نور الدين صمودعرفنا في بداية تكويننا الثقافي والعلمي اسم العالم الموسوعي الكبير فؤاد أفرام البستاني عن طريق سلسلة "الروائع" التي كان يُعَرِّفُ فيها بالشعراء والكتاب والعلماء والأدباء العرب من الجاهلية إلى العصر الحديث، ثم عرفته شخصيا بعد ذلك عن كثب في الجامعة اللبنانية ببيروت، [1958/59]عندما كان رئيسا لها، وكانت له فيها محاضرات ودروس يلقيها على طلبته، وغالبا ما لم يكن يتقيد فيها بموضوعها الأساسي بل يتوسع فيها توسعا محمودا ويفتح فيها أقواسا تفضي إلى أقواس، وقد بقي منها في الذاكرة الشيء الكثير في شتى المواضيع الخارجة من عناوينها الأساسية، من ذلك أنه تعرض مرة إلى (البهائية) تعرضا علميا يمكن أن يجده من يريد أن يعرفه في كتب الأعلام وفي دوائر المعارف، ويهمني هنا أن أذكر أنه ذات مرة، بعدما تحدث عن هذا النِّحلة المزعومة، تعرَّضَ تعرُّضا طريفا إلى زعيمها عبد البهاء، وما زلتُ أذكر أنه قد قال عنه، (إن جبران خليل جبران كان سبب شهرته في أمريكا، وذلك أنه رسمه رسما جميلا، فتعلقت به كثير من النساء الأمريكيات واعتنقن دعوته أو ما دعاه دينا).

ولعل هذه الكلمة من أستاذنا البستاني لم تكن لِتعلقَ بذاكرتي لو لم أكن قد عرفت في تونس من أتباعه اثنين التحق به اثنان: أخ وشقيقته من مصر في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ولم تكن لي صلة إلا بواحد من التونسييْن لإشرافه على حصة أدبية كان يذيع فيها ما يصله من محاولات (الأدباء الهواة) بالإذاعة التونسية آنذاك عندما كنت في بداية الطريق، ثم توطدت علاقتي به بعد ذلك وعرفته معرفة ثقافية، ورغم ذلك فإنه، للحقيقة والتاريخ، لم يحدثني عن هذا المذهب، ولم يحاول جذبي إليه، وقد صار يفخر، عندما أصبحت معروفا في عالم الأدب، بأنه أول من قدم شعري إلى المستمعين في الإذاعة التونسية.

ثم مرت على ملاحظة البستاني المتعلقة برسم جبران الذي كان سببا في شهرة زعيم البهائية عقود كثيرة كادت تنسينيها، وقد قفزت إلى ذاكرتي تلك الملاحظة، عندما كنت أقرأ رسالة كتبها جبران إلى صديقته الأمريكية (ماري هسكل) منشورة في كتاب (من وحي رسائل جبران) المجموعة الأولى اختارها وترجمها بتصرف إميل خليل بيدس) وهي مؤرخة في 19 نيسان (أفريل) 1912.

ومن خلالها نفهم أن جبران قد نام مهموما ليلة ذلك اليوم تحت كابوس من جراء ما حل بسفينة "تيتانيك" التي غاصت في البحر قُبيل كتابة تلك الرسالة بخمسة أيام، واستفاق على ذلك الكابوس الذي سماه المترجم ضاغوطا.

وهذه هي الرسالة بتارخ 19 نيسان "أفريل" 1912 (قبيل الفجر، داعب جفني الوسنُ. الهواء متشرِّبٌ برائحة المأساة. "التيتانيك" التي غاصت في اليَمِّ بما تحمله من بشر..نغّصني الفِكرُ، ورمضتني الكارثة – هؤلاء الأبرياء – ذرفتُ الدمع الهتون.

نهضت في السادسة وضاغوط الكارثة لا يفارقني..ولكن الاغتسال بالماء البارد، ثم فنجان القهوة فرّجا عن مخنقي).

وانتقل جبران في تلك الرسالة إلى الحديث عن رسمه لعبد البهاء، فذكر الوقت الذي بدأ فيه رسمه والوقت الذي انتهى فيه منه، وإلى الحاضرين والحاضرات بصفة خاصة، وذكر الانطباع الذي خلفه رسمه في نفس صاحبه ونفوس أتباعه وفي نفس جبران أيضا فقال:

(في السابعة والنصف كنت مع عبد البهاء، رئيس البهائيين في بلاد فارس. في الثامنة بدأنا العمل. وتوافد الناس وجُلّهم من النساء. جلسوا خاشعين ينظرون بعيونٍ لا تَطْرِفُ. في التاسعة اكتمل الرسم وابتسم عبد البهاء. ما هي إلا كفتحة عينٍ وغمْضتِها حتى أقبل عليَّ الحاضرون باندفاع عجيب، هذا يهنِّئُني، وهذا يشد على يدي – كأنني أسديتُ لكل واحد خدمة – وهذا يقول: معجزة! هبط الوحْيُ عليك! وذاك يقول: اكتشفتَ روحَ المعلم! كلٌّ قال كلمته..وقال هو باللسان العربي: "الذي يعمل مع الروح لا يفشل، فيكَ قوَّةٌ مستمَدّةٌ من الله!" واستدرَك: "الأنبياء والشعراء يرتوون من نور الله!" وتبسّم ثانية – وكانت في بسمته قصة عاصفة، قصة سوريا وبلاد العرب وبلاد فارس.

أتباعه أحبّوا الرسم لأنه صورة كالأصل..وأنا أحببته لأنه تعبير عن الناحية الأفضل مني.

جفوني ثقيلة، الكرى أثقلها. أتكفيني ساعاتٌ ثلاث؟ أنام فيها وأستعيد القوة المبددة؟! [الإمضاء] "خليل" ) ومن خلال هذه الرسالة تأكدتُ أن أستاذنا البستاني قد كان على علم بهذا الرسم الذي رسمه جبران لعبد البهاء، وأن ما قاله لنا مطابق لما وقع في أوائل القرن الماضي، أما أنه كان سببا في شهرته فهذا يحتاج إلى ما يؤكده.

وقد كتب جبران رسالة أخرى إلى ماري هسكل في 16 أياّر(ماي) 1912 أي بعد أقل من شهر من الرسالة السابقة، تحدث فيها مرة أخرى عن عبد البهاء فقال: (عاد عبد البهاء إلى نيويورك منذ أيام قليلة. أقامت له لجنة السلام النسائية حفلة كبرى في فندق أستور، تكلم عدد من الخطباء، وكان السلامُ موضوعَ الحديث الذي هطلت به الألسنُ. السلام...السلام... السلام الدولي..العالَمي. شيء مملٌّ، إعادة متعبة، بلا طعم، بلا نكهة، السلام...السلام...ترديد وإعادة.. جرس على وتيرة واحدة. السلام منية الدهور، والدنيا أصغر من أن تبلغ الوطر. أنا أقول: ليكنْ هناك حربٌ! ليستعرِ الأوارُ! ليقتتل أبناء الوطن إلى أن تُسفكَ آخرُ قطرة من الدّم الملوّث! لماذا يهجس الإنسان بالسلام وهو محروم من راحة النفس في نظام يستحق الزوال، بلْهَ محكوم عليه بالزوال). "خليل"

وهي رسالة تستحق التأمل والتمعُّن والتحليل، نفهم منها أن جبران لم يكن متأثرا بما يَدَّعيه البهاء وأتباعه في أمريكا خاصة، ويبدو أن أتباعه كانوا مبهورين بهيأته ومظهره وأُبَّهَتِهِ وببهجته وبالرسم الذي وضعه له جبران أكثر من إعجابهم بما يدعو إليه من نِحلة، وأما دعوته إلى السلام فهو شعار خلاب يجلب الجميع، لكن الكلام الذي كانوا يرددونه في ذلك الاحتفال، كان اجترارا باردا غير مقنع أو مؤثِّر.

وقد أبدى جبران في رسالته لصديقته الأمريكية رأيا غريبا حول الحرب والسلام يحتاج إلى نقد ومناقشة وَرَدٍّ لمعرفة أسبابه ودواعيه.

وقد بحثت عن ذلك الرسم الذي رسمه جبران للبهاء فلم أجد فيه الأبهة الفاخرة والروعة الباهرة التي تخيلتها من خلال وصف أستاذنا صاحب الروائع لصاحب الدين البهائي الذي يتخذ أتباعه من يافا بفلسطين المحتلة مستقرا ومحجا يجمع شمل أتباعه، وأكتفي بهذه الكلمة التي لم أكن لأكتب عنها لو لم يبعثها في ذاكرتي ما قاله أستاذنا البستاني رحمه الله.

 

أ. د: نورالدين صمود

 

علي المرهجفي سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية أنتجت دائرة السينما العراقية فيلماً سينمائياً بعنوان "الحدود المُلتهبة" وهو تسجيل لبعض من آلام الجنود العراقيين أيام هذه الحرب ودعم لمعنوياتهم شارك في انتاجه ما يُسمى حينذاك (مُديرية التوجيه السياسي) التي تم تعديل الإسم فيما بعد لتكون (مُديرية التوجيه المعنوي)، وهي مُديرية نشطة مهمتها رفع معنويات المقاتلين أيام الحرب سواء بانتاج أغان وطنية، وهي في الأغلب الأعم تتغنى لا بحب الوطن بقدر ما يتغنى شاعرها وملحنها ومؤدوها بشجاعة "القائد الضرورة"، وعلى ما يُوجه لهذه المديرية من نقد إلَا أن العارفين في مُتطلبات الانتصار في الحرب هو دور الإعلام فيها أو ما سماه (صلاح نصر) مُدير المخابرات أيام عبد الناصر بمصر (الحرب النفسية) التي من متطلباتها رفع معنويات المقاتلين وصناعة الخبر بما يخدم قادة الحرب ويُحسن من صورتهم بوصفهم القادة الأمثل في هذه المرحلة وبما يجعل الجنود أكثر وثوقية بقدرة هؤلاء القادة على تحقيق النصر وبمعنويات عالية، ولا مكان لرفع معنويات الجنود (المقاتلين) في الحرب في رؤى الفلاسفة والمفكرين التأمليين الحالمين بمعرفة الحقيقة، لأن إحدى أهم وسائل تحقيق الانتصار هي ايهام العدو بأنه على باطل في حربه، وايهام الموالي بأنه إن كان هُناك ما يقتضي الإيهام بأن حربه مع العدو هي حرب مُقدسة، وأظن أن كلا طرفي النظام: العراقي والإيراني استخدم لغة (الحرب النفسية) هذه بتوصيف حربه مع الطرف الآخر على أنها (حرب مُقدسة)، وهي حرب على (الباطل) كي ينتصر (الحق)!!، وبالضرورة كل طرف في الحرب يصنع حقيقته أو قُلَ (وهمه)، ففي الحرب الغاية النصر، والوسيلة تختلف بحسب أيديولوجيا كل طرف في الحرب، ولكن لا يوجد طرف في الحرب يُصرح قادته وحاكموه أنهم يقودون الشباب ليجعلوا منهم وقوداً لنزواتهم ورغباتهم في البقاء في السلطة، وكلما زاد دعم طرف من جهات مُستفيدة زاد النظام في غيَه، فظنَ أنه هو المخلص وأن تصحيح حركة التاريخ مهمة أناطتها له السماء...

في فيلم (الحدود الملتهبة) العراقي الذي أخرجه صاحب حداد (1983) ومثَل فيه: طعمة التميمي، وقاسم الملَاك، وهند كامل، وسامي قفطان، وهاني هاني، وكنعان علي، ومقداد عبدالرضا، تأكيد على بعد يشحذ الهمم في المعركة، ألا وهو البُعد القومي، بُحكم العداء التاريخي بين العرب والفرس، فالفيلم يُجسد فيه المُمثلون حرصهم على الدفاع عن قوميتهم (العروبية) واظهار عدوهم (الإيراني) على أنه (مجوسي) لم يؤثر في الإسلام (العروبي) في تبديل نزوعه التاريخي للزرادشتية، ولم يؤثر الإسلام فيه إلَا على مستوى الادَعاء شكلياً للإسلام لا الصدق في الانتماء.

انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولم ينته الصراع بين الطرفين، وكان لإيران فرصة تاريخية في الاستفادة من غباء نظام صدام حسين حينما دخل الكويت وأعلن بأنها (المحافظة التاسة عشر)، وأظن أنه "هي القشة التي قصمت ظهر البعير" (صدام) الذي خرج مزهواً بنفسه راكباً حصاناً أبيضاً في ساحة (الاحتفالات الكبرى) ببغداد وقادة برتب عالية يمشون أمام الحصان وخلفه، يُحيطون به من كل جانب، فلم يتحمل الحُصان تلك الحفاوة فوقع في (الخيَة).

فكانت الكويت مقبرة جنود صدَقوا حماقة (النظام) وفصلوا بين الفارس والحصان، فصدقوا أن الفارس الذي يقود حصاناً يُمكن أن يقود شعباً، ولم يجلَ بخاطرهم أن قيادة الحصان تقتضي اتقان دراية بحركات جسدية فيها بعض اعمال للعقل، فيرتضي بك الحصان صديقاً له أو راكباً، ولكن قيادة شعب ومجتمع تحتاج لاعمال العقل أكثر من اتقان حركات الجسد، فسقط الفارس، وبقي الشعب.

لنعود لمفهوم الحدود، فبعد أن أدخل نظام صدام الجيش العراقي المُنهك من حربه الأولى مع إيران، شعر صداماً أنه بالفعل قائد تاريخي لأنه انتصر وإن يكن بدعم على امبراطورية كُبرى مثل بلاد فارس، فلا بُدَ أن تكون مهمته يسيرة في القضاء على إمارت ومشايخ لا تاريخ لها خارج تاريخ العراق قديماً وحديثاً!!.

دخلنا الحرب برغبة سلطان (أهوج) (أرعن) وخرجنا منها بنكسة (خيمة صفوان) بعد انتصار قوات التحالف الدولي وما يُمكن تسميته (حرب الإبادة الجماعية) للجيش العراقي الذي أمره (القائد الضرورة) بأن لا ينسحب حتى وإن سمع تسجيلاً صوتياً منه بأنه يطلب منه الإنسحاب، وبعض الفرق العسكرية آمنت بما تعهد به النظام بأنه لا يتخاذل ولا ينسحب، فبقيَ الأشداء المحاربون الصادقون في ثكناتهم العسكرية، ولكن (القائد الضرورة) هادن وتخاذل، فخُدع المؤمنون الصادقون كالعادة على طول التاريخ.

لا أخوض في مهانة (اتفاقية خيمة صفوان)، ولكن الذي وجدته بعد تغيَر الحال وتبدل النظام أن الأخوة الكويتيين لم يتخلصوا إلى يومنا هذا من سقاطات نظام أشِر هو نظام (صدام حسين)، وبعد أن حاول ساسة النظام الجديد أن يُظهروا لهم حُسن النية في كثير من اللقاءات والحوارات والتضحيات بأراض عراقية إلَا أن ما وجدته في مسلسل (حدود الشر) الكويتي من تورية ورمزية ليست خافية على المُتلقي والمُشاهد اللبيب أن الجرح لا زال لم يندمل بعد، وربما من حقهم ذلك، وعلى ساستنا تحسين الصورة، ولكن ليس من حق كُتَاب الدراما الكويتية والقيّمين عليها من مُممثلين ومُخرجين أن يُظهروا الشخصية العراقية في هذا المُسلسل على أنها شخصية انتهازية، شريرة، فاسدة، لا اعتبار لها لقيمة أخلاقية أو إنسانية.

ليُمعن النظر كل مشاهد حصيف بمشاهد حول الصراع بين (الخدَامة العراقية) التي تؤدي دورها (ميس كمر) والتي أُحسن الظن بها فأقول أنها لم تُدرك القصد أو (المسكوت عنه) في السيناريو، ولكن شخصيتها في المسلسل شخصية رئيسة، ولكنها لم تظهر في (أفيش) المسلسل او دعايته!!، اعتقد أنها تبحث عن قيمة (الأجر) الذي تتقاضاه وعن ديمونة عمل لها في الخليج الغني!!.

هي خدّانة تزوجها زوج (حياة الفهد) الفنانة الكويتية التي يُحبها أهل العراق، ولكنها لم تكن موفقة في اختيارها لهذا الدور إن لم تكن تدري، وإن كانت تدري فالمصيبة أعظمُ.

حكاية المُسلسل أن هناك عائلةً كويتيةً فيها مشاكل بين الزوج والزوجة، وللزوج مزرعة في (البصرة) يُديرها فلَاحون عراقيون، ولأن البصرة حدودية، لذا أظن أن كاتب المسلسل وضع بقصد عنوان المسلسل (حدود الشر)، والمقصود به أن (حدود الشر) هذه هي حدود العراق التي تُحيط بالكويت!، وبعد تردد يتزوج التاجر الكويتي من ابنة الفلَاح العراقي التي جُلَ همَها كيفية تخريب حال هذه العائلة ونهب ممتلكاتها!!، وبعد زواجها تجلب معها أختها وأخيها باشارة رمزية على أن العراقيين رجالاً ونساءً، أخوة وأخوات، إنما هُم نهابون سلَابون، لتجد (حياة الفهد) تستخدم أقذع الألفاظ النابية في توصيف الوافدين العراقيين!!.

الكلام يطول، ولكنني أظن أن مثل هكذا تشجيع لدعم عمل فني يُسيء رمزياً لشعب وتاريخ عمقه الثقافي وسع الكويت وكثير من أرضي الخليج أرضاً وحضارة لهو اساءة ضمنية للتاريخ مجتمع الخليج بأكمله...

لنسعى جاهدين حكومات وشعوباً للعمل على ترطيب أجواء (الحدود) كي لا تكون (مُلتهبة)، وعلى تقليل نزعة الشر الكامنة في نفوسنا بفعل سياسات ماضي لنجعل من (حدود الشر) حدود خير تلتقي فيها الأطراف بمحبة لتنثر تعالقها العشائري والثقافي بين شعبين في تاريخهما من المشتركات الثقافية والحضارية (إيران والعراق) و (الكويت والعراق) ما يُمكن أبناء هذه الشعوب وساستها من اقامة جسور للتواصل لا للقطيعة.

 

ا. د. علي المرهج

 

عبد الله الفيفيتَكثُر المساءلاتُ الجدليَّة المعاصرة حول بعض الاستعمالات اللغويَّة، فإذا رأيتَ ثَمَّ، رأيتَ أنه لا يمكن القطع بتخطيء هذا التعبير أو ذاك؛ لأن الدلالة، لا بُدَّ، خاضعةٌ لمقصود القائل. لذلك تجد مَن يصوِّب أحد الاستعمالات ويخطِّئ الآخر، ليأتي غيره فيرى نقيض مذهبه؛ من حيث إن كلًّا ينظر إلى الدلالة من زاويةٍ تعبيريَّة.

في هذا المقال أعرض نماذج، من ذكريات عملي في مجلس الشورى، ممَّا كان يحتدم به الجدال اللغوي مع بعض الزملاء أحيانًا، بين متشدِّد منهم ومتسهِّل ومحتكم إلى سعة اللغة، وأن الأصل فيها أنها وسيلة إفضاءٍ عمَّا في الأذهان والنفوس، تتلوَّن صيغها بتلوُّن المقاصد.

نبدأ بالخلاف حول قول مَن يقول: «اعتذرَ عن الحضور»، أو «اعتذرَ عن عدم الحضور»، وأيهما الصحيح؟ وهاهنا يمكن القول إن «اعتذرَ عن الحضور» عبارةٌ بمعنى وجدَ الحضورَ متعذِّرًا عليه؛ فهو من ذوي الأعذار، أي الموانع. أمَّا «اعتذرَ عن عدم الحضور» فتعني تأسَّف لعدم تمكُّنه من الحضور. وهكذا فإن «اعتذرَ» في العبارة الأولى بمعنى: امتنعَ عن الحضور، وحالَ دونه حائل، وحبسه حابس، هو به معذور. و«عن» هنا تفيد البُعد، أي صار له عذرٌ أبعده عن الحضور، لا عن عدم الحضور. على حين أن «اعتذرَ» في العبارة الأخرى بمعنى: تأسَّف لعدم الحضور، أو قدَّم عذرًا بشأن عدم حضوره. ويتبيَّن، إذن، أن صحَّة المبنى رهن المراد في المعنى؛ وليست صياغة جاهزة بصالحةٍ في كلِّ سياق.

-2-

وطلعَ علينا ذات يوم، ونحن في أمان الله، من أثار شُبهةً أخرى، حول استعمال بعض الأُسَر كنية «العبدالله» ونحوها من الكُنى المعاصرة- بزعمه. ولا تثريب، فثمَّة حساسيَّةٌ ثقافيَّة عربيَّة مزمنة من كلِّ جديد، في اللغة وغير اللغة، وحنينٌ مَرَضِيٌّ إلى كلِّ قديم! بل تخطَّى صاحبنا الجانب اللغوي إلى الجانب العقدي. على الرغم من أن الناس لا يقصدون المعنى المستنتَج في ذهنه، ولا يخطُر لهم على بال. وإنما الأعمال بالنيات، فكيف بالأقوال؟! على أن «العبد الله»، قد تعني: «آل عبدالله»، وإنْ كُتِبت أو نُطِقت «العبد الله». ثمَّ إن قولنا: «محمَّد العبد الله»، مثلًا، هي في الحقيقة: «محمدٌ العبدُ اللهِ»، بإضافة «العبد» إلى «الله»، وليس «العبدُ اللهُ»، كما توهَّم صاحبنا، حتى يمكنه القول إن المعنى قد انحرف إلى دلالةٍ لا تليق بالله تعالى. وعلى الرغم من عدم ظهور الحركات الإعرابيَّة في عاميَّاتنا غالبًا، فإن ضمَّ كلمة «الله»- وهو ما يحسم الارتياب في الدلالة- غير وارد في الاستعمال اللهجي على الإطلاق، بل إن لفظ الجلالة، إنْ لم يأت آخِرُه بالسكون هاهنا، سمعناه أقرب إلى الكسر. وعندئذٍ تنتفي الشبهة. أضف إلى هذا أن استعمال (أل) مع الأعلام أمرٌ قديمٌ في العربيَّة، وهو يأتي للتعظيم، كقول العرب: الحسن، والحسين، والعباس.(1)

-3-

وممَّا يتوقَّف عنده الموسوسون أحيانًا تعبير «تشكَّلت الهيئة». وبدهي أن هذه التعبيرات الحديثة من طبيعة اللغة وضرورات تطوُّرها. ومعظم اللغة قائمٌ على المجاز، كما كان (ابن جني) يقول. فـ«تشكَّلت» بمعنى: اتخذت هيئةً، وشكلًا، وبناءً مكوّنًا من جملة أعضاء، وكأنها قد اتخذت صورةً بنائيَّة قائمة، إشارة إلى تكاملها وتعاضدها. ويلحظ القارئ أن هذه التعبيرات- كـ«لجنة»، «عضو»، «هيئة»- ذات دلالات حديثة. ولو ظللنا نفكِّر في دلالاتها العتيقة وتمسكنا بها وحدها، لحكمنا على أنفسنا وعلى لغتنا بالعجز عن مجاراة المعاني في الحياة. وليس تعبير «تشكَّلَ» بمختلِفٍ في هذا عن: «تألَّفَ»، أو «تكوَّنَ»، في أن له دلالة أخرى قديمة. بيدَ أن من طبيعة اللغات الانزياح، لكسب دلالات جديدة، أو تضمين إيحاءات تصويريَّة حديثة. ولولا ذلك لجمدت اللغة، وماتت البلاغة، أو في الأقل لأُلغيت عبقريَّة اللغة في تصوير الدلالات الذهنيَّة المتجدِّدة.

-4-

لَـهِجَتْ  بِصَوْتٍ  وَاحِـدٍ        **      لا صَـوْتَ  فِيْـهِ  ولا  فَـما

رَضِعَتْ  حَلِـيْبَ نِـيَاقِهـا       **      الأُوْلَى بِـأُخْـرَى  بِـئْـسَـما

فصَبَاحُـهـا  لا  تَـشْتَرِيْـهِ      **      بِـلَـيْـلَــةٍ   بِـيَـلَـمْـلَـمـا

وتَـدُوْرُ   في الثَّـقَـلَـيْنِ  لا     **      تَـلْـوِيْ  على : «يـا رُبَّـما»

ضَاعَ السَّـبِـيْلُ بِهـا  وأَنـْـ      **      ــهَجَ بُـرْدُهُ  فـتَـخَـرَّمـا!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................

 (1)  يُنظر مثلًا: البستي، حمد بن محمَّد الخطابي (-388)، (1982)، غريب الحديث، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم العزباوي (مكَّة: جامعة أُمِّ القُرَى)، 1: 694. 

 

عبد الجبار نوري"الحياة أعزُ شيء للأنسان، أنّها توهب لهُ مرّة واحدة، فيجب أن يعيشها عيشة لا يشعر معها بندم ومعاناة لسع الجلد الذاتي، وندم مرعب على السنين التي عاشها، ولا بلسعة العارعلى ماضٍ رذل تافه، وليستطع أن يقول وهو يحتضر : كانت حياتي وكل قواي موهوبة لأروع شيء في العالم : النضال في سبيل تحرير الأنسان "---هذا ما قاله الروائي والكاتب (نيكولاي أوستروفيسكي) وهو على فراش الموت بعمر مبكر وهو سعيد لا يشعر بندم ولسع الذات طالما هو شارك الجموع الغفيرة في تحقيق الأمنية الغالية (النضال في سبيل تحرير الأنسان).

 في موسكو تجد متحف في وسط المدينة أسمهُ " متحف نيكولاي أستروفيسكي" وأن أول ما يلفت النظر في المتحف هو قول نيكولاي على لسان بطل الرواية الطفل (بافل) والذي نُقش على قاعدة تمثالهِ "تعلّمْ أن تعيش حتى ولو أصبحت حياتك لا تطاق " ويأتي أليهِ طلاب المدارس والجامعات ليتعلموا الصبر والشجاعة والصمود، رواية "كيف سقينا الفولاذ How The Steel Was Tempered "للروائي نيكولاي أستروفسكي 1904 -1936 الأوكراني الروسي، كتابهُ هذا أصبح سلاحاً متعادلاً مع جميع أساليب الكفاح للحصول على الحرية، وأصبح الكتاب فعلاً سلاحاً مؤثراً أيام الحرب ضد الفاشية حينها وضع الجيش الأحمر صور بافل وأسترفيسكي على دروعها في أقتحام الدبابات شوارع برلين الهتلرية، ويقول حقًاً أننا سقينا الفولاذ بصمودنا الأسطوري، وكذلك سارت مفاهيم الكتاب الكفاحية مع تقدم الجيش السوفييتي عام 42 لحماية سقوط مدينة الصمود (لينينغراد) لسكانها 4-2 مليون نسمة لها الحق أن تفتخروتقول : حقاً أننا سقينا الفولاذ بصمودنا الأسطوري 872يوماً معاناة مرعبة في نقص الغذاء والدواء والوقود والحليب ل 400 ألف طفل، والعامل الذي ساعد على الحفاظ على الأرواح من الموت الجماعي هو وجود بحيرة (لادوغا) في الحدود الجنوبية للمدينة الشريان الوحيد في توصيل بعض المؤن والذي أطلق عليه (طريق الحياة)، والتأريخ يحكي لنا مأثرة أخرى للشعب السوفيتي في حرب الشتاء السوفييتي في تصدي الجيش الأحمر ببطولاتٍ خارقة لمعارك ضارية ضد الغزاة خلال شتاء قارص البرد من عدة جبهات مكللين العدو الشوفيني ألآلااف من القتلى وأضعاف الجرحى وأضعاف أضعاف أسرى محققين ذلك الأنتصار التأريخي ويبتسم حينها نيكولاي ويردد : --- وسقينا الفولاذ .

الأفكار الرئيسة التي وردت في الرواية:

- البحث عن المثل العليا كفاتورة للمحن القاسية عبر التضحيات من أجل العدالة الأجتماعية وحرية الأنسان .

- قوّة لتحريك لروح الأرادة في الأنسان .

- من الأعمال الأدبية التي روجت لبناء الأشتراكية في الأتحاد السوفيتي، حين أعطى نيكولاي دفعة عظيمة للأدب الأشتراكي والتي تتصف بالمدرسة لواقعية .

- تتميز أبواب الكتاب بالشكل والمضمون بأختلافٍ عن الأدب البورجوازي وحتى أدباء عصره من الأشتراكيين لكون روايتهُ " كيف سقينا الفولاذ " أحداثها تسير بعدة أتجاهات حيث تسير على أكثر من جبهة من النضال النقابي فالنضال الفكري الأيديولوجي وثم إلى الحروب والقتال وفضح أعداء المسيرة السريين والعلنيين داخل السلطة السوفيتية والحزب ودول الجوار والعالم مثل بولندا وألمانيا .

- يطرح أفكار فلسفية في العديد من القضايا التي تهم الأنسان عموما والأشتراكية السوفيتية بشكل خاص .

- تفضح الرواية مستلبات الدكتاتورية القيصرية الأقطاعية والكنيسة ورهبانها .

- ويرسم خارطة النموذج الأشتراكي العلمي بهذه الركائز{العمل الجماعي –العقيدة – الأخلاق – فلسفة العمل – فلسفة الحرب – الصراع الطبقي} .

- المزج بين الثورة والحب بعفوية مطلقة هو تجسيد وترجمة حرفية لتقديس الحياة والتضحية لديمومتها .

- بأعتقادي الرواية تحكي الكفاح المسلح أيام الثورة البلشفية كما هو واضح في الجزأ الأخير الثالث من الرواية .

- وينقلنا الكاتب إلى أوكرانيا عام 1918 وثم الحب الرومانسي الشفاف وسط نيران الحرب وإلى التفاني والأمومة ويسدل الستار بمأساة الفلاسفة (لحتمية الموت) .

- فكانت الرواية شهادة أبداعية عن معنى الحب والحرب والشجاعة والصبر والصمود والكفاح في سبيل الحياة الجديدة .

كلمتي الأخيرة "أن نيكولاي أوستروفيسكي تقارب فلسفياً مع أرنست همنغواي في مفهوم البطولة والتضحية والشجاعة وحب الحياة فالأجراس تدق (لبافل) بطل رواية كيف سقينا الفولاذ، و(لروبرت جوردن) بطل رواية لمن تدق الأجراس .

 

عبد الجبارنوري

 

924 ألبيركامو(من اصل جزائري) 1913-1960

الحائز على جائزة نوبل في الاداب عام 1957.

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف مصدق الحبيب

***

- ليس الحرية إلا فرصتنا أن نكون أفضل مما نحن عليه.

- لا تتبعني لأنني قد لا أجيد القيادة، ولا تتقدمني في المسير لأنني لا اريد ان اتبع أي احد. يكفي ان تبقى بجانبي وليأخذ كل منا طريقه.

- الطريقة المثلى للتعامل مع المجتمع الذي لا يسمح بالحرية هي ان تتصرف بحرية مطلقة وليكن وجودك في هذا العالم وجودا متمردا على ما من حولك.

- لابد لكل تمرد ان يحمل بين ثناياه توقا للبراءة واحتكاما للذات.

- المرء بدون اخلاق عبارة عن وحش أُطلق لتخريب كل ما من حوله.

- كل شرور العالم تنبثق من الجهل، والنوايا البريئة دون الادراك الكافي قد تكون كالحقد والضغينة في دورهما في إحلال الخراب.

- لا شيء أكثر وضاعة من الاحترام الناجم عن الخوف.

- الرجال يستطيعون منح الحنان ورقة القلب من دون الوقوع في الحب وهذا ما لا تطيقه النساء ابدا، رغم ان الرجال يعتبرونه مجرد تجربة يقبلونها بحلاوتها ومرارتها.

- سوف لن تكون سعيدا ان كنت تبحث عن السعادة، وسوف لن تعيش الحياة ان كنت تلهث وراء معرفة معناها.

- من يسارع في الحكم على الاخرين انما يروم عدم حكمهم عليه.

- حين يبتلي المرء بالهزيمة سيشعر بالهوان وقد يتفجر غضبا في اعماقه ولكن كلما طال زمن النكبة كلما فقد تدريجيا قابليته حتى على الغضب الصامت.

 

سوف عبيد- بنات كلام - هي مبادرة ثقافية جديدة تهدف إلى تطوير المشهد الأدبي عامة والشعري خاصة في تونس تتمثل في البحث عن طرق جديدة لإبلاغ النص الشعري والأدبي إلى الجمهور غير القراءة وغير تلك التي يقف أو أن يجلس الساعر أو الأديب ليلقي نصه من على المنصة بدون تعبيرات ركحية متنوعة تساعد على إثراء الرسالة الإبداعبة ليتقبلها الجمهور بمتعة أكثر وذلك بالاستفادة من بقية الفنون الملائمة للنص مثل الحركات المسرحية والتأثيرات الموسيقبة وحتى الاستعانة بالفنون التشكيلية والرقص مما يثري المجال الأدبي بغيره من شتى الفنون كي يتجلى العرض الأدبي زاخرا بالأنواع الفنية المتعددة فتضفي مشهدا إبداعيا متنوعا يساعد على إبراز نص القصيدة أو القصة أو غيرهما من بقية أشكال الكتابة .

 في هذا السياق ظهرت في تونس تعبيرة جديدة  في إطار ناد أدبي يعالج النصوص المكتوبة شعرا ونثرا بشكل مسرحي في مراوحة فنية بين الكلمة والحركة مع استحضار الموسيقى كخلفيّة والرقص كتعبير وتهدف إلى إحداث النقلة النوعية في المجال الأدبي والخروج من الدائرة الكلاسيكية التي حصرت عملية إلقاء القصيد في وقوف الخطيب ليقول نصّه في جمود يفتقر الحسّ والتبليغ  وفي سبيل تحقيق هذا الهدف يُقدّم النادي لرواده ورشات تكوين في مجالات الرقص ، المسرح، فن الإلقاء والارتجال، مخارج الحروف ، الموسيقى ....

ويهتم المنتدى بالأنشطة الثقافية مشاركةً وتنظيما، كما يسعى إلى تطوير مواهب رواده في الكتابة بتشريكهم في الحياة الأدبية عبر دعوة شعراء وكُتاب لإفادتهم بتجاربهم وتقديم النصح لهم بعد الاستماع لمحاولاتهم . وقد احتضن الفضاء الثقافي - الفابريكا - لصاحبه الأستاذ محمد بن سلامة الذي شجع هذه البادرة برعايتها وتوفير روزنامة لتمارينها .

وقد استهل المنتدى نشاصه بسهرة رمضانية تحت عنوان "حديث بنات" تهدف إلى التعريف بالمجموعة وإطلاق نشاطها الفعلي بتقديم ومضة شعرية مسرحية قدمتها العضوات أمام جمعٍ من الضيوف شعراء  وممثلين وصحافيين وأصدقاء ، لترصد ردة أفعالهم وتلتقط مدى استعداد الجمهور لمثل هذا اللون الفني الجديد .

 لابد من ذكر صاحبة هذه المبادة الرائدة التي سعت لإنجازها ألا وهى الأديبة والمسرحية - حنان عباسي فنرجو أن تكون إضافة نوعية في الحياة الثقافية التونسية والعربية ومن سار على الدرب وصل ومسافة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى .

 

سوف عبيد

 

بكر السباتين

البجع الذي يرقص على سطح الماء في البحيرة؛ كي يعتاش على ما يجود به البحر لا يرقص البالية على أنغام موسيقى بحيرة البجع ولا يعرف أن تشايكوفسكي اختطف من بينها أميرتهم المسحورة كي يقفل على الرواية التفاصيل عند الخاتمة.

تفتح الستارة.. ويدوي التصفيق في القاعة.. حيث يتعين على الأمير "سيغفرايد" أن يختار زوجة المستقبل من بين أجمل الفتيات الموجودات الراقيات.. فيخيم الليل، ويسمع الأمير صوت أجنحة ترفرف فوق رأسه، فيرفع ناظريه ليرى سرباً كاملاً من البجع البري الجميل في السماء، وفي مقابل صوت آلة الهاربو الساحرة الوترية، ينطلق صوت المزمار بنعومة معبراً عن اللحن الخاص بهذه الطيور الساحرة، ويقترح أحد أصدقائه ويدعى بينو على الأمير ان يكوّن فريقاً لصيد البجع والذهاب بعيداً.

النية كانت تأخذهم إلى ممارسة الصيد ومن ثم التهام الضحية وليس للتأمل في حركة البجع على سطح الماء ورصد همومها وقد هبطت بعد رحلة طويلة في اقتفاء أثر الربيع كي تنعم بالأمان.. ربما هنا الصورة ستكون أقرب إلى واقع البجع الذي لم يتعرف على أوبرا بحيرة البجع التي فاضت بها مشاعر تشايكوفسكي..

 وعلى نية الصيد المبيتة تفتح الستارة، يدخل فريق الصيد بقيادة بينو وهم يحملون جميعاً النبال وليس الورود الفواحة بطيب المحبة والحنين إلى الجمال.. وينظر الرجال إلى أعلى من خلال الأشجار وبحثاً عن البجع، فيصابون بالدهشة عندما يرون أن البجع قد استقر على البحيرة الموجودة على بعد عدة أقدام قليلة، وحيث يوجد هناك طائر أبيض جميل يقود مجموعة البجع، وتبدو البحيرة وكأنها مملكة تضج بالحياة في خيال تشاوسوفسكي بينما يقوم البجع في الواقع بالبحث عن الأسماك ليقتات عليها حتى تستمر حياته في أمان بعيداً عن نبال أبناء الذوات وحاشية الأمير.. وكان الأخير يقوم بتوجيه الرجال إلى الإسراع قي اقتناص الضحية كي يشبع غروره.. ولكن غيبوبة الخيال لدى المبدع تشاوسوفسكي تحوّر المشهد وتأخذه إلى بحيرة البجع الخيالية ليمطرها خياله الخصب بزخات موسيقى على وجدان المتلقي، مجرد بجع بتراقص على سطح البحيرة، دون الإشارة إلى عمق المشهد الذي يوضح حالة البجع وهو يلقم صغاره أسماك الساردينا كي يسد جوعها الكافر.

وتتوالى المشاهد.. فبينما الأمير على وشك ان يتبع سرب البجع لذي انتشر على سطح البحيرة، يرى شيئاً عن بعد يجعله يتوقف على مقربة من جانب البحيرة، ثم يتراجع مسرعاً عبر الأرض والفضاء ليخفي نفسه، فقد رأى شيئا شديد الغرابة لدرجة انه ظل يراقبه عن كثب سراً.

هذا ما تمخض عنه خيال الراوي وهو يرسم حفيف أفكاره بأمواج الموسيقى المتهادية على إيقاعات طيور البجع التي استوحاها تشايكوفسكي.. دون أن يرى بأم عينه البجعات وهي تبحث في البحيرة عن أسباب البقاء.. فيأخذه الوهم إلى صورة فتاة مثالية خرجت إليه من أعماق بجعة مسلوبة الحجا.. عائمة في شيء تريده.. ربما تنتظر منقذاً يمنحها قبلة الحياة.. كانت الموسيقى تحركها في دائرة قدر صنعه المؤلف الملهم.. فبمجرد ان اختبأ الأمير، تدخل المشهد المحفوف بالضباب أجمل فتاة رآها من قبل ولا يستطيع ان يصدق عينيه، فالفتاة تبدو وكأنها بجعة وفتاة في نفس الوقت، فوجهها الجميل محاط بريش البجع الأبيض الملتصق بشعرها تماما، وتعتقد الفتاة الشابة أنها بمفردها.. وينبهر الأمير بهذا المخلوق الساحر الجميل، يطاردها بعينيه.. يتعقبها في الأرض الفضاء.. لا شيء إلا الموسيقى وجمهور أكلت رأسه الدهشة.. وفتاة استلهمها الراوي وورطها في صراع وجودي بعد أن اختطفها من بين أسراب البجع وهمومه.. يقترب الأمير بهدوء خشية أن يسبب لها إزعاجاً.

ويخرج المؤلف الأمير ومعشوقته من بحيرة الحياة إلى مسرح الخيال كي يشعل النهار على تمثيلية صاغها من وحي رقصات البجع على سطح بحيرة الموسيقى التي خرجت تغمر الجمهور بإيقاعها الساحر فتتقافز القلوب راقصة على أنغام الموسيقى وتوليفاتها مع حركة الراقصات وأداء المغنين.. بينما ينام مشهد البجع المنهك بهمومه خلف المشهد بعيداً عن أعين الجمهور.

تصاب الفتاة الجميلة بالذعر، وترتجف أوصالها، وتضم ذراعيها إلى صدرها في محاولة ضعيفة للدفاع عن نفسها، وتتراجع إلى الخلف مبتعدة عن الأمير، تخيلته وحاشيته يصوبون إليها النبال.. يلتقط الجمهور أنفاسه.. تأخذه الموسيقى إلى منطقة الدهشة.. وتتحرك البجعة المعشوقة في اضطراب شديد ومحاولة يائسة للاندفاع بعيداً عن الأرض، وهنا يرجوها الأمير ألا تبتعد، ولا تذهب، فقد وقع في غرامها وأعجب بها وأحبها، وعليها ألا تطير بعيداً إذ لا يضمر لها في قلبه شراً.

تنظر الفتاة إليه معبرة عن خوفها، ويحاول من جانبه أن يزيل عنها هذا الخوف ليبعث الاطمئنان في قلبها، ولكنها تشير إلى القوس الذي يحمله، وتنكمش من الخوف، وهنا يعدها الأمير بأنه لن يؤذيها أو يطلق سهامه عليها؛ لأنه أحبها.. وأن سهامها هي التي أصابت قلبه منذ الوهلة الأولى التي وقع فيه بصره عليها.

كانت التداعيات تشد انتباه الجمهور ما بين انطلاق السهم.. تداعيات العشق.. لون الدم.. صراع البقاء.. خروج الفتاة وحيدة من السرب بإرادة المؤلف.. ثم الارتماء في غياهب المجهول حيث لا يسمع العاشقان إلا دقات قلبيهما ولهفتهما على الاحتضان، إنه الذوبان في الحب حتى الثمالة.

يستمر الأمير سيغفرايد في محاولاته التقرب إلى الفتاة، ويحاول أن يتعرف عليها. من تراها تكون؟ ولماذا هي موجودة في هذا المكان؟ ويعرف أخيراً أنها "أوديت" ملكة البجع، فيحبها ويخبرها أنه سيعاملها باحترام وحب، ويسألها:

 كيف أصبحت ملكة للبجع؟

 وهنا يبدأ الخيال عربدته بعيداً عن طعم الواقع الذي يعيشه البجع المطارد منذ الأزل من قبل الصيادين.. ويشطح خيال تشاوسوفسكي بعيداً، فها هي المعشوقة إذْ تبوح من خلال إيماءات جسدها الراقص ما استلهمته الموسيقى وحلقت به عالياً في سماء أبعد من الأفق الذي يطوق واقع البجع في البحيرة.. حيث وجد ملاذه الموسمي.

وها هي البجعة المعشوقة (الملكة المسحورة) تشير إلى البحيرة التي تكونت من دموع والدتها التي أمعنت في بكائها بسبب الساحر الشرير "فون روتبارت" الذي نجح في تحويل ابنتها إلى ملكة للبجع، وأنها ستظل بجعة إلى الأبد ما عدا الفترة الواقعة ما بين منتصف الليل وطلوع الفجر، حتى يحبها رجل ويتزوجها، ولا يحب غيرها على الإطلاق، عندئذ يتحمس الأمير العاشق لإنقاذها ويؤكد لها أنها لن تصبح بجعة بعد ذلك.

ينتصر الخيال على الواقع وتموت الرواية الواقعية في فم المغني كي يستيقظ النهار على إيقاعات الموسيقة التي خرجت بالحكاية المؤولة من وجدان تشايكوفسكي.

يضم سيكفريد كلتا يديه إلى قلبه، ويؤكد حبه وعشقه لها، وأنه لن يستطيع العيش بدونها، لا بل سوف يتزوجها، ولن يحب غيرها على الإطلاق ويقسم على اخلاصه لها ويطلب معرفة مكان الساحر الشرير "فون روتبات"، وفي نفس اللحظة يظهر الساحر على جانب من البحيرة مرتدياً قناع البومة، ويمد مخالبه آمراً البجعة "أوديت" بالعودة اليه، ويأخذ في تهديد ووعيد الأمير العاشق، وتتحرك أوديت بينهما، وترجو من الساحر الرحمة، فيمسك الأمير بقوسه الذي كان قد أتى به ليصطاد البجع ويجلس على ركبتيه وينال من الساحر الشرير، ويلجم بذلك سحره؛ لينال ويفوز في النهاية بقلب معشوقته الجميلة "أوديت" لينتصر الحب ويقهر السحر في النهاية.. ويدوّي التصفيق في قاعة المسرح.. ثم تتوقف الموسيقى وقد انحنى الممثلون أما الجمهور الذي أصيب بالغبطة والحبور.

ويخرج بعد ذلك الجمهور من المسرح.. وقد غادر بحيرة الخيال التي شهدت مصرع الساحر.. ثم يهاجر البجع البحيرة الواقعية حاملاً همومه نحو مصدر رزق جديد.. وتنام الحكاية محفوفة بالموسيقى في رأس المتلقي الذي لا يرى فيها إلا الأمير وهو يقبل معشوقته وتموت باقي التفاصيل في جعبة الراوي الذي أقفل ستارة المسرح حتى ينهضَ على خشبتِهِ المتعبةِ النهارُ في الحفلةِ المقبلة.

 

بقلم بكر السباتين

 

محمد صالح الجبوريتمر الذكرى (52) على تأسيس مجلة الف باء، والتي تأسست في22/5/1968وهي من المجلات الرصينة التي نالت شعبية واسعة، واصبحت تسمى مجلة (العائلة)، لانها تلبي حاجاتها الثقافية، فهي شاملة ومنوعة، وفيها أبواب متعددة، كنت أحرص على الحصول على المجلة كل أسبوع، وأنتظر في المكتبة وقت وصولها، فهي مدرسة ثقافية وصحفية ساهمت الارتقاء الثقافي والادبي، وكانت تجري حوارات مع أسأتذة الجامعة والادباء والمثقفين، كتب في مجلة الف باء نخبة من الادباء والمثقفين الذين لهم دور كبير،في تطوير المجلة، المجلة أصبحت تنافس المجلات العربية، في مضمونها وشكلها، كنت اتزود بمعلوماتي الثقافية والأدبية والصحافية من صفحات المجلة، الذين كتبوا في مجلة الف اتذكر كتاباتهم وامكانياتهم و شخصياتها، منهم من رحل إلى رحمة الله، ومنهم لازال يواصل عمله الادبي والثقافي الف تحية لهم، الجميع هم اساتذتي، كان لهم فضل كبير، في تطوير ثقافتي، اليوم المجلات الورقية تعاني من مشاكل كثيرة، مجلة الف تأسست في عام 1968م، وتوقفت  في عام 2003م، وجرت محاولات لإعادتها، واستمرت فترة  وتوقفت نتيجة عدم وجود دعم مادي لها، تحية إلى مجلة الف في ذكرى تأسيسها، وتبقى الف في الذاكرة رغم توقفها، لانها تحمل تاريخ ثقافي وادبي وصحفي أدت رسالتها.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

حسن حاتم المذكور1 ـ كان لي عنوان، رسمت حروفه على ظل نخلة مسحته الحروب، حرفيه الأول والثاني، مجزرة اسماك، وطيور غادرت اهوارها، كان الحرف الثالث، معاناة شاعر مسلول، نزف سعاله قصيدة ناقصة، بعد موته استعار الحرف الرابع قافية لنعشه.

ـ هل مات الجنوب في الجنوب، فأستعار عنواني كفناً؟؟ سألت.

ـ تقاسموه قبل ان يموت، واستوطنته اسمائهم اجابت بيوت الطين.

ـ والهوية؟؟ سألت

ـ من اي كهف جئت متأخراً؟؟ لم يبق مضمون للهوية، سوى غلاف منقوشاً عليه "الله اكبر"، ربما للتمويه ـ اجابت

ـ لماذا لم يعلن الجنوب موته؟؟

ـ اسماء الأجداد منحته الف روح، لا زال الأول عصي على الموت.

2 ـ في الطرقات التي عبرتها، ثمة ابخرة للخلود، سألت الغرباء:

ـ اين مقام جدنا جلجامش؟

ـ لا يوجد هنا  ضريح لسماحة اية الله العظمى جلجامش "قدس الله سره"، اجاب الغرباء.

علمت اني ليس في الجنوب العراقي، ربما في اصفهان او قندهار، قضيت ليلتي، بين شتلات عنبر تتكي خصورها على قوام نخلة، سرق النعاس يقضتي، سافرت في احلامي ابحث عن عنواني، في اليوم التالي، استيقضت على صباح ليس جميلاً ولا مألوفاً، يزفر رائحة الكراهية ويمضغ الفرح والأغنيات، في شوارع تبكي، ثمة كيانات متوحشة صغيرة، تفرغ رصاصاتها في صدور نخيل فاقد نصف ظله، سقطت خصور العنبر، وشرب الدخان عطرها، هناك موت مستهتر يعاقب طبيعة الأشياء، نخلة مقطوعة الجدائل تسألني:

ـ هل تعرفني يا حفيدي؟

ـ فيك رائحة جدتي

ـ نعم هي انا، عليك ان تخرج من دائرة الموت وتقاسم العناوين.

ـ ومتى اعود جدتي؟؟؟.

ـ عندما يعود العائدون، ثم نزفت روحها، فاستغاث الرب وبكت السماء وخجلت من هويتها الأرض.

3 ـ قبل ان اتخذ قراري، بين ان اواصل البحث عن عنواني، ام ادفنه خاطرة ميتة في مقبرة الذكريات، شاهدت فصيل مليشيات، يسحق اضلاع الشوارع، في حراك متوحش، يبحث عن قصيدة، كتبها شاعر متمرد، اخطأ رأسه كاتم الصوت، وهرب جريحاً، خفت ان اكون المتهم، انا الذي ولدت جريحاً، استوقفتني سيدة ثلاثينية، مسحت ملح دموعها، ثم سألت.

ـ أأنت الذي يبحثون عنك؟؟

ـ لا.. كأي هامشي انا، ابحث عن عنواني.

ـ لكنك جريح ايضاً؟؟؟

ـ هكذا ولدت، اين انا الآن؟؟؟

ـ على تراب الجنوب ـ قالت ـ

ـ لكن الأرض هنا لا تشبه نفسها، هل غيرت الأبخرة عطرها؟؟

ـ نعم والشعراء غيروا نصوصهم، والدولة صادرت القوافي، والوسطاء تحاصصوا حروف اسم الله ـ اجابت.

4 ـ امسكوه انه الشاعر الذي كتب القصيدة، وهذا الجرح في عينيه دليل، استقرت رصاصات الفصيل في صدري، قبل ان اختنق بموتي، ايقضتني صرخة.

ـ "بابا.. بابا.. لا تخاف، انا ساري اگعد تريگ، ليش تبچي بابا؟؟".

ـ  كالأخرين يا ولدي، أبحث عن عنواني في تراب، لا يموت فيه الجنوب.

 

حسن المذكور

 

شاكر فريد حسنآخر اصدارات الكاتب الفلسطيني محمد نفاع، المقيم في بيت جن المتربعة كالعروس على صدر الجليل الاعلى، هي مجموعة "غبار الثلج" الصادرة في حيفا عن دار نشر "راية" لصاحبها بشير شلش .

وكان قد صدر له من قبل "الأصيلة، ودية، ريح الشمال، كوشان، أنفاس الجليل، التفاحة النهرية" .

ومحمد نفاع هو أحد أعلام الفن السردي القصصي الفلسطيني الواقعي الملتزم بهموم الطبقات الشعبية الفقيرة المستغلة البائسة المقهورة المهمشة والمعذبة. تتسم موضوعاته بالمعاناة والآلام بأشكال وصور متعددة، مع محاولة دائمة لبث الامل والتفاؤل واستشفاف المستقبل، والتطلع نحو الأفضل رغم كل شيء، وذلك كموقف واعِ نابع وصادر عن كاتب ملتزم شيوعي وثوري أصيل .

تضم "غبار الثلج" بين طياتها عشر قصص قصيرة، والقاسم المشترك بينها أنها قصص واقعية هادفة وموجهة مسحوبة من واقع الريف وحياة القرية، وتصور واقعنا الاجتماعي والسياسي، وتحاول ترسيخ القيم الوطنية والإنسانية، وحب الوطن والارض والانزراع  فيها، والتمسك بتراث الفلاحين والقرويين والتضامن الاجتماعي مع الفقراء وبسطاء الشعب وعامة الناس .

هي قصص تنغمس في الهموم المعيشية والحياتية بجرأة، ويسيطر عليها الهم اليومي والوجع الفلسطيني والإنساني، وتجسد شخصيات واقعية انسانية مهمومة وصادقة اكتوت بلهيب سياسة القهر والاضطهاد والقومي السلطوية. تمتاز بواقعيتها وشعبيتها، وتأتي تجسيدًا لنماذج اجتماعية طبقية، ويغلب عليها الطابع القروي البسيط، بمعنى أن تركيز هذه القصص جاء بناءً على انماط من الحياة اليومية ومظاهرها الواقعية وتفصيلاتها الدقيقة .

وفي هذه القصص يصول محمد نفاع ويجول بين مروج الجليل، وفي سماء الوطن، واصفًا حياة الفلاحين والقرويين، وأبناء الريف وعلاقتهم العضوية الوطيدة بالأرض، مستعرضًا الامكنة والطقس والمناخ، ذاكرًا السهول والوديان والمغر والأشجار والنباتات، مستحضرًا الماضي الجميل، وموظفًا الامثال الشعبية التراثية .

ويمكن القول انها قصص تسجيلية وصور فوتغرافية  لما يحدث في الواقع وعلى الأرض، وعن حياة أهل الريف وأهل القرية الفلسطينية، وكل ذلك بلغته المعهودة، لغة الشعب، اللغة البسيطة المحلية بفطرتها وانسيابها، اللغة الوسطى التي تمزج بين الفصحى والعامية .

محمد نفاع في مجموعته الجديدة "غبار الثلج" يواصل ما بدأ به من أعمال قصصية تصور واقع الفلاحين والقرويين، وتبرز موقفه الوطني والقومي والأممي الإنساني، وتظهره ككاتب مفرط بالتزامه وتحزبه وعروبته وفلسطينيته، منحاز ومنتصر لجموع بسطاء الشعب والكادحين والمقهورين فوق كل أرض .

وهو يبرع في الوصف والتعبير عن شخوصه والانغماس في نفسياتهم، وهم شخوص واقعيون من أبناء الطبقات الشعبية الكادحة المكافحين والمتطلعين لأجل حياة أكثر سعادة، ويحلمون بغد أفضل . ويتقن توظيف واستخدام أدواته التعبيرية والتشكيلية، وتبرز مقدرته في السرد الجميل المشوق الماتع، واستطاعته لما تطرحه الرؤى الجديدة لفن القصة القصيرة وسيلة لتسجيل الأصداء النفسية والحالة الاجتماعية والسياسية .

واخيرًا، محمد نفاع فنان أصيل في وصفه لواقع الريف وللأرض وطبيعتها، ووعرها، وجذرها، وبيدرها، ومراعيها، وهو كالرسام الماهر يغمس ريشته في رحم الارض فتخرج لوحات زاهية رائعة تقطر بهاءً وروعة وجمالًا، وتكتسب قصصه بعدًا إنسانيًا وطنيًا وطبقيًا، ورؤية تقدمية جمالية .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الكنانيالقصة الشعرية عريقة بعراقة الشعر ذاته، وما الملاحم في الشعر القديم الا نوع من أنواع القصص الشعري، نعم هي قليلة او نادرة لخصوصيات في الشعر الجاهلي كما يسمونه، وكذلك في الفترات المتعاقبة الأموية والعباسية، اذ يحكي الشعر حالاتهم الخاصة وتجاربهم في العشق، والقصص جاءت على هذا النحو، لكنها في الشعر الحديث أخذت منحاً اخر تكاملت به القصة بكافة عناصرها ومفرداتها من المقدمة وحتى الخاتمة .

والمنكرون للقصة الشعرية أرادوها منحصرة في النثر خاصة؛ لقدرته على استيعاب مقوّمات القصة ومطاوعته لها بخلاف القيود الشعرية من الوزن والقافية ومقاومتها للغة القصة المتقوّمة بالوصف والتحليل .

ولهذا تعتبر القصة الشعرية فناً راقياً يجمع بين حلاوة القصة وجزالة النظم الشعري .

لكنها عند مولانا جلال الدين تعني شيئا اخر يتصل بالمعاني الصوفية المتسامية التي يريد ايصالها لإهلها، فالقصة الشعرية في المثنوي تحمل رسالة معبّرة عن التجربة الثرية التي أهدانا إياها مولانا في بعدها المعنوي والأخلاقي .

القصص الشعرية في المثنوي لا يمكن استنتاج قاعدة جامعة لها لاِختلافها بالمضامين والرسائل المراد ايصالها، فهي بحاجة الى دراسة مستقلة والى تفكيك رموزها والتركيز على الرسالة المتضمنة لها .

اول سرد قصصي يواجهنا في المثنوي هو قصة الملك والجارية، ويصفها مولانا بأنها تنتقد وضعنا:

بشنوید ای دوستان این داستان

خود حقیقت نقد حال ماست آن

*

استمعوا أيها الأحباب لهذه القصة

فهي بحق تنتقد حالنا …

هذه القصة في غاياتها

                   تصقل الأفكار في آياتها

لو كشفنا ذاتنا في الحالتين

                  لسعدنا أبداً في النشأتين

*

بود شاهی در زمانی پیش ازین

 ملک دنیا بودش وهم ملک دین

 

اتفاقا شاه روزی شد سوار

با خواص خویش از بهر شکار

 

یک کنیزک دید شه بر شاه‌راه

شد غلام آن کنیزک پادشاه

يتحدث عن قصة الملك الذي اجتمعت لديه نعمة الدنيا والدين معا، وفي رحلة صيد للظبي في الصحراء مع صحبه والمقرّبين اليه انقلبت الآية فأمسى هو الفريسة والضبي هو الصياد .

في رحلة الصيد هذه اعجب بجارية ايّ إعجاب، لتبدا قصة البحث عن مالكها ليدفع لها بمبلغ طائل وليحظى بعشرتها :

 

شد غلام آن کنیزک پادشاه

اصبح عبدا والجارية هي الملكة

*

ملك في سالف العصار كان

                     أمل الأمة في ذاك الزمان

راح والأحباب يصطاد الظبا

                       يقطع البيدَ سهولاً وربى

فرماه الحب سهما فهوى

                   خائراً يشكو تباريح الهوى

اذ رأت عيناه في ذاك المجال

                 ظبية تصطاد آساد الرجال

أمة تستعبد الحّر الكريم

              فغدا السلطان في هّم عظيم

لكن الأقدار سارت على خلاف ما يشتهي الملك، اذ مرضت الجارية وساءت حالها .

لعبةُ الأقدار في دنيا البشر

            لم تزل تجري عليهم في صور

ربّ حاف لم يجد ما بنعله

                 وحمار لم يجد ما يحمله

ربّ كوز لم يجد ماء وما

      لم يجد كوزاً لكي يروي الظمأ

 استدعى تردي حالتها قدوم الأطباء لعلاجها، وبعد ان يأسوا من حالتها التجأ الملك الى العبادة والتضرع حتى ابتلّ موضوع سجوده من كثرة بكاءه، فغشيه النعاس، فسمع في منامه هاتفاً يخبره بقدوم طبيباً حاذقاً سينقذه فيما هو فيه من همّ .

فالتقى بطبيب قدم له النصح بما يجب فعله لشفاء الجارية، وبسؤاله للجارية ومن اي البلاد هي قادمة يعرف الطبيب بحنكته انها تعشق شابا سمرقندياً .

يجُلب الشاب السمرقندي ويعطيه دواءاً ليمرض هو الآخر وتشتد حالته ليخرج حبه من قلبها لتعود خالية الفؤاد للملك .

القصة طويلة وفيها من الحِكم الشئ الوفير، والرسالة التي أراد مولانا ايصالها لقارئيه ليست قصة حب الملك للجارية وما رافقها من احداث، وإنما هو اللقاء الذي صوره مولانا بأجمل تصوير بين الملك والطبيب الحاذق .

لاعتبارات عديدة يمكن جعل لقاء الملك بالطبيب هي الرسالة المتوخاة من هذه القصة، اذ جعل مولانا القصة تعبر عن نقد لحالته الخاصة، ولا وجود لشئ فيها شبيه بحالته سوى اللقاء الذي غير مجرى حياته …

تفاصيل القصة في مناسبة قادمة ..

 

احمد الكناني

 

محمد صالح الجبوريالكاتب الذي يحمل رسائل ثقافية وادبية إلى العالم، يرغب إيصالها إلى جمهوره ومحبيه، عن طريق وسائل الإعلام المنوعة، وخاصة الصحف والمجلات، التي هي في متناول القراء، ينبغي أن تلقى هذه الرسائل إهتمام من الصحافة، لأنها بعيدة عن السياسة ومشاكلها، الرسائل تحمل في طياتها المحبة والاخوة والسلام والتعاون ومد الجسور بين المثقفين الذين يبحثون عن الكلمة الطيبة والحرف الراقي، هذه الرسائل تواجه صعوبات في وصولها إلى القاريء بسبب النشر، ان كل صحيفة أومجلة محسوبة على جهة سياسية معينة، هدفها مصلحتها، ومصلحة الجهة التي تنتمي اليها، التي تنفذ مشروعها، الثقافة تهم الجميع، وتكسب ودهم ومشاعرهم، وتجمعهم، أما السياسة تفرقهم، ولاتسعى إلى جمع كلمتهم، الصحف تحولت إلى جهات سياسية معروفة تحاول تحسين سمعتهم وتمجيد أعمالهم، لكن المواطن لديه الوعي لتشخيص هذه الجهات، التي أصبحت مكشوفة للجميع، الاهتمام بالثقافة يدل على الاهتمام بأفكار الإنسان، وتطوير  قابلياته الفكرية والإبداعية، بشكل يتناسب مع بيئته وعاداته تقاليده، التي تسهم في خدمة المجتمع، الذي يتعرض غزو ثقافي وطرح أفكار لا علاقة لها بأفكارنا، والحفاظ على الأصالة و التراث والتاريخ، وكل مجتمع له خصوصيته، ينبغي أن تتبنى الصحافة نشر المواضيع الهادفة، ونحن مجتمع لنا حضارتنا وتاريخنا وتراثنا الذي نفتخر به، ودامت الجهود الرامية إلى التقارب بين الأراء والافكار، وإحترام الرأي والرأي الآخر.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

عبده حقيبقلم: دلفين كوفارت

ترجمة: عبده حقي

بعد قراءتي للمقال المنشور في مجلة Paris tech review تحت عنوان "السعادة الرقمية .. الفيسبوك القادم؟ أزعم أننا مازلنا أبعد ما نكون عن تصور جميع الاستخدامات الممكنة توظيف التقنيات الرقمية .

إن "الرفاهية" باعتبارها مؤشرا في عصرنا هذا أضحت اليوم واحدة من المنافذ الجديدة المستثمرة على شبكة الإنترنت. ولكي أبرهن على ذلك ، ففي أكبر معرض إلكترونيات في العالم الذي نظم في (LAS VEGAS) لاس فيجاس بالولايات المتحدة الأمريكية في فبراير الماضي تم للمرة الأولى إقامة جناح كامل خاص ب"الرفاهية الرقمية" بدءًا من علاقات الحب إلى التوازن الغذائي اليومي .. إلخ حيث قدمت الحلول المقترحة التي تستجيب إلى حد كبير لاحتياجاتنا الفردية المبنية على مبدأ " تنمية شخصية المواطن على أوسع نطاق".

في وقتنا هذا الذي تطرح فيه بحدة معضلة تحقيق "الرفاهية" والبحث عن التوازن  و أيضا السؤال الملح حول دور الطمأنينة والهدوء في حياتنا اليومية ، هل ستكون الرقمية مفتاحا رئيسيا لسعادتنا !؟

أقترح عليكم هنا نظرة عامة وبسيطة عن السعادة الرقمية  Digital happiness  التي صارت مطلبا وتيارا قويا جديدا على شبكة الإنترنت..  فهل يمكن للتكنولوجيات الجديدة أن تفي بوعودها في تحقيق ذلك ؟

في الحقيقة إذا اعتمدنا على عدد قليل من الدراسات وتجنبنا الحلول المقترحة سالفا هناك عديد من الخدمات الرقمية التي ستساعدنا على تحسين "رفاه حياتنا " وإثبات اندماجها المنسجم بالفعل في حياتنا اليومية.

إن ربط علاقات حب من خلال استخدام أدوات الرقمية صار في عصرنا الراهن أمرا طبيعيا وعاديا . فقد كشفت دراسة حديثة في الاتحاد الأوروبي أن 30٪ من الأزواج الذين تم تدريبهم في سنة 2011 ربطوا علاقات فيما بينهم بفضل شبكة الإنترنت. وما زالت التطبيقات والاستخدامات تواصل تحولاتها وتغييراتها لحياتنا بفضل تطبيق التواجد الجغرافي (géolocalisation) وتفاصيل سيرة البروفايل .. إلخ من أجل تقوية حظوظ مواعيدنا الحميمية .

منذ أن اندمجت الشبكات الاجتماعية ضمن معيشنا اليومي وتعددت مسالك تبادل الخبرات والتجارب ، صارت كثير من النصائح والإرشادات العامة اتجاها جديدا في مجال التربية  وكذا في الحياة الزوجية والأسرية . على سبيل المثال ، يمكن لبعض الأدوات الإلكترونية المحمولة المساعدة على تطوير الذكاء العاطفي لدى العشاق . من منا لم تعوزه يوما ما ملكة التعبير لصياغة خطاب حب ومجاملة محبوك بشكل جيد ؟ أحيانا يمكن أن تصلك رسالة نصية قصيرة (sms) مكتوبة بشكل جيد لإسعافك على خلق لحظة من الصفاء والهدوء في علاقتك الزوجية . وفي هذا الإطار تندرج ما يمكن أن نسميه العلاقة (الأبوية الإلكترونية e-parenting) باعتبارها جزءًا هاما في هذا الاتجاه : كتشارك المناهج التربوية ، وتقنيات حل النزاعات عبر استعمال الأقراص المدمجة  CD-Rom أو الهواتف الذكية أو مجموعات التعاون الذاتي من خلال التقنيات الرقمية.

تسهيل وتنظيم الحياة الفردية والحفاظ على روابط أفراد الأسرة المتباعدين جغرافيا وكذلك تبادل أخبارنا السعيدة حيث يتم استعادتها بفضل تطبيقات تسمى (الامتنان الإلكتروني e-gratitude). إنها تسمح بتوثيق أجمل لحظات حياتنا اليومية .

أما خلال حصة ركضنا الخفيف (Jogging) بهدف الحفاظ على رشاقة البدن ، يمكن لهواتفنا الذكية أن تتحول لدينا إلى مدرب رياضي لتساعدنا على معرفة المسافة المقطوعة ومعدل ضربات القلب والسعرات الحرارية المحروقة . لقد قامت المصالح الصحية لدى الخدمات الوطنية في ابريطانيا بإنشاء تطبيق يسمى

"Couch to 5k" وفي أقل من سنة ونصف بلغ عدد مرات تنزيله  عشرة ملايين مرة ، مما سمح بفضل هذا التطبيق لملايين المواطنين البريطانيين بالحفاظ على سلامتهم الجسمية وتعافيهم اليومي  وكذلك ممارسة هذه الرياضة من دون خطر عليهم .

هذه التطبيقات هي بالدرجة الأولى وسطاء لتوفير حلول أكثر انفتاحا وتقدم خدمات لتنمية الشخصية وهي الخدمات التي كانت حتى وقت قريب متاحة فقط لأقلية صغيرة من الناس .

تتضافر التقنيات الرقمية والعلوم الاقتصادية وعلم الأعصاب لمنح الأفراد أدوات المعرفة والسلوك الشخصي الناجح لتغذية مفيدة والتنقل بشكل أسهل ...

وتقدم التقنيات الرقمية حلولًا على مستوى تقاطع الفردي بالاجتماعي . إنها مرحلة جديدة في ترقية التنمية الشخصية باعتبارها ظاهرة جماعية . قد يمكننا الوصول إليها لكن هل ستجعلنا أكثر سعادة في النهاية ؟

يثير مصطلح " السعادة الرقمية " « Digital happiness » السؤال الفلسفي حول مساهمة التكنولوجيا في سعادتنا وكيف تؤثر على علاقاتنا.

إذا ما حاولنا تحديد تعريف للسعادة أو رسم شروط لتحقيقها ، فإن السعادة تفترض مسبقاً وجود مزاج ذهني إيجابي والنظر بشكل متفائل إلى المستقبل حسب تعريف شاون أرشور Shawn Archor مؤلف كتاب (مزايا السعادةThe Happiness advantages) .

لقد أظهرت عديد من الدراسات أنه منذ اندماج التقدم التكنولوجي في حياتنا اليومية لم تعد المجتمعات بالضرورة أكثر سعادة مما كانت عليه في الماضي . لقد تساءل العالم الفيزيائي ألبير آينشتاين لماذا لم تتمكن التقنيات والاختراعات العلمية التي تساعدنا في العمل وتبسط حياتنا اليومية من تحقيق السعادة ؟ والجواب هو لأننا لم نتعلم كيف نستفيد منها بطريقة معقولة. و الطريقة التي بها نستخدمها هي التي تسهم أكثر في جعلنا سعداء وليس بالضرورة قدرتنا على الوصول إلى هذه التقنيات.

تقدم لنا (أنا أكباري) Anna Akbari إطارًا محدودا لمساعدتنا في تحسين علاقتنا بالتكنولوجيات الجديدة . ففي تصورها هناك أربع فئات من "السعادة الرقمية" وأربع طرق لاستخدامها لكي تجعلنا أكثر سعادة.

1- التحديد: تتيح لنا التكنولوجيات الجديدة إمكانية تحديد الشبكات والعلاقات والأماني والحاجيات . فليست التقنيات هي التي تحدد وتعين على سبيل المثال الشريك الرومانسي المناسب ولكنها تساعدنا في تحديد فرص السعادة و التطور والتفتح .

2- أن نكون اجتماعيين: وفقًا لدراسة موسومة ب"أناس سعداء جدًا"Des gens très heureux فإن الشيء الوحيد الذي ميز 10٪ من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم أسعد من الآخرين هو قوة علاقتهم بمحيطهم المجتمعي . إنها تكثيف الروابط الحقيقية التي تنشأ مع الأشخاص الذين يبنون ويحرصون على قوة العلاقة فيما بينهم.

قد يكون لديك مئات الأصدقاء على فيسبوك ، لكن هذا لا يعني أن لديك علاقات منتظمة ومترددة مع كل هؤلاء الأشخاص. إن شبكات التواصل الاجتماعي تسهل نسج العلاقات مع بعضنا البعض ، لكن أيضا الطريقة التي نختارها لتطوير علاقة معينة ستحدد مدى انسجامنا من ذلك الشخص وما إذا كانت ستساهم في سعادتنا أم لا. وفي الحقيقة إن هذه العلاقات ستجعلنا أكثر سعادة أولا اعتبارا لهذا الاختيار.

3- التأكد من المواكبة: بفضل معلوماتنا الشخصية  التي نقدمها على سبيل المثال على الإنترنت ، فإننا نترك بذلك أثرًا عنا وننشئ لنا ذاكرة رقمية . وهذا يتيح للآخرين تكوين نظرة ما عن عادات الاستهلاك لدينا ، و أنشطتنا اليومية .. إلخ يمكن لبعض المواقع الإلكترونية أن تساعدنا بفضل البيانات المنشورة على الويب ، لإعادة تشكيل أسلوب عيشنا اليومي ومساعدتنا على المساهمة بشكل أفضل في محيطنا البيئي وعلى سبيل المثال ما تقوم به شركة ( Recycle Bank) المتواجدة في نيويورك والتي تعمل على تشجيع عملية التدوير وتنمية العادات البيئية .

4- المساعدة على التصنيف والترتيب: بفضل عديد من الأدوات المتوفر مثل التقويم (calendrier) ودليل المهام والملاحظات الافتراضية التي تساعدنا على جمع أفكارنا وما إلى ذلك ... كما يمكننا تنظيم حياتنا بشكل فعال من خلال تسجيل كل هذه المعطيات والمعلومات في سجل واحد .

إذن هل تشعر بالسعادة باعتبارك Digital praticer (ممارس رقمي)- ؟ إن ما يطمئنني شخصياً أنه في النهاية ، لا يمكن للتكنولوجيات الجديدة أن تقرر نيابة عنا وتحولنا إلى كيانات مستنسخة وسعيدة. مثلما هو الأمر عند استخدامنا لتطبيق رقمي يمكنه بضربة عصا سحرية أن يجعلنا سعداء. كل هذا يعتمد على حالتنا المزاجية ، وكيف نستخدم هذه التطبيقات وفقًا لما نرغب فيه أولا نرغب .

أجل إن التكنولوجيات الحديثة يمكنها أن تغير حياتنا وتساعدنا على تحقيق السعادة ، ولكن ما هي الأشياء التي لا يمكن للتقنيات الجديدة أن تنجزها نيابة عنا ؟ إنها رغبة كل واحد منا في استخدامها أم لا!

 

Delphine COFFART

دلفين كوفارت

 

احمد الشيخاويإن في هذا التبعيض الدال على النوعية والجوهرية والندرة، ما يحرض المتلقي على جملة من الأسئلة، وجب تفجيرها إزاء تجاوزات راهن باتت الروح تكابد ضمن حدوده الشائكة، اضطرابات جمّة واغترابا مضاعفا.

بحيث لم يعد لها،سوى تلكم المضاعفات الرمزية لقيمة وجودية اسمها الشعر، وتعاطيه حدّ الإدمان والاختناق بأزمته هو الآخر.

على اعتبار أزمة الذات والعالم من أزمته، وهي سكة تحاول أن تحيد عنها بعض التجارب المتمرّدة على قواميس إنهاك الذات بغير الولوغ في المستحدث ولا شيء سواه، كونه الأقدر على تلبية احتياجات هذه الذات المثقلة باختراقات التقنية وتسارعية وحمّى العالم المادي،على حساب روح الكائن وإنسانيته.

يحاول الشاعر المغربي مصطفى قلوشي، عبر مجموعته " بقليل من الحظ" المزمع صدورها عن جامعة المبدعين المغاربة، في الآونة الأخيرة،الواقعة ب 16 نصا في 90صفحة من القطع المتوسط، يحاول أن يضعنا في مثل هذه الصورة التي تراوح، من خلالها الذات،استيعاب مثل زخم هذه التجاوزات أو الخروقات الضاج بها عالم أكثر توحشا وهدرا للمنظومة القيمية وتلاعبا بالرسائل الإنسانية السامية، ما نجم عنه نظير هذا الاغتراب المغري بالمزيد من المقامرات الجنونية الجانية على إنسانية النوع بدء وانتهاء.

يقول في موضع من الديوان، بعد أن يكون أمعن في غزل مرثاة تليق بحجم الفراغ الذي قد يشي به الفقد وترشق به الأمومة الآفلة على نحو فجائي، مغدق بمعان أخرى للذات والعالمية والحياة.

وبعد أن يكون سجّل هروبا من ذات تئن بسلبيات معجم الحياة، إلى فيء ذات موازية تضمّدها نوبات الممارسة الشعرية خصوصا، يتمّ في رحابها تصيّد دوال الحلمية المنفّسة عن آمال جيل تغتاله النكايات،وتغرّبه الإيديولوجيات المنتصرة للمادية الصرفة.

يقول:

 [من حسن حظّ النعامة

تدفن رأسها في الرمل

لا تعبأ بالعالم،

إذ يسخر من سوأتها](1).

إنها مسرحة بلغة السهل الممتنع، للعبة الحياة بشتّى أطيافها، قادرة على هذا الخلق والابتكار، طعنا بمبارزة تروي تفاصيلها أرجوحة وجودية لمتكاملين ههنا، هما: سلبيات الذات وأخطاء الواقع، إنذارا بنهاية ملغومة معمّقة لمشهدية الفوضى والاضطراب والانكسار.

مثلما يقول في مناسبة ثانية، أيضا:

[ليس لي غير

لغتي...

ومنافيها...

وهذا العراء...](2).

من ثمّ، نلفي الشعر وحده المتهم،وهو صانع جغرافية المنفى الذي قد تستعاد به إنسانية الكائن النازف بضرائب عالم جحيمي في عبوره، قدرا يكون به عراء القصيدة انعكاسا لعراء الذات وتفسخها بالتمام، كي تلفظ رواسب ثقافة المادية القاتلة والمؤججة لكامل هذه الفوضوية والدموية والجنائزية والخراب.

نقرأ له كذلك الطقس التالي:

[ما الذي يجعل الصبار أيوب

الصحراء؟؟

أهي أقدامك التي ظلّت تستجدي

واحة لتعب الطريق،

أم بضع غيمات عجاف؟؟](3).

من هنا، ذلك الاتهام الذي يقذف به الشعر على رمزيته وقدسيته، وإن أنعم بالبديل كمعادل للوهم،بما الفعل انفلاتا هذيانيا، وتجديفا ذهنيا مبتلاّ برذاذ العاطفة والثرثرة القلبية وهي تتيح لونا وضربا من لملمة المفقود وإصابة بضع ونزر السكينة الروحية المسلوبة.

متّهم وفق هذه السياقات،هو الشعر، باللاغائية، وإن جاد بحيوات عوالم الرمزية والمحاكاة أو الموازاة، كونه مجرد تعب ينضاف إلى وعثاء السفر الآدمي داخل دوائر وجود مشوه الملامح ومهزوز الهوية.

في فضاءات مجموعة " بقليل من الحظ" إذن... تتواتر وتتوزع القصائد متأرجحة مابين الخطابات التقريرية والسردية والفنية، كي تشكّل بالنهاية فسيفساء للبوح المدبج بفلسفة الفقد،رافلة بأفق المفردة البسيطة مبنى والمربكة معنى ودلالة،مستقاة من جدار اليوميات والمصفّاة من طقوس المعيش.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.......................

هامش:

(1) من نص "سيرة حياة" صفحة 14.

(2) من نص "دبابيس" صفحة22.

(3) من نص"بضع مشاهد من فيلم قصير جدا" صفحة 88.

 

حيدر حسين سويريكنت قد تحدثتُ مع مدير أحدى القنوات الفضائية العراقية الكبيرة، حول تأسيس شركة إنتاج سينمائي، وفق خطة جيدة تعرف ما يرغب بهِ الجمهور العراقي، كذلك يمكنها تطوير المجتمع العراقي وخلق رؤية جديدة تنهض بالواقع الاجتماعي والامني والسياسي؛ لكنهُ أبدى تخوفهُ من الخسارة المالية، وبالرغم من كوني قدمت لهُ البراهين على عدم الخسارة، بل تكاد الخسارة تكون معدومة وإن لم يوجد ربح، وأن ثمة أفلام ذات إنتاج بسيط حققت جوائز وإيرادات فائقة؛ لكنهُ مع ذلك أصر على خوفهِ ورفض.

قرأت إعلاناً اليوم عن عرض الفيلم السينمائي"روزبة" الذي يحكي قصة الصحابي الجليل سلمان المحمدي"الفارسي" رضي الله عنه، وذلك على صالة المسرح الوطني، خلال الفترة من السبت 18/5 ولغاية 28 من نفس الشهر، وهو من إنتاج العتية العباسية(ولا أدري ما علاقة العتبة في الانتاج السينمائي)! بادرت إلى السؤال عن سعر بطاقة الدخول، فعلمتُ أن سعر بطاقة الدخول(10000دينار) عشرة آلاف دينار.

قبل بدأ عرض الفيلم أريد أن أُخبر المنتج بأن فيلمك خاسرٌ مالياً، وأن الحضور سيكون قليلاً إن لم نقل نادراً، وذلك لعدة أسباب:

1- من خلال معرفتنا بسيرة الصحابي الجليل نستطيع تحديد جمهورهُ، فجمهورهُ هم الفقراء، فمن أين للفقراء أن يقدروا على شراء تذكرة الدخول (10000دينار)!؟ كان من الأجدر جعل سعر التذكرة (1000دينار) ألف دينارٍ فقط، وعندها بدل أن يأتي الشخص مفرداً، سيأتي هو وعائلتهُ، فتكونوا قد أوصلتم رسالتكم من جهة، وربحتم مالياً من جهةٍ أُخرى.

2- وقت العرض غير مناسب (شهر رمضان)، فالناس في رمضان تتجه الى المسلسلات والبرامج الترفيهية، بمعنى أنها تتجه للشاشة الصغيرة (التلفاز)، وإذا فضلت الخروج من المنزل فهي تذهب للمتنزهات وألعاب الاطفال والمطاعم، كذلك يتزامن وقت العرض مع الامتحانات النهائية للدراسة الابتدائية والمتوسطة، وكان يجب عرض الفيلم في(شهر محرم) بالتحديد، وذلك لأن الاتجاه وخصوصاً في بغداد يكون حسينياً صرفاً.

3- جمهور بغداد (أغلبه) بدأ ينفر من كل ما هو ديني، فكان من الاجدر عرض الفيلم في المحافظات ذات الطابع الديني، وعمل إعلان جيد في القنوات الفضائية، لوحات إعلانات الشارع (الثابتة والإلكترونية المتحركة) ليعلم الجمهور بعرض الفيلم.

هذه أهم الملاحظات التي أحببت أن أقولها لمنتج الفيلم (وفقه الله)، كما أتمنى لهُ النجاح من كل قلبي؛ لكن يعصرني الألم أن لا تتبنى شركة مختصة بالأنتاج السينمائي مثل هكذا أفلام أو غيرها من الأفلام، وإلا فما شأن العتبة العباسية في إنتاج الأفلام؟ وهل سنتوقع منها إنتاج فيلماً يحاكي مجتماعتنا الحالية بعيداً عن النزعة الدينية؟

بقي شئ...

نملك كل مقومات العمل السينمائي في العراق، فلماذا لا يتجاسر أحدكم لإنشاء شركة إنتاج سينمائي؟

 

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

 

ابراهيم يوسففي التعقيب على "دموع الصناديد" للصديقة الكريمة  شهربان معدي من الجليل

حينما تعجزُ قدرتنا عن مساعدةِ الآخرينْ

ليتجاوزوا محنتَهم..؟

فمن العيب والحرام أن نحملَ عليهم

 ونهدرَ ما بقيَ من كرامتِهم

*

فلا يجوزُ "للقويّ".. مهما كانتِ الدواعي

 أن يشهِّرَ بمعاناةِ وخيبة المهزومينْ

لا سيّما عندما لا يكونُ القويُّ من المتضرّرينْ

*

من يدري..؟ ربما لو عشنا ظروفَهم

لكُنّا من عدادِ هؤلاء الضحايا المُعَانِيْنْ

*

هذا ما تعلمتُه من الدَّرسِ الأخير

في صفِّ الصحبة الرَّصينة المُقَدَّرة

وشهامة المترفعين.. المحترمين

 *

بِعْ أقراط أختي الصغيرة

وأرسل إليّ نقوداً يا أبي

لأشتري محبرة

 فحياتي عبودية وانتظار

*

أعِدْ إليَّ طفولتي يا أبي

 وضحكاتي القديمة

 على شجرة الكرز وصندلي المعلق

 في عريشة العنب

 لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري

محمد الماغوط

***

في زمن المساواة "والوتس آپ، والسوشي"، وعطر تاهيتي والمثليّة وعريِ النساء، وفي عصر "البرغر" ومُكَيِّفات الهواء..؟ لا زال  صاحب عربة "الكاز" يجرها بغلٌ عجوز، يطلق منفاخ بوقه وهو يجوب أحياء الحارة، فلا يجد لنفسه قلة من الزبائن. لكنه لم يقطع الأمل بعد.. ولا يصدِّق مع شهادتِه على العصر..؟ أنّ الدنيا تغيَّرت وتحولت حضارة الكاز إلى طائرات نفاثة تجاوزت في سرعتها الصوت. فلا المشاة ولا الراكبون على دوابهم بعد اليوم سيبلغون جنة الفردوس. 

هكذا؛ لم يسلِّمْ أبو جعفر أن "بابور الكاز"، انقرض وتقاعد من مسؤولية الطبخ وانتهت صلاحيته من زمان، حينما أوكل أمره إلى الغاز والكهرباء "والميكروويڤ".. وطاقة الشمس. لكن؛ ما زال يراوده الأمل والحنين إلى الماضي، فلم يتوقف عن التجول بعد، وعن إطلاق بوقه معلنا عن قدومه كل صباح، دون أن أتوقف بدوري عن الإحساس بالخيبة والحسرة على انقضاء الرجاء من الكاز والعودة إلى الوراء، بينما الزمن كالطائرات النفاثة، لا يتراجع أبداً ولا يعود إلى الخلف.

والزّمن أيضا يكاد يتجاوز واقع المحمول والحاسوب، "والفاهيتا" وغزل البنات.. وتوليد الجراثيم وعلم الحياة، وكل ما تمخض عنه الفكر البشري الخلاق. هذا الإله الإنساني القادر على هيأة الله ومثاله! لا ندري متى يتحول نشاطه إلى آفاق جديدة ولا نعرف أين ومتى وكيف؟ وهل سيصل المخلص المنتظر ويعفينا من مسؤولية التفكير؟ أم يأتي يوم على أطراف الزمن الآتي من بعيد، ويمكن معه أن نستعيد فيه موتانا إلى الحياة..؟ أم تتواصل متاهة الزمن المقبل والتقدير المستحيل؟.

في عيادة العيون تبسمتْ لي الممرضة الشابة، وأنا أترك للطبيب بطاقة معايدة لمناسبة رأس السنة، فأقرأ حيرة وتردُّداً في عينيها الناعستين، وأبدي لها أسفي حينما لم أرسل البطاقة بالوتس آب، لأنني لا زلت لا أقتني الهاتف المحمول.

أما طشاري رواية التِّيه والشتات والشعور الإنساني العميق. للكاتبة العراقية إنعام كجة جي، وفيها يتمزق شمل العائلات بعد الغزو الأميركي للعراق. وحينما يعصف الحنين بقلبِ جدَّةٍ لاجئة في كندا، لكي تزور قبر زوجها في بغداد..؟ يبتكر لها حفيدها "اسكندر" مقبرة إلكترونية، ويخصص لكل فرد من موتى السلالة المبعثرة في قارات الأرض قبرًا خاصًا به.

ثم يخصص موقعا للمقبرة على شبكة الأنترنت، ويعلِّم جدَّته الطبيبة العجوز كيف تحرِّك "الماوس" لتدخل إلى المقبرة، وتزور قبر جده كلما داهمها الحنين. ويعلمها أيضا كيف تعتني بالقبر، وتغرس بجانبه ما تشاء من النبات، وتروي تربته لئلاّ تذبل الرياحين، وكيف تغيِّر مواقع القبور لحميمية الجوار!؟ وطفل النت المنكود لم يتعلَّم ولا يدري بعد أن قيمة الإنسان الحقيقية، أن يموت في وطنه وأن يحتضنه ويحنو عليه تراب أرضه، ليدفن بين من سبقه من أهله وعشيرته وبنيه.

وهكذا أيضا يا صديقتي التي تدرك جيدا معنى ما أقول، تبقى نكبة الأفراد أقل إيلاما من "طشاري"، وشتات الشعوب ومحنة انتماء البشر في سائر جنبات هذا الكوكب المنكود. فإن كان محمد الماغوط "لا يضع ملاءة سوداء على شارات المرور ويناديها يا أمي، ولا يرسم على علب التبغ الفارغة أشجارا وأزهارا ورياضا وأطفالا سعداء ويناديهم يا وطني"!؟ فكيف لفكر الطفل العنكبوتيّ المنحوس، أن يبتكر مقبرة لجدته على النت، لتزور ضريح جده كلما استبد بها الحنين.!؟

في فترة التحول التِّقَني بين جيلين مختلفين من الطائرات، ونحن مهددون بالصرف من الشركة حيث مارست عملا آلويا، وكان كل ما تعلمناه على الطائرات القديمة لم يعد يجدي أو ينفع في شيء. ورافق شعورنا هذا كثير من خيبات الأمل، كالتهديد بالصرف تعسفا، ومرارة ما بلغناه من سوء الأحوال، وما يترتب من الانعكاسات السلبية على وضعنا العام.

فترة النوم من أسوأ وأصعب الأوقات التي كانت تمعن في تهديدي وإحباطي، وأنا أرى في نومي حافلة النقل الجماعية، التي كانت تقلنا من محطات التجمع إلى الشركة، أنها تجاوزتني وأسرعتْ بالابتعاد عني، وأنا أعدو وراءها ملهوفا مقطوع الأنفاس والعرق يتصبب مني، لأتعلق بالحافلة لكي تقلني إلى عملي، فلا يضيع مستقبل أولادي في المدارس والجامعات.

الاتصالات الوسيلة الحديثة وما يواكبها؟ قتلت سعادة الطفل الذي كُنتُه، وحرمتني المشي حافيا في البراري والحقول. تلك هي ضريبة الآلة نسددها من أرواحنا ودموعنا. لتبقى العودة إلى الماضي لا تخلو من بعض البلسم يداوي.. ولا يشفي.

ولئن كان الشتات قاسيا تنوء بحمله القلوب..؟ وكانت الزينة وكل مصابيح شهر الصوم في رمضان تضيء الشوارع. لكنها لم تعد كافية لتبهج قلبي الحزين..؟ فتعالي بنا إلى استراحة النفوس المنهكة تلطِّف من حدَّتها فيروز؛ عندما يؤرقها السفر والغياب الطويل، ليفيض بها الحنين ويضنيها السكوت عن طرح السؤال. فيروز الروح الخالصة والجسد الطاهر، قربان السيد المسيح عشية الآلام، ونعمة السماء على الأرض، تنقذ نفوسنا من الظلمة والضياع ونوازع الوجع العظيم.

غَرَّبِ جِنَاحُوْ غَرْبِي     وْدَمْعِ السَّفَرْ عَ جْنَاحُوْ

وَصَّيْتَكْ رُوْحِ لْحُبِّي        وْقُلُّو يِسْعِدْ صَبَاحُوْ

مَعْ ضَوِّ الشّمْسْ بُكْرَا     قَلِّي بْشُوْفِكْ عَ الْمَيِّة

خَوْفِي لَ الشَّمْسْ تِسْهَا  وْتِنْسَى تِطْلَعْ صُبْحِيَّة

https://www.youtube.com/watch?v=ENPZqba6ZIc

وهكذا تبقى مقالة شهربان مليئة بلماحة الكاتبة المثقفة المدركة، وسيدة الأسرة الواعية المتفانية في خدمة من يحيط بها، وهي تحوِّلُ الداء إلى دواء في مقاربة وعبقرية الحسن بن هانىء، أحسن الله إليه وطيّب مثواه.

 

إبراهيم يوسف - لبنان

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – حافظ على الطرق الجديدة والاصدقاء القدامى.

التعليق – تؤكد الكثير من امثال الشعوب على الاصدقاء القدامى، منها مثل روسي يقول ان الصديق القديم افضل من صديقين جديدين، ولكن الشئ الطريف والغريب في المثل الصربي هو الربط مع الطرق الجديدة ... . 

*****

الترجمة الحرفية - الامانة أثمن من النقود.

التعليق – مثل انساني نبيل تتناوله أمثال الشعوب و المجتمعات كافة، والامانة بالنسبة لشعوبنا العربية – (اصدق الصدق..) .

*****

الترجمة الحرفية – اختفاء القرية افضل من اختفاء التقاليد.

التعليق – يبين هذا المثل رسوخ التقاليد والحفاظ عليها والالتزام بها عند الصرب، ويمكن فعلا لاي شخص ان يلاحظ ذلك حتى عند الاختلاط البسيط معهم، ومع ذلك، فان بنية هذا المثل متطرفة وقاسية، وربما تعكس هذه البنية وضعية محددة في تاريخهم.

****

الترجمة الحرفية – أي أب، أي ابن.

التعليق – ونحن نقول ايضا، الولد على سر ابيه.

*****

الترجمة الحرفية – اذا تقدر ان تقضم، لا تعرض اسنانك.

التعليق – مثل طريف في معناه المباشر و(غير المباشر ايضا !!)، اذ ان صفة التباهي ومدح النفس مذمومة عند الانسان في المجتمعات الانسانية كافة . الصورة الفنية في هذا المثل تعكس فعلا المعنى الدقيق والساخر الذي اراد المثل ان يقوله في ذم التباهي وشجبه .

*****

الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تجلس عند النيران ولا تفوح منك رائحة الدخان .

التعليق – مثل طريف جدا يتناول تأثير الظواهر المحيطة بالانسان على خصائص ذلك الانسان وسماته، وهو موضوع ينعكس في امثال الكثير من الشعوب . الصورة الفنية في هذا المثل الصربي مبتكرة وغير اعتيادية فعلا.

*****

الترجمة الحرفية – اينما ستذهب، ستعود الى البيت في كل الاحوال .

التعليق – يذكّر هذا المثل من حيث المعنى بقصيدة أبي تمام الخالدة، والتي ذهبت مثلا –

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى // ما الحب الا للحبيب الاول

كم منزل في الارض يألفه الفتى // وحنينه ابدا لاول منزل.

 المثل العربي أجمل، لكن المثل الصربي أكثر سعة و شمولية.

*****

الترجمة الحرفية – لا تطلق العنان للسان في الاحتفالات وفي الحديث، ولا للقلب في الغضب.

التعليق – اللسان عدو الانسان كما يقول المثل العربي الشهير، ولهذا تحثّ امثالنا للحد من اطلاق العنان للسان، وكذلك تدعو امثالنا لكبح الغضب، ولكن الطرافة في هذا المثل الصربي تكمن في توحيد هذين الظاهرتين معا .

*****

الترحمة الحرفية – من الصعب ايجاد الانسان الحقيقي، لكن من السهل التعرّف عليه.

التعليق – يلخّص هذا المثل حقيقة ساطعة فعلا من حقائق الحياة الانسانية.

*****

الترجمة الحرفية – عندما تكذب، اكذب هكذا، وكأنما انت نفسك تصدق ذلك.

التعليق – هذه (نصيحة !) مهمة للكذابين في كل زمان ومكان، وربما يمكن لهذه (النصيحة الثمينة!) ان تقلل من كذب الكذابين هؤلاء (وما أكثرهم حولنا !) . معنى المثل عميق بلا شك، وبنيتة ساخرة جدا،

*****

الترجمة الحرفية – الانسان يريد ان يكون أفضل من الآخرين، لكن أسوأ من ابنه.

التعليق – كل اب يريد لابنه ان يكون متميّزا وناجحا، ولكن طرافة هذا المثل تكمن في الربط بين وضع الاب مقارنة مع ابنه، اذ ان الاب يريد ان يكون الاسوأ.

 

أ.د. ضياء نافع

 

ابراهيم مشارةغدونا لذي الأفلاك لعبة لاعـــب

أقول مقالا لست فيه بكــــــــاذب

على نطع هذا الكون قد لعبت بنا

وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقــــب

عمر بن إبراهيم الخيام

 

إذا كان المعري في الشعر العربي هو "شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء" ذلك أنه ضمن شعره آراءه الفلسفية في الحياة وخلاصة تأملاته وقراءاته في الفكر الفلسفي وقد جمع ذلك كله في  "اللزوميات"، فحق لشاعر نيسابور وعالمها عمر الخيام أن يدعى شاعر العلماء وعالم الشعراء، فقد جمع بين  العلم الدقيق والفن الأصيل وزاوج بين التأمل في العدد والتأمل في الوجود، فجاء في شعره كما جاء في علمه فرادة إبداع وأصالة فكر وصدق فراسة وحرارة وجدان، وحق  لزبدة إبداعه الشعري المعروفة بـ "الرباعيات" أن تنال مرتبة الخلود ومرتبة العالمية، ذلك أنها خير ما أبدعته فارس من الشعر الجامع بين عمق الفكرة وجمال العبارة وصدق الشعور وحق لعمر الخيام أن يستوي بين شعراء فارس شاعرا فذا من كبار شعراء الإنسانية وأن تكون رباعياته زادا فكريا وجماليا وإنسانيا خير ما تهديه فارس إلى العالم .

وحياة الخيام غامضة لا نعرف عنها الكثير وأول شك ينتاب الباحث هو تحديد تاريخ ميلاده وقد تضاربت الروايات في ذلك ومن المرجح أنه ولد في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وقد عاش في زمن السلاجقة

وهو عصر تميز بالإحن والدسائس والاغتيالات،وأما لقب الخيام الذي اشتهر به فقيل أن والده كان صانع خيام، ولقد عرف الخيام منذ حداثة عهده بالألمعية والذكاء، فحفظ القرآن الكريم وأتقن علوم اللغة والدين وآنس من نفسه الميل إلى الرياضيات والفلك فأبدع فيهما وبهما طار ذكره في البلاد الإسلامية وقربه الملوك والرؤساء وكان السلطان ملك شاه السلجوقي ينزله منزلة الندماء والخاقان شمس الملوك ببخارى يعظمه ويجلسه معه على سريره، وأما أصدقاؤه في شبابه فهما "نظام الملك"

و"حسن الصباح" الداعية الفاطمي الذي فر إلى "ألموت" وهي قلعة أسس فيها حكم" الإسماعيليين" الذين قضى عليهم "هولاكو" عام 1256 م ولما استوزر " نظام الملك " جعل لصديقه عمر عشرة آلاف دينارا من دخل نيسابور إجلالا لمقامه وتقديرا لعلمه، ووفاء لميثاق الصداقة بينهما ، ثم اغتيل نظام الملك وانقطع دخل الخيام وقدحت العامة في دينه ورمته بالزندقة فلزم التقية، واختلف مؤرخو زمانه في عقيدته وسيرته قال فيه البيهقي:   " أنه تلو ابن سينا في أجزاء علوم الحكمة وعرفه بالإمام وحجة الحق غير أنه أضاف أنه كان سيء الخلق ضيق العطن وكان يتخلل بخلال من ذهب، أما ابن الأثير في الكامل فذكر أنه أحد المنجمين عملوا الرصد للسلطان ملك شاه السلجوقي سنة  467 هـ وقال عنه القفطي في تاريخ حكماء الإسلام :" إمام خراسان وعلامة الزمان يعلم علم يونان، ويحث على طلب الواحد الديان، بتطهير الحركات البدنية لتنزيه النفس الإنسانية" وأما وفاة الخيام فمنهم من يجعلها سنة 515 هـ الموافق لـ1121 م ومنهم من يجعلها سنة 526هـ الموافق لـ 1132 م ومن مآثر الخيام العلمية " شرح ما يشكل من هندسة إقليدس" و"مقالة في الجبر والمقابلة" ، إضافة إلى أرصاده وأزياجه الفلكية.

وقد قامت شهرة الخيام على الرباعيات وهي تلك المقطوعات الشعرية المقسمة إلى أربعة أبيات ضمنها فلسفته في الوجود والملاحظ في الرباعيات هو اتفاق البيت الأول والثاني والرابع  في الروي واستقلال البيت الثالث برويه وهو ما يشبه كثيرا الدوبيت الرباعي الفارسي الأصل.

ولئن اختلف نقاد الأدب ودارسو حياة الخيام في صحة نسبة الرباعيات إليه أو بعضها، فمن قائل أنها ليست لعمر الخيام الرياضي، وإنما لشاعر آخر بهذا الاسم، إلى ناقد آخر يزعم أن بعضها تصح نسبتها إليه، وبعضها الآخر مدسوس عليه خصوصا ما تعلق بالإشارة إلى الغيب والقدر والإيمان والبعث، وقد تعمد كثيرون تشويه صورة الخيام غيرة وحسدا فنظموا شعرا ونسبوه إليه حتى تثور عليه العامة وينتهي أمره إلى الحاكم الذي سيأمر بقتله رميا بالزندقة، وفي أدبنا نظير لذلك، فالمعري دس عليه الكثيرون شعرا لم يقله يثور فيه على الأديان بل يسفهها وينتقد الرسل ويشكك في عالم الغيب غير أن المعري برئ من ذلك ، ومن قائل أن كثيرا من محبي الخيام والمتحمسين له كلما وجدوا شعرا على شاكلة الرباعيات وخفي عليهم قائله نسبوه إليه عن حسن نية.

ولاشك أن استقصاء الأمر صعب وتتبع مسارب التاريخ المظلمة في ظل غياب الوثائق التاريخية التي تنير حلكاته يجعل من الأمر شبه مستحيل !

ولقد رأى نقاد الأدب عندنا وشعراؤنا المحدثون الرأي الأول أي صحة نسبة بعض الرباعيات إلى الخيام وإنكار البعض الآخر وتحمسوا لها تحمسا منقطع النظير، والحق أن الرباعيات تحفة فنية وكنز أدبي حقيق بالخلود وحقيق بالعالمية لأن مضمونها إنساني، على الرغم من تأخر اكتشاف ذلك ولسكوت فيتزجرالد Scott Fitzgerald  الإنجليزي دالة على الخيام فهو الذي اكتشفها ودرسها وتحمس لها وترجمها إلى الإنجليزية فأحدثت دويا كبيرا تجاوز إنجلترا إلى أروبا وأمريكا ، بل أسس فيتزجرالد ناديا في لندن سماه " نادي الخيام " ضم كل محبي الخيام وشعره ، ولم يكتف بذلك بل سافر إلى مسقط رأس الخيام وزار قبره وأحضر معه زهرة من الزهور الحافة من حول القبر وغرسها في ناديه بلندن حتى تنفحهم  بأريج الشاعر وأريج رباعياته ، ودعك من الأسطورة التي روج لها الكثيرون من محبي الخيام والتي تزعم أن الخيام تنبأ في حياته بنمو نوع معين من الزهور حول قبره ، وهذا اللون من القصص نعرف المغزى منه، فالشخصية التاريخية يخلق محبوها أساطير حولها حتى يستلوا مشاعر الإعجاب من الناس ويخلقوا هالة من القداسة لأن النفس المحبة تنزع إلى أن تشاركها الأنفس مشاعرها ، غير أن الناقد الحصيف لا يفوته ذلك ،وباكتشاف فيتزجرالد للخيام وترجمته لرباعياته تنبه أدباؤنا ونقادنا إلى قيمة الرباعيات ومضمونها الإنساني وغناها الشعوري وقيمها الفنية والجمالية وتحمسوا لنقلها إلى لغة الضاد ومنهم من عربها عن الإنجليزية كمحمد السباعي ومنهم من عربها عن الفارسية كالشاعر المصري أحمد رامي الذي سافر إلى باريس لدراسة اللغة الفارسية عامين منقبا وباحثا في الأدب الفارسي ورباعيات الخيام تحديدا ، وعقب عودته عين أمينا بدار الكتب المصرية وكان قد تهيأ له زاد أدبي فأسقط كثيرا من الرباعيات وعرب ما وثق أنه تصح نسبته إلى الخيام وقد شاعت هذه الترجمة بعد أن غنت أم كلثوم بعضا منها .

وربما كان في ترجمة رامي بعض التصرف غير أنه سعى جهده حتى لا يتقول على الخيام ما لم يقله وأن يخرج عن روح الرباعيات ساعيا جهده في ذات الوقت أن تكون الرباعيات في العربية تحفة بيانية وإنسانية وغير السباعي ورامي من الذين ترجموا الرباعيات الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي وأحمد الصافي النجفي وقد عرباها عن الفارسية، ووديع البستاني والشاعر البحريني إبراهيم العريض الذي توفي حديثا وقد عرباها عن الإنجليزية ، وليست هذه هي كل الترجمات إنما المشهور منها وستبقى بسحرها ومضمونها الإنساني وحيرتها الوجودية مصدر إغراء للأدباء العرب على مر الأجيال وكر الدهور بنقلها كرة أخرى إلى العربية إمعانا في الدقة  والقرب من روحها وروح مبتكرها .

فرباعيات الخيام إذا ترنيمة حزينة تنعى إلينا زوال الإنسان وهيمنة الزمن وقهره للموجودات وانقلاب لحظات المتعة شقوة وهيمنة الزمن وقهره للموجودات وانقلاب لحظات الإنسان مجرد ذكرى شأن الجذوة تشع نارا ونورا ثم تخبو رمادا والإنسان لا حول له ولا قوة أمام هذا القهر الكوني المتجلي في الموت الذي يطال بسيفه الإنسان ثمرة الوجود ومكمن العبقرية وسر الحياة ومستودع المشاعر فيغدو ذلك الكائن رهين اللحد والدود والظلام الأبدي كأن لم يكن بالأمس ذلك الشاعر أو العالم أو الحاكم أو الفقيه أو الثري الذي ملأ الأسماع والأبصار، وتغدو لحظات صفوه

وأنسه مجرد ذكرى، فما الذي ينقذ الإنسان من هذا المأزق الوجودي؟ لا شيء غير طلب النشوة التي تهيؤها الخمرة والبهجة التي ينشرها مجلس أنس وذلك عزاؤه وذريعته إلى تناسي فجيعة الموت مادام ليس في الإمكان تفادي قبضته . قال الخيام (من ترجمة إبراهيم العريض من المتقارب):

فهات حبيبي لي الكأس هــــات

سأنسى لــــــها كـل ماض وآت

غــدا ويح نفسي غدا قد أعــود

وأعرقهم في البلى من لداتــي

ويقول أيضا:

أفق يا نديم استهل الصبـــــاح

و باكر صبوحك نخب الملاح

فمكثك بين الندامى قليــــــــــل

ولا رجعة لك بعد الـــــــرواح

وليست فجيعة الزوال مشاعر حوم حولها الخيام لوحده فطرفة بن العبد الشاعر الجاهلي الذي قتل في سن السادسة والعشرين تناول ذلك في

شعره :

ألا أيهذا الزاجري أن أحضر الوغى

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ؟

فإن كــنت لا تستــطيع دفــع منيتـي

فـــدعني أبــادرها بما مـــلكت يدي

ويقول كذلك :

لعمرك إن الموت ما أخـــطأ الفتى

لكـــالطول المرخى وثنياه باليــــــد

متى مــــا يشــأ يومـــا يقده لحتـــفه

ومــن يــك في حبل المنية ينـــــــقد

غير أن الخيام يمتاز عن طرفة وغيره ممن تناولوا فجيعة الرحيل بإبداع معمار فني ضمنه فلسفته الوجودية من المقطع الأول إلى المقطع الأخير دون أن ينصرف إلى أشياء أخرى أو يتناقض مع نفسه وذلك هو امتيازه الكبير.

وللخمرة حضور قوي في الرباعيات بل هي محورها الأساسي أليست مهوى القلوب ومطلب الأنفس الشاعرة وملجأ المعذبين يتوسلون بها عرائس الشعر علها تجود عليهم بآيات العبقرية بل حتى المتصوفة وهم رهط من الناس انقطع إلى العبادة والتأمل والمجاهدة طلبا للعرفان وقد عرف هذا الرهط بالتقوى وقيام الليل وما ذاقوا خمرة في حياتهم قط، لم يجدوا غير الكرمة  والخمرة والكأس يكنون بها عن الحب الإلهي والانتشاء به، متناسين دنياهم منقطعين عن العالم متوحدين في الأباطح والقلل،ألم يقل ابن الفارض مكنيا بالخمرة عن الحب الإلهي:

شربنا على ذكر الحبيب مدامـــــــة

سكرنا بها من قبل أن تخلق الكـــرم

صفاء ولا مــاء ولطف ولا هـــــــوا

ونـور ولا نــــار وروح ولا جسم !

وقــالوا شربت الإثم كلا وإنمـــــــــا

شربت التي في تركها عندي الإثــم !

أما خمرة الخيام فهي بنت الكروم وقعيدة الدنان، هي خمرة حقيقية وليست مجازية هي سلوى الراحل وعزاؤه وذريعته إلى النسيان بها تقر عينه وتنتشي نفسه، ويسكن رأسه فلا جرم أن يطلبها ملحا في طلبها قبل ساعة الرحيل:

سيحيا لحبك قلبي  المــــــــعنى

لـجورك مادام وعدك مــــــــــنا

لطرفك يسقي مع الخمر خـــمرا

فـيبدع  فــــــــــــــنا وأبدع فـــنا

ثم يضيف:

فـــــجدد  مع الكأس عهد غرامك

وحــــــــل مرارتها بابتسامــــــك

وعجل فجوقة هذي الطــــــــــيور

قد لا تطيل الطواف بجامــــــــــك

وأما المقاطع التي تغنت بها سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق الراحلة السيدة أم كلثوم ومن ترجمة صديق عمرها الشاعر الكبير أحمد رامي فمن البيت الأول يبدأ حديث الخمرة والزوال غير أن أم كلثوم وصاحبة العصمة كما كانت تدعى، والتي كانت تتمنع عن الغناء في مكان تدور فيه الصهباء وهي المعروفة بعفافها وتقواها وحرصها على أداء الصلاة، وقد تميزت عن جل المغنيين في زمنها بثقافة أدبية عريقة، وذوق فني عالي غذته بقراءة دواوين فحول الشعراء وأمهات كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد وخزانة الأدب وغيرها من كتب الأدب، ولم تشأ أن تذكر الخمرة فيما تغنت به من شعر الخيام فغيرت كلمة" الحان" إلى كلمة "الغيب" وعدلت عن كلمة "الطلى" إلى "المنى" فغنته وفقا لسلوكها وشخصيتها .

قال الخيام من ترجمة رامي من بحر السريع كما تغنت به أم كلثوم:

سمعت صوتا هاتفا في الســــــحر

نادى من الغيب غفاة البشــــــــــر

هبوا املأوا  كــأس ا لمنى قبل أن

تفعم كأس العـــــــــــمر كف القدر

 

وأما ترجمة العريض عن النص الإنجليزي لهذا المقطع بالذات فجاءت هكذا (من المتقارب):

لقد صاح بي هاتف في السبات

أفيقوا لرشف الطلى ياغفـــــــاة

فما حقق العـــــمر مثل الحباب

ولا جدد العمر مثل الســــــــــقاة

وبين المقطعين اختلاف في إصابة المعنى الذي أراده الخيام والراجح أن رامي الأقرب إلى إصابة المعنى باعتباره عربه عن الفارسية رأسا، غير أن هذا يخلق إشكالية في الأدب تذهب حد اتهام الترجمة بالخيانة أي خيانة النص الأصلي والخروج عن معانيه الدقيقة وذلك راجع لاختلاف روح اللغة المترجم عنها والمترجم إليها، وقد كان الجاحظ يرى أن الشعر لا يترجم بهذا المعنى !

لقد كان الخيام إذا عقلا باحثا في علة الوجود ونفسا لا تركن إلى يقين، وأراد أن يتجاوز في فهمه للوجود النصوص الدينية معتمدا على تفكيره الحر وثقافته الفلسفية التي استمدها من الفكر اليوناني وربما الهندي وهو من الذين يحق عليهم قول أبي الطيب :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

وفي الرباعيات إشارة إلى مكابدة المعرفة وجحيم الشك والمجاهدة في سبيل اليقين لولا أن العمر لا يفي بذلك (من السريع):

أحس في النفس دبيب الفــــــــــــناء

ولـــــــــم أجن من العيش إلا الشقاء

يا حسرتا إن حان حيني ولم يتـــــح

لعقلي حل لـــــــــــــــــغز القضاء

وهو في شعره يسمح لعقله بأن يوغل في التفكير في مسائل الغيب وتقليب الأمر على وجوهه كمجيء الإنسان إلى الدنيا اضطرارا والغاية منه، لكن التفكير لا ينتهي بالشاعر إلى يقين:

قال الخيام( من ترجمة رامي من السريع):

لـــــبست ثوب العيش لم أستــــــــــشر

وحــرت فيه بــــين شتى الفــــــــــــكر

وسوف أنضو الثوب عني يوما ولــــم

أدرك لـماذا جئت، أين الـــــــــــــمفر؟

فليطلب الشاعر شيئا من العزاء في حضرة الكأس، ألا إن لحظات النشوة بدل من خلود فما أغلاها من بدل والخمرة تثير في النفس قابليات صوفية، فقد نص وليم جيمس على أن قوة الكحول راجعة بلا شك إلى قدرته على إثارة القابليات الصوفية وهي ذلك المد من الطوفان الذي ينبثق من الدفء الداخلي والنشاط الحي وهي مستعصية في أوقات الصحو لارتباطها بالمتطلبات والشكوك والانطباعات الذاتية وقوة الكحول تأتي من قدرته على شل هذه الديدان الماصة للحيوية، تاركة الحرارة الحيوية لتتجمع وتشكل نوعا من الخزان الداخلي الذي هو في مضمونه تركيز للطاقات للوصول إلى لحظة "الذاتية الداخلية" .

والخيام الشاعر كما يحتفي بالخمرة يحتفي بالجمال ذلك أن قدرة الخمرة في إحداث التركيز تتيح للشاعر طرح كل همومه وأحزانه ووساوسه والتأمل في الجمال والإحساس به وتذوقه في الطبيعة والإنسان، وقد عشق الخيام الفتاة" نسرين" والتي اقتبست من الزهر اسمه وشذاه وجماله لولا أن عصفت بها ريح المنون في مقتبل العمر فأورثت الشاعر حسرة وعمقت فيه الإحساس بجبروت القدر وقهره وعدم استجابته لرغائب النفس وأحلامها، وفي أحضان الجمال يسهو الشاعر قليلا عن لوعة الفناء ومن ترجمة العريض من (المتقارب) يقول الشاعر :

ويا ليت شعري أ تلك الزهــور

عرائس نعمى جلتها الســـتور

فمن قبلة الشمس هذا الحـــياء

ومن لؤلؤ الطل ذاك السرور؟

وجوهر الجمال هو النزوع إليه وتعشقه تعشق الفراش للنور والهيام به لأن في الحب سلوى عن زوال الموجود:

قال الخيام من ترجمة رامي (من السريع):

أولى بــهذا القلب أن يخــــــفقا

وفي ضـــرام العشق أن يحرقا

مــا أضيع اليوم الذي مــــربي

من غير أن أهوى وأن أعشقا !

وفي الرباعيات ظاهرة لا يمكن إغفالها تتعلق بنقد الناس والتنديد بالنفاق وتعلق الناس بالمظاهر مهملين الجوهر، ويبدو أن الشاعر عانى من ألسنة الناس وخاصة عوامهم كما عانى من مطاردة الفقهاء له الذين ربما رموه بالمروق عن الدين والفسق والعربدة، ولذا صب الخيام جام غضبه على هؤلاء الناس متهما إياهم بالنفاق، واقرأ ذلك كله في هذين البيتين من ترجمة جميل صدقي الزهاوي( من الخفيف):

قال شيخ لــمومس أنت سكرى

كل آن بصاحب لك وجـــــــــد

قال إني حـــــــقا كما قلت لكن

أنت حقا كما للناس تــــــــبدو؟

ومع تصريح الشاعر بطلب المتعة والنشوة تناسيا لأوصاب الوجود وجحيم الشك وعذاب الفكر وسلاطة ألسنة الناس ظل في عقله الباطن يحمل تبعة الإحساس بالذنب وهو المسلم الذي يتلو من القرآن آيات تنص على حرمة الخمر واعتبارها من الموبقات، وعن العذاب الذي أعده الله لمتعاطيها إن لم يكفوا عنها،غير أن الشاعر سيجازف بطلبها إلى آخر رمق من حياته معتمدا على إيمانه بالله وبوحدانيته وعلى فعله المعروف وإحسانه إلى الفقراء ليسلم من النقمة وفوق ذلك كله ملتمسا عفو الله الذي أوصى عباده أن لا يسرفوا على أنفسهم لأن الله يغفر الذنوب جميعا.

قال الخيام من ترجمة مصطفى وهبي التل( من الطويل):

إلــــــــهي قل لي من خلا من خطيئة

وكيف ترى عاش البرئ من الذنب ؟

إذا كنـت تــــجزي الذنب بمـــــــــثله

فـمـــا الــفـرق بـيـنـك وبـيـني يا ربي؟

فليسع الشاعر إلى الحان طالبا لحظات الصفو مع ندمائه، ملتمسا السعادة من دنان بنت الحان وليشفع له إيمانه بالله ووحدانيته، كما قال من ترجمة العريض (من المتقارب):

لئن قمت في البعث صفر اليدين

وعطــــــــل سفري من كل زين

فيشـــفع لـــي أنـــني لم أكــــــن

لأشرك بالله طرفة  عيـــــــــــــن

وذلك ما حدا بالشاعر إلى اختتام رباعياته بتلك الأبيات التي تنم عن حرارة إيمانية وتسليم بوحدانية الله وأمل في عفوه متوسمة عطفه ورحمته:

يا عـــــالم الأسرار علم اليقين

يا كاشف الضر عن البائسين

فئنا إلى ظلك فــــــــاقبل عن

عـــبــــادك تــــوبة التـــائبين

وهي عودة إلى شاطئ الإيمان بعد التيه في أقيانوس التفكير وفيافي التأمل والبحران وما يلقى صاحبه من مكابدة ومجاهدة وعذاب نفسي كبير ولربما استعان الشاعر بيقين الرياضيات على شكوك الإنسانيات ولربما أعطته نتائج الرياضيات بعض الراحة والعزاء فأوغل في هذا العلم إيغالا منقطع النظير فتوصل إلى نتائج قيدت باسمه كحل معادلة من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وطبق الرياضة على الفلك ذلك  العلم الذي يعني في لاوعيه المطلق والسامي والعالم الحر بلا حدود وهي مفاهيم يتعشقها الخيام، وله في الفلك بحوث جديرة بالإعجاب والتقدير، ولربما استعان الشاعر بالخمرة كما يرى وليم جيمس حتى يصل إلى مرتبة الذاتية الداخلية ويشل في نفسه وعقله كل الديدان الماصة للحيوية فيندغم بنشوة الخمرة في الوجود فتصبح الذات والموضوع واحدا، خاصة إذا رأى الإنسان أن المعرفة لا تنتهي بالإنسان إلى معرفة كل ما يجهله لأن العمر ذاته قصير ألم يقل المتنبي ذات مرة:

ومن تفكر في الدنيا ومهجــــته

أقامه الفكر بين العجز والتعب !

ومن ثمة يغدو الإحساس بالوجود وبمحاولة الاندغام فيه ومعالجته بالذوق خير ما يسعف المتأمل إذا استعصى عليه تحويل الوجود إلى موضوع يشبعه بحثا ودرسا واستقصاء .

كذلك كان الخيام في علمه وفي شعره وفي سيرة حياته عقلا جبارا لايني يفكر ويدرس ويستقصي، وقلبا إنسانيا رقيقا انطوى على أنبل المشاعر، ونفسا إنسانية كذلك رهيفة نأت عن النفاق والأنانية والكذب والحسد والشره وهي من أرذل الصفات التي ندد الخيام بها.

ولقد أهدى إلينا فتى نيسابور" الرباعيات" وهي في رأينا أجود آثاره وأجل أعماله، ذلك أن العلم الرياضي والفلكي اللذين مارسهما الشاعر تجاوزهما العلم الحديث ولم تعد لهما من قيمة- اللهم إلا تتبع تاريخيهما وآلية تطوريهما - ولقد أهدى إلينا شعراؤنا وأدباؤنا رباعيات الخيام في حلة عربية قشيبة فكانت في العربية كما كانت في الفارسية آية من آيات البيان والفكر والشعور .

 

ابراهيم مشارة

 

محمد صالح الجبوريالإذاعة من وسائل الإعلام التي تعتمد على حاسة السمع، فهي وسيلةبسيطة في نقل الأخبار والبرامج المنوعة، وساهمت في توعية الناس وارشادهم، والإذاعة العراقية تأسست رسميا عام 1936 م، في العهد الملكي، اسسها الملك غازي رحمه الله، وهي من اقدم الاذاعات في الشرق الاوسط، وعرف المذياع في ذلك الزمان، و يوضع المذياع في المقهى، ويتابع الناس الاخبار والبرامج التي تقدمها الإذاعة، ويجلس في المقهى ادباء ومثقفين وسياسيين يناقشون مواضيع سياسية واقتصادية تخص البلاد، وتأثير الحروب والاوضاع العالمية على البلاد، ولم يمتلك المذياع الا الاغنياء وكبار الموظفين، بسبب إرتفاع سعره، و المقهى يعد في ذلك الزمان مكانأ للراحة ومنتدى ثقافي، تطالع الناس فيه الصحف والمجلات، ولكل مقهى رواده، واشتهرت المقاهي في بغداد، الزهاوي، حسن عجمي، البيروتي، المميز، البرلمان، البرازيلية، ابراهيم عرب، الشابندر، وغيرها، وفي الأرياف يوجد في كل قرية مذياع، يجتمع الناس في مكان خاص بهم يتابعون البرامج الإذاعية، السياسية والأخبار والاغاني، و المحاضرات التي يلقيها مصطفى جواد، فؤاد جميل، حمدي الاعظمي، عبد المنعم الكاظمي، الملا عبود الكرخي، والاذاعة لهادور في تثقيف الناس، وارشادهم في القضايا الوطنية والقومية وساهمت في الثورات التي حصلت في البلاد العربية، ويحتفظ الكثير من الناس بذكريات جميلة عن الإذاعة، المذياع تطورت صناعته في دقته وحجمه، لا زالت الذاكرة تحتفظ ببرامج واغاني كانت تبثها الإذاعة، في زمن كانت الوسيلة المفضلة، وكانت هناك اذاعات منوعة اذاعة البي بي سي، صوت امريكا، الشرق الاوسط، القاهرة، صوت العرب، عمان، الكويت، كنا نتابع الإذاعة، ويدركنا النوم، وننسى اطفاء الراديو ويبقى يعمل حتى الصباح، ونحن في نوم عميق، واحلام سعيدة، أيام جميلة خلت بذكرياتها وبساطتها، وطيبة أهلها.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

ضياء نافعالترجمة الحرفية – عندما يقوم الرب بتوزيع السعادة، فانه لا يسأل ابن من انت.

التعليق – صورة فنية جميلة جدا في هذا المثل الصربي، اذ انها تعكس المفاهيم الشعبية الراسخة عند مختلف الناس وعبر كل العصور حول مصدر السعادة اولا، وان السعادة هذه، ثانيا، عندما تكون صادرة عن العادل المطلق، فانها لا تخضع ابدا للاحكام الطبقية الظالمة في المجتمع الانساني .

***

الترجمة الحرفية – ليس وراء المائدة، وانما في السجن تفهم، من هم الاصدقاء الحقيقيون لك.

التعليق – الصديق وقت الضيق كما يقول المثل العربي الشهير، ويتكرر نفس المعنى عند معظم الشعوب وبصيغ مختلفة ومتنوعة، والصيغة الصربية طريفة حقا، فالسجن هو (وقت الضيق) فعلا وبلا ادنى شك. 

***

الترجمة الحرفية – اذا كنت جسرا، فكل واحد يقدر ان يعبر فوقه.

التعليق – دعوة دقيقة وصريحة لضرورة بلورة الملامح والسمات الشخصية عند كل انسان، كي لا يكون (معبرا) ليس الا للآخرين. مثل تربوي عميق بصيغة تطبيقية طريفة وذكيّة ومفهومة للجميع .

***

الترجمة الحرفية – الاكثر ثقلا هو الكيس الفارغ.

التعليق – هل تذكرون القول الخالد في تراثنا عن الذي (حمل الحديد والصخر ولم يجد اثقل من الدين!) ؟ . المثل الصربي رمزي وفلسفي ويتضمن صورة فنية مثيرة وجميلة.

***

الترجمة الحرفية – العلم هو ثمرة حلوة ذات جذر مرّ.

التعليق – طبعا، لان العلم يتطلب جهودا هائلة و(مريرة !) للوصول الى ثمرته (الحلوة!) . مثل جميل وذكي، ومعناه العام موجود باشكال مختلفة عند الكثير من الشعوب الاخرى، بما فيها طبعا شعوبنا العربية .

***

الترجمة الحرفية – خذ تحية للشيطان، اذا هو يقول الحقيقة.

التعليق – مثل يمجّد الحقيقة بغض النظر عن مصدرها، وفي هذا الجانب فانّه مثل رائع، ولكنه من جانب آخر غير واقعي تماما، اذ كيف يمكن للشيطان ان يقول الحقيقة ؟ ورغم ذلك، فان المثل طريف بشكل عام .

***

الترجمة الحرفية – الشكوى والبكاء لذاك الذي يقدر ان يساعد.

التعليق – مثل صحيح جدا، ولهذا نحن نقول – الشكوى لغير الله مذلة.

***

الترجمة الحرفية – الانهار العميقة تجري بهدوء.

التعليق – مثل عالمي عند الكثير من الشعوب، فالضجيج والادّعات العنترية تصاحب دائما الناس الفارغين والتافهين (وما اكثرهم في مجتمعاتنا مع الاسف) . هل تذكرون بيت الشعر العربي الجميل والذكي والخالد، الذي ذهب مثلا، عن السنابل المليئات اللواتي (ينحنين تواضعا) وعن السنابل الفارغات وكيف ان (رؤوسهن شوامخ!)؟

 

أ. د. ضياء نافع