نايف عبوشوتداعيات الإستلاب بصخب العصرنة

أفرزت العصرنة بثورتها التقنية والرقمية، والصناعية الراهنة، تداعيات سلبية كبيرة، في حياتنا المعاصرة، لعل من بين أهمها، الاستغراق في الشبكة العنكبوتية للإنترنت، التي بات الانغماس الكامل في فضائها الرقمي، والحضور الدائم في منصات مواقع التواصل الاجتماعي عليها، من أبرز تداعيات مخرجات تلك الثورة الرقمية، في الوقت الحاضر .

وقد تسببت ظاهرة الإنغماس الكلي في الفضاء الرقمي، بعزلة اجتماعية، سواء على مستوى الأسرة والأقارب، أو على مستوى الجيران، والمجتمع، وذلك بغض النظر عن طبيعة التعامل مع محتوى ما يشاهده المستخدم، والإدمان الذي يقتل وقته، ويستهلك طاقته، دون جدوى. حيث نشأ تبعاً لذلك، نوع من الانفصام الأسرى، والاجتماعي المقلق،بعد أن ظهر جيل لا يأبه للحديث مع الأهل، والمجتمع، وبذلك اضمحل التواصل الإجتماعي الحي، وغابت السيطرة الأخلاقية، في البيئة الاجتماعية الحاضنة .

وهكذا طالت تحديات العصرنة، بآثار تداعياتها السلبية، صميم حياتنا اليومية الراهنة، بتسفيه العادات، والتقاليد الحميدة، حيث بدأنا نلمس اليوم، جنوح الجيل الجديد، صوب الانسلاخ التدريجي من سيطرة البيت،والتفلت من ضوابط المجتمع، بشكل واضح، والانزياح في نفس الوقت بمسارات غريبة عن المألوف، من موروثنا الاجتماعي، بعد أن تفاقمت فجوة الجيل، وغابت ظاهرة الترادف التقليدي بين الأجيال، مع غزو العصرنة الصاخبة، الأمر الذي يهدد بتفكك قيمي، واجتماعي، قد يقود إلى ضياع الأجيال، والاستلاب التام لكل معالم الهوية التراثية، في المستقبل القريب. 

وإذا كان لا بد من العمل على إعادة هيكلة ثقافة واقع الحال الراهن، المثقلة بكل سلبيات هذه التداعيات، وإعادة تشكيلها بما يتلائم مع معايير التحديث، والعصرنة، حتى يمكننا التعايش بتوازن مع معطياتها، والتكيف مع انجازاتها المتسارعة، بأقل ضرر يلحق بأصالة هوية وجودنا الاجتماعي، وموروثنا الشعبي، فإن ذلك ينبغي ان يتم في إطار الحرص الواعي، على الحفاظ على أصالة هوية الموروث الحضاري لمجتمعنا، وعدم التفريط بها، مهما كانت ضغوط إغراءات الحداثة جذابة، وملحة.

لذلك بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى مفاعيل سلبيات تداعيات العصرنة المتسارعة، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة، من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف، وابتعاد عن موروثنا الديني، والحضاري، والتراثي، ومن دون إغفال حقيقة كون هيمنة الثورة الرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، وبالتالي فإنه لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها،والانتفاع من كل ماهو مفيد منها، ونبذ ماهو ضار، من دون الإنغماس الكلي الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا، وبالشكل الذي يحافظ على معالم الهوية التراثية، ويسمح بتواصل الجيل الجديد من الناشئة مع موروثه الاجتماعي، في نفس الوقت الذي يعيش حياة الحداثة، التي تتسارع تداعياتها بشكل صاخب، يهدد موروثنا الشعبي بالكنس، والمحو من الوجود بمرور الزمن .

 

نايف عبوش

 

 

يسري عبد الغنيمن العوامل المهمة للتعرف على العلاقات والصلات بين بلد وآخر الكتب أو المؤلفات، حيث أن لها أهمية كبيرة في إثبات الصلات الأدبية والفكرية بين مختلف اللغات.

والكتاب سيظل دائماً هو السيد المتوج على عرش وسائط المعلومات، مهما تعددت وتطورت هذه الوسائط في عصرنا الراهن، فعندما نقرأ كتاب من الكتب أو مؤلف من المؤلفات يمكن لنا أن نعرف من خلاله، وفيما كتبه صاحب هذا الكتاب الثقافة التي تلقاها، وإلى أي مدى تأثر بكاتب معين أو بأكثر من كاتب، أو بثقافة أو فكر معين.

ومن الممكن أن نجد لهذا المؤلف أو الكاتب كتباً بلغة غير لغته الأصلية، ويكون ذلك دليل على أنه تأثر بأدب اللغة التي تعلمها وأجادها وتمكن من أن يكتب بها، ومثال على ذلك: أدباء المهجر الذين هاجروا من البلاد العربية إلى الأمريكتين، كتب بعضهم أعماله باللغة الإنجليزية إلى جانب كتاباته باللغة العربية وهذا يوضح لنا مدى تأثر هؤلاء الأدباء بلغة البلاد التي هاجروا إليها بعد أن تعلموها ثم كتبوا بها.

ومثال آخر: الفرس كتاباً أو شعراء، كانوا يعرفون العربية والفارسية معاً، وكتبوا بها، مثل عبد الله بن المقفع وظهرت في هذه الكتابات علاقة الأدب العربي بالأدب الفارسي.

ومن ذلك ما يذكره لنا الطبري في تاريخه، والأصفهاني في الأغاني عن الشاعر العربي/ يزيد بن مفرع وذلك حين غضب عليه عبيد الله بن زياد أمير البصرة العراقية، فقد أمر بأن يطاف به في الشوارع والأسواق وسار الأطفال يقولون أو أن أحد الفرس هو الذي قال ما معناه بالعربية: هو ماء ونبيذ وعصارة زبيب وسمية.. وسمية هذه هي جدة ابن زياد.

وهذا دليل على تأثر العرب بمن كان يعيش معهم من جاليات فارسية أو رومية أو حبشية.. إلخ..

وقد بلغ الأمر إلى حد أن بعض الشعراء العرب كان يذكر في أشعاره بعض الكلمات الفارسية والرومية، وذلك بهدف التملح والاستظراف، أو لأن هذه الكلمات كانت معروفة ومستعملة على أيامه ومن يراجع ديوان الشاعر الجاهلي/ ميمون بن قيس الأعشى يرى العديد من الكلمات الرومية في شعره.

كما أن ما ينشر في الصحف والمجلات والدوريات وشبكة المعلومات الدولية (الإنترنيت)، وما يشاهد في التليفزيون والمسرح والسينما والفضائيات المختلفة وما يسمع في الإذاعات المتعددة عن الآداب العالمية، وتأثرها بعضها ببعض أمر مهم لمعرفة آراء وأفكار الكتاب الأجانب والتعريف بهم وبأدبهم، كل ذلك يعد من قبيل المبادلات الأدبية، ويؤدي إلى عملية التأثير والتأثر بين آداب الأمم بعضها ببعض ، وبمعنى آخر بين آداب الأمم لا المرسلة ، وآداب الأمم المرسل إليها أو المنقول إليها .

وإذا تتبعنا المجلات والصحف العربية القديمة مثل مجلة الرسالة المصرية الشهيرة التي كان يشرف على تحريرها الأستاذ الأديب/ أحمد حسن الزيات، نجدها تعرف بكثير من الكتاب الجانب، وسوف نذكر لك بعض هذه الكتابات:

– في العدد 55 الصادر في يوليو 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (بين المعري ودانتي).

وفي العدد نفسه نجد مقالة عن الشاعر الإيطالي/ ليوباردي وفي العدد 57 الصادر في أغسطس 1934م، نجد مقالة عن ملحمتي الإلياذة والأوديسا، للشاعر اليوناني/ هوميروس.

وفي العدد 58 الصادر في سبتمبر 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (بين فولتير ورسو).

وفي العدد 59 الصادر في أكتوبر 1934 م، نجد مقالة عنوانها: (في الأدب الإنجليزي).

كما نجد في نفس المجلة ترجمة مفصلة لأراء الكاتب الواقعي/ إميل زولا. وكما نرى فإن هذا ما نشرته مجلة واحدة في سنة واحدة عن الآداب العالمية، فما بالك بالصحف والمجلات التي كانت تهتم بهذه الآداب وتعرف بها وبكتابها؟!.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيالثقافة من ثقف بمعنى حذق.

ونقول الثقافة واللقافة: رجل ثقف، لقف، إذا كان ضابطا لما يحويه وقائما به.

والثقف قد تعني سرعة التعلم، وثقف الشيئ أي حذقه وصار حاذقا وفطنا به.

والثقافة تشير إلى المعرفة بأنواعها، فهي سبيكة إدراكية مؤلفة من عناصر متنوعة، مثل العقائد والقوانين والعادات والتقاليد، وغيرها من الموروثات والنشاطات المتكررة والقائمة في المجتمع.

والوطن هو المنزل الذي نقيم به، فهو وطن الإنسان ومحله وجمعه أوطان.

وأوطان الغنم والبقر: مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها. وأوطنه: إتخذه وطنا.

والوطن: محل الإنسان.

والوطن هو واقع مادي جغرافي الملامح وجزء من الكرة الأرضية، التي يتوطنها البشر منذ ما لا ندري من القرون.

وقد إعتاد أن يعيش في مجموعات متفاعلة ومتماسكة تحقق مصالحها في بقعة أرضية ما تسميها الوطن، مثلما تفعل باقي المخلوقات عندما تتمكن من مقاطعاتها في الغابات فتعرفها جيدا وتدافع عنها بقوة، لأنها تحقق مصلحتها وتحفظ نوعها وإستمرارها.

والوطنية هي السلوك الجمعي لأبناء بقعة أرضية ما والذي يحقق مصلحتهم.

 

والثقافة الوطنية هي المعارف الفعالة التي تؤدي إلى قوة وسلامة وأمن تلك البقعة الجغرافية والبيئية  ببشرها، الذي أصبحت لديه الكثير من القواسم المشتركة بحكم بقائه عليها عبر الأجيال.

ولهذا فالثقافة الوطنية سلوك فردي أو جمعي، وليست تنظيرات وتصورات وطروحات كلامية أو إنشائية.

وعندما نقارن بين الثقافة الوطنية في عالم متقدم وآخر متأخر، نجد في العالم المتقدم سلوكيات واضحة وعادات وتقاليد وأعراف وطنية يمارسها الفرد من غير أن يفكر أو يتردد، وإنما هي من صلب نشاطاته اليومية، التي يحقق بواسطتها دوره وتفاعله الإيجابي مع مجتمعه.

بينما في العالم المتأخر تكون الثقافة الوطنية  نظريات وكتابات نقرأها هنا أو هناك، وفي الكثير من أساليب الإقتراب منها يظهر التنظير المعقد، والبعيد عن التبسيط والتعامل معها على أنها سلوك يومي يقوم به الفرد، فهي عالم آخر عسير المنال.

وكأن الدعوة إليها كالدعوة إلى بناء جمهورية إفلاطون، التي تكون أعمدتها فوق الغيوم ونفاياتها فوق رؤوس الذين يعيشون تحتها.

وفي بلداننا نمزج كثيرا بين الثقافة الوطنية والسلطوية، ونحسب ثقافة السلطة أيا كانت ثقافة وطن، وهذا لا يتطابق، لأن ثقافة السلطة عموما تكون لا وطنية، لأنها ثقافة إحتكارية وتريد كل شيئ  لصالحها وحسب، وتنسى مصالح الوطن حتى تسقط في شِباك أوهامها ونكرانها لواقع الحياة.

والثقافة الوطنية عندنا متباينة لكنها على العموم ضعيفة بالقياس إلى العالم المتقدم.

ودليلنا على ضعف الثقافة الوطنية أن العديد من بلداننا صارت مسارح للتفتت، وأصبح من الحلم أن تحافظ على سلامتها الجغرافية والإجتماعية وإنشغلت في مشاكلها الداخلية، التي تشير إلى غياب المقاييس الوطنية المشتركة، وضعف التربية الوطنية أو قصورها وإنحرافها، وما جرى في العراق برهان ساطع على ذلك الخلل الحضاري.

ولو كانت هناك ثقافة وطنية حقيقية، ولو كان الوطن والراية عقيدة وقيمة لما حصل الذي حصل،  لكن الوطن كان مغيبا بالصورة والشخص، وتم إقران كل شيئ حتى الإنسان بما هو لا وطني، فصار الوطن كلاما ودموعا ومسيرات عزاء خيالية.

وقد قرأنا العديد من المقالات لكتاب ومفكرين، تتناول الثقافة الوطنية وتنحو في منهجها لإخراجها من خانة الممكن وإيداعها في صناديق المستحيل المغلقة، وهي كتابات بحثية ذات منهجية غير معاصرة وتنتهي باستنتاجات غير مجدية، وإنما عبارة عن إعادة استهلاك المستهلك وليس إعادة تصنيعه.

وهذه الكتابات تتكرر وعلى مدى القرن العشرين ولا زالت، وبسببها انعدمت الثقافة الوطنية وتحوّلت إلى شعارات ولافتات وخطابات فارغة ما حققت للأوطان شيئا مفيدا، بل أصابتها بمقتل وذهبت بها إلى ما يعارض سلامتها وقوتها وسيادتها.

وقد إنحرفت الثقافة الوطنية في العديد من البلدان عن معانيها وتم إختصارها وربطها بالبندقية وحمل السلاح والمجابهة الحامية مع الآخر، الذي يفترض أنه يريد أن يستهدف الوطن ويستحوذ عليه، فجسدت التفاعل السلبي الضار، ولذلك فأنها حققت ما كانت تخافه بتحجيمها للثقافة الوطنية الصحيحة، وتجريدها من الفعل الحضاري والسلوك المتطور والمعاصر.

فقد أمضينا في العديد من بلداننا  القرن العشرين، والوطن عندنا عبارة عن صورة أو شخص أو حزب أو نظام حكم متسلط، وثقافتنا الوطنية ترتبط بها ولا تتجاوزها  فلا تعبر عن معاني الوجود الوطني الفعّال والمحقق لإرادة المجموع المتفاعل، ولهذا أصبح الوطن ضحية للمجموع المنفعل والجاهل.

ولو تأملنا العراق، فأن ما حصل فيه يؤكد ثقافة الصورة والكرسي والفرد والفئة، مما دفع  إنعكاس الإنفعال المكبوت نحوها إلى سلوكيات مضطربة ومرعبة.

وبسبب ضعف الثوابت الوطنية والمعرفة الوطنية السلوكية، إهتزت أركان الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وحقق دوره في التفكير والسلوك غيابا تاما وعلى مدى أعوام صعبة.

ومن الغريب أن الكتابات التي تتناول الثقافة الوطنية تجدّ وتجتهد لكي تكرس حصرها في الكلام الخطابي أو المكتوب، وما حاولت الخروج بها من هذه الدوامة المفرغة التي ترعى اليأس وتبث الإحباط وتلغي الأمل، مما دفع إلى تشوش المفاهيم الوطنية.

وفي القرن الجديد لا بد لنا من الخروج من لعبة الكلام وملاعب النظريات، التي نخوض فيها مباراة خاسرة وعقيمة النتائج على الدوام.

وعلينا أن نفكر بمناهج عملية وليست نظرية، لأن النظريات العربية ما تحقق منها شيئ على الإطلاق، بل أنها أسست لما يناهضها ويهزمها وينكرها بل ويجتثها من أصلها.

فنحن عموما لا نفكر بمنهجية عملية مثلما هو الأمر في العالم المتقدم، وإنما بمنهجية نظرية قاصرة، لا تلد جديدا نافعا يمكنه أن يسعى بين الناس أو بهم.

وهذا المنهج النظري يهيمن على الظواهر والموضوعات التي نتناولها في حياتنا.

فنحن ننظّر وحسب، ونبتر النظرية عن مفردات الحياة التطبيقية، ونحلق بها في فضاء الخيال البغيض المشلول، في حين أن النظرية في عالم متقدم تكون المنطوق المنير لفعل صحيح ومثمر.

ومثلما حلقنا بالعديد من الموضوعات في عالم اللاممكن، كذلك حصل لموضوع الوطنية وثقافتها، مما أدّى إلى عدم وضوح المعنى وسرابية المغزى.

وبإختصار معاصر ومتواضع، أن الثقافة الوطنية ليست كلمات وإدعاءات، بل مفردات سلوكية يومية بسيطة وواضحة نقوم بها، لكي نحقق قوة الوطن وتطوره وسلامته وسيادته وأمنه.

فهل عندنا ثقافة وطنية سلوكية؟!!

 

د. صادق السامرائي

2005

 

 

علي سيف الرعينيلا يوجد أضعف من أمة سلبت نعمة العقل وارتاحت بأن طلبت من غيرها أن يفكر عنها فهل يختلف اثنان من التربويين على أهمية التفكير وتعليمه في الماضي وفي الفترة الراهنة التي تصنع الأمة العربية نفسها من جديد وفي عالم انعدمت فيه الحدود بين الشعوب في ظل التكنولوجيا الرقمية وفي زمن تزلزلت فيه ثوابت تعليمية تقليدية كان القائمون عليها يتوهمون خلودها للأبد استخدام التكنولوجيا والمنهج العلمي في التفكير يعد اليوم مطلباً يتوجه إلى تحقيقه الجميع كيف نوظف هذه التكنولوجيا بشكل سليم في التعليم؟ وكيف نقلل من تأثير تقنية المعلومات في تطوير التعليم في وقت أصبح فيه التعليم المتنقل سمة جديدة تضاف إلى مدارسنا ومناهجنا العلمية علينا أن نعترف أننا نعيش هوة كبيرة تقف في وجه التعليم الآن بين الإقبال على التدريب وتنمية المعلمين في زمن لا يقبل هذه الطريقة التقليديةناهيك عن التوجه المحتم نحو إحداث تحول في نموذج التطوير والتدريب إلى آخر جديد وحديث وبالتالي فإن كيفية استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال في التربية والتعليم تتوقف على تحديد الهدف واتباع خطوات تطبيق تكنولوجيا التعليم بشكل علمي سليم وتأثير ذلك في تكوين المتعلم بما يتمثل في تنمية الدافعية الذاتية لديه وتحويله إلى باحث نشيط عن المعلومات وليس متلقياً لها وتفجير طاقات الإبداع والابتكار لديه أحد تأثيرات التكنولوجيا المطبقة حديثاً في التعليم هو الفجوة التي أحدثها الانتقال الفوري من الطرائق التقليدية الرسمية إلى الرقمية ذات المحتوى المفتوح وغير الرسمي فالكل يشير إلى أن نجاح المنهج العلمي في الوقت الراهن يتطلب من المعلم تغيير طريقة التدريس التقليدية وتطبيق طرائق تدريس أكثر فاعلية تتيح الفرصة للتعلم الذاتي والتعلم التعاوني ولكن لا أحد يجيب بشكل كاف عن السؤال: كيف يتم ذلك؟ وبرأيي حتى نصل إلى الإجابة الشافية للمحتوى الرقمي الجديد للتعليم نحتاج إلى إعطاء المعلم استقلالية ذاتية ومرونة في التعامل مع الكثير من القواعد التي أصبحت عرفاً دون الحاجة لها انهادعوة الى الاهتمام بالعملية التعليميه وعمل تحديث بما يتواكب مع العصر لمناهجنا التعليميه في مختلف المراحل اننابحاجة ماسة الى تجديد وانعاش للعمليه التعليميه كونهاتاتي في مقدمة الاولويات للنهوض والرقي وهنالابدمن الاشارة الى اهمية ايجادالية اتصال دائم بين العمليةالتربويةوالتعليمية وقطاع الاتصالات لخلق شراكة فعليةتهدف الى الارتقاءبالعملية التعليمية والتربوية في بلادنا ..

 

كتب/علي سيف الرعيني

صادق السامرائيالكتابات الفلسفيية المنشورة في الصحف والمواقع تشترك في أنها منقطعة عن واقعها المكاني والزماني ومتشبثة بالآخرين الأجانب بأنواعهم، فتقرأ كتابات مملة معقدة مبهمة تستند على أفكار أجنبية، وتهمل الموروث الفلسفي العربي الوفير الذي يستلهم منه الأجانب أفكارهم ويدعونها لهم، ونحن نركض خلفهم وكأننا بلا حضارة ولا تأريخ، ولا تراث فلسفي وفكري ومعرفي لا يُضاهى!!

كما أنها تعجز أن تقدم الفلسفة بلغة يستلطفها القارئ ويتعلم منها، وإنما تميل إلى التنفير والتكريه بالفلسفة، حتى صارت مواضيعها من إبداع الهذربات والهذيانات فوق السطور!!

ولا يُعرف لمن تُكتب ولماذا تُكتب؟!!

وأخذت الصفحات الثقافية العربية تزدحم بها، وهي كتابات طاردة للقراء، وتتسبب بتوليد المشاعر السلبية تجاه الفلسفة وموضوعاتها، وكأن كتّابها لا يفقهون في الفلسفة وإنما يحومون حولها.

ومن النادر أن تجد مقالة فلسفية تشدك لقراءتها والتفاعل معها، والسائد فيها إنها تنهرك وتنذرك وتقول لك من عنونها، إبتعد عني، ولا تقرأني، وإن قرأتني فأنك لن تفهمني، فأنا أتحدث مع نفسي ولا يعنيني ما يأتيك مني، فابتعد، قبل أن أصيبك بوجع الرأس والغثيان!!

فالكتابات الفلسفية العربية المعاصرة صومعية منبرية محلقة في فضاءات التصورات الخالية من مفردات وعناصر الواقع الذي يتواصل معها، وكتابها وكأنهم يعيشون في قصورهم العاجية، وعوالمهم الفنتازية، وهم يجالسون الورق والقلم أو الحاسوب، ويمعنون بتعبئة السطور بما لا ينفع من المسطور المهجور الرجيم.

فلا يعترفون بخير الكلام ما قل ودل، ويعجزون عن وضع أفكارهم في كلمات واضحة وعبارات مبسطة ومفهومة، بل يغرقون في الإبهام والحَوْم حول ما يريدون قوله وما يستطيعون لذلك سبيلا!!

قد ينزعج البعض مما تقدم، لكنه واقع مرير تعيشه الأجيال، فما أسهم الفلاسفة برفدها بما ينير ويساعد في بناء حاضرها ومستقبلها، ولا تزال الأجيال تتعجب من الذين يرفعون رايات الفلسفة، كيف أنهم على هامش الحياة يتعاقبون.

فهل لنا أن نعيد للفلسفة روحها وطعمها وجاذبيتها وقدرتها على التنوير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي سيف الرعينيهناك حيث اكون حيث اجدني اتنفس الحياة بشغف ودون قيود حيث الفُسحةُ الوحيدةُ الأخرى التي كان من المُمكن لي أن أرى فيها تعبيراً شديد الجمال والجُرأة تلك المساحة التي اتجول فيها بحرية تامة انها الكتابة

كنتُ أسرُّ في نفسي: هذا ما أريدُ أن أكون عليه. وبعدها يكون التفكيرعن البحثِ والتحديق والعيش ومحاولة أن أكون كاتبًا، ومحاولة اكتشاف ما يعنيه ذلك، إن كان ذلك ممكنا. لأعيش بجرأة، بتهوّر، بغباءٍ وجمالٍ معاً.

أحاول كتابةَ سلسلة مقالات كنت أتمنى لو أن غيري قد كتبها تمنّيتُ أن أقرأها. دائماً ما يقول الناس بأنني متعجرف عندما أتحدث هكذا، لكن أظن بأنني من القلائل الصادقين بخصوص الدافع التاريخي. أريدُ كتابة ما يُمكن أن يعتبره التاريخُ مهماً، مقالات هادفة افكاراطروحات لها معنىً يغيّر العالم وطرائق الكتابة والنشر.

أَنظُرُ إلى مسيرة الأدب في التاريخ وأفكّربلى أستطيع أن أضع نفسي هناك، لديّ القدرة لأقف بين هؤلاء الناس الكتّاب الذين أحبهم، الكتّاب الذين صنعوا التاريخ. أريدُ أن أضع نفسي في القائمة.

أكيدٌ أن الكثير مما قلته يمتلئ بالأنا والغرور، إذا لم أقُل بأنه هُراء. ولكنني تنافسيٌّ بشأنه. أجلس الآن إلى مكتبي حيث مقرعملي وليس على رفوف ومسارات الارشيف من خلفي-بجانب ملازم الجرد السنوي وملفات وثائق توريدات -سوى غلاف مجلةّ للمُلاكم هاغلر، بطل العالم خلال الثمانينيات كلها في الوزن المتوسّط. كان مانشيت الغلاف يقول هو: الأفضل والأقوى. إنه يتحدّث إلي. أريدُ أن أكون الأفضل والأقوى.

في السابق كان عليّ أن أصنع علامتي مُبكّراً. أمّا الآن، فعليّ حفرها وتعميقها وجعلها دائمة. قلتُ في مقالة كتبتهافي صحيفة الجمهورية وكانت هي الاولى في صحيفة رسمية إنني لن أهَبَ سنواتي للمُضي هكذا. أُريدُ أن تصير كتاباتي هي الأكثر انتشاراً وقراءة على الإطلاق، الأكثر جدلاً، وأن أصير الأعمق إلهاماً في كتاباتي

أبرمتُ اتفاقاً مع نفسي إذا جاء يومٌ صرت فيه مهتماً بآراء الناس وبعدد الحضور لقراءومهتمين أكثر من سعيي لكتابة ما يزحزح العالم ويضع الناس في الفوضى فسأعتزل الكتابة وأمتهن شيئاً آخر. لا أريد أن أصير في بداية النضج رجلافي التاسعةوالثلاثون من عمره لم يعد يجيد شيئاً سوى إلقاء القشور على القرّاء لأن غروره يسجنه عن المضي.

مشى ذلك النجم يوما خارجاً من الساحة دون صوت. كان الجميع يتساءل متى سيعود؟حسنا

إنه لن يعود، وأحترم طريقته في ذلك.

سأغادر في وقتٍ ما بخفّة، لن يشعر بي أحد، ولن يسمعني حينها أحد.

كتابتي، أنا، كل هذا، هي قطعة فنيّة أدائيّة طويلة ومستمرةٌ في العرض. سبق السيفُ العذل! وُجدت الأسطورة، وسواء استمرّت أم لا، سيحدد هذا جودة ما أكتبه وأنشره. هنا يكمن جمال الكتابة: كل التفاهات في العالم، وكل ما هو حقيقي ويهمني ويهم القُرّاء والتاريخ هو: هل كتاباتي هذه جيّدة بما يكفي؟ لا أريد منها سوى أن تفعل في قارئها ما فعله محموددرويش والبارودي والمقالح وابن زيدون والبردوني وابن خلدون والفضول وادونيس والشاطبي بي انا.

 

علي سيف الرعيني

 

جمال العتابيمقاربة في النص

وأنت تعتزم أن تبدأ شوطاً آخر في الكتابة، فينبغي أن تكون في غاية الحذر، لأنك تقترب إلى المغامرة، فأي عبء حملك للخوض في تجربة تثير التساؤل عن الجدوى والمعنى لهذا النمط من الكتابات؟ سوى ان خيالات العزلة (الجائحة)، ربما تأخذك بعيداً، دون أن تفكربالأثر الفني لمحاولتك هذه، محاولاً ليّ نصين، منقباً عن ثمة مقاربة بينهما، لشاعرين مختلفين تماماً، أحدهما نقيض الآخر، بينهما فاصل زمني وحضاري، عليك أن تصون خطاك من أن تنزلق، أوتذهب نحو المحاريث في التأويل والإستنتاج، أو الإفتراء والإقحام،  فلا إرتجال ولا تباهٍ أو تعسف، بل مسؤولية ثقافية تلزمك الموضوعية، في تناول عصرين وبيئتين وثقافتين،لا جامع يجمعهما،  فالشاعر عبود الكرخي المولود في بغداد 1861 يكتب شعراً محلياً خالصاً، لايتجاوزحدود جغرافيته العراقية، يجمع تلقائياً بين عناصر النظم التلقائي، وبين نزوات ذات متمردة، حرّة ساخرة، أكد من خلالها شخصيته الشعرية التي تواصلت مع حياته تواصلاً دائماً لم ينقطع،  وبابلو نيرودا الشاعر التشيلي المولود عام 1904 يعدّ من أشهر الشعراء عالمياً وأكثرهم تأثيراً في عصره، وأبرز الناشطين سياسياً، نال جوائز تقديرية عديدة، أبرزها جائزة نوبل للآداب عام 1971، فكل من الشاعرين نسيج وحدهما، ما يجمع بينهما هو الصدق في التعبير، وقدرة النص في التأثير، متمثلاً بقصيدة (المستحيلات) لعبود الكرخي، وقصائد (تساؤلات) لبابلو نيرودا، بترجمة سحر أحمد، منشورات (أزمنة-عمان)، قصيدة الكرخي إكتسبت شهرتها لفضيلة الصدق فيها، ونكهة الغرابة، وجمال الحرية،

(تساؤلات) نيرودا، نداء إنساني عميق، بقطعة فنية متكاملة، تستحث الرغبة في البحث والإكتشاف، عن حرارة التماثل والتواتر، مابين مفردات متضادة، كلون جديد من التأليف الشعري لبابلو نيرودا، معتمداً خبراته الفنية وطاقاته الشعرية، بإعتبار النص مضموماً للغد، بعناصر متجاورة أو متناقضة، في حوار نصغي إليه بكل جوارحنا، ترتقي فيه المهارة والمعرفة الموسوعية للشاعر، بما يحمل من الطرافة والحكمة والسخرية، مع إسراف في الخيال .

1676  عبود الكرخي

في النصين تجتمع مفردات  بصيغة السؤال، في أول المقاطع الشعرية لكليهما (لماذا، هل، علام ...وغيرها) عند نيرودا، و(يصير، بمعنى هل بالإمكان؟) عند الكرخي، السؤال عن الهوية، والزمن والمكان، والأخلاق، والتاريخ، هو مزيج بين أين؟ ومتى؟ والمفردات تعبرعن قلق الإستجواب، والبحث عن السبب والمعنى، والأصل، بمجموعها هي أسئلة وجودية عن المصير، تبحث عن أجوبة ممكنة، كما في نص نيرودا:

لماذا يكتبون في العصور المظلمة بحبر خفي؟

لماذا إخترت الهجرة إذا كانت عظامي تسكن شيلي؟

لماذا لايبادر الخميس الى الحضور يوم الجمعة؟

علام يضحك البطيخ ساعة ذبحه؟

هل صحيح ان الكندور الأسود يطير فوق بلادي؟

هل يحق لي أن أسأل كتابي، أصحيح أنا صاحبه؟

حين يتأمل السجين النور، فهل هو النور نفسه الذي يسقط عليك؟

بأية لغة يتساقط المطر على المدن المفجوعة؟

يحملنا النص في قراءته السريعة إلى السؤال أيضا، عن معنى ضحك البطيخ في ساعة ذبحه؟ وكيف يبادر الخميس إلى الحضور يوم الجمعة، إن القراءة المتأنية التي تحاول أن تلتقط الخيط الداخلي لعالم النص، تقودنا إلى رؤية ما يوّحد بين تبعثرات النص، أو بين التفاصيل المحتشدة فيه، رؤية عالم له تماسكه، في النص فعل وسؤال، يطول ماهو يومي وعادي، لكنه يصل شعرياً، إلى ما هو عمقه المأساوي، فيكتسب اليومي والعادي دلالات إيحائية يشد بعضها إلى بعض .

بمثل هذه العذوبة والإقتصاد في اللغة، والسخرية التأملية، كتب نيرودا تساؤلاته، تلك دروس مكتوبة على الورق، إغتنت بأصالة الشاعر وموهبته، وإمتلاء عقله . هي أسئلة وجودية بمفارقات أو متناقضات، أشياء موجودة لاتتطابق مع الواقع، أونها بعيدة عن الحدود، هناك عجب لكن لايحدث، وحسب ما قيل : تقترب الأشياء رغم إبتعادها .

ولنتأمل تلك الأسئلة في قصيدة عبود الكرخي السريالية المشهورة (المستحيلات)، مثل ومضات نقية، انها الأداة الأكثر إستجابة للمشاعر الخفية، ما دامت الدنيا بأجمعها تطفو أمام عينيه وتغطس في مستنقع عفن، وما دام الشقاء قائماً،

في قصيدة عبود الكرخي لغة واضحة ملموسة، تكتسي في أعماقها بحزن ومرارة الواقع، لايخفي فيها الكرخي إحتجاجه على سلطة التقاليد والخرافة، يهجو سلطة الإحتلال، والإدارات الحكومية، ويسخر من الواقع الإجتماعي المتخلف بلغة لا تستهلكها الصنعة:

يصير بالجنة إلي حورية؟

يصير أبو الجنيب ما يمشي صفح؟

يصير بالبدوان إسم مرزه قلي؟

يصير بعرور إنزرع يطلع غنم؟

يصير تكدر تربط البكة بحبل؟

يصير بالمعدان إسم عيشة وعمر؟

يصير من لندن تجي مجارية؟

يصيرمن تيس الصخل تحلب حليب؟

يصير نملة تدفع الملوية؟

يصير تمشي سافرة الحجية؟

لقد منحت الحياة الجرأة والوضوح لعبود الكرخي، فجاءت قصائده إعترافات وخواطر وبيانات شعرية، القصيدة عنده نفثة تصل إلى هدفها بخط مستقيم، بضربات سريعة، إكتسبت رؤيتها الإستشرافية للواقع العراقي، دون أن يخشى إرهاب السلطة، لجأ إلى الهجاء سلاحاً، والإلتزام بقضايا شعبه، يقول عنه الأب أنستاس الكرملي: ان كل قصيدة من قصائده تساوي ديوان شعر، ويسميه الرصافي بشاعر الشعب،

في (مستحيلات) الكرخي ألم محتدم، وسخرية تستعر في قلبه وجسده، لم يكن مقلداً، ولم ينتحل تجربة آخر، إنه يحمل القارىء إلى البحث عن الجواب المستحيل في ذاك العصر على الأقل، ويثير فيه عواصف الإحتجاج، والمجابهة والتمرد، القصيدة تتدفق بالأسئلة بموجات من الغرائب، وإبتكار الصورالمستحيلة (يصير نملة تدفع الملوية)، بنقلات هادئة متجانسة، ومتزاحمة ولمّاحة، بإيقاع موسيقي يعزز طابع السخرية في النقائض، ذلك ان الكرخي يدرك، ان هذه اللغة هي الأكثر قدرة في التعبير عن نبض الضمير الممزق بين مخالب النقمة والمهانة وجوع الذل .

الشاعران نيرودا والكرخي أتقنا أشياءً كثيرة في حياتهما، التجوال والسفرعمّق تجربتهما، وأضاف لهما معرفة بثقافات الشعوب ولغاتها ولهجاتها، فضلاً عن وعيهما السياسي والإجتماعي والوطني بالأحداث، عبر إحالات وتداعيات تنهض بالنص وتعبر عن الموقف، مع ضرورة التمييز بين الشكلين البنائي واللغوي في النصين،والمستوى الفني بينهما، انهما يدركان معاً إستحالة تحقق الأماني، والزمن لايرجع إلى بدايته، ولا تبدو الأشياء أليفة طيعة، يستولد فيها الشاعر عالمه المفقود، أو يستعيد به حضوره المنفي .

 

جمال العتّابي

 

يسري عبد الغنينجم عن التطور التكنولوجي المتسارع في السنوات العشر الأخيرة، نوعا جديدا من الكتابة بات يعرف بـ"الأدب الرقمي"، ما برر التساؤل منذ ذلك الوقت عن مستقبل الكتابة الورقية بمجملها.

إلا أن تلك السنوات لم تكرس بعد ذلك النوع المستحدث من الأدب، بل يذهب كتاب ومتابعون إلى أنه لم يفرض عليهم التعامل معه بجدية، وأرى في الأدب الرقمي "نصوصا أدبية تنشر رقميا عبر الانترنت"، أنها إما أن تكون أدبا حقيقيا ومبدعا في الأساس أو لا تكون.

وأعتقد أنها لا تؤخذ كثيرا على محمل الجد عند غالبية القرّاء المحترفين، إذا كانت ذات سوية هابطة، أو لم تكن لأسماء معروفة، والكثير مما ينشر عبر الشبكة العنكبوتية ليس إبداعا حقيقيا، يشبه الكثير منه ما ينشر في صفحات القراء في الصحف العربية، القارئ العربي أصبح يتعامل بلا واسطة، لقد أصبح قارئا مشاركا بفعل إمكانية التعليق.

وأستغرب أن تلك التقنيات دفعت العديد من القراء إلى الطموح بأن يصبحوا مبدعين "افتراضيين"، فالغالبية العظمى من المواقع العربية الموجودة على الشبكة تساهلت كثيرا في معايير النشر، ذلك ساهم في عدم إمكانية الحديث عن الدخول في الأدب الرقمي بشكل جدي، فالوسيلة الورقية ما تزال أكثر التزما.

ذلك ليس حكما عاما، أن "الاستسهال ليس خطيئة الانترنت وحده"، ولكن "لا يمكن قراءة أي كتاب حقيقي عبر الانترنت"، الانترنت ليس شكلا تعويضا حقيقيا عن المكتبات والكتب.

وأعتقد أن الكتابة الرقمية "شيء افتراضي لا يتحقق إن لم ينعكس أو يرتبط بنا على الأرض"، نؤشر على ذلك بكتابة الشعر مرقما أو "الاعتماد على بهلوانية الكمبيوتر والانترنت". وذلك كله مجرد تجريب يقوم به بعض المغامرين، و لا يمكن أن ينجح إن لم يكن مربوطا بالواقع.

في مقابل ذلك ينفي البعض صفة السهولة عن الأدب الرقمي، مقرين أنه "أدب صعب جدا، وليس كل كاتب قادر على إتقانه".، ويفسرون ذلك بأن الكاتب الورقي يحتاج إلى "فكرة وورقة وقلم"، فيما يحتاج الكاتب الرقمي بالإضافة إلى ذلك إلى الشرط الرقمي، مشيرين إلى أن الكاتب هنا يتطلب أن يكون مبرمجا وملما بالتقنيات الموجودة في عالم الانترنت.

وعن تجاهل النقاد للأدب المنشور عبر الانترنت، نقول أن النقد العربي لم يطور أدواته لاستيعاب التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأدب، لا يمكن تناول الأدب الرقمي بذات الطرق التي يتم فيها تناول الأدب الورقي، الكاتب الرقمي ترابطي ولديه لغة مختلفة، ويحتاج إلى ناقد مختلف.

ورغم إقرارنا أن النقد العربي ما يزال دون الطموح في تعامله مع الأدب الرقمي، إلا أننا نشير إلى تجارب نقدية تطور أدواتها وتسعى إلى مشاريع حقيقية، ولا نبتعد كثيرا حين نؤكد أن على الناقد الذي يتصدى لتناول الكتابة الرقمية أن يمتلك "الحد الأدنى من أدوات الكاتب الرقمي".

ونؤكد على أن الناقد الورقي الكلاسيكي ليس باستطاعته نقد الأدب الرقمي، لانه يحتاج بداية تطوير أدواته لتقييم الإبداع الجديد، كما نؤكد على أن التجربة الرقمية نفسها ما تزال "معلقة في الفراغ"، والنقد لم يقترب منها كونه "لم يفق بعد من صدمة التكنولوجيا".

ونعود لتأكيد أن "الأدب الرقمي لم يتخذ بعد مصداقية عند القراء والكتاب والنقاد"، ونشير إلى أن النقاد الجادين لا يقدمون على قراءة النصوص الرقمية في الأساس ولا على نقدها، مؤكدين أنها غلبت على "تعليقات القراء وأنصاف النقاد وأرباعهم، والمتربصين بالعلاقات الشخصية وحمى التعارف".

وأبدي هنا ثقة كبيرة في أن "الأدب الرقمي" له المستقبل، لكنه يحتاج إلى سنوات طويلة حتى "يتكرس"، أقول لكم : "رغم تطور الحياة والثورة التكنولوجية فما يزال الأدب الإغريقي حاضرا ومؤثرا ومن الضروري الاضطلاع عليه بجدية".

وأضيف إلى ذلك الشعر الجاهلي والتراث العربي والروايات الخالدة، و أشير إلى أنها كلها لم تكتب رقميا ولا تكنولوجيا، مستشهدا بقول امبرتو ايكو أنه "لا يستطيع قراءة الكوميديا الإلهية عبر الكمبيوتر"، وألفت النظر إلى أن الكثير ممن يكتبون فقط عبر الشبكة العنكبوتية ما يزالون يحلمون بالنشر الورقي عبر الصحف والمجلات الأدبية، معتبرين أن ذلك هو الاعتراف الحقيقي لهم.

 

بقلم/د.يسري عبد الغني

 

شاكر فريد حسنالدكتور إحسان عباس ناقد وأديب ومفكر ومؤرخ ومحقق وكاتب وباحث موسوعي معرفي فلسطيني، ويعد من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين، ويحتل مكانة بارزة ومرموقة في الثقافة العربية النقدية المعاصرة. كان غزير النتاج، تأليفًا وتحقيقًا، وترجمة من لغة إلى لغة، ألف وانجز ما يزيد عن 25 مؤلفًا بين النقد والسيرة والتاريخ، وحقق ما يقارب 52 كتابًا.

جاء إحسان إلى الدنيا في قرية عين غزال الفلسطينية المهجرة، التي تقع على أحد امتدادات جبل الكرمل إلى الجنوب من حيفا، أكتوى بنار النكبة وعانى آثارها، ذاق مرارة الحرمان من الوطن، وتجرع علقم الغربة، ولازمه الفقر والجوع، وعاش أزمات المنطقة كلها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وكان إحسان عباس كتب سيرة ذاتية، صدرت في كتاب حمل عنوان "غربة الراعي"، عن دار الشروق في عمان العام 1996. وهي سيرة بالغة الإيحاء، جاءت بلغة عربية بسيطة وسلسة، وتتميز بالعمق الإنساني، وعفوية التعبير، وصدق التعبير الجمالي، يحدثنا فيها عن دخائل نفسه وتجاربه الحياتية بكل التلقائية والشفافية.

وهي سيرة لا تحكي فقط عن الماضي، طفولته وأسرته وزواجه وعمله فحسب، وإنما تحكي غربة الراعي في محطات حياته الأخيرة، التي عانى فيها أمراض الشيخوخة والهرم، والخذلان من الكثير الذين عرفهم وربطته بهم علاقات صداقة.

وتشكل هذه السيرة مشعلًا وهاجًا للأجيال الفلسطينية والعربية الحاضرة والقادمة، لما تضمنته من المعاني والمواقف الإنسانية والتجارب الحياتية، التي تتحدث عن الطفولة المعذبة في عين غزال، والرعي في الجبال المحيطة بها، إلى كاتب كوني عظيم، ومثقف عضوي ونقدي واسع المعرفة والاطلاع، وأكاديمي قضى سنوات عمره متنقلًا بين الكثير من المدن والأماكن العربية، يعمل معلمًا وأستاذا ومحاضرًا في العديد من الجامعات، ومنها الجامعة العربية الامريكية، وإنسان زاهد في الحياة، فرض احترامه على الآخرين، وحافظ على علاقاته مع جميع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، كونه لم ينتمي لأي حزب سياسي، رغم العلاقات التي جمعته بالشيوعيين.

ويختتم إحسان عباس سيرته الذاتية بروح تشاؤمية، روح إنسان خبر فيها الحياة، فلم يجد فيها سوى الوجع والالم والقسوة والمعاناة والمكابدة الإنسانية والذاتية.

يقول الكاتب والناقد الماركسي اللبناني الراحل محمد دكروب عن " غربة الراعي": " في يقيني – لو توسع إحسان عباس في توصيف وتحليل منجزات الفترة البيروتية الخصبة – أنَّ بإمكانه هو، بموضوعيته وشمولية رؤيته، أن يوجّه الضوء الهادئ إلى مختلف تفاعلات الفترة نفسها، بمختلف تيّاراتها، دون تحيّز ما، إلا لمدى الإبداع والإضافة في الفن والفكر والنتاج الثقافي، لدى هذا الكاتب او ذاك، سواء انتمى إلى هذا التيّار او ذاك.. وبالأخص ان هذه الفترة الخصبة التي انتسبت إلى بيروت، هي فترة خصب ثقافي تجديدي بامتياز. فماذا استخلص إحسان عباس من سيرة رعايته الناقدة؟ ".

وبعد، هل كان الراحل ابن رشيق الفلسطيني الدكتور إحسان عباس راعيًا غريبًا، وهو المبدع والناقد المتوهج وصاحب العقل التثاقفي التحاوري والتعارفيّ من الطراز الأول، والغواص الماهر في صميم الثقافة العربية والكونية في القرن العشرين؟ وهل وحده الذي تألم أمام نكبة شعبنا، وإزاء مجازر صبرا وشاتيلا؟!

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

صادق السامرائي"إقرأ"، أول كلمة تنزلت على النبي في غار حراء حسب جميع الروايات، وهي النداء الذي زعزع الوعي البشري، وأطلق إرادة العقل وفاعلها مع واقعها المكاني والزماني.

والبعض يرى أن الإسلام قد أهمل هذه المفردة التنويرية اليقظوية وجعلها في أواخر صور الكتاب القصار، وفي واقع الأمر، أن كتاب المسلمين يُسمى "قرآن" وهو مصدر كلمة إقرأ، والمصدر يدل على معنى الفعل،  أي أن جوهر الإسلام يتمركز في فحوى " إقرأ"، وبموجب ذلك سُمّيَ الكتاب قرآنا.

فكلمة قرآن بحد ذاتها تحث على القراءة، وإعمال العقل والتفكر والتدبر والتمعن بآيات الوجود بأسرها، مما يعني أن الإسلام دين يخاطب العقل أولا، وبدون إعمال العقل يكون الإيمان بالإسلام ناقصا، ووفقا لمعطيات التفاعل العقلي يتأكد السلوك الواعي المنضبط الذي تترتب عليه نتائج متوافقة وطبيعته.

فالإسلام بأصل جوهره دين إقرأ، وعلى المسلم أن يقرأ لكي يكون عارفا بدينه، ومؤمنا بآيات كتابه الذي يريده أن يقرأ، فالقراءة فريضة أساسية من فرائض الدين، ولها الأسبقية والأولوية، وإلا لماذا كانت أول كلمة منزلة؟!!

فالذين لا يقرأون ولا يُقرِئون هم ألد أعداء الدين، وبسببهم تتراكم المآثم والخطايا وتتفاعل في بلاد المسلمين.

ومن المفروض وفقا للقرآن أن المسلمين يقرأون، لكي يتم إسلامهم ويتنور إيمانهم ويترسخ بالدين، وأي خلل في معادلة القراءة والإيمان ينجم عنها تداعيات خطيرة وتفاعلات مريرة، تساهم في ذهاب ريح المسلمين.

وعليه فأن من أولويات دعاة الدين التركيز على تعليم القراءة، والحث على أن يكون المسلم قارئا واعيا يستوعب ما يقرأه في القرآن، لا أن يمضي عمره في أمية وجهل ويدّعي أنه مسلم.

إن القراءة من أعمدة الإسلام الأساسية، وبدونها لا يمكن للمسلم أن يتبجح بإسلامه وهو لا يفقه آية من آيات القرآن، وتبدو لغة القرآن عليه غريبة ولا يمت بصلة إليها.

ولكي تخرج الأمة من محنتها المتوارثة عليها أن تتخذ سبيل القراءة منهجا للحياة والرقاء والنماء.

فهل لنا أن نقرأ لنكون؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

 

هيثم نافل واليالحكمة إن زادت نقصت، وإن طالت قصرت

العزلة بداية الحكمة

الفن يجعل المرء أكثر إنسانية

لا تغسل الروح إلا دموع الصمت ووحدة التأمل

الموسيقى لها القدرة على طرد رياء الإنسان

غالباً ما يكون الكاتب أفضل من كتبه ومؤلفاته

كلما اقتربت النشوة من الوجد كلما اقتربت من حقيقتها الصادقة

غالباً ما يكون الفقير الذكي أرهف حساً من الغني الذكي

كلما ابتعد الفن عن محور المنشأ كلما اقترب من فيض العالمية

الثقافة لا تعني سوى ذوق وإحساس

الفنان محامٍ الوجدان

من يرغب بأن يسمع العالم صوته لابد من سقي الحقيقة بالعذاب

لا نحتاج اليوم إلى مرسل قادم من الله، بل إلى إنسان نابع من رحم الأرض

الشهادة التي لم يحصل عليها تولستوي حققها الحسين

يحق لنا الوصف ولا يجيز لنا التخمين

الإنسان لم يكن يوماً طيباً، بل يحاول أن يكون كذلك

الخلود هو حياة الإنسان المبدع على الأرض

الموت هو العمر الذي يكبر مع الإنسان منذ ولادته

الحياة تجربة قصيرة مجهولة المعالم

الإنسان مجموعة أفكار بعثرها الله فيه

الوطن خدعة من أجل تثبيت سلطة الحاكم

الأرض كالبحر؛ صامتان، لا يفكران بالأخذ كما العطاء

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

يسري عبد الغنيالمسرح فن جديد شاع في العصر الحديث بعد النهضة الأدبيّة التي أتت بعد الحملة الفرنسيّة علی مصر لأنّ العرب بعد هذه الحملة تعرّفوا علی الغرب واطلّعوا علی المدنية ثم بدوؤا بإنشاءِ المطابع فظهرت علی إثره الصّحف ثم تاسسّت الجمعيات وبنيت المدارس والمكتبات وظهرت الفنون المختلفة ومنها المسرح.

«المسرح من فنون القول وإن اشترك فيه مع الكلمة والحركة والتعبير بالصوت وملامح الوجه إلی جانب الإطار وهو البناء المسرحي ذو الجدران الثّلاثة بما يشمل من مناظر وديكور وستارة وإضاءة وما إلی ذلك.»

كتب عبد الرّحمن الشّرقاوي مسرحياته لمعالجة القضايا المعاصرة وبدأ بمسرح، "مأساة جميلة"، عام، ثمّ "الفتی مهران"، عام 1966م، ثمّ "الحسين ثائراً والحسين شهيداً" عام 1969م، ثمّ "وطني عكا" عام 1970م، ثمّ "النسر الأحمر" عام 1976م، وأخيراً "عرابي زعيم الفلاحين", عام 1985م.

«كتب الشّرقاوي مسرحياته الشعرية في تجربة رائدة لتطويع شعر التفعيلية كأداة التعبير، ولمعالجة القضايا المعاصرة، في وقت كان هذا الشعر الجديد ذاته، ما يزال يجاهد أمام تقاليد عريقه لموسيقی الشعر العمودي ولم تكن أقدامه قد رسخت بعد ولمحاولة توظيف شعر جديد، يخالف الشعر العمودي القديم.. وواضح من عناوين مسرحياته مثل "مأساة جميلة" أنّه أراد أن يقّدم الماساة التي تبرز الصراع بين الفرد و القوی التي تريد السيطرة عليه وقهره.»

«تعتبر الشخصات إحدی العناصر الأساسيّة في تركيب بنية المسرحيّة والشّرقاوي في مسرحيّاته اعتمد علی الشخصّيات التاريخّيه المعروفة وهذا العمل يحتاج إلی مسرحي متمكن يعرف الحوادث التاريخيّة يخلق أثراً فيناً جميلاً والشخصيات هي وسيلة المؤلف المسرحي الأولی لكي يترجم فكرة القصّة، إلی حركة وصراع لكي تكتمل الشخصية لابّد أن تعتبر عن إنسان متعدد الأبعاد، له حياته الخارجية الظاهرة التي نراها تتحرك علی المسرح.»

و«في مسرحتيه "الفتی مهران" نري أنّه نشأ في القرية، بين الفلاحين الطيبين الفقراءِ ورأی حوله رفاهية المترفين المهفهفين، كما رأی منذ طفولته القصور والخرائب... ». «والبطل في مسرحتيه "النّسر الأحمر" هو "صلاح الدين الأيوبي"، منحها الشّرقاوي بطولة مسرحيته، واختار الشّرقاوي شعار النّسر الأحمر ليكون رمزاً لبطله "صلاح الدين" فالنسّر رمز القّوة والانقضاض والنُبل...»

«فَإِذا سَكتُم بعدَ ذاكَ علَی الْحَديقةِ

وارْتضی الْإنسانُ ذَلّةَ

فأَنا سأَذبحُ مِنْ جَديدٍ

وأظّلُ اُقتل مِن جَديدٍ..

وأظّلُ اُقتلُ كُلَ يَومٍ أَلفَ قتلةٍ

سَأَظلُّ اُقتلُ كلَّما سَكت الْغيّورُ

وكلُّمّا أَقفی الْصبور..

سَأَظّلُ اُقتلُ كُلَّما رُغمت أُنوفٌ في المْذلّةِ». و«الحسين نموذج للتأثر الذي استشبع الظلم، فقادمه بكل ما اُوتي من فضائل، دون الاستعانة بأسلحة أعدائه الذين قتلوه باسم الإسلام...وقد صور الشّرقاوي "الحسين" شهيداً، منذ البداية، فقد امتلك نقاء الروح، وصدق القول...».

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

نايف عبوشلعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل الجديد من الشباب، حيث يلاحظ تلاشي الكثير من العادات، والتقاليد الاجتماعية المتوارثة، ولاسيما بعد اضمحلال مجالس السمر في الدواوين، ورحيل المخضرمين العمالقة، من الرواة، والنسابة، والمدونين، والباحثين، الذين كانوا أدوات تناول جاد، وتداول حي للتراث في مجالس السمر، والمناسبات الاجتماعية، ناهيك عن ضعف حس الإهتمام الجمعي بثقافة الموروث الشعبي في الوقت الحاضر .

ولاشك ان انفتاح الشعوب على التمدن والعصرنة، وهبوب رياح التغيير عليها بلا قيود، في ظل تحديات العولمة، كعامل موضوعي  مضاف، بما يمتلكه، من قدرات فنية، ووسائل إعلامية هائلة، في ظل ثورة الاتصال والمعلوماتية، بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات بلا نهايات، هو الآخر عامل تأثير وتفكيك فعال، ويعمل بشكل سلبي على اضمحلال حيوية التراث،وخفوت وهجه، وذلك ما بات يشكل هواجس تحديات داهمة، تهدد التراث بالمسخ، والإقصاء، بل والكنس، والإفناء، عاجلا أم آجلا.

 لذلك فان الأمر بات يتطلب من كل المعنيين بأمر التراث، من الكتاب، والأدباء،والشعراء، والرواة، وأعمدة القوم، تشجيع التواصل مع التراث،بكل مكوناته الإيجابية، والحرص على توثيق تاريخ، وتراث كل ديرة، وفي إطار تواصل استلهامي حي مع الماضي،في نفس الوقت الذي نتعايش فيه مع الإيجابي من معطيات العصرنة،وبالشكل الذي يحقق توأمة متوازنة إذا صح التعبير، وبالطريقة التي يمكن أن تبدد القلق الماثل أمامنا، على مصير التراث. 

ولعل ذلك النهج هو ما يمكن تلمسه بوضوح، في المسعى النبيل، والجاد، للكاتبة المبدعة الدكتورة نعمات الطراونة، التي أخذت على عاتقها تناول التراث الريفي بالبحث، والتوثيق، في ومضات تراثية، بمقالات متتالية لها، نشرتها مجلة صدى الريف الورقية التي تصدر في الموصل، والتي قامت بجمع تلك المقالات التراثية، وتبنت طبعها في كتاب تحت عنوان (من ذكريات القرية)، ليكون مصدراً مكتوباً وموثقا في الموروث الشعبي الريفي، يمكن لكل المهتمين به، الرجوع إليه عند الحاجة في هذا المجال.

ولا ريب أن الكاتبة الدكتورة نعمات الطراونة باعتمادها مثل تلك الأسلوبية التوافقية المتوازنة في تعاملها مع الموروث الشعبي الريفي، وحرصها على توثيقها كتابياً، تكون قد ابتدأت الخطوة الأولى في مسار الحفاظ المنشود، على ما يمكننا الحفاظ عليه، من بقايا تراثنا الديني، والثقافي، والاجتماعي، والشعبي،المهدد بالاندثار، والانقراض السريع، باعتبار إن القطيعة مع التراث، وبتفاعلها مع عوادي الزمن، ستأتي على كل ملامحه، وما يترتب على مثل تلك القطيعة من استلاب للأصالة، ومس بنقاء الهوية، وضياع ملامحها .

وحسنا فعلت مجلة صدى في جمع المقالات، والمبادرة لطبعها في كتاب، ليأخذ مداه الواسع بين القراء والمهتمين بالتراث،في كامل الساحة الثقافية العرببة. ومن هنا فإنه لابد من الاشارة إلى أن كتاب الدكتورة نعمات الطراونة (من ذكريات القرية)، سيحظى  بإعجاب الكثير من المهتمين بالشأن التراثي الشعبي في الساحة العراقية، ونظيراتها العربية، مع أن جوهر متن الكتاب، يركز على تناول الموروث الريفي الأردني بشكل خاص، وذلك بسبب طبيعة التماثل في العادات، والتقاليد التراثية الريفية في البلدان العربية، وتطابقها في كثير من المفردات، إلى حد كبير، رغم خصوصية البعض منها .

 

نايف عبوش

 

صادق السامرائيكنت في حديث هاتفي مع أحد أساتذتنا المعروفين في ميادين الأدب والثقافة، وقد أصابته نوائب الدهر بسهامها فأقعدته وحيدا يعالج مرارة الغربة والوحشة، ويتأمل رحلة الحياة ما بين أيامه المتألقة وأحواله المتوجعة .

يقول: إن مصيرنا واحد.. ومهما كانت حالنا وإمكانياتنا المالية سننتهي إلى أسوأ حال، وهذا مصير المثقف العراقي!!

وأخذ يذكر هذا الشاعر الذي أمضى العمر بقريضه وعطاءاته الإبداعية وإنتهي إلى العدم، وذلك المثقف الذي صار مصيره كذا، وبعد أن إنتهى من ذكر العديد من الأسماء، توقف متأثرا بجراح الموقف،

ثم أردف قائلا: وأنا لن أشذ عنهم، فأراني أواجه ذات المصير!!

وقال: لماذا ينتهي المثقف منا في غياهب الحرمان والفاقة؟!

ويمضي يحدثني عن مرارة التجربة التي مرّ بها ولا يزال، حيث الوحشة والغربة وفرقة الأحباب، وقلة الحيلة، والجلوس على مقعد، بعد أن فقد قدرة المشي لما أصاب ساقيه من ضعف وشلل.

وسألته: كيف يطعم نفسه ويرتب أمر شقته؟

فقال: لا أدري، وحيد مقعد، وقد بلغت من العمر عتيا!!

وكان قلبه يصرخ جازعا: أين المثقفين والأهل والأصدقاء والأحبة في محنتي، لماذا نهمل المثقف ولا نحسب له شأنا؟

كان الأستاذ متألما ومتورطا في حالته، التي لا يعرف الخروج منها وقد تردت صحته، والناس –كما يرى- من حوله في غياهب التجاهل وعدم الإهتمام.

وختم كلامه بجزعٍ قائلا: مصيرنا قاسي، فالمثقف يعيش لعنة الثقافة!!

وحسبته يقول (لعنة أكدٍ) المتوارثة عبر العصور بتعبيراتها المتنوعة.

 فقلت: أن العلاقة بين اللعنتين متقاربة، فلعنة أكد قد أوجدت لعنة الثقافة وأخواتها!!

فقال: آخٍ من اللعنات فما أكثرها!!

وبعد المكالمة، تساءلت: لماذا لا يتعاضد المثقفون العراقيون؟

وهل أن المثقفين في المجتمعات الأخرى يهملون بعضهم ولا يكترثون بمصيرهم؟

وتواردت العديد من الخطابات والنداءات التي قرأناها على مر السنين، حيث رسائل المناشدة للمساعدة في علاج أو إسعاف أحد المثقفين، ولا تجد إستجابة إيجابية في أكثر المرات.

وأستاذنا الكريم قد كتب مناشدات، وكتب الآخرون يناشدون المعونة في علاجه وتقديم الخدمة اللازمة له، وما نفعت كل النداءات وما أثمرت.

وأنه لمن العيب الحضاري والإنساني، أن يترك أي مجتمع إنسانه المثقف يموت في أحوال صعبة ويلاقي مصيره لوحده، من غير إسناد مادي ومعنوي، وهذا يؤكد أن المجتمع لا يريد مثقفيه، ولا يرغب بهم، ربما لشعوره بأنهم لا يقدمون الخدمة  الصالحة ولا يملكون قوة التغيير والتأثير.

وهذا الإهمال يكشف ضعف علاقة المثقف بالمجتمع، وتنكر المثقف للمثقف، وذلك واضح في ما يتم نشره في جميع الصحف.

فهل إتّحد المثقفون، وهل لهم صوت ودور وقيمة في صناعة الحاضر والمستقبل؟

وهل هناك علة في شخصية الإنسان المثقف تساهم في وصوله إلى أقسى مصير؟!

وهل عرفنا قيمة الثقافة ودور المثقف في الحياة، أم أننا ننكرهما كنكراننا لكل ما يمت إلينا بصلة؟!

تساؤلات عديدة تواكبت وأنا أتكلم مع أستاذنا الفاضل المقعد الحزين، والحيرة تعصف في خيالي، حتى أخذت أفكر بالآتيات والعاديات، التي تختار المثقف  وتتصيده كأنه غنيمتها وفريستها الأشهى والأطيب!!

وكلٌ منا يمكنه أن يُعرّف المثقف وفقا لرؤاه، لكن المصير واحد في معظم الأحوال، وعلى خطى الأستاذ المكبّل بالأوجاع!!

 

د. صادق السامرائي

 

بدايةً، ينبغي القول إن عبارة  "زِير نساء" تُطلَق على الشخص الذي يُحادِث النساء ويُزاورهن. قال ابن منظور في لسان العرب: (قِيل: الزِّير المُخالِط لهنَّ في الباطل. ويُقال: فُلان زِيرُ نساء إذا كان يحب زيارتهن ومحادثتهن ومجالستهن. سُمِّيَ بذلك لكثرة زيارته لهن).

وتفكير الرجال في قضايا العشق والغرام يختلف عن تفكير النساء. وهناك عبارة شهيرة في هذا السياق: (الرجال يعشقون النساء من المظهر، والنساء يعشقن الرجال من الكلام، لهذا السبب، النساء يضعن المكياج، والرجال دائمًا يكذبون !).

وهذا يُشير بوضوح إلى انجذاب المرأة إلى كلام الرجل وعباراته اللطيفة وتلميحاته الشاعرية. ولا يوجد أفضل من الشعراء للعب هذا الدور الحسَّاس، فهم القادرون على زخرفة الكلام، والتلاعب بالألفاظ، وصناعة المعاني والصور الفنية المؤثرة. لذلك، ليس غريبًا أن يكون أغلب أبطال قصص الحب في التراث العربي هُم مِن الشعراء. إنهم يصنعون الكلام، ويُخلِّدون اللحظة.

ومِن الشعراء البارزين في مجال العشق والغرام، مسلم بن الوليد (140هـ _ 208 هـ). وهو فارسي الأصل، عربي الولاء. ويُعتبَر رأس مدرسة البديع (عِلم تُعرَف به وجوه تحسين الكلام، من حيث الألفاظ ووضوح الدلالة، على نحو يُكسِب التعبير الشعري طرافةً وجِدَّة).

انقطعَ إلى يزيد بن مزيد الشيباني أحد كبار قادة هارون الرشيد. وعندما صارت مقاليد الأمور في يد الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قرَّبه وأنعم عليه بالمناصب والأموال والضِّياع. وقد أنفقَ أمواله الكثيرة على الخمر والنساء، وكان شغله الشاغل هو تلبية شهواته ولذاته. ولَمَّا قُتِل الفضل، لزم مسلم بن الوليد منزله، وتركَ اللهو، وأقبلَ على العبادة، حتى وفاته.

عُرف مسلم بن الوليد بلقبه " صريع الغواني "، وقد لقَّبه هارون الرشيد بِه، لِقَوله في قصيدته التي مدحه فيها: (هل العَيشُ إلا أن تروحَ معَ الصِّبا... وتغدو صَريعَ الكأسِ والأعينِ النُّجْلِ).

والغواني جَمْع غَانِيَة. والغانيةُ هي التي استغنت بجمالها عن مدح الناس، أو التي غَنِيَتْ بزوجها عن غَيْره.

كان مسلم بن الوليد مفتونًا بجمال النساء ودلالهن، وحريصًا أشد الحرص على إقامة العلاقات معهن. وعبَّر عن ذلك بأشعار كثيرة، وصُوَر فنية شديدة التأثير، وكان مُقبلًا على اللهو مع النساء، ونَيل لذة المغامرات الغرامية. لكنه لَم يغرق في المُجون، ولَم يُجاهر بارتكاب المعاصي والآثام مِثل الشاعر أبي نُوَاس، الذي احترفَ المجون جِهارًا نهارًا. لقد أقامَ مسلم بن الوليد علاقاته الغرامية بعيدًا عن الأنظار، وصنع عالمه السحري مع الخمر والنساء في الظل، وراء الأبواب المغلقة. وكانَ يظهر أمام الناس كرَجل وقور، وزَوج صالح مُخلِص لزوجته، ويتحرَّك في المجتمع بكل أدب واتزان وهدوء. وكان حريصًا على اسمه وسُمعته وكرامته ونظرة الناس إليه.

لكن السؤال الذي يطرح نَفْسَه: ما سبب هذا التناقض الصارخ في حياة مسلم بن الوليد ؟. إنه يعيش حياتين مُنفصلتين، حياة في السر، وحياة في العلن. ولكل حياة أسلوبها الخاص ومشاعرها المحدَّدة. ما الذي يُجبره أن يكون إنسانًا مُزْدَوَجًا _ إن جاز التعبير _ ؟.

لقد وقع هذا الشاعر في صراع بين رغباته الذاتية والقيود الاجتماعية. أرادَ الانطلاق والتحرر من قوانين العقل الجمعي التي تفرض على الفرد أن يضبط شهواته وغرائزه، ولا يُطلِق لها العِنان. ومن خالفَ هذا الأمر، فإنه سيتعرَّض للاحتقار واللوم والفضيحة والتشهير، وتُصبح سُمعته سيئة للغاية، ويتم نَبْذه، وتسليط الأضواء عليه كعنصر فاسد في المجتمع.

وهذه العقوبة لا يَقْدِر الشاعر على تحمُّلها، ولا يستطيع أن يدفع ضريبة الانشقاق عن الاتجاه العام في المجتمع. لذلك اختار الحياة السِّرية البعيدة عن الأضواء. ومَهما كان السَبَّاح قويًّا وعنيدًا، فهو لا يستطيع أن يسبح ضِد تَيَّار النهر، لأن العقل الجمعي أقوى من العقل الفردي. والكثرةُ غَلبت الشجاعة.

بنى مسلم بن الوليد حياته بشكل مُزدوَج، كَي يُحقِّق رغباته وشهواته، ويُلَبِّيَ طموحاته الشخصية، وفي نَفْس الوقت، يُحافظ على نظرة المجتمع له باعتباره رَجلًا فاضلًا ذا سُمعة طيبة، ويتمتع بِحُسن السيرة والسلوك. وهكذا، يَضرب عصفورين بحجر واحد.

إن هذا الانفصام في الشخصية له تبعات شديدة الخطورة على النَّفْس، لأن يُحوِّل الإنسان إلى كائن اصطناعي هُلامي يَلعب على الحبلَيْن، ويخلط الأوراق تبعًا لثنائية (الوجه / القناع). وبالتالي، يدخل الإنسان في حرب مع نفْسه، ويخسر الانسجام والطمأنينة وراحة البال، ويفتقد إلى قيمة التصالح مع الذات. وعندئذٍ، يغيب السلام الداخلي والأمن الروحي، ويفقد الإنسان قدرته على صناعة الفِعل، لأن حياته تصبح رَدَّة فِعل لأحكام الآخرين، أي إنه يَخسر رُوح المُبادَرة، ويصبح شبحًا هاربًا من الضوء إلى حياة الظل، ومرآةً تعكس حياةَ الآخرين، ولا تشعر بحياتها الخاصة.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

يسري عبد الغنيرسومات أو جداريات الحج فن شعبى فطرى تميزت به مصر عن غيرها من الدول العربية الكعبة والروضة الشريفة والحجر الأسود أبرز الرسومات المنتشرة على حوائط المنازل باحثون أجانب تحدثوا عن رسومات الحج المنقوشة على بيوت الصعيد فى عدد من الكتب فرسومات الحج فن فطرى هو امتداد للفن المصري القديم المنقوش فى المقابر والمعابد وبكل أسف فأن المنازل والتقنيات الحديثة قضت على فن رسومات الحج

عقب انتهاء موسم الحج وعودة الحجاج إلى ديارهم سالمين، تتزين واجهات المنازل برسومات ونقوش تعبر عن تفاصيل رحلة الحج، يطلق عليها الكثير رسومات الحج، وهى فن فطرى خالص تميزت به مصر عن أى مكان آخر فى الوطن العربى، وكان لصعيد مصر الاهتمام الأكبر بهذه النقوش والرسومات التى تعبر عن أداء فريضة الحج، فالشعب المصري من أكثر الشعوب حبًا للأراضي المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة.

لقد كانت الرسومات التصويرية التي ينقشونها على جدران منازلهم بعد عودتهم سالمين إلى ديارهم وأهلهم من رحلة الحج أبلغ دليل على هذا العشق الذي لا ينافسهم فيه أحد، فهم يقومون برسم ونقش الأماكن المقدسة لكي تظل أمام أعينهم يتذكرون من خلالها رحلتهم الروحانية المقدسة إلى بيت الله الحرام و مسجد وقبر النبي (صلى الله عليه وسلم).

حملت حوائط منازل الحجاج بصعيد مصر العديد من الرسومات التى تتغير من بيت لآخر، لكن أكثرها نقشًا وانتشارًا على حوائط وواجهات المنازل "الكعبة المشرفة، الروضة الشريفة، صورة تخيلية للبراق، مقام سيدنا إبراهيم، الحجر الأسود، وسيلة المواصلات سواء طائرة أو باخرة وقديمًا الجمل"، لكن تبقى الكعبة المشرفة هى الأهم والأبرز.

رسومات الحج لم تقتصر على الأشكال والصور، فقد انتشر بجانبها عدد من الجُمل المشهورة التى لا يخلو منها أى بيت عليه هذه الرسومات، ومن أهم هذه الجمل قول الله تعالى"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" سورة الحج27 والحديث الشريف: "مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"رواه البخاري" 1196"ومسلم"1391" وبعض الأقوال مثل"من زار قبرى وجبت له شفاعتى".

وقد كان لكل قرية أو منطقة فنانوها المعدودون الذين يجيدون رسم وتصوير هذه النقوش، ولكل منهم أسلوبه الخاص الذى يتفرد به عن غيره فى هذا الفن، فمنهم من كان يكثر كتابة بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأقوال المأثورة باستخدام الخطوط المختلفة، ومنهم من يكثر استخدام الرسومات والمناظر على حساب الكلمات، وقد كان لرسام هذا الفن الجميل أهمية خاصة فى صعيد مصر، فكانوا يكرمونه ويغدقون عليه بالأموال من قبل الرجال والنساء على حد سواء، وتبدأ عملية رسم الحوائط وتزيينها قبل عودة الحاج بأيام قليلة من فريضة الحج، حيث يقوم أبناؤه باستئجار "رسام محترف" لكى يرسم وينقش تفاصيل الرحلة المقدسة التى قضاها فى بيت الله الحرام على جدران المنزل.

وقد اهتم الباحثون الأجانب بهذا الفن الفطري الذي اشتهرت به مصر عن سائر البلدان العربية، فخلال جولاتهم بصعيد مصر لفتت أنظارهم الرسومات المنقوشة على معظم البيوت الصعيدية، حتى أن بعضهم قام بتأليف كتب عن رحلة الحج المصرية منها كتاب يحمل عنوان "لوحات الحج" صدر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من تأليف الكاتبة آفون نيل والمصور آن باركر"Ann Parker؛ Avon Neal" فى سبتمبر 2009، وكتاب آخر للمستشرق الإنجليزي إدوارد لين"Edward lane" يحمل عنوان"المصريون المحدثون" ذكر فيه أنّ المصريين كانوا يقومون بتزيين بيوتهم برسومات الحج فى القرن الثامن عشر، فقبل عودة الحاجّ بثلاثة أيّام يقومون بتلوين الباب والحجارة باللونين الأبيض والأحمر بطريقة بدائية، وكان يتم ذلك بناءً على طلب مسبق من الحاج لأهله قبل سفره، ويشير إلى أن جذور الحضارة الفرعونية وتأصلها في نفوس المصريين هي التي أدّت إلى انتشار هذا الفنّ، حيث تحوّل البيت الجنوبي إلى صورة مصغرة من معبد فرعوني، فالمصري القديم كان يستخدم الأدوات البسيطة في الرسم على المعابد من ريشة وجبس وألوان وجير، وهى الأدوات نفسها التي يستخدمها الفنان الشعبي في الرسومات الآن، وهي رسومات استُلهمت في الحقب التاريخية الماضية مثل العهد المملوكي والعهد العثماني.

جداريات الحج فن مصرى فطرى وامتداد للفن المصري القديم - جداريات المقابر والمعابد - وهو لا يرتبط بدين معين، فالفراعنة استخدموا هذه الرسومات والنقوش بكثرة داخل المقابر للتعبير عن رحلة البعث والخلود، واهتم به الأقباط من خلال الرسومات الموجودة على جدران الكنائس والتى تسمى بـ "جداريات الفرسك"، مستخدمين فيها ألوان الأكسيد الطبيعية المختلطة بزلال البيض، ثم انتقل هذا التراث إلى العصر الإسلامى الحديث، فبدأ الإنسان المسلم يرسم الرحلة المقدسة للحج وما تحمله من رموز مثل "الكعبة، الطائرة أو الباخرة، غار حراء، الجمل.. إلخ".

و أحيانًا يقوم بعض الأشخاص برسم صورهم الشخصية على جدران المنازل بعد تأديتهم لفريضة الحج، ويحرص معظم المصريين على تسجيل الرحلة على جدران المنازل لأنهم يعتبرونها مدعاة للفخر والتميز بتأديتهم فرض الله وحصولهم على لقب "حاج"، وهو اللفظ الذي له مكانة خاصة لدى المسلمين.

 

د. يسري عبد الغني

 

 

عبرت الشارع من جهة المسرح الوطني الى الرصيف المقابل، كانت محلات الكهربائيات، تصطف وتمتدُ على رصيف الشارع وتخفي جماله، لم تستطع الأشجار الخضراء، إعادة رونقه وجماله، وشعرتُ بالارتباك عند الرصيف، كمن يهربُ منه، كانت ساحة التحرير لا تبعد كثيراً، وقريبة، ولكن لا توجد مظاهرات اليوم، يجب الانتظار ليوم الجمعة..ولا أتذكر الى أين كنت أنوي الذهاب، فقد أتيتُ لعملٍ ما ونسيته، واصبحت الكرادة والمسرح الوطني، بعيدين عني .

قال سائق التكسي، سأوصلك الى الكرنتينه، قلتُ له من بداية الشارع أو من كهرمانة، فسألني :

تنزل قرب الساحة؟

 أشرت له "نعم"، وسمع تعليقي "أي ساحة"، وضحك بسخرية! كانت هنالك بنزين خانة جديدة، تسدُ الساحة وتخنقُ الفضاء من بداية الشارع وتلقي بظلالها على ما تبقى من جماله وهدوئه، دخل في الشوارع الفرعية ذات شارع واحد، وبيوتها الهادئة، ووقف على مسافة بعيدة من الساحة، وقال وهو يضحك «خلّصتك منها»، يقصد البنزين خانة ولكنني ما زلت اراها من مكان توقفه فشكرتهُ واشرت اليها فضحك ..واعطاني رقم موبايله، وطلب مني الاتصال به بأيّ وقتٍ اشاء.

....

كانت ساحة السباع كالحة ومنزوعة الأشجار وصاخبة تعج بالسيارات، قطعتُ الساحة الى شارع الهادي، وقبل نهايته، لاحت أسلاك الكهرباء الممتدة بكلّ اتجاه، وسوق الشارع المزدحم، والبنايات والخرائب المهملة على الساحة الصغيرة، نهاية الشارع، حتى تشعر بأنك لست في بغداد.. في ساحة السباع أو الهادي أو الأمين وباب الشيخ، رفضت هذه الاحياء البغدادية المختلطة، بشدّة، كانتونات عزل السُنّة عن الشيعة، بأوج سُعار الطائفية بين عاميّ 2006 و2007 م، وكوفئت بالإهمال المتعمد، وتبدو كأنها خارج خدمات أمانة العاصمة، رغم إنّها وسط بغداد.

 صدمني الاهمال وشعرت بالتوجس من الذهاب الى الميدان أو الرشيد، كان جامع الخلاني القريب عبارة عن خرائب بجدرانه العالية المحاذية للرصيف، وما زال بعض القاشاني الأخضر والأزرق، يتثبتُ بجدرانه وقبته المستديرة، كأنّهُ يشكو لشارع الهادي، ولكنهُ لا يجد في شارع الهادي وساحته الشبيهة بمكب للنفايات، سوى خرائب مُماثلة، فيلوذ بالصمت والسكينة والهدوء .

 احياء وسط بغداد عبارة عن خرائب وساحات لجمع الانقاض، وتقطعُ الشوارع حواجز تفيض عن الحاجة ونقاط سيطرة تخيف المارة، وأنت تتمشى، أنس أنك في وضعٍ أمني مضطرب، عليك ان تشعر بأنك في أمان رغم ان كل ما يحيط بك لا يشعرك بالامان حين تتجول في بغداد، واذا لم تستطع أن تشعر بالامان، عليك ان تبقى في بيتك أو ترحل وتسافر .

.....

من شارع العلاوي أو من نهاية نفق الشارع والجسر أو المُجسّر الجديد، بداية الشارع باتجاه الكرادة، يرتفعُ حائطٌ كونكريتي هائل، يحمي المنطقة الخضراء، ويعزِلُها عن الاحياء المجاورة، ويظلُ يلف مع الشارع الى نهايته، وقبل أن ادخل في الشارع، فكّرت بالرجوع والذهاب الى شارع الرشيد، فتذكرتُ محلات الزيوت وإطارات السيارات والاكسسوارات التي غزت الشارع، وتوقفت .

......

عدتُ الى رصيف المسرح الوطني، ىتذكر العمل الذي اتيت من اجله بدون هواجس أو أحلام، كانت الكرادة خلف المسرح، هادئة بلا ضجيج، أردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله .. ولكنني نسيت!

قطعتُ الشارع مرّة ثانية من رصيف المسرح الوطني الى الرصيف المقابل، وشعرتُ بالارتباك، لكثرة الكهربائيات المعروضة على الرصيف، والمتسوقين وأصوات السيارات والحاجز أو نقطة التفتيش القريبة بنهاية الشارع، فقد عجزت الإعلانات الكبيرة الملونة والأشجار الخضراء الجميلة والمُشذّبة عن إعادة رونقه وجماله .

 كنت في تلك اللحظة على بعد خطوات من دجلة وأبو نؤاس، ولكنهُ فارغ الآن، بهذه الساعة، كأنّهُ بلا مقاهي أو رواد ومشروبات، اردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله في الكرادة قرب المسرح الوطني، ولكنني نسيتهُ .. قلت "سهام" ستذكّرني به، تذهبُ خصيصاً لمحلاتٍ قريبة من كهرمانة، تبيعُ أكياس "جبس مُملح" من مختلف الاحجام أو بالوزن، وتأكلُ أكثر مما تشتري ..

ولكنني نسيتُ أن اسألها !!

حين عدتُ مشياً

مرة ثانية الى كهرمانة.

 

قيس العذاري

......................

بغداد قبل انتفاضة تشرين التي بدأت يوم : 25.10.2020 م

 

ضياء نافععندما ولد سيرغي  يسينين العام 1895، كان مكسيم غوركي اديبا معروفا في روسيا الامبراطورية، اذ ان غوركي اكبر من يسينين ب (27) سنة. وعندما توفى يسينين العام 1925 كان غوركي خارج روسيا السوفيتية - مرة اخرى – مضطرّا، وذلك نتيجة لخلافه مع السلطة السوفيتية هذه المرّة (انظر مقالتنا بعنوان – غوركي ولينين). وعندما نشر يسينين اول قصيدة له العام 1914 في احدى المجلات الخاصة بادب الاطفال، كان غوركي  لا يزال خارج روسيا هاربا من مطاردة السلطة القيصرية له لنشاطه السياسي والفكري المعارض للنظام القيصري الروسي آنذاك، وكان يلتقي خارج روسيا القيصرية مع لينين نفسه ويشارك بنشاطات حزبه  الماركسي المعروف، الذي سيحقق ثورة اكتوبر 1917، ويحوّل دولة روسيا الامبراطورية الى دولة الاتحاد السوفيتي .  الكاتبان غوركي ويسينين – باختصار -  عاشا في روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية، وفي زمن واحد متقارب، لكن مسيرتهما الحياتية كانت مختلفة تماما، ورغم كل هذا الاختلاف النوعي الكبير (شكلا ومضمونا) في مسيرتيهما ونتاجاتهما، فانهما – مع ذلك – يعدّان الان قمّتين من سلسلة قمم الادب الروسي في النصف الاول من القرن العشرين، وانطلاقا من هذه الحقيقة الساطعة والثابتة في تاريخ الادب الروسي، تناول الباحثون الروس موضوعة المقارنة بينهما، اي العلاقة بين عالمين اثنين مختلفين تماما في زمن روسيّ واحد، وهي موضوعة طريفة فعلا، وهذا ما نحاول الحديث عنه بشكل عام (اي عن اهم ملامح هذه المقارنة) في مقالتنا هذه .

المقارنة تبدأ بين الوقائع في طفولة غوركي ويسينين، اذ انها (اي الطفولة) تنعكس لاحقا وحتما في بلورة خصائص المبدعين كافة . طفولة غوركي كانت صعبة وقاسية جدا، وهي تذكّر بجملة  كتبها تشيخوف مرّة واصبحت قولا شائعا باللغة الروسية، وهذه الجملة هي– (في طفولتي لم تكن عندي طفولة) . طفولة الصبي اليتيم غوركي معروفة بشكل عام للقارئ العربي، اذ انه كتبها في روايته الثلاثية المعروفة والمترجمة الى العربية (طفولتي / في الناس / جامعاتي)، ويعرف هذا القارئ ان غوركي اضطرفي طفولته ان يمارس  مختلف الاعمال التي يضطر الانسان ان يمتهنها وهو في وضعه التعيس هذا، مهن مثل  صبغ جلود الاحذية وغيرها من المهن، وان غوركي لم يستطع - نتيجة هذا الظرف الصعب - ان يكمل سوى مدرسة مهنية ليس الا. طفولة يسينين تختلف تماما، اذ انه قضاها في قريته الروسية  التي ولد فيها (وانعكست مناظرها الريفّية الخلاّبة لاحقا في شعره)، وكان يدرس في المدرسة (ويلتهم!) الكتب الموجودة في مكتبتها العامة، وهناك تعرّف يسينين على الادباء الروس ومنهم غوركي، والذي كان يكنّ له اعجابا متناهيا كمناضل وكأديب متميّز في مسيرة الادب الروسي، ولهذا، وعندما أصدر يسينين اول ديوان شعر له، فانه اهداه الى غوركي، وحدث ذلك في بداية عام 1916، عندما التقيا اول مرة في مدينة بيتروغراد (وهي المدينة التي تحولت الى لينينغراد ثم عادت الى بطرسبورغ وهو اسمها الاصلي)، بعد عودة غوركي من ايطاليا الى روسيا، وقد كتب يسينين في ذلك الاهداء على ديوان شعره جملة تعبّر عن موقفه هذا تجاه غوركي، وقد جاء في ذلك الاهداء – (الى مكسيم غوركي كاتب الارض والانسان ...)،، وتمّ عرض هذا الكتاب باهداء يسينين في معرض اقيم في متحف يسينين بموسكو لمناسبة مرور 150 عاما على ميلاد غوركي العام 2018 بموسكو .

غوركي كان مراقبا فذّا لمسيرة الادب الروسي، وكان يتابع بدقّة كل الاسماء الجديدة في هذا الادب، ويحاول ان يرعاها حسب امكانياته،   وقد لاحظ غوركي بالطبع موهبة يسينين المتميّزة رأسا، ودعاه للمشاركة في النشر بمجلة (ليتوبيس)، التي بدأت لتوّها، واستجاب يسينين لهذه الدعوة،والتي جاءت من قبل كاتب يعتزّ به مثل غوركي، وظهرت فعلا في العدد الثاني (شباط 1916) للمجلة قصيدة ليسينين، ثم نشر غوركي قصائد ليسينين في جريدته (الحياة الجديدة) التي بدأ باصدارها آنذاك، وهي الصحيفة لعبت دورا كبيرا في التعبير عن خلافات غوركي مع السلطة السوفيتية . ومن الطريف ان نذكر هنا، ان اعجاب غوركي بشعر يسينين قد انعكس حتى على مراسلات غوركي مع الاديب الفرنسي رومان رولان، اذ وجد الباحثون جملة كتبها غوركي الى رولان، يخبره فيها بظهور شاعر روسي عبقري شاب في روسيا السوفيتية هو يسينين . نختتم مقالتنا هذه بمقطع بما كتبه غوركي عن يسينين، – (... أثارتني قصائده حتى الدموع ...اردت حتى ان ابكي...ولم استطع ان اقول له اي كلمات مديح، والتي اعتقد انه ليس بحاجة اليها ...ان تلك القصائد تجعلك تفكّر وبلا ارادتك...ان الطبيعة قد خلقته ليكون لسان حالها... وانها خلقته للشعر .. وللتعبير عن حزن الحقول ..وعن الحب تجاه كل ما هو حي في العالم).

غوركي ويسينين موضوعة جميلة في تاريخ الادب الروسي، وهي تستحق – وبجدارة – ان يوليها الباحثون انتباههم، والتعمق في دراسة الآراء التي كتباها او ذكراها كلاهما عن بعضهما البعض، والتوقف عند آراء الآخرين حول هذه العلاقة وتحليلها ...

 

ا.د. ضياء نافع

 

كاظم الموسويلا أتذكر الان أن كنت قد قراتها ايام الشباب التي كنا نتنافس في القراءات ونتسابق في المتابعات. ايام كنا طلابا في المراحل المتوسطة والثانوية من التعليم، أو في دار المعلمين، ونهتم بالادب بكل فروعه، الشعرية أو النثرية، وما يتعلق به من مجلات ومطبوعات. وكنت مع صديقي رياض، ابن مدير دائرة الثقافة، نشتغل بالقراءة وتبادل الكتب واستعارتها من المكتبة العامة أو من ما كان بيتهم حافلا به من اخر الاصدارات الثقافية ومكتبته عامرة بالكتب ومنها طبعا الروايات العربية، واتذكر اني تخصصت بجمع اعداد من مجلة الثقافة (رئيس التحرير محمد فريد أبو حديد) ومجلة الرسالة (رئيس التحرير احمد حسن الزيات) ودوريات اخرى، وهو تفرغ لجمع الطوابع البريدية والمراسلات. ولكل منهما قصة مناسبة قد يأتي يوم للتفصيل فيها. واستعدت التذكر عن "عودة الروح"، لتوفيق الحكيم, (ولد عام 1898 وتوفي 26  تموز/ يوليو 1987) وانا أطالع كتاب المناضل الاشتراكي احمد بهاء الدين شعبان، "عبد الناصر مثقفا"، وذكره الرواية نقلا عما أشار له الناقد الر احل رجاء النقاش عن تأثر جمال عبد الناصر بمحتوى الرواية بعد قراءتها واستخلاصه منها فكرتين، فكرة الوحدة الوطنية، وفكرة عودة الروح لمصر في دورها الحضاري، واضاف لها احمد فكرة ثالثة " التوحد" او الجمع بين الموضوع والذات، بين الأمة والزعيم أو بين الشعب والقائد.

بحثت في الانترنت عن الرواية، وحملّتها الكترونيا فوجدت الطبعة الرابعة في جزءين من منشورات المطبعة النموذجية عام 1957 في 515 صفحة من القطع المتوسط، وكانت الطبعة الأولى صدرت عن مطبعة الرغائب عام 1933 وبعد الغلاف نشرت دار النشر  عناوين الكتب الصادرة له في اللغة العربية، وهي في ذلك العام عدد كبير، ومن ثم ما صدر له في اللغات الأجنبية وكذلك كان عددا كبيرا. بالنسبة لعودة الروح ترجمت إلى اللغة الروسية عام 1935 والى اللغة الفرنسية عام1937 ومقتطفات منها إلى الإنجليزية عام 1942  ومن ثم نشرت مقتطفات من كتابات النقاد الاجانب عنها في وسائل الإعلام، وكل هذا كان في عام صدور الرواية في طبعتها الرابعة. كم طبعة أخرى وكم ترجمة وكم رأيا كتب عن الرواية وعن ما كتبه الحكيم ونشره، لا اريد هنا متابعته والعمل عليه، فليس هنا وقته وظروفه و لابد من تفرغ له، وانما بادرني سؤال عن الاهتمام الثقافي والاحترام والتقدير للابداع والمبدعين، واين كنا واين أصبحنا رغم كل التطورات والتحولات على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والفنية والتقنية؟!.

اعود الى الرواية وماكتبه عنها نقاد اجانب، ترجمته دار النشر وصدّرت الطبعة به، فكتب جوليان جيمار في "لوبيتي هافر" في 1937/7/21: قرأت هذا الكتاب بلذة عظيمة لأنه ينقل القارئ دفعة واحدة، الى وسط عائلة مصرية، نستطيع أن نقف في الحال على عيوبها ومحاسنها، وذلك في بساطة وبغير تزين وتصنع، أن القارئ ليحس أن ما يقرأ هو الحقيقة، وأنه ليشعر أن هذه العائلة هي صورة طبق الأصل لشعب بأكمله.

وكتب جان ديستبو في "سيرانو" في1937/7/23 : اننا نلمس من تلك المؤلفات التي لو وجدت عندنا لنعتها، "موريس بريس" بقصة "النشاط القومي" وليس لمدلولها غير معنى واحد، هو أن الروح العائدة إنما هي روح فلاح مصر العريقة في القدم. وكتب راوول توسكان في "ايكودي لا نييفر" في1937/7/24  هذه القصة التي تصور حياة أسرة برجوازية مصرية صغيرة لتدل على معنى من الحياة والحقيقة يثير الدهشة، وهي في عين الوقت تظهر لنا كيف أن هذه الأمة الجميلة، أصبحت قادرة على كسر اغلالها.

وكتب غرديير لوبلتييه في "لوبنيون" في1937/8/1 كل شيء يسحرنا في هذه الرواية، التي ترسم لنا من جديد عظمة روح شعب.. أما مارك دي لا فورج فكتب في "فير لافنير" في 1937/8/1  ان رواية توفيق الحكيم وهو من أكبر كتاب العالم العربي، لتفيض حياة وتشتمل على كثير من الأسانيد الحقيقية. وكتب مارسيل مارتينيه في أيلول/ سبتمبر 1937  انه كتاب جميل ممتليء حيوية وتاثيرا وذكاء مع فكاهة، ولكن نزعته الوطنية مما يضايق قليلا، على الأقل فيما يختص بي، غير اني افهم جيدا أن ظروف الحياة المصرية الحاضرة تجعل من الصعب محو هذه النزعة، دون المساس بصدق الكتاب كله، وإنه لمن الظاهر فيه فضلا عن ذلك وجود بعض عناصر ادب، "الطبقات الفقيرة" أو على الأقل ادب شعبي لا شك فيه.. وكل هذا في لهجة بعيدة عن الفتور والمجاملة والترفع الكاذب.

هذه بعض آراء مما نشر من الكتاب والنقاد الأجانب وهناك الكثير منها في تقييم الرواية وعودة الروح المصرية والانتصار للشعب وتطلعاته في التحرر والانطلاق لآفاق التغيير والعمران. وكما لخص بعض النقاد جوهر الرواية في وصف الشعب وطبقاته الاجتماعية وما يعتمل داخلها من تحولات وتطورات تنتهي بالفرح والتوحد النضالي للتغيير ورفض الواقع الذي كان عليه الشعب المصري.

بدا توفيق الحكيم كاسم مبدع في ما أصدره من مسرحيات وروايات وكتب اخرى، واتفق الكثير من النقاد والقراء على قدراته الإبداعية وتصوير الوقائع والحقائق الوطنية والشعبية، ومنه أو عبره، في إلابداع، سجل حافل لنضال الشعب المصري واعتبار ما وثقه في إبداعه شهادة تاريخ ودليل حيوية الشعب والتعبير عن قضاياه برمزية أفراده أو في تسلسل الأحداث وحركة النص الإبداعي وحبكته وعتباته وخياله الفني وانسجامه اللغوي معه في الإبداع الذي مازال مقروءا ومعتبرا لرائد مهما اختلف حوله أو مهما تغيرت معه اتجاهات الريح السياسية، منه أو عليه. وفي كل الاحوال فرض إبداعه نفسه في كتب التعليم المدرسية في فقرات أو فصول الادب العربي الحديث، في أغلب البلدان العربية وخارجها، وظل مع نخبة الرواد من جيله أسماء مضيئة في الإبداع والثقافة والتاريخ يحن اليهم ويذكرون بود واعتزاز وتقدير.

 

كاظم الموسوي

.......................

* نقطة حبر: (من منشورات مكررة على الواتس آب)

"أسوأ اختراعين في تاريخ البشرية، السلاح الناري لأنه سمح للجبان بقتل الابطال، ووسائل التواصل لأنها سمحت للجاهل بشتم أصحاب الفكر."

 

يسري عبد الغنيعن ضرورة الترجمة قال إرنست رينان :” إن الأثر غير المترجم يعتبر نصف منشور” . أي أننا لا نستطيع تصوّر أمة تعيش على تراثها فقط، بل يجب التفتح على العالم وما يجري خارج الحدود، ويشمل أيضا الاقتصاد والعلم . ويُذكر أن الكاتب المعروف ميخائيل نعيمة قد سٌئّل مرة عن الترجمة فقال: “فلنٌترجم ” ورددّها ثلاث مرات، وهي دعوة صريحة إلى الترجمة . ومادامت الترجمة ضرورة لابد منها لنقل العلوم والآداب من لغة إلى أخرى أو أكثر، فإنه من الضروري أيضا أن نعرف كيف نٌترجّم، حيث يذهب الكثير إلى أن أحسن ترجمة هي الترجمة الحرفية بينما يذهب البعض إلى التأكيد على الترجمة بتصرف، في حين أن البعض الآخر يحث على أن تكون الترجمة أمينة للأصل، أي أننا لا نٌظّهر عليها على أنها ترجمة بحيث يتخيل إلينا أننا نقرأ في النص الأصلي . ومن بين المترجمين والباحثين الذين يحٌثون على الترجمة الحرفية الدكتور سهيل إدريس حيث صرح في أحد الحوارات مع مجلة الحوادث اللبنانية : ” إن الترجمة الحرفية أصلح ما نقدمه للقارئ شرط عدم تشويه النص الأجنبي ” . ويضيف الدكتور سهيل في هذا المجال ” أننا إذا اعتمدنا الترجمة الحرفية فإننا سنخفّف من خيانة الترجمة بشكل كبير وبذلك نتجنب كثيرا من الخلل وإذا كان ثمة غموض أو التباس في النص المترجم، فربما كان ذلك في أصل النص، وليس في طريقة ترجمته، وهذا لا يكون المترجم مسؤولا عنه بقدر ما كان مسؤولا عنه النص الأصلي، والمهّم في هذه النقطة أننا نٌوسع آفاقنا الفكرية أيضا بنقل روح النص الأجنبي وبهذا نٌغني المضمون الفكري الذي نطلبه في كل نص أجنبي “. أما الكلام بخصوص أننا نقوم بعمل خياني عندما نقوم بالترجمة مثل ترجمة الشعر، وبذلك قاموا بتعميم حٌكمهم على الترجمة بصفة عامة، وحجتهم في ذلك ما جاء به كبير المترجمين الغربيين وهو ” إدمون كاري ” حين قال في كتابه الترجمة في العصر الحديث الذي صدر في جنيف سنة 1956 وبالضبط في الصفحة رقم 91، (ليس هناك من شك في أن الترجمة الشعرية تطرح صعوبات هائلة وملازمة،الشيء الذي يجعل القارئ يشعر دوما بأنها تختلس ما هو جوهري في الأثر الأصلي، وفي الحقيقة تٌعتبر الصعوبة الأولى مشتركة بين كل ترجمة فنية، تلك هي صعوبة نقل الشكل و الأسلوب و الشخصية الذاتية للأثر لأن الشاعر لا يتكلم لغة كل الناس ” ولذلك كان على المترجّم أن يعيد ـ بطٌرقه الخاصة ـ عنصرا ذاتيا محضا ..أضف إلى ذلك أن اللمسات الأكثر مألوفية التي يستخدمها الشاعر، لا تحوي نفس اللون من بلد إلى آخر“.

 

بقلم:د. .يسري عبد الغني