عقيل العبودالذي يعده الإعلامي علي عذاب

من خلال متابعتي لبرنامج من الواقع للإعلامي القدير علي عذاب، لاحظت ان هنالك طاقما كاملا يسعى لتلبية حاجيات ما يفرضه الواقع اليومي لحياة الكثير من المعذبين والفقراء على هذه الأرض.

هنا باعتباره نموذجاً حياً لإستقراء المشاهدات والتفاصيل اليومية للكثير ممن أتيح لي المجال لمتابعة حالته الاجتماعية والنفسية، العراق ساحة خصبة لإيجاد برامج اجتماعية تثقيفية تمويلية تأخذ على عاتقها القيام بالمهمات والمسؤوليات الاخلاقية، والوظيفية التي تفرض نفسها على اصحاب الضمائر الحية سواء محليا، اوعربيا، اوعالميا وهم بحسب ما يبدو كثر، باعتبار ان الغريزة الانسانية تبحث عن تحققها الملموس بإزاء ما يفرضه الواقع من معاناة.

والفكرة من الموضوع ان السياسة الحقيقية هي الإعلام الذي يجب ان يمارس طقوس سلطته التثقيفية التنويرية لتبني حياة الجمهور نفسيا واجتماعياً، واقتصاديا.

والإعلام هو الباب الذي به يتم الانفتاح على لغة الواقع بحثا عن الطريقة الأصلح لمساعدة الآخرين، والإهتمام بمطالب الجمهور.

وهذا مفيد في تحفيز المصادر، اوالموارد التمويلية التي يمكن الاستفادة منها لوضع برنامج اداري تخطيطي تمويلي ينوب عن ادارة الدولة العراقية الحالية، خاصة بعد ان فشلت اكثر مؤسساتها للقيام بأعمالها ومسؤولياتها الحقيقية.

ومن هذه المصادر هي مصادر الإنفاق الديني، ورواتب البطالة المقنعة، وما يدخل في التمويل الفائض عن الحاجة، واقصد به الرواتب الضخمة التي يتقاضاها المسؤولون العراقيون سيما وأنهم لا يستحقون هذا الكم من الرواتب قياسا الى ما يقومون به.

وخلاصة البحث ان برنامج من الواقع، يمكن ان يكون مدخلا للقيام ببرامج اخرى متعددة، تنويرية، وتمويلية واستثمارية، والاستثمارية هنا اقصد بها تشغيل الأيادي المعطلة في مجالات كثيرة، كالنحت، والرسم، والنسيج والزراعة وغيرها.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان جامعة ساندياكو وباحث اجتماعي

 

جودت هوشيار"المعطف" رواية قصيرة للكاتب الروسي نيكولاي غوغول، شكلت نقطة تحوّل مفصلية بالغة الأهمية في الادب الروسي، وامتد تأثيرها الى مجمل الأدب العالمي، فقد كانت جديدة في موضوعها واسلوبها الساخر الكوميدي – المأساوي، والأهم من ذلك انها كانت اول قصة عن "الأنسان المقهور" - من حيث موقعه في السلم الاجتماعي بصرف النظر عن صفاته الشخصية - وما يعانيه من ظلم اجتماعي وانتهاك لكرامته الانسانية، في حين كان الادب السردي الروسي قبل "المعطف" يتناول في المقام الأول، حياة ومشاغل الطبقة المرفهة من الأقطاعيين والنبلاء، واصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع .

في "ألمعطف" تهكم لاذع، وانتقاد شديد للقيم الأجتماعية الزائفة، التي كانت سائدة في المجتمع الروسي في العهد القيصري . وتوحي القصة بفكرة الحاجة الى بنية اجتماعية أكثر انسانية وعدالة . ولهذا اصبحت الأفكار والصور، التي تزخر بها قصة "المعطف" معينا لا ينضب للكتاب الروس الآخرين، وفي وقت لاحق للعديد من الكتّاب الأجانب في شتى انحاء العالم .

قصة "المعطف" بضمير المتكلم، والراوي على دراية جيدة بحياة الموظفين . بطل القصة اكاكي اكاكفيتش باشماتشكين- موظف صغير باحدى ادارات سانت بطرسبورغ . وهو شخص بائس وذليل . ويقول غوغول ان أكاكي أكاكيفتش: "رجل قصير القامة، مجدور الوجه، بشعر مائل الى الاحمرار، ضعيف البصر. له صلعة صغيرة في مقدمة رأسه، وتجاعيد على خديه.

وكان زملاء العمل، بستخفون به استخفافا يقابله بلا مبالاة، وردًا على اي اهانة توجه اليه، كان يكرر عبارة واحدة لا تتغير: " دعني وشأني، لماذا تسيء إليًّ؟ . حتى الحراس في الدائرة كانوا ينظرون اليه كمكان فارغ حين يمر امامهم، كما لو أن ذبابة حلقت عبر غرفة الاستقبال. وكان هناك شيء غريب في كلماته وصوته – كان فيه شيء ما يدعو الى الشفقة. .

البناء السردي في "المعطف" مبتكر، حيث تتحول الصورة الهزلية لـاكاكي اكاكفيتش تدريجيا الى صورة مأساوية ً.

الخياط الذي قام بترقيع المعطف مرات عديدة، رفض ترقيعه مرة أخرى، لأنه أصبح رثا باليا، بحيث لم يعد بالإمكان إصلاحه. ونصح اكاكي اكاكافيتش بتفصيل معطف جديد له، ولكن الموظف الصغير البائس، لم يكن يملك أي مال، ففرض على نفسه حالة من التقشف الصارم لكي يستطيع تامين ثمن المعطف الجديد : في المساء لا يشعل الشموع، لا يشرب الشاي.، يمشي في الشوارع خفيفا وبعناية شديدة، "تقريبًا على أطراف أصابعه"، لكي لا "يمسح الحذاء سريعا، ولم يعد يعطي ملابسه المتسخة لغسالة الملابس الا نادراً . ويقول غوغول : " في البداية كان من الصعب إلى حد ما أن يعتاد اكاكي اكاكافيتش على مثل هذه القيود، ولكن بعد ذلك اعتاد عليها بطريقة ما، وتكيّف معها بسلاسة؛ حتى أنه كان معتادًا تمامًا على الجوع في المساء، ولكنه كان يتغذى روحيا، حاملاً في ذهنه الفكرة الأبدية للمعطف المستقبلي. يصبح المعطف الجديد حلمًا، ومعنى لحياة اكاكي اكاكافيتش.

هذا هو المعطف الجديد جاهز الآن . ولهذه المناسبة يقيم زملاؤه مأدبة على شرف المعطف . اكاكي اكاكفيتش السعيد لا يلحظ أنهم يسخرون منه . وفي الليل عندما كان في طريقة الى مسكنه، هاجمه اللصوص وانتزعوا منه معطفه الجديد . سعادة هذا الانسان لم تدم سوى يوما واحداً، عندما ارتدى معطفه الجديد . في اليوم التالي جاء اكاكي اكاكافيتش الى مقر عمله شاحب الوجه مهموما، وهو يرتدي معطفه القديم المهلهل، الذي اصبح رثا وباليا أكثر من السابق . ثمّ ذهب الى مركز الشرطة طلبا للمساعدة، ولكن لم يلتفت احد الى شكواه . فلجأ الى " مسؤول مهم " لعله يساعده في استعادة معطفه الجديد، ولكن المسؤول طرده شر طردة، ورفض سماع شكواه . أثرت هذه الصدمات المتلاحقة في نفس اكاكي اكاكفيتش لدرجة أنه لم يستطع تحملها . وسرعان ما مرض ومات. "اختفى الى الأبد مخلوق لم يكن محميا من أحد . ولا عزيزاً على أي أحد، ولم يهتم به أحد . ولم يشعر بالسعادة في حياته، إلا حين أضاء المعطف الجديد حياته الكئيبة ليوم واحد".

ويقول غوغول ان موت "انسان صغير" لم يغير شيئا في القسم الذي كان يعمل فيه، وسرعان ما حلّ موظف آخر محله ببساطة.

رغم ان " المعطف " قصة نموذجية لحياة رجل مقهور في مدينة كبيرة، الا انها تنتهي بشكل خيالي . فبعد وفاة اكاكي اكاكفيتش يظهر شبح هائل الحجم في شوارع سانت بطرسبورغ ليلا، ويقوم بانتزاع معاطف المارة . البعض شبه الشبح باكاكي اكاكفيتش والبعض الاخر لم يجدوا أي شيء مشترك بين الشبح السارق وبين الموظف الخجول المتوفي .

ذات ليلة التقى الشبح "المسؤول المهم" وجها لوجه وقام بتمزيق معطفه . واثار الرعب والهلع في نفسه الى درجة انه خشي من آثار هذه الواقعة على صحته . بعد هذا الحادث بدأ هذا المسؤول في التواصل مع الناس على نحو أفضل .

تشير نهاية القصة الى ان المؤلف. يتعاطف مع مصير "الانسان المقهور". ويدعونا إلى أن نكون منتبهين لبعضنا البعض، وكأنه يحذر من أن الشخص المسيء سيكون مسؤولا في المستقبل عن اساءاته للناس .

قصة المعطف تعكس ثنائية التعاطف والسخرية في اسلوب غوغول، وتؤكد ان الموظف الصغير المقهور قادر على التمرد والأنتقام .

" الانسان المقهور " في آداب الشعوب  

منذ نشر قصة " المعطف " تناول معظم الكتّاب الروس ثيمة "الانسان المقهور" على نطاق واسع . ويمكن القول أنه لا يوجد كاتب روسي – منذ نشر معطف غوغول - لم يتناول " الانسان المقهور " في أعماله وفي مقدمتهم ايفان تورغينيف، وفيودور دوستويفسكي وانطون تشيخوف، وميخائيل زوشينكو .

لقد اعتاد الباحثون والتقّاد الروس على اقحام اسم أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين في كل صغيرة وكبيرة في الأدب الروسي، والاشادة بريادته في كل ما احرزه هذا الأدب من انجازات عظيمة. وهم يقولون ان بوشكين هو اول من صوّر الانسان المقهور – ويسميه الروس – الانسان الصغير – في قصة " ناظر المحطة " . اجل ثمة " رجل صغير" في هذه القصة، ولكنه ليس مسحوقا ولا متمردا، ولا علاقة بين" ناظر المحطة " وبين رائعة غوغول " المعطف " واسلوبه المتفرد، الذي يمتزج فيه التعاطف والشفقة بالتهكم والسخرية . ناظر المحطة لم يتمرد على واقعه البائس، ولم يفكر في الانتقام من الضابط الذي أغوى ابنته، وحرمه من رؤيتها . تخطى تأثير قصة " المعطف " حدود روسيا الى الآداب الأخرى . وأصبح " الانسان المقهور " البطل المفضل لمئات الكتاب الآخرين في أنحاء العالم جيلا بعد جيل .

ويبدو تأثير قصة "المعطف" واضحا في الكثير من قصص كبار الكتّاب الغربيين والعرب، منهم فرانز كافكا، وشيروود اندرسون، وجيمس جويس، ونجيب محفوظ وغيرهم..

قارن الكاتب الروسي –الأميركي فلاديمير نابوكوف – خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية – بين قصة " المعطف " لنيكولاي غوغول، وقصة " التحول " لفرانز كافكا . انسانية بطل القصة في كلتا الحالتين تفصله عن الناس الآخرين من القساة، عديمي الضمائر والشفقة .، حيث نجد البطل يقوم بتمزيق شرنقته،ويتخطى حدود الهوية المفروضة عليه، ليتحول الى شبح هائل

قال غابريل غارسيا ماركيز : " ان الواقعية السحرية لأميركا اللاتينية مدينة الى حد كبير لقصة "المعطف" لغوغول ".

قصة نجيب محفوظ " المقابلة السامية " – المنشورة في مجموعته القصصية " الجريمة " تتناول مشكلة الموظف الصغير المنسي، الذي يعمل في قسم الأرشيف، ويعاني من نظام بيروقراطي ظالم، يسود فيه التسلسل الهرمي للسلم الوظيفي والاجتماعي،. هذا السلم الذي يقضي على احلام الانسان المقهور في مجتمع يفتقر الى العدالة الأجتماعية .

حاول موظف الأرشيف مقابلة مديرعام المصلحة، ولكن ساعي السكرتير الخاص، لم يسمح له بالدخول، ونصحه ان يكتب حاجته على عرضحال تمغة وارسالها بالطريق الاداري المتبع. .

مرت مدة طويلة، تابع موظف الارشيف خلالها سير شكواه دون جدوى، واخيرا تمًّ حفظ الطلب . ولكنه لم ييأس، واخذ يتحرى مواعيد المدير العام وحركاته وسكناته، وقرر ان لا يذعن للقوة الباغية، ولا للأوامر المكتبية العمياء . واراد عرض طلبه على المدير العام مباشرة لدى خروجه من المصلحة في نهاية الدوام الرسمي ,

يقول موظف الارشيف :" وعندما حاذاني في سيره بسملت ثم وثبت نحوه لأجثو بين يديه مستعطفا .

وصاح رجل :

- المجنون .. حذار يا صاحب السعادة

ووقع اضطراب شامل وضوضاء عالية ".

لم يدرك ما حدث فقد حوصر تحت ضغط غشرات من الأيدي القوية، ووجهت اليه تهمة الاعتداء على المدير العام انتقاما لحقظ طلبه .

وقد تعلم في السجن حرفة النجارة، وفي ميدانها يكدح اليوم لتربية الأولاد ؟

كما نجد تأثير قصة " المعطف " واضحا في رواية أحمد سعداوي " فرانكشتاين في بغداد ". حيث يقوم بطل الرواية هادي العتاك " بائع عاديات من سكان حي البتاويين وسط بغداد بجمع بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية، التي حدثت في اعقاب الاحتلال الأميركي للعراق، ليقوم بلصق هذه الأجزاء فينتج كائناً بشرياً غريباً، سرعان ما ينهض ليقوم بعملية ثأر وانتقام واسعة من الأرهابيين القتلة ".

وثمة اليوم مئات القصص المشابهة في آداب شعوب العالم .

لو لم يكتب نيكولاي غوغل سوى قصة " المعطف " الرائدة، لكان ذلك كافيا لخلود إسمه في تأريخ الأدب العالمي .

 

د . جودت هوشيار

 

 

 

عقيل العبودنقول فلان صاحب ذوق رفيع، أي أنه صاحب وعي، ورفعة، واخلاق.

والذوق مقولة ترتبط بنظام الحس، والإدراك، وهو مقياس للتعامل مع القيم، والحقائق الجمالية للموضوعات المرتبطة بحياة الإنسان، من حيث الفعل، والتفاعل، والإنفعال.

ما يفرض نمطاً من الإلتزامات، من خلاله يتحقق المبدأ. والمبدأ هنا نظام سلوكي تفرضه القيم الأخلاقية الواعية والمؤثرة للعقل المدرك.

وهنالك ذوق فني، وثقافي، ومعرفي، وأخلاقي، في التعامل مع الفضاء الخارجي، والداخلي للأشياء، والموضوعات ذلك بحسب مساحة الذوق.

اما الذوق الفني فهو مرتبط بمساحة القدرة الادراكية والمعرفية على تمييز واستقراء التفاصيل الدقيقة للموضوعات الفنية كالرسم، والنحت، والزخرفة، والخط والموسيقى، وجمال الطبيعة بما في ذلك امتداد الأشجار وزرقة السماء وحركة الأمواج، وجميع مفردات الهرم الفيزيائي للموضوعات.

والإحساس الجمالي بحقائق هذه المسميات يحقق اعلى درجات الانسجام والغبطة، ما يعد نتاجاً للذائقة الحسية الإدراكية للإنسان.

والذوق الأخلاقي هو حلقة مرتبطة بالذوق المعرفي والفني للنفس، فالحفاظ على جمال الزهرة والتمتع بخفة الفراشات، وامتداد الأشجار، وموضوع الشروق والغروب، وتوزع الأمواج، والبحث عن طريقة لحماية الطبيعة من الكوارث هو جزء من سلسلة التفاعل الأخلاقي والمعرفي مع المفاهيم الجمالية لتلك المفردات.

والذوق درجات تشبه السلم الموسيقي من حيث الإرتفاع والإنخفاض، وهذه الدرجات ترتبط مع بعضها البعض نفسيا، وتاريخيا، وبايولوجيا، حيث ان نفس الإنسان عبارة عن صورة لطبيعته الحسية والتاريخية والبايولوجية كونها تخضع لمؤثرات الجوانب الصحية والعقلية، والإجتماعية.

والنقطة الجوهرية في الموضوع هو ان الإنسان، صاحب عقل به يمتلك القدرة على الأحكام، والمسميات، وبه يرتقي لفهم طبيعة التفاعل البشري، ليس مع المعاني ومدلولاتها فحسب، بل مع أنماط الاتجاهات الفكرية والثقافية والفطرية لهذه المعاني.

وهذا الموضوع يمكن الاستفادة منه الآن في تفكيك أواصر العلاقات الإنسانية للمجتمعات وتحليلها، والوقوف على الجوانب النفسية لها سلبا، أوايجابا.

ولهذا فإن السعي لفهم مقولة الذوق، يعد بحثا نفسيا سايكولوجيا يمكن الاعتماد عليه في تقييم سلوك المجتمعات وثقافاتها.

والإعلام والوعي الثقافي الملتزم يلعب دورا في إعادة وتوجيه الهرم الحسي لثقافة الذوق.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان/ باحث اجتماعي

 

 

كورونا الطائر ..

ساحة التحرير ببغداد موحشة وهادئة بغير العادة مع دخول حظر التجول حيز التنفيذ، هناك شيء ما طائر في الهواء قهر ارادة الجميع، لا يميز بين البشر او جنسيتهم، لو علم ما كان يعمل الشباب المنتفض بساحة التحرير او الوثبة او الخلاني او شارع الرشيد لاجل ربما طيرانه الذي لا ينتظره احد ولكن الجميع يخافون منه ليحصد الارواح كالسنابل اثناء طيرانه او ملامسته او هبوطه على بقعة ما .

لا يهم ان كانت بقعة حية ام جامدة، يستوطن الاولى ويفتك بها او يكمن في الثانية ينتظر الكف واصابعه تلامسه لينقض عليها ويحيل الجسد الى جثة ميتة خلال ايام معدودة .

تحدى الشباب الوباء، ولكنه في النهاية تواطئ مع مكروبات وفيروسات المنطقة الخضراء خلف الجسر لاعلان حظر التجول لارهاب الوباء وتركه تائها، فحين يعجز عن ملاقاة ضحاياه وملامستهم ينتحر وتختفي اثاره .

1

فرغت ساحات الاعتصامات بمدن الوسط والجنوب، وبقيت موحشة سوى هياكل لخيم متروكة هنا وهناك واكشاك كانت تمور بالحركة صباحا ومساء دون توقف . اصبحت خاوية مهملة بعراء الساحات الفارغة . وتركت الفيروس الطائر يبحث عن فرائسه في المناطق المكتظة والاسواق قبل ان يتواى الجميع عن مجالات طيرانه الذي اكتسح الاجواء شرقا وغربا جنوبا وشمالا دون ان يستطيع احد ايقافه او عرقلة بحثة المحموم عن فرائس جديدة .

وددت لو وضعت لافتة بتلك الساحات وبساحة التحرير بحجم نصب الحرية : "احذروا الفيروس الطائر" .

ولافتة تضاهيها حجما عند مدخل المنطقة الخضراء خط عليها : "اخذروا اخطر الفيروسات الطائرة والهابطة بالمنطقة الخضراء"، للتحذير مما هو قادم .

2

ما هو قادم، ما بعد فيروس كورونا الطائر، ساحة التحرير ستعيد نشاطها بمكافحة فيروسات اشد فتكا من الفيروسات الطائرة اخذت اقامة دائمة في المنطقة الخضراء، وربما تملكت بيوتها وابنيتها وساحاتها ووشوارعها وعماراتها كما تظن الى الابد، كما ظنت الفيروسات السابقة او الميتة من قبل، ولكنها اختفت دون اثر او تركت اثارا قبيحة فيها لا يمحي اثرها دواء او مشفى او بيوت ومصحات خصصت لمعالجة المرضى من شتى انواع الامراض والفيروسات الفاسدة .

مع ذلك لم يوهن الفيروس الطائر عنفوان الشباب اصبحوا اكثر اندفاعا وتوهجا يتحينون الفرص لقص جناحيه لكي يعودوا الى خيمهم الفارغة، وما زالت شعاراتهم ولافتاتهم ولوحاتهم المعبرة تتحين الفرص لتعود تلهب الشباب وتلهمهم مواصلة التحدي لتحقيق مطالبهم، عاجلا او اجلا . هناك متسع من الوقت لمحاصرة الفيروس الطائر وقص جناحيه لتعود ترتفع بساحة التحرير والوثبة والخلاني وشارع الرشيد الشعارات نفسها والمطالب نفسها التي اجل الوباء تحقيقها . تحقيقها قادم ولو على ايقاع مشي السلحفاة الواهن، ولكن طالما انها تمشي فانها ستصل حتما في يوم ما نحو هدفها البعيد القريب .

الفيروس الطائر ستقص جناحيه او يرحل

او ينتحر في الاجواء والبراري البعيدة

او يقهره الجسد المقاوم .

3

كورونا، كورونا : 

العمياء الطائرة

على بعد خطوات عند انحاءة الجسر، بيئة

اكثر فسادا وفتكا منك

تلوح من هنا خلف الجسر

كورونا كورونا

ارحلي او تذهبي خلف الجسر

انظمي لفصيلك القابع هناك

خلف الجسر .

فصيلتك

خلف الجسر تحتفل بقدومك .

كصنو طائر او قابع او جاث او قائم .

تطعمك من اكتاف الشباب

لاننا سنفترق، واذهبي بكل اتجاه كاعمى ضل طريقه،

الى المحطة قادمة .

4

الشباب سيعودون، هذا ما سمعته وقرأت عنه بهاشتاغات عريضة بشتى الاحجام والالوان، سيعودوا الى ساحة التحرير والخلاني والوثبة وشارع الرشيد والى الساحات في مدن الوسط والجنوب، عندئذ يكون الوباء قد رحل او مات بعد قص جناحي الفيروس وهو قابع او طائر او جاث او قائم .

نحن لا نعلم، ا نحن في حلم يرويه الواقع ام واقع يرويه الحلم .

حين كنت ارنو الى ساحة التحرير الفارغة والخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد، تبدو كانها تعد او تنشط بعيدا عن الانظار وتترقب او تتهيأ خفية بلا كلل لما هو قادم .

5

ما هو قادم، قريبا غدا او بعد غد سنحتقل بموت الفيروس . ولا تبقى سوى فيروسات ستصل الى نهايتها حتما في المنطقة الخضراء . كالنهاية المعروفة لجميع انواع الفيروسات الفاسدة المثيرة للتقزز  في الماضي القريب والبعيد حين عرفنا نحن البشر كم هي فتاكة وضعيفة في نفس الان .

اعدت قوائم باسماء ضحاياها من الشباب المنتفض بالصور والفيديوهات والافلام المصورة .. بانتظار الاتي الذي سيأتي بعد عودة الشباب المنتفض الى ساحة التحرير والخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد وساحات الاعتصام في مدن وسط وجنوب العراق  لتعاد الدورة من جديد .

تزيل ما تبقى من الفيروسات "الكورونا" الجاثمة او الطاثرة .

لكنني سوف لن اترك هذه المناسبة تمر دون ان تكون لي فيها يد ترسم او تكتب او تخط لها شعارات جديدة او تجدد شعاراتها الاولى الخالدة :

"نريد .. وطن".

و

"اريد .. حقي" .

6

نكاد بعد الصدمة والحجر ان ننسى الخفافيش او اوشكنا ان ننساها، حين فندت نظرية اصل الفيروس وبيئته . وبعد اسابيع قليلة، اجتاح الرعب الاوصال ليصبح الخوف نكته ثقيلة، حالما اعلن احد الاطباء المعتوهين ان الخفافيش تحمل 16 نوعا من "كورونا" .. 16 نوعا! ماذا يريد ان يقول؟  والى متى نبقى بالحجر؟ ونسى الاشارة الى الخفافيش الى ما بعد انحاءة الجسر التي لا تبعد كثيرا من هنا من ساحة التحرير وسط بغداد .

الخفافيش التي تعشى وتكمن في النهار وتطير في الليل بعيون مضيئة تخترق الحجر . 

 

قيس العذاري

............

هوامش:

سقط العديد من الشهداء والجرحى بانتفاضة تشرين التي ابتدأت فعليا يوم 25.10.2019م ضد الاحزاب والتيارات السياسية

والدينية الفاسدة التي حكمت العراق منذ العام 2003م في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب .

عدد الشهداء : 570 شابا خلال اربعة اشهر متواصلة لانتفاضة تشرين الشبابية .

عدد الجرحى 23 الف جريح من بغداد والمحافظات المنتفضة .

 تسببت الاصابات البليغة منها باعاقات دائمة لبعض الشباب المنتفضين .

 

 

شاكر فريد حسنيُعد محمد عابد الجابري أحد أشهر وأبرز مفكري ومثقفي المغرب والعرب العضويين النقديين، ومن ثوابت العقلانية العربية. شكلت أفكاره وإسهاماته بداية لمرحلة مغايرة ومختلفة في تاريخ الفكر العربي الحديث. وأهم الافكار التي تناولها : نقد العقل العربي ومسائل التراث والديمقراطية والدولة الوطنية المدنية ومسألة الهوية.

وللجابري أكثر من عشرين مؤلفًا في حقول فكرية وفلسفية متقاربة، ومتشابكة بين منهجي العقلَانيين الكبيرين ابن رشد في الفلسفة والفقاهة التجديدية، وابن خلدون في الاجتماع والتاريخ، وازمة المثقف العربي في القرن الرابع عشر ما بين الرياسة العلمية والرياسة السياسية. ومن أهم منجزاته الفكرية والبحثية التي اشتهرت رباعية نقد العقل العربي، التي جاءت في أربعة أجزاء، وهي " تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي ". وهذه المؤلفات تشكل إسهامًا كبيرًا في تحديث الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وتأسيسًا لمستقبل العقل المستنير عند العرب في القرن الواحد والعشرين.

وواجهت مشروعات الجابري الفكرية القبول والرفض، قبول حد التسليم، ورفض حد التسليم ورفض حد الاتهام والتكفير، فضلَا عن مقاربات فكرية علمية مساندة حاولت تتبع خط السير الفكري الذي يحكمه، كمشروعة الطيب تيزني في كتابه " التراث والثورة "، وحسن حنفي في منجزه " من العقيدة إلى الثورة "، ومحمد أركون في مؤلفه " نقد الفكر الإسلامي ".

 ويتصدى الجابري للتراث بوصفه ثابتًا غير متغير بل هو منطلق لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر، فالتراث لا بد له من التجديد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرًا ومنهجًا وممارسة. وهو يعتمد منهجًا معرفيًا خاصًا في قراءته للتراث، ويظهر ذلك جليًا في كتابه " نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي "، فيكتب قائلًا : " إن تجديد العقل العربي يضيء في المنظور الذي نتحدث عنه أحداث قطيعة ابيستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر".

وفي كتابه " تكوين العقل العربي " يجعل الجابري العقل مدخلًا لفهم أسباب عدم نجاح المحاولات المتكررة لمشروعات النهضة العربية. ونجده يثير مسألتين، الأولى : لماذا انتهى العقل البياني العربي إلى هذه الوضعية، مشيرًا إلى أن ذلك يرجع لاحتقار التجربة، إذ أن العقل البياني العربي لم يقبل بالتجربة، واكتفى بالنصوص يستنبط فيها القواعد والأحكام وتوقفت العلوم العربية الإسلامية لان البحث فيها كان بهدف الدين، أما المسألة الثانية التي يثيرها فهي تقنين العقل العربي الذي لم يأتِ نتيجة لتطور نتاجاته أو من خلال العمل الاجتماعي المنتج، لأن الازدهار الحضاري العربي تحقق بفعل الاقتصادي الربعي، أما فيما يتعلق بعلوم البرهان فمرتبطة بالنسق الارسطي.

وقد هوجم الجابري في طروحاته واجتهاداته وأتهم بالتحريف، وهو الذي حاول استقصاء آراء الفقهاء القدامى في قضية جمع القرآن والنظر في التفسيرات القديمة التي اعتبرها غامضة من حيث خلطها بين المكي والمدني، وهذه الآراء فتحت عليه باب الانتقاد من الظلاميين والمؤسسات الفقهية، ورد على ذلك قائلًا : " أنا راضٍ تمامًا عن نفسي وعن نتاجي ونتائجه على الناس، واعرف أن هناك من يختلف معي كما اعلم أني لا أغرد منفردًا وحتى إن فعلت ذلك فأنا أجد دائمًا من يغرد معي ".

غادر محمد عابد الجابري وترك وراءه مشروعات نقدية للعقل العربي والتراث وقضايا فكرية أخرى، وأبقى إرثًا فكريًا كبيرًا يخلد اسمه كأحد أبرز الاعلام الفكرية المضيئة في الساحة الفكرية، المغربية والعربية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

غيضان السيد عليبمجرد أن طالعت الإعلان عن القائمة الكاملة للمرشحين لنيل جوائز الدولة لعام 2020 حتى أصابني الدوار، وأشفقت على لجان الاختيار، فالأسماء جميعها تستحق الجائزة عن جدارة واستحقاق، وذلك في كل فرع من فروع الجائزة بلا استثناء. ودعني هنا أؤكد على نزاهة وشفافية القائمين على الجائزة لهذا العام.

لكنني توقفت طويلًا عند أسماء المرشحين لجائزة النيل للمبدعين العرب مع اسمين  لعلمين كبيرين جديرين بكل تكريم وهما: السوداني محمد خليل عمر أهم الفنانين والحفارين في المنطقة العربية والشرق الأوسط، والأكاديمي التونسي الكبير الدكتور فتحي التريكي.

ونظرًا لأني أكاديمي متخصص في الفلسفة أعرف جيدًا الدكتور فتحي التريكي، فقد لفت نظري بكتاباته الإبداعية ذات التوجه الأصيل التي تسعى إلى تأكيد الرؤية الفلسفية البديلة التي تؤكد على ضرورة الاختلاف، وعدم الانقياد والانصياع لهيمنة الفلسفة الغربية، ورفض كل المضامين التي تحملها عبارة "الغرب الضامن للكونية". كما تؤكد فلسفة التريكي على دعمها لروح النقد والمعقولية والتعدد والتفتح، الداعية للصداقة والغيرية والعيش سويًا، مما جعلني أكتب عنه دراسة أكاديمية بعنوان:" فلسفة التنوع والاختلاف عند فتحي التريكي"، نشرتها مجلة الفكر المعاصر في الإصدار الثاني- العدد الحادي عشر – يوليو /سبتمبر 2018.

والدكتور فتحي التريكي لمن لا يعرفه هو مفكر ومتفلسف تونسي من مواليد 30 مايو 1947 حصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس، وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996، وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي 1997. كما أسس كرسي الفلسفة في مصر في جامعة الزقازيق، وفي جامعة قسنطينة بالجزائر، كما حاضر في العديد من الملتقيات الفلسفية والفكرية في مصر والعالم العربي.

عمل التريكي أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999، وبجامعة باريس في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007. وساهم التريكي بصحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية، واقترح أيضاً فكرة تقاسم الكونية. وألَّف 28 كتاباً، منها: أفلاطون والديالكتيكية عام 1986، الفلاسفة والحرب (بالفرنسية) 1985، قراءات في فلسفة التنوع 1988، الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية 1991، الفلسفة الشريدة  1988، فلسفة الحداثة 1992، مقاربات حول تاريخ العلوم العربية 1996، استراتيجية الهوية 1997، فلسفة العيش سويا 1998، العقل والحرية 1998.

وإذا كان التريكي قد ساهم بالكتابة عن بعض أعلام الفلسفة في الوطن العربي اليوم فإن كثيرًا من الدوريات والمجلات العربية المحكمة أصدرت عنه أعدادًا خاصة، مثل مجلة أوراق فلسفية التي أصدرت عنه أعدادًا مختلفة: العدد الثاني والثالث والعدد الخامس عشر، واحتوت هذه الأعداد على عشرات الدراسات والمقالات عن التريكي وفلسفته لعدد كبير من الأكاديميين المصرين والعرب.

الدكتور فتحي التريكي لم يفز هذا العام بجائزة النيل للمبدعين العرب مثله كمثل كل الذين رشحوا لهذه الجائزة ولم يفوزوا بها، ليس لأنه أقل ممن فاز ولا من فاز أفضل منه؛  وإنما لأنه ليس من المعقول أن يفوز الجميع رغم استحقاقهم جميعا للجائزة، لكني أقول له إن مجرد الترشيح لهذه الجائزة هو في حد ذاته جائزة.

 

د. غيضان السيد علي

 

 

عزيز جاسمخَرجتُ كالمعتاد عند الصباح متجهاً نحو العمل أمشي في طريقي الذي أسلكه كل يوم في شارع مُعبّد جميل ولكنه طويل تزيّنه الأشجار من على الجوانب. وأنا ماشٍ ورد الى مخيلتي مُقدمة لفيلم شاهدته في الليلة الماضية والذي تُسلط فيه الكاميرا عدستها وبالتصوير البطيء على مشهد فيه أسد يطارد غزال. أسد يطارد فريسة تتفانى وتتقطع من اجل الحفاظ على وجودها. يُطارد الأسد فريسته بكل قوة وعنفوان، لا يخشى أحد. لا يمكن لأحد أن يمنعهُ من إنجاز مُهمتهِ التي بدأها حال رؤية الغزال الذي جاء به القدر الى حتفه.

تُسلّط الكاميرا عدستها نحو الأسد وتصور بكل شغف مدى حِدة تعابير وجهه حيث نراه يكاد أن ينفجر من شدة الغضب. لا يُريد أن يهدر المزيد من الوقت بالمتابعة لكي لا يُهزم فيحط الفشل من كبريائه ويُذِله ويُزعزع عظمتهِ أمام لبوته. تتجه الكاميرا لتُسلّط عدستها نحو الغزال الذي يكاد أن يبكي ولكنه لا يجد الوقت ولا الدموع لأن الارتباك شتت كل شيء فيه. يلتمس المساعدة في عينيه ولكن لا مغيث. تُصّور لنا العدسة اللحظات الأخيرة التي يعيشها الغزال قبل أن يتحول كله الى وجبة لملك الغابة. لا يشهد الأحداث سوى عدسة صغيرة كانت في المكان بالصدفة حيث جاء بها سائح من أجل ان يوثّق ما يجري في مكان لا يسوده القانون. الأسد مشغول في تحقيق هدفه والغزال مشغول في الحفاظ على نفسه والسائح مشغولة في تصوير لقطات لا تُنسى والمُشاهد متشوق لمعرفة النتيجة.

ليس بوسع أي أحد التدخل فالصراع ليس إلا من أجل البقاء. المنظر حزين ومأساة عند البعض ومثير ومُلهاة عند البعض الآخر. لكننا نتابع بشغف من خلال الشاشة الصغيرة الأحداث التي تنَقلها لنا عدسة السائح... في لحظة ما سينتهي السيناريو.

خرجت فجأة من ذلك المشهد عندما شتتَ إنتباهي سقوط جسم غريب بشكل مفاجيء من على احدى الأشجار التي كانت تبعد حوالي عشرة أمتار عني. الجسم صغير يكاد ان يكون بحجم تفاحة (أو أصغر بقليل) ولكنه باهت اللون مائل الى اللون الرمادي. رَجَفَ رجفة صغيرة ونظر اليَّ ثُم سكت. عندما اقتربت منه وجدته عُصفوراً لا يقوى على الحركة وقد شُلّت جميع مسانده. نَظرتُ حولي فلم أجد شيئاً أسعفه به كما وعجزت ايضاً عن معرفة سبب سقوطه من الشجرة. بينما وقفت لوهلة أُفكر في طريقة تُعينني في مساعدته، بقي العُصفور جُثةً هامدة. على الرغم من كل التكنولوجيا الحديثة التي أملكها والقُدرة البشرية الهائلة لكنني وقفت مكتوف الأيدي وعاجزاً لا أعرف ما الذي أفعله.

ما ليَّ بُدٌ... تَركتُ العُصفور ورائي وتابعت السير...!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

بليغ حمدي اسماعيليخبرنا الكاتب الموسوعي أنيس محمد منصور في كتابه (غلطة عمري) بأنه حينما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، طلب القائد المهووس نابليون بونابرت من عدد من العلماء الشباب والكبار أيضا أن يكتبوا بأقلامهم بطاقة شخصية للقطر المصري، وفعلا قام هؤلاء العلماء بتكثيف جهودهم حتى أتموا إعداد موسوعة علمية واجتماعية وتاريخية وجغرافية عظيمة عرفت باسم (وصف مصر) . وفي هذا الكتاب الكبير نجد تسجيلا عظيما لتاريخ مصر الجيولوجي والجغرافي والسياسي أيضا، والمظاهر الدينية السائدة، وكل ما يتعلق بعلوم الحيوان والنبات حتى التقاليد الشعبية في القرى والنجوع المصرية الضاربة في البعد الجغرافي عن العاصمة .

كل هذا طبيعي جدا، وربما يعرفه القاصي والداني والمستقرئ لتاريخ مصر المحروسة، لكن الأمر الذي أثار دهشة العلماء الفرنسيين هو خرس وجه الفلاح المصري، أي حالات الصمت المطبق التي تعتري وجهه؛ فهو لا يبدي أي تعبير على وجهه وربما علماء وخبراء لغة الجسد اليوم يكتشفون فقر أدواتهم وبضاعتهم البحثية لأنهم لن يستطيعون أيضا قراءة وتفسير وجه الفلاح المصري.

وبعد رصد وتحليل وتفسير وتأويل علماء الحملة الفرنسية استنبطوا وفطنوا إلى حقيقة صمت هذا الوجه وخرس مشاعره الظاهرة؛ لأن الفلاح المصري بسبب القهر الطويل الذي تعرض له من قوات الاحتلال عصرا بعد عصر تعلم بسب هذا الخوف أن يخفي مشاعره وأن يتقبل المصائب والمباهج في صمت وسكوت.

فكما ينقل لنا الكاتب أنيس منصور أن الفلاح خائف إذا تألم أن يلقى عذابا أكثر، وخائف إذا تظاهر بعدم المبالاة أن يلقى عذابا أكثر .. فاستسلم وذاب كل ذلك في وجه لا معالم له، هو فقط اكتفى بالفرجة والاستمتاع بتحريك عينيه لمتابعة ما يحدث حوله في صمت .

ولعل هوس المصريين بمتابعة إحداثيات مشاهدهم المجتمعية اليومية يتم وفق آليات وتقنيات رصينة أي أنها ـ المشاهدة والمتابعة ـ تتم بصورة آلية متوارثة مفادها المشاهدة والفرجة بغير اكتراث أو مشاركة حقيقية سواء في التفاعل مع الحدث أو صناعته، وهذه السمة تعكس ثقافة شعبية لدى عموم المصريين الذين يروجون دائما لثقافة (سمعت ـ قالوا ـ يقولون ـ سوف يحدث) وكل هذه المفردات إنما هي حيلة نفسية دفاعية تشير إلى الهروب من تحمل المسئولية والتنصل من المشاركة الحقيقية في صناعة المشهد القائم، حدث هذا في مظاهر ومواقف شتى مثل تقاعس ملايين المصريين في الالتفاف حول الشرارة الأولى لاشتعال انتفاضة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وحدث أيضا في المتابعة الصامتة في صمت المصريين وولعهم بالفرجة والاكتفاء بنظرات غير معبرة سواء كان الحدث إنجازا كبيرا ووطنيا مثل قناة السويس الجديدة وزرع الصحراء وإنشاء محطة نووية، أو تقاعس حكومي في بعض المؤسسات أو حتى حوادث ومجريات اجتماعية عادية جدا .

ولعل اكتفاء المصريين بالفرجة بل وولعهم بها يأتي من التفسيرات المتباينة لظاهرة الحرج والارتباك التي يعاني منها الكثيرون، وهي ظاهرة نفسية تجبر المرء على الجنوح بعيدا عن المشاركة الحقيقية في الحدث، ولعل هذه النظرية هي التي دفعتني للتنقيب عن كتاب يتناول ولع المصريين بالفرجة وسلبيتهم التي تقتصر على مشاهدة الأحداث واليوميات المصرية بغير تفاعل سوى بالتصفيق أو التطبيل دون حراك حقيقي، ورغم هذه السلبية لا يمكن الغفلة عن الإحداثيات المصرية التاريخية التي شارك فيها المصريون بقوة بل وبشراسة أيضا، من مثل هذه الإحداثيات الثورة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر المحروسة، والثورة العرابية بقيادة الزعيم التاريخي البطل أحمد عرابي .

وما قام به المصريون عقب نفي الزعيم المصري السياسي سعد زغلول، مرورا بإحداثيات سياسية وعسكرية شائكة سواء على مستوى تحليل الحدث أو طبيعة المشاركة الشعبية مثل ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952، أو من خلال مواجهة العدوان الثلاثي على مصر والتصدي له، انتهاء بانتفاضة الثوار ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك وسعيه المستدام لتكريس نظرية التوريث الفرعونية والتي أعادتها فترة الحكم العثماني على مصر، وثورة الثلاثين من يونيو التي هبت من خلالها ملايين المصريين ضد الممارسات الإقصائية والاستلابية لحكم جماعة حسن البنا المحظورة وانتهت بالعزل الشعبي لمحمد مرسي بوصف الأخير كان ممثل الجماعة في حكم مصر.

وفي خلال هذه الرحلة الاستكشافية بحثا عن كتاب يسرد وقائع ولع المصريين بالمشاهدة والفرجة لأحداث المحروسة، سقط بين يدي من على أعلى نقطة بشجرة المعرفة كتاب ماتع ورائع يحكي عن مصر وأحوالها ومقاماتها الهادئة والمضطربة والساكنة والمائجة هو كتاب ولع الفرجة فقر التاريخ للكاتب أحمد عبد العال، وهو كتاب كبير الحجم بصفحاته وأكبر بمعلوماته وبياناته التي تروي قصة شعب اتسم بولع دائم للفرجة .

ويخبرنا الكاتب في مفتتح الكتاب بأن ولع المصريين المستدام بالفرجة يعد مفتاحا سحريا للمعرفة أكثر من كونه التفافا إلى الماضي، لاسيما وإن كان هذا الماضي لايزال ممتدا حتى وقتنا الراهن ويمتد بجذوره الطويلة والعميقة إلى تفاصيل إحداثياتنا المعاصرة التي تبدو أكثر اضطرابا.

وهذا الولع المصري بالفرجة على أحداث المحروسة نفسها هو محاولة حقيقية لفك شفرة هذا الوطن الساحر، خصوصا وأن المصريين على امتداد تاريخهم الطويل الضارب في القدم والأصالة على موعد دائم وثابت مع عشق الفرجة على أحداثهم السياسية والاجتماعية والدينية، فنرى على سبيل المثال وليس الحصر من يخرج للفرجة على مشاهد الاحتفال بالمولد النبوي، وبمناسبات مثل شم النسيم، ومولد السيدة العذراء وغيرها من المناسبات والاحتفاءات شديدة المصرية.

ويؤكد المؤلف في كتابه الذي يستحق القراءة والتأويل أن الفرجة والولع بها تشكل عند المصريين تراثا مستمدا من احتفالاتهم وطقوسهم الاجتماعية وكذا طرقهم وأساليبهم في التعبير عن حياتهم وأعيادهم ومعتقداتهم الدينية والدنيوية على حد سواء . فضلا عن أن الفرجة ذاتها سواء كانت بدافع المشاهدة أو حب الاستطلاع نشاطا إنسانيا يقبل عليه الناس ويمارسونه في كل زمان ومكان، وتشكل هذه الفرجة بدورها صورا وأشكالا من الحيل والابتكارات والمستحدثات القادرة على إشباع الحاجة إلى التسلية والترفيه.

وقبيل سرد بعضا من حكايا المصريين المولعين بالفرجة، يرصد لنا الكاتب ثمة بواعث تدفع المصريين إلى حد الهوس بالفرجة على الأحداث والمناسبات سواء كانت الاستثنائية أو الاعتيادية المكرورة، وهذه البواعث على الفرجة فردا كانت أم جماعة تتباين دوافعها وأهدافها واتجاهاتها أيضا، كما تتعدد أيضا مستويات الفرجة فيما تفترضه من وعي واختيار، ويؤكد أحمد عبد العالي في ثنايا كتابه أن الفرجة تصبح فعلا غريزيا معتادا، ويذكر الكاتب أن الباعث على الفرجة ضمن مستوياتها المتعددة إعمال العقل في الكون والملكوت، وقد يكون الهدف من ورائها إشغال النفس عن النفس لسبب أو آخر، وقد يكون الهدف هو إشباع حاجة أو تحقيق انتفاع.

والحق أن الفرجة في حياة المصريين كما يشير المؤلف إلى تلك الظاهرة المستمرة كانت نتاجا حقيقيا لواقع لم يسمح لهم بالمشاركة في السلطة أو الثروة ولا بدور يمنحهم صفة الشريك أو حتى الرقيب، فكان المصريون وقتئذ متفرجين مثاليين وليسوا شهودا على تاريخهم.

ومن الحكايا السريعة عن مصر المحروسة أن امرأة عينة شيخة على زاوية السلطان قايتباي بالمرج، ذلك بعد أن مات زوجها الشيخ الكبير قلج الرومي الأدهمي وكان تقوم بالوعظ في النساء، ورغم أننا اليوم لانزال نبحث عن مشروعية عمل المرأة واشتغالها وخروجها للشارع الذي بالضرورة موصوف بالشر والفتنة والأخطار نجد في مصر المملوكية ست الخطباء بنت القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي التي اشتغلت بالوعظ والإرشاد في مصر والشام وكان لها مجلس وعظ يعقد للنساء.

ومن حكايات النساء أيضا في مصر قديما عادة النياحة على المتوفي، واللطم على الخدود والصدور، ودهن الوجوه بالسواد، فلم يكن يتم دفن الميت قبل أن تفعل بعضا من أعمال النساء في الجاهلية من اللطم وشق الجيوب، والأهم من ذلك كله أن هذه المظاهر تحولت بعد فترة قصيرة زمنيا إلى مهنة وحرفة احترفتها نساء هذا العصر واستعن فيها بالنقر على الدفوف والطارات.

ومن عجائب الحكايا في مصر الفاطمية وكما يذكر أحمد عبد العالي في كتابه الماتع ولع الفرجة فقر التاريخ، أن بعض سلاطين المحروسة فضل الانغماس في اللذات وانغمس في حياة المجون والمحرمات، ومن هؤلاء المظفر حاجي الذي بلغ شغفه بالنساء أن قيمة عصبة الرأس لمحظيته قدرت بمائة ألف دينار، أما السلطان إسماعيل بن الناصر فقد اعتاد عند ركوبه إلى سرياقوس للرياضة أن يصحب معه ضمن ركابه مائتي امرأة في ثياب أطلس ملون، وعلى رؤوسهن الطراطير من الجلد المرصع بالذهب والجواهر النفيسة.

في حين أن ذاكرتي تفرض علي التنويه عن ذكر الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي امتلك  عقدة خفية صوب النساء، هذه العقدة تمثلت في نهي المرأة عن الخروج إلى الشارع مطلقا وفرض قوانين وقيودا رادعة على النساء في عصره فقد عمد إلى حظر ظهور النساء في النوافذ، ومنعهن من ارتياد أسطح منازلهن أيضا، وبلغ به حد الحظر إلى منع الأساكفة (صناع الأحذية) من صناعة أحذية النساء .

وبرغم هذه الكراهية غير المبررة صوب النساء لجأ الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى إعداد وتجهيز شرطة نسائية مشتملة على جملة من الجاسوسيات داخل تجمعات الحريم لجلب الأخبار والنوادر والحكايات. ومن الحكايا الطريفة في عهد الحاكم أن المصريين وضعوا مجسما ورقيا لامرأة بشكل ساخر في الطريق، الأمر الذي قابله الحاكم بنوع من القوة والتصرف الغاضب فقام بتمزيق المجسم.

وفي مصر الطولونية كان الولاة والسلاطين مولعين بالغناء والموسيقى إلى حد ليس حد الجنون بل حد المجنون نفسه، ومن ذلك بيت الذهب الذي شيده خمارويه بن أحمد بن طولون واتخذ على حوائطه صورا بارزة من الخشب تمثله مع مغنياته بأشكال خلابة بلغت بل وتجاوزت حقا حد البهاء ودقة الزخارف، ومن المدهش في اهتمامه بالغناء إلى شكل مبالغ فيه أن خمارويه إذا جلس يستمع للغناء من النسوة التي احترفن ذلك وسمع المؤذن أمر المغنيات على الفور بالتوقف عن الغناء.

ويشدد المؤلف على حقيقة تمتاز بها مصر عن غيرها من البلاد، وهي قدرتها الفائقة المدهشة على الجمع بين النقائض والمتناقضات جنبا إلى جنب دونما حرج أو مرارة، بمعنى أن كل شئ ونقيضه له موقعه ومكانه في مصر المحروسة، ومن هذا التناقض ما ذكره الجبرتي أن جماعة من الجند سطوا وهم سكارى على نسوة من نساء الأكابر كن يتنزهن في غيط الأعاجم عند قنطرة الدكة بالأزبكية فسلبوهن ثيابهن وحليهن، ثم جاء آخرون ومعهم كبير منهم فأكملوا سلبهن وعروهن من ثيابهن جميعا .

وكان مع إحداهن غلام سلبت من على رأسه طاقية فيها جواهر وذهب وسلب منها أيضا سروال شبيكة من الحرير الأصفر والقصب وفي كل عين من الشبيكة لؤلؤة . وفي ذات الوقت أيضا كان للوعظ والإرشاد مجالسه المنتشرة في شتى بقاع المحروسة وتعج بالناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم واتجاهاتهم وبلغ الحاضرون فيها بالآلاف، وكانت هذه المجالس تحض على التمسك بتعاليم الدين والحث على اتباع الأخلاق الحميدة والسلوكيات الحسنة.

أما عن العوام في مصر المملوكية فقد اكتظت المدن المصرية بالكثير من الباعة والسوقة والسقائين والمكاريين والمعدمين، وبالتالي المهمشين الذين لا ذكر لهم في كتب التاريخ ذائعة الانتشار، واتفق المؤرخون جميعا على وصف كل هؤلاء بالعوام وألحقت بهم طوائف أخرى مثل البلاصية والزعر والحرافيش والمشاعلية وكافة الأسماء السابقة تشير إلى معنى واحد ألا وهو المعدم .

والغريب أن الحرافيش يتم ذكرهم في كتب التاريخ على أنهم أهل صلابة وغلظة ودعارة ماجنة، ويذكر كتاب ولع الفرجة أن هؤلاء حبسوا محتسب القاهرة في مسكنه أياما طويلة لا يجرؤ عن مغادرته خوفا على نفسه من العوام والحرافيش، ويحكي الكتاب أن العوام قاموا في دمياط سنة 820 هجرية بحلق لحية الوالي وشهروه على جمل والمغنيات آنذاك تزفه، وفي المحلة سنة  854 هجم العوام على الوالي في منزله فأخرجوه وضربوه واستصحبوه إلى الجامع هناك وهو عريان حيث مات من شدة الضرب.

انتهت الحكايات، لكن لم تنته الروايات .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد.

ـ كلية التربية، جامعة المنيا.

 

شاكر فريد حسنالنقد الأدبي هو عملية تحليل وتفسير وتقييم للنص أو العمل الأدبي، ولولا وجود الأدب لما وجد النقد، وبما أن الأدب إبداعًا فيفترض أن يكون النقد إبداعًا هو الآخر.

وقد يكون النقد مبنيًا على دراسة مفصلة ودقيقة للنص ذاته تشمل فكرة النص ولغته والعاطفة التي يتضمنها. وقد يعتمد على تحليلات وقراءات وأحكام مستفيضة عنه وعن كاتبه، وقد يأخذ في الاعتبار كل ما يقود لفهم النص واستيعاب مغزاه ومعانيه.

والنقد السائد في حياتنا الأدبية والثقافية هو في غالبيته نقد انطباعي تأثري ذوقي قائم على وصف الانطباعات والأحاسيس التي تتركها قراءة النص الأدبي في نفس الناقد، بدلًا من تفسير النص الأدبي في ضوء نظريات علمية منهجية والحكم عليه وفق قواعد وأسس معينة.

ورغم ما ينشر من معالجات وإضاءات ومتابعات نقدية إلا أن المشهد الثقافي العربي الراهن يعاني أزمة نقدية فعلية، وهنالك نقص في النقاد، والكثير توقف عن التعاطي مع النقد لأسباب مختلفة.

ويجمع عدد من المشتغلين في الأدب والثقافة أن الأزمة الوجودية الخانقة التي تطحن العملية النقدية الراهنة هي من أزمة العقل العربي الذي تربى على النقل والحفظ، عدا عن اقتصار المتابعات النقدية على الشللية والعلاقات الشخصية، ناهيك عن تراجع القراءة وعزوف الجمهور واحجامه عن القراءات في المجال النقدي والبحثي، وغياب الملاحق والصفحات الأدبية والثقافية في الصحف العربية، واحتجاب الكثير من المجلات والدوريات الأدبية والثقافية المتخصصة التي كانت تولي النقد الأدبي اهتمامًا وعناية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

ضياء نافعولد مارك لفوفيتش سلونيم عام 1894 في الامبراطورية الروسية وتوفي عام 1976 في فرنسا، وهو اسم معروف – بشكل او بآخر - للقارئ العربي المتابع للادب الروسي، اذ صدر في مصر كتابه بعنوان – مجمل تاريخ الادب الروسي بترجمة صفوت عزيز جرجيس ومراجعة علي ادهم، واعيد طبعه مرة اخرى عام 2012 وبمقدمة د. احمد الخميسي، وهذا الكتاب بالاصل اصدره سلونيم بثلاثة اجزاء باللغة الانكليزية وبعنوان – تاريخ الادب الروسي، الا ان الترجمة العربية وحّدت الاجزاء واطلقت عليه عنوان  -  مجمل تاريخ الادب الروسي، (علما ان كتب سلونيم صدرت باللغات الروسية والفرنسية والانكليزية والايطالية والجيكية والصربية) . يعدّ هذا الكتاب (اي تاريخ الادب الروسي) آخر اصدار للمؤلف في مجال الادب الروسي، والذي صدر في اواسط الستينيات من القرن العشرين، اما كتابه الاول حول الادب الروسي فقد صدر باللغة الصربية عام 1931 بعنوان – بورتريتات الادباء الروس المعاصرين (البورتريه كما هو معروف - هي اللوحة التي تجسّد صورة شخص ما في الفن التشكيلي، وقد جمعناها – بورتريتات حفاظا على العنوان الاصلي للكتاب طبعا، رغم ان البعض لا يرى ذلك، و يترجم هذه المفردة - صور شخصية بالرسم)، ثم أصدر بعد سنتين باللغة الروسية، اي في عام 1933 كتابا في باريس بعنوان – بوروتريتات الادباء السوفييت، ثم صدر له في نفس العام كتابه الثالث بعنوان – انطالوجيا الادب الروسي، وفي عام 1944 صدر له كتاب بعنوان – الادباء اليهود في الادب السوفيتي، ثم صدر عام 1953 كتاب بعنوان – ثلاث قصص حب لدستويفسكي (الترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب هي – 3 حب لدستويفسكي)، ومن الواضح تماما، ان هذا الباحث في الادب الروسي (اي مارك سلونيم) يمتلك مكانة متميزّة في هذه المجال، وانه ساهم مساهمة كبيرة في دراسته و نشره وتوسيع آفاقه بين القراء، ولهذا نود هنا ان نقدم صورة متكاملة له – في اطار هذه المقالة الوجيزة - باعتباره باحثا وناقدا ادبيا، لان المصادر العربية تتكلم – قبل كل شئ – عن نشاطه السياسي، والذي اسهم به فعلا مارك سلونيم عندما كان مشاركا في احداث ثورة شباط / فبراير 1917 الروسية، ثم في ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 ايضا، اذ انه كان عضوا في الحركة الاشتراكية الروسية، وهي الحركة التي اختلفت مع البلاشفة لاحقا، مما أدى الى ان يترك سلونيم روسيا عام   1922 ويسافر الى الغرب مهاجرا، ولم يرجع الى روسيا بتاتا، حيث توفي في فرنسا كما ذكرنا في بداية مقالتنا . مارك سلونيم باختصار وكما تعرّفه الموسوعة الروسية هو – (.. كاتب روسي وامريكي وناقد ادبي ومترجم واستاذ جامعي وصحافي وشخصية سياسية ...)، ولكننا في مقالتنا هذه نتناول جانبا واحدا فقط وهو نشاطه في مجال الادب الروسي وكما حددنا في عنوان المقالة . 

نتوقف اولا عند كتابه الاخير، وهو تاريخ الادب الروسي، والذي كانت ترجمته العربية متوفرة لدينا في اوساط المهتمين بالادب الروسي بالعراق في السبعينيات من القرن الماضي، وقد استخدمه المرحوم د. محمد يونس كمصدر من مصادر كتابه المعروف – (الكلاسيكيون الروس و الادب العربي)، هذا الكتاب المهم جدا في مسيرة دراسة الادب الروسي في العراق، وفي العالم العربي ايضا (انظر مقالتنا بعنوان – محمد يونس والادب الروسي في العراق)، اذ ناقش د. محمد يونس آراء عدة باحثين غير سوفيت جاءت في كتبهم المترجمة الى العربية، ومنهم سلونيم، حول تاريخ الادب الروسي من وجهة نظر سوفيتية درسها د. محمد يونس بعمق في جامعة موسكو آنذاك وبقي امينا لها . ان التعريف بهذا الكتاب يتطلب مقالة خاصة، اذ انه يتناول كل تاريخ الادب الروسي منذ بداياته الى كل الاسماء والظواهر البارزة فيه عبر كل العصور، بما فيها الفترة السوفيتية، ولكني اود ان اشيد بالمقدمة التي كتبها د. احمد الخميسي لهذا الكتاب بطبعة عام 2012، والتي أشرت اليها في بداية المقالة، هذه المقدمة التي تعكس بلا شك عمق النظرة العلمية الشاملة للخميسي، واريد ان اصل الى استنتاج مفاده، ان هذا الكتاب معروف للقارئ العربي بشكل عام، ولهذا اود ان انتقل للحديث قليلا عن كتاب آخر لمارك سلونيم غير مترجم الى العربية، وهو كتاب صدر في باريس عام 1933 كما ذكرت اعلاه بعنوان – بورتريتات الادباء السوفيت، وهو كتاب صدر في فترة لم تكن تميّز بين مصطلح الادب الروسي بشكل دقيق ومصطلح الادب السوفيتي .

يقع هذا الكتاب في 167 صفحة من القطع المتوسط، ويشير سلونيم في مقدمته انه لا يهدف الى كتابة (..تاريخ الادب السوفيتي ..)، وانما يسعى الى رسم صورة لمجموعة بارزة - من وجهة نظره - لاسماء من الادباء الذين يكتبون الشعر والنثر، وقد وزّعهم على 12 فصلا، وكل فصل يحمل اسم ذلك الكاتب، وهم حسب تسلسل هذا الكتاب كل من – يسينين وماياكوفسكي و باسترناك وايفانوف ورومانوف وتولستوي (اليكسي) و زوشنكو وايرنبورغ وفيدين وبيلينياك وبابل وليونوف . هذا كتاب مهم في مسيرة الادب الروسي بعد ثورة اكتوبر 1917، اذ انه تناول اسماء ادباء كان (مغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي) او لم تتبلور كل خصائصهم ومعالمهم بعد (في تلك الفترة، اي بداية الثلاثينات)، ولكن سلونيم بحكم معرفته الدقيقة للواقع الروسي استطاع ان يحددهم ويرسم صورة متكاملة  لهم .

مارك سلونيم اسم يشغل مكانة متميّزة في دراسات الادب الروسي، اسم جدير بالمتابعة رغم اختلاف الآراء معه في بعض الجوانب ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

في قراءتي لكتاب "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، أحد أكثر الكتب مبيعا في العالم والذي بيع منه ملايين النسخ بمختلف اللغات، أيقنت مجددا بأن الشهرة لا ترافق الأفضل بالضرورة، وأن الكتاب الذي ترجم للغات كثيرة لم يستطع أن يتعرف على لغات الشعوب التي لا تحيا كما الشعب الأمريكي بمشاكله اليومية البسيطة التي تفتقر لمسمى المشاكل بمعناه الحقيقي ..

والذي يثير دهشتي أن الكثيرين أبدوا إعجابهم واستفادتهم من هذا الكتاب الذي لم أستطيع أن أطال فائدة واحدة منه غير أن عنوانه كان يجذب انتباهي في كل مرة يمر على مسمعي أو نظري فيغريني بقراءته ..

سيد "جون غراي" أدعوك لتتعرف على أبي الرجل الذي يمثل فئة كبيرة من الذين لم تتناولهم في كتابك، لأنك لو وصلت إليهم لكتبت العديد من المؤلفات بعناوين أكثر إثارة وأكثر مبيعا ..

أبي الرجل الكريم جدا، المحب جدا، الرجل الفاضل في المدن غير الفاضلة، الذي يمنحنا الحب الذي لم يمنحه إياه أحد، الذي ينشر السعادة رغم ألمه، الذي حارب لأجل ألا يتنازل عن مبادئه، انتماءاته أو ذرة من كرامته، الرجل الذي عاش الظلم في وطنه وغرباته الكثيرة والمعقدة جدا التي لم تتعرف عليها بعد شعوبكم المصابة بداء الرهاب من شعوبنا، هل لك أن تقابل رجلا مثله يتيما في طفولته كريما في شبابه متفوقا في عمله، طبيبا للقلوب قبل أن يكون مداويا للمرضى ..

تساءلت لو أن أحد أفراد مجتمعكم كان يعيش مثل رجالنا هل كان سيخرج من تجاربه معافى وقادرا على العطاء والحب والسلام وأن يمضي دون عقد كثيرة ومشاكل نفسية مرعبة تستدعي زيارتك ؟

هل كان سيدخل الكهف الذي حدثتنا عنه لأيام فقط ليعود من جديد أم انه سيمضي بقية حياته في كهف لا ضوء فيه ؟!

في أوطاننا الرجال لا تستطيع الكتب أن تشرح معاناتهم، لا يستطيع أن يشرح المعالج النفسي كيف يشعرون بعد أن يمروا بسلسة لا تنقطع من التجارب الحياتية القاسية والفقد اللا نهائي على الصعيد النفسي الوطني والمادي ..

أوطانكم التي تعطيكم الأمان في كل شيء حتى في حالاتكم النفسية الساذجة جعلت من مشاكل شعوبكم ضربا من الطيش والتمرد الناتج من ممارسات سيئة للحرية في غير محلها، بينما أوطاننا تتسابق في هدم ما تبقى من الرجال الأبطال ..

فعذرا جون غراي .. أبي ليس من المريخ !

 

د. فرح الخاصكي

 

الطيب النقرالمرحوم الدكتور أحمد مصطفى المراغي أستاذ الشريعة واللغة بكلية دار العلوم المصرية، صاحب التفسير العذب المورد، والتصانيف الجامعة لشتيت الفوائد، سجلّ لنا يراعه ذلك الحسن الباهر التي تطالعه العيون وتنبهر منه الأفئدة‘ فسفره الذي لم يترك فيه بيتاً نادراً، ولا مثلاً سائراً، ولا شعراً جزلاً، ولا نثراً فاخراً، إلا حواه واستدل به في مؤلفه العظيم الفائدة، الجم النفع، والمرحوم المراغي استرخى في يده عنان القلم لأنه امتلك ناصية اللغة، وهيمن فؤاده الذكي على ضروب العلم وأصناف المعرفة التي جُبِلّ على فطرتها وتحرك في إطارها وسخر لها عمره كاشفاً لغوامضها، ومقرراً لعلومها، فتعلق بفنائه كل طالب، واستظل بفيئه كل عالم.

ذكر المرحوم المراغي سقى الله قبره الغر الغوادي وأناخت حول رمسه شآبيب الرحمة، ديدنه في تأليف كتابه، موضحاً أنه اعتمد طريقة المتقدمين التي تتوسع في الشرح والبيان وتكثر من الأمثلة والشواهد، والغاية من ذلك هي”أن تستبين للقارئ خصائص البلاغة مرموقة محسوسة، ولطائف الكلام مجسمة ملموسة، ويسهل تطبيق العلم على العمل، والإجمال على التفصيل، وذلك أمثل الطرق، لبنائه على قواعد علم النفس، من تعويد الناظر الركون إلي الوجدان والحس، وطريق المتأخرين من حسن الترتيب والتبويب، وجمع ما تفرق من قواعد هذه الفنون، ليكون أنجع في الدرس، وأقرب إلي التناول”.

ولعل من يطالع كتاب المراغي لوهلة خاطفة يرى سلاسة الفظ، ووضوح العبارة، ورشاقة المعنى، ويستقر في روعه أن مبدع ذلك السفر الجزيل المباحث متكئاً على سليقة عربية صرفة سلمت من الدخيل، وعلى إلمام وثيق باللغة وأسرارها، كما يستطيع أن يستشف شيئاً آخر أن فكرة الكتاب كانت واضحة المعالم عند المؤلف الملهم الذي استطاع بجدارة أن يسد فراغاً كان شاغراً في تلك العهود المنصرمة ويرفع أصار الجهل ووصمة الصغار الناتج عنه ويجعل العرب والمسلمون باختلاف مشاربهم وسحناتهم تهتك حجب تخلفهم عن ماضيهم التليد بشراع المراغي الذي وصلهم بسلفهم الغالي، ورفع عن كواهلهم عنت الحواشي والاختصارات، وطلاسم التراكيب المجملة،والعبارات الغامضة.

نجد أن المراغي استهل كتابه بتقديم نبذة في تاريخ علوم البيان ومدى الحاجة إلي وضع قواعدها، ذاكراً صروف الدهر التي جابهت هذا الضرب السامي من علوم العربية، مبيناً أن أول من دون هذا العلم هو تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي أبوعبيدة معمر بن المثنى الذي وضع كتاباً في علم البيان سماه (مجاز القران) مستدركاً أنه “لم يكن يرد بالمجاز الوصف الذي ينطبق على ما وضع من القواعد بعد، بل هو أشبه بكتاب في اللغة توخى فيه جمع الألفاظ التي أريد بها غير معانيها الوضعية”.

ثم يوضح في إيجاز أهم العلماء الذين نهض على سواعدهم الفتية أركان هذا العلم. وبعد ذلك يتحدث عن حقيقة الفصاحة والبلاغة في بيان ناصع وشرح سديد، وتتوالى مباحث الكتاب وأبوابه كوكف المطر، فنرى عالمنا الثبت الذي عضّ كتابه على قارحة من الكلام يتطرق للإنشاء والتمني والاستفهام والأمر والنهي والنداء والذكر والحذف ومزاياه وشروطه، ثم يفصّل القول في التقديم وأقسامه والفرق بين النكرة والمعرفة مع إعطاء نماذج للتنكير والتقييد، كما تحدث بإسهاب عن الخروج عن مقتضى الظاهر، ليعقبه بفصل في فصل من ستة مباحث عن القصر وتعريفه في اللغة والاصطلاح، ثم يتحدث بعد ذلك عن الفصل والوصل

الذي بيبن فيه دقة مسلكه وعظيم خطره، ويوفي الحديث عن الإيجاز والإطناب والمساواة، ويهضب في حديثه عن أسرار البلاغة في الإيجاز والإطناب.

 

 الطيب النقر 

 

معمر حبارسبق لي أن كتبت مقال بعنوان "مالك بن نبي الأديب"، وبتاريخ: الجمعة14جمادى الأول 1439 هـ الموافق لـ 02 فيفري 2017،  أظهر من خلاله أن مالك بن نبي أديب قبل أن يكون مفكر، واستطاع أن يقدّم أفكاره بأسلوب أدبي مميّز. والتفاصيل مذكورة في المقال لمن أراد أن يعود إليه. وفي هذا المقال سيتم التطرق لنفس الفكرة؛ أي أن مالك بن نبي أديب لكن من زاوية أخرى وهي:

1- حين يقرأ المرء كتب مالك بن نبي باللّغة العربية لا يقف على أّنّه أديب ولا يتمتع بأدبه، والسبب -في تقديري- أن الترجمة سواء من إخواننا الأعزّاء في المشرق العربي حفظهم الله ورعاهم  ولهم كل الشكر والثناء  أو الجزائريين الذين لم يستطيعوا عبر مجهوداتهم المبذولة والتي يشكرون عليها أن يقدّموا مالك بن نبي للقارئ على أنّه الأديب.

2- في نفس الوقت يقف القارئ لكتب مالك بن نبي باللغة الفرنسية على حقيقة الأديب مالك بن نبي عبر كلماته الرقيقة حينا والقاسية حينا آخر، وأسلوب التحكم الذي يستعمله بكثرة ولا يشعر به إلا القارئ الحاذق، والمقارنة بين الأفكار والشخصيات بعبارات تحمل روح الدعابة لكنها قوية شرسة ذات معنى عميق تدل بصدق على حقيقة الشخصية أو الفكرة. ويبدو لي أن هذا الأسلوب هو أحد الأسباب الذي كان من وراء عداوة الكثير لمالك بن نبي.

3- أعترف أنّي وجدت صعوبة في استخراج أدب مالك بن نبي لأنّه لم يكتب للأدب إنما كان الأسلوب الأدبي الخاص بمالك بن نبي وسيلة من وسائل التّعبير عن أفكاره التي طرحها.

4- لم يكتب مالك بن نبي للأدب إنّما كتب للفكرة لكن بأسلوب أدبي أتقنه وأبدع فيه وهو يكتب باللّغة الفرنسية.

5- الكتب التي كتبها بنفسه باللّغة العربية كانت تفتقر للحسّ الأدبي لأنّه وإن كان يحسن العربية ومحبّا لها إلاّ أنّه لم يستطيع التعبير من خلالها بأسلوب أدبي باللّغة العربية. وقد اعترف بذلك ولا يحضرني الآن في أي كتاب قرأت اعترافه.

6- من أراد أن يقف على حقيقة مالك بن نبي من حيث الفكرة والأدب، فليقرأ له باللغة الفرنسية. ومن أراد أن يتعرّف على مالك بن نبي الأديب فليقرأ له كتبه باللّغة الفرنسية لأن الترجمة المقدّمة لم تستطع أن تبرز مالك بن نبي الأديب.

7- الكتب التي ألّفها أو ترجمها مالك بن نبي بنفسه إلى اللّغة العربية لم يستطع أن يبرز من خلالها أنّه الأديب وإن كان سليما إلا أنه لا يرقى إلى مستوى الإبداع والتميّز وهو يكتب باللّغة الفرنسية التي كتب بها وأبدع عبرها ووصل العالمية بفضلها وكتب أفضل الكتب بها.

8- سبق لصاحب الأسطر أن أثنى على مالك بن نبي مجهوداته في تعلّم اللّغة العربية وحرصه على أن يكتب كتبه الأخيرة باللّغة العربية وحرصه الشّديد على أن يبذل أواخر أيامه في الحرص الشّديد على ترجمة كتبه بنفسه.

9- مجهودات مالك بن نبي في الكتابة باللّغة العربية وإلقاء محاضراته باللّغة العربية الفصحى تستحقّ أن تكون مثالا وقدوة يقتدى بها.

 

 معمر حبار 

الشلف - الجزائر

 

 

حسين فاعور الساعديفي بداية هذه العجالة لا بد من شكر الناقد الدكتور الشاعر وليد العرفي جزيل الشكر على تعريفنا  بشعراء يستحقون الالتفات والمتابعة. في هذا العام فقط عرفنا على الشاعر العراقي المغترب العملاق عبد الإله الياسري. وعرفنا على الشعراء الكبار جواد غلوم، يوسف الجزراوي،  نزار سرطاوي، عادل الحنظل، ماجد الغرباوي، سعد جاسم، سامي العامري، غانم العناز، زياد السامرائي، جمال مصطفى، نوري الوائلي وغيرهم.

النقد عمل مقدس في عالم اليوم الذي أصبح بحراً من الرداءة والتدني في كل المجالات ومنها المجال الثقافي غمر ساحاتنا الأدبية بفعل الدولار وعبدته من رخيصي النفوس وقصيري النفس، وفي هذا الزمن الذي أصبح النفاق سمته وميزته. لأن الناقد الموضوعي مهما فعل هذه الأيام يظل متهما لما أصاب النفوس من أنانية وشك في كل شيء، ولما يتعرض له، كسائر الأدباء الحقيقيين، من تعتيم من إمبراطوريات المال السياسي المتعفن.

في عالم اليوم الذي أصبح قرية واحدة بفعل التطور الهائل لوسائل التواصل الإلكتروني اختلط الحابل بالنابل وصار كل من يعرف أحرف اللغة شاعراً أو أديباً. وكل ذلك ليس صدفة وإنما تعبير عما تتعرض له ثقافتنا من هجمة شرسة لترويضها وإبقائها أداة في خدمة السلطة أو رهينة في يد الأحزاب والفئات لخدمة أجنداتها الضيقة.

هذا الواقع الذي خلق مئات آلاف إن لم يكن ملايين "الشعراء!" و"الأدباء!" الفارغين، جعل القارئ العادي والبسيط يضيع في بحر لا نهاية له. وبسبب التعب والإرهاق الناجم عن هذا الضياع فقد عزف الكثيرون عن القراءة واكتفوا بمتابعة الفيس أو الووتس فضاعوا أكثر.

في هذه الفوضى ظهر عدد من مرضى النفوس من المداحين الذين تخفوا بقناع النقد وأخذوا يكيلون مدائحهم لأصدقائهم وخصوصاً من النساء الهاويات للتعامل مع الأدب ورفعهم إلى مصاف الأدباء والشعراء الكبار بغرض بناء علاقة رخيصة معهن\م أو نيل إعجابهن\م. هؤلاء المرضى الذين يتناولون في كتاباتهم الشخوص وليس النصوص زادوا الطين بلة فأشاعوا الفوضى والتدني وجعلوا القارئ العادي يلعن الشعر ويلعن الأدب.

ما تتطلبه المرحلة بكل تعقيداتها وموبقاتها هو بوصلة سليمة تُعرّف القارئ العادي بالاتجاهات وترشده إلى بر الأمان. وتتركه يقرر ما يريد. المرحلة بحاجة لناقد موضوعي يقوم بالتفتيش عن النص الجيد بسراج وفتيلة بين هذا البحر من النصوص الردسئة قيقوم بإشهاره ولفت الانتباه إليه. وليس الجلوس وانتظار توجهات الكتاب الرخيصين المطالبين بكل وقاحة تناول نصوصهم.

إن ما يقوم به مختص متمكن كالدكتور وليد العرفي من تناول لأعمال شعراء لديهم ما يقدمونه، وبمبادرته الشخصية ومن منطلق تذوقه الراقي لهذا العمل ما هو إلا عمل مقدس وبطولي خصوصاً وهو مبني على النص فقط دون أدنى معرفة بالشخص صاحب النص.

هذا العمل الكبير نابع من حرص نزيه على ثقافتنا وأدبنا وليس من منطلقات شخصية أنانية ترسم لصيدٍ أو تنتظر ثمناً.

معظم النقاد حتى المختصين منهم كتبوا عن أقاربهم أو أصدقائهم أو زملائهم ولا أريد ذكر الأسماء فهي كثيرة. أشير إلى ذلك لأن ما كتبوه لم يكن موضوعياً ولم يكن مبنياً  على فحوى النصوص وإنما على أشياء أخرى لا مجال للنزول إلى مستوياتها اليوم.

أذكر ذلك لأنه هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من جمود وضحالة أدت بمساندة الأحزاب والفئات إلى غياب المبدعين ومحاصرتهم. تماماً كما يريد أصحاب المليارات، موزعي الجوائز الأدبية الذين لا يريدون لهذه الأمة إلا المزيد من الجهل والمزيد من الضياع لأن ذلك يخدم جيوبهم المنتفخة بفتات أسيادهم الذئاب.

الناقد الذي ينفذ أجندة حزب أو فئة لا يمكن أن يكون ناقداً لأنه أداة ينفذ أوامر مشغليه. يمكن أن يكون مدّاحاً أو قوّاداً. فهو يرى من خلال جيبه ومن خلال غريزته التي تتحكم بما يكتب. هذا النوع من النقاد من الأنسب تسميته ب" القوّاد" لأنه يقوم بما يقوم به الرجل الذي يعمل مع العاهرات فهو يجلب الزبائن للحزب أو للفئة كما يجلب القوّاد الزبائن للعاهرة. ويحافظ على الحزب أو الفئة ويدافع عنهما تماماً كما يدافع القواد عن عاهرته مقابل حصته في نهاية يوم العمل.

الدكتور وليد العرفي من المعلومات التي استقيتها من العم غوغل هو دكتور في اللغة العربية ويعمل محاضراً ومختصاً في الجامعات السورية. وما يقوم به من متابعات قيمة لقصائد ذات شأن أو لأعمال أدبية ذات قيمة إنما يقوم به بمبادرته الشخصية المحضة وعلى حساب وقته الخاص، الثمين جداً وغير المتوفر كما أتوقع. لم يطلب منه احد القيام بما يقوم به ولم تدفع له جهة معينة ثمناً لجهوده المباركة.

هذا النوع من النقد الذي يقوم به الدكتور وليد العرفي يساهم مساهمة قيمة وفعالة في رفع معنويات الكتاب والشعراء المبدعين ويزيد من روح المنافسة لتقديم ما هو أرقى وأروع.

هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يشكل بوصلة سليمة ونزيهة في توجيه القارئ العادي ولفت انتباهه. بعيداً عن أسلوب السوق الذي يعتمد على التكرار المتواصل الذي يؤدي إلى رواج حتى البضاعة الفاسدة.

شكراً للدكتور الشاعر وليد العرفي الذي يقدم لنا هذه الإضاءات في هذا لليل المدلهم الذي يطبق على ثقافتنا العربية. نحن بحاجة ماسة لما يقوم به مشكوراً من خلال صحيفة المثقف الغراء في هذا الزمن الذي شوهت  وتجاهلت فيه المنابر المستأجرة كل ما هو جميل وراقي في أدبنا في سبيل أن يسود الرديء والسيئ خدمة للنظام الرأسمالي المتوحش. وفي وقت غابت فيه المؤسسات النظيفة عن القيام بدورها الريادي في هذا المجال المصيري.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

منذر الغزاليأولاً: النص

حنين: الشاعرة زينب الحسيني

"ويمطرني الحنين رذاذاً

لأرجوحة في زورق الهوى..

وكيف لي أن أرتق

شقوق الروحْ

وأقطع شرايين النوى..؟

وكم سرٍّ بكى في المنحنى.. !

وانثنى الورد تيهاً وباحْ..

يهمس الوجد في أذني ..

لمَ في الحب ندورْ

ما بين بعثٍ وموتِ..؟

وأنا سكرى بكأس الدموعْ..

أمتطي أحلام خيبتي

.. دعني أتوهْ .. في بحر أسراري

فلا ذنب للرِّيحْ

إن أسلمت أشرعتي"

 ثانياً: القراءة

تعرّفت على قصيدة الشاعرة زينب الحسيني في فترة مبكرة نسبيا، كانت قصيدتها لا تزال بكراً، تقرؤها على الورق كما لو أنك تسمعها توّاً، تركّب حروفها وتقولها للمرة الأولى، دون تنقيح  ولا تعديل.

هذا الكلام لا يعني أن قصائدها الأولى كانت على ضعفٍ ما، أو ليست بذلك العمق الذي تكتب به اليوم.. بل، على النقيض، منذ قصيدتها الأولى كان الشعر عند الشاعرة زينب ولا يزال بوحاً وجدانياً عميقاً صادقاً؛ لهذا تأتي مفرداتها غنيةً بعناصر الطبيعة، على عادة الشعراء الرومنسيين... "يمطرني، رذاذاً، زورق، المنحنى...."

وعلى ديدن الحركة الرومنتيكية في الشعر، تأتي موضوعات قصائدها لصيقةً بالروح، الروح العاشقة الولهى، الغارقة في حبٍّ مكلوم،  أو المنتظرة ذلك الحلم الذي يأبى أن يتحقق، ويأخذ قيمته من مدى انتظارنا له... أو الحنين لزمن كان، وربّما لم تعشه؛ لكنها تحلم به وتأبى الروح مفارقته، وأي شعورٍ أقسى وأوجع، وأشد تأثيرا من الحنين؟

وفي هذه القصيدة، يتجلى انصهار الروح بالكلمة، من خلال لغة القصيدة، وسَرَيانها بين شقوق الروح التي انفتحت على ذكريات غَمَرها النوى.

إن كانت قصيدة حنين تغرف من قاموس الشعر الرومنسي،  فإن الشاعرة المثقفة لا تستسلم لانثيال اللغة وانهما رها، ولا تكتفي بالسطحي من الكلام، فالروح اللائبة في البحث عما لا يحتمل التفسير تستوقفنا مع أسئلتها الحائرة، الوجودية...

"لِمَ في الحبّ ندور

ما بين موتٍ وبعث؟"

ولا نكاد نغادر دهشة السؤال نفارق قصيدتها، حتى تربطنا بها من جديد بتلك العبارة الحكمة...

"لا ذنب للريح

 إن أسلمت أشرعتي"

لا ذنب للحب إن شدّنا إليه بحنينٍ لا ينقطع، وحلمٍ لا يفارقنا، وشوقٍ أبديٍّ لجميل آتٍ.

هذه القصيدة الرومنسية في قاموسها اللغوي ومفرداتها وموضوعها، بنيت على صور متعاقبة، بل هي في الحقيقة معرض لصور تترى.

منذ السطر الأول: ويمطرني الحنين رذاذاً.. استثمرت الشاعرة البلاغة خير استثمار، وأجادت في بناء صورها على الاستعارة .

وعناصر الصور تعطي للحنين لوعةً ورهافةً أيضا..

"كيف أرتق شقوق الروح

وأقطع شرايين النوى"

يا للصورة الباهرة!

ما بين استعارةٍ وطباق بنت الأستاذة زينب صورةً في غاية التأثير والجمال والعمق.

بهذه الانسيابية والتآلف بين البلاغة واللغة، يسري القصيد جدولاً رائقاً متهادياً، يجعلنا نتحسّس موسيقاه من صورٍ منسجمةٍ مع مفرداتٍ مع تراكيب بيانيةٍ، مضفورةٍ ببراعةٍ واقتدار، بعفوية أكاد أقول مخادعة؛ فهذا الجمال والبناء المحكم، لا يبدعه إلا شاعرةٌ مسكونةٌ بالشعر، لها رؤيتها، وتملك من الإبداع ما يجعلها توصل لنا رؤيتها بغاية الألق والجمال.

 

منذر فالح الغزالي

بون 16/ 06/ 2020

 

 

عزيز جاسمأحترنا في الخيار الأمثل لمن يحكمنا.. هذا ما تمخض بعد جهد جهيد عن مسرحية "براكسا او مشكلة الحكم" للكاتب الكبير توفيق الحكيم والتي صدرت في طبعتها الاولى عام 1939 والثانية في العام 1960 وهي واحدة من بين ثلاثيته – "براكسا او مشكلة الحكم" و"بيجماليون" و"الملك اوديب" - المستوحاة من التراث الاغريقي حيث مد الحكيم في ثلاثيته جسر الاسطورة بين الماضي والحاضر الذي كان يعيشه.

تبدأ احداث المسرحية في إنقلاب تعده النساء – تحت قيادة براكسا - على أزواجهنّ الذين يسيطرون على مفاصل الحكم في أثينا القديمة. لم يكنَّ راضيات عن الحكم الذكوري الذي قطّعهُنَّ إرباً بينما هُنَّ يمارسنَ الأعمال اليومية في الدار تحت مسمى "نساء"، المصطلح الذي لم يَجنينَّ منه سوى الكبت والاضطهاد. انتفضن غير راضيات وطمعن في استلام دفة الحكم لإثبات قدرتهن على الادارة خارج المنزل ونفض غبار القهر الذي كُنَّ يعِشنه.

في ليلة ظلماء تآمرت النساء على ازواجهن حيث منعنّهم من الخروج لممارسة اعمالهم اليومية كالعادة المتعارف عليها في المجتمعات الذكورية والتي تقضي بخروج الرجال للعمل في الوقت الذي تمكث فيه النساء في البيت لممارسة الأعمال المنزلية ورعاية الاطفال. ولكن كيف تمكنت النساء هذه المرة من التجرأ على ماكنة المجتمع الذكوري وتعطيلها عند الصباح؟

يتبادر هنا الى الأذهان السؤال عن الطريقة التي مكنتهنّ من تعطيل ازواجهنّ عن الذهاب الى العمل والبقاء في الدار مُكرهين على ذلك ومشلولين لا يقوون على الحركة التي اعتادوا عليها. ليس هذا فحسب بل لا يمكنهم حتى الخروج من غرفة النوم الى الغرفة المجاورة في المنزل نفسه! لكن للنساء كيد فاق ما يخطط له الرجل من طرق وبرامج تساعده في توفير الحرية الكاملة في التنقل في المجتمع الذي يعتبر نفسه الجزء الاساس في بناءه مستعينا بالمرأة كوسيلة لتحقيق غاياته. يكمن الكيد هذه المرة في المعنى الايجابي الذي يمكن المرأة من الدفاع عن نفسها حيث قمنّ بتجريد ازواجهن من ملابسهم التي تضفي على شخصياتهم الوجه الحسن وتمنحهم الحرية في التنقل ومزاولة اعمالهم. تلك الملابس التي غطت عيوبهم لتجعلهم يبدون بالشكل الانيق الذي من الممكن ان يخدع من ينظر الى المظهر الخارجي كوسيلة اساسية في إكتمال الشخصية. عندما قررن منعهم من الوصول الى ملابسهم للخروج الى العمل نجحن وبشكل كامل في تقييد حركتهم تماماً حيث وجدوا انفسهم عُراة في منازلهم وقد جردوا من كل الصلاحيات المتاحة لهم.

على كل حال، استطعن الوصول الى دفة الحكم وقمن بمزاولة العمل والرجال هذه المرة الحمل الوديع والمطيع لأوامر النساء التي اعتادت الاطاعة وتنفيذ الاوامر من قبل. لكن هنا تكمن المشكلة: هل ان الإدارة بتلك السهولة التي توقعنها؟ وهل بأمكانهن السيطرة الى درجة التحلي بالصبر الذي من الممكن ان يصل بهن الى بر الامان في نيل ما ابتغينه من الحرية والشعور بتحقيق الذات الذي فقدنهن لسنوات طوال؟ لم يكن ادائهُن بالمستوى الذي يرضي الشعب، حسب اقتراحات الكاتب، على الرغم من انهن لم يكن اقل شأناَ في الحكم من الرجال الذين سبقوهن. المشكلة إذاً لا تكمن في الحكم نفسه حسب تقديرات الكاتب وإنما في انطباع وهيكلة الشخصية بعد وصولها الى الحكم. لم تكن النساء اللواتي كن في البيت هن انفسهن اللواتي يمسكن الحكم. تغيرن الى درجة انهن لم يصدقن انفسهن. وبذلك يكون الحكم قد مسخهن الى كائن حي آخر له من العادات والأطباع الخاصة به والتي يجهلها الفرد السوي إلا من الذي يُمسخ اليها.

ماذا حدث هذه المرة؟

انتفض الشعب على النساء وبهذا انقلب السحر على الساحر ووجدن انفسهن في نفس الموقف الذي شاهدن به أزواجهن من قبل. رُمين في السجن لعدم كفائتهن وحل محلهن من كانوا عوناً لهن متظاهرين هُم هذه المرة بقدرتهم على إدارة الحكم بالشكل الصحيح. يستمر المسلسل في تولي الحكم على هذه الشاكلة من جيل الى آخر ويبقى السؤال ما هي مشكلة الحكم اذاَ؟ ذلك السؤال الذي يرد على لسان كل من يقرأ المسرحية ويتمعن في الاسلوب الذي وصف به توفيق الحكيم شخصياته والطريقة التي كانوا يتظاهرون بها أو تلك التي انقلبوا اليها بعد تقلدهم مناصب الحكم.

وكما ذكرت سابقا فالمشكلة هنا ليست في الحكم بقدر ما هي مشكلة الفرد النفسية بغض النظر عن جنسه لأننا جميعاً نطمح للتسلط ولا نحب ان يتسلط علينا احد. تكمن مشكلة الحكم في الطريقة التي يصل اليها الفرد الى الحكم والتي تُبنى على اساس المكيدة والتآمر والدس والتمتع بالاطاحة بالاخر. لا يبالِ المتآمر لما يجري من احداث ولا يخطط أبعد من انفه لأنه عندما بدأ بلحظة التخطيط نسي كل من حوله إلا نفسه وسعى في هدفه الى الراحة النفسية الشخصية التي تغطي على هدف المصلحة العامة والذي يدعي، قبل توليه الحكم، بأنه الهدف الأسمى. لا يولد العنف إلا المزيد من العنف، وبنفس المعول الذي اوسع به حفرته تزل قدمه يوماً ويجد نفسه غارقا فيه. ويبدأ بالعويل من أجل النجدة التي وضع القطن في اذنيه عندما سمعها من خصمه. لا يصل العنف أخيراً بصاحبه إلا بنقطة البداية التي طمح ان يرسم بها نهاية خصمه وبذلك يعود من حيث بدأ وينتهي به المطاف أخيراً بترجي خصمه ان يُجهز عليه. لكن هل ينتهي مسلل الحكم الجائر بعدها؟ "تلك هي المسالة"!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

عبد الخالق الفلاحيجبر الانسان في وقت ما الاستجابةٌ الطبيعية لفقدان شخصٍ ما أو شيءٍ مهمٍّ بالنسبة له و قد تتنوَّع المشاعر السَّلبية التي تنتابه ويشعر بالكآبة أو الوحدة كردة فعلٍ طبيعي لتلك المصيبة وتؤثر العادات والدين والشخصية على الطريقة التي يعبر فيها الناس عن أحزانهم وهو إحساس داخلي بالحرمان والأسى والوحدة. والحداد هو كيفية التعبير عن تلك المشاعر، وهي من العوامل الطبيعية والضرورية في عملية رد الفعل بعد فقدان ذلك العزيز.

بعض الناس يجاهر بحزنه وجزعه، وآخرون ينطوون على أنفسهم وينعزلون، لانه يسيطر عليهم الالم النفسي و بالشعور بالبؤس والعجز ويعد غالباً عكس الفرح مما يستوجب مواجهة الناتج عن الخسارة بصيغة مؤلمة ويستوجب عدم السماح للعاطفة بالتسلل للوعي والسيطرة عليه واتخاذ الخطوات المناسبة لمعالجة المشاعر وبلا شك فأن الشخص الذي لم يمر بفترة حزن كبيرة يتعامل مع  التعاسة والحزن كشعور غير ضروري أو عديم الفائدة وغير مرغوب به ولا يمكن لهذا الانسان أن يشعر بالسعادة بنفس الشدة،وقد يتجلى في الحزن المفرط، فقدان الاهتمام بالأشياء الممتعة، وفقدان الحافز، والشعور بالعجز التام، و تغيير السلوك، والتوقف عن القيام بالانشطة البدنية، وتغيير نمط حياته، والولوج في التفكير دائماً دون ارادة .

 تختلف درجة الحزن باختلاف السبب وباختلاف الشخص وقابليته للغرق في نوبات الحزن، ولكنه يتحول إلى درجة أكبر عندما يكون السبب خلفه فعل كبير ويكون الحزن شديد عندما يمتد لمدة طويلة ولا يكون الشخص قادر على الخروج من هذه الحالة التي تؤثر بشكل سلبي عليه بقدر التعلق بالمفقود وهناك فرق بين الحزن والاكتئاب الذي يعد مرض حقيقي يؤثر على كيمياء الدماغ والهرمونات والحالة النفسية ويحتاج إلى علاج ومتابعة من قبل مختص في معظم الأحيان، ويتميز عن الحزن بأن حالة تحتاج الى محفز في حين ان الاكتئاب نوبة لا تحتاج لمحفز حتى يدخل الشخص فيها و تمتد لفترات طويلة جدًا تتراوح بين الأسبوعين وأكثر حسب قوة الحالة قد تستمر سنوات .

 يرسم  الحزن حالة من الغمّ والكآبة في أعماق النفس وتتحول الى خضوع ويأس في كثر من الاحيان لذلك يقول سبحانه وتعالى في  كتابه الكريم : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [الزمر: 53، 54.

 تظهرمشاعر تعبيرية عن الحزن في الوجه في معظم الحالات، ولا ينحصر عن الخسارة في موت انسان عزيز فقط ومعاناة الفاقد من الفقد وهوامر طبيعي لا بد أن يحزن ويدخل في حداد عليه حسب المعتقدات الموجودة عندنا، بل تتوسع لتشمل فقدان الحلم والصداقة والهدف في الحياة والمال والجاه او ناتج عن تراكم ضغوطات العمل، وعدم القدرة في السيطرة عليها، وفقدان الرغبة في أدائه، والفشل فيه. اوغياب التوافق العائلي، وعدم استقراره، ووجود مشاكل كثيرة اسرية بين الزوج والزوجة والأبناء، وغياب الانسجام، سوء الأوضاع المالية والاقتصادية، والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، اوتراكم الديون، والفقر وضيق الرزق.

 قد يؤثر الحزن ايضاًعلى حياة المرء في كثير من الاحيان ويستسلم له ويصبح واقعاً  تحت تأثيره، ضعيفًا قلبًا وقالبًا، والحزن مَعلماً `ذاتيا متميزاً ودافعاً بارزاً في ذات الانسان ويبرز في حالة من التشاؤم المثيرة وقاسم مشترك بكلّ ما تنطوي عليه من آلامٍ وآمال وحصيلة ناتجة عن مجموعة من المعاناة والاكتئاب و المشاكل أو ظروف خارجة عن إرادة الإنسان والخطوب الناجمة عندما ترتقي الى التشائم في كثير من الاحيان وتجعله تحت ضغط نفسي يبتعد فيها عن  الراحة والطمئة،وفي حال زاد الإحباط عن حدود معينة فإنه ينقلب إلى مرض صعب العلاج، ولو بحثنا بين أساليب العلاج الحديثة، نجد علاجًا يقترحه الباحث الدكتور: "أنتوني روبينز"؛ الذي يؤكّد أنّ الحالة النفسية تؤثّر على وضعيّة الجسم وحركاته ومظهره؛ ولذلك فإنّ الإنسان المُصاب بدرجة ما من الإحباط، تجد الحزن يظهر عليه، وتجده يتنفَّس بصعوبة، ويتحدَّث ببطء، ويظهر عليه أيضًا الهمُّ والضيق والضعف والهوان .

"أفضل حالة هي تلك التي تُسلم نفسك لقدرها وتظهر نفسك في حالة من البهجة والسرور، وتنسى همومك، وتعيش في حالة من التأمل وانبساط النفس، وهذا ما أمرنا القرآن به بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) لقمان:12 فيشعر الانسان بالسكينة والطمأنينة وفلا تنتابه الهواجس والأفكار الوسواسية القهرية التي تنغص عليه حياته بذكر الله سبحانه وتعالى حيث لا محال تجعله يستشعر بالسعادة والسكينة قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد28  أما من رفض فيتوعده الله سبحانه وتعالى بحياة سيئة ونهاية أسوأ-( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً }طه 100 {- (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه124 هذه اللوحة المتكاملة ليس بإمكان العلم البشري المحض أن يوضحها و  كما جلاها الخالق عز وجل في القرآن الكريم و (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)}الملك 14 "

 على كل حال فأن الدموع مثلها مثل الطاقة لا تفنى ولا تستحدث.

الحزن في العالم أيضاً له كمية ثابتة تتكرر بأشكال مختلفة ومملة ولكن ليس الحزن إلا صدأ تغشىها النفس.. والعمل بنشاط هو الذي ينقي النفس،ويصقلها ويخلصها من أحزانها. لذا يجب أن نغيير من تصرفاتنا التي ربما تسيء لبعض الناس في حياتهم من الأصدقاء والأهل . والحزن على المفقود  تقييم لعلاقتنا وسلوك حياتنا اليومية ومن يزرع الخير يجني الثمار الطيبة ولو بعد حين، ومن يزرع الشر، فلا يجني إلأ الشر و سوف تشرق الشمس مرة أخرى في يوم من الأيام. وسوف يظهر بريق الأمل وتستأنف الحياة حتى ولو لم تكن كما عاهدتها تمامًا في الماضي، ولا تجعلها  تؤثر سلبًا على صحتك فتنهش قلبك وتثقل نفسك بالهموم.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

شاكر فريد حسنإبراهيم قراعين شاعر فلسطيني ظهر على ساحة الإبداع وفي المشهد الثقافي والأدبي الفلسطيني في السبعينيات من القرن الفائت. وهو من مواليد بلدة سلوان في القدس العام 1947، أنهى دراسته الأكاديمية في الجامعة العبرية، ونال درجة الماجستير في الأدب الانجليزي. اشتغل مدرسًا في مدارس الضفة الغربية والقدس، ثم عمل في الصحافة مشرفًا على الملحق الثقافي في صحيفة "الشعب" المقدسية، ثم رئيس تحرير مجلة " العودة " التي صدرت في الثمانينيات وكانت صوتًا فلسطينيًا معبرًا عن موقف القيادة الوطنية الفلسطينية والاجماع الشعبي الفلسطيني، وكانت المشرفة العامة الصحافية عليها ريموندا حوا الطويل.

نشر أبراهيم قراعين قصائده وأشعاره في الصحافة الفلسطينية، وصدر ديوانه الاول "بين الحب والحرب" العام 1975، عن مطبعة الشرق التعاونية في القدس، واشتمل على 25 قصيدة متنوعة الموضوعات التي تنبض بحب الوطن، مختلفة الشكل، منها العمودية ومنها الحرة. ثم صدر ديوانه الثاني " بيارق فوق الحطام " عام 1987، عن دار العودة. وفي العام 1989 صدر ديوانه الثالث " وتعود أمواج البحار إلى البحار " عن دار العودة أيضًا.

وفي كل كتاباته الشعرية نرى إبراهيم قراعين مسكونًا بالهم والهاجس والوجع الفلسطيني العام، منحازًا لفلسطين وشعبها وشهدائها وتاريخها، متفاعلًا مع الحدث، يعايشه بدقة ويجعل منه شعرًا إنسانيًا بنكهة فلسطينية، طافحًا بالعاطفة الوطنية، ويبوح بأحزانه من شجون وآهات، بلغة سهلة سلسة، وبأسلوب سهل ممتنع يدخل شغاف القلب دون جواز مرور.

والقصيدة عنده هي الوطن والأرض والإنسان والحُبّ والجرح الذي لا يندمل، والحلم المستقبلي، والحرية. وأشعاره منبثقة من رحم المعاناة والنبض الفلسطيني، صادقة كل الصدق، بعيدًا عن الترهل والتكلف، وتعبر عن مشاعر ونبرات الألم ورنات الأسى وعذابات الروح الفلسطينية، وتحمل معاني الحب والثورة والغضب والاصرار على الصمود والتمسك بالأمل، رغم كل شيء، ويترك حروفه وكلماته تنساب بشفافية متدفقة، مغلفة أحيانًا بالرمزية الشفافة الجميلة.

ولنسمعه يقول في هذه القصيدة الرقيقة المكثفة:

قالت تعاتبني :

ضَيَّعتُ عُنواني

لما رفعْتُ

بشرق النهَّرِ .. بُنياني

فقلتُ : لائمتي

رغمَ الذي أبصْرتِ

من تَرَفٍ ..

القلبُ ينزفُ ...

منْ وجدٍ وحرمانِ

أَلا وربِّكِ

يا أُخْتاهُ .. ما عبَرتُ

بيَّ لحظةٌ لم تهجْ

ذكرى لأوطاني

أبراهيم قراعين شاعر شفاف حالم، يعبر ويجسد هموم وواقع شعبه في ظل الاحتلال عبر صور شعرية تحمل الكثير من المقاربات في التشبيه والمعاني العميقة والاستعارات والنسق الموسيقي، يعتمد لغة واضحة مؤثرة، خالية من التعقيد، ويرسم خريطة جديدة للشعر الناعم الرقيق العذب، ممتلكًا لأدواته، مكتنزًا بلغته، ويحافظ على عناصر الجمال في قصيدته، وهو صاحب حس شعري مرهف، وتجربة غنية ومتألقة، ورغم ذلك بقي في دائرة الظل.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنييعد هذا المصدر منبعاً سخياً لدي أمل دنقل وإن لهذا الرافد حظ أوفر ضمن المصادر التراثية الأخري، وتحدثنا فيما سبق عن الأسباب التي جعلت الشاعر أن يتخلي عن توظيف التراث الفرعوني والأجنبي بصفة عامة ليقبل علي التراث العربي الاسلامي. فهو يصرّح بذلک في قوله: «إن استلهام التراث في رأيي ليس فقط ضرورة فنية. ولکنه تربية للوجدان القومي، فإنني عندما استخدم أُلقي الضوء علي التراث العربي والاسلامي الذي يشتمل منطقة الشرق الأوسط بکأملها، فإنني أنمي في المتلقي روح الإنتماء القومي وروح الإحساس بأنه إلي حضارة عريقة، لاتقلّ إن لم تزد عن الحضارات اليونانية أو الرومانية»، ولقد أدرک الشاعر بأنه باستدعائه للتراث العربي الاسلامي يستطيع أن يحيي القيم التاريخية في القارئ العربي حيث يذهب إلي أن استخدام الأساطير والتراث الفني «ليس فقط کرموز لأبطال العمل الفني وإنما أيضاً لاستنهاض أو لإيقاظ هذه القيم التاريخية من نفوس الناس».

فيما يخص الشخصيات، نستطيع أن نقول أن الشاعر يعتمد علي أشکال مختلفة و ملاحظة في نفس الوقت من الاستدعاء؛ إما أن يستدعيها بالعلم (علم الشخص الکنية. اللقب) أو بالدور، أو بالقول وإما يستدعيها استدعاءً عرضياً أو استدعاءً کلياً.

تعتبر قصيدة «من أوراق أبي نواس» نموذجاً صالحاً للاستخدام الجزئي، حيث جاء الشاعر باسم هذه الشخصية في عنوان القصيدة، مع ذلک لانجد أثراً واضحاً لهذه الشخصية أو إشارة إلي ملامحه مباشرة، إلا ما استلهمه أمل دنقل منها في خروجها علي التقاليد والعادات العربية في أشعاره. کما أن شخصية أبي موسي الأشعري، تظهر أيضاً في مثل هذا النمط في قصيدة «حديث خاص مع أبي موسي الأشعري» وقد وجد أمل دنقل تشابهاً بين وجهة نظره و وجهة نظر أبي موسي.حيث يذهب کل من أبي موسي والشاعر إلي أن الأشياء الموجودة علي الأرض ضحية بريئة للعبة القدر، ففي هذا الجانب أيضاً هناک تشابه تام بين الشاعر والشخصية التراثية. ولاتظهر تلک الشخصية في مساحة القصيدة الطويلة التي تبلغ 91 سطراً بعدُ. هذا وإننا نري أمل دنقل قد تعأمل مع شخصيات کصقر قريش وصلاح الدين الأيوبي وزرقاء اليمامة والمتنبي وقطر الندي.... بکيفية أخري، حيث يخص الشاعر قصيدة بکأملها أو ديواناً کأملاً للشخصية التراثية وتکون حينئذٍ «معادلاً تصويرياً لبعد المتکأمل من مراحل تطوره الشعري» وهذا الاستخدام عند المعاصرين يُسمي بالاستخدام الکلي أو الاستغراق الکي. فهناک قصائد تحمل عناوينها أسماء هذه الشخصيات مثل قصيدة «من مذکرات المتنبي» و و«مراثي اليمامة» و «أقوال اليمامة» و «خطاب غير تاريخي علي قبر صلاح الدين» و «بکائية لصقر قريش» أو کما نري أن بعض أسماء هذه الشخصيات يصبح عنواناً لديوان الشاعر مثل «البکاء بين يدي زرقاء اليمامة».

أمّا الأحداث التاريخية فترتبط بالشخصيات التي جاءت ذکرها في الصفحات السابقة من دراستنا. بعضها يرجع إلي العصر الجاهلي کأيام العرب (حرب البسوس) وبعضها الآخر إلي العصر الإسلامي کحدث الفتنة بين علي (عليه السلام) ومعاوية ومقتل الحسين (عليه السلام) ومعرکة حطين وإلي العصر العباسي کأخبار المتنبي في بلاط کافور الإخشيدي. کما أن هناک أحداث تاريخية معاصرة ترتبط في معظمها بالقضية العربية في مواجهة العدو الصهيوني.

يلاحظ القارئ لشعر أمل دنقل أن حظ الشاعر من الشخصيات الأسطورية العربية قليل وإنّ أمل دنقل لم يغفل عن المأثورات الأسطورية والقصصية عند العرب لما لها من حضور دائم في ذاکرة الشعب. وربّما هذا مادفعه إلي تخصيص قصائد أو ديواناً کأملاً لتلک الحکايات والاستمداد منها لتبين أبعاد قضاياه المعاصرة. فهو کما نري، يستدعي أسطورة «زرقاء اليمامة» في قصيدة کأملة هي «البکاء بين يدي زرقاء اليمامة» وملحمة سالم الزير المقترنة بحرب البسوس في ديوان کأمل هو: «أقوال جديدة عن حرب البسوس». کما يستلهم القصص والحکايات الخرافية في کتاب «ألف ليلة وليلة» في قصيدة معنونة بـ «حکاية المدينة الفضيّة» ويستحضر بعض الشخصيات من هذا الکتاب کشخصية شهريار،شهرزاد، بدرالبدور

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

وليد العرفي جاء في تعليق على ما كتبته عن الشاعر عبد الإله الياسري الآتي: "الشاعر عبد الإله الياسري يستحق أن يكتب عنه من قبل نقاد الأدب الكبار

ومبادرة الأستاذ وليد العرفي بالكتابة عنه يشكر عليها

فقد قرأت له مقالات نقدية عن قصائد بعض الشعراء الذين نشروا في المثقف

لكنّ أهم وأشهر الشعراء لم يتطرق إلى قصائدهم

ما هو السبب ّ

وهو يعرف جيدا من أعنيهم .

هم في الحقيقة في غنى عن أن يكتب عنهم

لأنّ أشعارهم أعلى وأسمق قامة من أيّ ناقد "

وتوضيحاً لما ورد بين مقبوسين أشير إلى أنني أتفق معه في استحقاق الشاعر الياسري للنقد، وأنا ما كتبت إلا لقناعتي بذلك، وما كنت أنتظر الشكر، لأنني أنطلق في نقدي من استحقاق النص لنقد وقول كلمة حق فيه فتعاملي مع النص،وليس مع قائله، فأنا أبعد ما أكون عن الشخصنة، فجميع من كتبت عنهم أو من سأكتب عنهم هم أخوة لي، وعلى مسافة واحدة مني عاطفياً، وأما الكتابة فلها موضوعاتها الأخرى التي تخضع لمنهجية ورؤيا خاصة لا علاقة لها بالشاعر وبما يكتبه الآن، وقد كان من الغريب القول بأني أنتقي شعراء على حساب آخرين، أو أنني لم أكتب عن شعراء ويطالب بمعرفة السبب، ويدعي بمعرفتي بهم؟! وأنا لا أعرف من يقصد في الحقيقة ثم يتابع أنهم أعلى وأسمق قامة في غنى عن أن يكتب عنهم أي ناقد؟ !!! وأنا شخصياً لا أعرف شاعراً في الدنيا يترفّع عن نقد، ولا أحد يدّعي الكمال!!

وأشير إلى أنني كتبت عن أكثر من 100 شاعر على اختلاف عصورهم وجغرافيتهم منذ امرىء القيس وحتى امرىء هذا العصر، فأين الانتقائية أو المعرفة الشخصية التي تربطني بامرىء القيس، ومالك بن الريب ونزار قباني ومحمود درويش وأدونيس والبوصيري والسياب والبريكان.... الخ وهي أبحاث منشورة في مجلات علمية محكمة ورصينة .

 ولم يكتف بالتعليق الأول فأضاف تعليقاً آخر جاء فيه :

"الناقد كالقاضي عليه حين يُصدر أحكامه النقدية أن يكون بعيدا عن كل التأثيرات والمؤثرات

إنّ ما يفسد النقد هو (المجاملات قيمة النص ومستواه الأدبي هو المعيار والأساس الذي يجب أن يرتكز إليه الناقد في تناول النصوص موضوع النقد

وفي هذا التعليق أشير إلى النقاط الآتية:

 1- ذكر أن النقد يجب أن يبتعد عن كل التأثيرات والمؤثرات ولا أدري أية تأثيرات يقصد، ولا عن أية مؤثرات يتحدث، فما كتبته كان بتأثير الكلمة التي وجدت فيه ظاهرة تستوجب التوقف عندها، وتسليط الضوء عنها، وعن موضوعة المجاملة؟ وأقول أين المجاملة فيما ورد من نقد للقصائد التي درستها 

وما يثير الغرابة قوله: " وإنّ كتابة المقال النقدي فيي نفس اللحظة التي تنشر فيها القصيدة لا يساهم في تكوين فكرة شاملة عن النص ولا يعطيه حقه من التمعن والدراسة واستبطان الجوانب الجمالية والفكرية فيه، وبالتنتيجة يقود إلى السطحية والشرشرة، ويكون مجرد فعل إعلامي ودعاية، وهو بالتالي بتنافى مع أصول النقد والتقاليد الأدبية ولا يخدم الشاعر أو الأديب بل يضره وهذا ما لاحظته في المقال النقدي الذي كتبه الأستاذ العرفي عن قصيدة سامي العامري فقط حاولت أن أنبّه إلى هذه النقطة المهمة "  ولتوضيح ذلك أقول للأخ المعلق ما من نقد تناول قصيدة في لحظتها، ولو كنت موضوعياً ومتتبعاً لما نشرت لتأكدت بنفسك، وأدركت أن السرعة في إطلاق الحكم كانت وراء ما ادعيته من دون دليل وعد للقصائد المدروسة ستجد أن قصيدة الشاعر مصطفى علي " نزهتي الصباحية " أو قصيدة يتهادى حلما للأستاذ ماجد الغرباوي على سبيل المثال لا الحصر منشورة منذ ثلاثة أعوام، وحتى قصيدة الياسري المنشورة اليوم وكانت سبب تعليقك الذي يبدو أنك تسرعت، وقد أوهمه إشارة المرجعية للقصيدة أنها المنشورة حالياً نزيف الشمس، والحقيقة أن ما تناولته من شعر الشاعر الياسري ليس له علاقة بالقصيدة المنشورة، وإنما هي دراسة تشمل بعض شعره المنشور منذ سنوات بعيدة، وهو ما لم ينتبه إليه كما جاء في العنوان، ثم يتوصل المعلق الكريم إلى أن ذلك يصل إلى "السطحية والشرشرة" ولا أعرف ما يعني بالسطحية ولم أفهم كذلك الدلالة العميقة لمصطلحه الجديد الشرشرة؟!! ثم يقول أن الكتابة بهذه الطريقة تكون إعلامية ودعاية فعن أية دعاية يتحدث، وهو بالتأكيد يعلم أن عدد من يقرأ لا يتجاوز عدد الأصابع في الإنسان، فإنما نحن نكتب لوسطنا فأية دعاية يقصد؟! وكنت أتمنى عليه ونحن ممن يحترفون الكلمة والأدب أن نتكلم في الأدب بعيداً عن الشخصنة، ومن المفروض أن تكون لغة لائقة بمن نكتب عنهم أو نخاطبهم، أما أن نرمي التوصيف جزافاً وعلى غير وجه حق فأعتقد أن هذا الأمر لا يليق بمن يرى في الكلمة الطيبة شجرة يبذرها، ويدلل أخيراً على قوله ذلك بما كتبته عن قصيدة الشاعر سامي العامري التي تناولت فيه قضية الموسيقى، على أنها ظاهرة كانت قد ارتبطت بحديث سابق بيني وبين الشاعر عن تلك القضية، ووعدني بكتابة قصيدة على البحر نفسه، وكانت تلك الدراسة عنها من هذا الجانب، ولم أجد أن الشاعر نفسه قد أبدى انزعاجاً، بل على العكس من ذلك، وأخيراً لم يهمس لي أحد الأخوة الشعراء ممن كتبت عنهم نقداً أنه تضرر بسبب مما كتبته، وإن صح ذلك فليأتني بمن يوافقه على ذلك الإضرار!

أخيراً  أقول من يطلق الحكم ويتبنى الموضوعية عليه أن يكون دقيقاً وحيادياً في مقارباته وتعليقاته لا أن نرمي القول على عواهنه: "وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"

والحقيقة لم أكن أرغب في الدخول بهكذا حديث غير أن رغبتي في التوضيح دفعتني إلى الإبانة

 

د. وليد العرفي