hyam qabalanهيام قبلان قامة ابداعية سامقة وصنوبرة كرملية شامخة الحروف، استطاعت ان تحفر اسمها عميقاً في صخرة الأدب، وتفجير ينابيع الابداع عندها من خلال لغة عميقة ودلالات جديدة وصور شعرية مستحدثة ومبتكرة، فهي شاعرة وقاصة وروائية وناقدة، واحد الأصوات الشعرية النسوية الجريئة الشجاعة الواثقة من نفسها في الحركة الشعرية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، والمتميزة بحداثة الشكل والمضمون والصورة وجدة الرؤية الفنية المعاصرة للواقع والناس والمجتمع، والمتسم شعرها بالتوحد الوجداني الواعي بالهموم الكبيرة التي ترزح فوق كتفي وطنها . انها تتميز بالتجربة الشعرية الفنية الخصبة واللغة الشعرية الجزلة والصور القياسية الحديثة والمضمون الفني الجمالي، وتأتي دفقاتها الشعرية زخات عاطفية حارة من خلال منظور " التوحد" بمعناه الفلسفي الفكري، والقصيدة " القبلانية " مرتسم فني يضم مجموعة من اللوحات الشعرية المليئة بالظلال والألوان والأصوات والحدس والحلم .

هيام قبلان شاعرة فريدة كالعقد الفريد، معتقة كالنبيذ، من طراز جديد، ارتوت من بحر العشق الصوفي والحب الوجداني، وتركت القلم يزهر بالحروف والكلمات، ويرسم المشاعر العاطفية الانسانية، وغمرت نصوصها بشكاوى النفس وتباريح الوجد والشوق ومرارة الغربة والحرمان .

معرفتي بهيام قبلان تعود الى سنوات السبعين من القرن الماضي، من خلال كتاباتها المنوعة في صحيفة " الأنباء" اليومية المحتجبة، حيث توسمت واستشرفت لها مستقبلاً شعرياً وأدبياً يانعاً، لما تتمتع به من موهبة مطبوعة وروح شاعرية مرهفة وامتلاك للغة وثراء في المفردات والكلمات .

هيام قبلان الآتية من ربوع قرية عسفيا الرابضة على سفوح جبال الكرمل، حيث الطبيعة الغناء الخضراء وكروم الدوالي المتدلية والمناظر الطبيعية الخلابة التي تنعش القلب والروح وتبهر العين، جاءت الى الدنيا العام ١٩٥٦، وترعرعت في كنف أسرة دافئة تتكون من أب  سوري وأم من اصل لبناني وكرملية الموطن، زرعا فيها ثقافة وفكر وعادات تختلف عن فتيات اخريات، ومنحاها الشجاعة والاصرار والثقة بالنفس، تطل على حيفا وبحرها وشاطئها الجميل، فتأخذنا الى ابعاد واعماق في المشاعر والاحاسيس والفكر، ويحملها الشوق والحنين العاصف اللاهب الى البعيد، الى وطن الآباء والأجداد .

انهت هيام دراستها الابتدائية في مسقط رأسها ثم انتقلت الى الناصرة والتحقت بمدرسة الفرنسيسكان الداخلية، وانهت تعليمها الثانوي فيها، بعدها اكملت دراستها الجامعية في جامعة حيفا وحصلت على شهادة البكالوريوس ء. في موضوع التاريخ، وموضوع التربية العامة والخاصة في اللغة العربية وآدابها في الكلية العربية بحيفا، كذلك التحقت بكلية اورنيم وانهت دراستها بموضوع العلاج عن طريق الفن / الرسم والموسيقى بما يسمى " ثرابيا ".

عملت هيام لسنوات في صحيفة  " الصنارة " بالناصرة، ومذيعة ومعدة للبرنامج الأدبي الثقافي في راديو المحبة .

بدأت هيام قبلان الكتابة في جيل مبكر، ولم تكن تدري او تعلم ان الذي تكتبه هو شعر أم لون أدبي آخر، وكانت اولى تجاربها نص بعنوان " خائفة " واستمر هذا الخوف الى ان علم والدها انها تعشق الكلمة وتحب الكتابة فشجعها ووقف الى جانبها حتى سكنها القلم وادمنت عشقه، وراحت تهرب مع اقلامها واوراقها الى الكرم القديم المطل والمشرف على جبل الكرمل حيث عناقيد الدوالي والعنب حاملة رسالة العودة من اجل الخلاص .

تقول هيام قبلان : " سكنني الشعر والابداع وأنا على مقاعد الدراسة الابتدائية ففتحت نافذتي لاستقبال هذا الجنون الذي ما زال يلاحقني حتى اليوم، اراه في كل شيء ويلاحقني الى كل مكان، بي من ماء ونار، من غضب رسكون، من حب وثورة، من حزن وفرح، تسكنني الحياة فأرنو اليها بكل حب دون التفكير بالنهاية أو الموت يسكنني طفل احافظ عليه حتى لا اشيخ كما يشيخ العمر .

وتأثرت هيام قبلان في بداياتها وبواكيرها الشعرية، كما اعترفت بذلك، بجبران خليل جبران ونزار قباني ومحمود درويش، فمن جبران تعلمت المحبة، ومن نزار الحب والحرية ومن درويش التمرد وعشق الوطن والطموح .

هيام قبلان شاعرة رائدة اقتحمت محراب الأدب وارتدت عباءة الشعر، واثقة من كتابتها وثقافتها ونفسها، وتحلت بالكاريزما والالقاء الشعري الجميل، وصدقت زميلتها الكرملية الشاعرة هيام أبو الزلف حين قالت عن هيام :

هيام الشعر جاءت بالكلام

فكان الطيب من نفح الهيام

وكان اللحن يأتينا بسحر

فتصبو الروح شوقاً للتسامي

اليك الحب من قلبي يسيل

كنهر نحو بحر من سلام

شاركت هيام قبلان في العديد من الندوات والامسيات الشعرية والادبية والثقافية في اليلاد والخارج وفي عدد من المهرجانات الشعرية في تونس والمغرب وفي معرض الكتاب الدولي في القاهرة، ولها نشاطات متعددة في المنتديات الأدبية، وحققت شهرة واسعة محلياً وعربياً وعالمياً، وحصلت على درع مؤسسة " المثقف " للثقافة والأدب والفن لمؤسسها الكاتب والمفكر العراقي الكبير ماجد الغرباوي، عن المرأة الناقدة .

صدر لهيام قبلان عدداً من المجموعات الشعرية والنصوص القصصية والروائية من اهمها : " آمال على الدروب، همسات صارخة، وجوه وسفر، انزع قيدي واتبعني، لا ارى غير اصلي، وبين اصابع البحر، طفل خارج معطفه، ورائحة الزمن العاري " .

هيام قبلان لديها رغبة عارمة في الكتابة الابداعية، فهي الرئة التي تتنفس منها، ولا تزال تكتب بحماس البدايات، رغم واقع البؤس والاحباط وغياب الاهتمام بالقراءة والثقافة والكتاب .

اتخذت هيام قبلان قصيدة النثر طريقاً لها بفتية عالية، وجاءت تصرصها مرصوفة بالاستعارات والتشابيه والصور الشعرية الجديدة العميقة والتعابير البلاغية الراقية، ويلفها الغموض والرمزية بشكل عفوي احيانا، وتمتاز بالرومانسية الشفافة الحالمة، ومترعة بالدفء الشاعري  والسحر والجمال الشكلي واللفظي والفني، وتسيل عذوبة ورقة وأحاسيس أنثوية وانسانية مرهفة متأججة ومتزنة، ولغتها رومانسية حالمة ومعبرة تحلق في سماوات الخيال البعيدة، والفاظها رشيقة،وشعرها واضح بسيط ولكن عميق الابعاد والمغزى، واسلوبها تعبيري، وصورها حسية .

تعالج هيام قبلان معظم القضايا الانسانية الاجتماعية والسياسية والوطنية والقومية والهموم الفلسطينية فضلا عن هموم المرأة والقضية النسوية، انها تحكي عن الرحيل والانتماء والغربة والحزن والثورة والوطن ، وتكتب للقمر والشمس والحجر والشجر وكل ما هو جميل وانساني في الحياة .

وفي قصصها تطرح مواضيع من صميم حياتنا وواقعنا الاجتماعي والسياسي المعاش، وتتناول التخلف المجتمعي والزيف القائم والمظاهر السلبية السائدة في مجتمعنا العربي،وتتطرق لهموم المرأة ودورها في مواجهة قيود التخلف الموروثة، وهي تناصر المرأة في معارك الحرية والثورة، وتنتقد الرجل الشرقي وتكيل له الاتهامات، وتنشد الحرية والمساواة للمرأة العربية .

ورواية هيام قبلان "رائحة الزمن العاري " تصور وتتحدث عن امرأة ارملة تعيش في مجتمع شرقي ذكوري، واستغلال جسدها ونهشه بأكثر من محاولة ومشهد لرجولة بائسة، وكما يقول الشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة : " لم تزل حياة المرأة تكرر حياتها انها ترويها في حالة الطفلة المغتصبة والمراهقة المقهورة والزوجة المسلوبة والمطلقة المشبوهة والأرملة الشقية كما الوطن المنهوب، والخيانة التي باتت وجهة نظر، والرجل العضوي الذي يشهر شهامته من ببن ساقيه، هي رواية واقعية رومانسية تجمع ما ببن جسد المرأة المغتصب والوطن المسلوب ومصادرة الاراضي وتلقي الضوء على قضية التجنيد الاجباري وملابساته .

وما يبعث على التقدير والاعجاب في الرواية تلك اللغة الرقيقة الرصينة لهيام قبلان، التي يلتقيها القارئ في نسيجها، فهي لغة عادية انسيابية بعيدة عن الزخرفة اللفظية والتنميق الشكلي، انها لغة تجمع بين البساطة وقوة والسبك والجمالية، ما يؤكد قدرتها على تطويع اللغة، وعدم حاجتها الى أليات مساعدة وادوات فنية ترقى بلغتها .

تراوح هيام قبلان في صورها الشعرية بين بلاغة السورياليين وشفافية الرمز بين وحدة الواقعيين المحببة، لذا فان القارىء لقصيدتها يحس بالغرابة والدهشة، ولعل ذلك الاحساس هو ما يسميه بعض النقاد الفرنسيين بالصدمة الشعرية التي تحدث اختلالاً تفسياً عميقاً في نفس القارئ والمتلقي بقصد جذبه الى عالم المبدع والاستغراق فيه مما يؤدي الى خلق علاقة جدلية، وهذا ما تطمح وتسعى اليه هيام قبلان بشكل دائم .

وتنهال صور هيام وأفكارها في تناسق هارموني متناغم وترابط عضوي متماسك وتتقاطع الصور والأفكار في خطوط داخلية مكتنفة تنبثق من خلالها رؤية فنية شفافة نستشف عبرها موقف الشاعرة الفني والفكري والحضاري من محيط التجربة العام بكل صوره وأشكاله ودلالاته ومعانيه، وبذلك تؤكد هيام قبلان على اصالتها الشعرية ومقدرتها الابداعية والفنية في التعبير عن مكنوناتها وخلجاتها وعواطفها ومشاعرها ومواقفها وتجاربها في سياق تعبيرهاعن عواطف ومشاعر وتجارب الآخرين .

 

شاكر فريد حسن

 

 

salis najibyasinيمتاز الانسان بنوع من الفضول وحب للمعرفة او الوصول الى حقيقة مايدور من حوله وكل حسب ميوله او تخصصه او مايحب ادراكه ومعرفته واكدا لوصول الى اسسه منابعه ونتائجه ولا ريب ان كل واحد منا يختار طريقه نحو الوصول اليها ولكن ياترى هل سالنا انفسنا ماهي ابسط وانفع وايسر طرق تحصيلها؟

الاجابة وبكل تاكيد تكمن في مدى تعدد المصادر وهدا امر طبيعي. فمعظم الناس يبحث عن الحقيقة في مصدرها الطبيعي ولا باس من هدا .فعلى سبيل المثال تريد ان تدرس الحقوق ستجد كل مايناسبك في الجامعة او الكلية المخصصة لها وقس على دلك كل الامور ولكن هل تمة الحقيقة كاملة ام ناقصة وهنا لاباس بدكر قصة للتوضيح اكثر: قديما وفي ارض الحجاز و التي تعتبر اصلا للغة العربية كان يوجد شيخ كبير في السن وكان يعتبر من اعلم وافصح الناس و انطقهم بالعربية .مرة سمع بكلمة لا مناص فلم يعرف ماتعني فدهب للبحث عن معناها بين قبائل العرب انداك وفي طريقه ايضا سال شيخا عليما مثله فرد عليه قائلا لا اعرف معناها لم يياس الشيخ فواصل طريقه وادا به يلاحظ طفلا صغيراتحت شجرة يلعب مع نملة صغيرة ويعترض طريقها بيده قائلا لها لا مناص لامناص حينها ادرك الشيخ حقيقة كلمة لا مناص وهي تعني لا مفر او شيئا من هدا القبيل

وهكدا نجد الحقيقة ونصل اليها بالبحث وتعدد المصادر سواءا كانت متخصصة او غير دلك جديدة قديمة صغيرة في السن ام كبيرة المهم مواصلة البحث وتعدد وتنوع الطرق وعدم تحديد او حصر مدى تواجدها مع بعض الظبط طبعا ويمكن ان يكون الظبط بالمنهج العلمي وحتى اراء الناس وسؤالهم وعدم العزلة عنهم لان الحقيقة لن تكون ابعد من الجماعة والناس دلك ان الانسان حقيقة في حد داته

اما عنوان وحقيقة هده الحياة الدنيا بكل ما فيها فهي حقيقة الاسلام الدي ينجي الانسان من حقيقته الاخرى الا وهي الموت وما بعده. وليكون الااسلام ايضا خير مصاحب له في حياته الدنيا قبل اخراه

 

سلس نجيب ياسين

 

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها فياض بن يوسف/لطفي بن فياض الطيف الدنفي (زبولن بن يوسف بن زبولن الطيف الدنفي، ١٩٢٩ - ، من رؤساء الطائفة، معلّم للغة الإنجليزية في نابلس، نشر مقالات كثيرة عن حياة الطائفة في ا. ب.) بالعربية على بنياميم صدقة (١٩٤٤-)، الذي نقلها بدوره إلى العبرية، أعدّها، نقّحها، ونشرها في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، في العددين ١٢٢٦-١٢٢٧، ١٥ كانون ثان  ٢٠١٧، ص. ٧٩-٨٢.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي صدقة الصباحي (رتصون صدقة الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

وحدة في القدس

أودّ أن أقصّ عليكمُ القصّة التالية، التي تُعلّمنا الكثير عن ظروف حياة آبائنا، وعن طبائع بني البشر الخاصّة متعددة الجوانب. سمعت القصّة مرّاتٍ لا تحصى من أبي يوسف/لطفي بن فياض الدنفي. عندما كان يصل إلى نهايتها، كان يومىء برأسه من أعلى إلى أسفل ويقول: حقًّا هذا هو الأمر المناسب والصحيح الذي يستحقّه كل من يسلُك الطريق غير المستقيم، إذ أنّه في نهاية المطاف يرتدّ العار الذي فعله بيديه إليه ويلاحقه.

أثق بقول والدي، مع أنّه لا يأتي بأيّ جديد. كان أشهر حكمائنا القدامى، مرقه بن عمرم، قد كتب في قصيدته الخالدة: راقبنا يا سيّدنا، في البيت المستهلّ بحرف القاف ما معناه: السوء لا يجد إلى أين يذهب، بل يعود، في الواقع، إلى فاعله [في الأصل بالآرامية السامرية، لهجة فلسطينية غربية. مرقه بن عمرم داره، القرن الرابع للميلاد. أنظر: زئيڤ بن حاييم، عبرية وآرامية السامرة، صوت الشعر والصلاة، مج. ٣، كتاب ٢، القدس: الأكاديمية للغة العبرية ١٩٦٧، ص. ١٤٥ س. ٦-٧، في الأصل بالعبرية] وهذا شبيه بالقول: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.

إنّي أتحدّث عن تلك الأيّام البعيدة، حيث لم يكن لا اقتصاد ولا رزق بالمرّة في نابلس، ولذلك اضطرّ السامريون إلى  الانتظام في مجموعات من الأقارب والشركاء لهدف واحد: إيجاد مصدر رزق لهم ولأفراد أُسرهم خارج نابلس. منهم منَ انضمّوا للعمل في معسكرات الجيش البريطاني في نتانيا وتل أبيب. قسم آخر عمل في إطار الهستدروت (النقابة) العبرية في عمل بناء البلاد. آخرون توجّهوا للعمل في القدس حتّى. كانوا يسافرون يوم الأحد من نابلس إلى القدس، يبيتون هناك طيلة الأسبوع في شَقّة مستأجرة، وفي يوم الجمعة يعودون ثانية إلى نابلس.

كان أبي يوسف في إحدى هذا المجموعات، وبرفقته أبناء عائلته، شقيقه خليل (أبراهام) بن عبدالله لطيف الدنفي وشقيقه سليم (شلوم) الذي قُتل في الهزّة الأرضية التي ضربت نابلس سنة ١٩٢٧. كما كان بمعيّتهم ضمن آخرين عزات (عزي) بن إسماعيل السراوي (الستري) الدنفي. هنا أنا أحكي عن تنظيم سبق ما ذكرت. إنّي أتحدّث عن أيّام الحكم العثماني الأخيرة في فلسطين قبل الاحتلال البريطاني لها عام ١٩١٧. استأجروا شَقّة في القدس، سُرعان ما غدت بؤرة جاذبة لكلّ  سامري وصل القدس لغاية ما؛ كما كانت عليه الحال في يافا في بيت إبراهيم بن فرج صدقة الصباحي (أبراهام بن مرحيب صدقه الصفري)، حيث أمّه سامريرن كُثر. كلّ سامري خارج مدينته يبحث دومًا عن أبناء جلدته، للمبيت عندهم، ولتمضية الوقت بدون ملل، ولتجنّب القال والقيل من قبل المتسائلين عن كيفية قضاء الوقت وحيدًا، بدون عين سامري أخرى تراقبه. هكذا همُ السامريون، رُحماء بنو رحماء، ويكفُل الواحدُ الآخر.

كذلك الكاهن الشاب مجايلهم، واصف بن الكاهن توفيق بن خضر (آشر بن متصليح بن فنحاس)، كان معهم وعُيّن شماسًا لدى المجموعة عند اللزوم. إجمالًا، هم قضوا ساعات بعد الظهر، بعد العمل بهناء. نيّتهم في جمع بعض المال نقدًا لإعالة أسرهم، وحّدتهم في مجموعة واحدة مترابطة، ومن الصعوبة بمكان الفصل بين أعضائها. نشأت بينهم صداقة وأُخوّة لا مثيل لهما. استقبلوا بالترحاب كلّ سامري تواجد في القدس، وشاركوه المبيت والطعام كإخوة. في بعض الأحيان، في غياب القرش، وهم تقاضوا قروشا، بقوا في القدس يوم السبت ريثما يوفّرون ما يكفي للسفر إلى بيوتهم في نابلس. هذه هي خلفية القصّة الطريفة، التي طالما أكثر والدي في روايتها لي كما أسلفت.

الضيف الغريب

ذات يوم، أتى إلى الشقّة عربي وقدّم نفسه بأنّه من سكّان إحدى القرى المجاورة لنابلس.  كان يمسُِك بكلّ يد حقيبتين ثقيلتين مربوطتين بالحبال طولًا وعرضا. وضعها في ركن الغرفة كما قيل له. الشقّة كانت صغيرة، وكلّ واحد منّا احتلّ ركنًا فيها حيث وضع فيه شرشفًا أو فرشة، آنذاك لا أحد تكلّم عن الأسِرّة. ساعة جلوسنا لتناول الطعام، كنا نفرش على المصطبة حرام صوف قاتمًا سميكا، بمثابة مائدة وقت الحاجة. آونتها، مائدة خشبية كبيرة، لم تكن في الحسبان، أو في الحلم، تلك ما كانت  في نطاق إمكانياتنا.

لا أحد منّا سأل الضيف عمّا في حقائبه، بالرغم من حبّ استطلاعنا الذي نهشنا، لأن الأدب يقضي عدم دسّ الأنف بما ليس لنا. تعجبّنا قليلًا، كيف وجد ذلك العربي،  ذو اللباس المهندم، الماشي الهوينا كالأسياد الأثرياء، لديه عكّاز مزركش بنقوش نحاسية لمّاعة، وغالبًا ما يكون معلّقًا على ذراعه، بالتحديد شقّتَنا البسيطة للمبيت. كان بوسعه، بدون ريب، المبيت بحسب مظهره في أفخم فندق. تساءلنا وأجبنا أنفسنا، لا شكّ أنّه يشعر بالراحة برفقة أبناء مدينته، حتّى ولو كانوا كلهم سامريين كفّارًا، كما اعتادوا تسميتنا في أوساط المسلمين، يروي أبي، فهذا أفضل من أن يبيت في فندق لا يعرف فيه أحدا.

كان يحدّثنا بشكل لطيف، وسُرعان ما وجدنا أنّه محدّث لبق وابن العالم الواسع، الذي لم يره أيٌّ منّا واكتفى بالحلم عنه. لم يفتح حقائبه بحضورنا قطّ. كنّا نذهب في الصباح إلى العمل ونعود إلى الشقّة بعد الظهر. ضيفنا، كان سيّد وقته، يظهر أنّه لم يزاول أيّ عمل شاقّ في حياته، أنيق دومًا، يرتدي معطفه الطويل الجميل.

عُصِيٌّ تحت المعْطف

أحيانًا عند رجوعنا من العمل، كنّا نراه جالسًا في أحد المقاهي بجانب باب العامود، منغمسًا بمحادثة مفعمة بالحيوية مع أصدقائه حول الأرجيلة، الذين احترموه كثيرا. عند رجوعنا إلى الشقّة كان يتطوّع أحدنا دائمًا لإعداد الطعام لكلّ المجموعة. في تلك الأيّام، قائمة الطعام لم تكن متنوّعة. لا بدّ من الاعتراف، أنّنا طبخنا كلّ يوم نفس الطعام: خليط من العدس والأرز والبصل والزيت، أي: المجدرة، أكلة قائمة بذاتها، إذا ما تنوولت بنحو نادر، لنقل مرّة في الأسبوع؛ لكن إذا تنوولت يوميًّا فتكون معدّة فقط لمَلء معدتنا المتلهّفة. لم نفكّر عن اللحم، لأنّنا كنّا بعيدين عن بيوتنا.

على كلّ حال، قصّ والدي - طبخْنا للضيف أيضا. وبسبب احترامنا الجمّ له، كدّسنا جدًّا صحنه بالعدس والأرز أكثر بكثير من حِصّة كلّ واحد منّا. في نهاية المطاف، لا يأتينا ضيف في كلّ يوم، وبحوزته أربع حقائب مكدّسة، والله وحده يعلم ما في داخلها. كنّا متأكدين بأنّ الضيف في آخر المطاف، سيكافئنا على كرم ضيافتنا. أكل معنا عن طيب خاطر، وشرب كأس العرق النابلسي حتّى الثمالة. ظاهرة المسلمين المتديّنين، الذين لا ينفرون من كأس مشروب روحي، كانت معروفة جيّدًا لنا في نابلس، لذلك لم نستغرب هذه الممارسة. كما أنّه لم يستفسر قطّ، لماذا يحظى هو بنصيب من الطعام أكثر من جميع ساكني الشقّة. وفي المقابل، لم نسأل نحن عمّا في حقائبه. أضف إلى ذلك، كانت وجبته تزيد كلّ يوم.

ذات يوم استسلمْنا لحبّ الاستطلاع. هو لم يكن في الشقّة حين رجوعنا إليها. أوقفنا اثنين منّا بجانب النوافذ لإخطارنا بقدومه واثنان آخران بدآ في فكّ عقد الحبال من على إحدى الحقائب الأربع، ولكن قبل أن نتمكّن من فتحها، عاد ضيفُنا، وبسرعة فائقة وبجهد كبير استطعنا إخفاء آثار محاولتنا لمعرفة ما في الحقائب. لم يشكّ ضيفنا بشيء، وفرح باقتراحنا لمرافقتنا إلى سوق القدس، لشراء عكّازة لأحد أعمام والدي.

الكلّ انضمّ لشراء العكّازة، لا أحد أراد أن يفوّت فرصة التنزّه في القدس بمعيّة ضيفنا المبجّل. اتّكلنا على نصيحته الحسنة، وفي الواقع نصحنا بعكّازة جميلة. وبينما كنّا نساوم صاحب الدكّان على السعر، لاحظ بعضنا أنّ ضيفنا أخذ عصوين وخبأهما داخل معطفه الفضفاض، ولم ”يشتلق“ على ذلك آخرون. ”ضيفنا لصّ“ ـــ قلنا بيننا وبين أنفسنا ــ ”لذلك حقائبه مكدّسة، إنّنا نستضيف لصًّا في شقّتنا“. منذ ذلك اليوم أخذنا في إنقاص وجبته إلى حين لم يبق في صحنه إلا النَزْر. في يوم من الأيّام اختفى ضيفنا وما عاد“.

 

ترجمة بروفيسور حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

faroq mawasiتلاحظون معي هذه الأحكام التعميمية التي تغزو السياسة الإسرائيلية، وليس أدل على ذلك من الحكم على عائلة جبارين حكمًا تعميميًا بسبب حكاية ما جرى مع نفر منهم، وينسى من يعمّم أن العائلة تتألف من أكثر من خمسة عشر ألفًا، وأنهم لا يقطنون أم الفحم فقط، وكأني بهم لا يفقهون معنى {ولا تزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى}.

..

سأتصفح معكم دواوين الشعراء لنلتقط من معانيهم ما هو وارد في هذا القبيل:

يقول أبو فراس الحمْداني:

كما خزِيتْ براعيها نُمير *** وجرَّ على بني أسد يسار

فالشاعر راعي الإبل تحرش بجرير، فإذا بجرير يهجو الراعي ويهجو قومه– نُمَير معه في أبيات مشهورة.

 وأما يسار فهو عبد لزهير بن أبي سُلمى، فكان هجاء زهير في ردّه لكل بني أسَد- قوم يسار.

وهذا نَهشَل بن حَرّي يقول متذمرًا:

تخلّيت من داء امرئ لم أكن له *** شريكًا وألقى رجله في الحبائل

فإن تُغرموني داءّ غيري أحتمل *** ذنوبَ ذئاب القريتين العواسلِ

فهكذا يدفع هو ثمن الجريرة، ويدفع ثمن عدوان الذئاب كلها في القريتين.

ويقول الأخطل:

فدينوا كما دانت غنيٌّ لعامرٍ *** فغيرهم الجاني وهم عاقلو الدم

فقبيلة (غَنيّ) تعقل دماء لم تكن هي الجانية في سفكها.

...

هكذا تناول الشعراء موضوع اتهام هذا بجريرة ذاك، ومن الشعر ما نجد فيه الجانيَ الحقيقي لا يمسه أذى أو سوء، فيقول النابغة الذبياني مخاطبًا النعمان بن المنذر:

أتوعد عبدًا لم يخنْك أمانة *** وتتركُ عبدًا ظالمًا وهو ضالعُ

وحمّلتَني ذنبَ امرئٍ  وتركتَه *** كذي العُرِّ يُكوى غيره وهو راتع

والعرّ داءٌ يأخذ الإبل في مشافرها وقوائمها، تزعم العرب أنهم إذا كووا الصحيح برئ السقيم.

وهكذا فالصحيح هو الذي يُكوى!

وفي هذا السياق ثمة مثل:

" كالثور يُضرب لما عافت البقر"، فهي إذا عافت من شرب الماء ضربوا الثور، فهم يزعمون أن الجن تركب الثيران، فتصدّ البقر عن الشرب.

وهكذا يُضرب الثور بذنب سواه.

وقال الحارث بن حِلِّزة في معلقته:

عننًا باطلاً  وظلمًا كما  تُعْتَرُ عن حُجْرة الربيضِ الظباءُ

أعلينا جُناح كندةَ أن يغنمَ غازيهم ومنا الجزاءُ

يقول الشاعر: ألزمتمونا ذنب غيرنا بالباطل، كما يُذبح الظبي لحقٍّ وجب في الغنم،

فقبيلة كندة يغنم الغازي فيها بينما نحن ندفع الثمن؟

ويستمر الحارث في ذكر أقوام  أخرى قامت بالعدوان، وها هو الملك يحاسب بني بكر قبيلة الشاعر، وهم أبرياء من كل فِعلة أو عدوان على الملك.

..

ويقول الفرزدق:

تقوّله غيري لآخرَ مثله *** ويُرمى به رأسي ويترك قائله

إذن فأنا الذي أدفع الثمن، مع أن غيري هو الذي تقوّل ما تقوّل.

وأخيرًا يذكر لنا جميل بثينة:

وكم من مُليمٍ لم تصبه ملامةٌ *** ومن مُتْبَعٍ لومًا وليس له ذنب

..

هكذا إذن، فلا يظن ظان أن الأمور تجري وفق نظام عدل.

وأخيرًا، هل تذكرون المثل:

"بيروح الصالح بعزا  الطالح" والمثل الآخر- "بتروح المليحة بعزا القبيحة"؟

نعم كثيرًا ما يتأذى الأبرياء الصالحون لا لسبب اقترفوه، وإنما لأنهم في حيّز الطالح أو المذنب.

 

ب. فاروق مواسي

 

salis najibyasinادا ما تاملنا في سيرورة حياة اي انسان وطريقة عيشه ومدى تقدمه او تخلفه في مسيرته فاننا حتما سنجد العادات تلعب دورا كبيرا فيها لما لها من تاثير كبير في تحديد سلوكياتنا النفسية والاجتماعية والعادة غالبا ما تبدا بتفكير تم افعال وسلوكيات الى ادمان وتكرار وبباسطة من اجل تغييرها لا بد من عكس العملية حتى يتروض العقل والجسد على ما دربته عليه من جديد دلك ان تغيير اي عادة ليس بتلك الصعوبة التي قد تعتقدها فالعقل او المخ مستعد لتقبل ما تقدمه له من افكار جديدة تتبعها سلوكيات جديد اخرى شرط الممارسة المستمرة وبعض من الوقت مع بعض من الارادة والاصرار طبعا ومن المهم جدا تعديل العادات وخاصة السلبية منها في كل مرة لما لها من اثر و دافع كبيرة نحو تخلف الانسان عبر محطات حياته ولدا فان الانسان مهما اعتاد على نمط سلوكي معين فيمكن ان يغيره ويكون دلك اولا على مستوى فكره فلما يغيره فكرته ويتدرب عليها يمحو الاعتقاد السابق تدريجيا ليغير ادراكه اتجاهه ومنها وبطريقة لا شعورية تتغير سلوكياته او سلوكه والامر يتطلب بعض من التكرار ليتدرب العقل ومن تم يروض الجسد وبطريقة عملية الية شعورية وغير شعورية

ولدا فمن المهم جدا الانتباه للافكار ومراقبتها لانها قد تعبر عن سلوكياتك فما السلوكيات الا مراة للافكار فالظبط امر مهم ودلك من اجل صناعة طريقة حياة ملائمة وهادئة وهادفة و منطيقة من اجل المضي قدما في رحلة الحياة والنجاح فابدا ومن الان فافكار العقل ومايعبر عنها من سلوكيات مثل السيارة والتي بامكانك سياقتها في اي تجاه تريد فالامر اشبه بالعادة اكثر من شيئ اخر

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

لوحات متعددة الألوان والأشكال ولكن يجمع بينها سحر الذات التونسية...

ماذا يقول اللون للذكرى ..هل يمضي الى طفولته أم يسحب شيئا من حكاية السنوات والأزمنة وهل يعود الى ما يمكث أمامه من حرقة القادم المفعمة بالأمل والبهجة العارمة .

هكذا عن للفنان الذاهب تجاه أمكنته بحلم الذات... هذه الذات التونسية التي تحمل هوية في طيات فنونها وفكرها وثقافتها في مواجهة الذوبان والعولمة الموحشة التي تهوي بفؤوسها على ما هو خصوصي وعميق ..

هي تعويذة الفنان عبر تلويناته وشغفه التشكيلي تأصيلا للذات وقتلا للرعب الكامن في الثقافة المتغولة والمتوحشة التي لا تقبل الثقافات الأخرى وفق نزعة ضد حقيقة الثقافة ذاتها باعتبارها السياج المنيع ضد ما هو استهداف للجميل والبديع والحسن ضمن هذا المنجز الانساني ..

هكذا نلج عوالم الفنانة التشكيلية عائشة الزوالي التي تسافر بنا في عوالمها الممتعة جماليا فهي الرسامة التي تمنح لوحاتها شيئا من وجدانها لنجد حيزا من سيرتها منذ طفولة أولى بين سحر اللون لنصل الى الآن والهنا لديها وهي المتشبعة بعطاء الجذور وأسرار الينابيع.

" المرأة والجرة " و" سيدي بوسعيد " و" المرأة بالسفساري " و" البورتريه الشخصي " وبورتريه السيد محسن رفيق الدرب " و" الأبناء " والأحفاد " والمزهرية " و" الطبيعة الميتة " و" الرسم الخطي " والمشاهد البدوية " من تقاليد اللباس والعادات بالساخل بين المهدية وسوسة ...و الى غير ذلك من اللوحات متعددة الألوان والأشكال ولكن يجمع بينها هذا السحر الزوالي حيث وراء هذا الابداع رحلة مع رجل نبيل متذوق للفن وهو الدكتور محسن الذي كان مشجعا للطفلة الرسامة والفنانة طيلة مسيرة ودرب وهي عائشة وبما يحمله الاسم من دلالات ثقافية عربية واسلامية ومن وجدانيات وشموخ ...

( الأقواس...الأبواب ....الحوانيت... الباعة... الرجال.... صخب الأطفال...... لكل هؤلاء و

 لأجلهم ..تلتحف المرأة بالدهشة... وبالبياض ..) ..

هذا ما علق بالذاكرة من قصيدة امرأة المدينة وأنا أجوب شوارع لوحات عائشة وهي متعددة...لوحات بالزيتي وهناك أعمال بالخط بالأبيض والأسود فيها الكثير من عناد الرسامة ودأبها وقناعتها بأهمية الفن التشكيلي..

منذ الخطى الأولى وبالمرحلة الثانوية كان الغرام بالرسم لدى عائشة وصولا الى فترة الجامعة نهاية الستينات وكان السفر الى أنقلترا  ومرحلة التدريس بالثانوي ثم كان التعلم وفترة الدروس عند الفنان جيرار ديماثشو  بين قرطاج والمرسى وسيدي بوسعيد ..و تعلمت عائشة الرسم الذي انضاف الى الموهبة التي سبقته ثم تواصل ذلك مع الفنان  الايطالي  جيرار كيتشوفاني  وتواصل معه التعلم والتقنية بالخصوص ..

نصل الى معرضها بقصر خير الدين ضمن معرض جيرار أي المعرض المشترك والثنائي في سنة 2010  ثم المعرض الشخصي سنة 2013  بفضاء المعارض بمتحف سيدي بوسعيد الهادي التركي حيث كان جيوفاني ضيفا بعدد من لوحاته المعروضة ..

النشاط الجماعي تعدد ضمن جمعيات مختلفة حيث ترى الفنانة عائشة العمل الجمعياتي بمثابة الحضن الثقافي للفنان والرسام فكانت الأنشطة ضمن جمعية الفنانات المغاربيات جمعية نوارس والاتحاد العربي للمرأة المتخصصة .

بعد ذلك تعددت معارض الرسامة عائشة الزوالي الفردية منها والجماعية وبخصوص الفن والرسم ترى عائشة أن الابداع التشكيلي مجال لابراز الذات المبدعة ولذلك هي تشجع الآخرين على تعاطي فنون الرسم لما فيها من تربية على الذوق والجماليات والسلوك والتفاصيل الحياة وهي ترسم كل ما يحيل الى الروح التونسية ومضاهر تجلياتها من مشاهد وعادات ولباس وفق رسالة ترسلها من أعمالها وتبثها عبر لوحاتها مفادها هذه الذات التونسية..

هذا تجوال رائق في أعمال فنية لرسامة تبزغ البسمة من محياها كطفلة تحتفي بحكاية الذات وفي يدها علبة تلوين... انها الطفولة الأخرى لدى رسامة من هنا التونسية والآن الأخضر.. اسمها بالأبيض والأسود عائشة وبالملون الزوالي... مرحى للألوان ترتدي كلماتها من بهجة الحالة التونسية ضمن عنوان بهي وأصيل..

 

  شمس الدين العوني

 

 

1361 najah kananنجاح شاكر كنعان داوود كاتبة وشاعرة لها باع طويل في مجالات الشعر والنثر والخواطر الادبية، وهي من مواليد قرية دبورية الساكنة في حضن الجليل العام ١٩٥٥، وتسكن حالياً في طمرة الجليلية قضاء عكا .

بدأت نجاح كنعان مشوارها مع الكلمة الشعرية والادبية قبل اكثر من اربعين عاماً ونيف، ونشرت محاولاتها وتجاربها الشعرية الاولى وخواطرها الأدبية وهي لا تزال على مقاعد الدراسة الاعدادية والثانوية، وذلك على صفحات مجلة الصغار والشباب "مجلتي" المحتجبة التي كانت تصدر عن دار النشر العربي، واذكر من بواكيرها الشعرية قصيدة "انت حبيبي"، وهي اعتراف بالحب والهيام، ومناجاة للحبيب الذي عانق روحها وقلبها، وتعبير عن المشاعر

والعواطف الملتهبة، فتقول :

احلام كثيرة راودتني

في الليالي الطويلة

ضحكت ..تألمت ..حزنت ..

تأوهت ..

كم انت طويل ايها الليل

ترى هل حبيبي مثلي ساهر؟

يضحك .. يتألم ..يحزن ..يتأوه حكخ

لم انت قاس ايها الزمان ؟

لم لا تجمع بين قلبين

تعاهدا على الحب والايمان؟

متى سأراك يا حبيبي

احشائي تتقطع

الآه تضغط انفاسي

تكاد تختقني

لا تدع اليأس يدخل قلبي الحزين

يكفيه أسى وحرماناً وأنين

اقترب يا حبيبي

تعال ..خذ بيدي

انقذني من عذابي

من هواني

كل شيء امام عيخني سراب

نظراتك تبعث الامل في قلبي

صوتك يمحو بصمات القلق

تعال يا حبيبي

اكسر الحواجز وفك القيود

وانقذني فانني في لحظاتي الاخيرة

والليل يزحف من جديد

والظلمة موحشة

هنا في غرفتي انا وحيدة

على سريري الكئيب و

يلفني الغطاء ..يجرحني

يجرحني دون رحمة

ودموعي اذرفها غزيرة

كل ليلة

تحرقني ..تؤلمني

واضيع مع اوهامي في ظل عينيك

اناديك حبيبي

اناجيك حبيبي

كل حرف من حروف اسمك

يحمل معنى

يترك جرحاً عميقاً في كياني

في كل ليلة مع اشتداد الظلمة

انثر اشواقي في العتمة

وابعثها اليك

مع كل نجمة يا حبيبي

محملة بالآخ اليك ك

لانك انت حبيبي

        مجلتي  عدد ايار ١٩٧٩

اما من خواطر نجاح الحزينة فهي مرثاة لامها التي رحلت عن الدنيا وهي صغيرة السن، وهو نص مؤثر وموجع وفيه الم ووجعخحخحوحزن واسى وشجن، حيث تقول : " بين حروف كل كلمة اترك بقايا دمع في اعماق قلبي .. وفي كل آهة تصعد جرحاً ينزف ..وفي كل لحظة تمر أسكب قطرات حزني في كأس أشربهاً لعلي أثمل وأنسى جراحي ..آه لن أبكي اذ لا وقت لدي للبكاء .. ولن أشتكي ولمن ..؟

الى أن تقول : " ىحترى أية ريح دهماء حلت بي وأية عاصفة هوجاء عصفت بي ..ونمت أظافري طويلة لكني لم اقتل بها لاني سأحفر بها قبري ..ربما تركتني ..وتركتني لانها احست بحسن جوار غيري..ربما وجدته أفضل ..اتدري من هي ...انها " أمي " ..وحين تتباعد المسافات وتتناثر بين الخطى الخائفة يهرع الجميع كل الى صدر أمه يصب من حنانه الدافق شفاء وحدته ..وعندما عصفت بي الرياح أخذت أهرع كغيري ولكن لم اجد صدر أمي الحبيبة لاعب من حنانه شفاء وحدتي ..وحاولت مداواة وحدتي بدواء الوحدة التي لا غيرها انيسي وسميري .

كلمات أقولها لك يا أماه يوم عيدك وانت تقيمين هناك ..." .

نجاح كنعان داوود تكتب بقلبها، تغمس قلمها بمداد عاطفتها، وتنسج حروفها، وتصوغ تعابيرها وكلماتها فتتدفق عواطف فياضة على الورق .

ما يميز مسيرة نجاح كنعان الشعرية النثرية هو التنوع والتلامس بعمق مع نهر الحياة، والاقتراب بلغة الشعر من الحياة اليومية بقصائد متنوعة والوان متدرجة في القوة والصدق والاصالة والايحاء .وهي تمتلك زمام السيطرة على اللغة والموسيقى، ولا تهمها مقاييس اختيار الجملة الشعرية كما استقرت في الاستخدام السائد، فهي تتعامل مع الكلمة من حيث هي مفردة دون وصف لها .

قصيدة تجاح كنعان داوود انسانية النزعة، فلسطينية الهوية، عفوية الصباغة، مطبوعة العبارة، قوامها الصورة الشعرية، وقراءة أشعارها وعناوينها تضعنا مباشرة في قلب العاصفة الروحية بشاعرة يسكنها الوطن مثلما يسكنها الشعر .

قصائد نجاح كنعان هي اغنيات وهمسات وهتافات وجدانية تراوح بين بساطة الصورة وبساطة المعنى، ممتلئة بالذفء والمشاعر الصادقة، والصور التي تتمتع بالتجديد

والبساطة الاخاذة الآسرة، بينما الدفء الكامن في شخص نجاح فهو ما يهب اشعارها ونثرياتها، وتبعث به الى القارئ ليلتهب به بدوره .

انها قصائد الوجد الذاتي، والتوهج الشعوري، والرؤى الانسانية، والموسيقى الشعرية . وهي مكتوبة بلغة حية تنبض، لغة كثيفة شفافة، لغة ناضجة تصبغها الجمالية والموسيقى التي تسحر القارئ وتجعله يتذوق جمالاً سلساً وجدانياً، وايقاعاً داخلياً. وكأنها نغمات ودندنات موسيقية تبث انغامها والحانها باصداء العبارة لتحولها من نسق ونسغ انسيابي رقيق وعذب الى آخر، لدرجة تثير النفس الى الأبعاد الايحائية التي تحمله الجملة الشعرية .

تمتاز نجاح بسلاسة الاسلوب وشفافية الرؤية والعاطفة الجياشة المتدفقة، ونزعتها الوجدانية التأملية الانسانية الواسعة الواضحة ورقة حنينها، وقدرتها الفائقة على انتقاء المألوف والتركيز على الحدث في شكل لقطات مرئبة خاطفة، فضلاً عن الانفعال الداخلي العميق النابع من تجارب العصر ومن خلال رؤية انسانية شديدة الحس .

قصائد نجاح كنعان داوود هي خفقات روح ونبضات قلب واحاسيس شاعرة تتميز بالثراء اللغوي والتألق في صياغة الصور الفنية، وهمسات انسانة عشقت الحياة فرأت العالم كله يسبح في بحر الحب والجمال .

نجاح كنعان داوود شاعرة في كل حين، تذوقاً وانشاداً، بوحاً وتعبيراً، همساً وهتافاً، رقة وسلاسة، مبنى ومعنى . يتصف شعرها ونثرها من ناحية الشكل بالاقتضاب والاختزال والاهتمام بالصور البلاغية والايقاع الموسيقي .

والطبيعة عند نجاح هي رفيقة خيالها وملهمتها البارعة، نراها تترقرق وتتوهج في قصائدها وخواطرها الأدبية، وفي همسات قلبها وروحها ووجدانها الذي جرى به يراعها الانيق المبدع الشفاف، فالذي يقرأ مناجاتها لليل وللارض والحبيب يشعر بنشوة عميقة تهز روحه لهذه الصور التي تتواكب امام خياله فيترنم مع نجاح باغاريد الطبيعة الغناء الحنون التي تمسح على جبينها انامل النور، والتي تجنحها الكتابة بخيوط من نسيجها الرهيف .

ولئن كنا بتجاوب عميق مع التدفق النجاحي الكنعاني الحزين، وهذه الرقة الذائبة في التصوير وبث الالم، وتنتشي من طلاوة التعبير وموسيقيته، فاننا نتساءل برغمنا من أين هذه المعاناة الوجودية وهذا الحزن والشجن، وهذا الألم والوجع الانساني المتواصل ..؟؟

نجاح كنعان داوود شاعرة لطيفة وناعمة ورقيقة وهادئة ذواقة للفظة الشعرية والعبارة الدالة على معناها وللتعبير الهامس الشفيف، وخذ من " نايات الحنين " ديوانها الأول تحت الطبع، لترى كيف تنساب الكلمة واللحن في كل نشيد .

اخيراً، نجاح كنعان تحلق بخيالها الخصب الرحب في رحلة شوق وحب وحنين لا احلى ولا اجمل فيمتزجان معاً، هي وخيالها، ليرسمان لوحات شعرية ونثرية بوحي الاحساس الصادق والدفق العاطفي الانساني .

        

شاكر فريد حسن

 

sud asadiيطفئ الشاعر الكبير، ابنودي فلسطين، سعود الاسدي، امير القصيدة العامية المحكية، الشمعة التاسعة والسبعين من عمره الممتد، الزاخر والعامر بالعطاء والابداع الشعري المميز، وبهذه المناسبة نرفع اليه تهانينا وتبريكاتنا القلبية المعطرة بشذى الاقحوان واريج زهرة اللوتس، ونتمنى له عمراً مديداً رغيداً وحياة مكللة بالصحة والعافية، ليبق يتحفنا باشعاره الجميلة الناعمة .

سعود الاسدي زجال وشاعر شعبي ومبدع أصيل يكتب بالفصحى والعامية ويجيد فيهما، وهو يتفرد بين الشعراء ميله الشديد الى انتزاع موضوعاته من واقع القرية العربية الفلسطينية وتراثنا الشعبي العريق، ومما يجري في الحياة الريفية الرعوية، فلا يكاد يسمع حكاية من حكايات الناس الا ويضطرم بها وجدانه، وينسج حولها قصيدة، فاذا ترامى اليه حديث فتاة او امرأة جميلة وساحرة العينين تكتب يومياتها مثلا او ومضات قلبها وروحها، فيقرض فيها شعراً وغزلاً ونسيباً لا اجمل ولا احلى ..!

افليس هو صاحب هذه البكائيّـة الحَمَل

أَكْبَرْ مصيبِةْ في الزَّمَنْ هَيْهَــات *** كيف الزَّمَنْ بِيْموِّتِ الحِلْــــوَاتْ

مِـنْ زَمَـنْ حَـوَّا وِالحَلَا وِالزّيــنْ*** يا حَسْرَةْ وينْ راح الحَلَا بِالزّاتْ

وينِ الحَوَاجــبْ وين كُحْلِ العينْ***ويــن الرّموش وِالغَمْــز وِاللفْتَاتْ

وينْهَا الوَرْدَاتْ فـــي الخَدّينْ*** مـــا فــيش إلاّ فـــي الخدودْ وَرْدَاتْ

وينها الشَّهْقَــــات في النَّهْدينْ***فـــــي غيرهِنْ مــا في للأَبَدْ شَهْقَاتْ

وِالتّمِــرْ تَمْرَةْ وتمرةْ في الشِّفتينْ***وْيِسْعِدْ سَمَــا اللي ذاق هَالتَّمْرَاتْ

يا ريت للحِلْوَات فــي كَوْنيــــنْ*** كون يِطْلَعْ مـع طْـلُــــوع الشَّمْس

***

وْكون لَمَّن يِطْلَعُوا النَّجْمَاتْ

***

سعود الاسدي شاعر مثقف ومتفرد يتردد اسمه على الالسنة، يتعشق شعر أبي العلاء المعري خاصة ويحفظ مئات الابيات من اللزوميات، ويرى فيها درة فكرية معبرة، فالمعري رفيقه الدائم في نومه ويقظته ووحدته .

وفي اشعاره يرسم سعود الاسدي الأجواء الفلسطينية الموروثة والعلاقات الحميمية التي كانت سائدة في الماضي الجميل، والحياة القروية البسيطة، من زرع وفلاحة وحصاد، ومن مميزات وملامح شعر سعود الاسدي النفس القصصي وارتباطه الوثيق بالارض والتراب والبيئة، فهو شاعر رقيق بجيش عاطفة ويشي فكراً، والارض والمرأة صنوان متلازمتان في الكتابة الاسدية، ويتجلى ذلك بوضوح في قوله :

بيهمني ع الارض

وين بتدعسي

مع كل دعسة قدم

زهرة مقدسة

فله خرامة ياسمينة

نرجسة

وكذلك في قوله :

جبينك ندى

من ياسمين وبيلسان

بيدر قمح

خالي من الزوان

وشعرك

بيرهج رهج

موجات الحنان

نسمات تكرج كرج

ع المرج ببسان

سعود الاسدي وهو يطفئ شمعة ويضيء اخرى من عمره، ورغم الوعكة الصحية التي اقعدته ولازمته البيت فان روحه ما زالت شابة وقلبه لا يزال شباباً ..!

انه يكتب ويبدع وينشر على صفحته في الفيسبوك، ويغوص عميقاً في التراث الادبي والثقافي، في ادبيات المتنبي والمعري واحمد شوقي وسواهم ممن يحب ويعشق فكرهم وأدبهم الراقي .

سعود الاسدي في عيد ميلادك نضي الشموع ونوزع باقات الزهور والورود، وكلنا رجاء وأمل ان تواصل المشوار مع الكلمة الشجية الطلية، وكما عهدناك دائماً مبدعاً اصيلاً ومثقفاً وراوياً من الدرجة، ولتنعم براحة البال وبحبوحة العيش.

 

شاكر فريد حسن

 

 

akeel alabodما اريد ان أتناوله، ليس بعرض، اوبتقرير خبري، انما هو الوقوف على مشهد لبرنامج فكرته تشجيع اصحاب الاختراعات العلمية، بغية الوقوف على متطلبات النجاح، والعمل، والاستثمار، ومنه المتقدم سيكون قد احرز وقطف ثمار جهوده العلمية، وكسب الضمانة المالية المناسبة له طوال حياته.

 هنا من الضروري الإشارة الى ان الابتكارات هذه، تختلف في براعتها عن الامكانات الفنية للمتقدمين في برامج ال Arab iden، باعتبار ان المراد هنا هو تسخير واستخدام العقل، لتطوير آلة الحياة، المعنى كيف لنا ان نضع آلة  العقل في نصابها الصحيح، لتحقيق العمل المنتج، كيف لنا ان نضع لغة التفكير البشري في دائرة البحث، بغية انشاء مشروع حياتي متطور؟ 

الفكرة  ان المخترع يتقدم الى لجنة البرنامج التي تتكون من

خمسة أفراد، وهؤلاء من اصحاب رؤوس الأموال الذين يمتلكون من القدرات المادية ما يؤهلهم للمساهمة في شراء، أوالمشاركة وفقا لنظام النسبة الربحية percentage في مادة البحث، اوالإختراع التي تتنوع في موضوعاتها، بغية مساعدة المبتكر في استئناف مهمته التصنيعية والعملية على الوجه الاكمل.

والتصنيعية هنا غير الخدمية، فالفكرة ليس بعرض لشراء، اوتقديم خدمة عرض أزياء مثلا، انما لشراء منجز، اوابتكار هو من انتاج، وإدارة العقل.

وبهذا يتقدم اصحاب الإبحاث، اوالاختراعات، حيث المتقدم يكون واحد، أوأكثر، ومن الضروري ان  يكون هذا المتقدم مستوفيا للشروط الخاصة لتوضيح التفاصيل الدقيقة، بحيث ان له من القدرة، ما يجعله متمكنا لإقناع اللجنة بمكونات وطريقة العمل، بما ويتناسب مع مقدمة ومضمون المنجز العلمي والعملي.

وقد تكون مادة الاختراع في مجال الصناعة الغدائية، اوالتكنولوجية، اوالطبية، وغير ذلك.

المهم ان يكون هنالك بين فترة، واُخرى عروض لاختراعات جديدة.

والشئ المبهر حقا، ان طريقة تقديم المتقدم لنفسه، وأداؤه العالي بما في ذلك التمكن والثقة بالنفس لشرح كل سؤال يوجه اليه بمهارة، هي الكفيلة بضمان فوزه، بعد تقديم العرض المادي المناسب لشراء ما تقدم به، وبنسبة معينة من المال.

اذن جميل ان يستثمر الانسان حسه، وقلبه وعقله، مبتعدا عن الانفعال، والملل، والفراغ، والكسل، لعله يقدم للحياة منهجا جميلا، وفكرا جميلا، وعملا نافعا.

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

 

saleh altaeiبني

ومهما كبرت

سيكون هناك في الكون من هو أكبر منك

فأحذر ولا تبطر

*   *   *

بني

ولا تشمت بمصيبة شخص حتى لو كان عدوا

فالمصائب تحب الشامتين

فتأتيهم سراعا

*   *   *

بني

اللسان والحصان كلاهما إذا لم يلجما يقودان إلى الهاوية

فلا ترخي الرسن

*   *   *

بني

وأعرف أين تضع قدمك

فما خسر

إلا من لم ينتبه إلى موضع قدمه

*   *   *

بني

وأتخذ لك طوق نجاة وتمسك به

فالأمواج الثائرة لا تُقاوَم

*   *   *

بني

وأحذر من الدنيا لا تغتر بها

فهي مثل الأفعى

ملمسها ناعم والسم الزعاف في أنيابها

*   *   *

بني

وأعلم أن كل شيء في الحياة دين

يستوفى ولو بعد حين

*   *   *

بني

لا ينفع أن تكون جميل الملبس قبيح القلب

فالكمال هو أن يتساوق داخل المرء مع خارجه

*   *   *

بني

الله والوالدين والوطن

معادلة مقدسة

متى ما انهار ركن منها تنهار كلها

*   *   *

بني

ومن لم يأخذ بأقوال الحكماء

ويتعض بالأمل والرجاء

تغلق أمامه أبواب السماء

 

صالح الطائي

salis najibyasinادا غاب او طال عنك النجاح فحتما انت لا تملك كثيرا من التجارب الفاشلة والاكيد انك لا تتحرك كثيرا ولا تطرق الابواب او ربما غير متقبل لفكرة كثرة الحلول والخيارات والبدائل من حولك وهنا كان لزاما على الانسان ان لا يتسرع في الجكم على ظروفه الراهنة مهما كانت او الحكم على ماستؤول عليه الامور قطعيا. بل بالعكس وجب التفكير في تجريب مالم يجرب ومحاولة ايجاد الجديد في مايراه مناسبا في تلك اللحظة ومن دون تردد وبتفاؤل واصرار ومرونة كبيرة فكترة التجارب وعلى نكساتها احيانا تكسب الانسان ادراكا وخبرة اكبرة وتمكنه من رؤية الامور من زوايا مختلفة واوسع مما يكسبه نضجا ويساعده في اختيارالطرق المناسبة والفعالة مستقبلا للوصول الى اهدافه التي يريدها. فلا تبخل ابدا على نفسك بالمحاولة وتجريب ما تريد .فما لم ينجح اليوم سينجح غدا وبطريقة انفع واسرع فبادر بتجريبه والسعي لتحقيقة ولربما ينجح من اول يوم .وتاكد ان كل ناجح اخفق وتعلم ياس وياس ليفرح قد يسخر منك بعض الناس او يقللو ن من شان ماتفعل ولكن تاكد لما تصل ستنسى كل شيئ نعم انه النجاح. والدي لا بد ان تدفع ظريبته التي في الاول قد تكون محبطة او سلبية ولكن تاكد سرعان ما تصل اليه سيتغير كل شيئ لانك لن تسمع صوتا اخر سوى المواصلة فيه وفي طريقه فابدا بالتجريب واستمربالمحاولة وارفقهما ببعض من التعديل والتقييم اضافة الى نوع من الحكمة والتريت فلا مجد ولانجاح الامع التعلم والتحرك وعدم الياس. والهدف ان تصل الى نقطة رئيسية الا وهي الاستمتاع بالتجارب الفاشلة والمحطات التي لم تنجز فيها دلك انه ستصل الى قناعة محققة مفادها انجزت وسانجر اكبر واكثر بما انني اخفقت اكثر ولعدة مرات

قد يكون صعبا تحقيق حلمك ولكن الاصعب ان تتركه فتوكل على الله وانطلق

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

 

1357 ahlambahnisiالرسم هو احدى وسانل التعبير الاولى التي عرفها الانسان، الانسان البدائي، رسم الخطوط، فجاءت رسومه معبرة الى حد كبير .

والانسان المصري القديم رسم الحياة كما رآها فنقلها كما هي دون الاعتبار الذاتي لاحاسيسه، ورسم بالالوان الى جانب رسمه بالخطوط.

وهكذا انطلق الفن عبر التاريخ يأخذ اشكالاً مختلفة الى ان وصل الى ان وصل الى الفترة الحديثة، فمن يرسم الحياة الريفية كما رآها واخرى كما اراد لها ان تكون، وهذا ما يعرف بالرسم الحديث .

ويزخر المشهد التشكيلي الفلسطيني بالعديد من الاسماء التي اثبتت حضورها بلوحاتها الفنية الواقعية الملتزمة، ومن هذه الاسماء الفانة المميزة احلام بهنسي، ابنة عاصمة الجليل الناصرة، والتي تملك طاقة فنية رائعة في مجال الرسم والاعمال الزيتية .

احلام بهنسي فنانة تشكيلية فلسطينية، عشقت الفن والرسم منذ نعومة اظفارها، وطورت موهبتها بالتجارب المتواصلة، وهي ترسم بالاسود والابيض، واهم ما ترسمه هو الوجوه والمناظر الطبيعية المستوحاة من مدينتها الحبيبة الغالية على قلبها، مدينة المسيح والعذراء، ومدينة المحبة والتآخي والسلام، مدينة الشاعر الخالد توفيق زياد، رئيس بلديتها .

وقد شاركت احلام في العديد من المعارض الفنية في بلدها وخارجها، اخرها الأخير الخاص"الناصرة بلدي " .

تعد اعمال احلام بهنسي توثيقاً للمعاناة اليومية، ولمظاهر الحياة العامة في ظل سياسة القهر والحرمان والاضطهاد السلطوية، وتجسد معالم تاريخنا وحضارتنا، وتحتشد بالحس الوطني الواقعي، وارتباطها بالناس البسطاء العاديين مما حقق لها التواصل والاحتفاء الفني بلوحاتها البديعة .

تتسم لوحات احلام بهنسي برهافة حس وتأثيرية، وتنم اعمالها الزيتية عن قدرة فتية لافتة للنظر لاسباب كثيرة كونها امرأة وفنانة فلسطينية اتقنت تعلم هذا الفن باستخدام الأدوات الفنية التشكيلية بشكل سليم وبجدية .

لا شك ان الفن الذي لا يتفاعل مع احداث الحياة، بحلوها ومرها، جمالها وبشاعتها، يظل فن نخبوي لا تأثير ولا دور له في المجتمع ومعركة التغيير والتحول النوعي، ولا يحقق حضوراً ملموساً في الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة . واحلام بهنسي هي جزء من مجتمعها، تتحسس معاناته ومآسيه، واقعه وامانيه، افراخه واتراحه .

ونرى في لوحاتها صوراً للواقع الفلسطيني المعيش، ولمعاناة شعبنا وتطلعاته وآماله في مستقبل زاهر اكثر اشراقا وفرحاً.

احلام بهنسي فنانة تشق طريقها الوعرة بكل جرأة وثقة، وتثبت بلوحاتها انها تشكيلية قديرة   سيكون لها الأثر في تطور وازدهار الفن التشكيلي الفلسطيني الراهن .

الف تحية لاحلام بهنسي، مع التمنيات لها بالتقدم، والمزيد من العطاءات لما فيه خير ومستقبل حركة الابداع التشكيلي الفلسطيني، التي تفتقر للاعمال الفنية الملتزمة بقضايا شعبنا، والمعبرة عن المأساة والمكابدة والتراجيديا الفلسطينية باسلوب واقعي وتعبيري .

 

شاكر فريد حسن

 

 

jawadkadom gloomحين تتفاقم الهموم وتكثر البلايا والرزايا والمنغصات بالشكل الذي لايمكن للانسان ان يطيقها ويحتملها في وطن عاقٍ بأهليه؛ يظل الانسان باحثا عن مأوى وملاذ آمن ليعيش بقية حياته هانئا بعيدا عمّا يعكّر حياته من كل انواع الغرائبية التي تعشعش في بلاده .

ولكن مثل رجل هرم مثلي أقعدته السنون وكسحَهُ العمر الطويل الحافل بالاسقام وأنواع العجز وضعفت فيه الهمّة والعزم وهزمتْهُ الارادة؛ يلوذ باحثا عن مجتمع سليم ولو كان بذهنه ويسافر بخياله اليه وهذا ما ظفرت به اخيرا عن مجتمع ناءٍ فوق سطح الارض بمسافة ليست بالقصيرة .

فلو أتيح لك ان ترتقي سفوح جبال الهملايا وتقطع مسافة (6230) قدما فوق سطح معمورتنا، متسلقاً قبيل ان تصل الى قممها بمسافة قليلة؛ سترى العجب العجاب عن قوم ماعاشوا حياة الحضارة ولا ناموا في أسرّتها الوثيرة ولا حتى لامستهم بأناملها الناعمة، أقوام لايتجاوز عددهم (35) الف نسمة يتّصفون بخجل نسبي امام الغرباء لكنهم كثيرو المزاح مع بني جلدتهم  .

يسمونهم قبيلة "الهونزا" ويسكنون في مقاطعة نائية تسمى "غاراغورام" وهم محسوبون اداريا وإقليميا ضمن دولة الباكستان حيث يستقرون في اقصى شمال البلاد في أعالي الجبال ولا توجد بينهم وبين المدن الباكستانية اية طرق مواصلات سالكة سوى ممرات نيسمية يقطعها السابلة وبغالهم وبقية حيواناتهم مشيا على الاقدام في سفوح الجبال لكنهم يختلفون عن أقوام بلادهم في انهم يتخاطبون بلغتهم الخاصة ولايعرفها مواطنوهم من الباكستانيين، ويعيشون جنّة العزلة؛ سعداء بوحدتهم رغم فترات الجليد والبرد التي تعتريهم وهم في الأعالي، هانئين بلا صراعات سياسية وعنف وطائفية كالتي يعانيها مواطنوهم الباكستانيون، أصحاء بلا أمراض العصر السائدة فينا مثل السكّري وارتفاع ضغط الدم والاكتئاب، أجسادهم خالية من رهاب السرطان وقوامهم فارع الطول وسحنتهم ناصعة البياض  يمتازون بالنحافة ولن تجد بينهم بدينا مفرط السمنة وقد اطلق عليهم لقب "المجتمع الاكثر سعادة" في هذه الارض بسبب الصحة الوافرة التي يتميزون بها والعمر المديد الذي يعيشونه اذ في الاعمّ الاغلب يتخطى معدل عمر الانسان الهونزيّ الى المئة  عام وقد يبلغ مابين 120--- 140 سنة، اضافة الى انهم – نساءً ورجالاً – يتميزون بالخصوبة في التناسل والإنجاب ولا ينقطع نسل الابوين حتى لو طال عمر الزوجين الى ما بعد التسعين سنة .

أما طعامهم فهو من صنع أيديهم ومن زرع سواعدهم في حقولهم التي من المحال ان يبيعوها للآخرين فمن يبع أرضه كمن يبيع نسله وفق أعرافهم وتقاليدهم ويشريون المياه النقيّة الزلال من العيون والينابيع الدافقة التي تدرّ عليهم من قمم الجبال وسفوحها مباشرةً وقبل ان تجري وتتشعب في مجرى الارض حاملة الاطيان والاوساخ والملوثات الارضية والغبار والاتربة العالقة في الهواء، وكل موائد الطعام الخاصة بهم تحوي البقوليات الطازجة والخضار التي يزرعونها بأنفسهم والفواكه التي يقطفونها وخاصة المشمش اذ يعتبرونه مادة رئيسية لابد من تناولها يوميا ويعملون على تجفيف ماتبقّى من موسمه للاستفادة منه في المواسم الاخرى حيث يعتقد بان ثمرة المشمش سواء طازجة ام جافة لها قدرات عجيبة على التصدي لأية أمراض سرطانية قد تداهم أجسادهم؛ لهذا من المحال ان تجد فردا منهم ابتلي بهذا المرض اللعين، كما ان الأجواء العالية تتمتّع بأوكسجين نقيّ جدا وخالٍ من الملوثات الصناعية وعوادم السيارات والأتربة والغبار ومداخن المصانع .

هؤلاء معتادون على الاكل القليل بما يكفي البدن اذ يتناولون وجبتين في اليوم ومن المحال أن يأكلوا فيما بين الوجبات، تراهم يكرهون البطنة، فالبطنة تُذهب الفطنة كما تؤكد الامثال العربية السائرة وقلما يتناولون اللحوم سواء كانت حمراء او بيضاء ونادرا ماترى الدهون في موائدهم، ومعدل السعرات الحرارية التي يتناولونها تتراوح بين 1800—1900 سعرة بينما ينهم الاميركي مثلاً مايزيد على (3300) سعرة حرارية يوميا .

 اما عن مدى اهتمامهم ومتابعتهم بما يحيطنا من احداث سياسية ومشاكل اقتصادية ونزاعات فكرية وصراعات عسكرية فانهم لايعرفون شيئا عنها ولا يريدون ان يعرفوا منغّصات الحياة والانشغال بالسياسة مما ينقص العمر ويزيد الاسقام مفضّلين ممارسة الرياضة صباحا والجري صعودا ونزولا بين السفوح طقسا يوميا لابد من ممارسته كباراً وصغاراً، وبعد انتهاء التمارين الرياضية يبدأون بعقد جلسات تأمل خاصة بهم تشبه الى حدّ كبير طقوس رياضة " اليوغا " لمدة نصف ساعة لتهدئة النفس وتغذية الأعصاب بالسكينة والراحة وزيادة قدرة العقل على التركيز لتكون اعمالهم اليومية في الكدح والنشاط الإنساني على أكمل وجه، فليس غريبا ان يؤكد أحد المهتمين الدارسين لهؤلاء القوم وهو البريطاني " روبرت ماكريسون " ان من يعيش نمط افراد " الهونزا " كفيل ان يزداد عمره بين 40—60 سنة اضافية حيث هدأة البال وراحة العقل بعيدا عن ضوضاء الحروب وهياج السياسة والسياسيين، والطعام الكافي الصحي المنتقى من جنى الأيادي الطيبة بلا أسمدة كيمياوية خضارا وفاكهة، والماء الزلال الدافق من ينابيعه البكر، والهواء الخالي من التلوث البيئي والمشبع بالاوكسجين الصافي المُعافي في القمم العليا قبل ان ينزل الى سفوح الارض ويتسرب في خناق الحضارة وملوثاتها وأدرانها التي لا تحصى .

وبسبب انعزال الهونزا عن العالم الخارجي تماما فان المنظمات والهيئات المعنية بالمعمّرين وعدد سنوات عيشهم لاتلتفت اليهم؛ فلديهم من كبار السنّ مايفوق أعمار المسنين المعمّرين الذين نقرأ عنهم في وسائل الاعلام مثلما تتميز اليابان بكثرة معمريها الذين فاقوا المئة وعشر سنوات، فالهونزي قد يصل عمره الى مابعد المئة وثلاثين سنة وهو في صحة جيدة وبعافية تامة دون ان يُذكر إعلاميا ويعيش نسيا منسيا في مكمنه النائي في الاعالي .

أنا عن نفسي وددت وأنا اقرأ عن هؤلاء صفاتهم وطبيعة عيشهم وجمالية عزلتهم وطبيعة الوحدة المؤنسة التي يتميزون بها وتمنيت ان يقبلوني واحدا منهم لكنهم يأبون ان يضموا ايّ فرد راغب للعيش معهم ولو كان من مواطني دولتهم ويتحسسون ان سمات الحضارة الضارة وغير المرغوب فيها ستعمل على تلويثهم وربما تنتقل عدواها اليهم في المقبل القريب والبعيد؛ فالباب والنافذة التي تأتيك بالريح اغلقها واسترح خاصة ان تلك الريح غالبا ماتحمل في تياراتها الكثير من عوامل التلوّث والتسمم الحضاري التي نستنشقها يوميا .

 

جواد غلوم

 

 

faroq mawasiعندما أقرأ المتنبي أجدني أردد هذا البيت من حكمته:

ووضعُ الندى  في موضع السيف بالعلا *** مُضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

إذ يجب أن يعامل كل إنسان حسبما يستحق، فمن استحق العطاء والكرم لا يُستعمل معه السيف أو القوة، ومن استحق العقاب لا يكرم بالعطاء، فالصواب وضع الأشياء مواضعها، وحملها على حقيقة مقاصدها، وذلك حتى لا نضرّ بالعلا والمجد، فلكل مقام مقال، ولكل مقال مقام.

وثمة معنى قريب  قاله الشريف الرضيّ:

العزم في غير وقت العزم مَعْجَزةٌ ***  والازدياد بغير العقل نقصانُ

فلنعط كل شيء حقه، وحتى كلامنا فيجدر به أن يكون مقصودًا لا عشوائيًا وله أثره، وألا يكون جُزافًا يُطْلق على عواهنه،

وإلا فإن هُبيرة بن أبي وهب يذكّرنا:

وإن كلام المرء في غير كنهه *** لكالنبلِ تهوي ليس فيها نصالها

وعندها نسأل: وماذا أفدنا؟

 وقد نندم على "الكلام الفارغ"!

على ذكر الندم، أتذكرون قصة (أندم من الكُسَعيّ)؟

..

" هو رجل من قبيلة كُسَع، ومن حديثه أنه كان يرعى إبلاً له بواد مُعشِب، فبينما هو كذلك إذا أبصر نَـبْعة في صخرة أعجبته، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسًا، فجعل يتعهّدها ويرصدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها، فلما جفت اتخذ منها قوسًا [....] ثم خرج حتى أتى قُـتْرة على موارد حُمُر، فكمن فيها فمر قطيع منها، فرمى عَـيرًا منها فأمخطه السهم، أي أنفذه فيه وجازه، وأصاب الجبل فأورى نارًا فظن أنه أخطأه [...] فمر قطيع آخر، فرمى منها عيرًا فأمخطه السهم وصنع صنيع الأول"

وهكذا تكرر الأمر وهو يظن أنه لم يُصب.

 "ثم عمد إلى قوسه فضرب بها حجرًا فكسرها، ثم بات، فلما أصبح نظر فإذا الحمُر مطروحة حوله مُصَرعة، وأسهمه بالدم مُضَرَّجة، فندم على كسر القوس فشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:

ندمتُ ندامةً لو أن نفسي *** تطاوعني إذن لقطعت خَمسي

تبين لي سَفاه الرأي مني *** لعمرُ أبيك حين كسرت قوسي

واشتهر المثل "أندم من الكُسَعي"، فذكره الفرزدق حين أبان النَّوار زوجته، وقصته مشهورة:

ندمت ندامة الكُسَعي لما *** غدت مني مطلقةً نَوارُ.

(الميداني: مجمع الأمثال-  4291)

لكن الندم هنا كان مُسَوَّغًا، بينما فيما ذكرت عن النبل التي ليس فيها النصال فإننا نندم على تضييع الوقت، وعلى الأمل في غير موضعه،  فليكن لكل كلام موقع وأثر.

..

 نقرأ  هذه الأيام عن قرار المحاكم الإسرائيلية بتعويض الشرطة على تكاليف عمليات الهدم في العراقيب وسواها، وبالطبع فعمونة وغيرها لا علاقة لها بهذا القرار، فالذين هدمت منازلهم في هذه المستوطنة وسواها يُعوّضون، بل يعتذرون لهم، بل سيبنون لهم مستوطنة أفضل. 

تذكرت قول أبي الحسن المُزَني في كتاب الثعالبي (يتيمة الدهر- ج4، ص 346):

ولم أر ظلمًا مثل ظلم ينالنا *** يُساء إلينا ثم نُؤمر بالشكر

وفي قراءتي للواقع الراهن أقول:

يساء إلينا ثم نُؤمر بالدفع

 وبذلك يصدق قول أبي تمام:

ومما ضرّم البُرَحاءَ أني *** شكوتُ فما شكوتُ إلى رحيم

فنحن نطلب الشيء من/ في غير الموضع أو المكان، وقد فطن لذلك الطِّرِمّاح في قوله:

يا طيِّئَ السهل والأجبال موعدكم *** كمبتغي الصيد في عِرّيسة الأسد

فهل نطلب الدبس من طـيـ  النمس؟

يقول الكُميْت:

وإني وتَمداحي يزيدًا وخالدًا *** ضلالاً لكالحادي وليس له إبْل

هكذا إذن فالنتيجة هباء وخواء، فلنضع كل شيء في  موضعه، ولنؤمّل ممن يُعقد عليه الأمل، ولا يغرّنا سراب بقِيعة!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

1356 doriskoriدوريس علم خوري شاعرة وكاتبة صادقة الموهبة، محملة بعبق الآرز، تعرف كيف تختزل وتكثف التجربة في كثير من قصائدها، التي تشف عن شاعرية خاصة، فيها من صفاء الزئبق ونقاء الجداول ورائحة الحبق وشذا الورد والميرمية .

وكما يحوم النحل في الحقول والروابي، يمتص من ازاهيرها وورودها أعذب الرحيق يحوله الى شهد لذيذ، تلك هي دوريس تمتص رحيق الحياة الكامنة في تفسها، ورقة المعاني التي تقدمها الطييعة، ويوحي لها المجتمع الانساني فتجعل من يراعها شعراً ونثراً وأدباً اطيب من الشهد وأكثر حلاوة .

دوريس خوري لبنانية المولد والأصل، من أب لبناني وأم فلسطينية من قرية حرفيش الجليلية قدمت الى البلاد سنة ١٩٧٦ في اوج الحرب الأهلية اللبنانية، تزوجت من ابن خالتها في البقيعة واستقرت فيها حيث تعيش الآن . وهي تعتر وتفتخر بوطنها الأم وبالجليل الذي له حيز كبير ومساحة شاسعة في شعرها .

لها صالون أدبي ثقافي، هو صالون " ناردين " للثقافة والفنون، يذكرنا بصالون الاديبة اللبنانية الفلسطينية النصراوية مي زيادة " صالون الاربعاء "، فقد تمَّ تكريم الشاعرة دوريس خوري في اكثر من محفل أدبي وثقافي للإبداعها الشعري ونشاطها الأدبي والإجتماعي والإنساني وحازت على عدة جوائز محلية ودولية إضافة إلى عملها ومساهمتها في مجال حقوق الإنسان فتنوُّع كتاباتها بين الشعر والبحث العلمي والمقالة الأدبية والاجتماعية ومساهماتها  الإنسانية دعَّمَ مكانتها الأدبية، لها مجموعة من المؤلفات والاعمال الشعرية والمسرحية والادبية، منها : " عودة الالهة، جلباب العبودية، نسائم لبنانية، اجنحة الغد، اشتقتلك يا بلدنا، عانقتني شمسها، لنشيدك طقس " .

وقصص للأطفال ولها مساهمات في تقديم عدة محاضرات في عدة مدارس عربية في البلاد وقدمت للقضية الفلسطينية رائعة " جفرا" وهذه الملحمة الشعرية في ديوانها " لنشيدك طقس " فقد تحولت الى فيلم وثائقي قصير في مصر فالهمُّ الفلسطيني بات مخزوناً في ذاكرتها كما في ذاكرتنا الشعبية لقد ورثته من ذكريات والدتها في نكبة 48 وفي ومسرحيتها "اشتقتلك يا بلدنا " تُعبر عما يجيش في صدرها لمعايشتها القضية واطلاعها على أدق تفاصيلها، 

موتيفات دوريس خوري فلسفية تأملية، وجدانية، وطنية حنينية، وغزلية . وتتناول موضوعات ومناسبات وقبم متعددة تعكس روح شاعرتنا المتواضعة المتسامحة المؤمنة بالمحبة بين الديانات السماوية، وتسعى ليكون العالم أجمل وأكثر نضارة واشراقاً .

والروح الانسانية المتجلية هي عماد النص الدوريسي وهنا أصبغتُ عليها هذه التسمية "النص الدوريس " لأني رأيتُ في أدبها ما يميزها عن غيرها نصاً ورشاقة في الكلمة ودهشة في اللامتوقع فهي تنقلك من عالم الواقع إلى عالم المُتخيَّل بسرعة عجيبة تدعوك للتوقف والتأمل في عالمها الدوريسي الخاص

هي عاشقة أدب جبران خليل جبران،،وكذلك تتجلى الطبيعة وعمق الاحساس بها، فضلاً عن الوطن، والحب بكل معانيه وتجلياته، وخلق الحياة بكل ما فيها، رغم الألم النفسي والوجع والنزيف الداخلي العميق  تُطلق الكلمات الجامحة مثل مهرة عربية أصيلة تتغنى بالحب بالفرح بأمجاد جدها الكنعاني الفينيقي وإرثها الثقافي السرياني الذي لا تخفيه لأنها عاجزة عن إخفاء مشاعرها الحقيقية تدخُلُ الإنتساب التاريخي دون وجل هذا ما ذكره الدكتور بطرس دلي في تقدمة  ديوانها الأخير لأنها تعتبر نفسها إبنة هذا الإرث الحضاري الشرقي المُشرف رغم علله وأمراضه الحالية بسبب الحروب والنزاعات البغيضة بين أهله

ولعلنا نستشف في قصيدتها روح التجديد في اللغة والمعاني، في الاحساس، وفي التعبير، والاعتقاد الراسخ بأن الفكر الخلاق  والخيال للمبدع هما اللذان يحييان اللغة، وأول ما تجدر الاشارة في ادبها الانساني الجميل تلك التراتيل والترانيم السماوية التي تهز النفس وتحرك القلب والوجدان برقة ترانيمها الساحرة، وتلك الروح النبيلة الصافية والمشاعر الرقيقة الدافئة التي عُرِفَ بها الأدب اللبناني وخصوصاً المهجري .

ان دوريس خوري متإثرة جداً بافكار واسلوب جبران خليل جبران التعبيري بخيالاته الرقيقة الحلوة، وعباراته البسيطة الغنية بالموسيقى واستعاراته وتشابيهه  وكناياتة، ولم يكن جبران بجري على طريقة واحدة في الكتابة الابداعية، فهو حيناً يكتب خيالاً عاطفياً مجرداً، وحيناً احاسيس واقعة عميقة، وطوراً يخاطب الناس بالأمثال والرموز والحكم والمواعظ الروحية، وطوراً باسلوب التعنيف القاسي من أجل الإصلاح وتقويم الإعوجاج، وتارة يكتب شعراً فلسفياً تأملياً فيه الإيقاع الشعري الموسيقي  غير أن هذه الأساليب والطرق التعبيرية كانت تفيض من شخصبة متميزة في تفكيره وخياله وروحه وبيانه ، تجري بالفاظ شفافة عميقة التأثير، سواءً اكان ما يكتبه نثراً ام شعراً، وسواءً كان اقصوصة، ام مثلاً أو حكمة، أو خيالاً، أو تأملات في الحياة والطبيعة وفي الكون وما وراء الكون، وهكذا هي دوريس خوري، كم هي شبيهة بجبران المهجري الرومانسي الرومانطيقي وهذا الأسلوب الذي تجتمع عليه جميع الشعوب أن الكلمة الرومنطيقية تُهذب النفوس وتروِّض الوحوش الكاسرة فتخضع لموسيقاها ولحنها أصحاب القلوب الغليظة والمتمردة على كل ما هو جميل ومنطقي  .

فالمذهب الأدبي الذي تعتمده شاعرتنا دوريس هو المذهب الرومانطيقي الذي تأثر به الشعراء اللبنانيون المهجريون كثيراً في أفكارهم وأساليبهم، كجبران والريحاني .

وهي تبهرنا وتهزنا وتخترق قلوبنا وتلسع ضميرنا وتستفز مشاعرنا واحاسيسنا وتعانق وجداننا وتسيل دموعنا بنصوصها، ولغتها السلسة العذبة، واغراض شعرها وايقاعاته الموسيقية ودلالاته الفنية، وهي تكتب القصيدة العمودية خاصة في ديوانها " وعانقني شمسها " الا أنها في ديوانها الأخير، تعترف انها لا تحب القيد، فعمدت الى قصيدة التثر للتعبير والبوح عن مكنونات صدرها وقلبها وما تجيش به من مشاعر وحمى لاهبة .

وقد جاء اسلوبها الشاعري غاية في الجمال والبساطة والبوح الصادق، لأنها لم تتقيد بقيود الالفاظ والتنميق والزركشة اللفظية، بل ارسلت ارسالاً لتعبر بصدق وبساطة وحيوية عن الفكرة او العاطفة التي تمليها، وهي تعنى بالمعاني والأفكار الفلسفية الكبيرة، ولا تتقيد بالسفاسف التي تكبل اجنحتها دون التحليق والسمو، ومن هنا كان سر ذيوع وانتشار منجزها الشعري وتأثيره في النفوس والقلوب والعقول .

نلمس في قصيدة دوريس خوري الشعور بالغربة والبعد عن الأهل والوطن اللبناني، فتهتف بمرارة مناجية بلاد الارز وجبال لبنان العالية، فتقول في قصيدة " لبنان يا وطني" :

طرقت بابك يا وطني

جاءتني ريح تتساءل

من أنت ؟

أجبت أنا بنت

للوطن الغالي أتننهد

جئتك راجية منك العطف

فهل أقبل

وطني أنت يا لبنان

وأنا منك ولا أتطفل

شقيق الروح آيا لبنان

عن عفة نفسي،،، لا تسأل !

ويترافق الحنين الى الوطن نغمات فيها رقة واضطرام واثارة، وهي نغمات الوطنية والتمسك بالتراب الوطني، فلنسمعها وهي تخاطب بلغة المحبة العاشقة الولهانة لوطنها الأم الذي ترى فيها الحبيب الغالي، الحب الأول والأخير، بصيغة ونص الحب الرومانسي المتوقد المشوب بالنفحات الصوفية التي يميزها رقة الشعور وأناقة الحرف والكلمة وجمال الصورة الفنية الزاهية، والايحاءات والايماءات الحسية :

أنا يا حبيبي لا اجيد .... تغزلاً

عند اللقاء

همجية كلماتي الحرى

ملعثمة الهجاء

بسذاجة أتلو صلاتي

كحلاوة العناب

كالشهد المصفى

تضرعاتي

كالعطر ... بخوري يفوح

في معبد الوصل المقدس

اذ بحبك لي تبوح

صلواتي ال تحكي حنيني

قبلاتك اذ طبعت بذاك الليل

تحرق لي جبيني

هي سر من ينوي الفراق

هي سر من مل العناق

وأنا تؤرقني طقوس عبادتك

عبثية تلك الطقوس

وأنت تلهو بالنفوس

صمتي ...بليغ ..كالكلام

قلبي الذي حطمته يهفو عليك

يا من هجرت الشامخات لأتبعك

لبنان يدعوني ...اليه

عشتار تحسدني عليه

قدموس رب الشعر والفن

العريق ...

كنعان يا وطناً هجرت

وضاع من رجل الطريق

لبنان يا لبنان يا كنعان

يا بلدي الجريح

خذني اليك

دوريس خوري شاعرة مُجيدة، تتجلى شاعريتها بخصوبة محلقة في دنيا الشعر والابداع الجميل، نجد في نصوصها حرارة العاطفة، ورحابة الصدر، وعمق

الفكرة، وفيض الاحساس، وقوة الإحساس  بحرارة الحب الذي تتفتح به النفوس الكبيرة لاحتضان الانسانية كلها، فتفرح مع الفرحين، وتبكي مع الباكين، ولا تجد سعادتها في غير سعادة الانسانية كلها، وفي شعرها الكثير من الاحساس العميق بالطبيعة، التي تتجلى في قصائد الشوق والحنين للوطن الأم، لبنان الأخضر، وتتصف كتاباتها عموماً بالدفء والشفافية والرومانسية واللغة الجزلة الطلية، والمعاني والدلالات الفلسفية والرؤيا الانسانية الشمولية .

دوريس خوري انسانة رقيقة، بهية الطلعة، مشرقة الحضور، جميلة الروح، دافئة القلب، شفافة الى ابعد الحدود، راقية الفكر، عميقة الثقافة والفلسفة اللاهوتية الطاغية على عدد من كتاباتها، ناصعة كالثلج، نقية كالطفل، مبهرة كالشلال، معطاءة كالزيتون، مذهلة عذبة وصافية في شعرها حتى حدود الينابيع وبعد .

تحية معطرة بالوفاء وعبير الياسمين نقدمها لدوريس خوري من رحاب الجليل الأشم إلى أرز لبنان الخالد وهذا الأرز الذي عانق على مر العصور وما زال يعانق  زيتونة فلسطين المباركة ،

 نتمنى لشاعرتنا المُجيدة  ديمومة العطاء الشعري عطاءً غزيراً خصباً، ملوناً، زاهياً كالوان قوس قزح برائحة زيتونة فلسطين وعبق أرز لبنان، ومزيداً من التألق والتوهج والاصدارات الرائعة المتنوعة لكِ الحياة وكل الحياة .

 

شاكر فريد حسن

 

هذا الرجل.. نزار قباني، اجتمعت في شعره أكثر من صفة حسنة: ففي شعره المرأة الحسنة، والقصيدة الحسنة، والثورة المدوية، والناقد الاجتماعي المتلبس، فتراه لذلك ملك السنة المطربين، وإيقاعات الملحنين، وقلوب النساء، ومجد الشعراء، واحترام السلاطين والامراء.

نزار قباني.. استلم قصيدة الحداثة من جيلها الأول المتمثل بالسياب ونازك الملائكة وغيرهم  ممن يعذرونني، وهي مازالت غرة، فرباها على كفيه وصنع منها حسناء للغرام، وشهرزاد الوئام، أقول هو نقل قصيدة الحداثة من شكلها الخام، فأجرى عليها عمليات التصفية والتكرير القبانية لتظهر بحلة جديدة، وترتقي صرحا أبهى!، فهو لم يرض ان يزاولها كما هي وكما وصلته، وإنما استعان بالله تعالى، وبأدواته ثانيا، فأخرج لنا قصيدة أخرى بغصن آخر يعود إلى ذات الفرع.

نزار قباني شاعر الجمهور والصفحات، والدواوين، والصحف والمجلات، والرفوف والمجلدات، وهو كذلك شاعر قلوب النساء، وعقول الرجال، وأحلام الطامحين، وسيوف الثوريين.

نزار قباني.. يعزف على الوتر الحساس، فترة أكثر من خمسين عاما من تاريخ هذه الأمة الجريحة، فطرح بقصائده الثورية جرأة الشاعر وصراحته، وأراد بذلك أن يعلم السلطان: ان الشعراء هم كذلك سلاطين وأمراء فلابد ان يوضعوا في كفة من ذهب، لاان يهملوا، أو يطاردوا، او يسجنوا، او يرحلوا، لمجرد انهم قالوا رأيهم بسيف الشعر، وجرأة النقد، فما قيمة الشعر، ان لم ينتقد ويصلح ويوقظ كقوله:(مااجبن الشعر ان لم يركب الغضبا)

نزار قباني مليك القصيدة الغيداء، ووتر الأغنية الصادحة بهديل الورقاء، عزف الجرح العربي مرا ت ومرات، فأوصله حد البكاء، وربما اللطم، فهو عاصر حروب العرب مع اسرائيل، وبكت كلماته لهزيمة حزيران، وظل شعره يجيش الما وحسرة، لما أصاب ويصيب الأمة من هزائم وجراحات ونكبات، كما ان شعره غاص في أعماق المجتمع، فقدم لنا ورقة النقد الاجتماعي، لما يسود في المجتمع من عادات وخزعبلات وأوهام .

اما شعره النقدي اللاذع لسياسات العرب، كقوله: (انعي لكم نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة)، وكقوله: (بالناي والمزمار، لايحدث انتصار)، فهو موجه بطريقة الإصلاح لاطريقة التهديم، وهو اشبه بمقص العمليات الجراحية المستخدم لإزالة الاورام والقروح، وهو لايدل على قلب هجائي اسود، وإنما يدل على قلب ابوي كقلب (يعقوب ع)، وحزن كحزن يعقوب على يوسف ع، وكذلك حزنه على ولده الآخرين، فالشاعر دوما يوصل رسائلنا، لكنه لايتجنى علينا أكثر من ذلك، فما يقوله الشاعر عنا هو فينا، فلم يكن الشاعر منافقا ليخفي مارأته عيناه فينا من الم وعبث ظاهرين في عدسته، فعلينا ان نحسن الظن والنظر في عدسة الشاعر، فما فيها علينا أوضح مما في غيرها لنا .

نزار قباني شاعر فلسطين وشقيق القدس، لذلك يقول: (الى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية) ..

ولديه كذلك خروقات شعرية، البعض يضعها في سلة الكفر سأتعرض لها لاحقا إن شاء الله تعالى، ولو عاش نزار حتى عصرنا التكفيري الإجرامي هذا، لكفر بنا وبعاهاتنا وظل كذلك من الصباح وحتى المساء!

ولكي أكون منصفا مع شاعري، فيما هو له، وما هو عليه، اجد انه يؤاخذ بأمرين: لولاهما لكان شاعر الملاك الأول: هما التكرار لغاية في نفسه لاغاية في نفس قارئه وتحديدا في قصائد التفعيلة لديه كقوله من قصيدة بلقيس: (شكرا لكم شكرا لكم) وكقوله من قصيدة إلى امرأة لامبالية: (في طبعك التمثيل- في طبعك التمثيل)، والأمر الآخر المؤاخذ عليه عندي: انه لم يكن أنيقا في اختيار عناوين قصائده البهية، وهذا لايقدح بشاعرية فذة عنوانها نزار قباني..

 

salis najibyasinلعلنا نسمع او سمعنا كثيرا عن مصطلح العقل الباطن او الاوعي او حتى اللا شعور بمسماه النفسي القديم وكل المصطلحات تصب في اناء واحد ولدا يمكننا القول بان العقل الباطن هو دلك الجانب الخفي او يمكن تشبيهه بما هو وراء الستار كما في المسرحيات مثلا تحدث عمليات كثيرة في الخفاء قبل ان تخرج للجمهور الدي يرا ويقيم الموجود دون رؤية الخفايا

ويمكن تشبيهه ايضا بالسلة او الغرفة الواسعة التي يمكن ان تستقبل كل ماتلقته من معلومات في حياتها وسواء اكانت مفيدة او غير مفيدة سلبية او ايجابية فهو مستعد للتخزين دون ملل او تعب فالانسان الدي هاجمه كلب في صغره مثلا سيتغير موقفه وردود فعله اتجاه الكلاب حسب شخصيته ومختلف استيجاباته فممكن جدا ان تكون له ردود فعل غير عادية اتجاه رؤيته للكلاب و دلك ان العقل الباطن سجل موقفا او تجربة من شانها ان تؤثر على مدى استيعاب و احتواء الانسان لها وهدا جزء من ادارة العملية الكبيرة .وبما ان العقل الباطن او الاوعي يسجل كل شيئ فمن الطبيعي ان تحلم في منامك بموقف يشبه كثيرا ما حصل لك اثناء يومك في النهار ونفس الشيئ بالنسبة للتفكير فادا ادمنت التفكير في ان مديريك في العمل سوف يوبخك في تاخرك على انجاز المهام فان الفكرة ستراودك رغم عنك وتعاد عليك فالتفكير الزائد والمستمر في نفس الشيئ يجلبه لك من نفس النوع وادا استمريت وبكثرة يتحول الى وسواس. العقل الباطن يمكن ان يؤثر على عديد المواقف في حياتنا ولهدا فينبغي فهمه و التعامل معه بحكمة ورصانة و مرونة كبيرة دلك ان العقل لا يفرق بين الصواب والخطا ولدا يجب الانتباه لادراكاتنا اتجاه الاشياء و بصفة شبه مستمرة فلا يعقل ان غرقت في مكان ما في الشاطئ او البحر ان لا تعيد الدهاب الى نفس الشاطئ او البحر لانك سوف تغرق. ولدا فان الحوادث التي تصبح اعتقادات جازمة في عقلنا الباطن ونفوسنا يمكن تغييرها و التخلص منها تدريجيا بالتدريب و الصبر والارادة مع قليل من الوقت ويمكن ايضا ان يستعمل الاخر او الاخرون العقل الباطن ضدك و بطريقة لا شعورية توجه نحو ما يراد لك وانت غير مدرك للعملية التي تشبه نوعا من العادة او الادمان والاستدراج فرؤية نفس الاشهاراو الدعاية الاعلامية مرار و تكرار ستجعلك تتقبل الشيئ دو ن مبلاة او تحليل وادراك عميق. العقل الباطن ايضا بامكانه ان يستحضر صورا من احلامك السابقة او من ماضيك فهو جزء لا يتجزا من الداكرة ان اخدنا الامر من جانبه النفسي كما يمكنه ايضا ان يصعد لك ولدهنك صور لمكان تزوره للمرة الاولى من حياتك وانت تقول في نفسك وكاني زرت المكان من قبل. كما يمكن للعقل الباطن ان ينخدع بسهولة في جانبه النفسي كان تشعر باعراض المرض بعد ان شفيت منه من جراء معاودة نفس التفكير فيه (اي المرض وحالاته). ويمكن القول ايضا ان المشاعر السلبية الكئيبة العابرة والتي يمكن ان تشعر بها فالعقل الباطن هو المسؤول عن اخرجها لك وبصفة منظمة محكمة و تلقائية

فسبحان خالق هدا الانسان وهدا العقل بكل هدا الابداع والاتقان والتقدير الكبير

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

 

faroq mawasi(ترجم) كلمة وردت في المعاجم القديمة، ففي (لسان العرب) التُّرْجُـمان  والتَّرْجَمان (بضم التاء وبفتحها) المفسّر للسان، الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، والجمع التراجم، والترجمة هي المصدر.

الكلمة واردة في اللغات السامية ففي العبرية תרגם (تِرْچـِم) من لغة إلى أخرى، ومثلها في الآرامية والحبشية والأكدية (كما يذكر معجم ابن شوشان).

..

لكن هناك معنى آخر لم يرد في (لسان العرب)، فترجم لفلان عرّف به وذكر سيرته، وتراجم الأدباء سيرهم، وقد استخدمت هذه اللفظة في تراجم الصحابة، ومنها كتاب ابن القَيسراني (في تراجم الصحابة)-  وهي في مؤلفات كثيرة، منها: أبو حيان التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة) وصلاح الدين الصفدي في (أعيان العصر وأعوان النصر)، ولسان الدين بن الخطيب في (الإحاطة في أخبار غرناطة) وابن خَلَِكان في (وفيات الأعيان) وغيرهم.

..

وردت اللفظة  بمعناها الأول في الشعر القديم، فوجدت نماذج من استعمال الكلمة:

قال الأسود بن يعفُر وهو يجمعها على (تراجيم):

حتى تناولها صهباء صافية *** يرشو التَِجار عليها والتراجيما

يشرح عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر المعنى في المفَضَّليّات (القصيدة رقم  125:

 "يريد التراجمة، لأن باعة الخمر عُجم يحتاجون إلى من يُفهم الناس كلامهم".

..

يذكر المتنبي وبوضوح أجواء الترجمات ونقل الكلام من لسان إلى لسان، وذلك في ساحة المعركة:

تجمّع فيه كل لِسْنٍ وأمةٍ *** فما تُفهمُ الحـدّاثَ إلا التراجمُ

(الحدّاث = المتحدثين)

ول في وصف شِعب بّوّان:

ملاعب جِنّة لو سار فيها ***  سليمان لسار بترجمان

..

ومن النثر:

"وكان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي، وفي صحيح البخاري أن النبي أمره أن يتعلم كتاب اليهود، يقول زيد:

كتبت للنبي كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه".

(صحيح البخاري، رقم 7195)

..

دعا رستُم (وهو فارسي) بالمغيرة فجاءه حتى جلس على سريره، ودعا رستم ترجمانه، وكان عربيًا من أهل الحِيرة يدعى عَبود، فقال له المغيرة: ويحك يا عبود أأنت رجل عربي؟ فأبلغه عني إذا تكلمت كما تبلغني عنه إذا كلمني.

(الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج3، ص 524)

..

أخذت اللفظة (ترجمان) معنى مجازيًا هو التعبير، نحو قول الوأواء الدمشقي:

ما إن تلجلج منطقي عن حُجّتي *** إلا وذكرُك ترجمان لساني

البحتري:

وفي عينيك ترجمة أراها *** تدل على الضغائن والحقود

وقال ابن حمديس:

مَن بِشْرُه ترجم عن جوده *** والجود في البِشْر له ترجمانْ

...

في كتابي (من أحشاء البحر، ص 126) اتسعت في المادة، وسأقتطف منه:

غير أن (ترجمان) لا تأتي دائمًا بمعنانا هذا، فقد تكون بمعنى إفصاح فابن مسعود لُقب "ترجمان القرآن"، والسيوطي يقول في الإتقان....." وقد سميته ترجمان القرآن " (انظر: الإتقان ج1  ص446) ومن أقوال العرب إن "القلم واللسان كلاهما للقلب ترجمان".

وما جرى مع (ترجمان) هكذا وردت (مترجم) بدلالتين، فيقول النووي مثلا في روضة الطالبيين ص 1231:

"فإن كان القاضي يحسن تلك اللغة فلا حاجة إلى مترجم...ويستحب أن يحضره أربعة ممن يحسنها ".

إذن، ليكن تبنٍّ أو اتفاق، فنأخذ المترجم الشائعة والذائعة لأكثرهم عملا، فإذا باشر الترجمة تلقائيًا أضفنا لفظة (فوري).

أما (ترجمان) فقد جعلتها للمترجم الآلي، فلا أحتاج أن أقول (ترجمانة) إذا كانت من تترجم امرأة (ولم يكن فيما أعلم للعرب بها سابق عهد)، وأجعل الصيغة مختصة بالآلة، وهي توحي بذلك آليًا وصوتيًا، وهذا رأيي.

 (ثمة نقاشات في الموضوع أثبتّها في كتابي، لمن يرغب بالاستزادة).

...

وبعد،

فقد اطلعت على مقالة كتبها الصديق الباحث د. عبد الرحمن السليمان، وأود إثباتها للفائدة لما فيها من جهد في التحقيق:

"وللتمثيل على التأريخ التأثيلي للكلمة ننظر في كلمة (ترجمة).

يقول ابن منظور في "ترجمان: "الترجمان، بالضم والفتح،: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من إلى لغة أخرى، والجمع التَّراجم، والتاء والنون زائدتان".

ويقول ابن منظور أيضًا في مادة /رجم/: "الرَّجْم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم ... والرَّجْم: القول بالظن والحدس ... وراجَمَ عن قومه: ناضلَ عنهم".

ويقول ابن دريد: "ورَجَمَ الرجلُ بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم.  وأَرْجَمَ الرجل عن قومه، إذا ناضل عنهم ... والمراجم: قبيح الكلام؛ تراجمَ القومُ بينهم بمراجمَ قبيحة، أي بكلام قبيح".

وباستقراء الجذر /رجم/ في اللغات الجزيرية يتبين أن معناه الأصلي "الكلام، المناداة، الصياح، القول الغريب، التواصل". فكلمة "تُرْجمُانُ" في الأكادية – وهي أقدم اللغات الجزيرية تدوينًا – مشتقة فيها من الجذر /رجم/، والتاء والنون فيها زائدتان.

 أما في الأوغاريتية فيعني الجذر /رجم/ فيها "الكلام".

والمعنى الغالب للجذر /رجم/ في العربية هو الرجم بالحجارة، إلا أن أهل التفسير يقولون إن "الرجم" في هذا المقام هو السباب. فالرجيم هو "المشتوم المسبوب". ويفسرون قوله تعالى "لَئِن لم تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّك" أي "لأَسُبَّنَّك". وهذا يعني أن "الرجم" فعل لساني (أي كلام) وليس فعلاً يدويًا (أي رجم بالحجارة أو بغيرها).

إذن: المعنى الاشتقاقي الأصلي للاسم /ترجمان/ وللفعل /ترجم/ هو "الكلام غير المحدد".

فهو "الصياح" في الأكادية، و"الكلام والقول" في الأوغاريتية، "والظن" في العربية (الرجم بالغيب)، وكذلك "السب والشتم والتَّراجُم أي التراشق بالكلام القبيح".

 وعندي أن "الكلام غير المحدد" بقي "كلامًا غير محدد" حتى اليوم لأن معنى "التُّرْجُمان" الأول هو المترجم الشفهي الذي يترجم كلامًا غير محدد سلفًا- أي غير مفهوم بين اثنين يتكلمان لغتين مختلفتين، وهو كذلك في الأكادية (تَرْجُمانُ) والعبرية (= תרגמן /تُرْجُمانْ/) والسريانية (ܬܪܓܡܢܐ /تَرْجْمونُا، وفي العربية.

 وعن الشعوب الجزيرية أخذ اليونان كلمة "ترجمان" (Δραγουμανος = Dragoymanos)، وعنهم أخذها الفرنسيون (= Dragoman/Drogman) والإنكليز = Dragoman)  ) وغيرهم من الأمم. وأول من مارس مهنة الترجمة في التاريخ هم الأكاديون الذين اضطروا إلى ترجمة بعض المصطلحات السومرية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالكتابة المسمارية التي اخترعها السومريون، فترجموها إلى لغتهم الأكادية.

ومما حفظ الدهر لنا من أوابد الأكاديين ألواحًا تحتوي على مسارد لغوية باللغتين السومرية والأكادية. وهكذا نرى أن علم صناعة المعجم ولد مع علم الترجمة وظلَّ يلازمه حتى اليوم".

للتوسع- انظر المقالة في موقع (جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات).

 

ب. فاروق مواسي

 

 

mohamad aldamiللإجابة على السؤال المهم أعلاه، يتوجب على المرء أن يلاحظ غياب التعريف الدقيق للفظ “نخبة”، خاصة في ثقافة مجتمعاتنا. أما مسألة تحديد النخبة الفكرية، فهي لذلك مسألة أعقد وأكثر عصيانًا على الحل، نظرًا لاختلاط مفهوم النخبة الفكرية، في دواخل الذهنية العربية، بمفاهيم “نخبوية” أخرى، بل ومن نوع آخر تمامًا، الأمر الذي يساعد المتابع (العربي خاصة) على المزيد من الخلط واللغط والتداخل والغيمية.

وإذا ما أردنا الارتجاع إلى أفضل من حدد مفهوم ومعنى “النخبة الفكرية” (على المستوى العالمي في سياق تاريخ الأفكار)، وأقصد المفكر البريطاني “ماثيو آرنولد” Matthew Arnold، فإن على المرء، قبل ذلك، عزل هذا المفهوم الأفضل نسبيًّا عمّا اعتوره من مفاهيم وجدت لنفسها مواطئ في دواخل الذهنية العربية القابلة لكل شيء، كما يبدو. ومرد ذلك كله يرجع إلى بداية عصر الاستقلال السياسي في العالم العربي، إذ حاولت الحكومات العربية وقياداتها الناشئة حقبة ذاك الخلط بين مفهوم النخبة الفكرية، من ناحية، ومفهوم النخبة الحاكمة، من الناحية الأخرى، بل وعلى نحو لا مسؤول. للأسف وسبب ذلك، بطبيعة الحال، هو نزعة الاستحواذ والهيمنة غير المحدودة التي ابتليت بها بعض الشعوب العربية والإسلامية بسبب الأنانية التي دفعت الحاكم إلى محاولة الهيمنة على كل شيء، ومن هذه الأشياء (التي أرادها لنفسه فقط) إحالته فكرة النخبة الفكرية الى ذاته: فهو يريد أن يكون “نخبة حاكمة”، و”نخبة غنية”، و”نخبة إقطاعية” وإن يكون كل ما أمكن من “نخب”.

لذا اختلط المفهوم في دواخل الذهنية العربية كما لاحظنا أعلاه، خاصة بين “النخبة الثرية” و”النخبة الحاكمة”، باعتبار أن الأولى هي التي تتولى السيطرة الاقتصادية على أقدار المجتمع؛ بينما تتولى الثانية السيطرة على كل ما عداها من مراكز قوة وسلطان، كالتشريعية والتنفيذية والاعتبارية النفسية. هذا، بالضبط، ما يجعل أفراد التخبة الثرية يخشون، أيما خشية، النخبة الحاكمة، باعتبار قدرة الأخيرة على مصادرة ما تملك النخبة الثرية الأولى، باستخدام وتوظيف أدوات متنوعة، ومنها أدوات القانون وقوات فرض النظام والمحاسبة والرقابة. لهذا يتمسك أعضاء النخب الثرية بتكرار امتداح وتعابير الولاء إلى صاحب النخبة الحاكمة بوصفه “ولي النعمة”.

أما النخبة الفكرية الحقة التي نتطلع إليها في مجتمعاتنا العربية على نحو خاص، فهي تلك “النخبة الفكرية” التي أراد “آرنولد” المذكور في أعلاه، لها الاضطلاع بقيادة المجتمع نحو الاستنارة والتقدم الحقيقي في ظل العدالة الاجتماعية، شريطة عدم المساس بثوابت أخلاقية وروحية محددة. بيد أن المعضلة العصية على الحل في هذا السياق تأخذ أقوى صورها في دولنا العربية نظرًا لأن القائمين على النخبة الحاكمة وأعضائها يرومون أن يحلوا محل بقية النخب، أي النخبتين المالية والفكرية خاصة، فيهرع هؤلاء إلى ما يسمى بــ”رعاية الثقافة والآداب والفكر والفنون”، كخطوة أولى إلى محاولة الحلول محل النخبة الفكرية. وهذا ما جعل الحاكم ينشر “قصيدة” أو يكتب وينشر رواية على سبيل المثال، باعتبار أنه لا يفتقر فعلًا لأي شيء، لا للموهبة ولا للمال ولا لجبروت السلطة، خاصة بعد أن يعزز هذه الخطوات الوهمية والموهومة بعمليات ضم الأراضي وشراء ما يمكن من أدوات السيطرة على الاقتصاد، فيصعد تلقائيًا إلى صفوف أعضاء نخبة الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال من خلال تملكه الأراضي والمعامل والمؤسسات التجارية، من بين سواها من أدوات صنع المال وكنز الأرباح.

وكنتيجة نهائية، يجد أعضاء النخبة الفكرية الحقيقيون أنفسهم وقد فقدوا دورهم وأدوات تعريف هذا الدور اجتماعيًّا وأخلاقيًّا في مجتمعاتهم. وكدلالة نهائية تجد العقول الذكية الجبارة والمثقفة نفسها وقد أحيلت على التقاعد قبل الأوان وعلى حين غرة...

 

 

ali mohamadalyousifهل يستطيع المثقف العربي العيش وسط مجتمع متخلف؟! سؤال قرأته للمفكر العربي د.عبد الله عبد الدايم قبل اكثر من ربع قرن مضى، وصادفتني مقولة للكاتب والروائي الانكليزي كولن ويلسون في ذات المنحى حينما تساءل: هل يصنع الحياةاولئك الذين يحبون صنع الكلمات، ام الذين يحبون صنع الحياة؟! واضاف ان المجتمع يموت برأسه وليس من قدميه.

ولكي لا تذهب بنا التفاصيل من وضع اجابة محددة سطحية لا تتعدى كلمة او كلمتين، نظلم بها الاستاذ المتسائل عبدالله الدايم كما نظلم عن قصد وقصور فهم انفسنا في تساؤله العميق وتأشيره آفة مجتمعية رجعية تأكل حاضر ومستقبل الوطن العربي .وبصرف النظر عن اي نوع من المثقف او المثقفين يقصدهم الاستاذ عبدالله الدايم في تساؤله، وبغض النظر ايضا عن درجة ومستوى أيّا من المجتمعات العربية المتخلفة يقصد .فالمجتمعات العربية وان كان يجمعها التخلف كافة، لكن يفرقها درجة ومستوى التخلف، وفي اي الجوانب من اساليب حياتها نجده .فتخلف المجتمع الصومالي هو قطعا غيره ولا يشبهه تخلف مجتمعات عربية اخرى، كالسعودية، مصر، العراق، ليبيا، اليمن، وهكذا.

وفي تحاشي الانزلاق في تفاصيل لا حصر لها من التباينات والاختلافات في دراسة التخلف في الوطن العربي، سنأخذ نموذجين جاهزين من مثقفي التخلف، تاركين تقصي اسباب تخلف المجتمعات العربية لذوي الاختصاص والدراية .

في النموذج الاول من مثقفي التخلف، نجد انه لا يستلزم اصلا الحاجة له مجتمعيا، وتنتفي حاجة بقائه وسط مجتمع متخلف يحتاجه، لان ثقافة هذا المثقف غاطسة مفهوما، معرفة، ممارسة، سلوكا، تطبيقا،  وتعاملا مع الآخرين والحياة،  هي واقعة في دائرة الجدل والشد والجذب بين اصالة ثقافية قد يحملها او يدّعيها، اوضحالة ثقافية انتفاعية متسلقة غير مسؤولة  ولا ملتزمة، يتباهى بحملها في المناسبات الاستعراضية الاعلامية او الثقافية، ويباهي استغفال الناس بها .

فهو بدءا لايعرف وطنه في محنه ومآسيه وكوارثه، تاركا اياه اما مهاجرا عنه، او منعزلا عنه لايهمّه أمره في قضية او مصير .واذا ما هيئت له هالة من الاضواء المنافقة في التسويق، عندها يشهر استاذيته الثقافية، وتنحصر مسؤوليته المجتمعية، بمواعظه الانشائية، ونصائحه الكتابية او تحليلاته الاستراتيجية الفضائية اما من احدى عواصم العالم الذي استجدى موافقة الاقامة فيها .او من وراء جدران الجامعات والمؤسسات الثقافية والاعلامية رسمية كانت او غير رسمية

التي تمنح الرواتب والامتيازات،  بما يليق به كأحد النخب الاكاديمية الاجتماعية وبذلك يأتي بالمرتبة الثانية بعد اعضاء حاشية السلطة وازلامها من المرتزقة السياسين . الذين يتاجرون بمصائر شعوبهم.هنا اعتذر وبشدة عن التعميم اذ من خلال ما وجدته من حرقة كتابية والتزام قضايا الوطن على صفحات(المثقف) من مثقفين ومفكرين وادباء يجعل من التعميم افتعالا في غير محله،  اذ انا اعايش كتاباتهم وهم في بلدان الغربة موزعين،  واعرف حميمية ارتباطهم بوطنهم.

اما النوع الثقافي الثاني المستنسخ عن الحالة الاولى التي مررنا بها ويستبطنها فهم التساؤل في المراد  تحقيقه  نجد ايضا لاجدوى من مثقف يحمل افكارا (اسفارا) او موهبة في جنس ادبي واحد او اكثر ويجد في هذا التمايز المجتمعي الثقافي حقيقيا ام زائفا تبعا لما يمتلكه،  طريقا سالكا نحو الشهرة والحصول على الامتيازات بالمتاح امامه من وسائل تسويق  تلميع خادعة مخاتلة على حساب توظيف الموهبة الحقيقية في محاربة التخلف.  فنجده في ازدواجية انفصام الثقافة عن السلوك والممارسة والعلاقات مع غيره اجتماعيا بما يماشي التخلف والمخطوء في الحياة ويأنس التراجع المجتمعي العام  لينأى بنفسه عن دوخة الراس وتجنب المتاعب وقد يجد او لايجد في موقفه المتخاذل هذا،  انه مشارك اساسي في  صناعة وادامة التخلف الاجتماعي،  على انه من طبائع الامور التي لا يمتلك الانسان وسيلة تغييره .فيصبح مفهوم الثقافة عند كلا النموذجين الثقافيين يحتاج الى تساؤلات ادانة عديدة، واشارات استياء لان الثقافة تحولت عندهما من ثقافة الاسهام في بناء مصير ومستقبل بلد يعيش الكوارث والمآسي يوميا، الى ثقافة هامش استعراضي رخيص في لفت الانظار والظهور الاعلامي التسويقي في ابشع صورة امتهان للثقافة الجادة واستغفال المجموع الشعبي من شرائح الامية الثقافية او شرائح الامية الابجدية المتخلفة.

هنا نصل لتساؤل مفصلي اين يكمن الخطأ ؟ بالمثقّف المزّيف ام بالمجتمع المتخلف؟ ام بكليهما معا المثقف والمجتمع،  وكيف تكون المعالجة ؟ وهل تلازمهما العضوي المتماسك في اعتياش احدهما على تخلف الآخر يكمل بعضه بعضا، وبالتالي يكون مطمح مجاوزة التخلف اكذوبة يتقبلها المثقف كممارسة انتهازية انتفاعية،  كما يتقبلها المجتمع المتخلف كنوع من الحياة المقسومة المفروضة قهريا يتحتم ان يعيشها ويحتملها،  حتى لو كانت الوأد  للحياة في ادنى مراتبها الانسانية . لذا يصبح لدينا معادلة متكافئة هي اينما تجد مجتمعا متخلفا،  تجد ثقافة ضحلة تعتاش عليه وتساهم في صنعه وادامته . ولا نستغرب اذا ما وجدنا سياسيا متخلفا ثقافيا يسلك كل الطرق وراء جمع المال وراحة البال وكسب الامتيازات فقط على حساب المجتمع المتخلف المحروم، وقل مثل ذلك في كل مناحي الحياة التي يسودها التخلف والفساد، حين تجد الكثيرين من الذين يصرون على سيادة القناعات والسلوكيات الخاطئة وتعميمها،  لان في تفشيّها اجتماعيا انما تمثل عندهم الحبل السري في تغذية بقائهم وتمرير جميع ممارساتهم المحرّمة في حق مجتمعاتهم .اذ نجد توظيف التخلف المجتمعي مطلوبا ثقافيا ان صح التعبير،  حين يكون في جميع صنوفه والوانه هو وسيلة كسب الشهرة والراحة بمختلف الوانها،  ولم يعد الفن لا في خدمة الفن ولا من اجل الحياة،  ففناني الغناء والرقص ومافيات الجنس المقنّعة والمفضوحة،  حتى بعض فناني التشكيل والرسم، والتمثيل والمسرح والرياضة الخ ....فهم جميعا مشغولون في التسابق الى (عرب خليجي) فهناك وبكل الوسائل المعلنة والخفية يجري اقامة بناء ثقافة متخلفة هابطة ابتذالية مليونية،   تستقطب غالبية طالبي الشهرة الفاشلين من الفنانين العرب ومن ضمنهم تشترى اسماء معروفة ثقافيا وفنيا جادة بالمال كي توظف في التنكّر لقضايا مجتمعاتها المصيرية وتنكرها لضميرها في خلط الاوراق والحقائق.

ويقف على هرم مسؤولية هذا البناء الثقافي التافه اشخاص جهلة يشترون كل شيء بالمال الحكومي الذي يغدق عليهم في المسابقات غير النزيهة وتوزيع الجوائز المزاجية،  وعقد المؤتمرات واقامة البرامج والحفلات الغنائية التي تستقطب وتصرف شعوب الوطن العربي عن حقيقة تخلفها الثقافي الحضاري وتعطيل دور الفنون والرياضة وغيرها ان تكون عوامل هادفة لتحفيز يقظة الشعوب العربية،  ولا علاقة لهذه الانواع من الانشطة بالثقافة والفنون والرياضة  التجارية بمصائب وكوارث الوطن العربي ان لم يكن توظيفها اسهاما مقصودا في ادامة وتعميق هذه الكوارث فقط خارج مجتمعاتهم، ويوجد وللأسف من المثقفين والفنانين والرياضيين العرب من يبيع وطنه وامته في مقابل عقد عمل في احدى دول الخليج لمدة عام،  وما اكثرهم في مقدمتهم العراقيين واللبنانيين والمصريين من المثقفين والفنانين والعاملين في الوسط الرياضي.

 

علي محمد اليوسف-الموصل..