ضياء نافعالتقيت احد الروس المهتمين بالحضارة العربية صدفة في احدى المناسبات، وعندما عرف اني من بغداد، سألني بشكل غير متوقع لي بتاتا، هل يوجد في بغداد نصب لحي بن يقظان؟ تعجبت أنا جدا من سؤاله هذا، ومن أجل (كسب الوقت للتفكير بالاجابة عن هذا السؤال الغريب) طرحت عليه سؤالا (مضادا!) عن سبب سؤاله هذا، فابتسم وقال موضّحا، لان مدينة بغداد بالنسبة له ترتبط بالحضارة العربية العريقة، وانّ حي بن يقظان - كما يراه - هو التجسيد الفلسفي والادبي الرائع لهذه الحضارة، وليس عبثا ان اسم هذا البطل الاسطوري دخل – وبكل جدارة - في الموسوعة الفلسفية الروسية والموسوعة الادبية ايضا واصبح فقرة مهمة وبارزة في تلك الموسوعتين، ولهذا سألني عن موقع هذا الرمز الكبير والمتميّز في تلك المدينة العريقة، ولا ضرورة للحديث هنا عن (تهرّبي!) من الاجابة آنذاك عن هذا السؤال (المحرج!) بطريقة (اللف والدوران!) الدبلوماسية الشائعة، اذ اني لم استطع ان أقول له المثل العراقي الشهير – (اليدري يدري والما يدري كضبة عدس)، المثل الذي يعرف العراقيون كافة ماذا يعني .

أثار ذلك الحديث (الحزين!) شجوني طبعا، وهكذا بدأت بالبحث عن هذا (الحيّ) و(اليقظان) بالروسية ومتابعة مسيرته في روسيا، كي أجد – في الاقل - جوابا شافيا لي عن سؤالي (الذي طرحته انا نفسي امام  نفسي) حول جذور واصول تلك الانطباعات لهذا الروسي المعجب حد الانبهار بهذه الشخصية الاسطورية في التراث العربي، هذه الشخصية التي تمّ رسم ملامحها قبل اكثر من تسعة قرون في حضارتنا، والتي يعرفها ويثمّنها الان العالم كله .

 ظهر حي بن يقظان في روسيا بالقرن العشرين ليس الا، اي بعد قرون من الترجمات الاوربية (اذ ظهرت الترجمة اللاتينية لهذا الكتاب المدهش في القرن السابع عشر، وبالذات عام 1671)، وقام المترجم كوزمين بترجمتها ونشرها عام 1920 ضمن سلسلة الادب العالمي، وقد اعيد طبع هذه الترجمة عدة مرات في الاتحاد السوفيتي، اذ ظهرت عام 1961 ضمن كتاب بعنوان مختارات من نتاجات مفكّري بلدان الشرق الاوسط والادنى، وظهرت كذلك عام 1976 ضمن كتاب بعنوان  النثر الكلاسيكي للشرق، ثم في عام 1985ضمن كتاب بعنوان النثر الاندلسي للقرون الوسطى، وكتب ساغادايف عن حي بن يقظان في كتاب بعنوان فلسفة الشرق الاجنبي، الذي صدر عام 1986، وتوقفت الموسوعة الفلسفية الروسية والموسوعة الادبية عند هذا الكتاب في فقرتين تفصيليتين، واستمر هذا الاهتمام بحي بن يقظان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ففي عام 2005 ظهر كتاب بعنوان الفكر السياسي للقرون الوسطى الاسلامية، وفيه دراسة عن هذا النتاج الخالد، وتتناول المصادر الروسية بالتفصيل تاريخ هذا الكتاب ابتداء من ابن سينا، وتتوقف عند ابن طفيل طويلا ومكانته العلمية الموسوعية، وكيف استطاع صياغة افكاره الفلسفية عبر هذا الكتاب الممتع، وتتحدث المصادر الروسية حول موضوعة تأثيره في مجال الادب المقارن و تربطه بروبنسون كروزو طبعا .

  لم أجد في تلك المصادر عن حي بن يقظان اية اشارة الى الادب الروسي، وهل انعكست افكار هذا الكتاب وموضوعته على بعض نتاجات الادباء الروس، وقد تذكرت، اني دردشت مرة مع أحد اساتذتي الروس في جامعة موسكو حول المواضيع المرتبطة بالمقارنة بين الادب الروسي والعربي من وجهة نظره، فقال، ان ذلك يقتضي التعاون العلمي المتبادل بيننا، اذ ان هناك مواضيع كثيرة يمكن لنا طرحها، وتحدث عن الف ليلة وليلة  وعلاقة بوشكين وتولستوي وغوركي مثلا بهذه الحكايات الجميلة، وتطرق ايضا الى حي بن يقظان، وقال، ان هذا النتاج يوحّد وبشكل رائع الادب والفلسفة والتناسق بينهما، واستطاع ان يعكس آراء الكاتب بقضايا فلسفية عميقة، وان دستويفسكي في الادب الروسي هو النموذج المثالي لظاهرة التلاحم الرائع بين الادب والفلسفة، ومن الممكن جدا الكلام عن امكانية المقارنة بينهما، اذ ان كلاهما استخدما الادب للوصول الى اثبات افكارهما الفلسفية تلك، ويمكن ان يكون هناك تعاون بين اثنين او حتى اكثر من الباحثين لتحقيق هذا البحث العلمي المبتكر .

حي بن يقظان اسم عظيم منسي في تراثنا العظيم، وما اكثر تلك الظواهر والاسماء العظيمة المنسية في تاريخنا...   

 

 ا. د. ضياء نافع

 

عبد الحسين شعبانتحتفل البشرية في شهر مايو (أيار) من كل عام باليوم العالمي للأسرة، الذي قرّرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1993، ويتلخّص الهدف من هذا الاحتفال في رفع الوعي بأهمية الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى للمجتمع الإنساني، ناهيك عن أن التنمية المستدامة لا تستقيم  دون مشاركتها بما يحقق الرفاه والسلام والأمن والتقدم، فهي "الملاذ الآمن" و"المأوى الدافئ" والمتكأ الذي يمكن الاستناد إليه، بما تمثّله من اطمئنان ومودة ورحمة وتآلف وتآزر.

ولعلّ من المصادفات السيئة هذا العام أن تمرّ هذه الذكرى والغالبية الساحقة من العوائل محجورة ومنطوية على نفسها في حالة قلق ورعب، بسبب اجتياح وباء كورونا  العالم، حيث راح ضحيته حتى كتابة هذه السطور أكثر من 300 ألف إنسان، وإصابة ما يزيد عن 3 ملايين، وما زالت الأجواء المكفهرة والكئيبة مخيّمة، ناهيك عمّا ستتركه من انكماش على الاقتصاد العالمي، والقيود التي ستفرضها على حركة الأشخاص والأنشطة الاقتصادية في الدول الكبرى، فضلاً عن التراجع الخطير في قطاع السياحة العالمي، الأمر الذي يحتاج إلى معالجات وتدابير عاجلة وجريئة وتعاون دولي ضروري وفعّال، ليس لاحتواء الجائحة وإنقاذ أرواح الملايين من البشر، بل لحماية الفئات الأكثر فقراً والأكثر حاجة من الأسر من تأثيرات الدمار الاقتصادي وانعكاساته اللاحقة، من تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب.

وإذا كانت السنوات السابقة مناسبة لمراجعة نقدية لما تحقق وما لم يتحقق في إطار منظومة التشريعات الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق المرأة والطفل وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها، فإن هذا اليوم يمرّ ثقيلاً وحزيناً هذا العام، لاسيّما بمراجعة الملفات الأساسية التي تخصّ دور الأسرة في المجتمع وقضايا الصحة والمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، إضافة إلى التنمية والتكامل والتضامن والتكافل الاجتماعي بين الأجيال، والتوازن في العمل والإدارة والقيادة والأجور، وفي مواجهة سياسات الفقر والإقصاء الاجتماعي والتهميش والهجرة واللجوء، بما يضع مسؤوليات وتحدّيات جديدة أمام المجتمع الدولي، حكومات وهيئات مدنية وقوى سياسية ومراكز أبحاث علمية ومؤسسات دينية، وفي كل دولة أيضاً لتوفير الفرص والإمكانات، بما يعزّز مواجهة الأمراض كالجهل والأمية والأوبئة التي اجتاحت البشرية في السنوات الأخيرة، وآخرها وباء كورونا.

والاحتفال بيوم الأسرة، ولاسيّما في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، يأتي هذا العام والعديد من بلداننا العربية تستمر في معاناتها الشديدة، حيث تعيش ملايين الأسر العربية أوضاعاً في غاية السوء في ظلّ استمرار النزاعات والحروب الأهلية وأعمال العنف والإرهاب والتداخلات الخارجية من جهة، كما هي سوريا واليمن وليبيا، فضلاً عن استشراء النعرات الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية بسبب نهج التعصّب ووليده التطرّف، كما هي في العراق ولبنان وذلك بسبب نظام المحاصصة ، كما تستمر معاناة الفلسطينيين بسبب استمرار الاحتلال  "الإسرائيلي" وهدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني الجماعية والفردية.

وعموماً تعاني المرأة في منطقتنا بشكل خاص والأسرة بشكل عام من العنف بأشكاله المختلفة، بما فيه العنف الأسري، الذي ارتفعت وتيرته خلال فترة الحجر الصحي، الأمر الذي يتطلّب تغليظ العقوبات التي تعالجها القوانين النافذة أو سن قوانين جديدة لحماية المرأة من العنف الأسري ومن جميع أشكال العنف والتمييز، تلك التي اعتمدها المجتمع الدولي باتفاقية العام 1979.

ولعلّ هذه مناسبة للتذكير بأن القوانين بقدر ما هي انعكاس للواقع، فإنها في الوقت نفسه يمكن أن تلعب دوراً تغييرياً مثلما هو دور رادع في الآن ذاته، لاسيّما إذا صاحبها حملة إعلامية وتثقيفية لرفع درجة الوعي الحقوقي والقانوني، لتعميق التوجهات الإيجابية التي تعلي من شأن المرأة  ومكانة الأسرة، بإشاعة قيم المحبة والسلام والتسامح واحترام الآخر وقبول التنوّع والتعددية وحق الاختلاف والتعبير والحق في الخصوصية والشراكة في الآن، حيث تتميّز  مجتمعاتنا وثقافتنا بحق إنساني متفوّق لا يوجد في اللوائح الدولية وهو " البر بالوالدين" .

 وإذا كانت حقوق الأسرة قد ورد ذكرها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن الواقع الراهن يعكس الهوة السحيقة بين ما تقرّر وبين التنفيذ، فإن هناك حقوقاً أساسية مثل الحق في الصحة والحق في العمل والحق في التعليم والحق في السكن والحق في الضمان الاجتماعي، ما تزال غائبة أو ناقصة ومبتورة في العديد من البلدان، حيث تعيش ملايين الأسر دون توفير الحدّ الأدنى من هذه الحقوق، التي  لا يمكن تنشئة الجيل الجديد تنشئة سليمة وعقلانية وحرّة بغيابها، وهو ما يضاعف مسؤوليات الحكومات والمجتمعات في تأمينها، ناهيك عن مسؤوليات الدول الأكثر غنًى إزاء البلدان الفقيرة.

وإذا جاء الاحتفال بيوم الأسرة هذا العام حزيناً بسبب اجتياح وباء كورونا فإن ارتفاع ضحايا العنف الأسري الجسدي والمعنوي جعله أكثر حزناً، وهو ما دفع ناشطات في فرنسا لإطلاق حملة قناع 19 تأكيداً للترابط بين كورونا والعنف الأسري.

 

عبد الحسين شعبان

 

الدِّفْءُ لحظات، والسعادةُ لحظات، والحياةُ شيء من هذا وشيء من ذاك. لا تَتَحَسَّرِي على ما فات، وأَنْقِذِي ما يمكن إنقاذه قبل فَوَاتِ الأوان.

في بيتِكِ، أنتِ الْمَلِكَةُ، والعَرْشُ عرشُك، ولْيَكُنْ هو (رَجُلُكِ) عَمُودَ النور الذي يُسَلِّطُ عليك ما يكفي من ضوء ليكتشفكِ ويكتشف بالْمِثْلِ العالَمَ مِن حولك فيكِ أنتِ أنتِ، كيف لا والعالَمُ يتوحَّد في اللحظة التي تَصْنَعِينَها أَنْتِ تماما كما تَصْنَعِين كلّ الأوقات التي تُلَقِّنِين فيها حبيبَكِ زوجَكِ حاضِنَكِ دروسا في صناعة السعادة وفنّ الحياة..

مُنْذُ عرفَكِ هو عرفكِ مُبْدِعةً رقيقةً فنّانةً، فنّانة بإحساسك الْمُرْهَف، بشَغَفِكِ الجميل بترتيب فَوْضاه من خلال حِرْصِكِ الكبير على تلوين حياته بجَمال روحك وجمال خطواتك على طريق الحياة التي تجعلينَه يَلِجُها من أوسع أبوابها/ أبوابِكِ.

الله جميل يحِبّ الجمال، ويحِبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.. وأنتِ جميلة، جميلة بدفء إحساسك به (رَجُلِكِ)، جميلة بسعيك إلى إرضائه، جميلة حتى بهَوَسِكِ بأن تَكُوني دائما طفلتَه الْمُدَلَّلَةَ كما يُحِبّ هو ويشتهي أن يكون كذلك بالْمِثْلِ بين يديكِ.

دَعِيهِ يَغْرِف من خابية جَمالك روحا وإحساسا وتفكيرا وتدبيرا. دَعِيهِ يُنَقِّب في أعماقك عن جوهرته الثمينة التي تَكُونِينَها أنتِ. كُوني أنتِ بطلةَ شريطِ حياته. كُوني أنتِ قَمَرَه ومَطَرَه. كُوني أنتِ قمرَه المضيء ومَطَرَه الذي يبعث الحياةَ في ما تسرقه منه الحياةُ وتقتله فيه الحياةُ. اِجْعَلِي بيتَك لَوْحَةً، لوحة فنية تُبْهِرُه. اِجْعَلِي إشراقتَك سفينةَ نَجاتِه، سفينة تحمله على بحر الأشواق إلى جزيرة العشق الخالد. اِجْعَلِي عينيك شُرْفَتَيْن يشعّ منهما الدّفء ويفوح عَبَقُ الحنان. اِجْعَلِي من مساءاتك حدائقَ يذوبُ وَرْدُها بين يديه (رَجُلُكِ) بِقَدْرِ ما تذوبين أنتِ بين يديه.

اِلْتَمِسِي له الأعذارَ، وكُوني له الوسادةَ الحالِمَةَ التي يستظلّ تحت فيئها وتَتَرَنَّم فيها أنفاسُه بعطر الخزامى التي تعبِّئينها في كيس الحُبّ الذي تجعلين منه حشوة في صدر وسادته كما أنتِ أنتِ. أَقْمِرِي في ليل أحزانه، أَمْطِرِيه حُبًّا وحُبًّا، كُوني شمسَه وظِلَّه، تَغَزَّلِي به ليتغزّل بك ويعلّمك فنون التَّوْقِ إلى أن ينصهر على نار كلماتك العذبة كقطعة شوكولا فريدة من نوعها كلّما غَمَسْتِ فيها سبّابتَك ولعقْتِ صَدَحْتِ: «أَمَا مِنْ مزيد ساحري»؟.. فَلْتَذُبْ كلماتكِ بين شفتيكِ لِتَمْلكيه وتُشَيِّدي من عشقه لكِ قصرا أنتِ فيه الأميرة وهو الأسير أسيرُ قلبِك.

قبل أن تُضايقَه الأوقاتُ ضَعِي رأسَه على ركبتيك، افْرِكي شَعْرَه كما تفعل الأُمّ بشَعر طفلها، افْرِكي أطرافَه ليتنسّم روائحَ الصِّبا..

اِجعلي من شُرْفَتك الصغيرة في الغرفة المنزوية مملكةً يسطعُ فيها نجمُكِ في ضوء ما تُوَفَّقِين في انتقائه له من شموع وردية وبنفسجية تُزَيِّنين بها مساءَ الحُبِّ على طاولة عشائه موازاة مع وصلة موسيقية هادئة تفعل به ما تفعلُه أصابع مُدَلِّكَةٍ بجسدٍ مُتَعَطِّشٍ إلى دَبِيبها (الأصابع)، وازرَعي الورودَ الفوَّاحة على حافّة الشرفة/ شرفة حياته: ورودَ الكلمات والنظرات والبسمات واللمسات..

كُوني غيمتَه التي تَتَصَبَّبُ عشقا فيعشقك.. كُونِي مطرَه الذي يُنْعِشُ مساحتَه الخضراء فتتورَّد خدودُ إحساسه بك.. كُوني قمرَه الحالِم الذي بقُرْبِك تجعلينه يزهد في ما حوله من نجمات.. كُوني ليلَه الليلكي، كُوني نَدِيمَهُ الأمينَ الذي يتجرَّأ هو (رَجُلُكِ) على أن يكشف أمامه أوراقَه كاملة.. كُونِي أُرْجُوحَتَه التي يحمله دفءُ حضنِها مِن سماء إلى سماء.. كُوني مُلْهِمَتَهُ التي يُرَاقِصُها حتى في المساءات الباردة ويُرَدِّد على سمعها أَرَقَّ الخواطر والأشعار..

كُوني له وَرَقَةً يَكُن هو نَداكِ وقلمَك الذي يُسَطِّر ما شئتِ من هيام.. كُوني له وردةً يَكُن هو لك الرائحةَ الفَتَّانة.. كُونِي قارورَتَه التي تستوعب شَغَبَ طفولته (هو الطفل الكبير) يَكُن لكِ العطرَ.. كُوني له الْمَلِكَةَ التي يتربَّع على عرش قلبها يَكُن لك عمودَ النور الذي يُنير حياتَك ويُنير العالَمَ من حولك.. كُوني أُنْثَاهُ الوَديعةَ الرَّقيقةَ يَكُن فارسَكِ رَجُلَ المواقف والبطولات التي ينالها عن جدارة واستحقاق.. كُوني له كما يُريد يَكُن لكِ كما شِئْتِ.

 

بقلم الدكتورة سعاد درير

 

يسري عبد الغنييقاس مستوى تقدم أي مجتمع من المجتمعات، بمقدار فاعلية حركة الوعي والثقافة في أوساطه، فعلى أساسها تتحدد مكانة المجتمع، وتصاغ شخصيات أبنائه.

يرغب كل إنسان، في امتلاك أكبر قدر من الثقافة الرفيعة والتي تساعده في تحسين حياته وسلوكه بحيث يتمتع بأجود نوعية حياة، وهذا من دون شك يتيح له فرص استثمار عمره والشعور بالسعادة والطمأنينة . وتخضع قدرة الإنسان على امتلاك هذه الثقافة الجيدة لمدى وعيه بوجودها، ومن ثم وعيه بقدرته على الاستفادة منها بحيث يتمكن من تطوير نوعية حياته من خلالها. ويمكن للناس الحصول على هذه النوعية من الثقافة من خلال الارتقاء بما يقدم إليهم بحيث يصبح لدينا مجتمع مثقف ولديه قوة معرفية وخلفية ثقافية تدعم تطوره وتؤمنه فكرياً وثقافياً أمام التيارات السلبية فكرياً .

إن توعية الناس بكيفية استخدام قدراتهم الشخصية ضرورة ملحة للانتقاء من بين ما يتواجد أمامهم وحولهم من ثقافات واختيار الأكثر تناسباً مع مجتمعهم، من خلال تحسين نوعية الاختيار أولاً من بين المعارف والمبادرات الثقافية المقدمة لهم، فترتقي قدراتهم على اتخاذ القرارات المناسبة من بين ما يطرأ له، ويتمكن من التواصل مع الحياة ومع الآخرين مستفيداً مما يقدم له بأفضل ما يمكن .

ولا شك في أن التغييرات المجتمعية وبكل أنواعها الاقتصادية والثقافية، قد تفرض على الناس مستجدات عليهم التأقلم معها ومسايرتها، لكن الأهم من هذا هو أن امتلاكهم الأرضية الثقافية الجيدة يدعم عدم تنازلهم عن جودة الثقافة التي مارسوها طويلاً ويكون التغيير بالنسبة لهم في اختيار الأجود بدلاً من التردي إلى الأسوأ .

والتغييرات التي تحدث في الدول المتقدمة والمنفتحة على العالم، تكون متسارعة وكبيرة وفي أوقات قصيرة نسبة إلى غيرها من الدول المتأخرة عن ركب التطور أو التقدم، وهو ما يستدعي تسلح كل شخص يحيا في مثل هذه المجتمعات بالوعي بكيفية الاندماج معها، بحيث يتمكن من البقاء على خط العلم بها ومن ثم معرفة كيفية انتقاء الأفضل من بين كل ماتقدمه له هذه التغييرات والتي تتناسب مع شخصيته وحياته ومجتمعه .

ولا شك في أن تأثير الأدوات والوسائل الحديثة التي جعلت إمكانية الحصول على المعارف أوسع هي التغيير الأكبر الحاصل في المجتمعات اليوم، وهو ما يؤكد ضرورة غرس الوعي بكيفية الحصول على الجيد منها والاختيار منها ببذل مزيد من الجهد في سبيل وضع يد أفراد المجتمع على السبل الصحيحة والأساليب الجيدة للحصول على الثقافة اللازمة والضرورية لتطورهم والارتقاء بأفكارهم .

وهنا يأتي دور المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي والتي عليها عبء انتقاء الأجود في كل ما تقدمه من خلال أنشطتها ومبادراتها بحيث يتمكن كل فرد من اختيار ما يلائمه منها من بين أفضل البرامج والمشاريع الثقافية الراقية وكي لا يقنع باختيار الأسوأ منها، فتتحول إلى أسلوب حياة، لأنه لا يعي أن هناك أفضل مما يقدم إليه ولا يعرف أن هناك فرقاً بين ثقافة جيدة وأخرى لا تفعل أكثر من تحديد خياراته ووعيه ضمن الأسوأ منها.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

حسين فاعور الساعديهل للدكتور الشاعر قدور رحماني أعداء؟ لا أدري. ومن كان يقصد في قصيدته "منتصف الجرح"؟ أيضاً لا أدري.

ما أدريه أن الشاعر تعرض لحادث سير مؤلم أياماً بعد نشر القصيدة وفي نفس اليوم الذي نشرت تعقيبي على هذه القصيدة في صحيفة رأي اليوم اللندنية وصحيفة المثقف والمجلة الثقافية الجزائرية وصحيفة كل العرب ومواقع أخري. وقد كتب لي الشاعر تعقيباً قصيراً ومرتبكاً على احد المواقع بعد الحادث مباشرة يقول فيه أنه تعرض لحادث سير ويتألم. بعدها فقد الوعي وظل في غيبوبة طويلة، كما عرفت فيما بعد.

لا يوجد تواصل مباشر بيني وبين الشاعر شفاه الله لأعرف منه ما الذي حدث. لكنني عرفت من أحد أقاربه أن حادث السير "لم يكن بريئاً". هذه العبارة أقلقتني كثيراً وقضّت مضجعي. وجعلتني أتردد كثيراً في كتابة هذا المقال خوفاً على الشاعر. هل من المعقول في عالمنا العربي وبالذات في الجزائر أن يتعرض شاعر لمحاولة اغتيال لأنه عبر عن ذاته؟ أيعقل أن تؤدي قصيدة ليس فيها شتيمة ولا تجريحاً إلى محاولة إزهاق روح بريئة؟ أعرف أن هامش ما يسمونه حرية التعبير يكاد يكون معدوماً في معظم الدول العربية. وكل الكتاب والشعراء الذين يكتبون بحرية موجودين في المنافي القسرية أو الاختيارية خارج أوطانهم. ولكنني أعرف أن في الجزائر حكومة منتخبة ورئيس جمهورية أختاره شعبه بمنتهى الحرية.

قصيدة "منتصف الجرح" قصيدة جميلة وراقية مليئة بالصور والألوان وليس فيها إلا نبذ الظلم والظالمين. فهل وصل الظلم حد كم الأفواه علانية وبشكل وقح؟

لن تنهض شعوبنا ولن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام طالما لا قيمة للإنسان في وطنه. وطالما ظل الإنسان العربي ليس في موقع الصدارة من حيث تعامل المؤسسات معه ومن حيث ممارسته لحياته اليومية. ما قيمة الوطن دون إنسان؟ وما فائدة الدول إن لم تكن لخدمة الإنسان؟

لا أريد أن اتهم جهة معينة بالوقوف وراء الحادث الذي تعرض له الشاعر الدكتور قدور رحماني. لعدم توفر المعلومات كيف وقع الحادث المؤلم ولا أين وقع. لكنني أشعر أن وراء الأكمة ما وراءها للأسباب التي ذكرتها أعلاه. ولأننا نعرف جميعاً أن هنالك هجمة شرسة لتدجين الشعراء والكتاب العرب وتجنيدهم لخدمة أجندات السلطة والجهات الحاكمة في الدول العربية. تدجينهم وترويضهم بالترغيب بواسطة الجوائز المفبركة والمدفوعات تحت عناوين مختلفة أو تدجينهم وترويضهم بالترهيب بواسطة قطع الأرزاق أو التعتيم والتهميش أو حتى السجن أو القتل والأمثلة كثيرة لا حصر لها.

إن كثرة الجوائز الأدبية في السنوات الأخير التي منحت من جهات بعيدة كل البعد عن احترام إنسانية الإنسان، ولكتاب لم يحرك مشاعرهم وأقلامهم قتل الأطفال في اليمن والعراق وسوريا وأبدو دعمهم للجماعات الإرهابية بكل برودة أعصاب، إنما يدل على حجم الخطر الذي يواجهه الكتاب والشعراء الملتزمون بقضايا شعوبهم.

إن الهجمة قوية وشرسة وتستعمل مختلف الأساليب والطرق. وجنود هذه الهجمة منتشرون في كل مكان ويحاولون الوصول إلى كل المواقع وبأقنعة مختلفة. ما يميز هؤلاء الجنود سواء كانوا شعراء أو أدباء أو نقاد أنهم يُفرغون كل شيء من مضمونه وينشرون ويطبّلون للرديء ويعتّمون ويتجاهلون الجيد.  الكثيرون من هؤلاء الجنود غير واعين لما يقومون به وربما يظنون عندما ينشرون عملاً هابطاً أنهم يشجعون الأدب. لكن معظمهم يخدم السلطة لأنه يأكل من خبزها ومن مصلحته تعميم الرديء ولجم الجيد للمحافظة على موقعه.

هؤلاء الانتهازيون الذي يتغطون بالكتابة عن الثورة والثوار ويطبلون للتغيير بينما يمارسون التحجير والتدمير هم الخطر الحقيقي الذي يواجهه الأدباء الملتزمون. لأنهم على استعداد تام لفعل أي شيء للمحافظة على مواقعهم فهم يرون أن الأدباء الملتزمون هم عدوهم الحقيقي وليس التخلف والجهل والقوى الخارجية المستعمِرة لأوطانهم. وهم يستنجدون بالسلطة يحرضونها ويوقعون بالأدباء الملتزمين في سبيل المحافظة على مصالحهم ومواقعهم.

تمنياتي للدكتور الشاعر قدور رحماني الشفاء العاجل والعودة إلى موقعه المرموق بين زملائه من الأدباء والشعراء الملتزمين بقضايا وهموم شعوبهم وللجزائر الحبيب كل الخير واليمن والأمان.

 

حسين فاعور الساعدي

 

 

شاكر فريد حسنحكايات تسجيلية عن النكبة بلسان الشيخ المشقق الوجه

في غمرة إحياء الذكرى الثانية والسبعين للنكبة الفلسطينية، عدت لقراءة كتاب "وما نسينا" للراحل الفلسطيني سلمان ناطور. وهو كاتب فلسطيني متعدد الاهتمامات يشار له بالبنان، ويحتل مكانة مرموقة ومنزلة رفيعة في ثقافتنا العربية الفلسطينية، ويُعد أحد أهم وابرز المهتمين بالرواية الشفوية والكتابة التاريخية التوثيقية التسجيلية. وله عشرات الكتب الموزعة بين المقالة والكتابة الساخرة والرواية والقصة التسجيلية وأدب الطفل والترجمة عن العبرية والمسرحية وسيناريوهات أفلام وثائقية.

وقد أخذ المرحوم سلمان ناطور على عاتقه تحديًا بالحفاظ على موروثنا الثقافي وذاكرتنا الجماعية. وكان قد نشر في الثمانينيات من القرن الماضي في مجلة "الجديد" الفكرية الثقافية التي كان يصدرها الحزب الشيوعي، وكان يعمل فيها كسكرتير تحرير مع المرحوم إميل توما، سلسلة من الحكايات والقصص التسجيلية عن النكبة تحت عنوان "وما نسينا"، ثم جمعها في كتاب يحمل العنوان نفسه، طبع أكثر من مرة، وذلك بلسان الشيخ المشقق الوجه، الذي ولد وعاش في عدد من القرى، ويتذكر ويستحضر التفاصيل الصغيرة والكبيرة والمصيرية، ويعرف جميع الامكنة وأسماء القتلى الحقيقيين، وفي أحيان لا نعرف لماذا يتكلم ..!

وهذا الكتاب يمكن أن نصنفه في إطار الكتابة التسجيلية حيث يقوم بتسجيل بما سمعه من الآخرين.

وتتابع الرحلة في ذاكرة الشيخ المشقق الوجه وفق قدراته على التذكر، من خلال المرور والعبور واستحضار الأمكنة الفلسطينية، قرى ومدن وبيارات ومساجد وكنائس. وهي رحلة معززة بالأسماء الحقيقية للرجال والنساء والأطفال الذين قتلوا بمختلف الأساليب، وبدم بارد.

"وما نسينا" جهد إبداعي ووثيقة هامة ذات خصوصية تكتسب أهمية بالغة، وسجل تاريخي حي معزز بأسماء الامكنة والناس، للكارثة الصهيونية التي ارتكبت ضد شعبنا الفلسطيني، والمهم أن هذا السجل تم توثيقه وتسجيله من ذاكرة شاهد عيان، وشاهد على العصر، لتنغرس معلوماته وأحداثه في ذاكرة جيل ما زال وسيظل يحلم بالعودة، ويتطلع إلى الحرية والاستقلال.

كذلك فإن الكتاب هو سياسة جغرافية في المكان الفلسطيني، ويعزز خصوصية المكان في ذاكرة الأجيال الفلسطينية الجديدة والقادمة، ويأتي ضمن مشروع توثيقي لتسجيل وقائع النكبة الفلسطينية، والدليل والشاهد على ذلك هو وقائع مخزون ذاكرة الشيخ الفلسطيني المشقق الوجه.

وفي الإجمال، كتاب " وما نسينا " للراحل سلمان ناطور، وثيقة هامة تستحضر النكبة بكل أحداثها وتفاصيلها، وتستعرض المجازر الدموية التي اقترفتها الحركة الصهيونية في القرى والبلدات العربية الفلسطينية في العام 1948، ومن الواجب نشرها وإطلاع الأجيال الفلسطينية على تاريخنا الشفوي الفلسطيني ومدها بالمعلومات التاريخية، ولتبقى تتذكر نكبتنا المستمرة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

رضوان ضاويفي  مجلة "رباط الكتب"

اختارت مجلة رباط الكتب مؤخرا موضوع "الأوبئة " محوراً لملفها الجديد، من زواية الآداب والعلوم الإنسانية، تحت إشراف عبد الأحد السبتي ومحمد حبيدة. وجاء هذا الملف الذي أعدّته المجلة "تفاعلا مع ما يعيشه المغرب والعالم في الوقت الراهن من حجر صحي، على إيقاع وباء فيروس كورونا (كوفيد-19)".

جاء في تقديم الملف بعنوان "الجائحة وما أدراك ما الجائحة": "وتسعى القراءات المقترحة من طرف المساهمين، والتي تهم كتبا من آفاق ولغات مختلفة، إلى إغناء النقاش الدائر حول الوباء وتوسيع دائرة الفهم، اعترافا بأهمية ما كتبه المؤرخون والديموغرافيون والأدباء وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة، إلى جانب المختصين في العلوم البيولوجية والطبية".

ويأتي  هذا الملف استكمالا لعملية البناء المفاهيمي والمنهجي في مجال الدراسات الأدبية والإنسانية المقارنة، ومعنى ذلك، "أن الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية لها كلمتها في الموضوع، لأنها تمتلك القدرة المعرفية على رصد السياقات التاريخية والاجتماعية، وإعادة بناء الوقائع، ورسم الحالات النفسية، والنبش في الذاكرة الجماعية. باعتبار أن الوباء “ظاهرة اجتماعية كلية” بتعبير مارسيل موس". ومعروف أنه إضافة إلى تخصص الأطباء في الكتابة عن الأوبئة عبر التاريخ، كان للمؤرخين فيما بعد وجهات نظر في الموضوع أيضا. ساهم كذلك الباحثون الأكاديميون في العلوم الإنسانية ولآداب في الكتابة عن الأوبئة والأمراض التي غيرت مجرى التاريخ. ومن جهة أخرى، ألهم هذا الموضوع مخيال الكتاب والشعراء والروائيين والأدباء وحفزهم على الكتابة عن أوبئة عاصروها أو تخيلوها. فاستطاعت الكثير  من الروايات تصوير حالات المرض والحجْر والعزلة والحزن والشؤم والحب والأمل

.  وكما عودتنا مجلة رباط الكتب؛ "يتعلق الأمر في هذا الملف بقراءاتٍ في كتبٍ من مختلف الآفاق، ومكتوبة بلغات متعددة. وتساهم هذه النصوص في إغناء النقاش الجاري حول الوباء وتوسيع دائرة الفهم". وساهم في هذا الملف كل من: محمد أبرهموش، ومحمد حبيدة، وبوجمعة رويان، ولوبنى زبير، وعبد الأحد السبتي، وخالد طحطح، وعبده الفيلالي الأنصاري، وخاليد مجاد، ومليكة معطاوي، على النحو التالي:

 - محمد حبيدة، تاريخ المرض من الشيح إلى التلقيح/ قراءة في كتاب الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب، 1912-1945، بوجمعة رويان، الرباط نيت، 2013.

- بوجمعة رويان، علم الأوبئة والجغرافية الطبية في المغرب/ قراءة في كتاب  “الطاعون بالمغرب”، هنري بول جوزيف رونو، الرباط، 1922.

 خاليد فؤاد طحطح، الطاعون والأدبيات الفقهية/ قراءة في كتاب أقوال المطاعين في الطعن والطواعين، العربي المشرفي، دراسة وتحقيق حسن الفرقان، منشورات التوحيدي، مطبعة الأخوين سليكي، طنجة، 2014.

- لوبنى زبير، تاريخ المغرب بين الجوع والموت/ قراءة في كتاب المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17، برنار روزنبرجي وحميد التريكي، ترجمةعبد الرحيم حزل،الطبعة الثانية، الرباط، دار الأمان، 2010.

- محمد أبرهموش من تاريخ الطاعون إلى عقليات الطاعون/ الطاعون وبدع الطاعون، الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (1350-1800)، حسين بوجرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011.  

- عبده الفيلالي الأنصاري الجوائح بين الأمس واليوم/. /Michael Dols, The Black Death in the Middle East. Princeton University Press, Princeton, 1977

- خاليد مجاد، وباء العمى وهشاشة الوجود البشري/ قراءة في رواية العمى، جوزيه ساراماغو، ترجمة: محمد حبيب، دار المدى، بغداد، الطبعة الثانية، 2015.

-مليكة معطاوي، الطاعون وأبعاده الأخلاقية والفكرية/قراءة في رواية الطاعون، ألبير كامو، ترجمة كوثر عبد السلام البحيري، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1401هـ / 1981.

- عبد الأحد السبتي، الجوائح في ظرفية التمهيد للسيطرة الاستعمارية/قراءة في كتاب تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، محمد الأمين البزاز، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1992.

ويذكر أن القصد من إصدار مجلة رباط الكتب الإلكترونية المحكمة والمتخصصة في الكتاب وقضاياه، إيجاد بيئة تفاعلية من أجل التعريف بالإصدارات المتميزة في مجالات الأدب والعلوم الإنسانية والفلسفة، إلى جانب قضايا الكتاب والقراءة في الشرق والغرب، من وجهة نظر تداخل التخصصات والدراسات الثقافية المقارنة. صدر عددها الأول في خريف 2007، وعددها الحادي عشر في شتاء 2012. ويشرف على المجلة عبد الأحد السبتي وعبد الحي مودن، وتضم هيئة تحريرها فاضمة أيت موس وأحمد بوحسن ولطفي بوشنتوف وسعيد الحنصالي ومحمد الداودي ومحمد زرنين وعبد الأحد السبتي ومليكة  معطاوي وعبد الحي مودن.

 

رضوان ضاوي - الرباط

باحث في الدراسات الثقافية المقارنة

...........................

* مرجع:  مجلة رباط الكتب:

https://ribatalkoutoub.com/?p=3184

 

 

1527  أدباء بابل شكلت مؤلفات الدكتور عبد الرضا عوض التي نافت على الخمسين موسوعة حلية متكاملة في التراث والتاريخ والأعلام والأمكنة، واحتلت مكانة ومكاناً واسعاً ومتميزا في المكتبة العراقية المعاصرة، ونالت من الشهرة بعضاً مما تستحق، وصارت مرجعاً مهماً للباحثين والطلبة الدارسين، وإن نقل عدد غير قليل منهم الكثير مما ورد فيها من دون الإشارة لها!! وأحدث ما صدر حالياً من هذه المؤلفات الرائدة والقيمة كتاب (أدباء وكتاب بابل المعاصرون) بأجزائه الأربعة وطبعته الثالثة وهي طبعة كتب على أغلفة أجزائها (مزيدة ومنقحة) بعد إجراء بعض التصحيحات والتعديلات على ما ورد في الطبعتين السابقتين كما جاء في المقدمة.

اعتمد المؤلف في كتابه هذا منهج التسلسل الزمن للأدباء والكتاب الحليين الذين أورد سيرهم فيه، فجاءت في الجزء الأول سير من كانت ولادتهم في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ومن كانت ولادتهم في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، وتضمن الجزء الثاني على سير الأدباء والكتاب المولودين في العقد الخامس، وتضمن الجزء الثالث المولودين في العقد السادس، وتضمن الجزء الرابع المولودين في العقد السابع من القرن العشرين، وبلغ عدد صفحات الأجزاء الأربعة من الكتاب (1230) صفحة من القطع الوزيري، وضمت سير وتراجم (523) أديباً وكاتباً حلياً.

بدأ الجزء الأول من الكتاب بتوطئة للمؤلف تحدث فيها عن الكتاتيب في الحلة وطريقة التعليم فيها، والمجالس الأدبية في المدينة ذاكراً أربعة عشر مجلساً منها وأصحابها وأماكنها، والمجالس الحسينية وأثرها في الحياة الثقافية، ثم انتقل إلى تفاصيل السير الشخصية للمولودين في تلك الحقبة الزمنية التي حددها المؤلف لهذا الجزء، وأغلبهم من أشهر أعلام العراق في عصرهم، من أمثال: محمد علي اليعقوبي، ومحمد مهدي البصير، وأحمد سوسة، وأنور شاؤول، وطه باقر، وعلي جواد الطاهر، وجعفر خصباك، وباقر سماكة، وجواد علوش، وحازم الحلي، ونعمة رحيم العزاوي، وجليل كمال الدين، وغيرهم الكثير.

وتوقف المؤلف في بداية الجزء الثاني من هذا الكتاب للحديث عن الجمعيات والندوات الأدبية التي نشأت بعد تموز 1958م، فذكر منها ندوة القلم، وندوة عشتار، وهي الأكثر شهرة وأثراً في المدينة، وقد سعى في إقامتها عدنان العوادي وجعفر هجول وحازم سليمان، ووحودي سلمان، وفرهود مكي، وحكيم الجراخ، وعبد الإله الصائغ وغيرهم، ودامت من سنة 1971م إلى سنة 1973م، كما ذكر من هذه الجمعيات والندوات ندوة الشعر وفرع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بابل، وجمعية الشعراء الشعبيين، وجمعية الرواد الثقافية لمؤسسيها صلاح اللبان وأسعد النجار وصباح المرزوك، وجبار الكواز، وزهير المطيري وغيرهم، وهي جمعية مستقلة مازالت تواصل نشاطها إلى يومنا الحاضر.

وتحدث المؤلف في هذا الجزء (الثاني) أيضاً عن الصحافة الحلية، وقال إن أقدم صحيفة صدرت في المدينة كانت (الفيحاء) التي أسسها السيد عبد الرزاق الحسني، وقد صدر عددها الأول يوم الخميس المصادف 27 كانون الثاني 1927م، ولما أغلقت بعد خمسة عشر عدداً أصدر السيد الحسني صحيفته الثانية (الفضيلة) في 12 أيار 1927م، ثم أتى المؤلف على ذكر (74) صحيفة ومجلة صدرت في محافظة بابل إلى يومنا الحاضر، وآخرها مجلة(العشرة كراسي) الفصلية العامة والصادرة سنة 2017م.

وفي الجزء الثالث من الكتاب الذي سرد سير (144) أديباً وكاتباً حلياً من المعاصرين تحدث المؤلف عن دار الثقافة الجماهيرية التي استحدثت بعد انقلاب تموز 1968م، وكانت منظمة تتبنى سياسة السلطة الحاكمة، (وجاء نشاطها بعد حل مديرية إرشاد منطقة الفرات الأوسط في آذار 1969م)، وتحدث عن تأسيس فرع بابل للاتحاد العام للأدب والكتاب في العراق، وكانت المحاولة الأولى لتأسيسه سنة 1959م حين (فكر مجموعة من أدباء الحلة بتأسيس فرع فيها يتقدمهم الشاعر جليل كمال الدين والشاعر علي الحسيني والأستاذ مهدي شاكر العبيدي والشيخ يوسف كركوش وغيرهم)، وأعيدت هذه الفكرة ثانية سنة 1984م حين (قررت نخبة من أدباء بابل الشروع) واستحصلت الموافقة على تنفيذها، فافتتح هذا الفرع يوم الخميس 11 تشرين الثاني 1984م، ورأسه في دورته الأولى ضياء طالب حيدر.

وفي الجزء الرابع من هذه الموسوعة الذي تضمن سير الأدباء والكتاب المولودين في العقد السابع من القرن العشرين، وقد بلغ عددهم (125) أديباً وكاتباً، توقف المؤلف في توطئته للحديث عن هيأة الإحياء والتحديث الحضاري، وقد بدأت فكرتها في كانون الأول سنة 2003م في مجلس السيد حسام الشلاه عندما تدارس مجموعة من الأدباء مع عضوين من مجلس محافظة بابل آنذاك مشروع (إنشاء هيأة أو جمعية لغرض تقويم ما أفسده نظام صدام من وضعه تسميات لشوارع وساحات ومدارس في عموم محافظة بابل يحمل سمات سياسية، وتمجد سياسة البعث وإبدالها بتسميات نابعة من تراث الحلة)، ووضع برنامج عمل لها، و(خطت الهيأة خطوات حسنة في بداية عملها، ثم تلكأت، وانسحب بعض أعضائها المؤسسين)، وانتهى دورها.

وتوقف المؤلف في هذا الجزء (الرابع) أيضاً للحديث عن النوادي الأدبية في الحلة مثل نادي الشعر ونادي القصة قبل أن ينتقل إلى حركة الترجمة، وعدد مجموعة من المترجمين الحليين الرواد، وفي مقدمتهم الدكتور أحمد سوسة والدكتور طه باقر، وما قدموه من جهود كبيرة في هذا المضمار العلمي، وتحدث عن مركز تراث الحلة وأهدافه ووحداته، وقد كان للمؤلف الدور الكبير في تأسيسه سنة 2013م، قبل أن تختلف الأفكار والرؤى وما اتفق عليه مما اضطره وآخرون إلى الانسحاب منه، ففقد المركز الكثير من بريقه ومكانته وضاعت الأهداف التي أنشئ من أجلها.

وفي نهاية الكتاب توقف المؤلف وقفة مائزة وشجاعة لدراسة ظاهرة شاعت – للأسف الشديد – في السنوات الأخيرة بشكل ملفت للنظر ومثير للتعجب والخيبة والحزن، وهي السرقات الأدبية من ناحيتي الحقوق المدنية (القانونية) والاجتهاد الفقهي لعلماء الدين، مبيناً الحقوق المعنوية والمادية الواردة في التشريعات القانونية و(كيفية التعامل مع السرقات المكتشفة من قبل الأدباء الذين تعرضت نتاجاتهم للسرقة وموقف الجهة التي وقعت فيها السرقة، وكانت مسرحاً لها كالصحف والمجلات والمواقع الالكترونية أو أروقة الجامعات والمعاهد العلمية)، كما حدث للمؤلف نفسه، وأضاف (لقد سمعت من قصص السرقات ما يملأ مجلدات كاملة، ويبدو أن هذه الظاهرة السيئة في تزايد و"ازدهار" ما لم يتعاون الأدباء والمثقفون الأصلاء والمؤسسات الصحفية والسلطة القضائية على مكافحتها والقضاء عليها)، ويشير إلى وقوع (34) سرقة أدبية معلنة حدثت في محافظة بابل خلال سنة 2017م فقط، ويورد في الختام أسماء أثني عشر أديباً وكاتباً حلياً تعرضوا لهذه الجريمة المقرفة من قبل آخرين يدَّعون زيفاً امتلاكهم للموهبة والأدبية، ويقومون بسرقة المبدعين سراً وعلناً من دون وازع من ضمير أو عقوبة.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

عبد الرزاق اسطيطو

الكتابة هي فعل إبداع وخلق، وهي عملية ذهنية وروحية وجسدية تحتاج إلى مهارة وقدرة وعبقرية، وطقوس، وأجواء لترجمة الرؤى، والأفكار، والطموحات، والأحلام إلى لغة جارفة . لذلك عرفها القلقشندي بأنها لغة. فيماعرفها ابن الأعرابي بأنها علم من العلوم فيما اعتبرها صاحب المقدمة ابن خلدون من عداد الصنائع الإنسانية الدالة على مافي النفس.

فالكتابة تعد مجالا خصبا للإبداع، وهي تحتاج إضافة إلى الموهبة تحتاج الى المقروء والخبرة، والتضحية لأنها تشبه الشمعة التي في فعل الاحتراق تأتي على نفسها بالنار  لكي تضيء لنا الطريق والكون، والذات والآخر، باعتبارها فعل تنوير وفعل إضاءة وفعل تغيير، وإعادة ترتيب للأشياء،  والتصورات، والكون .فأي نوع من الكتابة هذه التي تخلق الوعي وتؤجج العواطف ، وتغير من منطق الإنسان، وموقفه، وسلوكه وتغني متخيله، وتسافر بروحه ووجدانه وعقله؟فهل هي تلك الكتابة التي وصفها ابن منظور بضم الحروف إلى الألفاظ، والألفاظ إلى أمثالها أم هي كيفية اختيار المعاني والحروف ، والألفاظ لما يخدم المعنى ويجمله في عقل وروح المتلقي؟

إن الكتابة كما يرى جون بول سارتر صاحب "ما الأدب" تحتاج إلى قارئ ماهر لأن به تكتمل؛ ومثلما تختلف درجات الكتابة من كاتب لآخر، تختلف درجات القراءة من قارئ لآخرحسب ذوقه ، وقدرات وعيه، وفهمه لما يقرأ. فقد تقوم القراءة النص، وتضيف إليه ما ينقصه ويحتاج إليه وتغنيه، وقد تنقص منه، بل أكثر من ذلك قد تعيث في فسادا كالناقة العمياء، وتطفئ ما تبقى من نوره  وجماله. فالقارئ قد تبقى قراءته تعوم على السطح وقد تغوص إلى العمق والجوهر .فالكتابة والقراءة وجهان لعملة واحدة .لأنه لا يمكن أن تقوم الكتابة من غير مقروء،  ومن غيرقراءة نوعية مستدامة.ولا يمكن أن تفهم وتتذوق الكتابة كنص إبداعي من غير ذوق راق ومقروء أصيل كذلك؛ فالكتابة مثل القراءة عليها أن تغترف، وترتوي من الينابيع الصافية المتلئلئة، والمتدفقة كالشلالات الأسطورية، وتتخذ من إبداعات العباقرة نماذج ومصابيح تهتدي بها، وهي تتلمس الطريق نحو واحات الإبداع والخلق. وتعمل بجد، ومثابرة للوصول إلى مصافها. وتغني بالتأمل، والعزلة متخيلها عبر السؤال، والسفرفي الذات والبياض، والعبارة وجمال الطبيعة. وإلا كان مصيرها التشرد والضياع ثم الموت، من غير أن تترك أثرا يدل على مرورها بين

ضفاف الخلق والإبداع .

ويمكن تقسيم الكتابة بمقياس القراءة النقدية الرصينة إلى ثلاثة أنواع:

فالنوع الأول هو النوع الذي يولد ميتا أومشوه الخلقة أو معتوها منذ البداية، وهي تلك الكتابة(النصوص) التي لايكمل القارئ قراءتها لنهايتها فيتوقف في بدايتها،أو في وسطها على أقل تقديرلفساد طعمها، وهي الكتابة التي ينطبق عليه قول "أبو الهلال العسكري" في كتاب "الصناعتين الكتابة والشعر" " مدار البلاغة يقوم على تحسين اللفظ وتجميل الصورة وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثورأو تأليف شعر منظوم وتخطى هذا العلم ساء اختياره له وقبحت آثاره فيه...فدل على قصور فهمه، وتأخر معرفته وعلمه"1.

والنوع الثاني من الكتابة هي تلك النصوص التي نكمل قراءتها فلا تترك أثرا يذكر لا في أرواحنا ولا في عقولنا ولا نعود لقراءتها مرة ثانية.

أما النوع الثالث والأخير فهي تلك الكتابة الملهمة الساحرة، والمغرية التي تدفعك إلى قراءتها أكثر من مرة، وربما أغوتك للكتابة عنها في محاولة للقبض على مكامن سحرها وجمالها . وهي الكتابة المنتجة بتعبير أمبرتو ايكو .مثلما فعلت بنا مجموعة من الكتابات الأدبية والفكرية والفلسفية كرويات كابرييل  كارسيا ماركيز ورويات عبدالرحمن منيف  ونجيب محفوظ وحنا مينه ...و المعلقات أشعار المتنبي ومحمود درويش.. وغيرها من الكتابات المنتجة.وهي الكتابة التي وصفها رولان بارت بالكتابة "التي تنقل الإنسان الى عتبة القوة والسحر"2 .

وتختلف الكتابة من كاتب الى كاتب آخر باختلاف الموهبة، والينابيع والروافد، والنماذج والتجارب والمحن، وباختلاف الوعي بها، وبكيفية ممارستها. وقد كان بشر بن المعتمر، حسب ما يذكر الجاحظ يقول" ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحاجات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حال من ذلك مقاما"3.  فالسحر الأسلوبي والبلاغي، واللغوي إذاغاب عن النصوص الإبداعية غاب النص، وضاع الإبداع والخلق معه، وضاع المعنى فيه بضياع اللفظ .فالمعاني مطروحة في الطريق كما قال الجاحظ ، وإنما يتفاضل البلاغاء أي الكتاب والمبدعون في حسن اختيار اللفظ . فالفرق ليس في معدن الذهب، ولكن الفرق في حسن صياغة الذهب أي في حسن صياغة الكتابة. فالكتابة هي معاني ورؤى قالبها مصنوع ومبتكر من اللغة قبل كل شيء، واللغة هي علم وتخييل وذوق وصياغة وفن " اللغة هي التفكير وهي التخييل بل لعلها هي المعرفة نفسها"4  .

ولكي ترقى الكتابة (النصوص الإبداعية) إلى النضج، والاكتمال، والعبقرية ، وتفعل فعل السحر، والعشق في القارئ . لا بد لها من تخييل، ومقروء، وخبرة .أما الكتابة من فراغ فمحكومة بالموت والزوال  نظرا لضعفها، وفقرها وكثرة عللها .حتى وإن عمل بعض أشباه النقاد والأدباء والكتاب على التطبيل لها والاحتفاء بها في المناسبات، وبعض المهرجانات في إطار المنفعة، والمصالح المادية المتبادلة وتبادل الأدوار كالممثلين على الخشبة باعتماد القياس الفاسد "اكتب عني اكتب عنك، واستحضرني استحضرك،  وصفق لي أصفق لك " لأنها مثل الفقاعات الفارغة الخفيفة التي تظهر فجأة وتنتشر بسرعة على سطح الماءالمتدفق وتختفي، ومثل زبد البحر يلقى بها مع الفضلات والقارورات الفارغة ذلك أن مآلها هامش الشاطئ ، والزوال، والنسيان .فما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض كما قال تعالى.

فالكتابة الحقيقية إذن هي الكتابة المكتملة الناضجة الواعية بدورها ووظيفتها، المؤثرة الملتهبة الحارقة والمنتجة .التي تجمع بين جمال المعنى وغناه، وسحراللفظ وبلاغته؛ تلك الكتابة التي بقدر ما تغني، وتضيف شكلا ومضمونا . تخلق المتعة، واللذة في روح القارئ قبل عقله فتدفعه إلى قراءتها أكثر من مرة.

 

عبدالرزاق اسطيطو

..........................

الهوامش:

1- "الصناعتين الكتابة والشعر" أبوالهلال العسكري ص 3 المحقق علي محمد البجاوي محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر عيسى الباب الحلبي.

2- مفهوم الكتابة عند الكاتب رولان بارت ترجمة سعيد بوخليط مجلة الحكمة.

3- كتاب الاتجاه الاجتماعي في النقد الروائي في المغرب العربي"دراسة في نقد النقد"  أنيسة أحمد الحاج ص 114.

4- نفس المرجع ونفس الصفحة

 

 

 

عبد السلام مسعوديالحياة تذكّر بعد موعد مع الزمن

الحياة تفكّر بعد موعد مع المِحن

الزمن يشحن الذاكرة من العادات

المحن تشحن الأفكار من المعاداة

(2)

العادة تحت قوة العاطفة إستعادة للأشياء الجميلة التي تحتل ذاكرتنا

العادة تحت قوة العقل هي الإستعداد الدائم لتقويض المعتاد

(3)

العيد ذاكرة والمُعايدة تشييد وبناء للذّاكرة

(4)

أن تعتاد هو أن تعدّ العدة لميعاد إنقضى موعده

(5)

التعوّد حفر في متون الذاكرة – التذكّر شجن العقول الحائرة

(6)

نحن لا نختار ذاكرتنا بل نجتاز متونها بلا موعد

(7)

الذاكرة حياة بلا كيمياء – الذاكرة أسماء تؤرّخ للسيمياء

(8)

الذاكرة تمتحن وجودنا – الذاكرة وجود يسبق جميع القيود

(9)

الإستئناس بالنسيان لا ينسى - الإستئناس  ذاكرة النسيان

(10)

الحركة نتاج قوة - القوة نتاج قدرة

القدرة تحتسب بالحسبان - الحركة تختتم بالنسيان

(11)

القوة التي ترفع عنا النسيان قوة قصاص

القوة التي تدفع لنا بالنسيان قوة خلاص

(12)

الكائن يعترف بالنسيان في حدود عجزه

العاجز يعترف بإنسانيته في حدود النسيان

(13)

النسيان معجزة الحاضر – الذاكرة معجزة الغائب

(14)

الزمن عجوز يخترق الذاكرة ويحترق بالنسيان

(15)

الذاكرة معجم للذاكريين والنسيان معجم للمنسيين

(15)

الذاكرة تكتفي برسم حدود للخسارات – النسيان ينتهي برسم حدود للخيارات

***

عبد السلام مسعودي – كاتب تونسي

 

 

يسري عبد الغنيلا أريد أن أنصّب من نفسي ـ هنا ـ ناقدا لعمل ما أو عدة أعمال في هذا الفن الجميل، ولكنني أردت تقديم بعض "الأفكار" الارتكازية المؤسسة لإثارة بعض المداخلات والتعقيبات والشهادات والحوارات حول هذا "الموضوع" الذي أجده ويجده زملاء لي نحن جماعة أهل القلم من أدباء وروائيين وفنانين وصحافيين مثقفين يعشقون الروي التاريخي  وستطيب لنا الشراكة في أي لقاء أو اجتماع، كي نراجع معا دور كل من التاريخ والفن في خلق وإبداع رواية تاريخية عربية متميزة  وثمة أفكار لدينا، قد تتلاقى أو تتقاطع وقد تتشظى وقد تتصادم في إطار من المعرفة والتجربة والرؤية والمنهج والتفكير

كيف؟

ذلك أن الفن الروائي التاريخي هو بمثابة البحث الذي يمتزج فيه الخيال بالواقع، ليس عن علاقة الإنسان بمروياته الصرفة في مجال التاريخ ذلك "المجال" الذي يجمع خصبه العربي الزاخر بجغرافية المكان انه "فن" لا يؤرخ للأحداث، ولكنه: تجديد حيوي فعال لذاكرة الماضي بكل مواريثه الحية المزدحمة بالمفارقات والإحداثيات والمنصوصات والشخوص والبطولات والمأثورات والمصورات والتباينات  الخ ..

إنه "فن" يختزل الزمن ويوّسع من المكان باقترابه منه أو ابتعاده عنه انه "فن" لا يقتصر على البقاء والإبقاء في اطر السرد التاريخي في تراكيب جامدة لا حياة فيها، كما يفعل ذلك المؤرخون الجامدون من النقالين والمقلدين والسرديين والتركيبيين وعبدة النصوص والشكليات وأصحاب الطقوس الوعظية الهامشية  لكنه من طرف آخر، لا يقبل الابتعاد عن الحقائق التاريخية وروحها، بخلق ما ليس له حياة وواقع وتاريخ  كما وانه لا يعمد على الانطلاق في رحاب الخيال الأسطوري وفضاءاته الواسعة والمتنوعة ؛ بل انه يختص قبل أي شيء بإحياء اللحظة التاريخية المنتهية في الذاكرة العربية، مهما بلغت درجتها في الصغر

وماذا أيضًا؟

إنه فن صعب التحقيق: مادة وكتابة وتحريرا  مضمونا وخلقا وإبداعًا، انه فن معقد في إنتاجه بجعله أصحابه من الروائيين المبدعين يمشون في الأعالي على خيوط قوية، لا يريدون النزول إلى كنف المناهج والمحددات والاعتبارات العلمية 00 كما لا يمكنهم التبخر في ضباب ما وراء الواقع وما وراء التاريخ وما وراء المكان وما وراء الطبيعة  كما يراها ريتشاردز بـ "الماورائيات" التي ربما باستطاعة الروائي استخدامها في كتابته لصنوف أخرى من الروايات باستثناء " الرواية التاريخية" .

ولكن كيف؟

إنه فن يسحب التاريخ إلى صاحبه بكل موجوداته على عكس ما يفعله المؤرخ عندما يسحبه العلم إلى أعماق التاريخ 00 وانه فن لا يقيد صاحبه عن التأملات الرمزية، وخصب الخيالات في طبيعتها عندما يستأذن الروائي ذلك من القارئ المتلقي 00 فلا يكاد يخلو أي مشهد أو لحظة أو صورة أو لمحة  من محاولة اقتناص الما وراء، ليس من أجل إدراك السر، بل من أجل إكمال الصورة الحقيقية أو الصورة الأخرى المقاربة للحقيقة أو الصورة المشكلة من جزيئات كانت قد ابتعدت عن الحقيقة ! وربما كان ذلك " الرمز " هو المسمى بـــ " المؤطر " للرواية التاريخية الأقرب إلى الحقيقة منها إلى الوهم !

تجاوزات!!

ثمة تجاوزات عند البعض من الروائيين السلطويين أو المؤدلجين أو المتزمتين غير الموضوعيين أو الحياديين أو الحقيقيين بمجانبتهم الحقائق، وخلق صور وأشكال ومضامين وألوان وحوار  لا حقيقة لها، ولا تاريخ عنها، ولا مصداقية فيها ..

كل ذلك قد يأتي إرضاء لسلطات سياسية أو اجتماعية  وقد تأتي ضمن تشوهات أيديولوجية معينة عن نظم وتواريخ وشخوص  أو قد تأتي منطلقة من زوايا أحادية في النظر إلى التاريخ: مذهبية كانت أم طائفية أم استعمارية أم دينية أم غير ذلك من المرجعيات المتنوعة

والرواية التاريخية لا حياة لها دون " المكان " سواء في جمالياته الرائعة أم في تشوهاته البائسة  ذلك أن الجغرافية وتنوعاتها، قد يلهمها الراوي في أسلوب رويه أعلى درجات العبقرية الساحرة أو أدنى درجات البشاعة الجائرة ! ولم تكن الجغرافية التاريخية العربية الإسلامية في يوم من الأيام: جغرافية واهمة أو موهومة  ربما تتبدل من حين إلى آخر، ولكنها كانت على امتداد التاريخ ولم تزل على أحسن ما تكون من التنوع والتلون والسحر  وعلى حد قول المستشرق الفرنسي المعاصر أندريه ميكال حين ذكر متسائلا:

(لماذا لا نـــأخذ نصوص الأدب الجغرافي الإسلامي باعتبارها تشكل كّلا واحدا، هادفين إلى استعادة العالم الذي كانت تحسه وتدركه، وربما تتخيله وتتصوره وجدانات ذلك العصر أو العصور التالية  والغوص في هذه النصوص الرائعة للمشاركة في رؤيتها للعالم)

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

عبد الجبار نوريلقد أبدعت وتألقت "مارغريت ميتشيل" في روايتها المدهشة "ذهب مع الريح " Gone With The Wind رغم كل ما أثير حولها من جدل ولغط ظلت من أكثر الروايات جمالاً وأشراقاً وحضوراً في ذاكرة السفر الأنساني في خزانة الأدب العالمي، فهي أصطفت إلى جانب الروايات الملحمية الأسطورية الخالدة الغارقة في التفاصيل الملتهبة العصيّة على الفناء بالرغم من كل عيوبها وفضائلها، وبقيت أسم الكاتبة العبقرية "ماريغريت ميتشيل" رقماً صعباً وسهلاً غائباً حاضراً في كنز التراث الفكري الثقافي العالمي .

ذهب مع الريح ----أجل ذهب كل شيء، لأن ما حدث قبل قرنين لا وجود لهُ أبدأً في الحياة المعاصرة المعولمة بل فقط في ذاكرة التأريخ الرومانسي الأوربي، وذهب كل شيء أدراج الرياح آخذاً معهُ إلى اللآنهاية ذلك الحب الجنوني المهوس المضطرب المفكك العرى والفاقد للتوازن السوي في أحادية قطبهِ، وذهب مع الريح إلى العدم في قرارة الثقب الأسود عندها أتسعت تلك العاصفة السوداء بحرائقها العنصرية المدمرة معلنة (الأبارتايد) البغيضة بيد أنّها هي الأخرى ذهبت مع الريح ليبقى بياض القلب وحب الآخرين بغض النظر عن لون البشرة ببصمة الرئيس الأمريكي "أبراهام لنكولن" الذي أسدل الستار على النظرة السوداء المعيبة للبشرة ملوحاً عبر تمثال الحرية " أنّها ذهبت مع الريح" ---- وقد تبدوشموخاً فوق زخات الوجع .

 ذهب مع الريح Gone with the wind رواية الكاتبة مارغريت ميتشيل MERGARET MITCHEL 1900 – 1949، وقد بلغت بروايتها الوحيدة (ذهب مع الريح) شهرة لم تصل أليها كاتبةٍ روائية من قبلها، لقد طُبعت أكثر من خمسة عشر مليون نسخة، وتُرجمتْ ألى ثلاثين لغة عالمية منها اللغة العربية، وأحتوتْ الرواية على 1037 صفحة .

ولآنّها أبرزتْ أشهر العلاقات الغرامية في تأريخ الأدب والسينما، حيث حُولتْ الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1939 بطولة كلارك الممثل الأمريكي المتألق (كلارك كيبل) والممثلة الأنكليزية الحسناء (فيفيان لي)، مدة العرض 3 ساعات و42 دقيقة، وأعتبر أحد أعرق أفلام القرن العشرين، ورشح الفيلم لثلاثة عشرة من جوائز الأوسكار وفاز بثمانٍ منها، وقد شاهدتُ عرض الفيلم في بغداد شخصياً في صيف 1969 عندما عُرض على صالة سينما روكسي في شارع الرشيد أيام الزمن الجميل عندما كانت بغداد الحبيبة تزهو بصالات دور العرض الراقية بأحدث تكنيك فني مثل سينما سميراميس وأطلس والخيام وروكسي وريكس، لقد فقدنا كل شيء ألا الدموع بعد نكبة الأحتلال 2003 ومجيء الحكم الأسلاموي الراديكالي الذي وضع الشمع الأحمر على بوابات وشبابيك الفضاءات الحضارية، وأحسن نزار قباني حين قال : لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية .

مناقشة آراء مؤلفة الرواية "مارغريت ميتشيل"

أولاً/ في موضوع "الحب" أن ماركريت أكملت القصة بثلاثٍ من السنين 1926-1929 في كتابة هذه القصة المستفيضة، جعلت بؤرتها قصة حب جنونية ملتهبة بين شخصيتين مختلفتي التفكير صلبتي العود من الرجال والنساء هما " سكارليت أوهارا، وريت بتلر " وأدارت حول هذا الحب المضطرم والمعقّد أحداث الفترة التأريخية والأجتماعية بين الشمال والجنوب بسوسيولوجية جمعية وتأثيرها في حياة الناس وأحوالهم .

وأعتقد أنها نجحت في هذا المجال بشكلٍ واضح في جغرافية الجنوب الأمريكي بالذات مدينتها " أتلانتا " بيد أنها لم تصل في توجيه وترويض عواطفها الرومانسية بالأتجاه الصحيح، كان الحب الأول " آشلي – ويليكس" عشقتهُ بجنون لحد الهوس ولكنهُ لم يبادلها تلك المشاعر، ورفضها ليتزوج بأبنة عمهِ، سرعان ما أطفأتْ جذوة هذا الحبالملتهب بحبٍ جديد (ريت باتلر) بطل الرواية وسُجنَ عند دخول اليانكيين إلى الجنوب لقتله رجلاً أسوداً لأهانة أمرأة بيضاء، وساعدتهُ بدفع فاتورة الضرائب الباهضة ولكنهاسرعان ما نكرت الجميل وتزوجت من ثري وقُتل في الحرب الأهلية، وثم تعود لحبها بتلر ثانية نادمة، تبدو" سكارليت "في الرواية كشخصية مركبة تجمع المتناقضات أنّها لا تحب أخوتها ولكنها تعتني بهم، وكانت تتميّزْ بالبخل والطمع ومع ذلك كانت تقدم المساعدات لأصدقائها، وفي نهاية الرواية يتركها حبيبها ريت بتلر وإلى الأبد ليتطاير حبها مع الريح العاصف --- أهكذا تعامل الروائية كلمة الحب المخملية الشفافة؟ وقد أتهمها الكثير من النقاد بالأسفاف والتهافت في ترجمة مفهوم الحب الذي هو:

{منبع السعادة، ومرفأ الأمان، وسر القلوب، بل هو أسمى المشاعر الأنسانية على الأطلاق، والذي يبقى صداه خالداً مدى الأزمان لكونه مغلف بالأنسنة والرحمة والعطف ومجرد من الشهوة الحيوانية أو المصلحة} .

ثاناً/ موضوع " الأبارتايد " Apartheid الفصل العنصري الذي فرض نفسهُ على زمكنة كتابة الرواية، وهو صراع الكونفيدراليين مع اليانكيين بسبب البشرة السوداء، وأستمرت الحرب من عام 1861 -1865 وسقط فيها آلاف الضحايا وأنتشر الخراب والدمار في مناطق عديدة، وأحتراق مدن بكاملها، فكان تعرض ماركريت ميتشل لهذا الموضوع الحساس بشكلٍ خجول وتصوير الأفارقة الأمريكيين بصورة نمطية تعزز كونهم ليسو أكثر من مجرد تابعين أو خدم للبيض، وعند تحويل الرواية إلى فيلم حذف منتج الفيلم " دافيد سيليزنيك " اليهودي اللبرالي المناهض للعنصرية من حذف المقاطع العنصرية مثل أنتماء أزواج ماركريت ميتشل على التوالي آشلي، بتلر وفرانك كندي إلى جماعة الكوكلو العنصرية التي كانت تروّع وتعذّب السود أبان الحرب الأهلية، وتروع البيض المساندين لهم في عمليات تطهير عرقية منظمة، وكذلك حذف أي مقطع يمجّدْ بمنظمة Kuklux Klan العنصرية، كما حذف أصطلاح Nigger المهينة من سيناريو الفيلم رغم حشو ماركريت ميتشيل بها .

ثالثا/ هناك بعض الهنات والهفوات الغير مقصودة يفترض بالمؤلفة العبقرية عدم ذكرها أصلاً مثل : فقرة أغتصاب ريت بتلر لزوجته سكارليت أوراها لأستخدامه القوّة في ممارسة الجنس معها وهي أهانة للمرأة وتدخل ضمن العنف الأسري، وكانت مؤلفة الرواية ماركريت ميتشيل تقصد بهذه الفقرة ما هي ألا نوع من الرومانسية الممتزجة بالعنف، و كذلك موافقتها على أختيار الممثلة الحسناء البريطانية " فيفيان لي " لأداء الدور البطولي في الفيلم بدلاً من مئات الفنانات الأمريكيات أدى إلى غضب شعبي عام خاصة أن سكارليت أوهارا تعتبر (أيقونة أمريكية) وأختيار ممثلة بريطانية لأداء دورها ما هي ألأ أهانة للأمة الأمريكية، ويعني هذا أن رواية "ذهب مع الريح " تمرد على الكثير من المحظورات في وقتها، وكذلك يطلق خلال الرواية عبارة (أنكل توم) مزاحاًغير مقصودعلى الخادمة هاتي ماك (مامي) ذات البشرة السوداء، وهي عبارة تستخدم لوصف الأفارقة الأمريكيين الذين يتذللون للبيض لكسب رضائهم، والعديد من الأدباء الأمريكيين أعتبروا الرواية ضمن الأدب النسوي، لوجود أيحاءات بين سطورها للمرأة كيفية التخلص من التسلط الذكوري في المجتمع والتغلب عليهِ، مما جعل معظم القراء من النساء

 

عبدالجبارنوري*

.......................

الهوامش

 الحرب الأهلية الأمريكية والعبودية في الولايات المتحدة – ترجمة الدكتور زياد زكريا لبنان .

ذهب مع الريح – ترجمة عبدالله عرفان 2010

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

مايس 2020

 

 

ضياء نافععنوان مقالتنا هو عنوان بحث علمي نشرته مجلة (فيسنك) التي تصدرها جامعة خاركوف التربوية في اوكرانيا بعددها المرقم 4 (59) لعام 2016، وهذا البحث بقلم أندرونوفا وجورينكو . العنوان مثير فعلا، او كما كنّا نقول في شبابنا ضاحكين – (يسيل اللعاب)، ومن الواضح انه بحث في الادب المقارن . استوقفني هذا العنوان المتميّز والجديد بالنسبة لي كليّا، اذ لم يسبق لي ان اطلعت على مقارنة بين الكاتب الروسي تشيخوف والكاتب الايطالي مورافيا، وهكذا بدأت رأسا ب(التهام!) هذا البحث، واود ان أعرض للقارئ العربي انطباعاتي عن هذا (الالتهام !)، اذ يبدو لي ان هذه المقارنة المبتكرة بين أديبين متباعدين (من حيث المكان والزمان واللغة والثقافة) ربما ستكون طريفة ومفيدة ايضا للقارئ، الذي يتابع ظواهر الادب العالمي بشكل عام، والادب المقارن بشكل خاص .

القيت النظرة الاولى على البحث اولا، ووجدته مكتوبا باللغة الروسية، رغم ان هناك في بدايته خلاصة باللغة الاوكرانية ثم بالروسية ثم بالانكليزية، وهذه ظاهرة علمية سليمة جدا، ويبدو ان ذلك من مستلزمات النشر في تلك المجلة العلمية الاوكرانية لجامعة خاركوف التربوية . يشغل البحث ست صفحات كاملة من المجلة المذكورة، وتوجد في نهاية البحث قائمة بالمصادرالتي اعتمدها الباحثان، وعددها (13) مصدرا، وكلها باللغة الروسية ليس الا. الاشارة الى المصادر وتثبيتها هي ضرورة علمية طبعا في نهاية البحوث كافة، ولكن الذي أثار استغرابي هنا، هو عندما وجدتها فقط باللغة الروسية لبحث يقارن بين ابداع كاتب روسي بابداع كاتب ايطالي، اذ كنت أتوقع ان تكون هناك مصادر باللغة الايطالية ايضا .

اطلعت على هذا البحث بكل امعان، وحاولت حتى ان أقرأ ما بين سطوره ايضا، واود ان أشير- قبل كل شئ – الى اعجابي الشديد بالعنوان، اذ ان صياغته جاءت بشكل دقيق وموضوعي وموفّق جدا، فلا توجد في ذلك العنوان اي اشارة الى (تأثير) تشيخوف على مورافيا، وانما هناك مفردة (ابداع) تشيخوف، وهو ابن القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين في روسيا، (في العالم الفني) لمورافيا، وهو ابن اواسط القرن العشرين ونهايته في ايطاليا، ومن الواضح جدا، ان هذا العنوان لم يكن عفويا ابدا . ان العنوان لا يوحي، الى ان ابداع تشيخوف قد (أثّر) على ابداع مورافيا، كما يحاول عادة بعض الذين يكتبون في الادب المقارن، دون ان يأخذوا بنظر الاعتبار، ان (المتأثّر به) ان صحّ التعبير، لا يمكن ان يكون اديبا حقيقيا كبيرا، اذ ان القارئ يذهب مباشرة الى (الاصل)، اي الى (الذي يؤثّر)، وليس الى (الفرع)، اي (الذي يتأثّر به)، وقضية (التأثّر) و(التأثير) مسألة جديرة بالتأمّل العميق في دراسات الادب المقارن، وهي مسألة تختلف جذريا عن تشابه الموضوعة في نتاجات الادباء، سواء في اطار الادب القومي الواحد او في اطار الادب العالمي عموما، ابتداء من (حي بن يقظان) الى (روبنسون كروزو) فصاعدا .

يركز البحث على موضوعات تميّز بها ابداع تشيخوف، مثل سيكولوجية العبودية في علاقات البشر بين بعضهم البعض، او، التفاهة التي تسود في الحياة الانسانية الباهتة أصلا، او، ضيق النظرة الجامدة الى الحياة والتعامل معها انطلاقا من (العلبة!) التي صنعها ذلك الشخص لنفسه ويريد ان يخضع العالم حوله لمفاهيمه الجامدة، الى آخر تلك الافكار التشيخوفية العميقة التي ترتبط بابداعه . ثم يحاول الباحثان ان يشيرا الى تحديدها او ظهور ملامح منها في ابداع مورافيا هنا وهناك، مستندين الى الترجمات الروسية لبعض روايات مورافيا ليس الا، وكذلك الى الدراسات الروسية حول مورافيا . البحث لا يرسم طبعا صورة متكاملة وشاملة لكل (العالم الفني لمورافيا) كما يشير العنوان، ولكنه يحدد فعلا وبشكل صحيح جدا خصائص التشيخوفية، ويحاول ان يجد انعكاساتها في عالم مورافيا الفني، وليس ذلك بالقليل في عالم البحث العلمي للادب المقارن، هذا المصطلح (اي الادب المقارن)، الذي لم يتبلور لحد الان كمادة مستقلة وقائمة بذاتها في الدراسات الانسانية، ولا يوجد قسم خاص للادب المقارن في الجامعات التي مررت بها اثناء مسيرتي، رغم ان قسم اللغة العربية في كليّة اللغات بجامعة صنعاء في اليمن قد كلّفني بتدريس مادة (الادب المقارن) عندما كنت استاذا زائرا لمدة شهر واحد عندهم، وقد القيت محاضرات بمعدل ساعتين اسبوعيا، ولم يكن لديهم مفردات معينة لتلك المادة، فتناولت في محاضراتي الموضوعة العربية في الادب الروسي عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتولستوي وبونين، وذلك حسب اختصاصي الدقيق في تاريخ الادب الروسي، وكان الطلبة يتقبلون المادة بحماس لانها جديدة عليهم بكل معنى الكلمة ...

ابداع تشيخوف في عالم مورافيا الفني – محاولة مهمة في اغناء علم الادب المقارن وتوسيع مداراته، ولا اظن ان ترجمته الى العربية ستكون مقبولة، لانه يرتبط قبل كل شئ بالترجمات الروسية لادب مورافيا والدراسات الروسية عنه، ولكن الفكرة الجوهرية لهذه الدراسة تمتلك – بلا شك - حيويتها وقيمتها العلمية العميقة ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

يسري عبد الغنييجب أن نعترف بأن أفريقيا القارة  السمراء مظلومة إعلاميا، ولا تقدم بصورة دقيقة، فلا نكاد نعرف أبرز ملامح الثقافات الأفريقية واللغات الشائعة، والأنظمة الاجتماعية السائدة في هذه البلدان،  وعليه فنحن لا نمتلك الكثير من المعلومات عن أدب الطفل الأفريقي، رغم معرفتنا بأن هناك العديد من الجهود التي تبذل في هذا الميدان، ولكن لم نعرفها المعرفة الحقيقية، نعم هي لم تصل إلى المستوى المأمول، ولكنها محاولات جادة يمكن البناء عليها، والتعامل معها، إذا أدركناها ووعيناها .

نقول : إن الحضارة الأفريقية شديدة الثراء، لكن ما نعرفه مجرد صورة نمطية،  لعدة أسباب أبرزها أنه ليس لدينا مصادر أفريقية خالصة، ونعرف أفريقيا عن طريق المصادر والوكالات الغربية، وهي مصادر استعمارية في الأساس تقدم القارة السمراء كما تحب أن تكرسها  في الذهنية الدولية، وتصدرها أنها قارة الثالوث المعروف: الفقر، الجهل، المرض، وهذه صورة غير دقيقة، يروجها الإعلام الغربي ليتمكن من إحكام السيطرة، بغرض الحفاظ على مصالح معينة،  وعليه : فنحن نعدم الوسيلة الصحيحة لنتعرف على أدب الطفل الأفريقي، لنسعى معًا كأهل قارة واحدة للعمل من أجل النهوض به وتطويره بما يناسب واقع القارة السمراء والمستجدات العالمية التي نعيشها .

في مصر لا توجد جرعة كافية عن أفريقيا في المناهج التعليمية،  وبالتالي لا نعرف الكثير عن أدب الطفل الأفريقي، فليس لدينا جيل في المرحلة قبل الجامعية يعرف معلومات موسعة عن أفريقيا وأدبها بوجه عام، وحتى في التعليم الجامعي لا تقدم إلا في مناهج بعض الكليات مثل الاقتصاد والعلوم السياسية، أو الكليات التي تدرس اللغات الأفريقية .

وبالطبع الوضع مختلف في الدراسات العليا، وفي الإعلام المصري نفتقد أيضا وجود برامج متخصصة عنها، إلا برنامج أو اثنين، والنتيجة أنه ليس لدينا إعلاميين متخصصين في الشأن الأفريقي، وبالتالي مادة إعلامية متاحة، وبعض الصحف بدأت تخصص صفحات لأفريقيا، لكنها صفحات موسمية، مرتبطة بحدث أو زيارة أو قمة أفريقية، أو مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، فالقارة غائبة، فنعرف عن اللاعبين الأفارقة أكثر ما نعرف عن دولهم، وكانت النتيجة أننا لا نعرف أدباء أفريقيا رغم وصول بعضهم إلى العالمية .

في الستينات من القرن الماضي كان جيلنا يعرف أدباء أفريقيا جيدًا بل كان بعضنا يحفظ مقطوعات من شعرهم وأدبهم ويرددها، وإذا كنا لا نعرف الأدب الأفريقي على وجه العموم الآن، فكيف نعرف أدب الطفل الأفريقي، وكتابه،وكيف نتعاون معًا على النهوض به كأبناء قارة واحدة ؟  فالمواطن لديه استعداد لتلقي المعلومات، فما المانع من ربط الثقافة بالرياضة؟ .

لدينا 55 دولة أعضاء في الاتحاد الأفريقي، الثقافة الأفريقية تضرب بعمق في التاريخ منذ آلاف السنين، وبينها نوع من الروابط التاريخية، وتعتبر الحضارة الفرعونية أصل الحضارات الأفريقية، والدراسات الأثرية تؤكد أن جزءًا من الرموز الحضارية المصرية وجدت في العديد من دول حوض النيل، مما يؤكد الترابط بين الحضارات الأفريقية، كما أن هذه الثقافة احتفظت بالجذور إلا أنها طورت نفسها، واستفادت من الاحتكاك بالحضارات الأخرى، كما أن هذه الثقافة تتميز بأنها تخاطب الجانب الأخلاقي، وبها جانب روحي، ومن هنا نرى أن هذا الزخم الحضاري والثقافي جدير بأن يحقق لأطفال القارة أدب طفل حقيقي يعبر عنهم ويرتقي بهم .

لقد كان للاستعمار أثر على ثقافة القارة، والذي استطاع فرض لغته على الشعوب لكنه لم يتمكن من فرض ثقافته، فاحتفظت العديد من الدول بالمجالس العرفية والنظام القبلي، أن من مظاهر الثقافة، على مستوى الأدب، الأبرز هو الكاتب النيجيري وول سوينكا، الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1986، أي أن أفريقيا لديها أدب عالمي، وفي العموم يتميز بالتنوع، فشرق أفريقيا لها احتكاك بالمنطقة العربية، أما منطقة الوسط والجنوب لديها احتكاك بالثقافة الإنجليزية "الأنجلوفون، وهذا يعيدنا إلى ضرورة وجود أدب للطفل الأفريقي يعبر عن هويته وتطلعاته وواقعه المعاش .

و اللغات التي تقدم بها هذه الثقافة، أغلب الدول الأفريقية احتكت مع لغة المستعمر، وصارت اللغة الرسمية التي تتفاعل معها، لكن دون ذوبان فيها، بل أنتجت أدبا خاصًا بها، هناك ثلاث لغات هي الأبرز "السواحيلية" في منطقة الشرق، و"الهاوسا" و"الفولاني" في منطقتي الغرب الوسط، والأمهرية في الشرق أيضا، بخلاف اللغات الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والعربية، وهذا التنوع كفيل بإنتاج أدب للطفل الأفريقي يعتمد على التعددية الثقافية التي هدفها قبول الآخر والقدرة على الحوار معه والاستفادة منه عبر تبادل الآراء والخبرات والأفكار .

وعن السينما، توجد في نيجيريا صناعة سينما هائلة هي "نوليود"، وتنتج من 500 إلى 1000 فيلم سنويا، وتأتي في المرتبة الثالثة عالميا بعد هوليود الأمريكية وبوليود الهندية، لكنها تهتم بالمحلية، وما زال أمامها تحد للوصول للعالمية، آملين بالطبع في إنتاج أفلام سينمائية للطفل الأفريقي، تعبر عنه وتقوم بدورها التعليمي والتربوي في تنشئة أبناء القارة السمراء .

أما الموسيقى هي التي قطعت شوطا في التعاون العربي الأفريقي، وتعرفها المجتمعات الدولية من خلال المهرجانات، وخاصة أن هذه الفنون التي تعتمد على الطبول والرقصات الخاصة والزي الأفريقي، والذي مازال يحتفظ بطابعه المستوحى من البيئة، وهذا كله يؤهل لأدب أطفال أفريقي له خصوصيته وله ذاتيته ومحليته التي يمكن أن توصله إلى العالمية

 

بقلم د.يسري عبد الغني

 

علي الباشابين سنابل الحنطة وعلى طول الحقول الممتدة من سهول مَنْبِج إلى سهول الحسكة في الشرق، ابتنت "القُبّرة" الدرّاجة عشها الذي كرست وزوجها وقتاً طويلاً في بنائه والذي لم يكن ليخرج بهذا البهاء لولا المواظبة على انتقاء أفضل أنواع القش المشبعة عيدانه بحبيبات الوحل اللزجة التي تساعد على تماسك جدران العش وتمنحه القوة والمتانة، وكم من العيدان التي استبعدتها لعدم انسجامها . بعد ذلك الجهد وضعت بيضها فيه، كانت البيضات الثلاثة منقطة ويميل قشرها إلى السمار. راقبتها بحرص تفحصتها وحركتها بعناية حتى استقرت في مكانها ومكثت فوقها. 

في الاستراحات، كانت تخرج من بين السنابل تراقب الفلاحين المندفعين للحصاد قبل أوانه، إذ لم تكن الشمس قد أينعت المحصول بعد، لكنها كانت مدركة لاندفاعهم ومدركة لما يعنيه المحصول للفلاحين . فالجهد الكبير الذي كرسوه لزراعة الحقل لم يقل عن جهدها وتعبها؛ والغلال الذي سيطرحه سيوفر الطعام لأطفالهم، لقد فكرت بصغارها قبل أن تفكر بنفسها كما فعل هؤلاء المزارعين. 

رقدت بكل تفانٍ على البيوض أثناء فترة الحضانة، وفي ذلك تعب وعناء وإرهاق من أجل أن تفقس بسرعة وتخرج الفراخ إلى الحياة قبل أن يبدأ موسم الحصاد وكانت قليلاً ما تقوم عنها مواصلة احتضانها ليل نهار. وبينما بدأت تشعر بنبض الحياة في تلك البيوض، كانت تحلم بأبنائها الصغار يزقزقون حولها ويطيرون معها من حقل إلى آخر وينادونها كلما تعثروا " أمي علمينا كيف نفعل هذا ونفعل ذاك"؟  وكانت كلما تستشعر تلك اللحظة تأخذها القشعريرة فينتفض بدنها وينتفش ريشها . هذا الخيال يملأ قلبها فرحاً وهو نفس الفرح الذي يملأ قلوب كل الأمهات في العالم. وبينما هي كذلك؛ كانت تستكين - رغم القلق المحيط والخوف من المجهول - أن الوقت قد أزف ولم يبق إلا القليل. كان الذكر الدرّاج "زوجها" يحوم حولها، بل ويرقد بجوارها ويرجوها أن يحل محلها في احتضان البيض لكنها كانت ترفض في كل مرّة، لا لشيء؛ فقط لأنها " أم" والأم هي الكائن الوحيد الذي يفيض بالحنان بشكل لا يمكن تخيله بل هي نبع لا يماثله أحد في الوجود.

كان زوجها يطير في الصباح الباكر سعياً وراء الرزق، وكلما يعود يأتيها بأخبار الحقول والفلاحين. قال لها فرحاً أن زوجة صاحب الحقل الذي نحن فيه كانت توصي أطفالها، بألا يؤذوا الطيور والعصافير خاصةً تلك التي ابتنت أعشاشها بين سنابل الحنطة . تلك الأم الحنونة أخبرتهم أن للعصافير قلوب، قلوب تشعر بها كما نحن، فدعوها تفرح بصغارهم كما نفرح بكم. وكي لا يخالفوا كلامها؛ وعدتهم بعد بيع المحصول أن تشتري لهم دراجة هوائية وألبسة جديدة وحاجيات أخرى . غير أن أصغر أطفالها رفض اقتراحها وفي نفسه شيء واحد " أمي.. أنا أريد سندويشة كباب وكازوزة حمره " وأخبرها الآخر الذي يكبره بعام " أنا أريد دفتر رسم وأقلام تلوين". وقالت أختهم "وأنا أريد حقيبة زهرية أعلقها على كتفي في العيد ولعبة صغيرة ألعب بها".

لقد وعدت الجميع بقضاء حاجاتهم وأخذها الخيال بلحظةٍ حين رنت بناظريها في سهوب الحنطة المبسوطة على مد البصر. ما أجمل فرحة الأطفال وبراءة الأطفال وأحلام الأطفال، قالت ذلك في نفسها وانفرجت أساريرها عن ابتسامة مجعدة في شفتيها المتشققتين حوَّلت محياها الذي حرقته الشمس إلى روضة من رياض الجنة!

تنهدت القبرة، ونظرت في عيني زوجها وقالت أتمنى أن يرزقني الله ما رزق تلك المرأة ذكرين وانثى وسأعمل ما حييت على تأمين طلباتهم وكم سأكون مسرورة لو حظيت بالشعور الذي حظيت به تلك المرأة !

***

بعد أيام والفرحة تلف العش من كل جانب، وفي الصباح الباكر من أيام شهر أيار لسنة 2020 (1)، والعصافير تتذكر أن هذا الحال قد تكرر في السنة الماضية. تفاجأت القبرة بأمرٍ جلل، حرارة شديدة، وهواء خانق محمل بالدخان الكثيف . خافت على الصغار الذين مازال القشر عن رأسهم، رأتهم يرفرفون بأجنحتهم وينقلبون على ظهورهم والنار تحيط بهم من كل جانب. نظرت إلى أعلى فرأت بالونات تهوي من السماء تلقيها مروحيات أمريكية على محاصيل الحنطة. عاد زوجها فزعاً مرتاعاً من هول ما رأى في عتمة الفجر. رجال ملثمون كأنهم مرتزقة يلقون مواد حارقة على الحقول البعيدة، ويلوذون فراراً تنفيذاً لأوامر أسيادهم. كل ذلك يحصل في شمال سوريّة وكأن العصافير وسنابل الحنطة والفلاحين هناك لا يحق لهم الحياة، لكن الأرض التي حرقوها أبت أن تموت والأرواح أبت أن تغادر ظلت تطوف هناك مانحة تلك البقعة حياة سرمدية لا تنتهي.

القبرة وهي تلفظ أنفساها الأخيرة عرفت أن المُحتل لا تهمه سنابل الحنطة ولا فرحة العيد ولا زقزقة العصافير، رفضت أن تغادر عشها؛ ماتت في الحقل الذي عاش فيه آباؤها وأجدادها. فلو قتل المُحتل أحلام الأطفال وحرق قلب الأم، تبقى السنابل التي استشهدت وهي واقفة شاهدة على بربريته، وإنها بجذورها المتغلغلة في أعماق الأرض تقول له إنك راحل مهما طال الزمان وإنّا هاهنا باقون!

 

* كاتب سوري/ مقيم في السويد

....................

 (1)  كشف موقع انترناشونال بزنس تايمز الإخباري بنسخته الصادرة في سنغافورة في تقرير نشره إن الحرائق التي تعرضت لها حقول القمح في منطقة الجزيرة السورية  في 17 ايار 2020 نفذتها قوات الاحتلال الأمريكي بأوامر مباشرة من الرئيس دونالد ترامب.

 

 

نايف عبوشالشاعر أبو يعرب والإبداع المتجدد

في قصيدته وما أدراك ما كورونا

لعل من بين ما تميز به الشاعر الكبير ابو يعرب، هو الموهبة المتوقدة، بفضل ما أوتي من خيال خصب،وملكة إبداعية متميزة، وثقافة شمولية. ولذلك تحظى ابداعاته الشعرية، بتداول واسع بين الجمهور، نقادا، ومتلقين.

فمع انه اعتاد أن يستلهم في نظمه، معطيات الماضي، في بعديه الاجتماعي، والتراثي بتلقائية واضحة، إلا أنه استطاع أن يوفّق في نفس الوقت، بين منحاه التقليدي في النظم، في كل فنون الشعر المعروفة، وبين متطلبات معطيات الحداثة والمعاصرة،بما تشكله من تحديات كبيرة في وجه الشاعر، بسبب سرعة توالي مستجداتها، وصعوبة ملاحقتها، واستحالة الإحاطة بكل جوانبها،لاسيما وأنه، كما هو معروف، من جيل الشعراء التقليديين، الذي تطبعوا على أسلوب نظم، له سياقاته المستقرة نسبياً.

ولا غرابة في ذلك.. فالشاعر أبو يعرب، الذي نجح في التوفيق في انثيالاته الشعرية، بين متطلبات تقليدية نهجه، في نظم شعره، وبين تحديات حداثة العصر، قد جسد حقاً، توقد طاقة الشاعر نتاج القرية،وابن الديرة، الذي عايش كل تفاصيل حياتها، وظل منشدا، لجذور نشأته الريفية،باعتباره من جيل الرواد الأوائل، عندما تطلع إلى الحداثة،وخاض غمار الانفتاح على معطياتها، والتفاعل معها بنجاح، رغم كل مارافق ذلك الانفتاح من معاناة، وصعوبات، بسبب طبيعة قالب التشكل الاجتماعي، والثقافي، والأدبي، للشاعر الكبير، والأديب الفحل ابو يعرب .

ولعل ما تقدم من معطيات إيجابية، هو ما جعل الشاعر أبا يعرب، وهو ما يزال يقرض الشعر،ويواكب بجدارة واقتدار معطيات التطور، ويتفاعل معها نظما، يحظى باحترام الجميع، نقادا، وجمهورا، وفي المقدمة منهم الدكتور إبراهيم العلاف، الذي تصدى للكتابة عن القصيدة، بتفصيل مهني، وادبي رائع جداً.

وها هو الشاعر الكبير ابو يعرب يبادر، وباقتراح من الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف، إلى نظم قصيدته العصماء (وما أدراك ما كورونا)، التي تناولت التعاطي ببلاغة، واقتدار مع مفردات جائحة فايروس كورونا المستجد،التي اجتاحت العالم مؤخراً، وعطلت حركة الحياة اليومية، أو كادت، لتتناول تصوير تداعياتها، وما تركته من هلع، وفزع بين الناس، بتفصيل يعكس بلاغته، واقتداره الإبداعي في تشكيل تلك الصور .

ولعل بإمكان المتلقي أن يتحسس جمال الصور، ويستمتع بروعة تشكيلها الشعري،بشكل مباشر، من خلال قراءته المرهفة للقصيدة، والتمعن في مضامينها، وصولاً إلى استنباط دلالاتها التعبيرية. وادناه نص قصيدة الشاعر أبو يعرب، تحقيقا لهذا الغرض:

وما أدراك ما كورونا

الشاعر إبراهيم علي الجبوري أبو يعرب

ندعو القدير بهذه الأيام ***** أن تستمر حياتنا بسلام ِ

فمصائب الفيروس عم بلاؤها ***** فالناس بين الخوف والأوهام

ووباء كورونا تفرعن بل طغى***** والكل في هرج ودون محامي

 فالصين عانت والفرنجة مثلهم ***** فكأنهم ذبحوا بغير حسام

 والناس في سجن البيوت ***** وجلهم متحير من هذه الألغام

فالأم حائرة لأجل وليدها ***** والطب حار بهذه الآلام

وجميعنا في محنة وبحيرة ***** لم ندع غير الواحد العلام ِ

ووباء كورونا تنمر بل بغى ***** هاذا الوباء مقطع الأرحام

يجري كأفراس السباق سريعة ***** ويجول في الدنيا بغير لجام

فخذو بنصح العارفين بكنهه ***** وثقوا بأهل الطب والإعلام

وإذا أخذتم بالنصائح فارجعو ***** لله حافظنا بكل مقام

يارب انت إلهنا وملاذنا ***** رفقا بنا وبأمة الاسلام

وكذاك أقوام المسيح وغيرهم ***** لا فرق بين مشارب الأقوام

واقول للعلاف أنت منارنا ***** وبصمة بالوسطى وبالإبهام

وابوبشير قال في تغريدة ***** اهديك يا علاف خير كلامي

 لبيك يا علاف حين نصحتني **** فلأنت بحر في النصيحة طامي

 فأكتب حسين قصيدتي بتمعن ***** أنتَ الرجاء بهذه الأعوام

رُحماك ربي قال والد يعرب ***** من هذه الأمراض والأسقام ..

 

نايف عبوش

 

علاء اللاميلقطة تراثية1/ شعر الهجاء من الحطيئة إلى ولادة بنت المستكفي

يضرب المثل في شعر الهجاء بالحطيئة الذي لم يترك أحدا من مشاهير عصره لم يوجه له سهام هجائه بل لقد هجا حتى زوجته وأمه بل أنه هجا نفسه ببيتين مشهورين هما:

أَبَت شَفَتايَ اليَومَ إِلّا تَكَلُّما ***** بِشَرٍّ فَما أَدري لِمَن أَنا قائِلُه

أَرى لِيَ وَجهاً شَوَّهَ اللَهُ خَلقَهُ ***** فَقُبِّحَ مِن وَجهٍ وَقُبِّحَ حامِلُه

وكنتُ على هذه القناعة الأدبية طوال سنوات دراستي الجامعية حتى قرأت ما قالت الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي من هجاء فاحش بحق عاشقها ابن زيدون حين اختلفت معه بعد أن تعلق لبّهُ بخادمتها السوداء لجمال صوتها فقالت فيه بيتين من الشعر هما من أفحش وأقسى شعر الهجاء قيلت بعد أبيات المتنبي الشهيرة بحق أم ضبة بن يزيد ومطلعها لمن يبحث عنها في الانترنيت (ما أنصف القوم ضبة..)، وليقارنهما ببيتي ولادة ومطلعهما (ولُقّبتَ المسدّسَ وهو نعتٌ)

ولُقّبتَ المسدّسَ وهو نعتٌ ***** تفارقُكَ الحياةُ ولا يفارقْ

فَلوطيّ ومأبونٌ وزانٍ ******   وديّوثٌ وقرنانٌ وسارقْ

وتقصد بالمسدس الحامل للصفات الست الواردة في البيت الثاني!

ولولادة مقطوعات شعرية غزلية جميلة أخرى واحدة منها مطلعها (لو كنتَ تنصفُ في الهوى***** لم تهوَ جاريتي ولم تتخيرِ)

* فائدة لغوية ع الماشي: اسم "الحطيئة" بهذا الرسم هو الحجة التي يشهرها القائلون بكتابة الكلمة بهذه الصورة إزاء من يفضلون كتابتها بهمزة على الألف في الكلمات المشابهة مثل هيأة، ويرون الأصح كتابتها على الياء: هيئة. الحطيئة شاعر مخضرم ومتمرد عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم ثم ارتد مع المرتدين ثم عاد وأسلم وقد حبسه عمر الفاروق بسبب هجائه للكثيرين، فتوسله الحطيئة بأبيات عاطفية يسترحمه بها وتعتبر من أجمل ما قيل في هذا الباب وما زلت أحفظ مطلعها حتى الآن، قال:

ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخٍ*** زغبُ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ

*يمكن العثور على جميع الأبيات الواردة في هذه القطعة للمتنبي وولادة والحطيئة بكتابة مطلع البيت في محرك البحث غوغل والنقر دخول.

1523  ابن رشد

لقطة تراثية 2: يخبرنا صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / مج1 ص 463" بما قاله الفيلسوف ابن رشد في مناظرة له مع الطبيب المعروف أبي بكر بن زُهر، قال (إذا مات عالِم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حُملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حُملت إلى إشبيلية)! ورغم أننا لا نعرف على جهة التدقيق سياق ومناسبة هذه المناظرة، ولكننا يمكن أن نرجح أنه إنما أراد إيصال فكرة مفادها أن الثقافة وشؤون الفكر كانت مزدهرة في قرطبة أكثر من إشبيلية، أما شؤون الفنون فمزدهرة في إشبيلية أكثر من قرطبة. ولكننا لو بحثنا بين سطورها عما يسميه النقاد وعلماء اللسانيات "المسكوت عنه"، فلن نجد أكثر من ذلك. وإذا زدنا عليه بالتأويل فقد نجد شيئا من التباهي بالفكر والثقافة القرطبيتين من قبل الفيلسوف العقلاني في مواجهة الطبيب الإشبيلي المذكور والمعروف هو الآخر بإنجازاته في ذلك العصر لدى الأوروبيين.

وبالعودة إلى لقطتنا التراثية نقول: إن هذه المقولة الرشدية تختلف تماما عن مقولة شعبية شائعة قد تشبهها شكلا وتقول (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) فهذه المقولة تنطوي على ثلاث إحالات سلبية قد لا يكون القائل قصدها ولكنها واضحة في معاني الكلام. الإحالة الأولى للمصريين لأنهم وفق هذه المقولة لا يقرأون لكتابهم المصريين بل لغيرهم، أو أنهم لا يقرأون لهم ولا لغيرهم. والإحالة السلبية الثانية في أنها تجعل اللبنانيين مجرد عمال مطابع يطبعون ما يؤلفه الكتاب المصريون ويقرأه العراقيون فلا هم ألفوا شيئا ولا هم قرأوا ما يطبعون، وهذا غير صحيح تماما؛ فحركة التأليف والترجمة في لبنان لا تقل عنها في أي من البلدان العربية الأخرى.

والإحالة الثالثة تخص العراقيين، فرغم المديح السطحي لهم في هذه المقولة بأنهم قراء جيدون، ولكنها تشطب على كتابهم وعلمائهم ومؤلفيهم وعلى إنجازاتهم وكأنها لم تكن، وهذا ظلم كبير للثقافة العراقية - يساهم فيه المصابون بنوع من المازوخية الثقافية وجلد الذات والدونية الحضارية ممن يجهلون أن موسوعة واحدة ألفها العراقي د. جواد علي - على سبيل المثال- تعدل مكتبة كاملة ولا تستغني عنها مكتبة أو باحث في التاريخ والثقافة وعلوم الأديان والمجتمع...إلخ، وأعني موسوعة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"! وعلى الرغم من أن هذه المقولة غير دقيقة مضمونا وأحكاما، كما بينت، ولكنها لا تخلو من بصيص من الحقيقة: ففي عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي نشطت حركة التأليف والطباعة والنشر والقراءة في الدول العربية وخصوصا في مصر والعراق وبلاد الشام ولكل بلد من هذه البلدان مساهمته في التأليف والطباعة والقراءة ولكن بيروت تميزت بسبب أجواء حرية التعبير النسبية بأنها كانت تطبع ما لا يطبع في القاهرة أو بغداد لهذا السبب السياسي أو ذاك.

* استدراك: عُرف الطبيب أبو بكر بن زُهر بمؤلفاته وإنجازاته الطبية لدى الأوروبيين وخصوصا في عصر النهضة - من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر- باسم أفينزوار (Avenzoar)، أما الفيلسوف العقلاني العظيم ابن رشد فكان يعرف عندهم بآفيروس (Averroes). وعن تأثيراته في الفكر الأوروبي نقرأ (كان لابن رشد تأثير قوي على الفلاسفة الأوروبيين المسيحيين أمثال توما الأكويني. وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية من رجال الدين اليهود والمسيحيين إلا أن كتاباته كانت تدرس في جامعة باريس وجامعات أوروبا، وظلت المدرسة الفلسفية الرشدية مهيمنة في أوروبا الغربية حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد قدم في كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" مسوّغاً للتحرير الفلسفة من اللاهوت الأشعري، وبالتالي عدّ بعضهم الرشدية تمهيداً للعلمانية الحديثة/ أحمد جميل وعبد الوهاب المسيري).

 

علاء اللامي

 

جمال العتابييستيقظ مدير مدرسة المصيفي الريفية بوقت مبكر، على صوت طرق شديد على باب داره الملاصق لبناية المدرسة، وجه داخل (فرّاش) المدرسة، مشتعل بلهفة النداء والحيرة، وجسده النحيل مثل جذع نخلة لفحته النيران.

أستاذ: لقد سرقوا القارب!!.وحرموا التلاميذ من العبور والدوام.

ماذا تقول يارجل؟ هذا ما كنت أخشاه وحذرتك من وقوعه! إسرع الآن، لا مفرّ لك إلا أن تذهب منذ اللحظة تجوب الشواطيء بحثاً عنه، وإلا لن يغفر لنا أحدٌ هذا الفعل!

سبحان من أضفى على طبيعة المصيفي سمة العذوبة والصفاء! في وسطها تبدو البناية مثل زنبقة يضوع الشذى في جنباتها، على يمين ضفاف الغراف شيدت منذ اربعينات القرن الماضي، تستقبل ابناء القرى من الصوبين يأتوها مثل أسراب الحمام، تحيط بها أشجار اليوكالبتوس والصفصاف كفراشات خضراء، أية يد إمتدت لترضعها الماء والجمال؟

موجات النهر يلزمها وقت للتوقف عندها لتغني لرائحة أشجار الغَرَب، وكأنها في مهرجان هادر يحتفي برفيف الأشرعة المباركة، وإختلاجات الصبح.

ونهر الغراف يأتي على براق من الريح، والموج يحث الموج، حاملاً سلال الرطب في قوارب تروي حكايا المغنين التعبى، ثم تعود لأوكارها كما يرجع السنونو لعشّه، في المدرسة تلتم نخبة من معلمين شباب يتقاسمون الخبز فيها وحب الأوطان، ويعيدون لعيون الصغار بهجة غائبة، هم وحدهم من يفتح نوافذ الأمل الوريف في عقول التلاميذ، ليس في الوعي محض حياد! (اصبح اسمها هذا، مدرسة الوعي، بعد تموز 58).

عاد داخل وهو يحمل بشرى العثور على (البلم)، راسيا على شاطيء قرية أبو هاون الجنوبية، لم يكن هو المقصود بالسرقة يا استاذ، نادى داخل بصوت عالٍ من بعيد، إنما سرقوا سلسلة الربط الحديدية المتينة الصنع، ليربطوا بها دوابهم عليهم اللعنة!

تقاسم المدير وداخل الغمغمات العابرة، والوجوم يخنق الكلمات، علينا حالا ان نعلم (المعارف) بحادث السرقة، سحب المدير قصاصة ورق على الفور وبدأ يكتب :

مديرية معارف لواء المنتفگ

الموضوع :سرقة سلسلة

وهنا توقفت حركة يده، وحيرة السؤال تتجمع في أعماقه، كيف السبيل لتوضيح قيمة السلسلة وأهميتها، وهي مثل تعويذة يرميها الساحر تلهث وسط النهر؟! كيف التعبير عن فرادتها؟ لم يسعفه كل خزينه من مفردات المخاطبات الرسمية! كان داخل يراقب نظرات مديره الحيرى ورعشة أصابعه لم تنقطع على سطح الورقة، فأنهمر قلمه مرة واحدة في السطر الأخير، وكتب :

علماً ان السلسلة لها منزلتها بين السلاسل، ثم استراح

 

جمال العتابي

 

 

يسري عبد الغنينحب أن نؤكد على أن: الأدب ركيزة ثقافية أساسية، وهو تشكيل أو تصوير للحياة والفكر والوجدان من خلال أبنية لغوية، وهو فرْعٌ من فروع المعرفة الإنسانية العامة، يُعنى بالتعبير والتصوير فنيا ووجدانيا عن العادات والتقاليد، والآراء، والقيم، والآمال، والمشاعر، وغيرها من عناصر الثقافة، أي أنه تجسيد فنّيٌ تخيّلي للثقافة .

ويشمل هذا المفهوم الأدب عموما، بما في ذلك أدب الطفل، لكن أدب الطفل يتميّز عن أدب الكبار في مراأعاته لحاجات الطفل وقدراته، وخضوعه لفلسفة الكبار في تثقيف أطفالهم. وهذا يعني أن لأدب الطفل من الناحية الفنية مقوّمات الأدب العامة نفسها، غير أن اختيار الموضوع، وتكوين الشخصيات، وخلْقَ الأجواء، والاستخدامات اللغوية، وتحديد الأسلوب المناسب في أدب الطفل تخضع لضوابط خاصّة تناسب قدرات الطفل ومستوى نموّه.

ونضيف أن : ىأدب الطفل أداةٌ أساسيةٌ في بناء ثقافة الطفل، إذْ يُسْهم في نقْل جزء من الثقافة العامة إلى الطفل بصورة فنّية ذلك أن التجسيد الفنّي عملية لازمة في التوجّه الاتصالي عموما، والأدب فرْعٌ من الثقافة والثقافة نوْعٌ من الاتصال سواء كان إلى الراشدين أو إلى الأطفال، غير أنّ لزومه لأدب الأطفال أشدّ، لأن حوّاسّ الطفل شديدة الاستجابة لعناصر التجسيد.

ومما لا شكّ أن أدب الطفل من الوسائل الثقافية والتربوية الهامّة التي ينبغي توظيفها بفعالية لتحقيق أغراض بيّنة ومحدّدة. وإذا كان البعض من الكُتّاب وكذا المهتمّين بأدب الطفل ما زالوا يعتقدون أن الكتابة للأطفال هيّنةٌ، ليّنةٌ، سهْلة المنال.. فإن هذا الاعتقاد خاطئٌ.. فمن المتّفق عليه أدبيا وتربويا أنّ ما يُكتبُ للطفل لا يكون للتسلية والاستمتاع الآني فحسب، بل لتقديم خبرات وقيمٍ ومواقف سلوكية تُسْهم في تهذيب شخصيته وبلْورة سماته الذاتية والاجتماعية، في إطار بناء الشخصية المتكاملة.. وذلك لأن كاتب ثقافة الطفل وأدبه هو مُــربٍّ شاء أم لم يشأ. وما يُقدم إلى الطفل من أعمال ثقافية.. أدبية لها أبعادٌ تربوية بما يتناسب مع طبيعة كلّ عملٍ شعري كان أم نثريٍ.

إن ثقافة الطفل بمكوناتها العديدة مجالها واسعٌ جدّا ولا ينحصر أدب الطفل  في المصادر المعروفة عندنا كالأسرة،  ودور العبادة، والمدرسة، بل هناك المكتبات العامة والخاصة، النوادي العلمية،الجمعيات الثقافية والشبابية، المتاحف، وسائل الإعلام المختلفة، قاعات تعلّم الحاسوب، قاعات الإنترنيت.. ولكن أضيف إلى هذه الوسائط والتكنولوجيات الحديثة، فقلّبت عملية التنشئة والتثقيف رأسا على عقب، ومكّنت الطفل من أن يكون مبدعا، منتجا للثقافة، مبدعا للنصوص، متذوّقا للأدب والفنّ، ناقدا..

كيف يمكن لنا التعامل مع هذا الباحث الصغير، مع هذا المبدع ؟ أمَا كان لنا من الأفضل له ولنا أن نطلّق تلك المقولة التي لا تزال تكبّلنا: بأن عملية التربية والتنشئة هي إعداد النشء للحياة المستقبلية، لنحلّ بدلها مقولة: لنتركْ أطفالنا ينعمون بحياتهم الآنية، فاتحين المجال أمامهم لاكتشاف المجاهيل دون خوْف عليهم من ناحية، ودون وصاية تتّسم بالتسلط.

أنعتبر هذا المبدع الصغير متلقيا للمعرفة ونحن الذين نختار ونقرّر؟ أم نعتبره مبدعا ومنتجا للثقافة بدوره؟ ما هي المجالات التثقيفية التي نعتبره فيها متلقيا، فنختار له نحن ما نراه أصلح له ولنا؟ وما المجالات التي نراه فيها مبدعا وناقدا ومنتجًا للثقافة؟

 

د. يسري عبد الغني

 

حاتم السروينحن ولا شك في زمن اللامعقول.. أرجوكم لا تحتكموا إلى أية معايير حين تخرجوا من الحكاية لتتأملوا ما فيها.. كلنا ينهمك في أعماله وأحواله؛ فإذا قرر أن يتأمل دخل في تعب القلب وسحق الدماغ؛ هذا الواقع لايقبل التفكير ولا ينصاع لأحكام العقل، وبالتأكيد هو محير لأعتى الفلاسفة، ولو بعث أرسطو من قبره ورأى ما نحن فيه فالأقرب إلى التصور أنه سيفضل العودة من حيث أتى!.

أيها السادة، هذا الواقع ليس للتفكير ولكن للتغيير، أرجوكم تخلوا عن الفيلسوف الذي بداخلكم وحاولوا أن تفعلوا شيئًا؛ فنحن محكومون بالأمل، والأمل دون عمل ضربٌ من الغباء.

وتحضرني في هذا المقام قصة فيلم، فيلم يدعو إلى الأمل، فرغم سطوة النازي وحالة الرعب والخوق والقلق والدمار، ورغم سيادة اللا معقول عادت ألمانيا ليس كما كانت وإنما أبدع وأجمل.

وتلك هي القصة:

امرأه متزوجة من ألمانيا تقيم علاقة غير شرعية مع رجل بولندي ، والزوج يعلم ويصمت ولا يبدو منه أي رد فعل، فيما الزوجة منشغلة بالتوفيق بينهما !، أما طفلها الصغير فيرقب هذه العلاقة الثلاثية الشاذة بعين الحيرة والتساؤل، وعندما يستحكم العبث ويتسيد الجنون يقرر الطفل بإرادته المنفردة ودون تدخل من أحد أن يوقف نموه حتي يظل طفلا بريئا لا يلوثه عالم الكبار الصاخب المركب الممتلئ بالدنس ، ونرى الطفل وهو يقفز من فوق سلم بيته الداخلي فيقع علي ظهره عامدا، وعندما يذهب والداه إلي الطبيب يخبرهما أنه لن ينمو بعد اليوم ،سيصبح طفلا أبديا مثل الولدان المخلدون..

بهذا المفتاح الفانتازي المحلق يبدأ (فيلم الطبلة) ذو الساعتين والعشرين دقيقة، والذي يظل بطله الطفل علي مدار أحداثه مجرد متفرج شأنه فقط أن يرقب عالم البالغين متحلياً بالصمت والوعي والاستياء الشديد، بينما تلازمه طبلة ينقر عليها بعصاه ولا يتركها حتى عندما ينام .

والجنون الذي يطل علينا من الأحداث الغريبة مضافا إليه النقر المستمر علي الطبلة  يضفيان علي جو الفيلم طابعاً مورستانياً يعطينا رسالة واحدة فحواها أن ألمانيا أثناء حكم النازي كانت تعيش حالة من الجنون المستعر، وأن المواطن الألماني كان مثل البطل الطفل الذي قرر أن يوقف نموه وأن يصمت تماما متخذاً موقع المتفرج.

إنه فيلم (الطبلة) الذي دخلت به ألمانيا الغربية مسابقة مهرجان (كان) السينمائي الدولي لعام 1979 وهو إنتاج مشترك مع فرنسا ، وكان طبيعيا أن يفوز فيلم كهذا بجائزة المهرجان الكبري مناصفة مع الفيلم الأمريكي (نهاية العالم الآن)؛ ذلك أن الطبلة عمل فني جيد علي كل المستويات ؛ فهو بدايةً مأخوذ عن رواية شهيرة للكاتب الألماني (جنتر جراس) الذي اشترك  بنفسه في كتابة السيناريو مع المخرج الألماني  (فولكر شولندورف) الذي يحكي لنا في يوميات إخراجه لـ (الطبلة) كيف أعاد كتابة السيناريو مراراً بطلب من (جنتر جراس)  وكيف ساهم الكاتب في جلسات كتابة السيناريو وصياغة الحوار حتي يضمن عدم الإخلال بروح روايته التي امتدت الي ٤٩٣ صفحة وقت صدورها عام ١٩٥٩، وفي الوقت ذاته يضمن عملاً سينمائياً خالصاً.

والطبلة وهو أحد الأفلام السينمائية المتميزة جاءنا كشحنة متدفقة من الأحداث والمشاهد المثيرة ، فيما بطل الفيلم لا يفعل أكثر من الفرجة مع ضرب الطبلة ، وإذا وصلت الأمور إلي ما يفوق الخيال وأضحى العبث في قمته وجدناه يطلق صرخه من حنجرته فتهشم ما يقابلها من زجاج (الأكواب،النظارات، أعمدة الإنارة، وزجاج النوافذ).

وبهذا تبدو الطبلة مع الصرخة وسيلتا احتجاج مكملتان لشخصية الطفل ذو الحجم الصغير  والعقل الواعي ، المراقب بروح ممتعضة لكل ما يحدث حوله .

نحن إذن أمام تركيبه رمزية متفردة تلخص حالة ألمانيا في سنوات حكم النازي وأهوال حروبه المدمرة..

 ومع نهاية الحرب وبعد انتحار السيد هتلر يقرر بطل الفيلم أن ينطلق وينمو ويتحرر؛ فيسمح لجسده بالنمو  ويلقي بالطبلة في حفرة بالأرض كأنما يدفنها ويدفن معها سنوات العجز والجنون التي عاشها الألمان تحت حكم النازي.

ولا ينسي اللوبي الصهيوني الضاغط أن يستغل فيلماً بهذه الجودة وهذا الإحكام لصالحهم ؛ لذلك  نري أحد الممثلين وهو المطرب الفرنسي (شارل أزنافور) في دور تاجر اللعب اليهودي صديق البطل الصغير الذي طالما عامله بكل الحب والحنان، والفيلم يظهر لنا اليهودي في ثوب المضطهد الذي يفعل الخير دائما فيحصد الشر في المقابل، وعلي سبيل المثال نراه يذهب ليشارك في جنازة أم البطل فيجد الجميع وهم ينظرون إليه باشمئزاز ثم يطردونه من المكان، ويجري وراءه صديقه الطفل حتي يهون عليه، ثم نرى التاجر اليهودي وهو يتعرض مثل كل تجار ملته للهجوم علي محلاتهم ونهب بضائعهم.

ثم يحاول المخرج أن يجرنا إلي التعاطف الشديد مع اليهودي عندما نري الطفل يغني بصوت مؤثر واصفاً ما عاشه من أهوال، وراثياً صديقه تاجر اللعب الذي نراه جثه هامدة علي أرضية محلة المنهوب وعلى وجهه ابتسامة، وطاقية اليهود علي رأسه.

ولكن هل يمكن أن نتعاطف مع الصهاينة بعد هذا المشهد؟ بالقطع لا ؛ لأن التاريخ يخبرنا بأهوال أفظع ارتكبها اليهود بحق العرب منذ نكبة ٤٨ وما بعدها ، ثم إن ألمانيا لو كانت قد أخطأت بحق اليهود فقد كفرت ولا تزال عن هذه الخطيئة، كما أن اليهود كانوا عبئاً على أوروبا لأنهم عاشوا فيها بلا إنتاج ولا منفعة ومثلوا طبقة طفيلية تعيش على الربا والرهونات وأحياناً كثيرة تلجأ إلى الدعارة واللصوصية؛ لذلك قرر الأوروبيون التخلص منهم عبر تهجيرهم إلى فلسطين وكان العرب هم الضحية.

 ولا تعدو مشاهد الرجل اليهودي في (الطبلة) أن تكون حلقة ضمن مسلسل الابتزاز الذي يمارسه اللوبي الصهيوني ومحاولة التأكيد أنهم أمة تتميز بالنبل والخير والذكاء لكنهم رغم ذلك مضطهدون والعالم كله يظلمهم، إنها صياغة جديدة لبارانويا شعب الله المختار الذي يتوجب علي الناس كلهم أن يتوبوا عن ظلمه وأن يتركوه في الوطن الذي اختاره أبناؤه (إسرائيل) أو (فلسطين المحتلة) ليفعلوا كل ما بدا لهم فهذا جزء من حقهم علي الجنس البشري الظالم الذي عاملهم بقسوة ...

والتقييم النهائي للفيلم حصيلته أنه قوي من حيث الفكرة باستثناء مشاهد الرجل اليهودي ومن حيث السيناريو والأحداث ناهيك عن قوة الحوار، وهو فيلم ناجح من حيث قدرته علي التعبير عن وضع ألمانيا إبان حكم النازي ولا نبالغ إذا قلنا أن الفيلم من أبدع تجليات سينما الفانتازيا واللامعقول

عزيزي القارئ قلت لك لا تفكر، لأنك الآن تقارن بين فيلم بهذه الجودة وهذا الإبداع وبين أفلامنا العربية، أليس كذلك؟ وأقول: السينما العربية - مثل العرب أنفسهم- تريد وقفة لتعرف أين هي وما الذي يتوجب عليها فعله؟ هل ستستمر في طاحونة التفاهة وثقافة قتل الوقت وقصص الحب اللزجة التي لا تناسب إلا المرهقين؟ أم ستنهض ليصبح الفن عندنا له قيمة وقامة؟ وإذا كان الفن غرضه الأول كما يرى البعض هو ترسيخ القيم الجمالية؛ فأين الجمال في سيل الأفلام والمسلسلات التي نراها؟ ولو كان الفن للمجتمع فالمجتمع مظلوم ولا شك، باختصار نحن في حاجة إلى فن سينمائي يكشف ويرصد ويحلل ويحفز على التغيير، وإلا فإن المشاهدة هي عين اللامعقول ..

 

حاتم السروي