رشيدة الركيكعادة نتكلم عن الأسر كمجال للتماسك الاجتماعي وعن العلاقة بين الأزواج وما يشوبها من طلاق أو تفكك أو هجران، لكننا اليوم من خلال الواقع اليومي نشعر بضرورة وأهمية إثارة موضوع له وزنه في مجال العلاقات الأسرية قلما ننتبه له وهو العلاقة بين الأخوة، وربما قد يكون سببا أساسيا في انحلال الأسر.

لن نختلف أن الأخوة من أرق العلاقات وأقواها وأقدرها على البقاء ومواجهة الصعاب يدا بيد، هي إذن صمام الأمان الذي  يحمي الأفراد من أي تفكك وتؤمن مصالحهم.

هذا التواجد  أكيد ما يجعل الشخص يشعر بالسند والامتداد الاجتماعي،بحيث أن وجود إخوة معناه وجود عم أو خال لأبنائي.

 أكيد أننا كإخوة  نتشارك الهوية والإنتماء من خلال الإسم العائلي وشجرة العائلة، كما نتشارك الممتلكات وحب الوالدين والأحداث في شكل ذاكرة أسرية . لكنها علاقة لا تخلو من الصراع  والشجار تصل لحد الغيرة  قد يليها التباعد أو الجفاء والنفور. ليتراكم الجليد وتتجمد المشاعر من كثرة البرودة داخل الأسرة  فتختفي معالم الأخوة والتصافي.

فما أساس تفشي ظاهرة الصراع بين الإخوة وانتشار التفكك الأخوي؟ لماذا يهجر الإخوة بعضهم البعض في شكل قطيعة؟

هل الحياة المادية والعلاقات البراغماتية طغت على علاقاتنا الأسرية، وأدت إلى البحث عن أصدقاء بعد هجران الأقرباء؟

إنها المرجعية الأسرية المشتركة والدلالات ومختلف التمثلات. لقد ارتوينا من نفس المياه ونبتنا في نفس التربة، ومع ذلك فهذا لا يعني أننا صورة متكررة لبعضنا.

 وإن كنا نعيش نفس الأحداث فإننا لا نفهمها بنفس الطريقة لأن كل واحد له حساسيته المختلفة تعكس حالاته المزاجية الخاصة وقاموس حياتي متفرد.

الحقيقة أن كل مجال للتشارك هو أكيد مجال خلاف واختلاف، بل هو أيضا مجال أخذ ورد. إنه مجال مشادات يتطور ليصبح مجال صراع، مما يؤدي إلى التباعد بعد كل محاولات تقارب. فكيف تتأسس العلاقات الأخوية منذ الطفولة؟ وهل تتخذ مظاهر أخرى عند الكبر مترجمة خبرة ومرحلة طفولية سابقة؟

حقيقة من المنظور التربوي نقول يكفيني الشعور بالأمان ليكون للأخ وجود ما يبرره، إنه الوجود الذي يخرجني من تمركزي حول ذاتي والخروج من مشاعري الإنعزالية.

من خلاله نتعلم التعاون والتشارك،تدرك الذات أن وجودها يكاد يكون لاغيا بدون هذا الانفتاح.

غير أن هذا الوجود تتخلله أكيد لحظات من المشادات منذ الطفولة المبكرة، وتنمو شخصيتنا في ظل هذا الأخذ والرد ومراجعة للذات بشكل يومي من خلال مواقف مختلفة تعدّهم لتحديات الحياة المستقبلية. إذ لاشك أن كل مشكل يشكل أزمة بالنسبة لكل شخصية. والأكيد أن كل أزمة كما أكد علماء النفس تقتضي وضع تصور لها من أجل حلها، وبالتالي فإن كل صراع سيمنح للفرد  فرصة لإغناء شخصيته، بل إنه يساهم  في تثبيت الأنا بلغة مدرسة التحليل النفسي.

عموما يتمظهر الصراع بين الإخوة في البداية بشكل جسدي بالتطاول على بعضهم بالضرب أو الاتهامات المزعجة،والدعاء بالسوء فتسطر الألقاب داخل الأسرة. ومع ذلك يبقى الشجار ضرورة له ما يبرره في حياة الفرد السيكولوجية.

 فالأسرة من حيث أنها النواة الأولى للتنشئة الاجتماعية فإنها مجال لتلقين المهارات الحياتية كمهارة التفاوض الناجح، ومهارة التواصل باستعمال اللغة بدل العنف  اللفظي والبدني، بل إن الطفل يتعلم كيف يدافع عن نفسه وعن موقفه. يتعلم أن الوجود الاجتماعي هو مجال الاختلاف الذي لا يعني ضرورة وجود الخلاف.

يتذوق الطفل طعم الشعور بالانتصار ويعرف معنى تقبل الهزيمة وفي ذلك مناعة سيكولوجية على اعتبار أن الإحباط مهم في التوازن النفسي والاجتماعي، بل إنه يدرك ضرورة تغيير أسلوبه في التعامل  والتنازل في بعض الأحيان من أجل التكيف السليم مع العالم الخارجي. وكأن الأخوة مدرسة أو قناة تعبر من خلالها مبادئ التواجد الاجتماعي الإيجابي بالتدرب على مهارة النقد والتقييم الذاتي وفي ذلك تطوير لقدرات الفرد وتنمية لملكاته.

 لكن متى يصبح وجود الأخ يشكل تهديدا لوجودي أنا، ومصدر قهر وتدمر تكون أرضية خصبة لعلاقات مستقبلية متوترة، بل وقطيعة تتفجر في شكل أزمة علائقية عائلية؟

ألا يمكن أن يكون التدخل غير السليم للآباء سببا في حدوث تنافر وجفاء في المستقبل؟

 مما لاشك فيه تلعب الظروف في تحديد أية علاقة سواء بين الأبناء مع بعضهم البعض أو بين الأبناء والآباء، وتتأسس روابط لها ما يبررها: كحالة معاناة الإبن من مرض يكون تعاطف الوالدين معه والاهتمام الزائد به أمرا طبيعيا...وتتعدد القصص بتعدد الحالات.

ويبقى السؤال المشروع: هل يمكن أن نحقق هذا التوازن في التعامل مع الأبناء دائما؟

 ألا يمكن أن نتكلم عن حظ البعض دون الآخر، أو ربما قدرة أحد الأبناء على استمالة الآباء والإستفراد بحبهم الزائد والدفع بالآخر في الهامش، لاغيا وجوده متجاهلا حقوقه وأحاسيسه؟

سننطلق من كون أن كل فئة عمرية أكيد لها متطلباتها وحاجاتها السيكولوجية، ويبقى تباعد السن بين الإخوة قد يشكل أحد أسباب الصراع، فهذا طفل صغير يتم التغاضي عن زلاته وتجاوزها، وفي المقابل التدقيق في كل ما يفعله الكبير، وكأن معايير السلوك تتخذ أشكالا وتزركش بألوان لتبرير السلوك وتقبله.

 ولكن ثم ولكن سيكبر هذا الصغير وستكبر امتيازاته لتصبح حقا مشروعا، فيعتاد كلا الطرفين على هذا الوضع: لقد اعتاد الأول على التضحية بينما اعتاد الآخر على أي الأخذ سواء كان ماديا أو معنويا.

وهكذا فمثلما يتم التمييز بين الإخوة على أساس السن أيضا يتم التمييز بينهم على أساس الجنس أو من هو أكثر جمالا أو ذكاء... والواقع كما أكد فرويد رائد مدرسة التحليل النفسي الأمور لا تنسى ولكن تكبت، ويبقى المكبوت ينتظر الأحداث والأشخاص ليظهر من جديد، ولكن بصورة أقوى من الماضي بفعل التراكمات التي حفرت طريق التذمر وكل المشاعر السلبية منذ الطفولة .

و أمام هذا التفاوت في الإمكانات والمهارات بين الأبناء، قد يتدخل الآباء في الصراع فيرى فيه أحد الطرفين تحيزا والذي يعني الحب الزائد للطرف الآخر، وبفعل التكرار تتولد مشاعر السلبية من بغض وحسد وكراهية كمشاعر مدفونة في أعماق الطفولة، نجد لها صيتا عند الراشد لينطق الطفل بلغة الراشد، فتطفو تلك المشاعر وتظهر العداوة والقطيعة بين أسر الإخوة الذين أصبحوا أباء اليوم، ليمتد الوضع على مستوى الأجيال.

والحاصل أننا نعيش أحاسيس ترسخت بفعل التكرار، لتكرس معانات حقيقية تنتقل لأبناء لا ذنب لهم سوى هذا الإنتماء، وربما عليهم أن يتكلموا باسم ماض لم يعيشوه لتتوتر العلاقات من جديد، فتصبح تاريخا أسريا كل يتكلم عنه من أرشيفه الخاص، ويجتره بأحاسيسه العميقة كجزء منه لا يستطيع نكرانه.

ومهما يكن الحب الذي قد نحاول تقديمه للتعويض فيما بعد، فإنه سيكرس الوضع وسيؤكده، ذلك أنه في  كل إنكار تأكيد وكأن الصلح مع الماضي لن يأخذ طريقه إلا بالتصالح مع الذات من جديد والتخلص من ألم سبب في توتر أو قطع العلاقات وجفائها.

 ولا يمكن وضع الماضي موضع نقاش كل واحد عاشه كواقع صارخ لازال صداه في أذنه وإن تجاهله وحاول تناسيه.

واقع الأسر اليوم يدعونا للتفكير فيه من أجل الحفاظ على التماسك الإجتماعي والدعوة إليه، ربما من خلال الوعي بالوضع والدعوة إلى القيم الإنسانية السامية. ولا شك كل ذلك في مصلحة الجميع، لأن المكون الأسري والعلاقات الإجتماعية الإيجابية مهمة في التوازن النفسي والعيش الأفضل وإلا ستعيش الأسر هذيانا.

هو هذيان من طبيعة  سيكولوجية،يعني نوعا من التفكير الإنساني في صورته المرضية بمعنى صورة الضياع وإعادة تشكيل غير سوي للفكر، فهو عرض أساسي للمرض ومهم في فهم البنية المرضية للشخص.

لكننا حين نتكلم عن هذيان الأخوة فهو أكيد من أجل فهم البنية المرضية للأسرة وبالتالي المجتمع. إنه الفكر الحامل لأحاسيس سلبية تتشكل في سلوكات اجتماعية غير سوية.

وإن استعصى علينا تحقيق السعادة الأسرية والعائلية، فإن المطالبة بها والسعي وراءها أمر مشروعا وضرورة ملحة حتى ولو في حدود المستطاع، وإن كانت العلاقات المادية هي ما يطغى على الجميع رغم تحقيقها لنوع من الرفاهية في العيش دون راحة وهدوء نفسي أكثر ضرورة.

فكم من أخ متسلط عنيف ينفرد باتخاذ القرارات المصيرية، فيتصرف في الأملاك ويستولي على الإرث، متصرفا بشكل أناني مستغلا هذه العلاقة الأخوية ومبتزا لكل ضعيف، وتبقى الأخت هي آخر من يجب المطالبة بحقها في مجتمع ذكوري، لينطبق عليه المثل "حاميها حراميها"، فتدخل لبيت أخيها كأنها غريبة وتعود حزينة باكية متحسرة، تشكي للغريب بغبن عن أخ كان عليه أن يكون مصدر حماية وأمن. بل وبكل وقاحة يلومها وينتقدها عندما تطالب بحقها في المحكمة بعدما يئست من أخوة كاذبة.

عموما نعيش اليوم هذيانا أسريا وتفككا يتوه الفرد في متاهات، مما سيزيد الفرد انفرادية وانعزالا لن يرمي به إلاّ في براثين الضياع والضعف والضغط الإضافي، والذي لن يتجاوزه إلا بالتواجد الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية الإيجابية.

إلا أن الهذيان الأسري قد يكون له وجوها مختلفة غير الصراع،هو تحمٌّل البعض أخطاء البعض الآخر، وتستمر الأخوة على حسابهم، ويفضل الآخرون الإتكالية والكسل دون أية مبادرة لاعبين دور الضحية وقلة الحظ، وباسم الأخوة يفرض مساعدته اللانهائية دون أية محاولة حتى لإنقاذ نفسه، وسيستمر الضحية الحقيقي من ينشد التماسك الإجتماعي الظاهر...

والحقيقة كان على الأخوة أن تبنى على أسس متينة غير ما نراه حاليا من بناء مهدد بالانهيار.بناء أساسه الحب والمودة والرحمة ليقينا من كل تصدع أو تفكك.

 لازلنا نأمل ذلك إيمانا منا بضرورة تأسيس مجتمع متماسك، يشكل فردا متوازنا قادرا على تحقيق سعادة فردية بعلاقات أسرية سليمة.

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

لالة مالكة العلويالجزء المحذوف من كلماتنا، الأحلام التي لا نخبر عنها أحداً، النظرة التي نحتفظ بها حتى نستدير، هي نحن في الحقيقة. "وليم شيكسبير"

أثناء تحليلنا لنص سردي.. انزعج متعلمو الجذع المشترك العلمي كثيرا من تنكر الأم لعزيز الابن الذي هاجر بلدته إلى فرنسا لمدة ثلاثين سنة دون أي شكل من أشكال الاتصال..

(- عزيز مات ودفناه منذ ثلاثين عاما.،، وأغلقت الباب وسمع خطواتها تبتعد...) فُتح الحوار تبادليا بين مجموعة الصف...

عبر أحمد عن مسؤولية الأم في قطيعة عزيز وانقطاع أخباره عنها..كما رفض أحمد حكم الأم بموت الابن دون سماع مبرراته..

وقالت آية: يجب إعطاء فرصة لعزيز حتى يبرر غيابه، قد يكون السبب قاهرا!!..

عماد الدين: لماذا ينسى الآباء حق الأبناء في استقلاليتهم واختيار مسارهم بعيدا عن سلطوية الآباء وتحكمهم

خديجة: لو أن الأم كانت طيبة معه، ووفرت له احتياجاته لما غادر كل هذه المدة دون أن يتصل

ملاك: أرى أن المسؤولية تقع على عاتق الأم، قد تكون ربته تربية غرست فيه الأنانية وحب الذات، فكبر ورمى كل شيء خلفه بلامبالاة..

ياسر: ما بالكم؟! وأين حق هذه الأم؟! عزيز جاحد.. مهما كانت ظروف عزيز بفرنسا لا شيء يشفع له انقطاعه عن والدته.. أتفق مع الأم وقرارها صائب.. غيثة تُزكِّي رأي ياسر وتدعمه..

عبد الحميد: أرى أن الجواب يكمن في قوله تعالى: " إنه عمل غير صالح " ...

كل هذه الآراء والأفكار أشعرتني بالفخر والاعتزاز وأنا أتتبع حلقة النقاش الدائر بين مجموعة الصف وكل متعلم يعبر عن ذاته ويؤكد عبر تدخله سعيه إلى تطوير شخصيته.. من خلال قصة عزيز وعلاقة الآباء بالأبناء ومسؤولية كل طرف..

أحسست بمسؤولياتنا نحن الأمهات والآباء.. الأستاذات والأساتذة في خلق تلك البيئة التي تحتضن " تطوير الشخصية" فإما أن نقابل فعل التطوير بالإحباط وعدم الإيمان، أو نحيطه بالاهتمام والثقة فنغديه ونعززه وأهم الخطوات: التقبل - أن نكون مساندين غير متحكمين- أن نعمل على التخطيط والتنظيم- خلق مساحة من الحرية- التحفيز وتنويع وسائل وسبل التوجيه...

وبالعودة إلى عزيز بطل نصنا السردي، ( الذي أصر المتعلمون على عدم تقبل فرضية أو احتمال أن المرأة العجوز يمكن أن تكون زوجة وليست أما لعزيز ) بالعودة إلى مقتطف النص، فتدخلات المتعلمين كانت مميزة استنادا إلى الزاوية التي انطلق منها كل منهم.. وكلها تدفعنا نحن الأولياء إلى ضرورة توجيه وتربية أبنائنا بل وتعويدهم على تحمل المسؤوليات.. في البيت في المدرسة.. في مواقف حياتية لمواجهة الابن لأخطائه ومحاولة حلها، مع ترك مسافة يتابع من خلالها الولي تصرف الابن/ البنت.. تحمل المسؤولية يجعل أبناءنا أقوى ويعينهم على مواجهة ما سيعترضهم في المستقبل، ويساعدهم على التفكير في الآخرين بأنانية أقل وفاعلية أكثر.. بل ويساعدنا نحن الأولياء من الاعتماد على أبنائنا.. لأننا بحاجة لجيل مسؤول وليس جيلا اتكاليا أو معاقا..

دروس الحياة صادمة هي أقل مراعاة وأكثر قسوة.. فَلْنُعِنْ أبناءنا عليها ولْنُرَبِّهم على الإقدام لمجابهتها.

 

لالة مالكة العلوي -  شاعرة وباحثة مغربية

 

مادونا عسكر"إنّ الوصم بتهمة الجنون وسيلة معروفة وناجعة للتّهميش الاجتماعيّ، تغني عن أيّ نقاش آخر" (مقدّمة كتابات منسيّة- أنتيا زيغلر)

استوقفني الفصل الأخير من كتاب "تربية" للمفكّر المصريّ سلامة موسى المعنون  بـ "ذكريات من حياة ميّ". ولعلّه أسوأ ما كُتب عن ميّ زيادة، إذ إنّه يُختصر في كلمة واحدة، "اللّاإنسانيّة". ولست أدري السّبب الّذي دفع سلامة موسى لإدراج هذا الفصل في كتاب سيرة ذاتيّة يحكي فيها فصولاً من مراحل حياته ويروي تاريخ العصر الّذي عاش فيه وتاريخ مصر والتّقلّبات الفكريّة والسّياسيّة ومؤّلّفاته الّتي وجّهته. ولئن كان عنوان الكتاب "تربية" ونوعه سيرة ذاتيّة، فلا ريب أنّ موسى أراد أن يروي كيف تطوّرت تربيته في شتّى مراحل حياته. ولكن، لماذا أقحم في الكتاب "ذكريات عن حياة مي"؟ وماذا أضافت هذه الذّكريات إلى تربيته أو ماذا تضيف إلى القارئ إذا ما كان موسى يرمي إلى أن يستفيد القارئ من خبراته الشّخصيّة؟ فالذّكريات الّتي رواها عن ميّ شوّهت صورة أديبة كان لا بدّ من أن تترسّخ في ذهن القارئ من جهة عبقريّتها الأدبيّة والفلسفيّة والفكريّة بدل أن يترك له صورة مشوّهة تتناقض كلّ التّناقض مع صورة أعمق وأجلى نستدلّ عليها من خلال مقالات وأدب وفلسفة ميّ.

إنّ مسؤوليّة الأديب والمفكّر تكمن في البحث في النّتاج الفكريّ والأدبيّ، ومسؤوليّته تقتضي الحفاظ على التّراث الثّقافيّ. غير أنّنا نرى  الأستاذ سلامة موسى ينقل صورة عن ميّ زيادة في أيّامها الأخيرة يستدعي بها شفقة القارئ الّذي يحسب غالباً أنّ كلّ ما يقوله المفكّر حقيقيّ.

يستهلّ الكاتب هذا الفصل بفقرة ترسم شخصيّة ميّ أخرى غير تلك الّتي تفرض نفسها بقوّة في مقالاتها الأدبيّة والفلسفيّة والنّقديّة. إذ فيها تبرز شخصيّة ميّ القويّة والفذّة. يقول الأستاذ سلامة: "عرفتها في 1914 وكانت حوالي العشرين من عمرها، حلوة الوجه مدلّلة اللّغة والإيماءة، تتثنّى كثيرًا في خفّة وظرف. وكان الدّكتور شبلي شميّل يحبّها ويعاملها كما لو كانت طفلة بحيث كانت تقعد على ساقيه. وكان يؤلِّف عنها أبياتًا ظريفة من الشّعر للمداعبة وما هو أكثر من المداعبة." وإنّي لأتساءل عن سبب ذكر هذا التّفصيل عن شبلي شميّل وميّ زيادة إن صحّ. ويضيف: "وكنت أصدر في ذلك الوقت مجلّة أسبوعيّة باسم المستقبل. وكنت أنا وشبلي شميّل على نيّة معيّنة مبيَّتة في إصدارها من حيث مكافحة الخرافات الشّرقيّة. ونشرت في أحد أعدادها حديثًاً مع مَي أطريتها فيه إطراء عظيمًا. وكان القارئ لكلماتي يلمح أكثر ممَّا يرى من الإعجاب الأدبيّ، ولكنّي مع ذلك حرصت على أن يكون إعجابي بها أدبيًّا فقط؛ ولذلك لم أتعمّق ميّ في تلك السّنين. وكانت أحاديثي لها اجتماعيّة أكثر ممّا كانت سيكلوجيّة." وكأنّ الأستاذ سلامة لم يكن في الأصل يبدي اهتماماً لأدب ميّ وهو نفسه القائل عنها في مقدّمة كتابها "المدّ والجزر": "وهناك أسف واحد يعتري الإنسان كلّما قرأ كتابًا لمي، وهو أسف شبيه بالغبطة؛ فإننا نغبّطها جميعًا لذكائها وسعة ثقافتها، ونودّ لو نجد عددًا كبيرًا من فتيات سوريا ومصر يقتفين أثرها في خدمة الحياة القوميّة العربيّة والعمل على رقيّها ورفعها، ولسنا نطمع في أن نجد من تساويها، ولكنّنا نودّ أن نجد من تدانيها."

من العجب أن يكتب أدباء ومفكّرون عن أديب أو عالم أو شاعر أفضل المعاني وهو حيّ يُرزق ثمّ يستفردون به بعد موته ليهشّموا صورته ويميتونه مرّةً ثانية في ذهن القارئ. فالأستاذ سلامة الّذي لم يطمع في أن يجد من يساوي ميّ يذكر في هذا الفصل أنّ ميّاً كانت على ثقافة واسعة في الأدب الفرنسيّ والإنكليزيّ. وكانت تتحدّث اللّغة الفرنسيّة والإنكليزيّة. وكانت إلى هذه الثّقافة النّادرة موسيقيّة وعلى دراية بكبار الموسيقيّين. إلّا أنّها لم تكن تبالي بالعلوم. ولم يكن يجد بين الكتب الّتي حفلت بها كتاباً واحداً في العلم. فاعتبر ذلك نقصاً في ثقافاتها لذلك كانت حين تؤلّف بقلبها وعاطفتها.

كيف لم يتنبّه الأستاذ سلامة إلى مقدّمة ميّ زيادة في كتاب الدّكتور يعقوب صرّوف "فصول في التّاريخ الطّبيعيّ من مملكتيّ النّبات والحيوان"؟ (كتابات منسيّة- ص841) ألم يقرأ مقال "كيف نقيس الزّمن" (مجلّة الزّهور- 1913- الأعمال المجهولة لميّ زيادة- جوزيف زيدان – ص 58)، ومقال "أربعون يوماً بعد وفاة أديسون" (كتابات منسيّة- ص 425) وغيرها من المقالات الّتي لعلّها ضاعت كما ضاعت مقالات كثيرة لميّ زيادة؟

ولئن تحدّث الأستاذ سلامة عن التّعمّق السيكولوجي الّذي لم يقم به إبّان معرفته لميّ، أورد في هذا الفصل أنّ ميّاً عاشت بالعاطفة دون التّفكير في المستقبل: "وخاصةّ هذا المستقبل البعيد حين يذوي الشّباب وتحتاج كلّ فتاة إلى حكمة العقل إذا ما ذهبت عنها حلاوة الوجه. وأهملت الزّواج والأمومة إذ كانت لاهية بشبابها تتلألأ أمام أضيافها الكثيرين كلّ مساء وكلّ هؤلاء الأضياف من الباشوات الأثرياء أو من الأدباء الأثرياء أو من الأدباء المعدمين. وكلّهم كان معجبًا وإن اختلفوا في مواضع الإعجاب...  وكانت مخطئة. وكان خطؤها خطأ الحياة. وكثير من النّاس يفهم النّجاح على أنّه نجاح الحرفة أو الثراء أو الجاه، ولا يفهمه على أنّه نجاح الحياة كلّها، نجاح الصّحة الّتي نعيش بها إلى يوم الوفاة، ونجاح الفلسفة الّتي توجّهنا في هذه الدّنيا، ونجاح الحرفة الّتي نحصّل منها العيش الإنسانيّ، بل كذلك نجاحنا في البناء العائليّ والبناء الاجتماعيّ."

لم يتحدّث أحد مثلما تحدّث ميّ عن البناء العائليّ وأهمّيّة الأسرة وتأثيرها في المجتمع والوطن. وحيت دعت إلى حرّيّة المرأة شدّدت على حرّيّتها الّتي تعود بها إلى المنزل والاهتمام بالعائلة. ولم يتحدّث أحد عن رصانة المرأة واتّزانها المعرفيّ والعقليّ بدل الانغماس في التّبرّج والأحاديث السّخيفة وإهمال أولادها كما فعلت ميّ. ولا يذكر الأستاذ سلامة أنّه نصح ميّاً أو دلّها على خطئها أو حثّها على الاهتمام بالمستقبل. بل إنّه يشرح أنّ شخصيّتها اضطربت عندما رافقها صراع داخليّ مزّق قلبها على الشّباب الذّاهب. فشرعت تخلط بين الحقائق والأوهام وتطلّ من نافذتها فتجد من يتربّصون بها بغية خطفها. ممّا دفع أهلها لحملها إلى لبنان خوفاً عليها فقادوها مقيّدة إلى مستشفى أو مارستان حيث بقيت سنوات ثمّ عادت إلى مصر. ولم يأتِ الأستاذ سلامة على ذكر عرقلة إلغاء الحجر عن ممتلكات ميّ في مصر بعد أن ألغي الحجر على ممتلكاتها في بيروت. (مأساة النّبوغ- سلمى الحفّار الكزبري – ميّ في الفريكة في جوار أمين الرّيحاني- ص 325) وتورد السّيدة سلمى كلّ مخطوطات الرّسائل الّتي تبادلها "المنقذون" كما سمّتهم ميّ، مع الجانب المصريّ.

يبدو أنّ الأستاذ سلامة يبرّئ أقارب ميّ ممّا فعلوه في حين أنّ ميّاً عانت ما عانته بفعل ظلم شديد وقع عليها منهم. ونراه في فقرة أخرى يروي أنّه زار ميّاً في مصر مع الأديب أسعد حسني الّذي كان صديقاً له. وآلمه أن شاهد ميّاً امرأة مهدّمة كأنّها في السّبعين، قد اكتسى رأسها بشعر أبيض مشعّث. وظنّها الخادمة، وانتظر أن تتنحّى ليدخل وصديقه. ويصف لنا الأستاذ سلامة ميّاً أشقى وصف، ويحدّد لنا ملامح اضطرابها وانهيارها. كأنّ يقول: "وقعدنا نتحدّث، فروت لنا كيف خطفوها من القاهرة إلى مارستان العصفوريّة في لبنان، وكيف كانوا يتربّصون بها على مقهى قريب في الشّارع القريب من منزلها. ثمّ شرحت لنا ما كابدته من عذاب في هذا المارستان، وجعلت تلومني لأنّي لم أسأل عنها. وتدفّقت دموعها كما لو كانت ميازيب. وجرى بكاؤها في تشنُّجٍ كأنّها كانت تلتذُّه. ثم هدأت، وأشعلت سجارة وجعلت تدخّن وتنفخ دخانها عليَّ مداعبة لأنّي أكره الدّخان، وهنا استولى عليها طرب فشرعت تضحك في إسراف يزيد على إسرافها في البكاء. وكانت تتشنّج بالضّحك كما كانت تتشنّج بالبكاء".

ميّ لم تستقبل أيّ شخص لم يسأل عنها. وبالعودة إلى "مأساة النّبوغ" ص 421، إبّان عودتها إلى مصر، نقرأ الآتي:

"وفي ذلك الصّيف استقبلت ميّ صحافيين مصريين أثبتا لها أنّهما كانا يتلقّفان أخبارها إبّان محنتها هما الأديب الصّحفيّ الأستاذ أسعد حسني رئيس تحرير مجلّة "العالم العربي" الّتي أنشئت بعد وفاة ميّ، والصّحفيّ طاهر الطّناحيّ. كان أسعد حسني قد عرفها في سنة 1932 فروى أنّه ذهب لزيارتها بعد رجوعها من لبنان قال: (طرقت باب بيتها فلّما فتحته ورأتني قالت:

- إنّي يا سيّدي لا أقابل أي إنسان لم يذكرني في محنتي!"

قلت:

- "ومن يدريك يا سيّدتي أنّي لم أذكرك؟ خذي هذه المجموعة من  الصّحف تجدي فيها كلّ ما كتبته عنك خلال غيبتك عن مصر".

وضحكت ميّ وهي تمدّ يدها لأخذ الصّحف ثمّ قالت لي مازحة:

"إذن ادخل... فقد جئت ومعك جواز المرور!"

فكيف يدّعي الأستاذ سلامة موسى أنّه زارها مع الأديب أسعد حسني؟ وكيف يذكر أنّها كانت مصابة بلوث عقليّ جعل تصرّفها شاذاً؟ وكيف ينقل لنا هذه الصّورة المقيتة المثيرة للشّفقة عن ميّ؟ في المقابل يقول الأديب اللبنانيّ مارون عبّود لمّا زارها في الفريكة: "إنّ في صمود تلك البنت المقهورة في وجه المصائب الّتي حلّت بها ما يذكّر بصمود الصّفصاف في وجه العواصف، ويدعو إلى الإعجاب بقوّة شخصيّتها، وقوّة إرادتها، وروح الدّعابة، وعزّة النّفس...". (مأساة النّبوغ- ص 372).

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الحسين شعبانمنذ الصباح الباكر أجلس في المقهى:

طنجة تستيقظ

لست أنا من يوقظ طنجة

من قال: الحلمُ ينام؟

...

...

...

طنجة سيّدة الأنوار السبعة

أغنية البحار

سعدي يوسف

من قصيدة طنجة -"ديوان طنجة" 2011

إذا كان " الحب من أول نظرة"، فعشق طنجة من أول زيارة،  فتهيم غراماً بها وتزداد عشقاً لها كلّما اكتشفت مكنونات روحها بما فيه من سحر وألغاز، وحسب بربارا هايتن "طنجة هي الحياة"، وكما كتبت على لوحة رخامية في منزلها " الجنة هنا.. هنا.. هنا" وهي تعني طنجة .

الألوان والأنغام تختلط في طنجة، وما الحياة سوى لون ونغم، "وحق الهوى أن الهـوى سبب الهـوى .. ولولا الهوى في القلب ما وجد الهوى"، كما يقول محي الدين بن عربي، فالزرقة للسماء والبحر، والخضرة تكسو الوديان والسفوح مطرّزةً بالأصفر والوردي، حتى لتبدو طنجة وكأنها حديقة أو غيمة سندس تفوح منها كل الأطايب، وتتفرّع على جانبيها أزقة وبيوت وأبواب ملوّنة تشمّ منها عبق التاريخ.

منذ أن قرأت "الخبز الحافي" هامت روحي بطنجة، فقد كان الروائي محمد شكري بارعاً بجنونه الفائق وعوالمه الليلية والنهارية الشائقة وشخصياته الهامشية الفاتنة التي روى حكاياتها التي تُحكى ولا تُحكى، فعدتُ أفتش عن "مجنون الورد" و"الخيمة" و"غواية الشحرور الأبيض"، مقتفياً خطاه  في المقاهي والحانات، من مقهى الحافة إلى مقهى الرقّاصة  في السوق القديم وصولاً إلى مقهى باريس ومقهى روكسي وغيرها، وهكذا بدأ الحبل السرّي بيني وبين تلك المدينة الساحرة.

واجتذبت طنجة عدداً كبيراً من كبار المبدعين الذين  تردّدوا عليها وعاشوا فيها مثل جان جينه والبرتومورافيا وأرنست همنغواي والجواهري وأدونيس وسعدي يوسف وخوان غوتيسولو ومارسيل خليفة وغيرهم، ولكل قصته وعشقه. ومن أزقة طنجة بزغ ابن بطوطة ليلفّ العالم، ثم يعود ليرقد محتضناً أطالس الجغرافيا وكتب التاريخ وحكايات المجتمعات المتنوعة والشعوب المتمايزة.

هكذا تتبدّى لك الأندلس حتى لتشعر أن  العالم كله في عهدتك،  فـ "المدينة الحلم"، حسب بول باولز، صوّرها الرسام هنري ماتيس في لوحته الشهيرة العام 1912" نافذة من طنجة"، الموجودة حالياً في متحف بوشكين في موسكو وعلّق عليها قائلاً: طنجة " جنّة الرسام" و"المرآة المفتوحة على العالم". ومكث ماتيس في فندق فيلا دي فرانس، وصادف في إحدى زياراتي لطنجة أن نزلتُ في الفندق ذاته وبجوار غرفته الرقم 35 وطلبت حينها من عامل الفندق أن يفتحها لي، فوجدت الضوء يملؤها من جميع الجوانب.

وتعلّق الجواهري هو الآخر بطنجة التي وصفها بأنها مدينة " الدلال والغنج"حيث  ينطلق الليل من جفنيها، وينفرج الصبح عن نهديها، وذلك حين زارها في العام 1974، وقصة الجواهري مع طنجة مثيرة وملتبسة وسأعود إليها في وقت لاحق.

فكيف حلّ ماركس ضيفاً على طنجة التي لم يزرها؟، لكن "للأفكار أجنحة" على حد تعبير ابن رشد، فقد زارت أفكاره طنجة وحلّقت فوق البحرين (البحر المتوسط والمحيط الأطلسي) حيث يلتقيان في طنجة في لقاء حميم لا مثيل له. وكانت "عودة ماركس" إلى طنجة عبر مهرجان ثويزا حيث دعيت للحديث عنها ، فاستعدتُ مقابلة لي في جريدة "أنوال" المغربية قبل ثلاثة عقود من الزمان، عن "أزمة الماركسية"، وهو الموضوع الذي توسّعت في تناوله بكتابين الأول "تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف " والثاني "الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية". فهل العودة إلى استحضار ماركس دليل طمأنينة أم إشارة قلق؟ وهل هو سؤال شك وأزمة أم جواب يقين وثقة؟

لكننا لسنا وحدنا من يعود إلى قراءة ماركس، فقد أخذ مدراء بنوك وشركات كبرى يشجعون على قراءته، فبعد أزمة العام 2008 كان كتاب "رأس المال"  الأكثر اهتماماً وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC  قد صنّفت ماركس كأحد المؤثرين في العالم  بين 100 شخصية.

والمهم كيف نقرأ ماركس والماركسية من بعده وأعني "المادية التاريخية" فقد كان هو الحلقة الذهبية الأولى فيها. أعداؤها حاولوا تأثيمها وأبلستها لأنها مثلت خطراً على مصالحهم الطبقية، أما أتباعها فصنّموها وألّهوها وربطوها بشخص ماركس ومن جاء بعده، حتى أن بعض أصحابنا أضفى عليها نزعة ريفية أو بدوية بالضد من جوهرها المدني الحداثي.

وإذا كان الأعداء والخصوم قد لعنوها وطاردوها، فإن الأتباع والمريدين كانوا عبيد النصوص، والنصوص كما هو معلوم منتهية، أما الواقع فمتغيّر، وهو لا متناهي، وبغض النظر عن منهج ماركس، فإن تعليماته كانت تصلح لعصره وقد تجاوز  الزمن العديد منها، فما بالك حين أخفقت بالتجربة، وإذا كان المنهج يقتضي قراءة الواقع، فلا بدّ إذاً من استنباط الأحكام منه، والمرجعية أولاً وأخيراً للواقع الملموس وليس للنصوص، والممارسة جزء من النظرية مثلما الوسيلة جزء من الغاية.

ولو عاد ماركس اليوم لأعاد النظر بالكثير من المسلمات والأحكام، خصوصاً في ظلّ العولمة والعصر الرقمي، حتى وإن تشبث المريدون بجعله أيقونة تصلح للمتحف. وتلك كانت جوهر مداخلة طنجة في فضائها الفكري المفتوح.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

محمد صالح الجبوريالكاتب الذي يطرح الأفكار والآراء ويرغب ايصالها إلى القراء يحتاج إلى مقدمة جيدةعن الموضوع، وهذه ينبغي أن تكون مشوقة ومتعة، وعباراتها الهادفة بحروفها ومعانيها الجميلة، الكاتب يحتاج إلى لغة سليمة، وأن يبتعد عن حشو الكلمات، القاريء صاحب الذوق يبحث عن الحرف الجميل، وتسحره الكلمات الراقية، الكاتب يجب أن تكون لديه معلومات وثقافة عامة، الكاتب هدفه إيصال الفكرة بأقصرالطرق، وان يبتعد عن الإطالة و التكرار، وخيرالكلام ماقل ودل، الخاتمة أن تكون مترابطة، مع الموضوع، وان يكون إختيار الموضوع موفقاً، وأن لا يشعرالقاريء بالملل و الضجر، الكلمة الهادفة لها تأثير على القارىء المتذوق، صاحب الحس العالي الذي يميز بين الجميل والقبيح، وخاصة عشاق الحرف الجميل، الذين تسحرهم الكتابة الهادفة، كل كاتب له اسلوبه، وطريقته في الكتابة، وكيف يجذب القراء لمتابعة كتاباته، وأن تنال كتاباته قبولاً عند القراء، وأحياناً يُعرف الكاتب من إسلوبه كما يقال، الكاتب هدفه خدمة القراء الذي ينتظرون كتاباته بشوق، وهذا يذكرني عندما كنت انتظر المجلات المفضلة، وأقرأ مقالات كتابها، القراءة غذاء الفكر،  المقالة تحتوي على مقدمة وعرض وخاتمة، وينبغي ان تكون بالمستوى المطلوب، اتمنى أن تنال مقالاتي إهتمامكم، مع خالص تقديري لكم.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

محمد جهاد اسماعيليجد المتابع لإصدارات دور النشر المصرية، والكتب الصادرة حديثاً، أن ثمة ظاهرة جديدة، تنتشر كانتشار النار في الهشيم، ألا وهي العناوين والمضامين التاريخية للروايات المصرية الحديثة. لقد بات واضحاً أن الروائيين المصريين - تحديداً فئة الشباب - يفضلون انتقاء العناوين التاريخية لرواياتهم، كما وينزعون لتناول المواضيع التاريخية، سواء المتعلقة بالتاريخ المصري، أو تاريخ الحضارات المحيطة، أو الميثولوجيا، أو الأديان القديمة وتكوين الكون وبدء الخليقة.

لقد أصبحت النزعة التاريخية لدى الروائيين المصريين المعاصرين تمثل موضة، أو ظاهرة واضحة المعالم. ونحن مدعوون هنا للتأمل والتفكير في هذه الظاهرة، ذات الحضور الطاغي في عالمنا الروائي.

علينا أن نسأل أنفسنا جملة من الأسئلة. لماذا الرواية المصرية المعاصرة مصابة بحمى المواضيع التاريخية؟، لماذا الروائيون المصريون مهووسون بالتاريخ لهذه الدرجة؟. هل هم يكتبون هكذا روايات استجابةً لذوق القراء؟، أم انعكاساً لثقافة ما تسود المجتمع، أم تقليداً للغير، أم تلبيةً لرغبات الناشرين أي لدواعي تسويقية.

مما لا شك فيه أن علم التاريخ - تحديداً بعد ظهور علم الآثار - صار علماً ماتعاً، يفك لنا الطلاسم، ويجود علينا بالكنوز، ويكشف لنا يومياً أسراراً مشوقة حول ماضينا الغابر وأسلافنا القدماء. وبالتالي فهو من أروع - إن لم يكن أروع - العلوم، التي يمكن توظيفها في مجال صناعة الأدب والرواية بالتحديد.

لكننا أمام ظاهرة غريبة، يظهر فيها التاريخ بشكل مبالغ فيه وزائد كثيراً عن الحد، ليبدو متسيداً، أو شبه متسيد، للرواية المصرية الحديثة. ما ينبغي على البُحاث والنقاد والدارسين فعله هو تحليل الدوافع التي أدت إلى نشوء هذه الظاهرة، سواء أكانت دوافع فكرية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو غير ذلك.

 

محمد جهاد إسماعيل - كاتب من فلسطين

 

"نجاحك يعتمد على احلامك ليست الاحلام التي تراها في نومك وانما في اليقظة"..انيس منصور

حلم اليقظة: هو الخيال الذي يلجا اليه الانسان لتحقيق رغبة ما عجز الواقع عن تحقيقها، لذا يلجأ الانسان الى الركون الى واقع افتراضي يرسمه لنفسه لتحقيق حلم طالما تمنى ان يكون واقعا ملموسا، فهو اذن ليس حلما بالمعنى المادي الذي يتطلب نوما عميقا، وليس مرهونا بصدفة او حدث او مشاعر داخلية اختزنها عقله الباطن تأتي على شكل حلم ليلا، بل انه هدف يود تحقيقه وهو بكامل يقضته، بل ويصر على ذلك عن طريق التخيل واغراق نفسه بتفاصيل دقيقة يضعها هو وفق سيناريو اعده لهذا الغرض وتلك هي ادواته لتحقيق هدفه..

وبما ان حلم اليقظة يخضع لقوانين الحالم نفسه، فمعنى ذلك انه قد يكون من الممكن جدا ان يتحقق بناءا على رغبته وارادته واصراره الشديد على تحقيقه، بل ان كثيرا من الاهداف في حياتنا كانت عبارة عن احلام يقظة-امنيات-كنا نتمنى ان نصلها وقد وصلنا اليها فعلا بسعينا الدؤوب، وذلك بتذليل الصعاب وتسخير الظروف المحيطة بنا واستثمارها احسن استثمار للوصول الى الهدف المنشود..

انا شخصيا اعتبر ان اغلب الاهداف كانت امنيات مؤجلة ليس لها وجود وبالتخطيط الممنهج والارادة والاصرار تحققت وخرجت الى ارض الواقع، لذا فان حلم اليقظة عملة ذات وجهين:الاول تحقيق رغبة ما للوصول الى هدف معين واخراجه الى النور وهذه حالة صحية تعود بالخير على صاحبها عن طريق تسخير كل الظروف للوصول الى المراد، اما الوجه الثاني هو ان يبقى الانسان في دائرة الحلم يتمنى ويتخيل فقط، بل ويندب حظه ويعيش حالة من اللاوجود المستمر رسمها لنفسه ليهرب من واقعه، كأن يتخيل النجاح اذاكان فاشلا ، ويتخيل الغنى اذاكان فقيرا وهكذا، ويبقى متقوقعا بدائرة الوهم يجتر اوهامه ويعيش عليها وهذه حالة مرضية ارتضاها الانسان الضعيف لنفسه من شانها ان تكبله وتقضي عليه..

من كل هذا نصل الى حقيقة مفادها ان كل موضوع مهما كان صغيرا اوكبيرا يحتاج الى خطوة اولى وان خطوة الالف ميل تبدا بخطوة ومع صعوبة الخطوة الاولى لكنها تكون المفتاح الحقيقي وكلمة المرور للدخول الى العالم الذي اختاره الانسان لنفسه ليكون ناجحا، تلك الخطوة هي الحجر الاساس الذئ سيبني عليه مشروعه الذي طالما حلم به وهو يقظا متجاوزا بذلك المصاعب والمطبات واضعا قدميه على ارض صلبة وصولا الى هدفه..

وعليه فالانسان يجب ان يكون مدركا لحقيقة حلمه ، مصرا على تحقيقه ولو بعد حين..

 

مريم لطفي

 

المُدُنُ كَفَاتِناتِ الجمالِ أَنَّى نَظَرْتَ إليهنَ، قَبَسْنَكَ  بِشُهُبِ فِتْنَتِهنَ، وأيانَ حَدَّقْتَ في أنحائِهنَ أَرْتَعْنَكَ تحت ظلالِ رُسُومِهنَ. والكُوفَةُ شقيقةُ أولئك اللواتي وَصَفْتَهنَ لَكَ؛ اسْمُها عَربِيُّ الحروفِ، وشريفُ الدلائل، وشأنُها  حيثُ جُند المسلمينَ اجتمعوا في قُبتِهم العراقيةِ الكُبرى، ودارِ هِجْرتِهم. وكانت قبلَ ذلك مَنْزِلَ النبيِّ نوح عليه السلام الذي بَنى مسجدَها الأعظمَ. حلَّ سَعْدُ بن أبي وقّاص وَكَتَائِبهُ بها في القرن السابع الميلادي، وهي لَمّا تَزْل تُرْبَةً حمراءَ، اختلطَ رملُها بالحصى، فاستدارَ واجتمعتُ الناس بِه ؛ وهي جُبيلٌ سُمِّي كوفان سَهَّلُوهُ وخَطَّطُوهُ لينزلَهُ الجُند. وها تَلكَ المَليحة العربية تتنوّعُ معاني اسمها وتتعددُ مرامي وَصْفِها، بيدَ أَنَّها جميلة لا تَبزَّ السنونُ طراوةَ مَجْدِها، ولا تَزيدها إلا أَلَقاً مُستمَداً من قَاطِنيها العرب الأُصَلاء من بني ربيعةَ و مُضَرَ ونزار اليمن. مَرَقَ نهرُ الفراتَ قِوامَها فَأَينعَ البساتين فيه، وأخصبَ تُرابَها، وأَلْطَفَ هواءَها. مَدينةٌ بِكْرٌ حَسْناءٌ لا تُعْدَمُ قولَ الحُسّاد، ونَعْتَ الأوغادِ، وشَرَّ الإفساد، اتَخَذَها أميرُ المؤمنينَ علي بن أبي طالبٍ عاصمةَ خِلافَتِه سِتاً من السّنواتِ، وهو عالِمٌ بِأيِّ أرضٍ سيصلُ قريشَ والمدينةَ، وعازمٌ على أَنْ تنهلَ دارةُ العراق الأولى من فِيضِ الإسلامِ وغورِ التأريخ. أَجل، فتاةٌ بعيدةُ المنالِ تهوى ثوراتُ الرجال الغِضابِ رَدَّها إلى حِماهم، فكانت أن التَهمَتْ كثبانُها سيوفَ القَرامِطَة البتّارة، ولم يطمسْ غُرَّتَها ثأرُ الحجاج بن يوسف الثَّقفي ولا ذُحْلُ المختار بن أبي عُبيدة الثَّقفي.

وما تستكفي مَلِيحةُ جنوبِ العراقِ أَن تَتَدَلَّهَ بجمالِها على سائر الأمصارِ العربية، وهل مِثلُها كِنانةٌ حَوَتَ أهلَ العلمِ والقراءة بالقرآنِ وفقههِ والعربيةِ وَشِعْرِها، حتى غَدَتْ مدرسةً لا يتعداها كلُّ دارسٍ لتلكَ العلومِ، ولا يمُرُّ مُنقِّبٌ عَنْ أصولِ التَمدن الإسلامي بها مَرَّ الكِرامِ فقط؟ في مَسْجِدها طلبَ عليُّ بن أبي طالب الحقَ للمظلومِ، وحكمَ بين أهلِها بالعدلِ حتّى قُتِلَ في محرابِهِ. وفي مسجدِها أيضاً قَرأَ الترمذي القرآنَ ومثله البخاري وأبو داوود السجستاني، وانتحى الكسائي أحد أروِقَتِهِ، لِيعلِّمَ تلميذَهُ الفَرَّاء النَّحوَ العربيَّ، وإليها قَصدَ أبو العباس ثعلبُ تاركاً مدينته بغداد، ومنها انبثقت شُعلةُ كيمياء جابر بن حيّان. صَدَحَت أيامَ الدولة الأموية والعبّاسية أصواتُ شعرائها: الطِّرماح ، ودِعْبِل الخُزاعي، والكُمَيْت، وأبو العَتاهِية، وشاغِل الناس بشعرهِ أبو الطيب المُتنبي في أبهى قراها: الغاضرية، والخورنق، وبانيقيا. جَرى المِدادُ في صحائفِها، فَرَسمَ حروفاً ذوات زوايا حادّةٍ ورؤوسٍ مجسمّةٍ كأنَّها أفاعي أُطلِق عليها الخَط الكُوفِيّ.

أيُّها القارئُ الكريمُ  إذا أَصْغَيتَ إلى نداءِ الرَّوْعةِ ، ولبيتَ دعوةَ البَهاءِ وَقَصدْتَ مليحتَنا، فَسَتَألَفُها، وَقد ظَاهَرَتْ مدينةَ النجف شريكتُها في الجمالِ وجارتُها في التاريخِ ، وترى عَينُكَ الفراتَ ضمَّ حدائقَها إلى جهتهِ الغربيةِ، وروى بساتينَ نخيلها وزروعِها بِعذْبِ مائِهِ. ولعلَّي أراكَ وأنتَ تطلبُ إلى أحدِ شُبانها أن يلتقطَ لك صورةً مجليةً زِيَّ رِجالها الذين اعتمرتْ رؤوسُهم بِكُوفياتٍ بيضاء خُطَّت بأسودَ الخيوط، أولئك الذين أَبوا أن تطأَ أقدامُ الغاصِب البريطاني مِهادَها، فَبَرَؤا بثورةِ العشرينَ شَكاتَها.

وها أنتَ هنالِكَ على شاطئ الكوفة الضَّيقِ تَشُمُّ عَبَقَ النسيمِ الملتاثِ برائحة الطين الأسمرِ أوانَ غروبِ الشّمسِ، وتسمعُ أغنية المَلّاحِ، وهو يترنمّ :

مَرينه بيكم حَمَد

وأحنه بقطارِ الليل واسمعنه دك إكهوه

وشَمينه ريحة هيل ... .

أما عِندَ الصُّبحِ الباكِرِ، فلا يَفُوتنَكَ مذاقُ كِسْرَةِ الخبزِ الذي فرَّ من لهبٍ سَجَّرتْهُ يدانٍ سمراوانٍ دَافا الفرحةَ والعَبْرَةَ بالكَيمرِ وعسلِ التمرِ، تلكَ يَدا العراقيّة الكوفيّة اللتانِ تحملانِ كِنانة العروبةِ، وتَمسَحانَ عن وَجهِ المَدينةِ غبارَ الخَرابِ الذي اعْتَلَقَها اليومَ.

 

سَحَر شُبَّر

2019 شَنْغَهاي

 

مامون احمد مصطفىتراودني أفكار غريبة، قريبة من الجنون، تنتهك اصوليات المنطق، وتهتك ستر الأشياء، كالطموحات الممزوجة بتوتر وغليان لا يهدآن، يقال أحيانا بان المس ينقل الانسان الى اقصى درجات الادراك والعمق، بعكس ما هو سائد في المفهوم المرعب للشعور المستتر خلف الخوف من الغريب والمستهجن، او بصورة اصح، خلف المستبد القاتل بسادية تمتزج بها النرجسية.

مثلا، فكرت ذات مرة ان احمل جسدي لأضعه على ناصية شارع مهجور غير مطروق، واتركه هناك انتظارا لمار او طارق، ربما عام، وربما مئة مليون عام، وكان علي ان اخضع روحي ومشاعري للبقاء في حالة يقظة مستمرة دون الشعور بالإعياء او الوهن والوسن، ولان طبيعة الجسد مرتبطة بالروح، شعرت بغصة وانفصام هائل اودى بذاتي الى معتقل الواقع والعجز، مرضت مرضا شديدا، وبكيت، اُرهقت كثيرا، وفجأة، شعرت بثقل هائل، قلت: استطيع ان احقق كل ما صبوت اليه، ليس فقط لمئة مليون عام، الى ازمان يعجز العقل عن احصائها، كل ما علي الانخراط بالجنون الاعمى والحلم المسحوب من مساحات الزمن.

أهكذا هي الأشياء، تحمل مسميات نعرفها دون ان ندركها؟ لم تكن حالات الجنون المتعاقبة التي توصلني الى مرحلة الهذيان والتحطم والتردم، بمنأى عن تفكيري بالقارئ، والكاتب الذي هو انا.

ماذا اريد ان اكتب؟ وماذا يريد القارئ مني؟ امران لا ينفصلان عن بعضهما ابدا، هناك الواقع الذي يسجل لحظات العمر، وهو امر يشحن المفردات والجمل بتقلبات ورجرجات كثيرة، تقنعني أحيانا باني وفقت في نقل فكرة او صورة او حدث الى مربع المكان والزمان، كثير من القراء يؤيد ذلك، اما انا، فبعد أيام من نشر عمل ما، اعود اليه مرة أخرى، فاشعر انه خال من الجنون والصدمة التي اردت، تنتابني كآبة ويشدني حزن، فاكتب شيئا جديدا اريد منه الانفلات من الواقع والمدرك، ليكون فوق حالة الجنون والتأرجح والانصهار، بحثا عن عالم لا يمت الى عالمنا بصلة، عالم له خصوصية التداخل والاشتباك والتناثر والتجمع والانفلات والتشتت، لا تحكمه حكمة او يزوره منطق، بل تتكون حكمته من تناقضاته التي تتناقض مع الحكمة والمنطق وتضاد، اعود مرة أخرى لأقرا من جديد ما كتبت، اشعر باني ما زلت استخدم ذات الحروف التي استخدمها سقراط وافلاطون، وهي ذات الحروف التي استخدمت برسم ما في عهود ما قبل التاريخ والتطور.

" أليس من الغريب ان الطرقات تصبح أطول عندما نشتهي الوصول" هذا ما يقوله قس بن ساعده، ومحمود درويش يقول " لم نفترق ...! لكننا لن نلتق ابدا ...!!"، هذا صحيح وينطبق على كل ما يمكن التفكير فيه، اللهاث المتواصل بين طرفي النقيض يشكل هاجسا نَتَغَياه من اجل الوصول الى الاقتران المطلق رغم عدم اللقاء، قس ومحمود اتفقا مع بعد الفاصل الزمني بإحساس الرياح وهي تعكف على نقل الطلع والبذور والرمال من الصحراء والشواطئ الى أماكن مجهولة حتى للرياح ذاتها، لكنهما من خلف العقل والوعي حملا المفردات معان لا تقال، لكنها تحس بشعور المجهول العاجز الكسيح.

هل هذا هو الادب الخارج من منطق الواقع والواقعية، وما هو تعريف الادب أصلا، اشهر التعريفات التي حاولت ان تعطي للأدب اطارا يمكن من خلاله فهم الصورة التي يحتاجها الكاتب والقارئ كانت تحاول عبر تطور المفهوم ان ترضي خلفيات المعرف والتعريف، وان تنزل عند غرور ونرجسية الكاتب والمتلقي، وما يمكن رصده الان من تعريفات معاصرة هي، النسبية، اللاأدرية، الذاتية، لكن هل تكفي كل هذه التعريفات حتى لو دمجت معا لتشكل تعريفا يضع المفهوم الشعوري وحالات التوتر والزخم والجنون والفصام الذي يجتاح الكاتب والقارئ ضمن بوتقة لا يختلف عليها، ليس في التعريف فقط، بل في طبيعة المُعطي والمُعطى، المَؤدي والمُؤدى.

اشك في ذلك، لأننا لا نستطيع مثلا اقصاء الرسام عن حالة من حالات الكاتب، وكذلك النحات، فهذا يكتب بمفردات اللون وذاك يكتب بمفردات الحجر، وكل منهما يحاول الوصول بالفكرة الى مرحلة من مراحل التعبير القصوى، ليس فقط لامتاع المتلقي، بل في محاولة مثقلة باليأس التخلص من توترات وتشنجات الفكرة التي تستعمر استعمارا كاملا منابت الشعور والاحساس الواعي وغير الواعي، وهذا ينطبق تماما على كاتب القصيدة والرواية والقصة والمسرحية، وهنا يتمحور السر الخفي الذي لا يمكن للكاتب او القارئ الادعاء او محاولة الادعاء بانه استطاع ان يدرك المعاني التوترية الوعرة التي تصلب محمود درويش على الواح العذاب والكآبة والعجز القاتل حين كتب رائعته لاعب النرد، وهو ذات السر الذي حاول سلفادور دالي ان يتخلص وينقله كوباء الى الناس في لوحاته المُعذِبة والمُعَذبة، وحياة الرسام بكل ما فيها من غرائبية تكاد تصل الى حد الجنون، تشير الى نوع من العذاب القادر على  الخلق والابداع في محاولة للتخلص منه والانتقال الى هدأة قصيرة مختطفة من زمن غير مرئي وغير موجود في مساحات الوقت التي يعرفها الكاتب والقارئ.

الكتابة بشكل عام، هي توق لتسجيل وقائعي للمستحيل على ارصفة واقعية، وجهد يسعى لتحويل الغامض الى معلوم محسوس، وبذلك يمكن ادراجها كمحاولات مستميته للتخلص من الذات والذوات التي تعيش في شخصية الكاتب وتتحكم بها بشكل مطلق اثناء الكتابة او بدونها.

هناك دراسات نفسية حديثة تتجه للتعمق في محاولة متقلقلة معذبة لفهم العلاقة بين الاضطرابات النفسية وبين القدرة على الابداع، وخلصت هذه الدراسات الى نتيجة تثير الفضول، حيث تؤكد بان درجات من الحالات الذهانية الفصامية والهوس الاكتئابي، التوحد، وحالات أخرى كالشك والنرجسية، تؤدي الى مرونة في التفكير وإطلاق الذهن في القدرة على التخيل وخلق أشياء من العدم، لكنها يمكن ان تقود في لحظة ما الى الانفصال الكامل عن مجريات المعتاد ليبقى المريض المبدع يخطو بقوة نحو اضطراب نفسي شديد لا يمكن الخلاص منه او العيش معه.

انا لا اشك بهذا ابدا، فهناك حالات لا يمكن اغفالها أو النظر اليها بعين مجردة، بل بمجهر عال الدقة، لكنه مجهر البحث عن البصمة الذاتية للتحولات والتقلبات والغليان المستمر لنوازع وصفات لا يمكن تجاوز عواصفها وعصفها، فأرنستو همنغواي مَثًل بشكل مباشر حالات التطور والتنقل بين الانا الضخمة التي تسيطر على الفرد بناء على ترسبات ذاتية متراكمة لتبني حالة مرضية قادرة على التعامل مع معطيات العبقرية والجنون في ذات الآن، فهو عاش رغم ثراء عائلته الفاحش النقيض تماما، وحاول من خلال التنقل والترحال ان يطارد هاجس الموت الذي يبرز من داخله ليدنيه اليه، لكنه فشل ونجح، فقد تعرض لأكثر من حادثة كادت تودي بحياته، نجا منها جميعا، لكنه وبعد أعوام، سئم من كونه حيا وربما شعر بان وجوده في الحياة اكثر وقعا وايلاما من موته، لذلك عاش فكرة الانتحار بواقع مرضي فيه الكثير من الجنون، وبلحظة هادئة وادعة نزل من الطابق العلوي، وانتقى بعناية فائقة اجمل وافخم بندقية مطعمة ومرصعة، فتح فمه، وضغط على الزناد.

لم يكن دوستويفسكي بعيدا عن هذه التوجهات ابدا، فهو المريض بالصرع، وهو الذي وقف ينتظر الموت حين انتظم في صف المدانين بالإعدام، وهو أيضا المريض الذي لم يهدأ له بال او تتشبث به لحظة رضى وقناعة تتجاوز الألم والعذاب، شخصياته لا تخلو من مرضه ابدا، ولو خلت لكانت غثة لا قيمة لها على الاطلاق.

فان جوخ قطع اذنه ثم انتحر، جاك لندن، فالتر هارزن، كورت توخولسكي، ارثر كوستلر وزوجته، جميعهم انتحروا بالسم، ستيفان زفايج وزوجته اختارا الانتحار في يوم المهرجان الكبير الذي يقام في ريود جانيرو، اما الاديب جين آمري، فقد اختار يوم افتتاح الكتاب في المانيا ليكون يوم انتحاره، وكأنه يريد ان يوصل رسالة كانت تدور في خلده، او انه أراد موتا احتفاليا لامعا براقا يشد انتباه القراء اليه بطريقة غريبة، فها هو الروائي الإيطالي سيزار بافيز رفع مستوى الانتحار عنده الى مناسبة احتفالية حين صرح بان انتحاره افضل انجاز انجزه في حياته.

هناك أيضا حالات انتحار تكشف عن مرض كامن في العقل والنفس، فمثلا الروائية فرجيني وولف انتحرت خوفا من الجنون، اما الكاتبة الأرجنتينية مارتا لينش، فإنها لم تطق رؤية التجاعيد بوجهها، فقررت الانتحار وهي في الستين من عمرها لهذا السبب.

ما الذي يدفع مثل هؤلاء المشاهير للانتحار؟ اليس الموت ذاته يشكل هاجسا مرعبا عند الانسان قبل المبدع؟ قد يختلف الكثير بالنظر الى الموت كعالم خاص، لكن لا أحد يستطيع ان ينكر بانه يشكل فجيعة قاتلة ومصيبة عظيمة عند الغالبية من البشر.

العاطفة، الحساسية، الانفعال والتوتر، الشعور الواقع بين خيال الذات وواقع الوجود، وما يتصل بكل هذه من مسميات، يكون في حالات الكاتب والشاعر قادم من عالم متكامل من الوهم والخيال والتمني والذاتية المغرقة في توطيد كل هذا بقناعة مستبدة تعيش في ثنائيات متوازية لتشكل حالة مرضية تفتك بغيرها من حقائق الواقع وثوابت الحياة، بما فيها من صحة وخطأ. تتوالى العوالم الوهمية بالتداخل في كل المشاعر وتتركز، وتقصي كثير من الضوابط التي من شأنها ان تقلص سيطرة الخيال والوهم، فتتشكل العاطفة في جوف الفكر، كمغذي للتفكير وما يليه من تحليلات تتربص بالشخصية لتنثرها على خيوط حريرية حادة، تجرح وتكون اوراما من حب السيطرة والتفوق والتقوقع داخل ذات-يعتقد صاحبها- بعذريتها المطلقة، حتى تتداخل كل هذه وتلتحم كصبار مدبب ينمو نحو الداخل والخارج.

في هذه الاثناء يتحول الكاتب من كائن عادي، الى كائن مرهف محمل بالشفافية والرقة التي تغزل تطلعاته نحو المجتمع، من خلال رؤى ضبابية مثقلة بعدم الوضوح، وربما عدم المعقول، فهو ليس شخص واحد، هو مجموعة من الشخصيات المسطحة، وكم كبير من شخصيات مركبة، يجدها القارئ بوضوح في طريقة وصف الشخصيات لدى الروائي والقاص، فمن الحنكة للباحث والقارئ ان يرى الكاتب وما به من شذوذ عميق في الشخصية، من خلال مزج الشخصيات المركبة، السلبية والايجابية، الجانبية والاساسية، في شخصية الكاتب، لأنه مزيج معقد وصعب وثقيل من كل تلك الشخصيات، وليس فقط من شخصية البطل او شخصية الايجاب والخير في الرواية، وهذا ما يدفع الرواية او القصيدة او القصة، الى مرتبة العالمية بجدارة وصولها الى التوترات التي تعتصر الكاتب من كل الأعماق النفسية وتعتصره حتى يصل الى حالة من حالات الذهان المركبة من كل تلك الشخصيات وما رافقها من تفاصيل سجلت على الصفحات، وتفاصيل تم اعدامها داخل الشعور والاحساس للتعفن هناك، وتضخ سموم اوزار اعدامها.

ليس هناك على الأرض من يستطيع ان يدعي، بان الكاتب الذي وصل الى المرحلة التي سجلناها، له شبيه في الحياة الا من هو مثله، فلو افترضنا أن انسانا عاديا مر على طفلة صغيرة شوهتها ظروف الفاقة والفقر لتجلس على حافة رصيف تستجدي الناس لقمة عيش، ومر عليها كثير من الناس، فهم سيشفقون عليها، ويحزنون، وربما يبكون، لكن بالنسبة لمن تتحكم به عوالم من الشفافية والرقة، وعوالم من الخيال الخصب والمخصب، فان العالم سيقف محوره هناك، ستزوره الاحلام والكوابيس، يفقد القدرة على النوم، يتحرك باتجاهات متضادة، يبكي ويزدري العالم كله، ثم يبكي ويزدري نفسه لأنه جزء من مشكلة البنت ومشكلة الحياة، سيصدر احكاما على الحياة والوجود والعدالة تدخله في عالم خاص جديد، سيعاف طعم الشراب والطعام، سيلجأ للعتمة والنور بين حين وحين، ويوزع نفسه على سياط من التخاذل وعدم الرغبة في النظر للمرآة.

سيتكوم كل هذا في وعيه ولا وعيه، في مشاعرة واحساساته، في وهمه المنسوج من حالات الذهان والانتكاس والارتكاس، حتى يصل الى لحظة ينفصل فيها عن العالم وعن محيطه، بل وليحمل العالم مسؤولية كل شيء، دون ان يرى في نفسه القدرة على التوافق مع عالم لا يحمل غير الخطيئة والخطأ.

وكلما تقدم السن قليلا، وكثر الألم المركز والمعتق، وتداخلت احداث مع صور وتقلبات، كلما تعاظم المرض واستبد، وكل شخصية جديدة مكتوبة او قابعة في النفس تتقلقل وتترجرج، ستضفي على الشخصية، نوعا جديدا من أشياء مجهولة خاصة التكوين غير المرئي للكاتب، حتى تصل الى الوقوع في تناقضات شديدة السمية، لكنها لا تميت الجسد، بل تشعل التهابا هائلا داخل الروح والنفس والشعور، لتصل الى صلب كل ذلك على اضداد من الوعي المشوي والمشوه، والى لا وعي يصدر احكامه ليس المهم على العالم، بل على الذات التي تنهار داخل ذاتها فتسقط الماضي والحاضر والمستقبل في عمق مأزق له جنين يحتاج الى طلقات ولادة مجنونة، لا ليخرج الى النور، بل ليغوص بعمق المأزق ويتشبث به كمغذ للحياة، ونقطة تكوين للقادم.

ولو اردنا ان نحاول بقدر ما نملك من استطاعة تحويل الانهيارات والتردمات والعواصف والزوابع  الوهمية والخيالية في مفردات معينة تكاد تصف ما نصبو الى وصفه، مع التأكيد والقناعة، كروائي وقاص، أقول: بأن احاطة ذلك بالغموض الممعن بالغموض، والمجهول المولود من مجهول، ولا شيء موصول بلا شيء، والاعتراف المطلق بعدم القدرة على تبيين او إيضاح الحالات الشاذة، شديدة الشذوذ، الموغلة بالغرابة والتهويل، هو الوصف الحقيقي للعجز الذي يصيب الكاتب عن فهم ذاته ومحيطه، وهو ذات العجز الذي يحيط بمن يحاول كما أحاول الان تأطير ذلك ضمن مفردات محددة تؤدي كما اريد ان اوهم نفسي والاخرين، باني استطعت تقريب المعنى الذي اريد لذاتي وغيري.

السر الكامن في الكاتب، من حيث الابداع الموصول بالمرض النفسي والذهني، او سمه ما شئت من تسميات، الذوات. الأنا. التي تدور حولها كل الأشياء والمسميات.

الكاتب يملك أنا لكنها ليست واحدة، ويملك ذات ولكنها ليست ذاته او ذات واحدة. والأنا التي يملكها والذات، ليست ثابتة، او موصوفة او محدودة، بل هي متحولة بكل عددها، غيميه مائية، فوقها وتحتها ظلال متدرجة اللون والغموض، تتمدد وتتقلص، تندمج مع رياح وبذور وتويجات، تتلاحم مع شوك وزلزال وبركان، ينصهر كل في ذاته وبعضه، تتكون أنا وذات جديدة، تتمرد تغزوها بيوض نمل ونحل، تتكاثر من جديد، تتمرد، تلوحها اللدغات والتغيرات والحكاك، تنشأ دُنى جديدة في الأنا والذات، تحاول ان تتعرف على نفسها، شخصيتها، وجودها، تتوزع بين تحول وتحول، تبدل وتبدل، تصاب بالخضة، بالرجة، تغزوها نوازع الهزيمة، تردها قليلا ثقة بالانتصار، تخيم عليها الخيبة، تتفجر لتخلق عوالم جديدة وأنا وذوات جديدة

لتتحول وتتبدل كما كل تجربة من هذا الى ذاك، ومن شيء الى لا شيء، ومن لا شيء الى شيء، ومن معلوم الى مجهول، ومن مجهول الى مجهول، ومن واضح الى غامض، ومن غامض الى غامض، ليتلاشى المعلوم والواضح، ولا يبقى سوى ثقوب سوداء تخفي مراجل الصهر والاذابة عن كل شيء.

الجنين او بصورة اصح، الاجنة التي تخلق طلقات ولادة حادة، مدوية، كاوية، كي تخلق الإرهاق المتواصل والرعشات النفسية والشعورية، هي الذوات الموزعة في أعماق الكاتب، متحركة، قافزة، تصدر ضوضاء لا حد لها تحت سطح الأنا، تتشقق النفس، تغرق الشقوق بملح صارخ، كل هذه هي شخصية الكاتب المستقل بشكل ما عن العالم، عن المحيط او الدوائر العادية للحياة، فهو مجموع من أَسًى، أَنِين، إِكْتِئاب، تَأَلُّم، تَأَوُّه، تَوَجُّع، حُزْن، شَجًى، وَصَب وبَوَى.

في هذه اللحظة المعبأة بالازدحام، تولد الأنا العظيمة التأثير، لتصدر احكامها على كل الأشياء كما تريد، فيتكون الخيط الناري، الذي يسوق الكاتب نحو الوحدة، التي تقوده نحو الاضطراب المتوائم مع كل ما سبق، ليشكل عوالمه من بناء خاص برؤاه، فينفصل انفصال شبه تام عن المحيط، فيه شيء من الجنون المتمرد، وشيء من التميز في اكتشاف تفاصيل لا يستطيع من لا يملك هذا الاضطراب العاطفي والجنون الذاتي اكتشافها ولو خصص أعمار فوق أعمار.

فليس من الغريب ابدا، أن ترى من الكتاب من تؤنسه الوحدة والظلام، أكثر مما يؤنسه الجمع والضياء، وأن ترى ارنست هيمنغواي يفكر مليا قبل الانتحار، بنوع السلاح، وجماله، واللحظة الوادعة الهادئة التي سيقتل نفسه فيها، فهذا التصرف بالظاهر يوحي بأنه كان ممسكا بزمام الأمور، وأنه يفكر بروية وتأن، ويخطط بذهن واع مدرك حجم اللحظة، لكن الحقيقة انه لا شيء من ذلك صحيح، فهو كان مسوقا سوقا، كالمنوم مغناطيسيا، من ذات أو أكثر من ذات، للتوجه نحو تنفيذ الحكم بالإعدام الذاتي، فهل نستطيع لو حاولنا الان بكل ما نملك من علم ان نصل الى يقين عن الذات التي تمكنت منه ليصل تلك اللحظة، وهل هي ذات واحدة او كم هائل من الذوات التي نشأت مع الطفولة، فالشباب، وما تلا ذلك؟ هل هي الأنا العالية المعتدة بذاتها، ام مجموعة من الأنا التي تمازجت؟ نحن لا نعرف، ولن نعرف. جل ما يمكننا معرفته العودة الى رواياته لنقرأها مرة أخرى من اجل اقناع ذات من ذواتنا بذات من ذواته، دون ان نستطيع الوصول لتقلبات ذاته او ذواته او أناة ولو ادعينا ذلك

هل اريد القول بالنهاية ان العبقري في الرواية هو مجنون؟ نعم بكل تأكيد، هو مجنون عبقريته وذواته ومشاعره وانفعالاته ووجعه وشفافيته وتهويله ووهمه.

ولولا ذلك ما كان بين أيدينا الجريمة والعقاب لديستويفسكي، او قصة مدينتين، او الأم وبين الناس وجامعياتي لتولستوي، وما عندنا فيكتور هيجو، او ابن الرومي ومحمود درويش على سبيل المثال فقط.

 

مأمون أحمد مصطفى

13-01-2019

 

رشيدة الركيكسيستمر نزيف الأسر، وستذرف الدموع دما، مع آفات وأمراض يتخبط فيها المجتمع، وكأنه مس من الجن يجعل صاحبه مسلوب الإرادة، قاطعا الأمل في التغيير، محكوم عليه بضرورات حياتية لا يملك سوى الانحناء أمام أمواجها العاتية.

آفة هذا المشهد هو ظاهرة القمار في مجتمعاتنا العربية، فكم من قصص المقامرين انتهت حياتهم بحالة من الضياع واليتم الوجودي في شكل قطيعة مع العالم الاجتماعية، ومع العيش الكريم باستقرار نفسي وعاطفي.

استنزفت الجيوب وضاعت القيم الإنسانية،وتحولت الحرية إلى قفص من قضبان تضيع معه ملامح إنسان نفسيا واجتماعيا ، لتنقلب حياته بين أقصى القطبين، من بؤس شديد إلى نشوة مفتعلة سرها ربح منتظر.

لم يعد للإقناع والقدرة والإرادة والإختيار مكانا في ذات الإنسان، بعدما كان يتبجح بامتلاكه كل تلك الصفات.

هكذا يتحول الإحتفال الرمزي بطقوس لعبة المقامرة إلى إعتقال مجتمعي، وبعد الحكم في شكل إقصاء ونبذ كلما تضرر منه وعانى الأمرين.

فكم من ثروة صارت سرابا بين عشية وضحاها فتتحول الأسرة من حال إلى حال، من غنى إلى فقر واكتفاء إلى حاجة.

وقد تهتز كل الصور الحياتية ليرفض العقل هذا اللامعقول بين ما أمسينا عليه وما أصبحنا فيه، ليتنازل العقل عن معقوليته وتفكيره الخطي إلى حالات من الذهول عن واقع لم يستوعبه لسرعة تقلباته، وتنتهي به الحياة في عالم المجانين.

المقامرة إذن، مخاطرة بائسة، يائسة، تقودها الأحلام والأوهام والجري وراء السراب وراء خيبات أمل والغرق في بحر الضياع.

بعد استنزاف الجيوب والممتلكات تتراكم الديون نتيجة توالي الخسارة، ليكتشف بعدها أنه بريق وهم الربح المنتظر من سلبه كل قراراته وكذا طمعه في رزق لم يشقى من أجله، إنها جاذبية المال السهل بمتعة اللعب سر كل الضياع.

لعله دافع الوصول إلى تجربة توقع الفوز الوافر أو حتى الإقتراب منه في نوع من الإثارة، تحت تأثير نشوة الكسب الملتهبة.

المقامرة وضع من الأوضاع الإنسانية المعقدة، فيه يخسر المقامر من أجل الربح. بل وقد يتلذذ بالخسارة وكأنه يعاقب نفسه بشكل ماشوسي متلذذا بتلقي العذاب والحصول على المتعة كلما تلقاه.

هكذا يبدو وكأنه تتملكه رغبة لاشعورية في اتجاه الخسارة بذل الربح،أو يبحث عن شيء يستحقه وهو العقاب، أو أنه يكفر عن إحساس بالذنب ما من دون توقف.

الشيء الذي يجعلنا نطرح سؤالا: هل للمقامر تركيبة سيكولوجية خاصة؟ هل علينا أن نتفهمه أو نحاسبه؟

لقد قيل عنه انه شخصية اعتمادية سلبية فاقدة لأي نوع من الإستقلالية الذاتية في كل جوانب الحياة  إلا لعب القمار.

تصرفات جنونية بنوع من الخنوع مستشعرا الرضا بتكرار نفس الأفعال والأفكار، رافضا أي نقد أو تغيير، يطلب دون كلل أو ملل، وفي رفض الآخر معناه عزلة وتمرد وعداء بسبب أنانيته المفرطة.

على الكل أن يكون مسخرا له ولطلباته وحاجته النفسية للعب ربحا كانت أم خسارة فالنتيجة لا تهم.

هو إذن هوس باللعب والمجازفة مخاطرا بكل ما هو مادي ومعنوي. فأي محرك قوي هذا يدفعه للهلاك متجاهلا عالم المعقولات؟

كثيرا ما يقال أن الرغبة في الحصول على ثروات هائلة تعتبر محركا ودافعا معقولا إلى حد ما لكل مقامر. قيل أيضا دافع التسلية واللهو والإثارة للتغلب على انفعالاته أو أي شعور بالملل واليأس قد ينتابه. أو هو بحث عن اعتراف الآخر به، والمكانة والشعور بتقدير الذات والهبة.

فكيف لإنسان يتخلى عن هيبته وباحثا عنها دون كلل في لعب القمار بدون القدرة على التوقف سواء بالخسارة أو الربح؟

لم يدعه طمعه ليغادر صالة القمار تبدو على ملامحه نشوة الكسب الملتهبة، والتي لن تنطفئ،بل ولن يروي ظمأه أي انتصار، لكن تتجدد رغبته من جديد، فتطول معه الحكاية في شكل يوميات اعتاد عليها، ويعيش على أمل التمتع بلحظة الإنتظار لأي فوز.

و في حال الخسارة المتوقعة يبقى الحل أن يرمي كل ما لديه لعله يفلح أو يستدين أو حتى يرهن أي شيء، ثم يعود خالي الوفاض ليبيع كل ما يملك عندما تعمي هذه اللعبة بصيرته وكأن حب المال وشهوة الربح لن تجد لها قدرة للمقاوم.

قد يتكهن أو يتطير ليوم حظ آت بيقين معتقد، فيحاور الأرقام بطريقته ويحاول تفهمها

أو حتى استنطاقها لعلها تخبره بسر من أسرارها، تجمعه معها علاقة لم تستوعبها الذات المفكرة.

المهم هو الفوز ولا شيء غير الفوز. فكل مقامر مدمن عن اللعب ينسيه إدمانه أي حذر أو خوف ويقوده للهلاك بالمخاطرة في اتجاه المصير المظلم.

فهل يمكن لفقدان الحب والإحساس بالمتعة يجعله يبحث عنه في شكل قمار قهري؟

هكذا يعيش المقامر مجموعة من الاضطرابات النفسية والسلوكية والاجتماعية والاقتصادية ليعاني منها الأمرين، تشعل ناره الملتهبة في الفوز وينتقل لهيبها  فتحرق كل من يحيط به أو حتى من يعاشره، هم أطفال يشكون الجوع والألم والقهر وقد تلحقهم المقامرة  برهن أحدهم أو حتى أمهم، لتصبح عرضة للمساومة في سوق النخاسة حيث الجشع على أصوله، ومن تم الضياع الأسري. فلن نتعجب من تواجد أطفال في الشوارع تشربوا مر الضياع من رحم المعاناة قهرا.

فهل سننظر نحن كمجتمع للظاهرة في إطارها الإجرامي المستحق للعقاب؟ أم في سياقها المرضي؟ في شكلها الذاتي أم الموضوعي لتتداخل فيها مجموعة من العوامل الإجتماعية والإقتصادية والتربوية والدينية وحتى القانونية؟

والحقيقة أن الرابطة الأمريكية للطب النفسي تتحدث عن المقامرة المرضية وتسميه القمار القهري مثل الوسواس القهري، وإن كان التوجه الحديث يهتم بالعوامل النفسية والشخصية للمقامرة بدلا من الإهتمام بالعوامل الإجتماعية والإقتصادية.

ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أنها جريمة في حق المجتمع تستدعي منا التدخل السريع ولو حتى بالإسعافات الأولية.

وإن كانت المقامرة محرمة في جميع الأديان فإنها أيضا  جريمة في حق التماسك الأسري وفي حق الأدوار الإجتماعية التي حددها المجتمع سلفا ولا يمتثل لها المقامرون.

هكذا يبدو أن الوضع البشري بالغ التعقيد يجعلنا نتوه في الحكم مرة أخرى على المقامر: فهل اختار وضعه ليحاسب على تلك المسؤولية؟ أم اجبر مضطرا على هذا الحال؟

ثم لماذا يلعب البعض بغرض التسلية خاسرا بعض المال ليعود لحياته الإجتماعية ماسكا زمام الأمر فيلعب مقابل المال أو لإظهار مهارته الفكرية، والمهم أنه يستطيع كبح جماح نفسه لتتحول تلك الغلطة إلى لقطة من لقطات حياته؟

لكن ستظل تلك الغلطة غلطة العمر عند المقامر القهري ليستنزف ماله ووقته وتتعطل جل مصالحه متخليا عن عمله بدوافع لن تقاوم. وستظل فكرة القمار تلاحقه نائما أو يقظا: يحلم وهو يلعب ويستيقظ ليلعب من جديد ولتصبح حياته لعب في لعب بملامح الطفل المهوس.

إنه إدمان سلوكي يرتكز على الحظ في الحياة ويسقط بكل القيم الإنسانية السامية قد نرددها في حياتنا لكل مجتهد نصيب. والحقيقة أنه مجرم قي حق القيم الإنسانية السامية وخلخلة في نظمها. لتضيع المعايير التي على أساسها نميز بين كل المتناقضات فنعيش بها ونتعايش معها ونجري وراء السراب ووهم الفوز.

بينما كل فوز على الآخرين هو أخذ لمالهم وترك أسرهم في العراء، ذلك أن ربح البعض وفوزهم هو أكيد خسارة للبعض الآخر باعوا ما يملكون في اللعب، وأضاعوا أسرهم في صمت قاتل مسموع في سماء المعقولات،. فهل هو تحقيق للمال أم للدمار الأسري؟ فهنيئا لمن فاز بدمار المجتمع.

هو إدمان سلوكي إذن يجعله يلعب بنفسه ومستقبله وبأهله وأسرته بتكرار نفس الأفكار ونفس الأحداث، هم شباب أو شيوخ يجرون وراء السراب في اتجاه مظلم فيه من الخطورة ما يكفي لهدم الذات واحتراقا لطاقتها لتجر معها كل من اقترب منها.

وستبقى الإشكالات التالية تفرض نفسها:

ما الذي جعل من الدخول لأول تجربة انصهارا أو نفورا فيما بعد لهذا العالم؟

هل هناك من له استعدادا نفسيا للوقوع في فخ المقامرة والضياع؟

هل المسألة تتعلق بالمناعة السيكولوجية أم الأخلاقية أم شيء آخر؟

اختلفت المواقف والآراء باختلاف الحالات والتجارب الحياتية منهم من يستشعر الخطاب الإلهي في كل فعل يقوم به ويستوعب الرسائل جاعلا منها بوصلة لحياته ومساره.

ومنهم من يتوه في غياب هذه البوصلة .

يبدو أن التدين يعطي مناعة أخلاقية التي بدورها تؤدي إلى مناعة سيكولوجية في حالة من الاتزان.

فالإيمان بأن الرزق من الله يجعل الإنسان يبحث عن رزقه في إطاره الشرعي، بينما البحث عن الرزق بدون ضوابط ولا أخلاقيات يجعل من الإنسان بشع المنظر، يعيش توترا أو هيجانا وتحد للقدر، مخاطرا بكل شيء وأي شخص حتى بنفسه وكرامته.

لذلك يقال أن القمار فيه من كل شيء شيء، فيه جنون وفيه مرض وفيه مال وجنس...

 

بقلم رشيدة الركيك

 

نبيل عودةهناك العديد من الأدباء يحتمون وراء اصطلاح الحداثة، لتبرير غموض نصوصهم وأحيانا غياب المضامين منها. أصبح اصطلاح الحداثة تقليعة نعلق عليها كل غسيلنا الوسخ، كل عاهاتنا الإبداعية وكل أزمتنا الأدبية.

كيف يجوز ان نصف اعمالا ما بالحداثة وهي تفتقد للخطاب الأدبي البسيط، المشروط في العمل الإبداعي، وتحول الابداع الى مجرد نصوص تهوم بلا هوية مميزة، مضطربة المعاني، مفككة الصياغة ومليئة، وهذا الأساس، بالإفلاس الأدبي غير المعلن؟

ان التهافت لوصف كل نصوصنا الفاشلة بالحداثة، لا يضر الحداثة بشيء، انما يبرز عقم التفكير لدى البعض، والضياع داخل الاصطلاحات التي لم تنشا أصلا في ثقافتنا، انما استنسخناها من الحضارة الأوروبية بالأساس.

كثيرا ما اقرأ مراجعات نقدية لنصوص تافهة، يحاول الناقد ان يقنعنا بانها عمل ابداعي مميز. قرأت قبل فترة ديوان شعر لشاعرة، لم انجح في إيجاد مقطع شعري واحد يلفت الانتباه، لم أجد أيضا ضرورة للاحتفاظ بالكتاب في مكتبتي، لكني فوجئت بناقد يحمل شهادة الدكتوراة، لم يستح ان يجعل من الديوان مفخرة شعرية، سألت نفسي لعل بينه وبين الشاعرة ما يوجب هذا الحماس؟ طبعا ذهب صاحبنا بعيدا لدرجة انه أجلسها على عرش الحداثة الشعرية، وهي أصلا لم تكتب جملة شعرية واحدة، فأين وجد الشعر في ديوانها ليلصق به الحداثة؟

كيف نتعامل مع الحداثة او ما بعد الحداثة؟ (التي ربما لم يسمع بها ناقدنا؟) هل يجوز لمجتمع لم يبلغ بعد الحداثة، ولم يستوعبها، ان يبدا بالحديث عما بعد الحداثة؟ الا يعبر عدم فهمنا للحداثة عن وضعية فكرية؟ الا يعتبر الالتصاق بهذا التعبير ضربا من التهريج، خاصة حين نشبه بالحداثة كل ما هو تافه، غامض ومشوه؟

اذن ما هي الحداثة؟

يمر العقل البشري بعدة مراحل في تطوره. تمتد من المرحلة الغيبية-الخرافية، الى مرحلة الاحتكام للعلوم والمنطق. بينهما تنشأ عشرات المراحل في تشابك من الصعب فكه، مع ذلك كل مرحلة هي حديثة نسبيا، بالمقارنة مع سابقتها، وما زالت المجتمعات النامية، بل وبعض المجتمعات المتطورة، تعاني نسبيا بصورة اقل، من فكر خرافي غيبي. يبدو ان لتطور العلوم مساره المستقل، الذي لا يؤثر تأثيرا شاملا ومباشرا على المثقفين وذوي القدرة على استعمال عقولهم بموضوعية. هذه حالة منتشرة ومتجذرة خاصة في المجتمعات البدائية، للأسف معظم المجتمعات العربية لم تتجاوز هذه المرحلة. اذن كيف نتحدث عن خطاب الحداثة او ما بعد الحداثة، ونحن لم نتخلص بعد من القديم البائد؟ كذلك استصعب فهم الحداثة في مجتمع تغلب عليه العقلية اللاهوتية التي تنتمي الى الماضي. ان الخطاب العلمي الحديث في مجتمعاتنا لا يجرؤ حتى على توجيه النقد العلني، ومشكلته انه فكر مقموع يدافع عن شرعية وجوده وحقه في احتلال مكانته.

نحن كمجتمع ما زلنا نعيش في المرحلة اللاهوتية، لاهوتنا لا يمشي مع التطور. من الصعب ان نقول اننا في مرحلة "العلمية الوضعية"، وهي مرحلة هامة شهدتها أوروبا في طريقها للحداثة والتحرر من عقلية القرون الوسطى.

في الغرب هناك نقد لعقل الحداثة العلمية، لكننا بعيدون عن هذه الحداثة العلمية، مجتمعنا ما زال يحتكم لانتماءات اثنية وقبلية، بينما المجتمعات الحديثة طورت الدولة المتجانسة، دولة حقوق الانسان، التعددية الثقافية، حرية الرأي والمجتمع المدني.

الحداثة لم تولد في مجتمعاتنا الا فكريا، تعرفنا على الحداثة بالفكر، ونقاتل لجعلها قاعدة لحياتنا، والأدب والنقد الفكري الاجتماعي هو أحد أسلحتنا لترسيخ الحداثة في واقعنا الاجتماعي. السؤال: هل حقا يقوم ادبنا المأزوم بهذه المهمة؟ أليست أزمته هي التعبير الصارخ عن عجزه من القيام بدوره الحداثي؟

اليس ازدياد انتشار الفكر الأصولي هي الدلالة على تعثرنا الثقافي والاجتماعي وتراجع الفكر المتنور والحداثي لحساب القديم البائد؟

بيننا وبين الوصول للحداثة مرحلة تاريخية واسعة، لا أعني الوصول الى القناعة الفكرية، فأعداد كثيرة من المثقفين والأكاديميين يعيشون الحداثة بنبضها العالمي ولكنهم عاجزون عن جعلها نهجا اجتماعيا ثقافيا، يخلص مجتمعنا من لاهوتيته الغيبية، ويدفعه نحو العلم والعقلانية والتقدم. أصلا لا حداثة بدون بناء اقتصاد وعلوم والانتقال لنظام ديموقراطي، يحمي حق الاختلاف والتعددية الفكرية والدينية ويطبق القانون الوضعي وليس الديني.

بدل ذلك نجد من يجرؤ على تسمية الغيبيات بالحداثة، وادعاء البعض انهم الحداثة بعينها. الحداثة تعني أولا التخلص من الماضي الخرافي، من عقلية القرون الوسطى الغيبية، وان يسود العقل العلمي الذي يخرج مجتمعاتنا من مرحلة الانحطاط والتخلف التي نتخبط فيها، وان نعيد للفكر العربي مجده الغابر في العلوم والاكتشافات والتطور الاقتصادي والثقافي، وان تصبح المنافسة بيننا وبين الغرب ليس صراع أديان او حضارات بين حضارة حديثة وحضارة أصولية، انما المنافسة على الإنجازات العلمية، الاقتصادية والثقافية.

آية حداثة ستنشأ ومجتمعاتنا غارقة بخطب عمرو خالد وثقافة مصطفي محمود، و"فلسفة" الدواعش ومن لف لفهم، وفتاوى ارضاع الكبير ونكاح الكفاح وغيرها من الترهات التي  تثير الألم والاستهجان لعجز تفكيرنا عن الفرز بين المنطق الديني السليم والترويج لغباء ديني مدمر،  بينما الغرب يتعامل مع روسو وديرو  وكانط وهيغل وسبينوزا وماركس وورودنسون  ونيتشه وادوارد سعيد وغيرهم من حملة الفكر والتقدم الاجتماعي.؟

في آية مرحلة يعيش المجتمع العربي اليوم؟ هذا هو السؤال الذي على أساسه نستطيع ان نحدد مكاننا من الحداثة!!

ملاحظة:

كتبت المقال قبل أكثر من عقد من السنين ولم انشره. اليوم أستطيع ان اضيف انه يتطور ادب مهجري حديث لا يقل بحداثته وانفتاحه على التنور والحداثة الفكرية والابداعية عن أي ادب أجنبي آخر. حتى لغته العربية تزداد طلاوة واتقانا وجاذبية (ولا اعني القواعد والنحو والتقييد اللغوي الذي يسجنها وراء قضبان التزمت) . ابحثوا مثلا (كنموذج) عن اعمال الأديب المهجري المبدع د. جميل الدويهي، ربما يشكل في هذا المضمار النموذج الأمثل لفكر الحداثة الإبداعية والفكرية واللغوية. في وقته أيضا انجز ادباء المهجر انقلابا فكريا ولغويا أخرج لغتنا من سجن الغباء اللغوي والانغلاق، وساهم بتحريرها من التتريك القاتل والقيود المتزمتة. طبعا لا أنكر وجود ادباء ومفكرين حداثيين أبدعوا في مضمار الأدب والفكر، لكن الساحة الأدبية مقيدة بتطور المجتمع، ان تطوير الأدباء لمشروعهم الثقافي هو عملية تقع خارج مجتمعهم بواقعه وقيوده. لذا ليس بالصدفة ان المهجر أضحى ملجأ للكثيرين من المفكرين والعلماء والباحثين والأدباء!!

 

نبيل عودة

 

ضياء نافعواخيرا، تذكّرت جامعة موسكو، ان تشيخوف كان أحد طلابها وواحدا من أبرز وأشهر خريجيها، وقررت – اعتزازا به وتكريما له - ان تضع له تمثالا على ارض جامعته، جامعة موسكو العريقة . لقد سألت مرة أحد مسؤولي تلك الجامعة عن عدم وجود تمثال لتشيخوف وهو خريج تفخر باسمه كل جامعة، فقال لي، ان هناك اسباب كثيرة، اهمها طبعا تلك الظروف والاحداث التي اعقبت وفاة تشيخوف، اذ انه توفي العام 1904، اي عندما بدأت سلسلة احداث تاريخية كبيرة وهائلة في روسيا – الحرب مع اليابان، ثورة 1905 وفشلها، الحرب العالمية الاولى 1914، ثورة اكتوبر 1917 والحرب الاهلية التي أعقبتها، السنوات السوفيتية الاولى وصعوباتها، ظاهرة الستالينية وعواقبها، الحرب العالمية الثانية ونتائجها، وكل هذه الوقائع الكبيرة قد عرقلت اقامة تمثال او نصب لهذا الخريج المتميّز فعلا.. وكلام ذلك المسؤول منطقي ودقيق طبعا، اذ ان الامة تضع تماثيل رجالاتها لتخليدهم عندما تستقر الامور والاحوال فيها . يمكن ان نضيف هنا سببا وجيها آخر لتلك العوامل والاسباب التي حالت دون عمل تمثال لتشيخوف في جامعة موسكو، وهو ان النظام السوفيتي ألغى كليات الطب من الجامعات العامة منذ العام 1930، واقام بدلا عنها معاهد وجامعات طبية متخصصة لدراسة العلوم الطبية بشكل متكامل ومستقل، اي بمعزل عن تلك الجامعات الكلاسيكية (ان صح التعبير)، ولا زال هذا النظام معمولا به في روسيا الاتحادية لحد الان، ولهذا، فان جامعة موسكو (كما هو حال الجامعات الروسية الاخرى) كانت بلا كلية للطب في العهد السوفيتي، و تشيخوف خريج كلية الطب بالذات، ولهذا لم يتم نصب تمثال له، لان الكلية التي تخرّج فيها لم تعد قائمة في تلك الجامعة . الان، تم اقامة المركز الطبي العلمي - التعليمي في جامعة موسكو، وامام بناية هذا المركز بالذات تم وضع تمثال لطالب الطب تشيخوف، وهي خطوة تتلائم طبعا وتنسجم مع طبيعة الدراسة في هذا المركز العلمي بكل معنى الكلمة. تم وضع اساس هذا النصب العام 2010، عندما احتفلت روسيا (والعالم ايضا) بذكرى مرور (150) على ميلاد تشيخوف، وقد شارك محافظ موسكو آنذاك في تلك المراسيم، وأشار في كلمته الى (.. ان عشق تشيخوف للعاصمة موسكو ابتدأ بالذات منذ ايام الدراسة في جامعة موسكو ..)، وهي كلمات حقيقية وصادقة فعلا بالنسبة لمسيرة تشيخوف الحياتية والابداعية .

 تم تدشين النصب في الاول من ايلول / سبتمبر من العام 2014، اي في اليوم الدراسي الاول في الجامعة . يجسّد النصب الشاب تشيخوف مرتديا معطفه وهو جالس على مصطبة، ويحتضن بيده اليسرى كلبا صغيرا. التمثال يعتمد على صورة مشهورة جدا لتشيخوف ايام شبابه وهو يجلس – بمرح - بين افراد عائلته. على الجانب الايسر للنصب توجد لوحة نحاسية للعريضة التي كتبها تشيخوف بخط يده الى رئيس جامعة موسكو العام 1884، حيث يرجو فيها منحه دبلوم كلية الطب، التي انهاها بنجاح في ذلك العام الدراسي، اما في الجانب الخلفي للنصب، فتوجد قائمة بالاسماء المستعارة، التي استخدمها تشيخوف، عندما كان ينشر قصصه الساخرة الاولى في الصحف والمجلات الروسية، وهو طالب في كلية الطب بجامعة موسكو، وهي اسماء طريفة جدا، واصبحت الان معروفة طبعا في تراث تشيخوف، مثل – (انتوشا تشيخونتيه، او، شقيق شقيقي، او، طبيب بلا مراجعين مرضى ...الخ). بعد سنة من تدشين النصب هذا، اي في العام 2015، تم زرع حديقة كبيرة من اشجار الكرز امام هذا التمثال، تذكيرا بمسرحية تشيخوف الشهيرة (بستان الكرز)، واكمالا للاجواء التشيخوفية حول هذا النصب الرمزي الجميل لطالب كلية الطب بجامعة موسكو تشيخوف، والذي اصبح واحدا من الاسماء العملاقة في مسيرة الادب الروسي، والادب العالمي ايضا.    

 

أ. د. ضياء نافع

 

1181 شهربان معديأعرف الصديقة الكاتبة المبدعة شهربان معدي، ابنة بلدة يركا الجليلية، من خلال كتاباتها ومقالاتها التي نشرتها في عدد من المواقع الالكترونية المحلية والعربية. وقد توسمت فيها موهبة قصصية وأدبية يشار لها بالبنان، ناهيك عن ما تتصف به من روح إنسانية وثابة وصدق إنساني وثقافة إنسانية شمولية. فهي أديبة مثقفة واسعة الاطلاع والمعرفة، تغرف من بحور التراث العربي والآداب الإنسانية، وقاموسها غني وثري وحافل بالمفردات والتعابير الجميلة الراقية السخية.

تكتب شهربان للكبار والصغار، وقد صدر لها في مجال الكتابة للطفل كتابان هما "دمية جدتي"، و"نور في البستان السحري".

وقبل أيام ارسلت إليَّ شهربان كتابها " دموع لم تسقط "الصادر العام 2017، وجاء في 160 صفحة من الحجم الكبير، ويشتمل على مجموعة من القصص القصيرة والصور القلمية ذات الطابع الانساني الاجتماعي الواقعي، وقدم له الشاعر الاديب وهيب نديم وهبة، ومما كتبه: " مجموعة شهربان معدي القصصية، هي مساحة الإنسان، في وقت نسينا فيه الغناء، نسينا جمال الطبيعة. وشهربان ليست ساحرة ولكن تعيدنا إلى الإنسانية، إلى الأرض، تعيدنا إلى السماء المنسية ".

في حين كتبت دار آسيا للنشر على الغلاف الأخير للكتاب: " عندما تقرأ قصص شهربان معدي تشعر وكأنك شاهد عيان لأحداث تقع امامك، فتعيش الجو كاملا، وتبتهج مع أبطال القصة، أو تتألم معهم، وتصبح شريكا في مجريات الأمور. وقد برعت شهربان في وصف حضارة عشناها نحن، وحرم منها أبناؤنا وصغارنا ".

شهربان معدي تستمد موضوعاتها من الواقع والحياة والبيئة الاجتماعية، من الطبيعة والأرض، ومن الماضي الجميل، من قيمه وتراثه وتقاليده السائدة.

فهي تكتب عن واقعنا الاجتماعي، بايجابياته وسلبياته، وتسلط الضوء على الظواهر السلبية والاوبئة والادران الاجتماعية، وتتناول هموم المرأة وقضاياها، وترسم صور حنينية لماضي الآباء والاجداد، ولحياة الناس في الزمن الغابر، وتصور العلاقات الاجتماعية وطابعها البرجماتي، حيث أن النزعة البرغماتية لا تتفق والأخلاقية بكل أشكالها، وكذلك التفكك الاجتماعي، وسيادة الفردية، وتحطم جدران الاجتماعية الانسانية، وتعزز مفهوم العدالة البدائي والمثالي، وانه لا فرق بين إنسان وإنسان، أي لا طبقية في المجتمع.

ومن خلال أقاصيصها تظهر أفكار شهربان معدي التقدمية المستنيرة جلية واضحة، حيث تطرح مواقفها إزاء الكثير من المسائل والقضايا الاجتماعية والفكرية والسياسية، كالشرف والعنف والحروب والسلام والتسامح والقيم الأخلاقية والسلوكية والذاتية البغيضة الفاسدة، وحرية الفكر والمعتقد، وحرية المرأة، ومسألة العودة للتراث وسوى ذلك.

وتمتاز قصص المجموعة بالتركيز والتكثيف والايحاء وعنصر التشويق واستحضار الذاكرة واستلهام الماضي، واللغة الأدبية الشاعرية المدهشة واللافتة، والسردية المعبرة، والبناء الفني الجميل للحدث بحيث تستثير القارئ للنهاية المتفائلة.

أما شخصيات قصصها فمن الناس البسطاء وعامة الشعب من أبناء القرية والريف، وهي مسحوبة من أرضية الواقع وتتلاءم مع الحدث وتنسجم معه. وتكمن مهارة شهربان في تصوير الحدث ومتابعته وتجميعه بصورة مكثفة لينفجر في النهايات بعناية فائقة.

وتعبق قصص شهربان برائحة أرض الجليل، بروث المراعي، وزعتر الجبال، وسنديان يركا، وعطر البلاد، ونلمس فيها نكهة ريفية وفلاحية وقروية، ونحس من خلالها بالألم والوجع والقهر الإنساني، بالمرارة، والأمل، والمحبة، والعلاقات الطيبة، والمحبة، والانتظار، والحلم المنتظر.

شهربان معدي في مجموعتها القصصية " دموع لم تسقط " ملتصقة حتى النخاع بالمجتمع، تنقل هموم ومعاناة افراده بأسلوب سردي وصفي يعتمد الايجاز والاهتمام بالشخوص والكشف عن ملامحها.

وتندرج نصوصها ضمن القصة القصيرة، ونجد اهتمامها بالفكرة والموضوع، وهي تدل على دراية الكاتبة بفن القصة القصيرة واركانها وتقنياتها السردية الحديثة.

ويتضح من خلال القصص الثراء الفكري والمعرفي الذي تتمتع به الكاتبة ما يسمح لها بنسج قصصها بطريقتها الخاصة، وخدمة نصها واثرائه دلاليا.

شهربان معدي كاتبة وقاصة ماهرة، تمتلك براعة في التصوير والتوصيف ورسم الشخصيات، وجمالية في التشكيل اللغوي، واعتماد عنصر التشويق والمفاجأة، والحرص على اثارة دهشة القارئ والمتلقي، وجاء أسلوبها ممتعًا، وموضوعاتها متنوعة موغلة في عمق النفس الإنسانية.

دموع شهربان لم تسقط، وباكورة قصصها التي بين أيدينا تشي بمشروع قصصي سردي جميل الملامح وواعد، نرجو له النمو والاستمرارية والاختمار أكثر حتى درجة الاكتمال وبلوغ الهدف.

فللصديقة الكاتبة شهربان معدي احر التحيات واطيب الامنيات والمزيد من العطاء والابداع والتألق والحضور أكثر في المشهد الأدبي الفلسطيني الراهن.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعولد الكاتب العراقي الكبير غائب طعمه فرمان في بغداد عام 1927 وتوفي في موسكو عام 1990 ودفن فيها، وهو الكاتب العراقي الوحيد الذي يرتبط اسمه ببغداد وموسكو، والتي عاش فيها الثلاثين سنة الاخيرة من حياته. لقد انجز غائب خلال هذه الفترة من حياته ترجمة اكثر من ثمانين كتابا  تضم مؤلفات كبار الادباء الروس مثل تورغينيف ودستويفسكي وتولستوي وغوركي...الخ، وعليه، هل يمكن اعتباره المترجم العراقي الاول والابرز في القرن العشرين؟. هذا هو السؤال، الذي حاولنا ان نناقشه في تلك الجلسة العراقية بموسكو، والتي حدثت بمحض الصدفة ليس الا، ونحاول في هذه المقالة عرض بعض الاراء التي تم طرحها حول هذا الموضوع الطريف والجديد فعلا، الجديد قلبا وقالبا كما يقال .

قال الاول، ان البعض منّا يركّز على الادب الروسي بالذات من منطلقات سياسية بحتة، والتي اصبحت عتيقة في زماننا، ولهذا يأتي اسم غائب طعمة فرمان في المقدمة طبعا، والا، اين نضع المترجم جبرا ابراهيم جبرا مثلا ؟ أجاب الثاني بهدوء، نضعه في مكانه الطبيعي، اي في فلسطين، فقاطعه الثالث وقال، كلا، كلا، جبرا يبقى في العراق لان كل نشاطه الابداعي المتميّز بما فيها الترجمة كان في العراق بالذات، واضاف مبتسما - جبرا الفلسطيني ازدهر على الارض العراقية واصبح جزءا لا يتجزأ من مسيرة الثقافة العراقية، بما فيها الترجمة طبعا، ويجب الاقرار بهذه الوقائع الثابتة بغض النظر عن اي اجتهاد آخر. رفض بعضهم فكرة الغاء (الاجتهاد الآخر)، حتى لو كان يتعارض مع الوقائع، مؤكدين ان الوقائع نفسها هي (اجتهادات فكرية) بعض الاحيان . قال احدهم، لا تدخلوا بالفلسفة رجاء، ولنرجع الى موضوعنا المحدد ونبقى في اطاره، واود ان اتحدث عن قضية واضحة هنا، وهي - اين نضع الاسماء العراقية الاخرى في مجال الترجمة، مثل المترجم العراقي الكبير والمنسي مع الاسف يوسف عبد المسيح ثروت مثلا، او المترجم المبدع عبد الواحد لؤلؤة، او او او ...الخ . طرح شخص آخر رأيا جديدا في هذا الحوار قائلا، انكم تتحدثون عن ترجمة الادب فقط، وتتناسون جوانب الحياة الاخرى الكثيرة والمتنوعة، والتي تحتاج الى جهود المترجمين أكثر بكثير من الادب . أيّدته عدة أصوات رأسا من هنا وهناك، بل قال احدهم ضاحكا – (نعم نعم يا اخي فقد شبعنا من الآداب !) . علّق احدهم بعد ان هدأت الاصوات قائلا – وهل يوجد مترجم عراقي كرّس كل وقته وجهده  لترجمة اشياء بعيدة عن الادب؟ فاجابه واحد من الحاضرين – نعم، مثلا الدكتور داود المنير(الذي كنّا نسميه داود كرومي) ترجم لنا عن الروسية عشرات الكتب العلمية البحتة عن الروسية في مجالات الهندسة والفيزياء والميكانيك وغيرها من العلوم، والتي تحوّل حتى قسم منها الى كتب منهجية اوكتب مساعدة في بعض الجامعات العربية، وهو الوحيد بين العرب كافة (الذين قضوا حياتهم في موسكو) الذي اعطانا قاموسا روسيّا – عربيا في مجال العلوم البحتة، وهذا بحد ذاته يعدّ عملا علميا رائدا في مجال الترجمة وخدمة عظيمة للاجيال اللاحقة في هذا المجال . قال واحد من الذين كانوا صامتين كل الوقت، انكم نسيتم المترجم الذي سبقهم جميعا وبزمن طويل،   وقدّم لنا حتى ترجمة تسميات تسلسل الضباط ورتبهم في عشرينيات القرن العشرين عند تأسيس الدولة العراقية بلغة عربية سليمة ولا زالت معظم تلك التسميات سائدة لحد الان، واظن انكم فهمتم طبعا اني اتكلم عن المترجم الكبير عبد المسيح وزير، والذي يمكن القول انه المترجم العراقي الاول في القرن العشرين، اذ  انه كرّس كل حياته لمهنة الترجمة وما حولها  من تعليم اللغات واعداد المترجمين والاشراف على امتحاناتهم ...الخ. اعترض آخر على كلامه قائلا، ان معظم العراقيين حتى لا يعرفون اسمه الان، فعلّق احدهم قائلا، وهل يعرف العراقيون تاريخهم الفكري بشكل دقيق وصحيح؟ ضحك الجميع، وقال احدهم – انهم اصبحوا سياسيين من صغيرهم الى كبيرهم، وتخضع كل الاسماء لهذه النظرة السياسية الضيقة، وبما ان عبد المسيح وزير لا يرتبط بهذه الجماعة او تلك، فانه يبقى مجهولا حتى للذين يعتبرون انفسهم (مثقفين !!!) . قال شخص بصوت جهوري واضح، ما رأيكم ايها الرفاق بمقترحي لانهاء هذا النقاش الطويل العريض، والذي يبدو انه بلا انتهاء ولن نصل فيه الى قرار، فسأله الجميع، وما هو مقترحك هذا ؟ فاجاب ضاحكا – ان نعلن، اننا بعد مناقشاتنا المتشعبة، توصلنا الى قرار يقول، ان المترجم العراقي الاول هو حنين بن اسحاق، وان ذلك يقتضي فقط ان نحذف من كلامنا كلمتين لا غير، وهما – القرن العشرين . انه مترجم كبير وعظيم، ويتمتع بكل الصفات، بما فيها (صفة!) - ان معظم العراقيين لا يعرفونه.. استهجن البعض هذه السخرية، وصفّق البعض لها، وضحك البعض منها، وتباينت الآراء بشأنها، ولكن الجميع وافقوا على انهاء المناقشات، رغم ان البعض اقترح عقد جلسة لاحقة وموسّعة لبحث الموضوع من كافة جوانبه بعد ان تهدأ (العواصف !!!) الترابية وتستقر النفوس، وعلّق احدهم مبتسما – وهل ستهدأ تلك العواصف الترابية فعلا وتستقر النفوس؟... 

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعاستلمت تعليقات كثيرة ومتنوعة جدا حول مقالتي بعنوان – (شئ عن جريدة برافدا الروسية)، وكان من جملة هذه التعليقات طلب ورجاء من أحد القراء بالكتابة (وبنفس تلك الرشاقة الجميلة عن الشقيقة الصغرى لصحيفة برافدا، وهي صحيفة ازفيستيا !! / هكذا كتب لي)، وها انا ذا اكتب هذه السطور، مستخدما في العنوان تعبير (الشقيقة الصغرى)، الذي أعجبني فعلا  ...

لازالت هذه الجريدة تصدر وبنفس صيغة و طريقة كتابة التسمية كما كانت سابقا، مع الاشارة الى تاريخ صدورها اول مرة ولكن بحذف صور الاوسمة والمداليات السوفيتية التي حازت عليها في العهد السوفيتي (وكلها تحمل صور لينين طبعا)، بينما تحتفظ شقيقتها الكبرى برافدا بتلك الاوسمة باعتبارها لسان حال الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية، اما ازفيستيا فانها تكتب فقط جملة – جريدة يومية اجتماعية - سياسية، وفي يدي الان عددها المرقم 30410 الصادر بتاريخ 24 ايلول / سبتمبر العام 2019، وتوجد في نهاية الصفحة الثامنة منه عدة ملاحظات، اقدّم للقراء بعضها – سعر الجريدة حر / كل حقوق النشر محفوظة / عند اعادة نشر المواد يجب الاشارة الى الجريدة / آراء الكتّاب في عمود (آراء) يمكن الا تتطابق مع موقف هيئة التحرير / عدد النسخ المطبوعة من هذا العدد هو 83890 / .

صدرت صحيفة ازفيستيا في بداية عام 1917 (شباط – مارت)، واصبحت بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 لسان حال مجالس نواب العمال والجنود والفلاحين، وكلمة مجلس بالروسية – (سوفيت)، ومن هذه الكلمة تبلور اسم الدولة الجديدة – اتحاد المجالس، اي اتحاد السوفيتات، وهكذا اصبح اسم الدولة – الاتحاد السوفيتي . يشير رئيس تحرير صحيفة ازفيستيا في العشرينات، ان لينين كان يعتبر هذه الصحيفة أعلى من برافدا، وذلك لان هذه الصحيفة ملزمة ان تنشر كل قرارات وتعليمات ال (سوفيتات) باعتبارها لسان حال تلك المجالس، اي لسان حال حكومة الدولة الجديدة، اما صحيفة برافدا فانها كانت لسان حال الحزب الشيوعي، ولهذا، كانت ازفيستيا تطبع 400 الف نسخة آنذاك، اما برافدا فتطبع 150 الف نسخة فقط . وهكذا استمرت الامور، وهكذا اصبحت برافدا لسان حال الحزب وازفيستيا لسان حال الحكومة، وعندما كنّا في الستينات طلبة في موسكو كان الامر مستقرا بهذه الصورة الواضحة جدا امامنا، نحن الاجانب، وكان رئيس تحرير ازفستيا عندها الصحافي أدجوبيي، وهو زوج ابنة خروشوف، وكلاهما (الزوج والزوجة) من خريجي كلية الصحافة في جامعة موسكو . توجد قائمة طويلة من اسماء رؤوساء تحرير هذه الصحيفة عبر تاريخها منذ تأ سيسها ولحد الان، ولكن هناك اسمان يتميّزان بينهما فقط هما – بوخارين و أدجوبيي . ربما يعرف بعض القراء العرب (الذين يتابعون تفاصيل تاريخ الحركة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي) اسم بوخارين ومكانته البارزة في مسيرة الحزب الشيوعي الروسي و الدولة السوفيتية عموما . لقد شغل بوخارين مناصب قيادية كبيرة في الاتحاد السوفيتي، وآخر تلك المواقع هو رئيس تحرير صحيفة ازفستيا (1934 – 1937)، ثم جرت محاكمته السريعة واعدامه زمن ستالين في تلك الحملة الستالينية الرهيبة التي ترتبط بعام 1937 الشهيرة . أمّا أدجوبيي، فقد كان رئيس تحرير هذه الصحيفة منذ عام 1959 والى عام 1964، عندما تم عزل خروشوف من مناصبه كافة، وهكذا تم طبعا نقله من صحيفة ازفستيا – لسان حال الدولة السوفيتية . كانت صحيفة ازفيستيا برئاسة زوج ابنة خروشوف منبرا لافكاره وطروحاته السياسية والاجتماعية، تلك الافكار التي كانوا يسمونها آنذاك (ذوبان الجليد)، وكان القراء يتابعون ما تنشره بحذافيره وكل تفاصيليه، ونتيجة لذلك فقد تضاعف عدد النسخ التي كانت تطبعها الى اربع مرات ، ووصل الى اكثر من 6 مليون نسخة (كما تشير المصادر الروسية)، وأخذت تصدر ملاحق خاصة اسبوعية، وتحولت تلك الملاحق الى مجلات اسبوعية واسعة الانتشار، مثل مجلة (زا روبيجوم) (وراء الحدود)، وهي مجلة تتابع ما تنشر الصحف والمجلات الاجنبية وتقوم بترجمتها الى الروسية، وكانت هذه المجلة الاسبوعية مطلوبة جدا من القراء السوفيت، وهي مجلة سياسية واجتماعية وادبية متنوعة، وكنّا نضطر (في جامعة موسكو) الى الوقوف في الطوابير للحصول عليها في يوم اصدارها . وأصدرت صحيفة ازفيستيا ايضا مجلة اسبوعية اخرى هي (نيديليا) (الاسبوع)، وقد حازت تلك المجلة ايضا على مكانة متميّزة عند القراء السوفيت، وعلى نجاحات و شهرة كبيرة . ان هذا التألق لصحيفة ازفستيا يرتبط باسم أدجوبيي، القريب جدا من مركز القرار السياسي طبعا، بل انه اصبح حتى عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب . واختتم هذه الملاحظات عن أدجوبيي بما كنّا نسمع – نحن طلبة جامعة موسكو آنذاك – من نكات واشاعات وتعليقات حوله، ومنها مثلا، يوجد مثل روسي شائع يقول – مئة روبل لا تمتلك، بل مئة صديق امتلك، وقد تم تحوير هذا المثل كالآتي – مئة روبل لا تمتلك، بل تزوج مثل أدجوبيي ...

صحيفة ازفيستيا لازالت مزدهرة بين الصحف الروسية المعاصرة، ولازالت تعدّ واحدة من الصحف المركزية في روسيا الاتحادية، وليس مثل شقيقتها الكبرى برافدا، التي تراجع دورها، واصبحت تصدر ثلاث مرات في الاسبوع، ويتداولها انصار حزبها فقط ... 

 

 أ.د. ضياء نافع

 

هادي جلو مرعيأصاب بالخدر للوهلة الأولى، ثم تفيض عيناي، ثم أتأمل، ثم أسافر حيث البيت الذي عاشت فيه أم كلثوم، والذي يشق قلب النيل قرب مرسى السفن السياحية التي تجوب النهر ليلا ونهارا تحت الشمس، أو في رعاية القمر.

فاطمة البلتاجي السيدة الصوفية التي جاءت من الدقهلية لتغني في القاهرة العظيمة، وهي أم كلثوم ثومة  تسحبني الى عالمها المثالي المليء بالأزاهير والأغاني والألحان والبواكي الرائقة والرقي والكياسة والشجن، وتعلمني أن اللحن والكلمة والصوت ثلاثي قاتل يطيح بعروش القلوب التي يتربع عليها سلطان القسوة والجبروت والتعالي، وأعرف إن كثيرا من الرعاع والبدو والساسة الحمقى والتجار والقتلة والسراق والحكام الدكتاتوريين كانوا يستمعون إليها مثلهم مثل الفقراء والطيبين والحزانى، وقد يكون قولها في رائعتها الشهيرة القلب يعشق كل جميل ملائما لحال هولاء الجبابرة المستسلمين:

كنت أبتعد عنه

وكان يناديني ويقول

مصيرك يوم تخضع لي وتجيني

وهي تناجي ربها في رائعتها التي غنتها في مصر والإمارات، وسواها قبيل وفاتها عام 1975 وكانت تأسر القلوب والعقول، وتتلقى سيل الإعجاب والتصفيق، والكلمات الرائقة والمعبرة عن حب كبير، وإعجاب لانظير له.

في روائعها العديدة التي لاتنسى كانت تبتكر النجاح قبل المباشرة بالعرض على الجمهور، والحضور في المسرح. فقد إختطت لنفسها ذلك السبيل، وكانت قاسية مع المؤلف، ومع الملحن، ومع الفرقة الموسيقية، ومع نفسها، وكنت أتخيل ذلك المشهد الرائع في قصر النيل الذي غنت فيه، بينما أنظر جهة المنزل الذي عاشت فيه، وهو يستقبل دفق النهر القادم من الجنوب بمياهه العذبة الباردة، والمنعشة التي تغازل نسمات ليل القاهرة.

ولدت أم كلثوم في 31 ديسمبر عام 1898 ورحلت عن عالمنا في 3 نوفمبر عام 1975 ولكنها بين اليومين عاشت عقودا من الإبداع، والبهجة المونقة في ظل الشعر واللحن العذب، وكانت تحمل صوتها العذب أين حلت لتبهر المستمعين الذين يبكون ويصفقون ويكبرون ويهتفون دون وعي منهم، فهم في حضرة أم كلثوم.

يوم 31 ديسمبر يوم مميز، ففيه أحتفل بعيد ميلادي، لكن شعورا يراودني إنني سأموت في يوم ما، وقد يكون باردا وجافا، وبسبب الفشل الكلوي الذي توفيت بسببه أم كلثوم.

 

هادي جلو مرعي

 

منى فتحي حامدمنذ أعوام وعصور، أزمنة وعقود، تتهافت على صدورنا من نفحات ربيع، تداعب ملامحنا بعطور ورياحين من نرجسيات الأمل والتفاؤل بالمِسك وأريج المُغرمين، يقدمونها إلينا فى كؤوس مُزخرفة، منقوشة عليها صور المحبة بين نابليون وچوزفين،كانت تنجذب أعيُّننا نحو همساتهُما ..

فنتساءل: ألن ننجذب إلى ما بداخل الكأس من عصير الليمون؟

ثم ننتظر وتتطاير كلمات ألسنتنا عن سردٍ ميمون، فجأة تتوالى بأفئدتنا نبضات الأشواق والحنين،

ومتى نُصبِح مثلهم ولِلهوى نكون ..

آه يا عقول دُنيَّوية طغت عليها آدميّة وطغيان فرعون، ألباب تناسَت المشاعر والأحلام ورومانسية بلقيس، تباعدت كثيراً عن مثاليات الحق والخير، والجمال فى ابتسامة أفروديت، أذهان تهدف إلى صراع الأجيال مع البقاء للأصلح مع التغيير.

فالسؤال مطروحاً لنفسي الآن:

أنا وذاتي، أين حياتي مع كل تلك الرياح والأعاصير، وخيَّالاتي غارقةً فى جُبِ آبار وعيون، كيف أتعايش مع غياب الرومانسية ورحيل روح الانسانية وهجر الضمير، فَأنا انسانة راجية الهدوء ومن طيبات النخيل مذاق وإكسير، أريكة ديّاري وسط أنهار وبساتين، وجيراني من فراشات وكروان وعندليب، مضجعي سندس من ريش نعام وعطر الياسمين..

ها أنا هنا حُلمي الحياة والعشق والدفء بين روميو وچولييت.

ليت الهمسات تلامس أيديهم، تداعب آذانهم، تحلق بسمائهم، تعانق دروبهم، تُذكرهم بغراميات أزمنة ونغم، تُتَوجَهم بِأساطير السندباد والعشق، فهل كانت أفروديت عاشقة للسندباد،لاااا

حقاً أفروديت من وحيّ الخيال.

 

د. منى فتحى حامد

 

محمد جهاد اسماعيلقبل ثمان سنوات، كنت قد كتبت دراسة أدبية عنوانها (تأملات في عالم الروبنسونات). وأفتخر أنني أحد النقاد العرب القلائل الذين كتبوا حول الروبنسونات، هذا الجنس الأدبي المظلوم والمهمل عربياً، رغم أهميته الفائقة وحضوره الطاغي، في الأدب العالمي. أيضاً أفتخر بمساهمتي في تعريب المصطلح، بنقله عن الكلمة الإنجليزية الأصلية (Robinsonade).

دأبت في الأعوام الماضية، وبشيء من الجد والاجتهاد، على التنظير لهذا الجنس الأدبي الرائع، محاولاً رسم ملامح كيانه وكينونته، مبرزاً شخصيته واستقلاليته، ليكون في أعين العرب جنساً أدبياً قائماً بذاته، ومميزاً بجلاء عن بقية الأجناس.

وفقت إلى حد كبير في الترويج والتنظير لهذا الجنس الأدبي، ولاقت كتاباتي حوله اهتماماً وانتشاراً لا بأس فيه. لكني أطمع له بمزيد من الانتشار، ليغدو مألوفاً ومعروفاً، لدى سائر المثقفين والمهتمين العرب.

يستحق هذا الجنس الأدبي أن ينتشر ويشتهر عربياً، وعلى أوسع نطاق، فالكثير من تحف وروائع الأدب العالمي تنتمي إليه. بداية من الرواية الأم (روبنسون كروزو) التي استمد منها هذا الجنس اسمه، وصولاً إلى رواية جزيرة الكنز، وجزيرة المرجان، وأمير الذباب، وعائلة روبنسون السويسرية، والكأس الذهبية، والجزيرة الغامضة.

لم تبق سطوة هذا الجنس الأدبي حبيسة للروايات والكتب، بل وصلت إلى السينما، وأثبتت فيها حضوراً قوياً. فمن وحي رواية روبنسون كروزو وباقي الروايات آنفة الذكر، استلهم رجال السينما أفكارهم وأنتجوا لنا أروع الأعمال الفنية، كفيلم قراصنة الكاريبي، وفيلم المنبوذ Castaway, وفيلم كل شيء مفقود All is Lost, ومسلسل سقوط الرحلة 29, ومسلسل الضياع Lost.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب من فلسطين

 

ضياء نافعجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي هي الجائزة الاولى في سلسلة هذه الجوائز، التي تحمل اسم نوّار (الراحل الذي لم يرحل) باعتباره ابن العراق وابن روسيا معا . فاز بهذه الجائزة في دورتها الاولى السيد بوغدانوف نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية (انظر مقالتنا بعنوان – بوغدانوف يفوز بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي)، وكان ذلك في العام 2018، وفي الذكرى الرابعة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية العراقية – الروسية، أمّا في العام 2019، عندما احتفل الجانبان العراقي والروسي بالذكرى اليوبيلية (75 سنة) على اقامة تلك العلاقات، فقد قررت لجنة جائزة نوّار منح جائزتين بدلا من جائزة واحدة تحية لهذه الذكرى اليوبيلية، جائزة للعراق (ويستلمها سفير العراق في روسيا السيد حيدر العذاري)، وجائزة لروسيا (و يستلمها سفير روسيا في العراق السيد مكسيم مكسيموف) . الجائزة الثانية في سلسلة هذه الجوائز هي جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية، والتي تحمل اسم نوّار باعتباره ابن الثقافتين العربية والروسية، وثنائية الثقافتين هذه تحتاج الى تعزيز حركة الترجمة بينهما وتوسيعها . فاز بهذه الجائزة بدورتها الاولى (2019) المترجم العراقي الدكتور تحسين رزاق عزيز، رئيس تحرير المجلة العراقية العريقة (الثقافة الاجنبية) التي تصدرها وزارة الثقافة في العراق .

جائزة نوّار الثالثة في سلسلة هذه الجوائز ترتبط بمدرسة الموسيقى والباليه العراقية، وذلك لأن نوّار هو خريج هذه المدرسة الفريدة في العراق، المدرسة التي تأسست في بغداد العام 1968، وكان من المفروض ان تكون لديها بعض الفروع في المدن العراقية الاخرى، ولكن ذلك لم يحدث – مع الاسف الشديد – نتيجة عوامل عديدة . مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد ترتبط ايضا بالعلاقات العراقية – الروسية، اذ ان هذه العلاقات هي التي منحت الكوادر التدريسية الفنية لها من المدرسين الروس في الموسيقى والباليه، ومن الخريجين العراقيين، الذين درسوا في الجامعات الروسية . ان مدرسة الموسيقى والباليه في العراق تذكرنا – نحن العراقيين – باسماء مبدعين كبار في تاريخنا المعاصر مثل فنان الشعب العراقي عزيز علي (الذي عمل هناك في اوائل تأسيس تلك المدرسة الرائدة) والموسيقيّ منير بشير وشقيقه فكري بشير وغيرهم، ان هذه المدرسة هي تعبير رائع لمسيرة بناء المجتمع المدني العراقي السليم، الذي ابتدأ منذ ثلاثينات القرن العشرين في الدولة العراقية الفتيّة، عندما تمكن عباقرة العراق الاوائل من وضع اسس الفنون الجميلة (كما استقر هذا المصطلح لغويا في مجتمعنا)، والتي تعني تلك الجوانب الضرورية للحياة الانسانية من الفنون المسرحية والتشكيلية والموسيقية وكل ما له علاقة بهذا الجانب الجمالي للحياة الانسانية، وقد انعكس كل ذلك في تأسيس معاهد الفنون الجميلة واكاديميتها، وجاءت مدرسة الموسيقى والباليه تتويجا منطقيا لكل هذه الظواهر .

جائزة نوار الثالثة ترتبط بهذه المسيرة وتسمى – (جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه) . وهكذا تصبح هناك ثلاث جوائز تحمل اسم الراحل الذي لم يرحل نوّار وكما يأتي -

جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي

جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية

جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه

 وتخطط لجنة جوائز نوّار لاعلان نتائج كل هذه الجوائز في الشهر التاسع من العام القادم (2020) .

 

أ.د. ضياء نافع

 

من الأعياد المهمة عند المسلمين في المشرق والمغرب والأندلس لما له من مكانة دينية مقدمة حيث يمثل ولادة سيد خلق الله وأعظمهم نبلا وأشرفهم خلقا كما خاطبه الله سبحانه وتعالى بقوله (وانك لعلى خلق عظيم )1 (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)2 ولم تكن هذه المناسبة الشريفة تحمل صفة رسمية في الأندلس وسلطنة غرناطة الا في وقت متأخر وذلك في منتصف القرن 7ه/13م حيث كانت قبل هذا التاريخ تحمل صفة اجتماعية الى أن جعلها حاكم سبتة cueta  الفقيه أبو العباس السبتي العزفي (ت633ه/1236م) وولده أبو القاسم العزفي3 وأصبح المولد النبوي في عهدهم مناسبة رسمية خالدة وعزيزة في سبتة وغرناطة وباقي المدن في الأندلس والمغرب مثلما تقام شعائره في الشرق الإسلامي ومغربه حيث صنف أبو العباس العزفي كتابا قيما لهذه المناسبة الكريمة اسماه"كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم" وقد اكمله ولده ابو القاسم العزفي بعد وفاة والده.

أما الاحتفال في ليلة القدر المباركة في 27 رمضان كان لها مكانة مقدسة في العالم الإسلامي وفي الأندلس كانت تقام المجالس في المساجد والربط والزوايا و بها تقرا آيات الذكر الحكيم و الأحاديث الشريفة والمواعظ والصلوات وكان لهذه الليلة منزلة مقدسة و بها انزل القران الكريم على سيدنا محمد ومنزلتها كمنزلة ليلة المولد النبوي الشريف وقد اوجد لنا الفقيه ابن مرزوق مقارنة بين الليلتين (ليلة القدر المباركة وليلة المولد النبوي الشريف) كما أوردنا ذلك سابقا كانت المساجد تنار بالشموع والزيت في ليلة القدر المباركة حتى الفجر وقد تطرق لنا ابن الخطيب الغرناطي و أرخ لهذه الليلة العظيمة كما ورد في النص بقوله ونزلوا الى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام 670هـ فاستظهروا بالمشاعل والصراخ فما راعه إلا النداء والضجيج وأصوات الطبول.

كما احتفلت الأندلس بليلة الإسراء والمعراج التي وردت في القران الكريم سبحان الذي اسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى شانهم بذلك عما كان يحدث في المشرق الإسلامي ويتم الاحتفال الديني لهذه الليلة المباركة .

أما عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى المبارك فهما مناسبتان دينيتان عند المسلمين وتحدثت المصادر الأندلسية عن هذه الأعياد لما لها من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين وقد خصصت مقالة عن العيد لأبي محمد عبد الله الاسدي في (رسالة في الحسبة ) لعمر بن عثمان بن عباس الجرسفي

كما انشد شاعر غرناطة ابن زمرك قصيدة في مناسبة عيد الفطر المبارك ذكر فيها اصطلاح (العديات) والهدايا التي قدمها ومنحها للأمير الغرناطي السلطان محمد الخامس للحضور.

وفي العاشر من شهر ذي الحجة من السنة الهجرية كانت العوائل الإسلامية من مختلف الطبقات والمذاهب والمستويات الاجتماعية تحتفل بفرح وبهجة وعظمة وتقدير لهذه المناسبة في عيد الأضحى المبارك وتقليدا للقيم العربية الإسلامية وتتم بهذا العيد التضحية او نحر المواشي كالأغنام والأبقار والمواشي الأخرى بالإضافة الى ارتداء الملابس الجديدة للكبار والصغار كما أن العوائل المتوسطة كانت تعمل الموائد والتي تحتوي على البيض والخضروات والفواكه وفي القرن الثاني عشر الميلادي ذكر الأديب الفقيه ابن قزمان القرطبي انه يتم توجيه احد المواطنين أو المسؤلين  من الرجال الذين يدافعون عن العادات والتقاليد حيث كان يعرض على كل عائلة اكتساب أو اقتناء خروف كل عام وفي كل بيت لابد من ان يتم الفرح والطرب لبضعة أيام من العيد بالإضافة الى أنشاد القصائد ويتم تناول الفواكه والكرزات .

أما يوم عاشوراء فهو مناسبة عظيمة في الأندلس والمشرق والمغرب الإسلامي ويصادف العاشر من محرم الحرام ذكرى استشهاد سيد الشهداء الحسين بن ابي طالب (عليه السلام وكرم الله  وجه) حفيد سيد الكائنات محمد ويحتفل المجتمع الأندلسي بالمناسبة وتلقى القصائد والخطب الدينية استذكارا بالبطولة والشهادة ومما انشد في الاحتفال في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني (الأوسط) من الفقيه والمؤرخ الأندلسي عبد الملك بن حبيب الالبيري للأمير هذه الأبيات المناسبة:

لاتنس ـ لاينسك الرحمن عاشــورا            واذكره لازلت في الأحياء مــذكورا

قال الرسول ـ صلاة الله  تــــشمله             قــــولا وحدنا عليه الحق والنـــورا

من بات في ليل عاشوراء ذا ســعة             يكــن بعيشه في الحــول محبـــورا

فارغب ـ فــديتك فيما فيـه رغبنــا             خــير الـورى كلهم حيــا ومقبـــورا

وفي غرناطة تحتفل فئة وطبقة من المجتمع بإحياء ذكرى عاشوراء مثل باقي مدن الأندلس واعتاد بعض الأهالي من الصيام في ليلة العاشر من محرم تضامنا مع الشهادة والبطولة التي وقعت بالمناسبة .

 

أعداد: الأستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

.......................

(1) القلم :3.

(2) الأنبياء :107.

(3) عن حياة الفقيه أبو العباس العزفي وولده الفقيه أبو القاسم العزفي ينظر:ابن الخطيب الغرناطي /الإحاطة /ج3/11والحاشية  2’14 ابن عذاري المراكش /البيان المغرب/تحقيق:محمد إبراهيم الكتاني ’محمد بن تاويت وآخرون (قسم الموحدين) دار الغرب الإسلامي