله الشخص أو ما يتراءى له، وراءه أو أمامه أو جانبه ... والطقوس هو أن تُقرأ هذه القصيدة في مقبرة أو مكان خَرِب مهجور، ويضرب قارئ القصيدة حوله (المِنْدل) والمِنْدل بمصطلح كتب السحر، هو خط الدائرة التي تحيط بالشخص بحجم رسم لعبة (الطَنَّب) في لعبة (الدُعْبُل) وفي داخل هذه الدائرة يجلس ويضع بعض الماء والطعام له، وبعض أنواع البخور المطلوبة مثل الجاوي وأظافر الجن أو العفريت أو يسمى ظفر الطيب (نوع خاص من أطراف الصدف / جمع صدفة أي المحارة) ... ولا يخرج من هذه الدائرة إلا بعد أن يكمل القصيدة ويكررها حتى يحضر الجني المزعوم... إن التهيؤات والتخيلات والهواجس عند الإنسان تكون في أوجها عندما يكون وحيداً، فكيف إذا كان وحيداً في مقبرة أو خرابة في الليل!! إن العقل الباطني يبدأ ينضح بالصور المريبة والأصوات الموحشة ويفرز العقل الباطني هذه الهواجس ويجسدها بل أن الإذن تبدأ بسماع هذه الأصوات، وقد يتحدث معها وتتحدث معه، ومن هنا نشير إلى أن أشد أنواع التعذيب هو السجن الانفرادي الذي لو طال لفقد السجين السيطرة على عقله وتوازنه وبالنتيجة فقدان عقله تماماً ويبدأ بالتحدث مع نفسه أو مع آخر لا نشاهده طبعاً... إن تجسيد الصور ذهنياً يمر بنا كثيراً، هل جربتم أن رأيتم وجهاً ما في الظلام تكونه الملابس المعلقة مثلاً أو تخيلتم مثلاً كائنا ما وراءكم في الحمام... يمر الأطفال أحياناً بهذه التجارب؛ لأنهم خياليون بطبعهم، حتى أن الطفل يوقظ أمه أو أباه؛ كيما يرافقوه لشرب الماء أو الحمام.. سيداتي سادتي .. إن عقل الإنسان الجبار هو مجرة كونية واسعة تدور في شتى أنواع الصور والتخيلات والهواجس ... وما علينا سوى أن نعيش بعقل متوازن مع النفس والواقع في هذه المجرة... ودمتم.

 

د. مثنى كاظم صادق

 

 

"من احدى مكائد الطفولة انك لاتفهم ماتعانيه وحين تبلغ سن الرشد يفوت الاوان عن مداواة جرحك"

يلفت الانظار بهدوئه وطاعته وسماعه للكلام بدون ادنى مناقشة او تذمر او اعتراض، يجعلنا راضين عنه وفخورين به وبطريقة تربيتنا له، اذ انه يكون مسؤولا عن تصرفاته، ياخذ ركنا معينا من المكان ليعيش بعالمه الخاص، يكتفي بنظراته التفحصية وكانه يسجل شيئا ما، يبهر كل من راه وتعامل معه.

هذا الهدوء والطاعة المبالغ فيها قد لاتكون حالة صحية ابدا، اذ ان هذالطفل يحاول ارضاء الاخرين بشتى الطرق على حساب نفسه، وهذا يؤدي به الى ان يكون انسانا ليس له ميول او اهداف، ناكرا ذاته الى ابعد الحدود، بل انه يشتري رضا الاخرين باي ثمن، وهذه ليست حسن تربية كما نعتقد، بل انه اقسى درجات الكبت والتعسف، خصوصا اذاكان له اخ بنفس البيت وقريبا من عمره يتصف بالمشاكسة والتمرد .

علينا الا نستغل هدوء الطفل لنحمله اعباءا اكبر منه، ونقوم بتفضيل من هو اكبر منه بحجة انه كبير او الاصغر، او الاضعف، اوالمريض، او المدلل باي ذريعة، مستغلين هدوءه وصمته، وبانه يتحمل بيمنا اخاه لايتحمل، لان ذلك سيؤدي الى تدمير شخصية الطفل الذي يجد نفسه بدوامة الارضاء التي ستكبر معه وتتشعب من محيطه العائلي الصغير الى المجتمع الكبير الذي لن يحسن التعامل معه وهو كابتا لهذه المشاعر المتراكمة التي ستنفجر يوما عليه اولا وعلى المحيطين به ثانيا.

ومن هنا نخلص الى القول بان هدوء الطفل او طاعته يعود لعدة اسباب منها:

- الانطواء والخجل والخوف من مواجهة الاخرين، وهذا يولد امراضا نفسية لاحصر لها كالقلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي.

- الخوف من عقاب الابوين لاتفه الاسباب يجعل الطفل مسالما يكبت انفعالاته داخل نفسه متظاهرا بالطاعة والرضا، وتلك سمة لمجتماعتنا التي تستخدم كل انواع الكبت والتعسف والحرمان ضد الاطفال.

- عدم استجابة الابوين لمتطلبات الطفل او انشغالهم عنه، او اهمالهم له اما بسبب كثرة الاطفال في البيت الواحد او بسبب انشغال الوالدين بالعمل.

- تفضيل احد الاخوة باي ذريعة مما يولد الحقد والغيرة من ذلك الاخ، و يجعله صامتا يتحين الفرصة للانقضاض عليه ماانسنحت الفرصة لذلك.

 يضاف الى ذلك عدم الاغفال عن ذاكرة الطفل الذي لايتواني عن تسجيل كل تفاصيل حياته الجيدة والسيئة، تلك الذكريات التي تعشعش في ذاكرة الطفل وتصبح جزءا منه بل و تصبح فيما بعد الدينمو الذي يحركه خيرا او شرا.

 ان استغلال هدوء الطفل خصوصا ان كان ذلك ليس من سمات شخصيته بل رغما عنه يضع الاطفال فريسة للكبت النفسي والاجتماعي، بل انه يكون كالبركان الخامد الذي سرعان ماينفجر مع اول فرصة تواجهه في الحياة، هذاالطفل الذي كان خاضعا لسلطة الابوين مطيعا لهما، منفذا لاوامرهما دون قيد اوشرط، قد ينقلب بين ليلة وضحاها الى نار تحرق الاخضر واليابس، تطال كلما تجده قريبا بطريقها ابتداءا من نفسه وانتهاءا بوالديه اللذان يعتبرهما السبب الرئيس لمعاناته ثم اخوته الذين عانى بسببهم.

ان الهدف من التربية السليمة للطفل هي الخلق، اي خلق انسان واعي مدرك حسيا لاحتياجاته، عارفا حدوده، غير متجاوز للخطوط الحمراء، انسان يعول عليه بناء المجتمع وليس هدمه، لذا فان الاهتمام بالطفل والالمام بالطرق التربوية الناجعة تحتم علينا اعطاء مساحة كافية من الحرية للطفل للتعبير عن رايه، للمناقشة، للزعل، للخطا وتصحيحه كي لا يقع فريسة الخطا مرة اخرى، للتعثر والنهوض، للتصرف بعفوية في اختياراته وتقويمها عن طريق الاقناع وليس القمع والكبت، واحترامه هذا يترك في نفسه بالغ الاثرباعتباره انسانا وليس طفلا سينسى كل شئ عندما يكبر، لان الطفل لاينسى ابدا، وان شخصيته تعتمد وتبنى على سني حياته الاولى، لذا علينا ان نحاذر ونهتم بالطفل الهادئ اكثر من المشاكس، لان المشاكس يعبر عن انفعالاته اولا باول، اما الهادئ فهو في حالة غموض دائم، يحتاج الى من يسبر اغوار نفسه بمنتهى الحكمة.

 

مريم لطفي

 

حسين علي خضيركلنا يعلم ان نص دوستويفسكي يستمد جذوره من الواقع الروسي الفريد، الذي له طابع يختلف عن بقية الشعوب، ولكنه في ذات الوقت عابر للحدود، ومن هنا لابد ان اوضح اسباب ديمومة هذا النص الى يومنا هذا: اولاً، ان ابطال دوستويفسكي منغمسين في المعاناة، وهذه المعاناة تصبح غلافهم الخارجي اذا صح التعبير، فمنهم من يكافح من جراء ذلك، ومنهم من يحيط نفسه بالشرنقة، لكي يحمي نفسه من الظروف الطارئة. ثانياً، البعض منهم متمردون على الواقع ويحاولون اثبات ذاتهم بشتى الطرق، فعلى سبيل المثال، كلنا يتذكر جيداً كيف عانى راسكولينكوف بطل رواية " الجريمة والعقاب " من فكرة قتل المرابية، وتردد كثيرا قبل ان يقوم بهذا الامر، وفي اخر المطاف استجابة الى رغبته المنشودة، والهدف من ذلك كما قال الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف: " هو اقدم على جريمة القتل هذه حتى يثبت لنفسه انه انسان غير عادي" . ثالثاً، هم صورة مصغرة للخير والشر، فلو رجعنا الى راسكولينكوف مثلاً، لوجدنا ان هذا البطل رغم الجريمة التي ارتكبها، ولكنه في هذه الرواية سعى جاهدا الى تقديم المساعدة الى الاخرين. رابعاً، وفيهم من يدعو الى محبة كونية، كما يقول الراهب زوشيما في رواية " الاخوة كارمازوف ": " أيها الإخوة، لا تخافوا من خطيئة الناس ، أحبوا الإنسان في خطئيته، لأن هذا اشبه بالحب الإلهي وهو ذروة المحبة على الأرض. أحبوا جميع مخلوقات الله، وكل حبة رمل، وكل ورقة، أحبوا كل شعاع الإلهي. أحبوا الحيوانات ، أحبوا النباتات ، أحبوا كل شيء. وحين تحبون كل شيء ستدركون سر الله في الأشياء. وحالما تدركون محبة الأشياء، فكل يوم سوف تبدؤون بلا كلل ادراك الكثير من الاشياء، وفي النهاية سوف تقعون في حب هذا العالم كله. ". فلو تمعنا في هذا النص نجد ان دوستويفسكي يحلق خارج عالمه الروسي، ويكون نصهُ ذو بعد عالمي، لانه يطلب من البشرية محبة كل شيء في هذا الكون، فهذا التنوع الفريد يجعل من نص دوستويفسكي متغير وغير ثابت وقد تخطى حدود الواقع الروسي، واصبح نصًا عالمياً. ومن هذا المنطلق نجد نص دوستويفسكي فريد من نوعه، لا مثيل له ولا مشابه له في النصوص الادبية الاخرى، التي ابطالها يتقوقعون في داخل ذواتهم، اما ابطال دوستويفسكي صحيح ان اغلبهم مرضى نفسيًا، ولكنهم يعرفون مرضهم جيداً ويعانون من هذا المرض ولكنهم لا يرتضون بالعلاج البطيء بل يسعون الى استئصال هذا المرض او تمرد عليه بطريقة مغايرة، لذلك جميع هذه الأسباب وغيرها هي من ساعدت على ديمومة نص دوستويفسكي في عالمنا هذا.

 

حسين علي خضير

 

 

بكر السباتينتمتعت في اليوم الأول من العيد بمشاهدة الفلم العالمي "الرسالة" للمخرح السوري الشهيد مصطفى العقاد الذي صوّر لنا قصة الإسلام العظيم من ألفها إلى يائها، وبين لنا كيف نمت هذه البذرة في الصحراء القاحلة ليستظل العالم عبر العصور بظلها العميم، وقد تبدّى كل ذلك في تفاصيل الأحداث الملحمية التي أقيمت على قيم السماحة والعدالة، وتحرير العبيد من طغيان السادة، والقبيلة، والشهوات التي تداخلت فيها الحقوق والواجبات على حساب الغير وفق اعتبارات المكانة والقوة والجبروت، حيث تبرمجت عقول القادة الرواد على الإيجابية من خلال التعاون المجدي والحوار البناء والرحمة وتحدي الصعاب، ومواجهة الخطوب والتعامل مع الأعداء وفق عدة خيارات بعد الهجرة إلى المدينة التي اعتبرت لحظة الصفر في التاريخ الهجري، وكان قوامها: العقل السياسي، والتشريعي المواكب للمستجدات، والأمني والعسكري في مواجهة الخطوب دون حرف البوصلة وقد أخذت الأحداث المشاهدين دون كلل أو ملل باتجاه تحرير مكة من الطغيان واستعادتها دون إراقة دماء، حتى يتنفس الرواد الصعداء قبل حملهم لشعلة الإيمان عبر العالم. مع العلم أن الرسالة المحمدية السمحة كانت في بدايتها.

وفي أتون الأحداث المزدحمة في ملحمة قصة الإسلام التي اختزلها فلم الرسالة، نقبت باهتمام شديد وموضوعية عن جذور الحركات الإرهابية التي أساءت للدين الإسلامي السمح في الوقت الراهن مثل داعش التي تسببت بمقتل مخرج الفلم نفسه، العقاد، الذي أتحفنا أيضاً بفلم عمر المختار، في تفجيرات عمان الإرهابية عام ٢٠٠٥ فلم أجدها على الإطلاق، بل سادت القصة لغة الرحمة رغم ما أصاب المسلمين من اضطهاد مروراً بصلح الحديبية وانتشار الإسلام بين الناس بالحوار خلال فترة الهدنة التي انتهكتها قريش وصولاً إلى فتح مكة دون قتال .. فمن أين إذن خرجت علينا هذه التنظيمات الإرهابية المتعصبة التي شوهت دين التسامح والمحبة الحنيف ولوثت سمعة الإسلام في زمن الرياء والفتن الطائفية.. لا بل وحرفت بوصلة الجهاد عن فلسطين وتركت غزة ومقاومتها وحيدة تتحدى جيش الاحتلال الإسرائيلي وانشغلت في تخريب العالمين العربي والإسلامي وفق استراتيجية امريكية صهيونية مكشوفة تجلت بصفقة القرن .

وتذكرت في سياق متابعتي لأحداث الفلم الملحمية مقولة شهيرة للفيلسوف والمسرحي الإيرلندي الساخر برناندشو في كتابه "محمد" بعد الحرب العالمية الأولى حين قال::

"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، وإن رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد (ص) صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدواً للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السعادة والسلام الذي يرنو إليه البشر). وقال برناردشو أيضاً: (لو كان محمد حياً لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجان قهوة"..

لقد استرد المسلمون مكة دون إراقة دماء في مشهد صوره العقاد باحتراف وجموع المسلمين يحررون بلد الرسول، فيدخلون عبر بواباتها الثلاث كالنهر الذي ينتظره اليباب ..

فهل يقتدي العرب اليوم بهم فيحررون فلسطين من الصهاينة منصهرين بالهدف على قاعدة الوحدة والتكاتف والجهاد الذي تبنته المقاومة الإسلامية بعيداً عن إثارة الفتن المذهبية! أم ينجح المشروع الداعشي الذي صنعته الصهيونية في حرف البوصلة نحو الانشغال بمقاتلة بعضنا البعض وسفك دماء الأبرياء!؟

 

بقلم بكر السباتين

 

 

قاسم محمد الياسريحروف كلماتي تمتص ذاكرة الحنين الى بغداد وعشقها يستنزف قلبي المعذب بالحرمان من نسيمها بسبب كورونا ..مرالعيد بلا طعم ولا لون وبغداد تدمع عيناها لفراق محبيها في هذا الزمن الملوث مرة بمتفجرات الاشرار وتارة بكورونا ..وقد إنتهى العيد وجسد بغداد ينزف الدم بلا توقف لفراق محبيها وهي اليوم كما هو جسد مريض يعاني اللوكيميا رحماك ربي ببغداد دار السلام..رغم كل ماتعانيه بغداد وعاشقيها هل يوجد أمل في هذا الزمان وهل يتحقق حلمنا لها وفيها أم كل منا منشغل بلعبته المفضلة فمنا من يلعب بالكرة ومونا من يلعب بالقلم وهناك من يلعب بلسانه ومنا من يلغب بالنفاق والغيبه وهناك من يلعب بِذكره وهناك من تلعب بخَصرِها الراقص وهناك من يلعب بالنار وهناك من يلعب بمشاعر الآخرين بغداد يادار السلام إسمك أحسه إمرأة تسكنني بقدر عشقي لها فتسلمني نفسها ويشدني الحنين تطلعا لمزيد من رسم حروفها كلما أمطرتني سماء التوق حرفا فحرفا وكل يوم أجد نفسي معها كأنثى البهاء الفاتنه المليئة بالدفئ تجعلني أحترق لحين ملاقاتها بعد أن يسحبني قلمي إليها إنها بغداد حبيبة روحي .. بغداد يانهر الخيرات المتدفق مائها الى من لايستحقه فأسقطها من حسابات زمنه وغزتها بأعيادها الوحوش بالتفجرات تارة وبالوباء تارة أخرى ..بغداد يا أغنية بوح حالمه ترددها الشفاه الضمأى للإرتواء من قبلات الحياة فيها أصبري لا تستسلمي لأوبئة الزمن الجاحده الشريره .. نعم ايها الحبيبه يابغداد يا أكثر أنثى تعذبت بصبرها ومقاومتها فهي تستحق أن تعشق وتُعشق فعشقها نضال ووصلها جنه هي دار السلام قاومي يابغداد وباء كورونا الشرير ..عشاقك يابغداد كالنخيل الشامخ وكأشجار زيتون يبقي زيتها حروف مباركه تنشد الحب..وعشاقك يابغداد طيور ينشدون تغاريدهم ويأبون التصفق للغربان الشريره لأن أرواحهم العاشقه وعقولهم بوزن عقول المفكرين والفلاسفه فيك وعشاقك يابغداد قلوبهم دافئه تسع كل أهلك المحرومين الذين سلب أمنهم وأمانهم وسرقت خيراتهم وهم يبحثو عن هامش للكرامه التي سلبتها أيادي إمتهنة الدين سلم لكراسي التسلط ..نعم هكذا هم عشاقك يابغداد فالشهداء منهم كل يوم يقدمون دمائهم الزكيه قرابين لترابك إحتجاجا على زمن الخراب والنار..عشاق إعتلت عرش قلوبهم بغداد وأي قلوب قلب كل منهم كفرس جموح لا يلجمه حاجز ولا موانع بقوا محبين أسرى أشواقهم ورغباتهم المستعصيه قلوبهم مسكونه بحب بغداد في زمن الرعب والخراب وعجزت محاولات الشرأن تلجم ألسنتهم التي تبحث عن وطن سيدته المعشوقه بغداد .. نعم عشاقك يابغداد عشاق وطن لا يقوى البغاة على إخماد نارعشقك لان عشاقك ينشدون عدالة السماء والحب والسلام والتسامح والامان لا غير..مهما كتبنا فكلمات العشق والحب لا تكفي لكنها الروح التي تهفو لبغداد الحبيبه التي يسكنها حزن العاشقين ..ايامنا تمضي يابغداد ونحن نترقب الغد القادم ونرى صرح الحياة ينهار واوراق شجرة العمر تسقط الواحده تلو الاخرى واليوم كالغد ..بالامس القريب رأيت اليوم العجيب وغدا  ستنكشف الاسراروينكشف قناعها ..والغد سفينه ملاحيها مجهولون يابغداد فهل هم بشر تؤنسنا رؤيتهم ويفرحنا قدومهم أم هم شياطين يزعجنا قبحهم ويخيفنا منظرهم يرعبنا الغد القادم المجهول هل هو شيخ مسن أم صبي يافع ام هو حلم ساري نحلم به معا عن بعد يابغداد .. قد يكون ملكا كريما أو رسول سلام وأمان وهناء ..آآآآآه يابغداد قد يكون الغد شيطانا رجيما هبط الى الارض من الجحيم بيده خرطوم من جهنم كله شواظ وسعير هذا الشبح او الطيف إنفرد عن الناس وترك السكن وغادر في عالم مجهول..الناس يابغداد يرقبون حركات الغد المجهول وهو بعيد يجلس في مكان نائي ويستعجلون مجيئه للدنيا من عوالم الاحلام التي يضل فيها الخيال والدنيا تنحدر نحو الفناء في عوالم الحقيقه الملموسه فينحدران معا نحو الأبديه أو نحو العدم والنسيان ..  

 

  د. قاسم محمد الياسري